المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

380-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ [1] ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن إِسْحاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ:

عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلِّ [2] لَكُمْ». قالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلىَ حَصِيرٍ لَنا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ ما لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِماءٍ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَفْتُ والْيَتِيمَ [3] وَراءَهُ، والْعَجُوزُ مِنْ وَرائِنا، فَصَلَّىَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «بنُ يوسفَ».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فَلَأُصَلِّيْ» بزيادة الياء الساكنة.
[3] هكذا ضبطت بالنصب مفعولٌ معه، وقد صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر و [عط] : «واليتيمُ» بالرفع.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

380- ( قُومُوا فَأُصَلِّي ) هي عند الكُشْمِيهني بغير لام ساكنة الياء، وهي واضحة صحيحة، ورواها غيره: «فلأصلي» بلام مكسورة وفتح الياء على أنَّها لام كي على زيادة الفاء [1] ، وقد رويت بفتح اللام وسكون الياء كقوله تعالى: { إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا } [ الفرقان: 42 ] .

وقال ابن السيد: يرويه كثير من الناس بالياء، ومنهم من يفتح اللام ويسكن الياء ويتوهمه قسمًا، وذلك غلط؛ لأنَّه لا وجه للقسم، ولو كان لقال: فلأصلين بالنون، وإنَّما الرواية الصحيحة «فَلأُصَلِّ» على معنى الأمر، والأمر إذا كان للمتكلِّم والغائب كان باللام أبدًا، وإذا كان للمخاطب كان باللام وغير اللام.

( وصففت أنا واليتيم ) بنصب ( اليتيم ) ورفعه، ويروى: «فصففت واليتيم» من غير توكيد، والأول أفصح إذ لا يعطف غالبًا على الضمير المرفوع إلا مع التأكيد كقوله تعالى: { اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ } [البقرة: 35] ، وهذا اليتيم هو جدُّ حسين بن عبد الله بن ضميرة.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: قوله: «على زيادة الفاء» هو مذهب الأخفش، ورجح ابن مالك أنَّه على تقدير حذف؛ أي: قوموا فقيامكم لأصلي لكم.





380# (قُومُوا فَلأُصَلِّي [1] لَكُمْ) يروى: بحذف الياء وبثبوتها [2] مفتوحة وساكنة [3] .

فعلى الأول: اللام لام أمر، وحذف الياء علامة الجزم، وهو من أمْرِ المتكلمِ نفسَه بفعل مقرون باللام، وهو _ على قِلَّتِه _ فصيح؛ نحو: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت:12].

وعلى الثاني: تكون [4] لام كي، والفعلُ بعدها منصوب بأن مضمرة، وأَنْ والفعلُ في تأويل مصدر، واللامُ ومصحوبها [5] خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والتقدير: قوموا، فقيامُكم [6] لأُصلِّيَ لكم، ويجوز على مذهبِ الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلِّقة بفعل الأمر.

وعلى الثالث: يحتمل أن تكون اللام لام كي، وسُكنت الياء تخفيفًا، وهي لغة [7] مشهورةٌ، ويحتمل أن تكون لام الأمر، وثبتت الياء إجراءً للمعتَلِّ [8] مجرى الصَّحيح؛ كقراءة قُنْبل: ? إنَّهُ مَنْ يتَّقِي ويصْبِرْ?.وعند الكشميهني: <قوموا أصلي [9] لكم> وهي واضحةٌ [10] .

(وَصَفَفْتُ أَنا وَالْيتيمَ) برفع ((اليتيم)) مع ثبوت ((أنا))، وهو واضحٌ [11] ، ومع سقوطها، ففيه العطفُ على ضمير الرفع المتصل بدون تأكيد ولا فاصل، وبنصب ((اليتيم)) على أنه مفعول معه مع ثبوت أنا وحذفها، والصاد من ((صَففت)) مفتوحة، وتروى: بالضم، ورجَّحها

@%ج1ص185%

بعضهم بأن ((صَفَّ)) متعدٍّ، وليس في اللفظ مفعولٌ.

واليتيمُ المذكورُ هو ضَمْرَةُ [12] جدُّ حسينِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ ضُميرة [13] ، قاله ابنُ حبيب في «الواضحة» فيما نقله ابنُ بشكوال.

(وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا) هي: أُمُّ سُلَيم، والمشهورُ أن ((مِنْ)) بكسر الميم، حرف جر، و((ورائنا)) مجرورٌ به، وجوَّز بعضُ النحاة [14] أن تكون مَنْ موصولة، ووراءنا ظرفًا.

وأورد هنا سؤال، وهو أنه [15] في هذا الحديث بدأ بالأكل، وفي حديث عِتبان بن مالك: بدأ بالصَّلاة قبل الأكل. فقيل: لأنَّه في حديث عتبان دُعي للصَّلاة في بيته، فبدأ بها؛ إذ هي السبب الذي دُعي لأجله.

وأمَّا أم سُليم، فدعته للطَّعام [16] ، فبدأَ به، فراعى [17] في كلِّ موضعٍ سببه. ويحتمل أن يكون طعام عِتبان لم يتهيأ بعد، ولهذا [18] قال: ((حبسناه على خزيرٍ [19] لنا)) أي: عوَّقناه حتى طُبخ، فبدأ بالصلاة، وطعامُ أم سليم كان مُهيًّأ [20] فأحضرته، فبدأ به، والله أعلم.

[1] في المتن: ((فلأصلِّ)) .
[2] في (د) و(ق) و(ج): ((وثبوتها)).
[3] في (ج) و(د): ((ساكنة)).
[4] ((تكون)): ليست في (ج).
[5] في (ق): ((مصحوبها)).
[6] في (ق): ((فعساكم)).
[7] ((لغة)): ليست في (ق).
[8] في (ق): ((آخر المعتل)).
[9] في (ق): ((لأصلي)).
[10] في (ق): ((واحدة)).
[11] في (ق): ((واحد)).
[12] في (ق): ((ضمير)).
[13] في (ج): ((ضمرة)). في (ق): ((ضمير)).
[14] ((النحاة)): ليست في (م) و(د) و(ج).
[15] في (ق): ((أن)).
[16] في (د): ((إلى الطعام)).
[17] في (ق): ((فراع)).
[18] في (ق): ((ولذا)).
[19] في (د): ((خزيز)).
[20] في (د) و(ج): ((متهيأ)).





380- قَولُهُ: (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ): قال الدِّمياطيُّ: الضَّمير في (جدَّته) [1] يعود على إسحاق، وهي أمُّ سليم أمُّ أنس، انتهى.

تنبيه: جاء ما يوهم أنَّها جدَّة أنس، روى مُقدَّم بن يحيى بن محمَّد، عن عمِّه القاسم بن يحيى، عن عبيد الله بن عُمر، عن إسحاق، عن أنس قال: أرسلت جدَّتي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واسمها مليكة، والصَّحيح الذي ذكره الدِّمياطيُّ، وكذا ذكره غيره أيضًا، ولفظ «المطالع»: (ومليكة جدَّة أنس...) إلى آخر كلامه، وفي «العمدة الصُّغرى» لعبد الغنيِّ [2] المقدسيِّ: (عن أنس: أنَّ جدَّتَه) ، وهذا وَهم حصل بسبب الاختصار؛ لأنَّه حذف (إسحاق) ، فحصل هذا، وقوله: (مُلَيكة): هي بضمِّ الميم، وفتح اللَّام، وزعم الأصيليُّ أنَّها بفتح الميم، وكسر اللَّام، قال في «المطالع»: (فيما ذكر عنه ابنُ عتَّاب، ولا يصحُّ) انتهى، وفي اسمها اختلاف ذكرته فيما مضى أقوالًا، والله أعلم.

