المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

399-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاءٍ، قالَ: حدَّثنا إِسْرائيلُ، عن أَبِي إِسْحاقَ:

عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ [1] رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ: كان رَسُولُ اللَّهِ [2] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّىَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجِّهَ [3] إلى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء } [البقرة: 144] فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ. وَقالَ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ اليَهُودُ: { مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ [/ج1ص88/] وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [البقرة: 142] [4] . فَصَلَّىَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ [5] ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَما صَلَّىَ، فَمَرَّ علىَ قَوْمٍ مِنَ الأَنْصارِ فِي صَلاةِ العَصْرِ، نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فقالَ: هو يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّىَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ [6] الكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ، حَتَّىَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ.

الأطراف



[1] قوله: «بن عازب» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وهو ثابت في رواية أبي ذر عن المُستملي أيضًا.
[2] في رواية الأصيلي: «النَّبيُّ».
[3] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«يُوَجَّهَ»، وأهمل ضبطها في (ن، و).
[4] بهامش اليونينية: عند الأصيلي: «وقال السفهاء إلىَ { كَانُواْ عَلَيْهَا } متلوًّا» ثم قال: «إلىَ قوله: {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }».اهـ.
[5] في رواية أبي ذر والحَمُّويي والمُستملي: «رجالٌ».
[6] قوله: «توجه» ليس في رواية أبي ذر وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وزاد في (و، ب، ص) نسبةَ عدم وجودها إلىَ رواية الأصيلي. «لا الحمرة إلىَ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

399- وحديث البراء في الاستقبال سبق في الإيمان.


لا تتوفر معاينة

399- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ): تقدَّم أنَّه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق عَمرو بن عَبْد الله [1] السَّبيعيُّ، تقدَّم الكلام على إسرائيل وعلى جدِّه الرَّاوي عنه هنا عَمرو بن عَبْد الله غير مرَّة فأغنى عن إعادتهما، والله أعلم.

قوله: (عَنِ البَرَاءِ): هو ابن عازب، الصَّحابيُّ الشَّهير، وأبوه عازب أسلم وصحب رضي الله عنهما، وإنَّما قيَّدته؛ لأنَّ في الصَّحابة سبعةً يقال لكلٍّ منهم: البَراء؛ هذا أحدهم، أوَّل مشاهد البراء بن عازب بن الحارث بن عديٍّ الأنصاريِّ الأوسيِّ هذا أحُد، وقيل: الخندق، وافتتح الرَّيَّ سنة (24 هـ ) في قول أبي [2] عَمرو الشَّيبانيِّ، وشهد مع عليٍّ الجمل، وصفِّين، والنَّهروان، ونزل الكوفة، ورَوى الكثير، أخرج له الجماعة وأحمد في «المسند»، تُوفِّي بعد السَّبعين، وأمَّا عازب؛ فقال [3] الواقديُّ: لَمْ نسمع له بذكر في المغازي رَضِيَ اللهُ عنهما.

قوله: (سِتَّةَ عَشَرَ شهرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا): تقدَّم الاختلاف في المدَّة التي صلَّاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيت المقدس بعد المَقْدَم، وكيف كانت صلاته بمكَّة، في (كتاب الإيمان) في (باب الصَّلاة من الإيمان) .

قوله: (فَصَلَّى مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رَجُلٌ): قال الدِّمياطيُّ: (واسمه عبَّاد بن نهيك) انتهى، وقد تقدَّم هذا بزيادة في الباب المشار إليه أعلاه.

قوله: (فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ): قال الدِّمياطيُّ: (زار النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّ [4] بشر بن البَراء بن معرور بن صخر بن خنساء، واسمها خُلَيدة بنت قيس بن ثابت بن خالد من [5] بني دُهمان، فقعد هو وأصحابه، وحانت الظُّهر، فصلَّى بأصحابه في مسجد القبلتين ركعتين من الظُّهر إلى الشَّام، ثُمَّ أمر أنْ يستقبل الكعبة، وهو راكع في الرَّكعة الثَّالثة، فاستدار إلى الكعبة، ودارت الصُّفوف خلفه، ثُمَّ أتمَّ الصَّلاة، فسُمِّي: مسجد القبلتين؛ لهذا، وكان البراء يصلِّي إلى الكعبة، وأوصى عند موته أنْ يوجَّه في قبره إلى الكعبة، ومات في صفر قبل قدوم النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة بشهر، وكان البراء أحد النُّقباء وأوَّل من بايع ليلتئذٍ، وأوَّل من أوصى بثلث ماله، وأوَّل من توجَّه إلى الكعبة حيًّا وميتًا) انتهى.

