المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

425-. حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قالَ: حدَّثني اللَّيْثُ، قالَ: حدَّثني عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قالَ: أخبَرَني مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصارِيُّ:

أَنَّ عِتْبانَ بْنَ مالِكٍ _وهو مِنْ أَصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصارِ_ أَنَّهُ أَتَىَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذا كانَتِ الأَمْطارُ، سالَ الوادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ [1] فَأُصَلِّيَ بِهِمْ [2] ، وَوَدِدْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ تَأتِينِي فَتُصَلِّيَ [3] فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذَهُ [4] مُصَلًّىَ. قالَ: فقالَ لهُ [5] رسُولُ اللهُ: «سَأَفْعَلُ إِنْ [/ج1ص92/] شاءَ اللهُ». قالَ عِتْبانُ: فَغَدا [6] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهارُ، فاسْتَأذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّىَ [7] دَخَلَ البَيْتَ، ثُمَّ قالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ [8] بَيْتِكَ؟». قالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إلىَ ناحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ، فَقُمْنا فصفَفْنا [9] ، فَصَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، قالَ: وَحَبَسْناهُ علىَ خَزِيرَةٍ صَنَعْناها لَهُ، قالَ: فَثابَ فِي البَيْتِ رِجالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ، فاجْتَمَعُوا، فقالَ قائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِن [10] أَوِ ابْنُ الدُّخْشِنِ [11] ؟ فقالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَقُلْ ذَلِكَ؛ أَلا تَراهُ قَدْ قالَ: لا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟!». قالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: فَإِنَّا نَرَىَ وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إلى المُنافِقِينَ. قالَ [12] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ».

قالَ ابْنُ شِهابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصارِيَّ _وَهْوَ أَحَدُ بَنِي سالِمٍ، وهو مِنْ سَرَاتِهِمْ_ عن حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأنصاريِّ [13] ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ.

الأطراف



[1] في رواية ابن عساكر: «المسجدَ».
[2] في رواية الأصيلي: «فأصلي لهم»، وزاد في (ن، ق) نسبتَها إلىَ رواية أبي ذر.
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[4] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[5] لفظة: «له» ليست في (ن).
[6] في رواية الأصيلي ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «علَيَّ».
[7] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «حِينَ».
[8] في رواية ابن عساكر ورواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «في».
[9] هكذا في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت و [عط] أيضًا، وفي رواية غيرهم: «فَصَفَّنا».
[10] هكذا ضُبطت في اليونينيَّة، وكتب فوق الخاء: (كذا).
[11] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«الدُّخْشُنِ».
[12] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فَقالَ».
[13] قوله: «الأنصاريِّ» ثابت في رواية ابن عساكر أيضًا.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

425- ( عِتْبَانَ ) بعين مهملة مكسورة.

( فَتُصَلِّيَ ) بالنصب جواب التمني.

( فَأَتَّخِذَهُ ) بالنصب عطفًا عليه.

( فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ) وفي رواية: «حين».

( فصففنا ) وفي رواية: «فَصَفَّنَا» بالتشديد.

( خَزِيرَةٍ ) بحاء معجمة ثم زاي، وروي بحاء وراء مهملتين، وفي البخاري في باب الأطعمة تفسير الأولى: قال النضر: هي من النخالة كما أن الحريرة بمهملة كلها من اللَّبن.

( فثَاَر رِجَالٌ ) بمثلثة، أي: جاؤوا متتالين بعضهم إثرَ بعض [1] ، وهو بمعنى: اجتمعوا.

( الدُّخْشُنِ ) بضم الدال المهملة والشين المعجمة وسكون الخاء المعجمة وآخره نون، ويروى: بالميم، ويروى: «الدُّخيشن» و«الدُّخيشم» مصغَّرين [2] ، وهو عَقَبيٌّ [/ج1ص155/] بَدْري. وإنَّما كرهت الصحابة منه مجالسة المنافقين ومودَّتهم، وقد شهد له الرسولُ صلى الله عليه وسلم بأنه «قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجهَ الله» [3] ، وهذا ينفي عنه هذه المظنَّة.

( سَرَاتِهِمْ ) بسين مفتوحة، خيارهم.

[1] في [ب] : متتالين أثرهم أثر بعض...
[2] قال ابن حجر رحمه الله: لم أره مصغرًا بالميم، وفي الطبراني عن أحمد صالح: «الدخشم» هو الصواب.
[3] قال ابن حجر رحمه الله: ليس في سياق الحديث شهادة منه له بذلك، وإنَّما فيه قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا تراه قد قال».





425# (عِتْبَانَ) بعين مهملةٍ مكسورة.

(فتُصَلِّيَ) قال الزركشي: بالنصب جواب التمني، و((أَتخذَه)): بالنصب عطفًا عليه.

قلت: إن ثبتت الرواية بالنصب، فالفعلُ منصوب بأن مضمرة، وإضمارها هنا جائزٌ لا [1] لازم، و((أن)) والفعل بتقدير مصدر معطوفٍ على المصدر المسبوك من ((أنك تأتيني))؛ أي [2] : وددتُ إتيانكَ، فصلاتَك، فاتخاذي لمكان [3] صلاتك مُصلًّى، وهذا ليس في شيءٍ من جواب التَّمني الذي يريدونه [4] ، وكيف ولو أظهرت ((أن)) هنا لم يمتنع، وهناك يمتنعُ؟ ولو رفع تصلِّي وما بعده بالعطفِ على الفعل المرفوع المتقدِّم،

@%ج1ص193%

وهو [5] قولك [6] : تأتيني، لصحَّ، والمعنى بحاله.

(فَصَفَفْنَا) بالفكِّ، ونا فاعل، ويروى: <صفَّنا> بالإدغام ونا مفعول.

(عَلَى خَزِيرَةٍ [7] ) بخاء معجمة فزاي. وروي: بحاء وراءين مهملات.

وفي البخاري في باب: الأطعمة تفسيرُ الأولى، قال النَّضر: هي من النُّخالة، كما أن الحريرةَ [8] بمهملة كلها من اللَّبن.

وفي «الصحاح»: الخزيرة _ يعني: بالمعجمة _: أن تُنصب القِدرُ بلحمٍ يقطَّع صغارًا على ماءٍ كثيرٍ [9] ، فإذا نضج ذرَّ [10] عليه الدقيق، وإن لم يكن فيها لحمٌ، فهي عصيدةٌ.

وفيه: والحريرة _ يعني [11] : بالمهملة _: دقيقٌ يطبخ بلبنٍ.

(فَثَابَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ) بثاء مثلثة وموحدة بينهما ألف. قال السَّفاقسي: أي: اجتمعوا.

قلتُ: لو جُعل كذلك [12] مع أن بعده: فاجتمعوا، لزم [13] عطفُ الشيء على مرادفهِ، وهو خلاف الأصل، والأولى أن يفَسَّر [14] هذا بما [15] ذكره القاضي، وذلك أنه قال: وثاب الناس: جاؤوا متتالين [16] بعضُهم إثرَ بعضٍ.

(ابْنُ الدُّخَيْشِنِ) بدال مهملة وخاء وشين معجمتين ونون على التَّصغير، ويروى أيضًا على التصغير، بميم عِوض النون.

(أَوِ: ابْنُ [17] الدُّخْشُنِ) على التَّكبير، بضم الدال وسكون الخاء وضم الشين.

(فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ) بلام قبل الكاف. ويُروى: بدون لام.

نقل بعضُ الشارحين عن ابن عبد البرِّ: أن القائل ((ذلك منافق)) هو [18] عِتبانُ بنُ مالك، وفيه نظرٌ.

(لاَ تَقُلْ ذَلِكَ) يروى: بلام، وبدونها، وإنما كرهت الصَّحابة من ابن الدُّخشن مجالسة المنافقين ومودَّتهم [19] ، وقد [20] انتفت الظِّنَّة [21] _ ولله المِنَّةُ _ بشهادةِ [22] مَنْ لا ينطِق عن الهوى أنه قال: ((لا إله إلا الله

@%ج1ص194%

يريد بذلك وجه الله)).

قال ابن المنيِّر: وفي هذا الحديث الرخصةُ في بيع الدُّور، وقد اتَّخذ مالكُها فيها [23] مكانًا يحترمه، ويصلِّي فيه، ويسمِّيه مسجدًا [24] ، وإنما يحرم بيعُ المساجد المحبَّسَةِ [25] للناس عمومًا، فمسجدُ البيت مرتفعٌ في الحُرمة عن سائر البيت، ولهذا لا يُقعد فيه جنبًا، ولا يَبلغ حُرمة [26] المسجد المطلق، ولهذا يُباع، ويتحرَّز [27] أهلُ العوائد في الفنادقِ [28] بمساجد يتخذونها فيها بمحاريب [29] يتوقَّوْنَ بذلك أن تُنزل للفرنج [30] ونحوهم، فلا يَمنع ذلك من بيعها.

ولا ينبغي أن يُستجاز إنزالُها للفرنج؛ لحرمة [31] صورةِ المسجد، وإن كان مملوكًا.

(وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ) بفتح السين المهملة، جمع سَرِيٍّ؛ أي: من [32] خيارهم [33] . ومنع السُّهيليُّ كونَه جمعًا، ونسبَ النحاةَ فيه إلى الوهم، وسيأتي كلامه [34] .

[1] ((لا)): ليست في (ق).
[2] ((أي)): ليست في (ق).
[3] في (ج): ((بمكان)).
[4] في (ق): ((يريدون)).
[5] ((وهو)): ليست في (ج).
[6] في (ق): ((في قوله)).
[7] في (ق): ((خرزة)).
[8] في (ق): ((الحرير)).
[9] في (ق): ((على كثير من الماء)).
[10] في (ق): ((رد)).
[11] ((يعني)): ليست في (ق).
[12] في (ق): ((لذلك)).
[13] في (ق): ((ألزم)).
[14] في (ق): ((تفسير)).
[15] في (ق): ((كما)).
[16] في (ق): ((مثالين)).
[17] في (ق): ((وابن)).
[18] في (ق): ((وهو)).
[19] في (ق): ((وتوددهم)).
[20] في (ق): ((قد)).
[21] في (ق): ((المظنة)).
[22] في (ق): ((شهادة)).
[23] ((فيها)): ليست في (د).
[24] في (ق): ((مسجد)).
[25] في (د): ((المجسة)).
[26] في (ق): ((حرمته)).
[27] في (ق): ((ويتحرم)).
[28] في (ق): ((أهل الفنادق في العوائد)).
[29] في (ق): ((محاريب)).
[30] في (ق): ((يترك الفرنج ونحوهم)).
[31] في (ق): ((بحرمة)).
[32] ((من)): ليست في (ق).
[33] في (ج): ((أخيارهم)).
[34] في (د) و(ق): ((كلامه فيه)).