قَولُهُ: (فَلأُصَلِّ [3] لَكُمْ): قال الدِّمياطيُّ: (قال ابن السِّيْد: يرويه كثير من النَّاس بالياء، ومنهم مَنْ يفتح اللَّام، ويسكِّن الياء، ويتوهَّمُه قسمًا، وذلك غلط؛ لأنَّه لا وجه للقسم هنا، ولو كان قسمًا؛ لقال: فلأصليَنَّ، وإنَّما الرِّواية الصَّحيحة: «فلِأصلِّ» على معنى الأمر، والأمر إِذَا كان للمتكلِّم والغائب؛ كان باللَّام أبدًا، وإذا كان للمخاطب؛ كان باللَّام وغير اللَّام) انتهى، وقال ابن قُرقُول: (فلأصلِّ لكم): على الأمر لأكثر رواة يحيى، وكذا لابن بكير والأصيليِّ في «الصَّحيحين»، ولعامَّة رواتهما، كأنَّه أمر نفسه على جهة العزم على فعل ذلك، كما قال تَعَالَى: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] ، وعند ابن وضَّاح: (فلأصلِّي لكم) ، وكذا للقعنبيِّ في رواية الجوهريِّ: (فلِنُصَلِّ) ؛ بالنُّون، وكسر اللَّام الأولى، والجزم، كأنَّه أمر الجميع، ولبعض شيوخنا: (فلأصلِّيَ) لام (كي) ، قال: وهي روايةٌ ليحيى، وكذا لابن السَّكن والقابسيِّ في «البخاريِّ»، انتهى لفظه.

قوله: (فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ): أي: رشَشْتُه.

قَولُهُ: (وَاليَتِيمَ): هذا اليتيم هو ضُميرة الحميريُّ، وقيل: رَوح، حكاهما شيخنا الشَّارح، وقال ابن بشكوال: اليتيم ضُميرة، وكذا قال النوويُّ أيضًا: هو ضُميرة بن سعد الحميريُّ، زاد ابن بشكوال: وقيل: سُليم، قال: وكذا وقع في حديث يحيى بن يحيى التَّميميِّ -وأخشى أنْ يكون تصحيفًا- مكان (يتيم): (سليم) ، والأوَّل هو المحفوظ إن شاء الله تعالى، انتهى.

ولمَّا ذكر ابن شيخنا البلقينيِّ (اليتيم) ؛ لم يذكرِ القول الثَّالث فيه؛ وهو سليم [4] ، لكن قال: (وأمَّا ما قاله في بعض الشَّروح من قوله: رَوح؛ فرَوح اسم أبي ضُميرة، فقد رأيت بخطِّ مغلطاي: أبو ضُميرة مولى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قيل: اسمه رَوح بن سندر، وقيل: ابن شيرزاد، وعن البخاريِّ: اسمه سعد الحميريُّ، من آل ذي يزن، كذا ذكره في (باب الضَّاد) ، وهذا في (الكنى) في «أُسْد الغابة»، فلا حاجة لاستدراكه، فيجوز أنْ يكون سقط من الشَّرح شيء، وهو: (اسم أبي ضُميرة سعد، وقيل: رَوح) انتهى.

و (اليَتيم): يجوز فيه الرَّفع والنَّصب، أمَّا النَّصب؛ أي: مع اليتيم، [وجاء في رواية ضُعِّفَت: (واليتيمَ) ، والأوَّل] [5] أحسن [6] ؛ لأنَّ الضَّمير لا يُعطَف عليه إلَّا بعد أنْ يُؤكَّد؛ كقوله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، وقال الدِّمياطيُّ: صوابه: (أنا واليتيمُ وراءه) ، أو نصب (اليتيم) ؛ أي: مع اليتيم، انتهى.

قَولُهُ: (وَالعَجُوزُ [7] مِنْ وَرَائِنَا): تقدَّم أعلاه أنَّها أمُّ سليم، وقد ذكرت في اسمها أقوالًا؛ فراجعها من (كتاب العلم) وغيره.

[1] في (ج): (حدثه) .
[2] في (ب): (المغني) .
[3] في (ق): (قوموا فلأصلِّ لكم) .
[4] (سليم): سقط من (ج) .
[5] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[6] في (ج): (وحسن) ، وزيد فيها: (على الرفع) ، وكذا كان في (أ) قبل الإصلاح.
[7] في هامش (ق): (والعجوز هي أم سُليم، قاله شيخي ومن قبله النووي) .





380- (فَلِأُصَلِّ لَكُمْ): [قال الكرمانيُّ] : (قال ابنُ مالكٍ: رُويَ بحذفِ الياءِ، وبثبوتِها مفتوحةً وساكنةً، ووجهُه: أنَّ اللَّامَ عندَ ثبوتِ الياءِ مفتوحةً لامُ «كي»، والفعلُ بعدَها منصوبٌ بـ«أَنْ» مضمرةً، و«أنْ» والفعلُ في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ، واللَّامُ ومصحوبُها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ والتَّقديرُ: قوموا فقيامُكم لِأُصَلِّيَ لكم.

ويجوزُ على مذهبِ الأخفشِ أنْ تكونَ الفاءُ زائدةً، واللَّامُ متعلِّقةً بـ«قُومُوا».

واللَّام عندَ حذفِ الياءِ لامُ أمرٍ، ويجوزُ فتحُها على لغةِ سليمٍ، وتسكينُها بعدَ الواوِ والفاءِ وثُمَّ على لغةِ قريشٍ، وأمرُ المتكلِّمِ نفسَه بفعلٍ مقرونٍ باللَّامِ فصيحٌ قليلٌ في الاستعمالِ، ومنهُ قولُه تعالى:[/ص46/] {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] .

وأمَّا في روايةِ مَنْ أثبتَ الياءَ ساكنةً ؛ فيَحتملُ أنْ تكونَ لامَ «كي» وسُكِّنتِ الياءُ تخفيفًا، وهي لغةٌ مشهورةٌ؛ أعني: تسكينَ الياءِ المفتوحةِ، وأنْ تكونَ لامَ أمرٍ، وثبتتِ الياءُ في الجَزْمِ إجراءً للمُعتلِّ مُجرى الصَّحيحِ؛ كقراءةِ قُنْبُلٍ: {مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِر} [يوسف: 90] .

أقولُ [1] : جاءَ فتحُ اللَّامِ أيضًا في بعضِ الرِّواياتِ، وتوجيهُه: إمَّا أنَّها [2] لامُ الأمرِ فُتحتْ على مَن جوَّزَ فتحَها، وإمَّا أنَّها لامُ الابتداءِ، وإمَّا أنَّها جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، والفاء جوابُ شرطٍ محذوفٍ؛ أي: إنْ قُمتُمْ فواللهِ لَأُصَلِّي لكم، على مذهبِ بعضِ النُّحاةِ) انتهى كلامُ الكرمانيِّ.

وقال الحافظُ الدِّمياطيُّ: (قال ابنُ السِّيْدِ: يرويه كثيرٌ مِنَ النَّاسِ بالياءِ، ومنهم مَن يفتحُ اللَّامَ ويسكِّنُ الياءَ ويتوهَّمُه قَسَمًا، وذلك غلطٌ؛ لأنَّه لا وجهَ للقَسَمِ هنا، ولو كان قَسَمًا؛ لَقال: فلَأُصَلِّيَنَّ، وإنَّما الرِّوايةُ الصَّحيحةُ: «فَلِأُصَلِّ» على معنى الأمرِ، والأمرُ إذا كانَ للمتكلِّمِ والغائبِ؛ كانَ باللَّامِ أبدًا، وإذا كانَ للمخاطَبِ؛ كانَ باللَّامِ وغيرِ اللَّامِ) انتهى.