فقوله: [ (إنَّ التَّحويل وقع في مسجد القبلتين) ؛ فقد تقدَّم قوله: إنَّه وقع التَّحويل في مسجده.

قوله] [6] : (أوَّل من بايع ليلتئذٍ): هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال، ستأتي إن شاء الله تعالى وقدَّره في (وفود الأنصار وبيعة العقبة) .

واعْلَم: أَنَّ بني النَّجَّار يزعمون أنَّ أبا أمامة أسعدَ بنَ زرارة كان أوَّل من ضَرَب على يد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبنو عَبْد الأشهل يقولون: (بل أبو الهيثم [7] بن التَّيِّهان) انتهى، ويقال: بل البراء بن معرور، وفي «المستدرك في معرفة الصَّحابة» في (البراء بن معرور) عنِ ابن عبَّاس قال: (كان البراء بن معرور أوَّلَ من ضرب على يد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في البيعة ليلة العقبة) ؛ وذكر الحديث، قال الذَّهبيُّ في «تلخيصه»: (صحيح) انتهى، وفيه عنعنة ابن إسحاق، والله أعلم.

قوله: (فِي صَلَاةِ العَصْرِ): قال الدِّمياطيُّ: (وكذلك رواه «التِّرمذيُّ» من حديث: وكيع عن إسرائيل، وفيه: «فصلَّى رجل معه العصر، ثُمَّ مرَّ على قوم من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: وهو يشهد أنَّه صلَّى مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم...»؛ الحديث) انتهى، وقد تقدَّم الخلاف في أيِّ صلاة وقع التَّحويل في الباب المشار إليه أعلاه؛ فانظره.

[1] زيد في النسخ: (أبي إسحاق) ، ولعل الصواب حذفها.
[2] (أبي): مثبت من (ج) .
[3] في النسخ: (قال) ، ولعل المثبت هو الصواب .
[4] (أم): سقطت من (ب) .
[5] في (ب): (بن) ، وهو تحريفٌ.
[6] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[7] في (ج): (يقولون: مثل الهيثم) .





399- [قولُ البراءِ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ): فيه أنَّ خبرَ (كَانَ) فعلٌ ماضٍ بغيرِ (قد) ] . @@@

(مَا صَلَّى): يَحتملُ أنَّ (ما) مصدريَّةٌ أو موصولةٌ.


399- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم، الغُدَانيُّ؛ بضمِّ الغين المُعجمَة (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق [1] ، عمرو بن عبد الله الكوفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله، السَّبِيعيِّ الكوفيِّ [2] ، [/ج1ص415/]