425- قوله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابنُ عُفَيْرٍ): تقدَّم مرارًا أنَّ عُفَيرًا [1] بضمِّ العين المهملة؛ مصغَّر.

قوله: (حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ): تقدَّم مرارًا أنَّه بضمِّ العين، وأنَّه ليس في «البخاريِّ» عُقَيل _ بالضَّمِّ _ سواه، وتقدَّم ما في «مُسْلِم» من ذلك.

قوله: (عن ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم أعلاه.

قوله: (قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي): وجاء في رواية: أنَّه عمي، وفي أخرى: ضرير البصر، وفي أخرى: (أصابني في بصري بعضُ الشَّيء) ، فيجوز أنَّ يكون أراد بالإنكار والإصابة العمى، ويجوز أنَّ يكون ذهب معظمه، وأطلق عليه عمًى؛ لقربه منه.

قوله: (وَوَدِدْتُ): هو بكسر الدَّال الأولى، وحُكِي فتحُها؛ ومعناه: تمنَّيت.

قوله: (فَأَتَّخِذَهُ): هو منصوب في أصلنا بالقلم، ثُمَّ أُصلِح على الضَّمِّ، والضَّمُّ ظاهر، والله أعلم، والنَّصب معطوف على (فأصلِّيَ) قبلها.

قوله: (على خَزِيْرَةٍ): هي بفتح الخاء المعجمة، وكسر الزاي، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ راء مفتوحة، ثُمَّ تاء التَّأنيث، وجاء في رواية أخرى: بحذف تاء التَّأنيث، وفي تفسيرها أقوال؛ منها: أنَّها لحم يُقطَع صغارًا، ويُصبُّ عليه ماء كثير، وإذا نضج؛ ذُرَّ عليه الدَّقيقُ، وسيأتي في هذا الكتاب: أنَّ النَّضر قال: (الخَزِيرَة: من النَّخالة، والحريرة -يعني: بالحاء- من اللَّبن) انتهى، وكذا قال أبو الهيثم أيضًا، وقال النَّوويُّ: (نخالة فيها غليظ الدَّقيق) انتهى.

قوله: (فَثَابَ): هو بالثَّاء المثلَّثة في أوَّله، وبالباء الموحَّدة في آخره؛ أي: اجتمع.

قوله: (مِنْ أَهْلِ [2] الدَّارِ): أي: المحلَّة والقبيلة.

قوله: (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ): هذا القائل لا أعرفه.

قوله: (أَيْنَ مَالِك بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ [ابْنُ] الدُّخْشُنِ؟): هو بضمِّ الدَّال المهملة، ثُمَّ خاء مفتوحة، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ شين مكسورة، معجمتين، ثُمَّ نون، كذا في الأصل الذي سمعت فيه على العراقيِّ، قال ابن قُرقُول: والدُّخشن، والدُّخشم، والدُّخيشن، والدُّخيشم؛ كلُّ ذلك قيل في والد مالك المتَّهم بالنِّفاق، وليس به نفاق، وقال القاضي: رُوِّيناه: دخشم؛ مكبَّرًا، ودخيشم؛ مصغَّرًا، ورُوِّيناه في غير «مسلم»؛ بالنُّون بدل الميم؛ مكبَّرًا ومصغَّرًا) انتهى.

وقال الغسَّانيُّ: (دُخْشُم؛ بضمِّ الدَّال، وسكون الخاء، وشين معجمة مضمومة: هو مالك من الدُّخشم، ويقال: بالنُّون، ويقال: دِخشِن؛ بكسر الدَّال والشِّين، ويقال مصغَّرًا: الدُّخَيشن، من الأنصار، ثُمَّ من بني عمرو بن عوف، ممَّن شهد بدرًا، وكان يُتَّهم بالنِّفاق، ولا يصحُّ عنه إن شاء الله، هو مذكور في حديث عِتبان بن مالك) انتهى، وهو مالك بن دخشم بن مالك بن غنم الأنصاريُّ، عَقَبيٌّ بَدريٌّ، كذا قال [3] الذَّهبيُّ.

وقيل في اسم جدِّه: مرضخة، ولعلَّه لقبه، وقال ابن عبد البَرِّ: لَمْ يُختلَف في شهوده بدرًا، واختُلِف في شهوده العقبة، انتهى، وقد نصَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على إيمانه باطنًا، وبراءته من النِّفاق؛ بهذا الحديث.

قوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ [4] : ذَلِكَ مُنَافِقٌ): قال شيخنا الشَّارح: ذكر أبو عمر: أنَّ قائله عِتبان بن مالك، انتهى، والذي قال [5] أبو عمر فيه ذلك: إنَّه عِتبان بن مالك؛ يحتمل أن يكون هو، والظَّاهر أنَّها قصَّة أخرى، ولفظ أبي عمر [6] في ترجمة مالك بن الدُّخشم: وهو الذي أَسرَّ فيه الرَّجل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أليس يشهد أنْ لا اله إلَّا هو؟»، فقال الرَّجل: بلى؛ ولا شهادة له، فقال له [7] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أليس يصلِّي؟»، فقال: بلى؛ ولا صلاة له، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أولئك الذين نهاني الله عنهم»، فالرَّجل [8] الذي سارَّ [9] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عِتبان بن مالك) انتهى.

والظَّاهر أنَّ هذه قصَّةٌ غير التي في «الصَّحيح»، والله أعلم، ثُمَّ إنِّي رأيت ابن شيخنا البلقينيِّ ذكر أنَّ فيه نظرًا، ومفهوم كلامه أنَّهما قصَّتان.

قوله: (فَإِنَّ الله قَدْ حَرَّمَ على [10] النَّارِ...) إلى آخره: فإن قلت: كيف يُجمَع بين هذا وبين النُّصوص التي فيها تعذيب العاصي من الموحِّدين؟

والجواب: أنَّه قد ذُكِر في هذا الحديث عنِ الزُّهْرِيِّ أنَّه قال: نزلت بعد ذلك فرائض وأمور نُرَى أنَّ الأمر قد انتهى إليها، أخرجه مسلم، وعند الطَّبرانيِّ أنَّه من كلام عثمان، واعترض ابن الجوزيِّ وقال: إنَّه لا يشفي؛ لأنَّ الصَّلواتِ فُرِضت بمكَّة قبل هذه القصَّة بمدَّة، وظاهر الحديث: يقتضي أنَّ مجرَّد القول يدفع العذاب ولو ترك الصَّلاة.

والجواب: أنَّ من قالها مخلَّصًا؛ فإنَّه لا يترك العمل بالفرائض؛ إذ إخلاص القول حامل على ردِّ اللَّازم، أو أنَّه يحرم عليه خلوده فيها، وقال بعضهم: إذا غُفِر له وتُقبِّل مِنْهُ، أو يكون أراد نار الكافرين، وأنَّها محرَّمة على المؤمنين، والله أعلم، وهذا ملَّخص من كلام شيخنا الشَّارح.

قوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ): تقدَّم أعلاه أنَّه الزُّهْرِيُّ [11] .

قوله: (ثُمَّ سَأَلتُ الحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ): هو بضمِّ الحاء، وفتح الصَّاد، المهملتين، كذا ذكره غير واحد، قال ابن قُرقُول: ووقع للأصيليِّ والقابسيِّ في «البخاريِّ»: (سألت الحضين بن محمَّد) ؛ بضاد معجمة، قال القابسيُّ: ليس في «الكتاب» بالضَّاد غيره [12] ، وكذا وجدت عنِ الأصيليِّ قيده، وصوابه -كما للجماعة- بصاد مهملة، انتهى.

وهو الحصين بن محمَّد الأنصاريُّ السَّالميُّ، سأله الزُّهْرِيُّ عن حديث محمود بن الرَّبيع عن عِتبان بن مالك، فصدَّقه، أخرج له البخاريُّ ومُسْلِم والنَّسائيُّ في«عمل اليوم واللَّيلة»، قال في «الميزان» ما لفظه: (وأمَّا حصين بن محمَّد السَّالميُّ؛ فمُحتجٌّ به في «الصَّحيحين»، ومع هذا فلا يكاد يُعرَف) انتهى، قال شيخنا الشَّارح في ترجمته: (وذكره ابن حِبَّان في «ثقاته») انتهى، ثُمَّ إنِّي رأيته فيها في التَّابعين، ولم يذكر عنه راويًا سوى الزُّهْرِيِّ، ولا ذكر غيره عنه راويًا سواه، ثم إنِّي رأيته [13] في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، ولفظه: (حصين بن محمَّد السَّالميُّ الأنصاريُّ المدنيُّ روى عن عِتبان بن مالك، روى عنه: الزُّهريُّ مُرسَلٌ: سمعت أبي يقول ذلك، انتهى.

قوله: (وهو مِنْ سَرَاتِهِمْ) [14] : هو بفتح السِّين المهملة؛ أي: من رفعائهم وأشرافهم، قال السُّهيليُّ: (وكذلك لا ينبغي أنْ يقال في «سراة القوم»: إنَّه جمع «سُرًى»، لا [15] على القياس، ولا على غير القياس، كما لا يقال ذلك في «كاهل القوم»، والعجب كيف خفي هذا على النَّحويِّين، قلَّد الخالف [16] منهم للسَّالف، فقال: سراة: جمع «سُرًى»، ويا سبحان الله! كيف يكون جمعًا وهم يقولون في جمع سراة: سروات؛ مثل: قطاة وقطوات؟ يقال: هؤلاء من سراة النَّاس، كما يقال: من رؤوس النَّاس، ثُمَّ أنشد بيتًا لقيس بن الخطيم، ثُمَّ قال: ولو كان السَّراة جمعًا؛ ما جُمِع؛ لأنَّ على وزن «فَعَلَة» هذا البناء في الجموع [17] لا يجمع، وإنَّما سرى من السُّرو؛ وهو الشَّرف [18] ، فإنْ جُمع على لفظه؛ قيل: سريٌّ وأسرياء؛ مثل: غنيٍّ وأغنياء، ولكنَّه قليلٌ وجوده، لا يُدفَع القياس فيه، وقد حكاه سيبويه) انتهى [19]

وقال الجوهريُّ: (وجمع السَّريِّ: سراة، وهو جمع [20] عزيز، أنْ يجمع «فعيل» على «فعلة»، ولا يعرف غيره، وجمع السَّراة: سروات) انتهى.