وقال الحَمْزِيُّ: («فَلِأُصَلِّ لَكُمْ» على الأمرِ لِأكثرِ رواةِ يحيى، وكذا لابنِ بُكَيرٍ، والأصيليِّ في «الصحيحين»، ولعامَّةِ رواتِهما؛ كأنَّه أمرَ نفسَه على جهةِ العَزْمِ على فعلِ ذلك؛ كما قال تعالى: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] ، وعندَ ابنِ وضَّاحٍ: «فَلَأُصَلِّيْ لَكُمْ»، وكذا للقَعْنَبِيِّ في روايةِ الجوهريِّ، [وفي روايةِ غيرِه] : «فلِنُصَلِّ»؛ بالنونِ وكسرِ اللَّامِ الأولى والجَزْمِ؛ كأنَّه أمرَ الجميعَ، ولبعضِ شيوخِنا: «فَلِأُصَلِّي» لامُ «كي»، قال: وهي روايةٌ ليحيى، وكذا لابنِ [3] السَّكَنِ، والقابِسيِّ في «البخاري») انتهى.

(وَالْيَتِيمَ): قالَ الكرمانيُّ: (بالنَّصبِ، ولو صحَّتْ روايةُ الرَّفعِ؛ فهوَ مبتدأٌ، و«وَرَاءَهُ»: خبرٌ، والجملةُ حالٌ).

وقال ابنُ الملقِّنِ: («وَالْيَتِيمَ»: منصوبٌ؛ أي: معَ اليتيم، وجاء في روايةٍ أُخرى: «صَفَفْتُ وَالْيَتِيمُ»، قال ابنُ التِّينِ: والأوَّلُ أحسنُ في لغةِ العربِ؛ لأنَّ الضَّميرَ المعطوفَ لا يُعطَفُ عليه إلَّا بعدَ أنْ يؤكَّدَ ؛ كقولِه تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ).

(مِنْ وَرَائِنَا): قال البِرْماويُّ: (بالكسرِ على المشهورِ، وجُوِّزَ الفتحُ على أنَّ «مِنْ» موصولةٌ).

[1] أي: الكرماني.
[2] في النسختين: (لأنه)، وفي الموضعين بعدها: (أنه).
[3] في (ب): (ابن).





380- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ)؛ أي: التِّنِّيسيُّ، وللأربعة: ((عبد الله بن يوسف)) (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو إمام الأئمَّة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّوييِّ: ((عن إسحاق بن أبي طلحة))، فأسقط أباه ونسبه لجدِّه (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ)؛ أي: جدّة إسحاق لأبيه، وبه [1] جزم ابن عبد البرِّ وعياضٌ وعبد الحقِّ، وصحَّحه النَّوويُّ، واسمها (مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، بنت مالك بن عَدِيٍّ، وهي والدة أُمِّ أنسٍ؛ لأنَّ أمَّه أمَّ سُلَيمٍ أمُّها مُلَيْكَة المذكورة، أو الضَّمير في جدَّته يعود على أنسٍ نفسِه، وبه جزم ابن سعدٍ وابن منده وابن الحصَّار، وهو مقتضى ما في النِّهاية لإمام الحرمين؛ لحديث إسحاق بن أبي طلحة عن أنسٍ عند [2] أبي الشَّيخ في «فوائد العراقيِّين» قال: أرسلتني جدَّتي (دَعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ)؛ أي: لأجل طعامٍ (صَنَعَتْهُ) مُلَيْكَةُ جدَّة إسحاق، أو ابنتها أُمُّ سُلَيمٍ والدة أنسٍ (لَهُ) عليه الصَّلاة والسَّلام، (فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ) بكسر اللَّام وضمِّ الهمزة وفتح الياء، على أنَّها لام «كي»، والفعل بعدها منصوبٌ بأنْ «مُضمَرةً»، واللَّامُ ومصحوبُها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: قوموا فقيامكم لأن أصلِّي لكم، ويجوز أن تكون الفاء [3] زائدةً على رأي الأخفش، واللَّام متعلِّقةً بـ: «قوموا»، وفي روايةٍ: ((فلأصلِّي)) بكسر اللَّام على أنَّها لام «كي»، وسكون الياء على لغة التَّخفيف، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم؛ إجراءً للمعتلِّ مجرى الصَّحيح، وللأربعة: ((فلَأصلِّيْ))؛ بفتح اللَّام مع سكون الياء، على أنَّ اللَّام لام ابتداءٍ للتَّأكيد، أو هي لام الأمر فُتِحت على لغة بني سليمٍ، وثبتت الياء في الجزم؛ إجراءً للمُعتَلِّ مجرى الصَّحيح [4] ؛ كقراءة قنبل: {مَن يتَّقي ويصبر} [يوسف: 90] ، أو «اللَّامُ» جوابُ قسمٍ محذوفٍ، و«الفاء» جوابُ شرطٍ محذوفٍ؛ أي: إن قمتم؛ فوالله [/ج1ص406/]

لأصلِّي لكم، وتعقَّبه ابن السَّيِّد، فقال: وغلط مَن توهَّم أنَّه قسمٌ؛ لأنَّه [5] لا وجه للقسم، ولو أُريد ذلك؛ لقال: لأصلِّينَّ؛ بالنُّون، وفي رواية الأَصيليِّ: ((فلأصلِّ))؛ بكسر اللَّام وحذف الياء، على أنَّ اللَّام للأمر، والفعل مجزومٌ بحذفها، ولم يَعْزُها في «الفرع» لأحدٍ، وفي روايةٍ حكاها ابن قرقول: ((فلنْصلِّ؛ بكسر اللَّام وبالنُّون والجزم، وحينئذٍ فاللَّام للأمر، وكسرُها لغةٌ معروفةٌ، وفي روايةٍ قِيلَ: إنَّها للكُشْمِيْهَنِيِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف عليها في نسخةٍ صحيحةٍ: ((فأصلِّيْ))؛ بغير لامٍ مع سكون الياء، على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: فأنا أصلِّي (لَكُمْ)؛ أي: لأجلكم، وإن كان الظَّاهر أن يقول: بكم؛ بالمُوحَّدة، والأمر في قوله: «قوموا»، قال السُّهيليُّ _فيما حكاه_ في «فتح الباري»: بمعنى الخبر. كقوله: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75] ، أو هو أمرٌ لهم بالائتمام، لكن أضافه إلى نفسه؛ لارتباط تعليمهم [6] بفعله، انتهى. فإن قلت: لِمَ بدأ في قصَّة عتبان بن مالكٍ بالصَّلاة قبل الطَّعام [خ¦425] ، وهنا بدأ به قبل الصَّلاة؟ أُجيب: بأنَّه بدأ في كلٍّ منهما بأصل ما دُعِي لأجله أو دُعِي لهما، ولعلَّ مُلَيْكَة كان غرضها الأعظم الصَّلاة، ولكنها جعلت الطَّعام مقدِّمةٌ لها.

(قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه: (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) بضمِّ اللَّام وكسر الباء المُوحَّدة؛ أي: استُعمِل، ولُبْسُ كلِّ شيءٍ بحسبه، (فَنَضَحْتُهُ)؛ أي: رششته (بِمَاءٍ) تليينًا له أو تنظيفًا، (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على الحصير (وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ) هو ضُمَيْرة بن أبي ضُمَيْرة؛ بضمِّ الضَّاد المُعجَمة وفتح الميم، مولى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ كما في «تجريد الصَّحابة» للذَّهبيِّ، وفي رواية غير المُستملي والحَمُّوييِّ: ((وصففت أنا واليتيم))؛ بزيادة ضمير الرَّفع المنفصل لتأكيد المتصل [7] ؛ ليصحَّ العطف عليه؛ نحو: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، ورواية المُستملي والحَمُّوييِّ جاريةٌ على مذهب الكوفيِّين في جواز عدم التَّأكيد، و«اليتيمُ»: بالرَّفع في رواية أبي ذَرٍّ عطفًا على الضَّمير المرفوع، وبالنَّصب في نفس متن «الفرع» مُصحَّحًا عليه على المفعول معه [8] ؛ أي: وصففت أنا مع اليتيم (وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ)؛ أي [9] : أُمُّ سُلَيمٍ المذكورة (مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا)؛ أي: لأجلنا (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ) من الصَّلاة وذهب إلى بيته.

وقد استنبط المالكيَّة من هذا الحديث: الحنث بافتراش الثَّوب المحلوف على لبسه، وأجاب الشَّافعيَّة: بأنَّه لا يُسمَّى لبسًا عُرْفًا، والأيمان منوطةٌ بالعُرْف، وحمل اللُّبس هنا على الافتراش؛ إنَّما هو للقرينة، ولأنَّه المفهوم منه، وفيه مشروعيَّة تأخُّر [10] النِّساء عن صفوف الرِّجال، وقيام المرأة صفًّا وحدها إذا لم يكن معها امرأةٌ غيرها، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦860] ، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

[1] في (م): «و بهذا».
[2] في (د): «عن».
[3] في (م): «الياء»، وهو تحريفٌ.
[4] قوله: «وللأربعة: «فلَأصلِّيْ» بفتح اللَّام مع... إجراءً للمُعتَلِّ مجرى الصَّحيح»، سقط من (م).
[5] في (د): «إذ».
[6] في (ص): «تعليلهم».
[7] في غير (ب) و(س): «المستكنِّ»، وليس بصحيحٍ.
[8] «معه»: سقط من (د).
[9] «أي»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[10] في (د): «تأخير».





380- ( إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ): للحَمُّويي وللكُشْمِيهنيِّ: «إسحاق بن أبي طلحة».

( أَنَّ جَدَّتَهُ ): أي: جدَّة إسحاق، جزم به جماعة، وصحَّحه النَّوويُّ، وجزم آخرون أنَّها جدَّة أنس، ورجَّحه ابن حجر.

( مُلَيْكَةَ ): بضمِّ الميم: أحد الأقوال في اسم أمِّ سُلَيم بنت مِلحان.

( لِطَعَامٍ ): أي: لأجل طعام.

( ثُمَّ قَالَ: قُومُوا ): زاد الدَّارقطنيُّ في «غرائب مالك» قبله: «ثمَّ دعا بوضوء فتوضَّأ»

[( فَلأُصَلِّي ):] [1] منصوب بلام كي، وهي ومدخولها خبر محذوف أي: فقيامكم لأصلِّي. [/ج2ص478/]

وللأصيليِّ: «فلأصلِّ» بحذف الياء جزمًا بلام الأمر.

قال السُّهيليُّ: والأمر هنا بمعنى الخبر كقوله: { فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّا }.

( مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ ): فيه: أنَّ الافتراش يُسمَّى لُبسًا.

( فَصَفَفْتُ أَنَا ): سقط لفظ «أنا» للحَمُّويي والمُسْتملي.

( وَالْيَتِيمَ ): بالرَّفع والنَّصب: وهو ضَمْرة جدُّ حسين بن عبد الله بن ضَمْرة. [/ج2ص479/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] تأخر إلى ما بعد الجملة الآتية.





105/380# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بن [1] يوسف، قالَ: أخبَرنا مالِكٌ، عن إِسْحاقَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ:

عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِطَعامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلِّي لَكُمْ». قالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلىَ حَصِيرٍ لَنا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ ما لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِماءٍ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم [2] ، وَصَفَفْتُ والْيَتِيمَ وَراءَهُ، والْعَجُوزُ مِنْ وَرائِنا، فَصَلَّىَ لَنا [3] رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.

فيه من الفقه أنَّ مقام النِّساء مُتأخِّرٌ عن مقام الرِّجال.

وفيه أنَّ صلاة الفرد من وراء الصَّف جائزة.

وفيه استحباب الجماعة للنوافل كَهِيَ للفرائض.

وفيه جواز صلاة الجماعة في البيوت.

[1] (عبد الله بن) سقط من (ط).
[2] في (م) زيادة: (عليه).
[3] في النسخ الفروع: (بنا).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

380# قوله: (جدَّتي): اسمها مليكة؛ وهي أمُّ سُلَيْم.

قوله: (وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ): اسمه ضمير الحميريُّ.

(وَالْعَجُوزُ): أمُّ سليم.

فيه: جواز النَّافلة جماعة، وصلاة الصَّبيِّ المميِّز عن كراهيته في الفرائض.


380- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) : هو التنيسي، وفي رواية: (عبد الله) فقط ((قال: حدثنا مالك)) : هو ابن أنس الأصبحي، وزعم القسطلاني هو إمام الأئمة.

قلت: لفظة: (إمام الأئمة) لا تطلق إلا على إمامنا الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأنَّه إمامهم ورئيسهم، إلا أن يقال: المراد إمام أئمة مذهبه، وكذلك لفظة: (الإمام الأعظم) لا تطلق إلا على أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لكونه أقدم الأئمة وإمامهم ورئيسهم؛ حيث إن الأئمة الثلاثة من أتباعه، فإن مالك من تلامذته في الفقه، والشافعي من تلاميذ محمد بن الحسن ووكيع، وهما من تلاميذ الإمام الأعظم، وأحمد من تلاميذ الشافعي؛ فافهم.

((عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة)) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والحمُّوي: (عن إسحاق ابن أبي طلحة) ؛ بنسبته إلى جده، واسم أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري، المتوفى سنة اثنتين [1] وثلاثين ومئة، وكان مالك لا يقدم على إسحاق أحدًا في الحديث، ((عن أنس بن مالك)) : هو الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أن جدته)) ؛ أي: جدة إسحاق لأبيه، وبه جزم القاضي عياض، وابن عبد البر، وعبد الحق، وصححه النووي، واسمها: ((مُلَيْكة)) ؛ بضم الميم، وفتح اللام، وسكون التحتية: هي بنت مالك بن عدي، وهي جدة أنس بن مالك؛ لأنَّ أمه أم سليم، وأمها مُلَيْكة المذكورة، ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس بن مالك: (أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان يزور أم سليم...) ؛ الحديث، وأم سليم: هي أم أنس، وأمها مُلَيْكة المذكورة، واختلف في اسم أم سليم، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رمية، وقيل: الرميصاء، وقيل: الغميصاء، وقيل: أنيفة؛ بالنون، والفاء مصغرة، وتزوج أم سليم مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خلف عليها أبو طلحة، فولدت له عبد الله وأبا عمير، وعبد الله هو والد إسحاق راوي هذا الحديث عن عمه _أخي أبيه لأمه_ أنس بن مالك، وقال جماعة: الضمير في (أن جدته) يعود على أنس نفسه، وبه جزم ابن سعد، وابن منده، وابن الحصار، وهو مقتضى ما في «النهاية»، ويؤيده ما ذكره أبو الشيخ الأصبهاني في «فوائد العراقيين» من حديث إسحاق ابن أبي طلحة، عن أنس قال: (أرسلتني جدتي إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، واسمها مليكة...) ؛ الحديث، ولا تنافي بين كون مليكة جدة أنس، وبين كونها جدة إسحاق، كذا قرره إمام الشَّارحين رحمه الله تعالى.

((دعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لطعام)) أي: لأجل طعام ((صنعته)) ؛ أي: ركبته، والجملة فعلية في محل الجر؛ لأنَّها صفة (لطعام) ؛ أي: مليكة جدة أنس، أو إسحاق، أو ابنتها أم سليم والدة أنس بن مالك ((له)) ؛ أي: لأجله عليه السَّلام، ((فأكل منه)) : وعند ابن أبي شيبة عن أنس قال: (صنع بعض عمومتي للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم طعامًا، فقالت: إني أحب أن تأكل منه في بيتي، وتصلي فيه، قال: فأتاه، وفي البيت فحل من تلك الفحول، فأمر بجانب منه، فكنس ورش، فصلى وصلينا معه) .

وعند النسائي: (أن أم سليم سألت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يأتيها فيصلي في بيتها فتتخذه مصلًّى، فأتاها، فعمدت إلى حصير فنضحته، فصلى عليه، وصلوا معه) .

وفي «الغرائب» للدارقطني عن أنس قال: (صنعت مليكة طعامًا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم قال لي: «قم فتوضأ، ومر العجوز فلتتوضأ، ومر هذا اليتيم فليتوضأ، فلأصلي لكم»، قال: فعمدت إلى حصير عندنا) .[/ص499/]

وفي «سنن البيهقي» من حديث أبي قلابة عن أنس: (أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان يأتي أم سليم يقيل عندها، وكان يصلي على نطع، وكان كثير العرق، فتتبع العرق من النطع تجعله في القوارير مع الطيب وكان يصلي على الخمرة) كذا في «عمدة القاري».

قلت: وإفادة هذه الروايات: أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان مجيئه لأجل الصلاة، وكان غرض مليكة الصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها، خلافًا لمن زعم أن مجيئه كان لأجل الطعام، فإن هذه الروايات تردُّ عليه كما هو ظاهر، وسيأتي بقية الكلام عليه.

((ثُمَّ قَالَ)) عليه السَّلام لهم: ((قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ)) بكسر اللام، وضم الهمزة، وفتح المثناة التحتية، ووجهه أن اللام فيه لام (كي) ، والفعل بعدها منصوب بـ (أن) المقدرة؛ تقديره: فلأن أصلي لكم، والياء زائدة، والفاء جواب الأمر، ومدخول الفاء محذوف؛ تقديره: قوموا فقيامكم لأصلي لكم، فاللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن تكون الفاء زائدة على رأي الأخفش، واللام متعلقة بـ (قوموا) ، وفي رواية: (فلأصليْ) بكسر اللام على أنها لام (كي) وسكون الياء، ووجهه: أن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف، وفي مثل هذا لغة مشهورة، ويجوز أن تكون اللام لام الأمر، وتثبت الياء في الجزم؛ إجراء للمعتل مجرى الصحيح.

وفي رواية الأربعة (فلَأصليْ) بفتح اللام وسكون الياء، ووجهه: أن تكون اللام لام الابتداء؛ للتأكيد، أو تكون اللام لام الأمر، وفتحت على لغة بني سليم، وثبتت الياء في الجزم؛ إجراء للمعتل مجرى الصحيح؛ كقراءة قنبل {مَن يَتَّقي وَيَصْبِرْ} [يوسف: 90] ، أو تكون اللام جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف؛ تقديره: إن قمتم؛ فوالله لأصلي لكم.

واعترض هذا الوجه ابن السِّيد فزعم (وغلط من توهم أنه قسم؛ لأنَّه لا وجه للقسم، ولو أريد ذلك؛ لقال: لأصلين؛ بالنون) انتهى.

قلت: بل الزاعم أنه لا وجه للقسم هو الغالط الواهم؛ فإن وجه القسم ظاهر وهو مراد، ولا يلزم أن يقول: لأصلين؛ بالنون؛ لأنَّ هذا في القسم الصريح، أما المقدر؛ فلا، وهنا جواب القسم محذوف كما علمت.

وفي رواية الأصيلي: (فلأصلِّ) بحذف الياء وكسر اللام، ووجهه: أن تكون اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بحذفها.

وفي رواية حكاها ابن قرقول: (فلنصلِّ) بكسر اللام وبنون الجمع، ووجهه: أن تكون اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم سقوط الياء وكسر اللام لغة معروفة.

وفي رواية الكشميهني: (فأصليْ) بحذف اللام وسكون الياء على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر، وهذه رواية الكشميهني، كما ذكرنا.

وزعم ابن حجر أنه لم يقف عليها في نسخة صحيحة.

قلت: وهو ممنوع، فإنه لايلزم من عدم وقوفه عليها ألا تكون ثابتة؛ فإنه ليس هو ممن يحيط بجميع الروايات على أنه ما ذكرناه مثبت، وكلامه ناف، والمثبت مقدم على النافي عند المحققين؛ فافهم.

فهذه ستُّ روايات مع ذكر أوجه إعرابها، وقد سردها إمامنا الشَّارح رضي الله عنه.

((لَكُمْ)) ؛ أي لأجلكم، فاللام للعلة من حيث إن صلاته كانت لأجل اقتدائهم به عليه السَّلام، فلا يقال: إن الظاهر أن يقول: بكم؛ بالموحدة؛ لأنَّهم قد يصلون معه في المسجد، فأراد عليه السَّلام الصلاة عندهم واقتداءهم به، فهو متضمن لشيئين.

على أنه قد تكون اللام بمعنى الباء؛ لأنَّ حروف الجر يقام بعضها مقام بعض، ويدل لهذا: ما في «سنن البيهقي» من حديث أبي قلابة عن أنس: (أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان يأتي أم سليم يقيل عندها...) ؛ الحديث، وعند ابن أبي شيبة عن أنس فقال: (إني أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه) إلى أن قال: (فصلى وصلينا معه) كما تقدم، ولهذا قال السهيلي: إن الأمر في قوله: (قوموا) بمعنى الخبر، كقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75] ، أو هو أمر لهم بالائتمام، لكن أضافه لنفسه؛ لارتباط تعليمهم بفعله، انتهى.

وزعم ابن حجر أن مجيئه عليه السَّلام كان لأجل الطعام لا ليصلي بهم؛ ليتخذوا مكان صلاته مصلى لهم كما في قصة عتبان بن مالك الآتية، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي له، انتهى.

ورده إمام الشَّارحين فقال: قلت: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام وبين الدعاء للصلاة، ولهذا صلَّى عليه السَّلام في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها.

وقوله: (وهذا هو السر...) إلى آخره: فيه نظر؛ لأنَّه يحتمل أن الطعام كان قد حضر وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر؛ لا يؤخر، فيقدم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان؛ لعدم حضور الطعام، انتهى.

قلت: ويدل لما قاله إمامنا الشَّارح ما عند النسائي: (أن أم سليم سألت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يأتيها فيصلي في بيتها، فتتخذه مصلًّى...) ؛ الحديث، فهذا يدل على أن مجيئه عليه السَّلام كان لأجل الصلاة بهم، وليتخذوا مكان صلاته مصلًّى لهم، لا لأجل الطعام كما زعمه ابن حجر، وكأنه لم يطلع [2] على هذه الرواية، ويدل أيضًا لما قاله إمام الشَّارحين ما عند ابن أبي شيبة عن أنس قال: (صنع بعض عمومتي للنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم طعامًا فقالت: إني أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه...) ؛ الحديث، فهذا يدل على أن الطعام كان قد صُنع وتهيَّأ وحضر في دعوتها، فبدأ عليه السلام بالصلاة ثم بالأكل؛ لأنَّه إذا حضر الطعام؛ لا تُقدم الصلاة عليه، ويدل لهذا أيضًا مافي «الغرائب» للدارقطني عن أنس قال: (صنعت مليكة طعامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ...) ؛ الحديث، فهذا يدل على أن الطعام قد صنع وتهيَّأ وحضر، وأن قصدها من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها، ولما أنَّه قد حضر الطعام؛ فبدأ عليه السلام به قبل الصلاة، وفي ذلك روايات أُخَر تدل لما قاله إمام الشارحين، وتردُّ على ما زعمه ابن حجر، فلله در إمامنا الشَّارح ما أعظم فكره وأدق نظره! وحقيق بأن يلقب بإمام الشَّارحين؛ فافهم واحفظ.