جدِّ إسرائيل (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) ثبت: ((ابن عازبٍ)) عند أبي ذرٍّ عن المُستملي [3] (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ)، وللأَصيليِّ: ((النِّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ)؛ أي: جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) بالمدينة (سِتَّةَ عَشَرَ شهرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) من الهجرة، وكان ذلك بأمر الله تعالى له، قاله الطَّبريُّ [4] ، ويُجمَع بينه وبين حديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد من وجهٍ آخر: أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصلِّي بمكَّة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه؛ بحمل [5] الأمر في المدينة على الاستمرار [6] باستقبال بيت المقدس، وفي حديث الطَّبريِّ من طريق [7] ابن جريجٍ قال: أوَّل ما صلَّى إلى الكعبة، ثمَّ صُرِف إلى بيت المقدس وهو بمكَّة، فصلَّى ثلاث حججٍ، ثم هاجر فصلَّى إليه بعد قدومه المدينة ستَّة عشر شهرًا، ثمَّ وجَّهه الله تعالى إلى الكعبة، (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ) بضمِّ أوَّله وفتح الجيم، مبنيًّا للمفعول؛ أي: يُؤمَر بالتَّوجُّه (إِلَى الْكَعْبَةِ) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند [8] الطَّبريِّ: وكان يدعو و [9] ينظر إلى السَّماء، (فَأَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ}) [البقرة: 144] ، تردُّد وجهك في جهة السَّماء؛ تطلُّعًا للوحي، وكان عليه الصَّلاة والسَّلام يقع في روعه، ويتوقَّع من ربِّه أن يحوِّله إلى الكعبة؛ لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم، وذلك يدلُّ على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل، قاله البيضاويُّ. (فَتَوَجَّهَ) صلَّى الله عليه وسلَّم بعد نزول الآية (نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ _ وَهُمُ الْيَهُودُ _: مَا وَلَّاهُمْ)؛ أي: ما صرفهم (عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)؟ يعني: بيت المقدس، والقبلة في الأصل: الحال الَّتي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عُرفًا للمكان المُتوجَّه إليه للصَّلاة ({قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}) لا يختصُّ به مكانٌ دون مكانٍ بخاصَّةٍ [10] ذاتيَّةٍ تمنع إقامة غيره مقامه، وإنَّما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان ({يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}) [البقرة: 142] ، وهو ما ترتضيه الحكمة، وتقتضيه المصلحة من التَّوجُّه إلى بيت المقدس تارةً، وإلى الكعبة تارةً [11] أخرى (فَصَلَّى) الظُّهر [12] (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ) اسمه عبَّاد بن بشرٍ، كما قاله ابن بَشكوال، أو هو عبَّاد بن نَهِيكٍ؛ بفتح النُّون وكسر الهاء، (ثُمَّ خَرَجَ)؛ أي: الرَّجل (بَعْدَ مَا صَلَّى)؛ أي: بعد صلاته، أو بعد الَّذي صلَّى، وللمُستملي والحَمُّوييِّ: ((فصلَّى مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجالٌ))؛ بالجمع، ((ثم خرج))؛ أي: بعض أولئك الرجال؛ أي ((بعد ما صلَّى)) (فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ)؛ أي: جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ)، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((في صلاة العصر، يصلُّون نحو بيت المقدس))، (فَقَالَ) الرَّجل: (هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ) عليه الصَّلاة والسَّلام (تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ)، وللأربعة: ((وأنَّه نحو الكعبة))، (فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ) وعنى بقوله: «هو يشهد» نفسَه على طريق التَّجريد؛ بأن جرَّد من نفسه شخصًا، أو على طريق الالتفات، أو نقل الرَّاوي كلامه بالمعنى، وعند ابن سعدٍ في «الطَّبقات»: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام صلَّى ركعتين من الظُّهر في مسجده بالمسلمين، ثمَّ أُمِر أن يتوجَّه إلى المسجد الحرام [13] ، فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويُقال: إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام زار أُمَّ بِشْرِ بن البراء بن معرورٍ في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت [14] الظُّهر، فصلَّى صلَّى الله عليه وسلَّم بأصحابه ركعتين، ثمَّ أُمِر، فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسُمِّي مسجد القبلتين، قال ابن سعدٍ: قال الواقديُّ: هذا أَثْبَتُ عندنا، ولا تَنافيَ بين قوله هنا: «صلاة العصر»، وبين ثبوت الرِّواية عن ابن عمر في الصُّبح بقباء المرويِّ عند الشَّيخين [خ¦403] والنَّسائيِّ؛ لأنَّ العصر ليوم التَّوجُّه [15] بالمدينة، والصُّبح لأهل قباء في اليوم الثَّاني؛ لأنَّهم خارجون عن المدينة من سوادها. واستُنبِط من حديث الباب: قبول خبر الواحد، وجواز النَّسخ، وأنَّه لا يثبت في حقِّ المُكلَّف حتَّى يُبلَّغه. ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه [16] المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4486] أيضًا، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] «ابن يونس بن أبي إسحاق»: سقط من (د).
[2] «الكوفيِّ»: ليس في (د).
[3] قوله: «ثبت: «ابن عازبٍ» عند أبي ذرٍّ عن المُستملي»، سقط من (م).
[4] في هامش (ص): «قوله: «الطَّبريُّ»، كذا في النُّسخ، ولعلَّه: هكذا أخرجه الطَّبريُّ أو رواه. انتهى. شيخنا العجمي».
[5] في (ص): «فحمل»، وفي (م): «يحمل».
[6] في (م): «الأمر».
[7] في (د): «حديث».
[8] في (س): «عن».
[9] في (م): «أو».
[10] في (م): «بخاصيَّة».
[11] «تارةً»: ليس في (د) و(س).
[12] في (ص) و(م): «وتطهَّر»، وفي هامش (ص): «قوله: «وتطهَّر»، كذا في النُّسخ، ولعلَّه تحريفٌ، أصله: الظُّهر؛ كما في «الفتح»، وعبارته: انصرف رسول الله _صلَّى اللهُ عليه وسلَّم_ وهو يصلِّي الظُّهر...، بدليل بقيَّة سياق الحديث، وهو قوله: «في صلاة العصر». انتهى. عجمي».
[13] «الحرام»: ليس في (ص) و(م).
[14] في (م): «وكانت».
[15] في هامش (ص): «قوله: «لأنَّ العصر ليوم التَّوجُّه...» إلى آخره، قال الشَّاميُّ: قال الحافظ ابن حجرٍ: التَّحقيق: أنَّ أوَّل صلاةٍ صلَّاها في بني سلِمة _بكسر اللَّام_ الظُّهر، وأوَّل صلاةٍ صلَّاها بالمسجدِ النَّبويِّ العصر، وأمَّا الصُّبح؛ فهو لأهل قباء؛ أي: في اليوم الثَّاني. انتهى».
[16] في (د): «ورواه».





