المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

377-. حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنا أبو حازِمٍ، قالَ [1] :

سَأَلُوا سَهْلَ بنَ سَعْدٍ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ المِنْبَرُ؟ فقالَ: ما بَقِيَ بِالنَّاسِ [2] أَعْلَمَ [3] مِنِّي، هو مِنْ أَثْلِ الغابَةِ، عَمِلَهُ فُلانٌ مَوْلَىَ فُلانَةَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، كَبَّرَ وَقامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ [4] ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَىَ، فَسَجَدَ على الأَرْضِ، ثُمَّ عادَ إلى المِنْبَرِ [5] ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَىَ حَتَّىَ سَجَدَ بِالأَرْضِ، فَهَذا شَانُهُ.

قالَ [6] أبو عَبْدِ اللَّهِ [7] : قالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [8] : سَأَلَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ عن هَذا الحَدِيثِ، قالَ [9] : فَإِنَّما [10] أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أَعْلَىَ مِنَ النَّاسِ، فَلا [11] بَأسَ أَنْ يَكُونَ الإِمامُ أَعْلَىَ مِنَ النَّاسِ بِهَذا الحَدِيثِ. قالَ: فَقُلْتُ [12] : إِنَّ [13] سُفْيانَ بنَ عُيَيْنَةَ كان يُسْأَلُ عن هَذا كَثِيرًا، فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قالَ: لا. [14]

الأطراف



[1] لفظة: «قال» ليست في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[2] في رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «في الناس»، وفي رواية [عط] : «من الناس».
[3] هكذا ضبطت في (ن) بالفتح مصحَّحًا عليها، وضُبطت في باقي الأصول: «أَعلَمُ» بالضم.
[4] قوله: «رأسه» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[5] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت و [عط] ورواية أبي ذر عن المُستملي زيادة: «ثم قرأ».
[6] في رواية الأصيلي: «وقال».
[7] قوله: «قال أبو عبد الله» ليس في رواية ابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت (ن، ق)، وعزا في (و، ص) عدم وجوده إلىَ رواية [عط] بدل رواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وعزَا في (ب) عدمَ وجوده إلىَ رواية [عط] فقط، وهو موافق لما في السلطانية.
[8] في رواية أبي ذر: «قال علي ابنُ المديني».
[9] في رواية [عط] : «فقال»، وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله».
[10] في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] : «وإنَّما».
[11] في رواية ابن عساكر: «ولا».
[12] في رواية [عط] : «قُلتُ».
[13] في رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت و [عط] : «فإَنَّ».
[14] من قوله: «قال علي بن عبد الله» إلىَ قوله: «قال: لا» ليس في رواية [عط] ، كذا في الأصول ويُشكل عليه ما اتفقت الأصول علىَ نقله سابقًا من اختلافٍ في الروايات عن [عط] ، ولعله كان ثابتًا في الرواية ثمَّ ضُرب عليه، فقيِّدت الفروق من المضروب عليه.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

377- ( الأثْلُ ) بالمثلثة: شجر كالطرفاء.

و( الْغَابَةِ ) بغين معجمة وباء موحدة: موضع قريب من المدينة.

( عَمِلَهُ فُلاَنٌ بن فُلاَنَةَ [1] ) ذكر الصَّاغاني أنَّه باقوم الرومي مولى سعيد بن العاص، وقال السَّفاقُسِي: قال مالك: عمله غلام لسعد بن عبادة، ويقال: غلام لامرأةٍ من الأنصار، ويقال: غلام العباس، قال الشيخ أبو محمد الأصيلي: وكان اتخاذه سنة سبع [2] ، ويقال: ثمان.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: قوله: ( عمله فلان بن فلان )كذا رواية، وللأكثر: «عمله فلان مولى فلانة».اهـ. قلت: الذي في متن نسخة البرماوي: (مولى) وبهامشها أشار إلى أنَّه في نسخة: (بن).
[2] قال ابن حجر رحمه الله: قوله: «سنة سبع» كذا قال غير واحد عن الأصيلي، وفيه نظر لأن قصة الإفك كانت قبل ذلك، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر.