((قَالَ أَنَسٌ)) هو ابن مالك رضي الله عنه: ((فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا)) ؛ بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، وهي الباريَّة المتخذة من سعف النخل وشبهه [3] قدر طول الرجل بمرتين أو أكثر أو أقل، وعند مسلم: (فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيكنس، ثم ينضح، ثم يؤم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فنقوم خلفه، وكان بساطهم من جريد النخل) انتهى.

((قَدِ اسْوَدَّ)) وفي رواية: (قطعة حصير عندنا خَلق) بفتح الخاء المعجمة ((مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ)) ؛ بضم اللام وكسر الباء الموحدة؛ أي: من كثرة الاستعمال، و (لبس) ههنا ليس من: (لبست [/ص500/] الثوب) ، وإنما من قولهم: لبست امرأة؛ أي: تمتعت بها زمانًا، فحينئذ يكون معناه: قد اسود من كثرة ما تمتع به في طول الزمان، قاله إمام الشَّارحين.

ثم قال: ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم: وقد استدل به على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير، وقصد هذا القائل الغمز فيما قاله الحنفية من جواز افتراش الحرير وتوسده، ولكن الذي يدرك المعاني الدقيقة ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك، ويقرُّ أن الحنفية لا يذهبون إلى شيء سدًى، انتهى.

قلت: ومراده بقوله: (بعضهم) ابن حجر، وما زعمه باطل، ومن دأبه التعصب والعناد، وفهم المعاني على خلاف معانيها العربية فإن مراد النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بالنهي عن لبس الحرير: لبسه المعتاد على الجسد، وأما افتراش الحرير وتوسده؛ فليس فيه لبس؛ فهو خارج عن النهي، بل هو جائز، وقد فعله كثير من الصحابة والخلفاء رضي الله عنه، وصاحب الدار أدرى بالذي فيه.

وأما (لبس) في الحديث؛ فمعناه: التمتع، من قولهم: لبست المرأة؛ أي: تمتعت بها زمانًا، بدليل قوله في الحديث: (قد اسود) يعني: من كثرة الاستعمال، فإنه لو لم يستعمل؛ لم يسود، فهذا يدل على بطلان قوله: إنَّ معناه الافتراش؛ فافهم، فكيف يزعم ابن حجر هذا الزعم وما هو إلا من تحرك عرق العصبية والعناد؟ فافهم ذلك، ولا تكن من المتعصبين.

((فَتَنضَحه)) من النضح، وهو الرش؛ أي: ترشه ((بِمَاءٍ)) وفي رواية مسلم: (فيكنس، ثم ينضح) وذلك لأجل تليين الحصير أو لإزالة الأوساخ منه فتنظفه، وهذا يدل على أنها فعلت ذلك من نفسها، وفي رواية مسلم أنه عليه السَّلام أمرها بذلك؛ لأنَّه قال: (فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح...) ؛ الحديث، والظاهر: أنها فعلته بأمره عليه السَّلام، ويدل له رواية ابن أبي شيبة: (فأمر بجانب منه، فكنس ورشَّ) ، وفي «الغرائب» للدارقطني: ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم قال لي _أي: لأنس_: «قم فتوضأ، ومُرِ العجوز فلتتوضأ، ومُرْ هذا اليتيم فليتوضأ...»؛ الحديث، ((فَقَامَ رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: على الحصير لأجل الصلاة، ففيه جواز الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع إلا من شذَّ بحديث أنه لم يصل عليه، وهو لا يصح، كذا ذكره صاحب «التوضيح».

قال إمام الشَّارحين: وأراد بقوله: (لا يصح) ؛ أي: الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن المقدام عن أبيه عن شريح بن هانئ: أنه سأل عائشة رضي الله عنها: أكان النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي على الحصير والله يقول: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 8] ؟ فقالت: لم يكن يصلي على الحصير، وقالوا: هذا الحديث غير صحيح؛ لضعف يزيد بن المقدام، ولهذا بوب البخاري باب (الصلاة على الحصير) ، فإنَّ هذا الحديث لم يثبت عنده، وأورده؛ لمعارضة ما أقوى منه، والذي شذَّ فيه هو عمر بن عبد العزيز، فإنه كان يسجد على التر اب، ولكن يحمل فعله هذا على التواضع، انتهى.

قلت: وقد صح أنه عليه السَّلام قد صلى على الحصير، وهو أشد تواضعًا وأكثر خضوعًا، والظاهر: أن فعله لبيان الأفضل؛ لأنَّ الأفضل السجود على الأرض أو على ما تنبته الأرض، فإن الحصير وإن كان مما تنبته الأرض لكن التراب أرض حقيقة، وإذا وجد؛ فهو أفضل مما تنبته، والله أعلم.

((فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ)) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحمُّوي: (وصففت واليتيم) بإسقاط لفظة (أنا) ، وبدل الفاء: واو، وقال إمام الشَّارحين: ومثل هذا فيه خلاف بين الكوفيين والبصريين؛ فعند البصريين لا يعطف على الضمير المرفوع إلا بعد تأكيده بضمير منفصل؛ ليحسن العطف على المرفوع المتصل بارزًا كان أو مستترًا؛ كقوله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، وعند الكوفيين يجوز ذلك بدون التأكيد.

و (اليتيمَُ) : يجوز فيه الرفع والنصب؛ أما الرفع؛ فلأنه معطوف على الضمير المرفوع، وأما النصب؛ فلأنه يكون الواو فيه واو المصاحبة؛ والتقدير: فصففت أنا مع اليتيم، انتهى.

قلت: فرواية الأكثرين جارية على مذهب البصريين، ورواية المستملي والحمُّوي جارية على مذهب الكوفيين في جواز عدم التأكيد، و (اليتيمُ) ؛ بالرفع رواية أبي ذر، وبالنصب رواية «الفرع» مصححًا عليه.

وزعم الكرماني أن رواية الرفع وجهها: أن يكون مبتدأ، و (وراءه) خبره، والجملة حال، ورده إمام الشَّارحين وتبعه الشراح بأنه غير موجَّه، بل الرفع على العطف على الضمير المرفوع كما ذكرنا؛ فافهم.

وقوله ((وَرَاءَهُ)) ؛ أي: خلف النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، قال إمام الشَّارحين: واليتيم هو ضميرة بن أبي ضميرة مولى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، كذا قاله الذهبي في «تجريد الصحابة»، ثم قال: ولأبيه صحبة، وقال في «الكنى»: (أبو ضميرة مولى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، كان من حِمْير، اسمه سعد) ، وكذا قال البخاري: إن اسمه سعد الحميري من آل ذي يزن، وقال أبو حاتم: سعد الحميري وهو جد حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة، انتهى.

ويقال: اسم أبي ضميرة روح بن سدر، وقيل: روح بن شيرزاد، وضُمَيْرَة؛ بضم الضاد المعجمة، وفتح الميم، وسكون التحتية، وفتح الراء، آخره هاء، انتهى كلام إمام الشَّارحين رحمه الله.