399- ( فَصَلَّى مَعَ [النَّبِيِّ] [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ ): للحَمُّويي والمُسْتملي: «رجال».

( فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ ): زاد الكُشْمِيهنيُّ: «يصلُّون».

( هُوَ يَشْهَدُ ): يعني بذلك نفسه على طريق / التَّجريد. [/ج2ص488/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (رسول الله)





110/399# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجاءٍ [1] ، قالَ: حدَّثنا إِسْرائِيلُ، عن أَبِي إِسْحاقَ:

عَنِ البَراءِ، أنَّ [2] القبلة لمَّا حُوِّلت إلى الكعبة قال: فَصَلَّىَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَما صَلَّىَ، فَمَرَّ علىَ قَوْمٍ مِنَ الأَنْصارِ فِي صَلاةِ العَصْرِ، نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فقالَ: هو يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّىَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ، حَتَّىَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ.

فيه من الفقه: وُجُوب قَبُول أخبار الآحاد.

وفيه: أنَّ ما مضَى من صلاتهم نحو بيت المقدس قبل أن يَعلموا بنسخها وبناء الباقي منها نحو الكعبة صحيحٌ.

وهذا [3] أصل في كلِّ أَمْرٍ مَأذونٍ فيه، قد جرى العملُ به [4] ، ثمَّ رُفعَ، أو لَحِقه نَسخٌ [5] ، فإنَّ الماضي منه صحيحٌ إلى أن يُعلَمَ رَفعُه أو نسخُه.

وقد يُستَدلُّ به في الوكالات، وفيما يَتَصَرَّف فيه الوكيلُ من أمرٍ مأذوُنٍ له فيه، ثمَّ

@%ص114%

يأتيَه الخبرُ بعزله، وقد باع واشترى، وقبض وأعطى؛ فإنَّ ذلك كُلَّه ماضٍ على المُوكِّل، وقد يبتاع الرجلُ العقارَ فيبني فيه [6] ، ثمَّ يُستحقُّ بالشُّفعة، فينتَقِضُ في الأصل مِلكُه، ولا يُنْقَصُ بناؤُه، ولا يبطل منه حَقُّه، وتتصرَّفُ المرأة في الصَّداق قبل الدُّخول بها، ثمَّ تطلَّقُ، فيُنتقضُ ملكها في النِّصف، ولا يَبْطُلُ حقَّها فيما أحدثت [7] فيه من بناء ونحوه.

وفيه حُجَّة لقول مَنْ أجاز تأخير البيان عن وقتِ مورده في الحال الرَّاهِنة إلى الحال الثانية [8] .

[1] (حدثنا عبد الله بن رجاء) سقط من (ط).
[2] في (ط): (عن الراكب).
[3] في النسخ الفروع: (وهو).
[4] في النسخ الفروع: (عمل به) إلَّا (أ) سقطت (به).
[5] في النسخ الفروع: (ثم نسخ أو رفع).
[6] في (أ): (فيبني به).
[7] في النسخ الفروع: (فيما بنت).
[8] في النسخ الفروع: (تأخير البيان إلى ثاني الحال).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

399- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبد الله بن رجَاء)) ؛ بالمد مع تخفيف الجيم: هو البصري الغُداني؛ بضم الغين المعجمة ((قال: حدثنا)) وللأربعة: (حدثني) ؛ بالإفراد ((إسرائيل)) : هو ابن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، ((عن)) جده ((أبي إسحاق)) : هو عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي الهمداني التابعي، لا يقال: إنه مدلس؛ لأنَّا نقول: إن المؤلف ساقه في (التفسير) من طريق الثوري بلفظ: (عن أبي إسحاق: سمعت البراء) ((عن البَراء)) ؛ بفتح الموحدة، والراء المخففة ((بن عازب)) : هو أبو عمرو أو أبو عامر الأنصاري الأوسي، المتوفى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، الصحابي الجليل رضي الله عنه، وسقط: (ابن عازب) للأصيلي، ((قال: كان رسول الله)) : وللأصيلي: (النبيُّ) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) : إفادة (كان) الدوام والاستمرار ((صلَّى نحو)) أي: جهة ((بيت المَقْدس)) ؛ بفتح الميم، وسكون القاف، مصدر ميمي؛ كالمرجع، وذلك بالمدينة المنورة ((ستة عشر شهرًا)) : من الهجرة على الأصح، كذا زعمه النووي، ((أو سبعة عشر شهرًا)) : هو الصحيح، وهو قول أبي إسحاق، وابن المسيب، ومالك بن أنس، والشك من البراء، وكذا وقع الشك عند المؤلف في رواية زهير وأبي نعيم، ورواه أبو عوانة في «صحيحه» من رواية أبي نعيم، فقال: (ستة عشر شهرًا) من غير شك، وكذا في رواية مسلم من رواية الأحوص، والنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة، ووقع في رواية أحمد والطبراني عن ابن عباس: (سبعة عشر شهرًا) ، كذا قاله الشَّارح، ثم قال: والجمع بينهما أن من جزم بـ (ستة عشر) ؛ أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الأيام الزائدة فيه، ومن جزم بـ (سبعة عشر شهرًا) ؛ عدهما معًا، ومن شك؛ تردد فيهما، وذلك أن قدومه عليه السَّلام المدينة كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: (سبعة عشر شهرًا، وثلاثة أيام) ، وهو مبني على أنَّ القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأول، وقال ابن حبيب: (كان التحويل في نصف شعبان) ، وهو الذي نقله النووي وأقره، ورجح في «شرح مسلم» رواية: (ستة عشر شهرًا) ؛ لكونها مجزومًا بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان، إلا إن ألغي شهرا القدوم والتحويل؛ فافهم.

وجاءت فيه روايات أخرى، ففي «سنن أبي داود» و«ابن ماجه»: (ثمانية عشر شهرًا) ، وزعم الطبري (ثلاثة عشر شهرًا) ، وفي رواية: (سنتين) ، وأغرب منهما: (تسعة أشهر، وعشرة أشهر) ، وهما شاذتان، انتهى.

وزعم الطبري أن صلاته عليه السَّلام كذلك كانت بأمر الله تعالى له، انتهى.

قلت: ويحتمل أنها كانت عن اجتهاد منه عليه السَّلام، وفي حديث الطبري من طريق ابن جريج قال: (أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة) ، وفي حديث ابن عباس عند أحمد من وجه آخر: (أنه عليه السَّلام كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه) .

قلت: ويجمع بينهما بحمل صلاته في المدينة على الاستمرار باستقبال بيت المقدس، كذا قيل، وفيه نظر، وقد صرح في حديث الطبري بطريق الجمع بين حديث الباب وحديث ابن عباس؛ فافهم.

((وكان رسول الله رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يحب أن يُوجَه)) ؛ بضم أوله، وفتح الجيم، مبنيًّا للمفعول؛ أي: يؤمر بالتوجه ((إلى الكعبة)) وفي حديث ابن عباس عند الطبري: (وكان يدعو وينظر إلى السماء) .

قلت: روي: أنه عليه السَّلام قال لجبريل: «وددت لو أن الله يصرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها»، فقال: إنَّما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل عليه السَّلام يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي يسأل ربه، ((فأنزل الله عز وجل: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ})) ؛ أي: تردد وجهك في جهة السماء؛ تطلُّعًا للوحي، وقيل: معناه: تحول وجهك إلى السماء، فيكون قوله: {فِي السَّمَاءِ} متعلقًا بقوله: {تَقَلُّبَ}؛ بتقدير: في النظر إلى السماء، وكان الظاهر أن يقول: تقلب عينيك في النظر إلى السماء، إلا أن تقلب الوجه لمَّا كان أبلغ في انتظار الوحي؛ كان ما عليه النظم أبلغ، وكلمة (قد) : للتكثير؛ ومعناها: كثرة الرؤية؛ لأجل طلب مقصوده، قال تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ} [البقرة: 144] : اصرفه شطر المسجد الحرام؛ أي: نحوه، والمراد به: الكعبة، وإنما ذكر المسجد دون الكعبة؛ لأنَّه عليه السَّلام كان في المدينة، والبعيد عنها يكفيه مراعاة الجهة، ((فتوجه)) عليه السَّلام بعد نزول الآية ((نحو الكعبة)) ؛ أي: جهتها، وإنما كان يحب أن يوجه إليها؛ لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم، وأسبق القبلتين بالنسبة إلى أهل الإسلام، ولأنها أدعى للعرب إلى الإيمان؛ لأنَّها كانت مفخرةً لهم، وأمنًا، ومزارًا، ومطافًا، ولأجل مخالفة اليهود؛ لأنَّهم كانوا يقولون: إنه يخالفنا في ديننا، ثم يتبع قبلتنا، ولولا نحن؛ لم يدر أين يستقبل؟ فعند ذلك كره عليه السَّلام أن يوجه إلى قبلتهم، فحقق الله تعالى رجاءه صلَّى الله عليه وسلَّم.