377# (هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ) الأثل _ بالمثلثة _: شجرٌ كالطرفاء، والغابة _ بغين معجمة وباء موحدة _: موضع بقرب المدينة.

(عَمِلَهُ فُلان مَولَى فُلانة) الزركشي: ذكر الصاغاني أنه: باقوم الرومي مولى سعيد بن العاص [1] . وقيل [2] : غلام لسعد بن عبادة، ويقال: غلامٌ للعباس.

قلت: لا ينبغي أن يُفسر مبهمُ البخاري بشيءٍ ممَّا ذكره؛ فإن المبهم مولى فلانة، لا مولى فلان. وقيل: هو صالح مولى التوءمة.

[1] في (م) و(ج) و(ق): ((العاصي)).
[2] في (د): ((وقيله)).





377- قَولُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ): هو ابن المَدينيِّ، الحافظ المشهور، أستاذ الدُّنيا في العلل، تقدَّم.

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو ابن عيينة، العالم المشهور، وكذا جعله المِزِّيُّ في «مسند ابن عيينة»: عن أبي حازم عن سهل.

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ): تقدَّم أنَّه بالحاء المهملة، وأنَّ اسمه سلمة بن دينار المدينيُّ، أحد الأعلام. [/ج1ص157/]

قَولُهُ: (سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ): تقدَّم أنَّه أبو العبَّاس السَّاعديُّ، الصَّحابيُّ رَضِيَ اللهُ عنه، وتقدَّم بعض ترجمته، وأنَّه تُوفِّي سنة (88 هـ ) ، ويقال: سنة (91 هـ ) .

قَولُهُ: (مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ [1] ): (الأَثْل) ؛ بفتح الهمزة، ثُمَّ ثاء مثلَّثة ساكنة، وباللَّام: شجر شبيه بالطَّرفاء، لكنَّه أعظم مِنْهُ، وقيل: هو الطَّرفاء نفسها، وفي «الصِّحاح»: نوع من الطَّرفاء، وسيجيء في هذا «الصَّحيح»: (من طَرفاء الغابة) ، فدلَّ على أنَّه نوع مِنْهُ، أو هو هو، والله أعلم.

قَولُهُ: (الغَابَةِ): هي بالغين المعجمة، وبعد الألف موحَّدة مفتوحة، ثُمَّ تاء، قال في «المطالع»: (مال من أموال عوالي المدينة... إلى أن قال: وقد صحَّفه بعض [2] النَّاس، فقال: الغاية، وكذلك غلِط بعض الشَّارحين في تفسيره، فقال: الغابة: موضع الشَّجر التي ليست بمربوبة، لاحتطاب النَّاس ومنافعهم، فغلِط فيه من وجهين، وإنَّما الغابة: هي الشَّجر المُلتُّف، والأجَمُ من الغابة وشبهها) [3] .

قَولُهُ: (عَمَلَهُ فُلَانٌ [4] مَوْلَى فُلَانَةَ): هو ميمون النَّجَّار، أو قبيصة المخزوميُّ، أو صباح غلام العبَّاس، أو إبراهيم، أو باقوم -بالميم وباللَّام [5] - غلام سعيد بن العاصي [6] ، أقوال عنِ ابن الأثير، وعن المنذريِّ: أنَّه ميناء، وقيل: تميم الداريُّ، وكذا في «أبي داود»، وفي «ابن بشكوال» من هذه الأقوال: ميمون، وقبيصة، وصباح، وباقوم [7] -بالميم واللَّام- وميناء وقدَّمه، وفي «مبهمات الخطيب» قولان: ميناء وميمون، وقال بعضهم: عمله غلام لسعد بن عبادة، وقيل: للعبَّاس، وقيل: لامرأة، ورأيت في «تاريخ المدينة المشرَّفة» لزين الدين ابن [8] حسين -وهو رجل من أهل العلم، من طلبة الإمام جمال الدين الإسنويِّ، وقد تولَّى زين الدين قضاء المدينة، وعُمِّر، وأجاز له الحجَّار فيما بلغني، وقد اجتمعتُ به في منزله بالمدينة في ذي الحِجَّة سنة ثلاثَ عشرةَ-: أنَّ اسم صانعه صباح غلام العبَّاس، وقيل: كلاب، انتهى، وقد عزا ابن شيخنا البلقينيِّ أنَّه كلاب غلام العبَّاس إلى «طبقات ابن سعد».