[1] في (ب): (مرارًا أنَّه) .
[2] في (ج): (أبي) ، وليس بصحيح.
[3] في (ب): (قاله) .
[4] في هامش (ق): (قال شيخنا: قال ابن عبد البَرِّ: إنَّ القائل هو عتبان بن مالك) .
[5] في (ج): (قاله) .
[6] في (ج): (عمرو) ، وهو تحريف.
[7] (له): سقطت من (ب) .
[8] في (ج): (قال الرَّجل) .
[9] في (ب) و (ج): (سأل) ، وليس بصحيح.
[10] في (ج): (علي) ، وهو تحريف.
[11] هذه الفقرة جاءت في (أ) متقدِّمة عى قوله: (فإنَّ الله قد حرَّم على النَّار...) .
[12] زيد في (ب): (وكذا ذكره غير واحد، قال ابن قُرقُول) .
[13] في (ب): (رأيت) .
[14] زيد في (ب): (قال السُّهيلي) ، وضرب عليها في (أ) .
[15] (لا): سقطت من (ب) .
[16] (ج): (المخالف) ، وليس بصحيح.
[17] في (ج): (المجموع) .
[18] في (ب): (شرف) .
[19] (انتهى): ليس في (ج) .
[20] (جمع): ليس في (ب) .





425- (فَإِذَا كَانَتِ الْأَمْطَارُ): (كَانَ) تامَّةٌ.

(فَأُصَلِّيَ): بالنَّصبِ عطفًا على (آتِيَ)، أو بالنَّظرِ إلى أنَّه في جوابِ النَّفيِ.

(فَتُصَلِّيَ): بالنَّصبِ جوابًا للتَّمنِّي.

(فَأَتَّخِذهُ): بالرَّفعِ، وفي بعضِها بالنَّصبِ ؛ لأنَّ الفاءَ [وقعت] بعدَ التَّمنِّي [1] المستفاد مِنَ الودادةِ.

واقتصرَ الزَّركشيُّ على النَّصبِ في (فَتُصَلِّيَ) و (فَأَتَّخِذَهُ).

(وَنَصِيحَتَهُ إِلَى): إنَّما عُدِّيَ هنا بـ (إلى) وإنْ كانَ تعديتُه باللَّامِ؛ لتضمُّنِه معنى الانتهاءِ.

(سَرَاتِهِمْ): قال الكَرمانيُّ: ( [السَّرَاة] : جمعُ «السَّرِيِّ»، وهو] جمعٌ عزيزٌ؛ إذْ لا يُجمع «فَعِيلٌ» على «فَعَلَة»، وجمع «السَّرَاة»: «سَرَوَات») انتهى، وهذا قالَه الجوهريُّ.

وقال السُّهَيليُّ: (وخَفِيَ على النَّحْويينَ، قلَّدَ الخالفُ منهمُ السَّالفَ،[/ص48/] فقال: «سَرَاة» جمع «سَرِيٍّ»، وكيف يكونُ جَمْعًا وهم يقولونَ في جمع «سَرَاة»: «سَرَوَات»؛ مثل: «قَطَاة» و«قَطَوَات»؟! يقال: هؤلاءِ مِنْ سَرَوات [2] [12 النَّاسِ؛ كما يُقالُ: مِنْ أشرافِهِم).

ثمَّ قال: (ولو كانَ «السَّرَاةُ» جَمْعًا؛ ما جُمِعَ؛ لأنَّه [3] على وزن «فَعَلَة»، [ومثلُ] هذا البناءِ في الجمعِ لا يُجمعُ، وإنَّما «سَرِيٌّ» من «السَّرْوِ»؛ وهو الشَّرفُ، فإنْ جُمِع على لفظِه؛ قيل: سَرِيٌّ وأسْرِياء؛ مثل: غَنِيٍّ وأَغْنِيَاء، ولكنَّه قليلٌ وجودُه، [وقِلَّةُ وُجُودِهِ] لا تدفعُ [4] القياسَ فيه، وقد حكاهُ سيبويه).

[1] في النسختين و«الكواكب الدراري»: (النهي)، وهو تحريف، والمثبت موافق لما في «عمدة القاري» (3/425).
[2] في النسختين: (سراة).
[3] في (أ): (لأنَّ)، والمثبت من (ب) موافق لمصدره.
[4] في (ب): (يدفع).





425- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، نسبه إلى جدِّه؛ لشهرته به [1] ، وأبوه كَثِيرٌ، وعين «سعيد» مكسورةٌ، وهو مصريٌّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأَيْلِيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء (الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ) الأعمى، وعين «عِتبان» بالكسر والضَّمِّ، وعند أبي عَوانة من رواية الأوزاعيِّ عن ابن شهابٍ التَّصريح بتحديث [2] عِتْبان لمحمودٍ، كما عند المؤلِّف التَّصريح بسماع محمودٍ من عِتْبان، (وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ) رضي الله عنهم (أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ) ولـ: «مسلمٍ»: أنَّه بعث إلى رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وجمع بينهما؛ بأنَّه جاء إليه مرَّةً بنفسه، وبعث إليه أخرى (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي) أراد به: ضعف بصره؛ كما لـ: «مسلمٍ»، أو عَمَاه؛ كما عند غيره، والأَوْلى: أن يكون أطلق العمى؛ لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في حال الصِّحَّة (وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي)؛ أي: لأجلهم، يعني [3] : أنَّه كان يؤمُّهم (فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ)؛ أي: وُجِدت؛ (سَالَ) الماء في (الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ) فيحول بيني وبين الصَّلاة معهم؛ لأنِّي (لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ)، ولابن عساكر: ((المسجد)) (فَأُصَلِّيَ بِهِمْ) بالمُوحَّدة، ونُصِب «أصلِّيَ» عطفًا على «آتي»، وللأَصيليِّ: ((فأصلّي لهم))؛ أي: لأجلهم، (وَوَدِدْتُ) بكسر الدَّال الأولى؛ أي: تمنَّيت (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ) بالسُّكون أو بالنَّصب، كما في «الفرع» و«أصله» [4] جوابًا للتَّمنِّي (فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذهُ مُصَلًّى) برفع «فأتَّخذُه» على الاستئناف، أو بالنَّصب أيضًا _كما في «الفرع» و«أصله» [5] _ عطفًا على الفعل [6] المنصوب، كذا قرَّره الزَّركشيُّ وغيره [7] ، وتعقَّبه البدر [8] الدَّمامينيُّ فقال: إن ثبتت الرِّواية بالنَّصب؛ فالفعل منصوبٌ بـ: «أنْ» مُضمَرةً، وإضمارها هنا جائزٌ لا لازمٌ، وأنْ والفعل بتقدير مصدرٍ معطوفٍ على المصدر المسبوك من «أنَّك تأتيني»؛ أي: وددت إتيانك فصلاتك [9] ، فاتِّخاذي مكان صلاتك مُصلًّى، وهذا ليس في شيءٍ من جواب التَّمنِّي الَّذي يريدونه، وكيف ولو ظهرت «أنْ» هنا لم يمتنع، وهناك يمتنع، ولو رُفِع: «تصلِّي» [10] وما بعده بالعطف على الفعل المرفوع المتقدِّم؛ وهو [11] قولك: «تأتيني»؛ لَصَحَّ، والمعنى بحاله، انتهى.

(قَالَ) الرَّاوي: (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لعِتْبان (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ) ذلك (إِنْ شَاءَ اللهُ) علَّقه بمشيئة الله تعالى؛ لآية الكهف، لا لمُجرَّد التَّبرُّك؛ لأنَّ ذاك حيث كان الشَّيء مجزومًا به، قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ، وجوَّز العينيُّ _كابن حجرٍ_ كونه للتَّبرُّك؛ لأنَّ اطِّلاعه صلَّى الله عليه وسلَّم بالوحي على الجزم بأنَّ ذلك سيقع غير مُستبعَدٍ.

(قَالَ عِتْبَانُ): يحتمل أن يكون محمودٌ أعاد اسم شيخه؛ اهتمامًا بذلك؛ لطول الحديث، (فَغَدَا رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن [/ج1ص428/] الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: ((فغدا عليَّ رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه. زاد الإسماعيليُّ: «بالغد»، وللطَّبرانيِّ: أنَّ السُّؤال كان يوم الجمعة، والمجيء إليه يوم السَّبت (حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الدُّخول (فَأَذِنْتُ لَهُ)، وفي رواية الأوزاعيِّ: «فاستأذنَّا فأذنت لهما»؛ أي: للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأبي بكرٍ، وفي رواية أبي أُويسٍ: ومعه أبو بكرٍ وعمر، ولـ: «مسلمٍ» من طريق أنسٍ عن عِتْبان: فأتاني ومَن شاء الله من أصحابه، وجُمِع بينهما: بأنَّه كان عند ابتداء التَّوجُّه هو وأبو بكرٍ، ثم عند الدُّخول اجتمع عمر وغيره، فدخلوا معه عليه الصَّلاة والسَّلام (فَلَمْ يَجْلِسْ) عليه الصَّلاة والسَّلام (حِينَ دَخَلَ الْبَيْتَ)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((حتَّى دخل))؛ أي: لم يجلس في الدار ولا غيرها حتَّى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه (ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((في بيتك)) (قَالَ) عِتْبان: (فَأَشَرْتُ لَهُ) عليه الصَّلاة والسَّلام (إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ) يصلِّي فيها (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فصففنا) بالفكِّ للأربعة، و«نا» فاعلٌ، ولغيرهم: ((فَصَفَّنَا))؛ بالإدغام، و«نا»: مفعولٌ (فَصَلَّى) عليه الصَّلاة والسَّلام (رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ) من الصَّلاة. واستُنْبِط منه: مشروعيَّة صلاة النَّافلة في جماعةٍ بالنَّهار.