((وقال السفهاء من الناس)) ونزول آية: {قَدْ نَرَى} متقدمة في النزول على قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 142] ، ذكره القرطبي ((وهم اليهود)) : هذا تفسير من البراء بن عازب، ومثله روي عن ابن عباس رضي الله عنهم، وقال الحسن: (هم مشركو العرب) ، وقال السدي: (هم المنافقون) ، ولا تنافي بين هذه الأقوال؛ لأنَّ كل واحد منهم من هؤلاء الفرق سفهاء طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فالظاهر إبقاء اللفظ على عمومه، وقد وصف الله تعالى هؤلاء الفرق بالسفاهة في قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ[/ص529/] عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] ؛ أي: أذلها بالجهل والإعراض عن النظر، فإنه لا شك أن كل فرقة منهم راغبون عن ملة إبراهيم، فيكونون سفهاء، فكأنه قال: هؤلاء الراغبون عن ملة إبراهيم قالوا عند إيجاب التوجه إلى الكعبة: (({مَا وَلاَّهُمْ})) ؛ أي: ما حولهم وصرفهم (({عَن قِبْلَتِهِمُ الَتِي كَانُوا عَلَيْهَا})) ؛ أي: التي كانوا على التوجه إليها، وهي بيت المقدس، وكلمة (ما) في {مَا وَلاَّهُمْ}: استفهامية مرفوعة المحل على الابتداء، و{وَلاَّهُمْ}: خبره، والجملة في موضع النصب بالقول، يقال: تولى عن ذلك؛ أي: انصرف، وولاه غيره؛ أي: صرفه، والقِبْلة: فعلة، وقد اشتهر أن الفِعلة: للمرة، والفَعلة: للحال؛ كالجِلسة والقَعدة، نقله في عرف الشرع إلى الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وسميت قِبْلة؛ لأنَّ المصلي يقابلها وهي تقابله؛ فافهم.

وإنما قال اليهود ذلك؛ بناءً على أنَّهم لا يرون نسخ الشرائع والأحكام، لما زعموا أن نسخها بمعنى البداء، والرجوع عنها بداء، وذلك محال في حق الله تعالى؛ لعلمه بعواقب الأمور، والبداء والرجوع في الشاهد مبني على الجهل بالعواقب؛ كمن بنى بناء، ثم نقضه بما يبدوويظهر له أنه مخطئ وغالط في الفَرض الذي بنى بناءه عليه، واليهود إنَّما قالوا ذلك _وذهبوا إلى امتناع أن ينسخ الله حكمًا مما شرعه أولًا_؛ لجهلهم بتفسير النسخ وحده، ولو عرفوه؛ لما نفوه، فإن النسخ عبارة عن انتهاء الحكم إلى وقت معين؛ لانتهاء المصلحة التي شرع الحكم لها، وبيان حكم جديد لمصلحة أخرى في وقت آخر مع بقاء الحكم الأول مشروعًا، ومصلحة وقت كونه مشروعًا وليس فيه ما فهمته اليهود، وأمَّا المشركون والمنافقون؛ فإنما قالوا ذلك من حيث إنهم أعداء الدين، والأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالًا؛ لم يتركوا مقالًا، فمنهم من يقول: ما بالهم كانوا على قبلة، ثم تركوها مع أن الجهات لمَّا كانت متساوية في جميع الصفات؛ كان تحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى مجرد عبث، فلا يكون ذلك من فعل الحكيم؟ وقال المنافقون: اشتاق الرجل إلى بلد أبيه ومولده؛ فلذلك توجه إليه، وقال آخرون: تحير في دينه؛ حيث لم يثبت على دين، وقال ابن عباس: لمَّا حولت القبلة؛ جاءت جماعة من اليهود، وقالوا: يا محمد؛ ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها؟ فكن على بيت المقدس؛ نتبعك ونصدقك، وأرادوا بذلك فتنة النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فسماهم الله تعالى: سفهاء؛ لأنَّهم كانوا نوافل إبراهيم والكعبة بناؤه، وقبلة إسماعيل، ومع ذلك رغبوا عنها قبل، كان موسى عليه السَّلام يصلي إلى الصخرة نحو الكعبة، فهي قبلة الأنبياء كلهم عليهم السلام.