قَولُهُ: (مَوْلَى فُلَانَةَ): هي من بني ساعدة، ووقع في «تجريد» الذَّهبيِّ: (عُلَاثة) ، وإنَّما هي (فُلَانَةَ) ، كما نبَّه عليه الذَّهبيُّ في «تجريده»، وجاء أنَّ اسمها عائشةُ الأنصاريَّة، نقله ابن شيخنا البلقينيِّ، قال: وفي الأنصار جماعةٌ عوائشُ، والله أعلم.

فائدة: عمل هذا المنبر في السَّنة الثَّامنة، وقيل: السَّابعة من الهجرة، وعلى القول بأنَّ تميمًا نجره؛ فيكون في التَّاسعة أو بعدها، وذلك لأنَّ تميمًا أسلم سنة تسع، كما قاله اِبْن عبد البَرِّ في «استيعابه»، اللهمَّ؛ إلَّا أنْ يقال: نجره وهو كافر، فيكون قبل ذلك، (لكن جاء في حديث: أنَّه نجره وهو مُسْلِم) [9] ، وهو أوَّل منبر عُمِل في الإسلام، وكان ثلاث دُرَج، ومن قال درجتين أسقط موضع المقام، وقد رُوِّينا في «مُسْلِم» عن سهل بن سعد: أنَّه كان ثلاث درجات، وقد ذكر النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» ما لفظه: (يُستحَبُّ أنْ يقف على الدَّرجة التي تلي المستراح، لما [10] ذكره المصنِّف.

قال الشَّيخ أبو حامد: فإنْ قيل: قد رُوِي: أنَّ أبا بكر رضي الله عنه [11] نزل عن موقف النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم درجة، وعمر درجة أخرى، وعثمان أخرى، ووقف عليٌّ رضي الله عنه في موقف النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

قلنا: كلٌّ منهم له مقصد صحيح... إلى آخر كلامه، فهذا يدلّث على أنَّ المنبر كان أكثر من درجتين ومكان الجلوس، ويمكن جمعه مع كلام مَنْ قال: ثلاث درجات؛ يعني: والمجلس، ويكون وقوفه عليه الصَّلاة والسَّلام في المجلس، لكن يَبعُد، وهذا ذُكِر بصيغة تمريض؛ فليُعلَم.

فائدة: ذكر شيخنا الإمام غياث الدِّين ابن العاقوليِّ شيخ بغداد وبلاد المشرق في كتاب «الرَّصف» له -وهو كتاب مفيد نظرته أجمع قبل فتنة تَمُر- ما لفظه: (قال محمَّد بن الحسن [12] بن زبالة: كان طول منبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأوَّل ذراعين في السَّماء، وثلاث أصابع، وعرضه ذراع راجح، وطول صدره -وهو مستند النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم- ذراعٌ، وطول رمَّانتي المنبر اللَّتين كان يمسكهما النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بيديه الكريمتين إذا جلس شبرٌ وإصبعان، وعرضُه ذراع في ذراع، وعدد درجاته ثلاث بالمقعد، وفيه خمسة [13] أعواد من جوانبه الثلاثة) ، أخرجه الشيخ محبُّ الدِّين بن النَّجَّار، هذا ما كان عليه المنبر في حياة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، فلمَّا حجَّ معاوية في خلافته؛ كساه قبطيَّةً، ثمَّ كتب إلى مروان -وهو عامله على المدينة-: أن ارفع المنبر عنِ الأرض، فدعا له النَّجَّارين، ورفعوه عنِ الأرض، وزاد من أسفله ستَّ درجات، ورفعوه عليها، فصار المنبر تسعَ درجات بالمجلس، ثمَّ إنَّ هذا المنبر تَهَافَت على طول الزَّمان، فجدَّده بعض خلفاء بني العبَّاس، واتَّخذ من بقايا أعواد منبر النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمشاطًا للتَّبرُّك بها، ذكره بعض المؤرِّخين، انتهى ما نقله شيخنا ابن العاقوليِّ.