((وَالْعَجُوزُ)) هي مليكة المذكورة أولًا ((من ورائنا)) ؛ أي: خلفهم، والجملة اسمية وقعت حالًا، وفي حالة الرفع يكون معطوفًا؛ فافهم، قاله إمام الشَّارحين.

ثم قال: وفي الحديث: جواز قيام الطفل مع الرجال في صف واحد، وفيه أيضًا: تأخير النساء عن الرجال، انتهى.

قلت: فإن تأخُّرهنَّ عن الرجال واجب؛ لئلا تفسد صلاة الرجال المحاذين لهنَّ.

فهذا الحديث دليل لما قاله الأئمة الحنفية من أن محاذاة المرأة للرجل في صلاة واحدة يفسد صلاة الرجل وغيره المحاذين لها، وهو حجة على من زعم أنه غير مفسد.

وكذا فيه حجة على من زعم أن محاذاة الطفل للرجل في الصلاة مفسد لصلاة الرجل؛ فإنَّ هذا الحديث صريح في أنها غير مفسدة [4] ؛ لقيام اليتيم مع أنس خلف النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فليحفظ.

((فَصَلَّى لَنَا)) أي: لأجلنا ((رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم رَكْعَتَيْنِ)) وهي نافلة النهار، لكن الأفضل في النهار أربع، كما في أحاديث غيرها، لكنه عليه السَّلام [/ص501/] اقتصر هنا على الركعتين؛ لأنَّ مراده بالصلاة التعليم بالمشاهدة، وبهما يكفي للتعليم، ويحتمل أنه صلى ركعتين، ثم ركعتين، فاقتصر الراوي على الركعتين الأوليين، ((ثُمَّانْصَرَفَ)) ؛ أي: فرغ من صلاته واستقبال القبلة وذهب إلى بيته، فيستنبط منه أن الخروج من الصلاة بلفظ السلام ليس بواجب؛ لأنَّه قال: (ثم انصرف) ، ولم يقل: ثم سلم، لا يقال: المراد منه الانصراف من البيت الذي هو فيه؛ لأنَّا نقول: ظاهره بل صريحه أن المراد منه الانصراف من الصلاة بالمشي واستدبار القبلة.

وفيه: أن المنفرد خلف الصف تصح صلاته؛ بدليل وقوف العجوز في الأخير وحدها، وهو مذهب إمامنا رئيس المجتهدين وأصحابه، وبه قال مالك والشافعي، وقال أحمد وأصحاب الحديث: لا يصح؛ لقوله عليه السَّلام: «لا صلاة للمنفرد خلف الصف»، وأجيب: بأنه أريد به نفي الكمال لا الصحة، يدل عليه قوله عليه السَّلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، فإنه أريد به نفي الكمال إجماعًا، وهذا مثله؛ فليحفظ.

وفي الحديث: دليل على أن الاثنين يكونان صفًّا وراء الإمام، وهو مذهب الإمام الأعظم وكافة العلماء إلا ما روي عن ابن مسعود أنه قال: يكون الإمام بينهما.

وزعم صاحب «التوضيح» أنه مذهب الإمام الأعظم والكوفيين.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: مذهبه ليس كذلك، بل مذهبه أنه إذا أمَّ اثنين؛ يتقدم عليهما، وبه قال محمد بن الحسن، واحتجَّا بهذا الحديث المذكور في الباب، نعم؛ روي عن الإمام أبي يوسف أنه يتوسطهما، قال صاحب «الهداية»: (ونقل ذلك عن ابن مسعود) .

قلت: هذا موقوف عليه، وقد رواه مسلم من ثلاث طرق، ولم يرفعه في الأوليين، ورفعه إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في الثالثة، وقال: هكذا فعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال أبو عمر [5] : (هذا الحديث لا يصح رفعه، وأما فعله هو؛ فإنما كان لضيق المسجد) ، رواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي في «معاني الآثار» بسنده عن ابن سيرين أنه قال: (لا أرى ابن مسعود فعل ذلك إلا لضيق المسجد أو لعذر آخر، لا على أنه من السنة) انتهى.

وفيه دليل على أن الأصل في الحصير ونحوه الطهارة، ولكن النضح فيه إنَّما كان لأجل تليين الحصير أو لإزالة الوسخ عنه كما ذكرنا، وقال القاضي عياض: الأظهر أنه كان للشك في نجاسته، ورده إمام الشَّارحين فقال: هذا مبني على مذهبه من أن النجاسة المشكوك فيها تتطهر بنضحها من غير غسل، وعندنا الطهارة لا تحصل إلا بالغسل، انتهى.

قلت: وما قاله القاضي عياض غير ظاهر فضلًا عن أن يكون أظهر؛ لأنَّ الحصير إنَّما كان طاهرًا، يدل عليه ما في «مسلم»: (فربما تحضر الصلاة، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيكنس...) ؛ الحديث، فإنه عليه السَّلام لا يجلس إلا على طاهر، فلو كان نجسًا؛ لم يجلس عليه.

وفي «سنن البيهقي» من حديث أبي قلابة عن أنس (أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان يأتي أم سليم يقيل عندها، وكان يصلي على نطع، وكان كثير العرق، وكانت تتبع العرق من النطع وتجعله في القوارير مع الطيب...) ؛ الحديث، فهذا يدل أيضًا على أن الحصير كان طاهرًا؛ لأنَّه كان يعرق عليه وتأخذ العرق منه، فلو كان الحصير نجسًا؛ لم تفعل هكذا، ولم يجلس عليه السَّلام عليه، ولا كان يعرق عليه.

فقوله (والأظهر...) إلى آخره ممنوع، وإنما قاله؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، والصواب: أن النضح إنَّما كان لأجل تليين الحصير أو لأجل إزالة الوسخ عنه لتنظيفه؛ يدل عليه أنه قال في الحديث المذكور: (قد اسود) وإنما يسود الحصير من كثرة الاستعمال.

ويدل عليه أيضًا رواية الدارقطني عن أنس قال: (فعمدت إلى حصير عندنا خلق قد اسود) ، وفي رواية: (قطعة حصير عندنا خلق) فوصفه بالخلق الذي هو الرث الغير النظيف دليل على أنه قد اسود من كثرة الاستعمال، فالنضح إنَّما كان لأجل إزالة الوسخ لا لأجل الطهارة، فإن الشيء المتنجس لا يطهره إلا الغسل هذا هو الصواب؛ فافهم.

وقال النووي: احتج أصحاب مالك بقوله: (من طول ما لبس) على أن من حلف لا يلبس ثوبًا ففرشه؛ فعندهم يحنث، وأجاب أصحابنا: بأن ليس كل شيء بحسبه، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش في القرينة، ولأنه المفهوم منه، بخلاف من حلف لا يلبس ثوبًا، فإن أهل العرف لا يفهمون من لبسه الافتراش، انتهى.

ورده إمام الشَّارحين فقال: ليس معنى اللبس في الحديث الافتراش، وإنما معناه: التمتع، كما قال أصحاب اللغة: يقال: لبست امرأة؛ أي: تمتعت بها زمانًا طويلًا، وليس هو من اللبس الذي من لبست الثياب، انتهى.