(قَالَ) عِتبان: (وَحَبَسْنَاهُ)؛ أي: منعناه بعد الصَّلاة عن [12] الرُّجوع (عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الزَّاي وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الرَّاء، آخره هاء [13] تأنيثٍ، لحمٌ يُقطَع [14] صغارًا يُطبَخ بماءٍ، يُذرُّ عليه بعد النُّضج من دقيقٍ، وإن عَرَتْ عن اللَّحم؛ فَعَصِيدَةٌ، وقال النَّضر: هي من [15] النُّخَالة والحَرِيرَة؛ بالمُهمَلات؛ دقيقٌ يُطبَخ بلبنٍ، (قَالَ) عِتْبان: (فَثَابَ) بالمُثلَّثة والمُوحَّدة، بينهما ألفٌ؛ أي: جاء (فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ)؛ أي: المحلَّة (ذَوُو عَدَدٍ) بعضهم إثر بعض، لمَّا سمعوا بقدومه عليه الصَّلاة والسَّلام (فَاجْتَمَعُوا) «الفاء» للعطف، ومن ثمَّ لا يحسن تفسير: «ثاب رجالٌ» بـ: «اجتمعوا»؛ لأنَّه يلزم منه عطف الشَّيء على مرادفه، وهو خلاف الأصل، فالأَوْلى تفسيره بـ: «جاء بعضهم إثر بعض»، كما مرَّ، ونبَّه عليه في «المصابيح»، (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) لم يُسمَّ: (أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ؟) بضمِّ الدَّال المُهمَلة وفتح الخاء المُعجمَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الشِّين المُعجمَة، آخره نونٌ، والَّذي في «اليونينيَّة»: ((الدُّخَيْش))؛ بغير نونٍ [16] (أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ) بضمِّ أوَّله وثالثه وسكون ثانيه، شكَّ الرَّاوي هل هو مُصغَّرٌ أو مُكبَّرٌ؟ لكن عند المؤلِّف رحمه الله في «المحاربين» [خ¦6539] من رواية مَعْمَرٍ، مُكبَّرًا من غير شكٍّ، وفي رواية لـ: «مسلمٍ»: الدُّخشم؛ بالميم، ونقل الطَّبرانيُّ عن أحمد بن صالحٍ أنَّه الصَّواب (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) قِيلَ: هو عِتْبان بن مالكٍ راوي الحديث: (ذَلِكَ) باللَّام؛ أي: ابن الدُّخَيْشِن، أو ابن الدُّخْشُن، أو ابن الدُّخشم (مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ)؛ لكونه يودُّ [17] أهل النِّفاق (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رادًّا على القائل مقالته هذه:

(لَا تَقُلْ ذَلِكَ) عنه (أَلَا تَرَاهُ) بفتح المُثنَّاة (قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)؛ أي: مع قول محمَّدٍ رسول الله (يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟!)؛ أي: ذات الله تعالى، فانتفت عنه الظُّنَّة [18] ؛ بشهادة الرَّسول له بالإخلاص، ولله المنَّة ولرسوله، (قَالَ) القائل: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك، وعند مسلمٍ: «أليس يشهد أن لا إله إِلَّا الله» وكأنَّه فهم من الاستفهام عدم الجزم بذلك، ولذا (قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ) أي: توجُّهه (وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فقال)) (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي)؛ أي: يطلب (بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ) عزَّ وجلَّ، إذا أدَّى الفرائض واجتنب المناهي، وإِلَّا؛ فمجرَّد التَّلفُّظ بكلمة الإخلاص لا يُحرَّم [19] على النَّار؛ لما ثبت من دخول أهل المعاصي فيها، أو المراد من التَّحريم هنا: تحريم التَّخليد؛ جمعًا بين الأدلَّة.

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ؛ أي: بالسَّند الماضي: (ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ من غير «اليونينيَّة» [20] : ((ثمَّ سألت بعد ذلك الحصين)) (بْنَ مُحَمَّدٍ) بحاءٍ مضمومةٍ وصادٍ مفتوحةٍ مهملتين، ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ، وضبطه القابسيُّ بضادٍ مُعجمَةٍ، وغلَّطوه (الأَنْصَارِيَّ) المدنيَّ، من ثقات التَّابعين (وَهْوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ) بفتح السِّين المُهمَلة؛ أي: [/ج1ص429/] خيارهم (عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) ولابن عساكر زيادة: ((الأنصاريَّ)) (فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ)؛ أي: بالحديث المذكور.

[1] «لشهرته به»: ليس في (ص) و(م).
[2] في (د): «بحديث».
[3] في (م): «أي».
[4] «وأصله»: مثبتٌ من (م).
[5] «وأصله»: ليس في (د) و(س).
[6] في (م): «المفعول»، وليس بصحيحٍ.
[7] «وغيره»: ليس في (م).
[8] «البدر»: مثبتٌ من (م).
[9] في (د): «لصلاتك».
[10] في (ص): «مُصلَّى»، وهو تحريفٌ.
[11] «وهو»: ليس في (د).
[12] في (م): «من».
[13] في (د): «تاء».
[14] في (م): «متقطِّعٌ».
[15] «من»: ليس في (د).
[16] قوله: «والَّذي في «اليونينيَّة»: «الدُّخَيْش»؛ بغير نونٍ»، مثبتٌ من (م).
[17] في (د): «يوادُّ».
[18] في (د): «المظنَّة»، وفي (م): «الظَّنِّيَّة».
[19] «على»: ليس في (ص) و(م).
[20] «من غير اليونينيَّة»: مثبتٌ من (م).





425- ( عِتْبَانَ ): بكسر العين، ويجوز ضمُّها.

( أَنَّهُ أَتَى ): لمسلم: «أنَّه بعث» فلعلَّه أتاه مرَّة وبعث إليه بعد ذلك يذكِّره.

( وَوَدِدْتُ ): بكسر الدَّال [الأولى] [1] ، وحكى القزَّاز فتحها.

( فَتُصَلِّيَ ): يجوز فيه الرَّفع والنَّصب، وكذا ( فَأَتَّخِذَهُ ).

( قَالَ عِتْبَانُ ): هو من إعادة اسم الشَّيخ لطول الحديث، فإنَّ الحديث كلَّه من رواية محمود عنه.

( فَغَدَا عَلَيَّ ) زاد الإسماعيليُّ: «بالغد»، وللطَّبرانيِّ: أنَّ السُّؤال وقع يوم الجمعة والتوجُّه إليه وقع يوم السَّبت. [/ج2ص504/]

( وَأَبُو بَكْرٍ ): زاد الطَّبرانيُّ: «وعمر»، ولمسلم: «ومن شاء الله من أصحابه».

( فَلَمْ يَجْلِسْ حَين دَخَلَ ): للكُشْمِيهنيِّ: «حتَّى دخل» وغلَّطه بعضهم.

( وَحَبَسْنَاهُ ): منعناه من الرُّجوع.

( خَزِيرَةٍ ): بفتح الخاء المعجمة وكسر الزَّاي بعدها تحتيَّة وراء وهاء.

قال ابن قتيبة: طعام يُصنع من لحم يُقطَّع صغارًا، ثمَّ يُصبُّ عليه ماء كثير، فإذا أنضج ذُرَّ عليه الدَّقيق، فإن لم يكن فيه لحم فهو «عصيدة».

وقيل: هي حساء من دقيق فيه دسم.

وقيل: الخزيرة من النِّخالة، والحريرة بمهملات من اللَّبن.

وقيل: إنَّها هنا بمهملات، ولمسلم: « على جَشِيْشة» بجيم ومعجمتين: وهي أن تُطحَن الحنطة قليلًا ثمَّ يُلقي فيها شحم أو غيره.

( فَثَابَ رِجَالٌ ): بمثلَّثة وآخره موحَّدة، أي: اجتمعوا بعد أن تفرَّقوا.

( ابْنُ الدُّخَيْشِنِ ): بضمِّ المهملة وفتح الخاء المعجمة وسكون التَّحتيَّة وكسر الشِّين المعجمة ونون.

( أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ ): بضمِّ المهملة والشِّين وسكون الخاء بينهما نون، للمُسْتملي: بالميم آخره، وهو شكٌّ من الرَّاوي.

( أَلاَ تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ): لابن عبد البرِّ من حديث أبي هريرة بسند حسن: «أليس قد شهد بدرًا».

( وَجْهَهُ ) أي: توجُّهه.

( إِلَى الْمُنَافِقِيْنَ ): متعلِّق بقوله: «وجهه» إذ النَّصيحة تتعدَّى باللَّام لا بإلى.

( الْحُصَيْن ): بمهملتين، وضبط القابسيُّ بالضَّاد المعجمة وغلَّطوه.

( سَرَاتِهِم ): بفتح المهملة، جمع سري؛ أي: خيارهم.

قال أبو عبيد: السَّري المرتفع القدر، من سَرُوَ الرَّجلُ، [/ج2ص505/] يَسْرُو، وأصله من السَّرَاةِ وهو أرفع المواضع من ظهر الدَّابَّة، وقيل: رأسها. [/ج2ص506/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] : (أولى) والمثبت من غيرها





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

425# قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (سَأفعلْ): من التَّواضع والتَّبرك بقوله (إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى.

(الخَزِيْرَة): يُؤخَذ اللَّحم فيقطع صغارًا، ثمَّ يطبخ بالماء والملح، فإذا أميت طبخًا؛ ذرَّ عليه الدَّقيق فيعصد به، ولا تكون [1] الخزيرة إلَّا وفيها لحم، وقيل: مرقة اللَّحم: بلالة النِّخالة، وإذا كانت من دقيق؛ فهي حريرة، وإن كانت من نخالة؛ فهي خزيرة.

(فَثَابَ): [أي: اجتمعوا] .

قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (قَدْ قَالَ: لَا إِلَه إلَّا الله): أي: يكفي في الإيمان النُّطق فقط.

[1] في الأصل: (يكون).





425- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا سعِيد ابن عُفَيْر)) ؛ بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية، نسبه لجده؛ لشهرته به، وهو سعيد بن كثير بن عفير المصري، وعين سعِيد مكسورة ((قال: حدثني)) بالإفراد ((الليث)) هو ابن سعد الفهمي المصري الحنفي ((قال: حدثني)) بالإفراد أيضًا ((عُقَيل)) ؛ بضمِّ العين المهملة وفتح القاف، هو ابن خالد الأيلي، ((عن ابن شهاب)) ؛ هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري المدني، ونسبه لجده؛ لشهرته به ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((محمود بن الرَّبيع)) بفتح الراء ((الأنصاري)) الخزرجي الصحابي: ((أن عُِتْبان بن مالك)) ؛ بضمِّ العين المهملة وكسرها وسكون الفوقية، هو الأنصاري السالمي المدني الصحابي المتوفى بالمدينة زمن معاوية، والجملة في محل النصب على أنها مفعول ثان؛ لقوله: (أخبرني) ، كذا في «عمدة القاري».

وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: رواية الصحابي عن الصحابي، فإن قلت: من قوله: «أنَّ عُتْبان» إلى قوله: «قال عتبان» من رواية محمود بغير واسطة، فيكون مرسلًا، فلا يكون رواية الصحابي عن الصحابي.

ومن هذا قال الكرماني: «الظاهر أنَّه مرسل»؛ لأنَّه لا جرم أنَّ محمودًا سمع من عتبان أنَّه رأى بعينه ذلك؛ لأنَّه كان صغيرًا عند وفاة النبيِّ عليه السَّلام.

قلت: قد وقع تصريحه بالسماع عند البخاري من طريق مَعْمَر، ومن طريق إبراهيم بن سعد، كما مر في الباب الماضي، ووقع التصريح بالتحديث أيضًا بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي، عن ابن شهاب عند أبي عوانة؛ فيكون رواية الصحابي عن الصحابي، فيُحمل قوله: «قال عتبان» على أن محمودًا أعاد اسم شيخه؛ اهتمامًا بذلك؛ لطول الحديث) انتهى.

قلت: وهذا يردُّ على ما زعمه الكرماني، وكأنَّه لم يطلع [1] على هذه الروايات، فللَّه درُّ إمامنا الشَّارح!