وابن زبالة: روى عن مالك وذويه [14] ، قال أبو داود: كذَّاب، وفيه كلام غير هذا، وله ترجمة في «الميزان»، وقد روى له أبو داود في «سننه».

قَولُهُ: (رَجَعَ القَهْقَرَى): هو بفتح القافين، بينهما هاء ساكنة؛ مقصور: الرُّجوع إلى خلف، فإذا قلت: رجعت القهقرى؛ فكأنك قلت: رجعت الرُّجوع الذي يُعرَف بهذا الاسم؛ لأنَّ (القَهْقَرَى): ضربٌ من الرُّجوع، وسيجيء بزيادة [15] .

[1] في (ج): (العامة) ، وليس بصحيح.
[2] (بعض): ليس في (ج) .
[3] «مطالع الأنوار» (*) .
[4] في هامش (ق): (فلان قيل: هو ميمون النجار، وقيل: قبيصة المخزومي، وقيل: صباح مولى العباس، وقيل: إبراهيم، وقيل: باقوم -ويقال باللام- غلام سعيد بن العاص أقوال ذكرها ابن الأثير، وقيل: عمله غلام لسعد بن عبادة، وكان في السنة السابعة، وقيل: الثامنة، وقيل: صنعه مولى امرأة من الأنصار، وقيل: تميم الداري، كذا في «أبي داود») .
[5] في (ج): (واللَّام) .
[6] (غلام سعيد بن العاصي): سقط من (ج) .
[7] في (أ) ، (ج): (باقون) .
[8] (ابن): سقط من (ب) .
[9] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[10] في (ب): (كما) .
[11] زيد في (ج): (قد) .
[12] في (ج): (الحسين) ، وهو تحريفٌ.
[13] في (ج): (خمس) .
[14] في (ب): (ودونه) .
[15] (بزيادة): سقطت من (ب) .





377- (فُلَانٌ): منصرفٌ.

(فُلَانَةَ): غيرُ منصرفٍ.

(الْقَهْقَرَى): منصوبٌ بأنَّه مفعولٌ مطلقٌ؛ قاله الكرمانيُّ.

وقالَ ابنُ الملقِّنِ في «شرح العمدة»: (اختلفَ النُّحاةُ في نصبِها على ثلاثِ مذاهبَ؛ فقيلَ: إنَّها منصوبةٌ بفعلٍ مقدَّرٍ مِنْ لفظِها؛ والتَّقديرُ: رجعَ قهقرَ القهقرى، وقيل: إنَّها صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ أي: رجعَ الرَّجعةَ القهقرى، والثَّالثُ: أنَّها مِنَ المصادرِ الملاقيةِ للفعلِ في المعنى دونَ الاشتقاقِ، ومثلُه: قعدَ القُرْفُصَاءَ، واشتملَ الصَّمَّاءَ، الخلاف في الكلِّ واحدٌ) انتهى.


377- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون العين، السَّاعديَّ (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ) النَّبويُّ المدنيُّ؟ ولأبي داود: إنَّ رجالًا أتوا سهل بن سعد السَّاعديَّ وقدِ امتَروا في المنبر [1] ممَّ عُوده؟ (فَقَالَ) سهلٌ: (مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ)، وفي روايةٍ: ((من النَّاس))، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: ((في النَّاس)) (أَعْلَمُ مِنِّي)؛ أي: بذلك (هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ) بالغين المُعجمَة والمُوحَّدة؛ موضعٌ قرب المدينة من العوالي، والأَثْل؛ بفتح الهمزة وسكون المُثلَّثة: شجرٌ كالطَّرفاء [2] لا شوك له، وخشبُه جيِّدْ، يُعمَل منه القِصَاع والأواني، وورقه أشنانٌ يغسل به القَصَّارون (عَمِلَهُ)؛ أي: المنبر (فُلَانٌ) _بالتَّنوين_ هو ميمونٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الأقرب فيما قاله الصَّغَّانيُّ [3] ، أو باقُوم _فيما قاله الغافقيُّ_ وهو بمُوحَّدةٍ فألفٍ فقافٍ فواوٍ فميمٍ، الرُّوميُّ مولى سعيد بن العاص، أو باقولٌ _باللَّام_ فيما رواه عبد الرَّزَّاق، أو قبيصة المخزوميُّ (مَوْلَى فُلَانَةَ) بعدم الصَّرف؛ للتَّأنيث والعلميَّة، أنصاريَّةٌ، وهي عائشة _فيما قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ_، ورواه الطَّبرانيُّ بلفظ: وأمرت عائشة فصنعت له منبره، لكنَّ سندَه ضعيفٌ، وقِيلَ: مِينا؛ بكسر الميم، أو هو صالحٌ مولى العبَّاس، ويحتمل أن يكون الكلُّ اشتركوا في عمله (لِرَسُولِ اللهِ)؛ أي: لأجله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَامَ عَلَيْهِ)؛ أي: على المنبر (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُمِلَ، وَوُضِعَ) بالبناء للمفعول فيهما، (فَاسْتَقْبَلَ) عليه السَّلام (الْقِبْلَةَ كَبَّرَ) بغير واو، جوابٌ عن سؤالٍ، كأنَّه قِيلَ: ما عمل به بعد الاستقبال؟ قال: كبَّر، وفي بعض الأصول: ((وكبَّر)) بالواو [4] ، وفي أخرى: ((فكبَّر))؛ بالفاء، (وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ) عليه السَّلام (وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى،) نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ؛ بمعنى الرُّجوع إلى خلفٍ؛ أي: رجع الرُّجوع الَّذي يُعرَف بذلك، وإنَّما فعل ذلك؛ لئلَّا يولِّيَ ظهرَه القبلةَ (فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ، فَهَذَا شَأْنُهُ [5] )، ولاحظ في قوله: «على الأرض» معنى الاستعلاء، وفي قوله: «بالأرض» معنى الإلصاق.

وفي هذا الحديث جواز ارتفاع الإمام على المأمومين، وهو مذهب الحنفيَّة والشَّافعيَّة وأحمد واللَّيث، لكن مع الكراهة، وعن مالكٍ: المنع، وإليه ذهب الأوزاعيُّ، وأنَّ العمل اليسير غير مبطلٍ للصَّلاة، قال الخطَّابيُّ: وكان المنبر ثلاث مراقٍ، فلعلَّه إنَّما قام على الثَّانية منها، فليس في نزوله وصعوده إِلَّا خطوتان، وجواز الصَّلاة على الخشب، وكرهه الحسن وابن سيرين؛ كما رواه ابن أبي شيبة عنهما، وأنَّ ارتفاع الإمام [/ج1ص404/] لغرض التَّعليم غير مكروهٍ.

ورواته مابين بصريٍّ [6] ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦917] ، وكذا مسلمٌ وابن ماجه.

(قَالَ)، وللأَصيليِّ: ((وقال)) (أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريُّ: (قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ)، ولأبي ذَرٍّ: ((قال عليُّ بن المدينيِّ)): (سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) الإمام الجليل، الَّذي وصفه ابن راهويه بأنَّه حجَّةٌ بين الله وبين عباده في أرضه، المُتوفَّى ببغداد سنة إحدى وأربعين ومئتين (رَحِمَهُ اللهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ)، وفي روايةٍ: ((فقال)): (فَإِنَّمَا)، ولابن عساكر والأَصيليِّ: ((وإنَّما)) (أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ، فَلَا)، ولابن عساكر: ((ولا)) (بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ) [7] ؛ أي: بدلالة هذا الحديث.

(قَالَ)؛ أي: عليُّ بن المدينيِّ (فَقُلْتُ)؛ أي: لابن حنبل، وفي روايةٍ: ((قلت)): (إِنَّ سُفْيَانَ)، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: ((فإنَّ سفيان [8] )) (بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول (عَنْ هَذَا كَثِيرًا، فَلَمْ)؛ أي: أفلم (تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا) صريحٌ في أنَّ أحمد بن حنبل لم يسمع هذا الحديث من ابن عُيَيْنة.

[1] في هامش (ص): «قوله: «وقد امترَوا»، قال في «المصباح»: امترى في أمره: شكَّ، والاسم الِمرْية، ثمَّ رأيت الشَّارح قال في «صلاة الجمعة» [خ¦917] . بعد قول المتن: وقد امتروا ما نصَّه؛ أي: تجاهلوا أو شكُّوا. انتهى».
[2] في (م): «الطَّرفاء».
[3] «فيما قال الصَّغانيُّ»: ليس في (م).
[4] «بالواو»: ليس في (د).
[5] في (د): «دأبه»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[6] في (د): «مصريٍّ»، وهو تحريفٌ.
[7] «الحديث»: ليس في (د).
[8] «سفيان»: ليس في (د).





377- ( مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ ): للكُشْمِيهنيِّ: «في النَّاس»

( أَعْلَمُ مِنِّي ): أي: بذلك. [/ج2ص475/]

( أَثْلِ ): بفتح الهمزة وسكون المثلَّثة: شجر معروف.

( الْغَابَةِ ): موضع من عوالي المدينة.

( عَمِلَهُ فُلاَنٌ مَوْلَى فُلاَنَةَ ): قيل: اسم الذي عمله ميمون، وستأتي بقيَّة الأقوال فيه.


102/377# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَلِيُّ بنُ [1] عَبْدِ اللهِ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنا أبو حازِمٍ:

سَأَلُوا سَهْلَ بنَ سَعْدٍ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ المِنْبَرُ؟ [2] فقالَ: ما بَقِيَ في النَّاسِ أَعْلَمَ مِنِّي [3] ، هو مِنْ أَثْلِ الغابَةِ [4] ، عَمِلَهُ فُلانٌ مَوْلَىَ فُلانَةَ، وقامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وكَبَّرَ وَقامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ [5] النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَىَ، فَسَجَدَ على الأَرْضِ، ثُمَّ عادَ إلى المِنْبَرِ، ثمَّ قرأ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَىَ حَتَّىَ سَجَدَ بِالأَرْضِ، فَهَذا شَانُهُ.

قال أبو سليمان رحمة الله عليه [6] : فيه من الفقه أنَّ العمل اليسير لا يفسد الصلاة، وكان المنبر [7] ثلاث مراق، ولعلَّه إنَّما قام على الثانية منها [8] ، فليس في نزوله وصعوده إلَّا خطوتان.

وفيه أنَّ الإمامَ إذا كان أرفعَ مقاماً من القوم لم تَفسد إمامته، وكان ائتمامُ القوم به جائزاً؛ وإن كان ذلك مكروهاً [9] .

وإنَّما صَلَّى [10] النبيُّ صلى الله عليه وسلم على [11] المنبر تعليماً لهم؛ ليراعوا صلاتَه، ويَحفَظوا عنه سُنَنَها وآدابها، وقد رُويت الكراهيةُ في صلاة الإمام على مكانٍ أَرْفَعَ من مَقام المأموم [12] .

وإنَّما كان رُجُوعُه القهقرى [13] للسُّجود على الأرض؛ لئلاَّ يُوَلِّى ظَهره القبلة.

@%ص105%

و (الأَثْل): شجر الطَّرْفاء.

و (الغابةُ): الغَيْضَةُ.

[1] (علي بن) سقط من (ط)
[2] في (ط): (من أي شيء من المنبر)
[3] في (أ): (أعلم به مني).
[4] في (ط): (الغتية).
[5] (وركع) الثانية سقطت من (ر) و (ف).
[6] في (ط): ( رحمه الله )
[7] في النسخ الفروع: (للمنبر).
[8] (منها) سقطت من (ط).
[9] في النسخ الفروع: (لم تفسد إمامته ولا ائتمام القوم به وإن كره ذلك).
[10] في النسخ الفروع: (وإنما فعل).
[11] قوله: (على) سقط من الأصل، والمثبت من (ط)، وفي (أ) و (ف) و (م): (ذلك على)
[12] انظر، سنن أبي داود (598).
[13] في النسخ الفروع: (وإنما رجع القهقرى).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

377# قوله: (الغَابِة): من عوالي المدينة من جهة الشِّمال، وصانع المنبر ميمون النَّجَّار، أو قبيصة، أو صباح غلام العبَّاس، أو إبراهيم، أو باقوم، وقيل: عَمِله غلامٌ لسعد بن عبادة في السَّنة السَّابعة أو الثَّامنة، وهو أوَّل منبر عُمِل في الإسلام، وقيل: صنعه ميناء، وقيل: تميمٌ الدَّاريُّ.