(({قُل لِّلَّهِ المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ})) ؛ يعني: أن الأمكنة كلها والنواحي بأسرها لله تعالى ملكًا وتصريفًا، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة حتى يمتنع إقامة غيره مقامه، وشيء من الجهات إنَّما يصير قبلة لمجرد أن الله تعالى أمر بالتوجه إليه، فله أن يأمر كل وقت بالتوجه إلى جهة من تلك الجهات على حسب الألوهية ونفوذ قدرته ومشيئته {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] ، ولعل الوجه في التعبير عن جميع النواحي والأطراف بالمشرق والمغرب أن الشمس بحسب اختلاف حركاتها، وتبدل مطالعها ومغاربها متناولة لأكثر النواحي والجهات، فأقيم الأكثر مقام الكل، كذا قيل، فاتبع اليهود هوى أنفسهم، واستقبلوا المغرب، واتخذوها قبلة، وزعموا أن موسى عليه السَّلام كان في المغرب حينما أكرمه الله تعالى بوحيه وكلامه، كما قال تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ} [القصص: 44] ، واتبع النصارى هوى أنفسهم أيضًا، واستقبلوا المشرق، واتخذوا جهته قبلة، وزعموا أن مريم حين خرجت من بلدها؛ مالت إلى الشرق، كما قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} [مريم: 16] ، والمؤمنون استقبلوا الكعبة؛ طاعة لله تعالى وامتثالًا لأمره، لا ترجيحًا لبعض الجهات المتساوية على بعض بمجرد رأيهم واجتهادهم مع أنها قبلة خليل الله تعالى ورسوله، ومولد حبيبه عليه السَّلام.

(({يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ})) [البقرة: 142] : وهو توجه العباد إلى الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها، ووجه استقامته كونه مشتملًا على الحكمة والمصلحة موافقًا لما هداهم الله إليه بأن أمرهم بذلك، وأوجبه عليهم؛ فافهم.

((فصلى)) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة العصر؛ لقول البراء بن عازب في باب (الصلاة من الإيمان) : (وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر...) ؛ الحديث، وصلى ((مع النبيِّ)) الأعظم ) ((صلَّى الله عليه وسلَّم رجل)) اسمه عباد بن نَهِيك _بفتح النون، وكسر الهاء_ قاله أبو عمرو، أو عباد بن بشر بن قيظي، قاله ابن بشكوال، وفي رواية باب (الصلاة من الإيمان) : (وصلى معه قوم) ((ثم خرج)) أي: الرجل ((بعدما صلى)) وكلمة (ما) إما مصدرية أو موصولة؛ أي: بعد صلاته أو بعد الذي صلى؛ أي: انصرف من صلاته، واستقبال القبلة، وفي رواية المستملي والحمُّوي: (فصلى مع النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم رجال) ؛ بالجمع.

قال الكرماني: (فصلى) : هذه الرواية يرجع الضمير في قوله: (ثم خرج) إلى ما دل عليه (رجال) ، وهو مفرد، أو معناه: ثم خرج خارج.

ورده إمام الشَّارحين فقال: (بل معناه على هذه الرواية: ثم خرج خارج منهم، فيكون الفاعل محذوفًا) انتهى.

((فمر)) أي: ذلك الرجل في طريقه ((على قوم من الأنصار)) : من بني حارثة، وهم أهل مسجد يعرف الآن بمسجد القبلتين ((في صلاة العصر)) وكأنه عليه السَّلام صلى العصر في أول وقتها، وهؤلاء القوم صلوا العصر في آخر وقتها المستحب، فلا منافاة؛ فافهم.

((نحو)) أي: جهة ((بيت المَقْدس)) : مصدر ميمي؛ كالمَرْجع، وفي رواية الكشميهني: (في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس) ، وفي الرواية السابقة: [/ص530/] (وهم راكعون) ؛ يعني: حقيقة، أو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، ((فقال)) أي: الرجل: ((هو يشهد)) : أراد به نفسه، ولكن عبر عنها بلفظ الغيبة على سبيل التجريد، باب جرد من نفسه شخصًا، أو على طريقة الالتفات، أو نقل الراوي كلامه بالمعنى، ويؤيده الرواية في باب (الإيمان) بلفظ: (أشهد) ((أنَّه صلى)) أي: العصر ((مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: بالمدينة، ((وأنَّه)) عليه السَّلام ((توجه)) في صلاته ((نحو)) جهة ((الكعبة)) وللأربعة: (وأنَّه نحو الكعبة) ، ((فتحرف القوم)) : الذين صلُّوا العصر نحو بيت المقدس ((حتى)) أي: إلى أن ((توجهوا)) [1] ؛ أي: في استدارتهم ((نحو)) أي: جهة ((الكعبة)) وهم في صلاتهم، فأتموها لجهة الكعبة.