قلت: وما زعمه النووي متناقض، وحمل اللبس في الحديث على الافتراش باطل، ودعواه القرينة دعوى باطلة، ودعواه أنه المفهوم غير صحيح؛ فإن الحديث ليس فيه قرينة على صحة هذه الدعوى، وليس هو بمفهوم منه أيضًا؛ لأنَّه قال في الحديث: (قد اسود من طول ما لبس) وهو يدل على أنه قد استعمل كثيرًا، واستعماله إنَّما كان لأجل الصلاة، والصلاة مكررة ليلًا ونهارًا، لا سيما يعرض عليه الغبار والتراب، فطول اللبس كناية عن كثرة الاستعمال، فإن عادة حصير الصلاة يفرش وقت الصلاة ويقام عند الفراغ منها، ويوضع في مكان آخر، وأصل هذه المادة المخالطة والمداخلة، فـ (لبس) في الحديث ليس من قولهم: لبست الثوب، وإنما هو من قولهم: لبست امرأة؛ أي: تمتعت بها زمانًا طويلًا، فيكون المعنى قد اسودَّ من كثرة مما تمتع به في طول الزمان، يدل عليه ما ذكرناه من رواية الدارقطني: (خلق قد اسود) ، فوصفه بالخلق دليل على أنه قد استعمل كثيرًا حتى صار خلقًا مسودًّا، وهذا ظاهر بأدنى تأمل، ولكن النووي وغيره إنَّما ذهب إلى هذا المعنى؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه من حرمة افتراش الحرير، فارتكب هذا المعنى الغير الصواب، ولو أنصف؛ لقال كما قلنا، ولكن هيهات من صحة كلامه، لأنَّه خلاف ما قاله أهل اللغة على أن قوله: (بخلاف من حلف...) إلى آخره، فإنه ناقض كلامه وقال: (أهل العرف لا يفهمون...) إلى آخره، فإذا كان كذلك؛ فكيف يفهمون من الحديث أن اللبس بمعنى [/ص502/] الافتراش؟!

وعلى ما قاله؛ إن من فهم هذا المعنى لا يكون ممن يدرك دقائق المعاني ومدارك الألفاظ العربية، وهو كذلك فإن من يدرك ذلك لا يقول هذا الكلام المتناقض، ولا يحمل هذا الحمل الباطل، وفوق كل ذي علم عليم.

وفي الحديث: دليل على صحة صلاة الصبي.

وفيه: دليل على صحة صلاة الرجل الذي صلى محاذيًا للصبي خلافًا لمن زعم فساد صلاته.

وفيه: أن إمامة المرأة للرجال غير صحيحة؛ لأنَّه إذا كان مقامها متأخرًا عن مرتبة الصبي فبالأولى ألَّا تتقدمهم إمامة النساء مطلقًا، وحكى بعض العلماء إجازة إمامة الصبي والمرأة في التراويح إذا لم يوجد قارئ غيرهما.

واستدل الإمام أبو يوسف ومحمد بن الحسن وتبعه الشافعي على أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين، وقال الإمام الأعظم: الأفضل في النهار الأربع، وأجاب عن هذا الحديث: أنه إنَّما فعله؛ لبيان الجواز ولأجل التعليم.

وزعم ابن حجر أن فيه الاقتصار على نافلة النهار على ركعتين خلافًا لمن اشترط أربعًا.

ورده إمام الشَّارحين فقال: إن كان مراده الإمام الأعظم؛ فليس كذلك؛ لأنَّه لم يشترط ذلك، بل قال: الأربع أفضل، سواء كان في الليل أو النهار، انتهى.

قلت: فانظر إلى ما زعمه ابن حجر؛ فإنه لم يفرق بين الاشتراط وبين الأفضل، على أنَّ هذا الحديث من صلاته عليه السَّلام ركعتين إنَّما كان لأجل التعليم؛ فإنه عليه السَّلام أراد تعليم أفعال الصلاة مشاهدة مع تبركهم بذلك، ومعلوم أن بالصلاة ركعتين يحصل التعليم وهو المقصود، فليس فيه دليل على أن الأفضل في النهار ركعتان [6] ؛ لأنَّه قد ورد على سبب، يدل لهذا قوله في الحديث: (فصلى لنا) ؛ أي: لأجلنا، وإنما عادته عليه السَّلام في صلاة الليل والنهار الأربع، كما دل على ذلك أحاديث كثيرة، وكأن ابن حجر لم يطلع [7] على ذلك؛ فافهم.

وفي الحديث: استحباب تنظيف مكان المصلى من الأوساخ، وكذلك التنظيف من الكناسات والزبالات.

وفيه: أن الأفضل أن تكون النوافل في البيت؛ لأنَّ المساجد تبنى لأداء الفرائض.

وفيه: الصلاة في دار الداعي وتبركه بها.

وفيه: استحباب التعليم لأفعال الصلاة مشاهدة.

وزعم ابن حجر أن المرأة قلما تشاهد أفعاله عليه السَّلام في المسجد؛ فأراد عليه السَّلام أن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها.

قلت: وفيه نظر؛ فإن النساء كن يخرجن إلى المساجد ويصلين معه عليه السَّلام كما هو ثابت في الصحيح، ولا ريب أن من صلى مع آخر يشاهد أفعاله ويتعلمها؛ فإنه بسبب اقتدائهن به ضرورة يتعلمن أفعاله ويشاهدن خصاله، ولكن عليه السَّلام في هذا الحديث إنَّما أراد التعليم؛ لعلمه أن هذه العجوز لا تخرج إلى المسجد، فلم تشاهد أفعاله؛ لضعف بنيتها، وعدم قدرتها على الخروج، فكأنه عليه السَّلام لم يرها في المسجد، فأراد تعليمها في بيتها، والظاهر: أنه عليه السَّلام أراد أيضًا تعليمها الوضوء، يدل عليه رواية الدارقطني عن أنس قال: صنعت مليكة طعامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم قال لي: «قم فتوضأ، ومُرِ العجوز فلتتوضأ، ومُرْ هذا اليتيم فليتوضأ، فلأصلي لكم...»؛ الحديث، فهذا يدل على أنه عليه السَّلام أراد تعليمها مع اليتيم أفعال الوضوء والصلاة، فإن الوضوء لم تشاهده، وكذلك الصلاة؛ لكونها عجوزة لا قدرة لها على الخروج لضعفها وكبر سنها؛ فافهم.

وفي الحديث: إجابة الدعوة وإن لم تكن وليمة عرس، والأكل من طعامها.

وفيه: جواز صلاة النافلة بالجماعة وهو جائز عندنا من غير كراهة؛ لأنَّه على سبيل التداعي، أما إذا لم يكن على سبيل التداعي؛ فكره أئمتنا الأعلام وجماعة التنفل بالجماعة في غير رمضان.

فإن قلت: جاء في رواية أبي المسيح: (فحضرت الصلاة) ، وفي رواية مسلم: (فربما تحضر الصلاة وهو في بيتها) .

قلت: لا يلزم من حضوروقت الصلاة أن صلاته عليه السَّلام في بيت مليكة كانت للفرض، ألا ترى أن في الرواية الأخرى لمسلم: («قوموا فلأصلي لكم» في غير وقت صلاة، فصلى بنا) على أنه لم ينقل عنه عليه السَّلام أنه ترك صلاة الجماعة في المسجد، ولهذا قال بعض أئمتنا الأعلام: إن صلاة الجماعة واجبة؛ لمواظبته عليه السَّلام عليها، وقال أحمد: إنها فرض، والصحيح عندنا أنها سنة مؤكدة، وظاهر حديث الباب وغيره: أن صلاته عليه السَّلام في بيت مليكة كانت نافلة، ومعنى قوله في الرواية: (فحضرت الصلاة) ؛ أي: هيِّئ مكانها من بسط الحصير وكنسه ورشه، وفراغ وضوء أنس واليتيم والعجوز، فهذا معنى حضورها، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (اثنين)، والمثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (يضطلع) ، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (وشهبه) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (مفسد) ، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (عمرو)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (ركعتين)، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (يضطلع) ، وليس بصحيح.