واختلف فيما إذا قال: (حدثنا فلان بن فلان قال: كذا، أو فعل كذا) ، فقال الجمهور: هو كـ (عن) محمول على السماع بشرط أن يكون الراوي غير مدلس، وبشرط ثبوت اللقاء على الأصح.

وقال أحمد وغيره: (يكون منقطعًا حتى يتبين السماع) ، كذا في «عمدة القاري».

قلت: ومع هذا، فإنَّ عنعنة «الصحيحين» مقبولة محمولة على السماع؛ فافهم.

((وهو من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) وكان إمام قومه على عهد النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((ممَّن شهد بدرًا من الأنصار)) رضي الله عنه، أشار بذلك؛ لإفادة تقوية الرواية، وتعظيمه، والافتخار، والتلذذ به، وإلا؛ كان هو مشهورًا بذلك، أو غرضه التعريف للجاهل به؛ فافهم.

((أنَّه أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) وهذا بدل من قوله: (أنَّ عتبان) ، وفي رواية ثابت عن أنس: (عن عتبان) .

فإن قلت: جاء في رواية مسلم: أنَّه بعث إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يطلب منه ذلك، فما وجه الروايتين؟

قلت: يحتمل أن يكون جاء إلى النبيِّ عليه السَّلام بنفسه مرة، وبعث إليه رسوله مرة أخرى؛ لأجل التذكير، قاله إمام الشَّارحين.

وزَعْمُ ابن حجر يحتمل أن يكون نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا.

وردَّه في «عمدة القاري» فقال: (الأصل في الكلام الحقيقة، والدليل عليه: ما رواه الطبراني من طريق أبي أويس عن ابن شهاب بسنده أنَّه قال: قال للنبيِّ [2] صلَّى الله عليه وسلَّم يوم جمعة: «لو أتيتني يا رسول الله»، وفيه: أنَّه أتاه يوم السبت) انتهى.

قلت: ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وههنا أمكن الحمل على الحقيقة، بل تعين الحمل عليها بدلالة ما رواه الطبراني، فكلام ابن حجر ليس بشيء؛ فافهم.

((فقال يا رسول الله: قد أنكرت بصري)) يحتمل معنيين: ضعف البصر، أو العمى.

وفي رواية مسلم: (لما ساء بصري) .

وفي رواية الإسماعيلي: (جعل بصري يكلُّ) .

وفي رواية أخرى لمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت: (أصابني في بصري بعض الشيء) .

وكل ذلك يدلَّ على أنَّه لم يكن بلغ العمى.

وفي رواية للبخاري في باب: (الرخصة في المطر) من طريق مالك عن ابن شهاب، فقال فيه: (إنَّ عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنَّه قال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّها تكون الظلمة والسَّيل، وأنا رجل ضرير البصر) .

فإن قلت: بين هذه الرواية والروايات التي تقدمت تعارض.

قلت: لا معارضة فيها؛ لأنَّه أطلق عليه العمى في هذه الرواية؛ لقربه منه، وكان قد قَرُبَ من العمى، والشيء إذا قرب إلى الشيء يأخذ حكمه، انتهى، كذا قاله إمام الشَّارحين.

((وأنا أصلي لقومي)) ؛ أي: لأجلهم، والمعنى: أنَّه كان يؤمهم، وصرَّح بذلك أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد؛ كذا في «عمدة القاري».

قلت: وصرَّح بذلك أيضًا المؤلف في باب (الرخصة في المطر) من طريق مالك عن ابن شهاب، ولم يبيِّن مَنْ قومه، والظَّاهر: أنَّهم جمع من الأنصار؛ فتفحَّص.

((فإذا كانت الأمطار)) ؛ أي: وجدت؛ فـ (كان) تامة، ولهذا ليس لها خبر، وهو جمع مطر؛ وهو ماء المزن؛ ((سال الوادي)) ؛ أي: سال ماؤه، فهو من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال ((الذي بيني وبينهم)) وفي رواية الإسماعيلي: (يسيل الوادي الذي بيني وبين مسجد قومي، فيحول بيني وبين الصلاة معهم) ، كذا في «عمدة القاري».

((لم أستطع أن آتي مسجدهم)) ولابن عساكر: (المسجد) ((فأصلي بهم)) بالموحدة، ونصب (أُصلِّيَ) عطفًا على قوله: (أن آتيَ) وللأصيلي: (فأصلِّي لهم) ؛ باللام؛ أي: لأجلهم.

((وودِدْت)) ؛ بكسر الدال المهملة الأولى، ومعناه: تمنيت، قاله ثعلب.

وفي «الجامع» للقزاز، وحكى الفراء عن الكسائي: (ودَدت) ؛ بالفتح، ولم يحكها غيره، والمصدر: وُدٌّ فيهما، ويقال في المصدر: الوَد، والوِد، والوُد والوَداد، والوِداد، والكسر أكثر، والوِدادة والوَدادة، وجاء: مودَّة، حكاه مكي في «شرحه».

وقال اليزيدي في «نوادره»: (ليس في شيء من العربية ودَدَت مفتوحة) ؛ كذا في «عمدة القاري».

((يا رسول الله أنك تأتيني فتصليَْ)) ؛ بسكون التحتية وبنصبها، كما في «الفرع»؛ جوابًا للتمني؛ لوقوع الفاء بعد التمني ((في بيتي)) يحتمل الإضافة أن تكون للملك، وأن تكون لغيره، وأضافه لنفسه؛ باعتبار سكناه [/ص568/]

فيه، والظاهر الأول، ((فأتخذه مُصلَّى)) ؛ بضمِّ الميم، موضع صلاة، (وأتخذَُه) ؛ بالرفع على الاستئناف، أو بالنصب عطفًا على الفعل المنصوب، وكلاهما في «الفرع»، كذا قرره الزركشي.

ومثله في «عمدة القاري»، قال: (لأن الفاء وقعت بعد النهي المستفاد من الودادة) انتهى.

واعترض الدماميني ذلك فقال: (إن ثبتت الرواية بالنصب؛ فالفعل منصوب بـ (أن) مضمرة، وإضمارها هنا جائز لا لازم، و«أن» والفعل بتقدير مصدر معطوف على المصدر المسبوك من: أنَّك تأتيني؛ أي: وددت إتيانك فصلاتك، فاتخاذي مكان صلاتك مصلًّى، وهذا ليس في شيء من جواب التمني الذي يريدونه، وكيف ولو ظهرت «أن» هنا؛ لم يمتنع، وهناك يمتنع، ولو رفع «تصلي» وما بعده بالعطف على الفعل المرفوع المتقدم، وهو قولك: «تأتيني»؛ لصحَّ، والمعنى بحاله) انتهى.

قلت: واعتراضه وارد على ما قرره الزركشي؛ لأنَّه جعل النصب بالعطف على الفعل المنصوب، وأمَّا على ما ذكره إمام الشَّارحين؛ فلا يرد شيء؛ لأنَّه جعل النصب بـ (أن) المضمرة؛ حيث علله بقوله: (لأن الفاء وقعت بعد النهي...) إلى آخره؛ يعني: فهو منصوب بـ (أن) مضمرة، إلى آخر ما قاله الدماميني، والرواية بالنصب ثابتة في «الفرع» كالرفع، فالمعنى عليه صحيح، ولكنَّ إمامنا الشَّارح قد اختصر عبارته وأوضحها الدماميني؛ فافهم.

((قال)) أي: الراوي: ((فقال له)) أي: لعُتبان ((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: سأفعل)) ؛ بالهمز، يعني: أصلي لك في بيتك، ((إن شاء الله)) تعالى علقه بمشيئة الله تعالى؛ عملًا بقوله تعالى في الكهف: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ} [الكهف: 23،24] ، وأراد: التبرُّك؛ لأنَّ اطلَاعَه بالوحي على الجزم بأنَّه سيقع غير مستبعد في حقِّه عليه السَّلام، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر وغيره.

قلت: ويدل عليه عموم قوله تعالى: {وَمَا [3] يَنطِقُ عَنِ الهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3،4] ، فجميع أفعاله وأقواله عليه السَّلام مقرونة بالوحي، ولمَّا قال لعتبان: «سأفعل»؛ علم منه تحقق الفعل؛ لأنَّه عليه السَّلام لا يخبر بأمر يفعله ولم يفعله؛ لأنَّه لا يخبر بخلاف الواقع، وعقَّبه بالمشيئة؛ تبرُّكًا بقوله تعالى، وإشارة إلى أنَّ جميع الأفعال بيد الله تعالى؛ فافهم.

وزعم الكرماني أنَّه ليس المراد به مجرد التبرك؛ إذ محل استعماله؛ إنَّما هو فيما كان مجزومًا به، وتبعه البرماوي.

قلت: وفيه نظر؛ فإنَّ استعمال المشيئة للتبرك ههنا حيث إنَّه عليه السَّلام علم بالوحي أنَّه يفعل ذلك، ولولا علمه بذلك؛ لما وعده بالفعل؛ لأنَّه لو لم يعلم؛ لكان خلف بالوعد، وهو محال عليه قطعًا صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فافهم.

((قال عتبان)) ؛ هو محمول على أنَّ محمودًا أعاد اسم شيخه؛ اهتمامًا بذلك؛ لطول الحديث، كما مر، ((فغدا رسول الله)) وللأصيلي والكشميهني: (فغدا على رسول الله) ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) زاد الإسماعيلي: (بالغد) ((وأبو بكر)) ؛ هو عبد الله بن أبي قحافة، واسمه عثمان رضي الله عنهما، وعند الطبراني من طريق أبي أويس أنَّ السؤال وقع يوم الجمعة، والتوجه إليه وقع يوم السبت، كما سبق ((حين ارتفع النهار)) ؛ تفسير لقوله: (فغدا) ؛ يعني: أنَّه توجه إليه يوم السبت وقت الغداة، ((فاستأذن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ يعني: في الدخول، وهذا يعين ما قلناه في الحديث السابق؛ فافهم.

((فأذنت له)) وفي رواية الأوزاعي: (فاستأذنا؛ فأذنت لهما) ؛ أي: للنبيِّ الأعظم عليه السَّلام وأبي بكر.

وفي رواية أبي أويس: (ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ) .

وفي رواية مسلم من طريق أنس عن عتبان: (فأتاني ومن شاء الله من أصحابه) .

وفي رواية الطبراني من وجه آخر عن أنس: (فأتاني في نفر من أصحابه) .

قال إمام الشَّارحين: (والتوفيق بين هذه الروايات هو أنَّ أبا بكر كان معه في ابتداء توجههم، ثمَّ عند الدخول أو قبله بقليل اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه) انتهى.

قلت [4] : ((فلم يجلس)) عليه السَّلام ((حين دخل البيت)) وفي رواية الكشميهني: (حتى دخل) ؛ أي: لم يجلس في الدار ولا غيرها حتى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه.