ففيه: المطابقة للترجمة حيث توجه نحو الكعبة التي استقرت قبلة أبدًا في أي حالة كان المصلي صلاة الفرض.

وفيه: جواز التحري والاجتهاد في أمر القبلة، فلو تحرى لجهة وشرع في الصلاة، ثم تبدل اجتهاده وهو في الصلاة لجهة أخرى؛ استدار وأتم صلاته، ولو صلى الظهر مثلًا كل ركعة إلى جهة بالتحري؛ جازت صلاته، كما لا يخفى.

وفيه: بيان شرف النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وكرامته على ربه؛ حيث أعطاه ما أحب واختار.

وفي الحديث: أنه عليه السَّلام صلى العصر، ويدل عليه الرواية في الباب السابق، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر؛ أي: متوجهًا للكعبة، وعند ابن سعد في «الطبقات»: (أنه عليه السَّلام صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون) ، وعند ابن سعد: (أنه عليه السَّلام زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى عليه السَّلام لأصحابه ركعتين، ثم أمر، فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي: مسجد القبلتين) .

قلت: والظاهر من هذا أنه عليه السَّلام وقع له ذلك مرات متعددة، ويحتمل أنه عليه السَّلام صلى الظهر في آخر وقتها، أو قدم صلاة العصر على وقتها المستحب، فالراوي رآه يصلي صلاة الظهر قرب العصر، فظن أنها العصر، فعبر بما رآه، أو رآه يصلي في أول وقت العصر مقدمها على وقتها المستحب، فظن أنها العصر، فعبر عنها، ويحتمل أنه عليه السَّلام صلى في بيت أم بشر ناسيًا، فأمر بالاستقبال، وقول ابن سعد عن الواقدي: (صلاة الظهر أثبت عندنا) ؛ ليس بشيء بعد تصريح الإمام البخاري في باب (الصلاة) عن البراء: (أنه عليه السَّلام صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر) ؛ أي: متوجهًا إلى الكعبة، ولا شك أن ذلك أثبت؛ لأنَّ صاحب الدار أدرى؛ فليحفظ.

وجاء في رواية ابن عمر في «البخاري»، و«مسلم»، و«النسائي»: (أنه عليه السَّلام صلى الصبح) ، قال إمام الشَّارحين: (والتوفيق بينها وبين رواية الباب أن هذا الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون في نفس المدينة صلاة العصر، ثم وصل إلى أهل قباء في صبح اليوم الثاني؛ لأنَّهم كانوا خارجين عن المدينة؛ لأنَّ قباء من جملة سوادها، وفي حكم رساتيقها) انتهى.

وفيه: جواز نسخ الأحكام عند الجمهور إلا طائفة لا يقولون به، ولا يعبأ بهم؛ لموافقتهم لليهود، واختلف في صلاته عليه السَّلام إلى بيت المقدس وهو بالمدينة كمكة؛ فقال جماعة: لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، ثم لما قدم المدينة؛ استقبل بيت المقدس، ثم نسخ، وزعم البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا} [البقرة: 143] ؛ أي: الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، فإنه كان يصلي إليها بمكة، ثم لما هاجر؛ أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفًا لليهود، وقال قوم: كان لبيت المقدس، وفي حديث عند ابن ماجه: (صلينا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين) ، وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس، وكذلك في المدينة، فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ، وعلى الثاني المنسوخ؛ والمعنى: أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس؛ فافهم.

وفي الحديث: دليل على نسخ السنة بالقرآن عند الإمام الأعظم والجمهور، وهو حجة على الشافعي؛ حيث منعه.

وفيه: دليل على قبول خبر الواحد.

وفيه: وجوب الصلاة إلى القبلة، وتقرر الإجماع على أنها الكعبة.

وفيه: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين أو جهات، كما قدمنا.

وفيه: أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه، وفي هذا الباب أبحاث تقدمت [2] في باب (الصلاة من الإيمان) ، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (توجوا) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (تقدم) ، وليس بصحيح.