قوله: (الْقَهْقَرَى): المشي إلى خلف، ورجوعه القهقرى؛ خوف الاستدبار وهو يسير؛ لأنَّه مشى خطوتين إلى خلف.


377 ـ وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا علي بن عبد الله) : هو ابن المديني ((قال: حدثنا سفيان) (: هو ابن عُيَيْنة؛ بضم المهملة، وفتح التحتية الأولى، وسكون الثانية ((قال: حدثنا أبو حازم)) بالحاء المهملة، وبالزاي: هو مسلمة بن دينار ((قال)) أي: أبو حازم: ((سألوا)) أي: التابعون؛ لأنَّه حين السؤال لم يكن بالمدينة صحابة غير سهل المذكور؛ لقوله الآتي: (ما بقي بالناس أعلم مني) ((سهل بن سعْد)) ؛ بسكون العين المهملة: هو الساعدي، آخر من مات من الصحابة بالمدينة: ((من أي شيء)) أي: من أي عود ((المِنْبر؟)) ؛ بكسر الميم، وسكون النون؛ أي: النبوي، فـ (اللام) فيه للعهد عن منبر النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي رواية أبي داود: (أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد أمتروا في المنبر، ممِّ عوده؟) ؛ أي: وقد شكوا، واختلفوا في منبر النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من أي شيء كان عوده؟ كذا قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.

((فقال)) أي: سهل للسائلين: [/ص491/] ((ما بقي بالناس)) وفي رواية الكشميهني: (في الناس) ، وفي رواية: (من الناس) ((أعلم مني)) أي: بذلك المنبر من أي شيء، وهذا لا ينافي وجود أحد من الصحابة في غير المدينة؛ كالكوفة والبصرة؛ لأنَّ مراده الناس التي بالمدينة، وقد يكون الذي في غيرها غير عالم بذلك؛ لكونه صغيرًا؛ فتأمل.

((هو)) : مبتدأ؛ أي: المنبر ((من أَثْل الغابة)) خبره، وفي رواية أبي داود: (من طرفاء الغابة) ، و (الأَثْل) ؛ بفتح الهمزة، وسكون المثلثة: شجر شبه الطَّرْفاء إلا أنه أعظم منه، قاله ابن سيده، وقال أبو زياد: الأثل: شجر طوال ليس له ورق يثبت، مستقيم الخشب، وخشبه جيد يحمل إلى القرى فيبنى عليه بيوت المدر، وورقه هدب دقاق، وليس له شوك، يصنع منه القصاع، والأواني الصغار والكبار، والمكاتب، والأبواب، وهو النضار، وقال أبو عمرو: هو أجود الخشب للآنية، وأجود النضار الورس؛ لصفرته، ومنبره عليه السَّلام نضار، وفي «الواعي»: الأثل: حمصة؛ مثل الأشنان، ولها حب؛ مثل حب التنوم، ولا ورق له، وإنما هي أشنانه، يغسل بها القصارون غير أنها ألين من الأشنان.

وقال القزاز: هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء، وليس به شوك وهو أجود منه عودًا، ومنه يصنع قداح الميسر والتَّنُّوْم -بفتح المثناة الفوقية، وضم النون المشددة، وبعد الواو الساكنة ميم-؛ وهو نوع من نبات الأرض، فيه وفي ثمره سواد قليل.

و (الغابة) ؛ بالغين المعجمة والموحدة: أرض على تسعة أميال من المدينة، كانت إبل النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم مقيمة بها للمرعى، وبها وقعت قصة العرنيين الذين أغاروا على سرحه عليه السَّلام، وقال ياقوت: (بينها وبين المدينة أربعة أميال) ، وقال البكري: (هما غابتان عليا وسفلى) ، وقال الإمام الزمخشري: (الغابة: بريد من المدينة من طريق الشام) ، وقال الواقدي: (ومنها صنع المنبر) ، وفي «الجامع»: (كل شجر ملتف؛ فهو غابة) ، وفي «المحكم»: (الغابة: الأجمة التي طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة) ، وقال الإمام: هي أجمة القصب، وقد جعلت جماعة الشجر غابًا، مأخوذ من الغيابة، والجمع: غابات وغاب.