قال النووي في «شرح مسلم»: (زعم بعضهم أن «حتى» غلط، وليس بغلط؛ لأنَّ معناه: لم يجلس في الدار ولا في غيرها حتى دخل البيت مبادرًا إلى قضاء حاجته التي طلبها منه، وجاء بسببها، وهي الصلاة في بيته، وفي رواية يعقوب عند الطيالسي والبخاري: (فلما دخل؛ لم يجلس حتى قال: «أين تحب؟») ، وكذلك للإسماعيلي.

قال إمام الشَّارحين: (إنما يتعيَّن كون رواية الكشميهني غلطًا؛ إذا لم يكن لعتبان دار فيها بيوت، وأمَّا إذا كانت له دار؛ فلا يتعين) انتهى.

قلت: ولا يخفى أنَّ دُور الصحابة ليس فيها بيوت، فإنَّ الدار بيت ومرتفق فقط، وليست دار أحدهم ذات بيوت، فإنَّه عليه السَّلام كانت حُجَره بيوتًا، والبيت: ما يبات فيه، وكأن النووي قاس البيت على بيت زمانه من اشتماله على عشرة أماكن أو أكثر أو أقل، وهو قياس مع الفارق، فإنَّ بين بيت الصحابة وبيت ما بعدهم فرقًا بيِّنًا، كما لا يخفى، وعليه؛ فيتعين كون رواية الكشميهني غلطًا؛ لأنَّه ليس في البيت مكان يقف فيه، بل الباب على الطريق متصل بمكان البيتوتة؛ فافهم.

((ثم قال)) عليه السَّلام لعتبان: ((أين تحب أن أصلي من بيتك)) وللكشميهني: (في بيتك) ؛ يعني: في أي مكان تريد أن أخصَّ الصلاة فيه وتجعله مصلًّى؟

فإن قلت: أصل (من) ؛ للابتداء، فما معنى: (من بيتك) ؟

قلت: الحروف ينوب بعضها عن بعض، فـ (من) ههنا؛ بمعنى: (في) ؛ كما في قوله تعالى: {أَرُونِي مَاذَا [5] خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} [فاطر: 40] ، {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] .

((قال)) عتبان: ((فأشرت له)) عليه السَّلام ((إلى ناحية من البيت)) ؛ ليصلي فيها، وهذا يعين ما قلناه من أنَّ دار عتبان لم تكن فيها بيوت؛ لأنَّه لو كان فيها بيوت؛ لقال: فأشرت إلى بيت منها، ولمَّا قال: إلى ناحية من البيت؛ علم منه البيت هو ما يبات فيه، وأنه ليس يوجد غيره، وهذا أكبر ردٍّ على ما زعمه [/ص569/] النووي آنفًا؛ فافهم.

((فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فكبَّر)) ؛ أي للصلاة.

قال إمام الشَّارحين: (وهذا يدلُّ على أنه حين دخل؛ جلس، ثم قام، فكبر للصلاة، وبينه وبين ما قبله تعارض، ويمكن دفعه بأن يقال: لما دخل قبل أن يجلس؛ قال: أين تحب؟ ويحتمل أنَّه جلس بعده جلوسًا، ثم قام، فكبر) انتهى.

قلت: والظاهر: الأول، وهو أنه عليه السَّلام لما دخل؛ قال لعتبان: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟» فأشار له إلى ناحية من البيت، فجلس فيها إمَّا لأجل الاستراحة، وإما لانتظار مجيء بقية الصحابة، فلما أخذ الراحة أو حضر بقية القوم؛ قام، فكبر، وأمَّا الاحتمال الثاني؛ فبعيد؛ لأنَّه قال: فلم يجلس حين دخل البيت، ثم قال: (وقد يقال: إنَّ معناه: فلم يجلس جلوسًا طويلًا، بل خفيفًا) ؛ فافهم

((فقمنا فصففنا)) ؛ بالفكِّ للأربعة، و (نا) فاعل، ولغيرهم: (فصفَّنا) ؛ بالإدغام، و (نا) مفعول؛ أي: حوله أو جعلنا صفًّا حوله، ((فصلى)) عليه السَّلام ((ركعتين، ثم سلم)) ؛ أي: من صلاته، ففيه دليل على مشروعية صلاة النافلة في جماعة بالنهار، وأنه لا كراهة فيه؛ حيث كان على سبيل التداعي، كما صرح به أئمتنا الأعلام.

وليس في الحديث دليل على أن السنة في نوافل النهار ركعتان؛ لأنَّ هذه الصلاة كانت خصوصية لعتبان بدليل أنه سأله أن يصلي في بيته؛ ليتخذه مصلًّى، وأوعده عليه السَّلام بأنَّه سيفعل ذلك، فلم يُخْلِف وعده، وصلى ركعتين؛ تطييبًا لخاطره، وخصوصية له، بل كانت عادته عليه السَّلام في صلاة النهار الأربع كالليل؛ ولهذا قال أئمتنا الأعلام: الأفضل في الليل والنهار الأربع، والدليل عليه: حديث عائشة المروي في «الصحيحين» قالت: «كان النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي بالليل أربع ركعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن»، وفيهما عنها: «أنَّه عليه السَّلام كان يصلي الضحى أربعًا»، وقد ثبتت مواظبته على الأربع نهارًا، وكلمة (كان) تدل على: الدوام والاستمرار، وهذا هو المذهب الصواب المختار، وهو حجة على الشافعي وغيره في أنَّ الأفضل في النهار والليل مثنى مثنى؛ فافهم.

((قال)) أي: عتبان: ((وحبسناه)) [6] ؛ أي: منعناه بعد الصلاة عن الرجوع ((على خَزِيْرَة صنعناها له)) ؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الزاي، وسكون التحتية، وفتح الراء، آخره هاء تأنيث، قال ابن سيده: (هي اللحم الغاث _بالمثلثة_؛ أي: المهزول يؤخذ، فيقطع صغارًا، ثم يطبخ بالماء، فإذا أميت طبخًا؛ ذرَّ عليه الدقيق، فعصد به [7] ، ثم أدم بأي إدام شِيْءَ، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها اللحم، وقيل: هي بلالة النخالة تصفَّى، ثم تطبخ، وقيل: هي الحساء من الدسم والدقيق) .

وعن أبي الهيثم: (إذا كان من دقيق؛ فهي خزيرة، وإذا كان من نخالة؛ فهي حريرة) ؛ بالمهملات.

وفي «الجمهرة» لابن دريد: (الخزيرة: دقيق يلبك بشحم كانت العرب تعير بأكله، وفي موضع: يعيَّر به بنو مجاشع، قال: والخزيرة: السخينة [8] ) .

وقال الفارسي: (أكثر هذا الباب على فعيلة؛ لأنَّه في معنى مفعول) .

وفي رواية الأوزاعي عند مسلم: (على جشيشة) ؛ بجيم ومعجمتين.

قال أهل اللغة: (هي أن تطحن الحنطة قليلًا، ثم يلقى فيها شحم أو غيره) .

وفي «المطالع»: (أنها رويت في «الصحيحين» بحاء وراءين مهملات) .

وحكى البخاري في (الأطعمة) عن النضر: (أنها تصنع من اللبن) ؛ كذا في «عمدة القاري».

قلت: والحريرة؛ بالحاء والراءين المهملات، هو المعروف، وهي دقيق يطبخ بالماء، ويوضع معها السمن، وهو الموافق؛ لما في «المطالع»، فما ذكره إمام الشَّارحين اصطلاح في اللغة القديمة، وإنَّما المعروف ما ذكرناه، لكنَّ الفرق بين المهمل والمعجم، فاللغة بالمعجم، وتصحف الناس، فاستعملوها بالمهمل، وهو الموافق لرواية «الصحيحين» في غير هذا الموضع؛ فافهم.

((قال)) أي: عتبان: ((فثاب)) ؛ بالمثلثة والموحدة بينهما ألف؛ أي: جاء، يقال: ثاب الرجل: إذا رجع بعد ذهابه.

وقال ابن سيده: (ثاب الشيء ثوبًا وثؤبًا: رجع، وثاب جسمه ثوبانًا: أقبل) .

وقال الخليل: (المثابة: مجتمع الناس بعد افتراقهم، ومنه قيل للميت: مثابة) ، كذا في «عمدة القاري».

((في البيت رجال)) ؛ أي: اجتمعوا وجاؤوا، وكلمة (في) بمعنى: (إلى) ؛ لأنَّ الحروف ينوب بعضها عن بعض ((من أهل الدار)) ؛ أي: من أهل المحلة؛ لقوله عليه السَّلام: «خير دور الأنصار دار بني النجار»؛ أي: محلتهم، والمراد: أهلها، ويقال: الدار: القبيلة أيضًا ((ذو عدد)) ؛ أي: أصحاب عدد، والمراد به: الكثرة، فجاء بعضهم إثر بعض، وإنَّما جاؤوا؛ لسماعهم بقدوم النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فافهم.

((فاجتمعوا)) ؛ (الفاء) عاطفة، وهو يقتضي المغايرة، والمعنى هنا: أنَّهم اجتمعوا داخل البيت، وتفسير إمام الشَّارحين (ثاب) : باجتمعوا صحيح، والمعنى: أنَّهم اجتمعوا في الدار، وهذا الاجتماع هو غير ذاك الاجتماع؛ لأنَّه هنا كان اجتماعهم داخل البيت، وهناك كان اجتماعهم في الدار؛ بعضهم عند بابها، وبعضهم في دهليزها، وبعضهم على باب البيت، وبعضهم داخل البيت، وعلى هذا؛ قد حصل التغاير بين المعطوفين، وبهذا التقرير سقط ما زعمه القسطلاني تبعًا «للمصابيح» من أنه لا يَحْسُنُ تفسير (ثاب رجال) : باجتمعوا؛ لأنَّه يلزم منه عطف الشيء على مرادفه، وهو خلاف الأصل، فالأولى تفسيره: بجاء بعضهم إثر بعض) انتهى.

قلت: بل يَحْسُن تفسير (ثاب) بـ (اجتمعوا) ، ولا يلزم منه عطف الشيء على مرادفه؛ لأنَّ معنى (ثاب رجال) : اجتمعوا في الدار متفرقين فيها، ومعنى (فاجتمعوا) ؛ يعني: في داخل البيت غير متفرقين، كما قررناه؛ فافهم.

((فقال قائل منهم)) لم يسم هذا القائل، قاله إمام الشَّارحين: ((أين مالك بن الدُخَيْشِن)) ؛ بضمِّ الدال المهملة، وفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتية، وكسر الشين المعجمة، آخره نون، ((أو ابن الدُخْشُن)) ؛ بضمِّ الدال المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وضم الشين المعجمة، وحُكي كسر أوله، والشك فيه من الراوي هل هو مصغر أو مكبر؟ ووقع في رواية مسلم من طريق معمر: بالشك أيضًا، لكن عند المؤلف في (المحاربين) من رواية معمر: (الدخشن) ؛ بالنون مكبرًا من غير شك.

وكذا في رواية مسلم من طريق يونس.

وفي رواية أبي داود الطيالسي: (الدخشم) ؛ بالميم.

وكذا في [/ص570/] رواية مسلم عن أنس عن عتبان.

وكذا في رواية الطبراني من طريق النضر بن أنس عن أبيه، قال أحمد بن صالح: (وهو الصواب) ، أفاده إمام الشَّارحين؛ فافهم.

((فقال بعضهم)) ؛ أي: بعض القوم، وهم الصحابة، قيل: هو عتبان راوي الحديث، ونسب بعضهم هذا القول إلى ابن عبد البر، وهو غير ظاهر؛ لأنَّه قال: (لا يصح عن مالك النفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه) .

وقال أيضًا: (لم يختلف في شهود مالك بدرًا، وهو الذي أَسَرَ سهيل بن عمرو) ، ثم ساق بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة: أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لمن تكلم فيه: «أليس قد شَهِدَ بدرًا؟».

وذكر ابن إسحاق في (المغازي) : (أن النبيَّ عليه السَّلام بعث مالكًا هذا، ومعن بن عدي، فحرقا مسجد الضرار) ، فدل ذلك كله على أنه بريء مما اتهم به من النفاق.

فإن قلت: إذا كان كذلك؛ فكيف قال هذا القائل: (إنَّا نرى وجهه ونصيحته للمنافقين) ؟

قلت: لعله [9] كان له عذر في ذلك، كما كان لحاطب بن أبي بلتعة، وهو أيضا ممن شهد بدرًا، ولعلَّ الذي قال ذلك بالنظر إلى الظاهر، ألا ترى أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كيف قال عند قوله هذا: «فإنَّ الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، وهذا إنكار لقوله هذا.

ويجوز أن يكون اتهامه إياه بالنفاق غير نفاق الكفر، كذا قرره إمام الشَّارحين؛ فافهم.

((ذلك)) باللام؛ أي: ابن الدخشم، أو ابن الدخيشن، أو ابن الدخشن ((منافق لا يحب الله ورسوله)) ؛ لأنَّه كان يَودُّ أهل النفاق، ((فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) رادًّا على هذا القائل مقالته هذه: ((لا تقل ذلك)) ؛ باللام، وفي رواية: (ذاك) ؛ بدونها؛ أي: القول: بأنَّه منافق، ((أَلا تَراه)) ؛ بفتح همزة (ألا) الاستفتاحية، وفتح مثناة (تَراه) الفوقية ((قد قال: لا إله إلا الله)) ، وفي رواية أبي داود الطيالسي: (أما يقول: لا إله إلا الله) ، وفي رواية مسلم: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله) .

فإن قلت: لا بد من محمد رسول الله.

قلت: قال الكرماني: (هذا إشعار لكلمة الشهادة بتمامها) .

قلت: هذا في حق المشرك، وأمَّا في حق غيره؛ فلا بد من ذلك، قاله إمام الشَّارحين؛ يعني: لا بد من ضميمة: محمد رسول الله عليه السَّلام، ((يريد بذلك)) ؛ أي: بقوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله ((وجه الله)) ؛ أي: ذات الله وحده، وهذه شهادة من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالإيمان منه باطنًا، وبراءته من النفاق؛ كذا في «عمدة القاري».

قلت: فإن من قال كلمة الإخلاص لا بد أن يقولها مخلصًا لله تعالى؛ لأنَّه ليس لأحد التعرُّض له في عدمها من حيث إنَّه مخالط لأهل الإسلام في عبادتهم وشرائعهم ونحوها، لا سيما في زماننا من ترك كل ملة على ملتها، وعدم التعرُّض لها بسوء، وعلى هذا؛ فمن أظهر الإسلام وشعائره وفعل العبادات؛ فإنَّه يحكم عليه بالإسلام باطنًا وظاهرًا؛ لأنَّه ليس له في ذلك سبب موجب لدخوله في الإسلام حتى يكون نفاقًا، بل السبب: مرضاة الله عزَّ وجلَّ.

((قال)) أي: الرجل القائل: ((الله ورسوله أعلم)) ؛ أي: بقوله ذلك، وكأنَّه فهم من الاستفهام عدم الجزم بذلك، ولهذا ((قال: فإنَّا نرى وجهه)) أي: توجهه ((ونصيحته للمنافقين)) ، وفي رواية الأصيلي: (إلى المنافقين) .

زعم الكرماني فإن قلت: يقال: نصحت له لا إليه، قلت: قد ضمن معنى الانتهاء.

وزعم ابن حجر الظاهر أنَّ قوله: (إلى المنافقين) متعلق بقوله: «وجهه»، فهو الذي يتعدى بـ (إلى) ، وأمَّا متعلق (ونصيحته) ؛ فمحذوف للعِلم به.

وردَّ كلامهما إمام الشَّارحين حيث قال: (كل منهما لم يُمْعن على قانون العربية؛ لأنَّ قوله: «ونصيحته» عطف على قوله: «وجهه»، و«نصيحته» داخل في حكمه؛ لأنَّه تابع له، وكلمة «إلى» تتعلق بقوله: «وجهه»، ولا يحتاج إلى دعوى حذف متعلق المعطوف؛ لأنَّه يكتفى فيه بتعلق المعطوف عليه) انتهى؛ فافهم.

((قال)) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: (فقال) ((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) رادًّا على هذا القائل مقالته هذه: ((فإن الله قد حرَّم)) بتشديد الراء المهملة ((على النار من قال: لا إله إلا الله)) هذا في حق المشرك، أمَّا في حق غيره؛ فلا بدَّ من ضميمة: محمد رسول الله عليه السَّلام، كما مر ((يبتغي)) أي: يطلب ((بذلك)) أي: بما قاله ((وجه الله)) عزَّ وجلَّ؛ أي: ذاته.

وفيه ردٌّ على المرجئة القائلين: (بأنَّه يكفي في الإيمان النطق فقط من غير اعتقاد) .

والمراد بالتحريم هنا: تحريم الخلود؛ جمعًا بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعاصي في النار، وتوفيقًا بين الأدلة.

وعن الزهري: (أنه نزلت بعد هذا الحديث فرائض وأمور نرى أنَّ الأمر انتهى إليها) .

وعند الطبراني: (أنه من كلام عتبان) .

وقال ابن الجوزي: (الصلوات الخمس فرضت بمكة قبل هذه القضية بمدة)

وظاهر [10] الحديث يقتضي: أنَّ مجرد القول يدفع العذاب ولو ترك الصلاة.

والجواب: أنَّ من قالها مخلصًا؛ فإنَّه [11] لا يترك العمل بالفرائض؛ إذ إخلاص القول حامل على أداء اللازم، أو أنه يحرم عليه خلوده فيها.

وقال ابن التين: (معناه: إذا غفر له وتقبل منه، أو يكون أراد: نار الكافرين، فإنَّها محرمة على المؤمنين، فإنَّها كما قال الداودي: «سبعة أدراك والمنافقون في الدرك الأسفل من النار مع إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه») ؛ كذا في «عمدة القاري».

وقوله: ((قال ابن شهاب)) ؛ هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، أحد رواة هذا الحديث، تعليق من المؤلف.

وزعم ابن حجر أنه مسند بالإسناد السابق قال: ووهم من قال: إنه تعليق) .

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (قلت: ظاهره التعليق، فإنَّه قال: «قال ابن شهاب» بدون العطف على ما قبله) انتهى.

قلت: وهذا هو الظاهر، فإنَّه لو كان مُسْنَدًا؛ لأتى بحرف العطف، ولأن المؤلف قد [/ص571/] أتى بهذا؛ لأجل التقوية ونحوها مما سيأتي، وهذا يدل على أنه تعليق؛ فافهم.

((ثم سألت الحُصَين)) وفي رواية الكشميهني: (ثم سألت بعد ذلك الحُصَين) ((بن محمد)) ؛ وهو بضمِّ الحاء المهملة، وبفتح الصاد المهملة، هكذا ضبطه جميع الرواة إلا القابسي، فإنَّه ضبطه بالضاد المعجمة، وغلطوه في ذلك ((الأنصاري)) ، ثم المدني من ثقاة التابعين.

فإن قلت: محمود كان عدلًا، فلمَ سأل الزهري غيره؟

قلت: إمَّا للتقوية ولاطمئنان القلب، وإمِّا لأنَّه عرف أنه نقله مرسلًا، وإمَّا لأنَّه تحمَّله وهو صبي، واختُلِفَ في قبول المتحمل زمن الصبا؛ كذا في «عمدة القاري».

قلت: والأظهر: أنَّ تَحَمُّل الصبي زمن صباه وتحديثه بعده مقبول، وعليه الجمهور، ويدل عليه: ما ذكره الفقهاء في أبواب (الشهادات) : أنَّ الصبي إذا تحمَّل الشهادة في حال صباه وأدَّاها حال بلوغه؛ فهي مقبولة معتبرة؛ فافهم.

((وهو أحد بني سالم)) هي قبيلة من الأنصار ((وهو)) ؛ أي: الحصين بن محمد، وإنما أعاد الضمير؛ لطول الكلام ((من سَراتهم)) ؛ بفتح السين المهملة؛ أي: سراة بني سالم، جمع سُرى، قال أبو عبيد: (هو المرتفع القدر) .

وفي «المُحْكم»: (السرو [12] : المروءة والشرف، سروسراوة، وسروًا الأخيرة عن سيبويه واللحياني، وسرا سروًا، وسرى يسري سراء، ولم يحك اللحياني مصدر سرا إلا ممدودًا، ورجل سري من قوم أسرياء: شرفاء؛ كلاهما عن اللحياني، والسراة: اسم للجمع، وليس يجمع عند سيبويه، ودليل ذلك قولهم: سروات) .

وفي «الصحاح»: (وجمع السرى: سراة، وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة، ولا يعرف غيره) .

وفي «الجامع»: (وقولهم: فلان سري، إنَّما معناه في كلام العرب: الرفيع، وهو من سرو الرجل يسرو: صار رفيعًا، وأصله: من السراة، وهو من أرفع المواضع من ظهر الدابة، وقيل: بل السراة: الرأس، وهو أرفع الجسم) ، كذا في «عمدة القاري»؛ يعني: من أشرف بني سالم.

وقوله: ((عن حديث محمود بن الربيع)) زاد ابن عساكر: (الأنصاري) متعلق بقوله: (سألت) ((فصدقه بذلك)) ؛ أي: بالحديث المذكور، وهذا يحتمل أن يكون الحصين سمعه أيضًا من عتبان، ويحتمل أن يكون حمله من صحابي آخر، وليس للحصين ولا لعتبان في «الصحيحين» سوى هذا الحديث، كذا قاله إمامنا الشَّارح، ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.

وفي الحديث أحكام:

الأول: جواز إمامة الأعمى مع وجود مثله بصيرًا، ولكنَّه يكون مكروهًا، فإن لم يوجد غيره؛ فلا كراهة، وصرَّح الإمام الشيخ علاء الدين المفتي بديارنا الشريفة الشامية في «شرحه» على «ملتقى الأبحر»: بكراهة إمامة الأعمى كراهة تنزيه؛ لأنَّه لا يتحفظ من النجاسات، فإن لم يوجد غيره؛ فلا كراهة.

الثاني: جواز التخلف عن الجماعة؛ لعذر؛ كمطر، وظلمة، وخوف على نفسه، وغيرها، وقد ورد في الحديث: أنَّ من كان نيَّته حضور الجماعة لولا العذر؛ يحصل له [13] ثوابها، وإن لم يحضرها؛ فإن الأعمال بالنيات، كما صرَّح به في «إمداد الفتاح».

الثالث: فيه جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، وليس ذلك من الشكوى.

الرابع: جواز اتخاذ موضع معيَّن للصلاة.

فإن قلت: روى أبو داود في «سننه» من النهي عن إيطان موضع معين من المسجد.

قلت: هو محمول على ما إذا استلزم رياء وسمعة ونحوهما.

قلت: ووجه النهي عن ذلك: أنه في صلاته في مواضع من المسجد يكون فيه تكثير الشهود له في الصلاة؛ لما ورد في الحديث: «أن الأرض تشهد لمن يسجد عليها»، ومثله: حلق الشعر، وقص الأظفار يوم الجمعة، ورد: أنَّه يفعل ذلك بعد الصلاة؛ لأجل أن يشهد معه يوم القيامة، لكن لما كان الغالب في اتخاذ موضع للصلاة حصول الرياء، والسمعة، والإشارة إليه بأنَّه مصلى فلان؛ ورد النهي عنه؛ كما في حديث أبي داود، أمَّا إذا أمن من ذلك؛ فلا كراهة، كما دل عليه حديث الباب؛ فافهم.

الخامس: استحباب تسوية الصفوف، يدل عليه حديث أنس قال: (صلى لنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة، ثم رقي المنبر، فقال في الصلاة: «أقيموا صفوفكم وتراصوا [14] ، فإني أراكم من وراء ظهري...؛ ») الحديث؟، كما سبق في (عِظَة الإمام) ، والأمر فيه للندب بالإجماع، ويحتمل أنه عليه السَّلام قاله حيث كان المسجد ضيقًا حتى يسع الناس، بدليل: أنه رآهم يوم الجمعة؛ لأنَّه بعد الصلاة رقي المنبر، أمَّا إذا كان المسجد واسعًا كمسجد بني أمية؛ فالظاهر: أنه لا يندب التراص [15] ، وهذا بخلاف ما يفعله بعض المتعصبين من الشافعية من التزاق بعضهم ببعض لزقًا شديدًا بحيث يكون الرجل على الرجل، فمكروه أو حرام؛ لأنَّ ذلك يفضي إلى إيذاء الجار، وربَّما يكون جاره مريضًا أو شيخًا فانيًا، فإنَّه يتضرر بذلك، وضرر المسلم أو إيذاؤه حرام، فيظنُّ أنه قد فعل مستحبًّا يثاب على فعله، والحال أنه فعل معصية يعاقب على فعلها؛ فافهم.

السادس: جواز اتخاذ مسجد في البيت، وأنه لا يخرج عن ملك صاحبه، بخلاف المتخذ في المحلة.

قلت: يعني: فإنَّه يخرج عن ملك صاحبه، ومثله المتخذ في البيت مع الإذن العام لكل أحد من الناس، فإنَّه حينئذ يخرج عن مِلكه، فما ذكر في الباب محمول على أنه لم يأذن لكل أحد، بل الإذن فيه خاص؛ فافهم.

السابع: استحباب التبرُّك بمصلى الصالحين، ومساجد الفاضلين.

الثامن: استحباب الدعوة لغير وليمة عرس، أمَّا هي؛ فواجبة، وأنه من دعي من الصالحين إلى شيء يتبرك به منه؛ فله أن يجيب إليه إذا أَمِنَ العُجْب.

التاسع: وجوب الوفاء بالوعد؛ لما في «الصحيح» في (علامات المنافق) ؛ منها: «إذا وعد؛ أخلف»، فمن وعد في شيء؛ يجب الوفاء به، وهذا إذا ذكره على الجزم، أمَّا إذا وعده وألحق به [/ص572/] المشيئة وأخلف؛ لا بأس بذلك؛ لأنَّ الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى.

العاشر: وجوب إكرام العلماء العاملين؛ لأنَّهم ورثة الأنبياء عليهم السلام بالطعام وشبهه إذا دعوا إلى ذلك.

الحادي عشر: استحباب التنبيه على أهل الفسق والنفاق عند السلطان؛ لما في «الصحيح»: «اذكروا الفاجر بما فيه؛ ليحذره الناس».

الثاني عشر: أنَّ السلطان يجب عليه أن يستثيب في أمر من يذكر عنده بفسق، ويوجه له أجمل الوجوه.

الثالث عشر [16] : استحباب السؤال عمَّن لم يحضر الجماعة مع القوم إذا كانت عادته الحضور معهم، فإذا كان له عذر؛ وإلا؛ فهو من أهل الشَّر.

الرابع عشر: جواز استدعاء المفضول للفاضل؛ لمصلحة.

الخامس عشر: جواز استتباع الإمام والعالم أصحابه إذا علم أنَّ الطعام يكفيهم.

السادس عشر: وجوب الاستئذان على الرجل في منزله، وإن كان قد تقدم منه استدعاء.

السابع عشر: استحباب اجتماع أهل المحلة إذا ورد إلى منزل بعضهم رجل صالح، فيحضروا مجلسه؛ لزيارته، وإكرامه، والاستفادة منه.

الثامن عشر: استحباب الذبِّ عمَّن ذكر بسوء، وهو بريء منه.

التاسع عشر: أنَّه لا يخلد في النار من مات على التوحيد.

قلت: ظاهر الحديث يدل على أنَّ من قال: لا إله إلا الله مخلصًا؛ تُحرَّم عليه النار.

العشرون: جواز إسناد المسجد إلى القوم.

الحادي والعشرون: جواز إمامة الزائر والمَزُورِ برضاه.

وقال ابن بطال: (وفي الحديث ردٌّ على من قال: «إذا زار قومًا؛ فلا يؤمهم»؛ مستدلًّا بما روى وكيع، عن أبان بن يزيد، عن بديل بن ميسرة، عن أبي عطية، عن رجل منهم: كان مالك بن الحويرث يأتينا في مصلَّانا، فحضرت الصلاة، فقلنا له: تقدم، فقال: لا،ليقدم بعضكم، فإنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من زار قومًا؛ فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم») .

قال ابن بطال: (وهذا إسناد ليس بقائم، وأبو عطية مجهول يروي عن مجهول، وصلاة النبيِّ عليه السَّلام في بيت عتبان مخالفة له) ، وكذا ذكره السفاقسي.

قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر في مواضع:

الأول: رواه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم، وابن ماجه عن سويد عن عبد الله، وأبو الحسين المعلم عن محمد بن سليمان الباغندي [17] : حدثنا محمد بن أبان الواسطي قالوا: حدثنا أبان.

الثاني: قوله: «إسناده ليس بقائم»، يردُّه قول الترمذي: «هذا حديث حسن».

الثالث: الذي في «أبي داود»، و«الترمذي»، و«النسائي»، و«المصنف» أن أبا عطية قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا...؛ فذكره من غير واسطة) .

وقال الترمذي: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر) ، وقال بعض أهل العلم: (إذا أُذِنَ له؛ فلا بأس أن يصلي بهم) .

وقال إسحاق: (لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أَذِنَ له صاحب المنزل، وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم يقول: ليُصلِّ بهم رجل منهم) .

وقال مالك: (يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدمه للصلاة) .

وقد روي عن أبي موسى: أنه أمر ابن مسعود وجذبه في داره.

وقال أبو البركات ابن تيمية: (أكثر أهل العلم على أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رَبِّ المنزل) انتهى.

ومذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: أنَّه يستحبُّ لصاحب المنزل أن يأذن لمن هو أفضل منه، والمراد بصاحب المنزل: الساكن فيه، سواء كان بإجارة أو عارية، وصاحب المنزل يُقدَّم على المالك، فإذا اجتمع قوم في منزل؛ فصاحبه أحق بالإمامة، وإذا اجتمع قوم وفيهم السلطان وغيره؛ فيقدَّم السلطان، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل، ويقدَّم القاضي على إمام المسجد، وهذا واجب؛ لأنَّ في تقديم غيره عليه إهانة له، ثم الأعلم بأحكام الصلاة صحةً وفسادًا، ثم الأقرأ، وإنَّما قدَّم الأعلم على الأقرأ؛ لأنَّ القراءة إنَّما يحتاج إليها؛ لإقامة ركن واحد، والفقه يحتاج إليه؛ لجميع الأركان، والواجبات، والسنن، والمستحبات [18] على أنَّ الزائد على حفظ ما به سنة القراءة غير محتاج إليه، والخطأ المفسد للصلاة في القراءة لا يُعرف إلا بالعلم، وكم من قارئ لم يحفظ شيئًا في الفقه، فكيف يقدَّم على الفقيه الحافظ لأحكام الله تعالى؟ كذا في «إمداد الفتاح»، والله تعالى أعلم؛ فافهم.

[1] في الأصل: (يضطلع)، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (النبي) ، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (ولا) ، والمثبت موافق للتلاوة.
[4] بياض في الأصل.
[5] في الأصل: (ما) ، والمثبت موافق للتلاوة.
[6] في الأصل: (وحسبناه) ، وليس بصحيح.
[7] في الأصل: (فعصيدة)، والمثبت موافق لما في «المحكم».
[8] في الأصل: (السنجينة)، وليس بصحيح.
[9] في الأصل: (لعل)، ولعل المثبت هو الصواب.
[10] تكرر في الأصل: (وظاهر).
[11] في الأصل: (لأنه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[12] في الأصل: (السرة)، ولعل المثبت هو الصواب.
[13] في الأصل: (لها)، ولعل المثبت هو الصواب.
[14] في الأصل: (وتراضوا) ، وهو تصحيف.
[15] في الأصل: (التراض) ، وهو تصحيف.
[16] سقط من الأصل: (عشر).
[17] في الأصل: (الباعندي) ، وهو تصحيف.
[18] في الأصل: (والمستحباب) ، وهو تصحيف.