و (الطَّرْفاء) ؛ بفتح الطاء المهملة، وسكون الراء المهملة، ممدودة؛ شجر من شجر البادية، واحدها طَرفة؛ بفتح الطاء؛ مثل: قصبة وقصبًا، وقال سيبويه: (الطرفاء واحد وجمع) ، كذا في «عمدة القاري».

قلت: والطرفاء: شجر له ساق وورق صغير ناعم؛ مثل الصنوبر، قد رأيته في أرض المرج؛ الغوطة عند البحرة، والله أعلم.

((عمله)) أي: المنبر؛ يعني: صنعه ونجره ((فلانٌ)) ؛ بالتنوين؛ لأنَّه منصرف؛ لأنَّه كناية عن علم المذكر، بخلاف فلانة؛ فإنها كناية عن علم المؤنث، والمانع من صرفه وجود العلتين؛ وهما العلمية والتأنيث، كذا في «عمدة القاري».

قال إمام الشَّارحين: (واختلفوا في اسم فلان الذي نجر منبره عليه السَّلام؛ ففي كتاب «الصحابة» لابن الأمين الطليطلي: أن اسم هذا النجار قبيصة المخزومي، ويقال: ميمون، وقيل: صلاح غلام العباس بن عبد المطلب، وقال ابن بشكوال: وقيل: هو ميناء، وقيل: إبراهيم، وقيل: باقوم؛ بالميم في آخره، وقال ابن الأثير: (عمله باقوم، وكان روميًّا غلامًا لسعيد بن العاص، مات في حياة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم) .

وروى ابن سعد في «شرف المصطفى» من طريق ابن لهيعة عن سهل قال: (كان في المدينة نجار واحد يقال له: ميمون) ؛ وذكر قصة المنبر، وقال ابن التين: (عمله غلام لسعد بن عبادة، وقيل: لامرأة من الأنصار) ، وروى أبو داود عن نافع، عن ابن عمر: (أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لما بدن؛ قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله تجمع أو تحمل عظامك؟ قال: «بلى»، فاتخذ له منبرًا مرقاتين) .

وفي «طبقات ابن سعد» من حديث أبي هريرة قالوا: (كان النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب يوم الجمعة إلى جذع قائمًا، فقال: «إن القيام شق علي»، فقال تميم الداري: ألا أعمل لك منبرًا كما رأيت بالشام؟ فشاور النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلامًا يقال له: كلاب [مِنْ] أعمل الناس، فقال النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «مره أن يعمله»، فعمله درجتين ومقعدًا، ثم جاء به فوضعه في موضعه) انتهى.

قلت: وروى عبد الرزاق: أن اسم هذا النجار: باقول؛ باللام، والظاهر: أن الأقرب من هذه الأقوال أن اسم هذا النجار كلاب غلام للعباس بن عبد المطلب، كما يدل عليه حديث أبي هريرة، وكذا حديث ابن عمر، والظاهر: أنه هو اختيار إمام الشَّارحين، ويحتمل أن الأقرب أنه باقوم -بالميم- الرومي غلام سعيد بن العاص، كما قاله ابن الأثير، وكذا الغافقي، وزعم ابن حجر أن الأقرب أنه ميمون، كما قاله الصغاني.

قلت: وهو ممنوع، فإنه لا دليل على أنه هو، وما روى ابن سعد من طريق ابن لهيعة لا يعتمد عليه؛ لشهرة ابن لهيعة بالضعف؛ لأنَّه كذوب، فلا يعول عليه، والأقرب أنه كلاب، كما دل عليه حديث أبي هريرة وابن عمر المروي؛ الأولى: عند ابن سعد، والثاني: عند أبي داود من طريق صحيح؛ فليحفظ.

((مولى فلانةَ)) : ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث؛ لأنَّه كناية عن علم المؤنث؛ وهي عائشة الأنصارية، كما قاله إمام الشَّارحين، وسيأتي بيانه، فيحتمل أنها زوجة العباس بن عبد المطلب، ويحتمل أنها زوجة سعيد بن العاص، فأطلق على النجار أنه مولًى لها، إما على الحقيقة، وإما على المجاز؛ فتأمل.

قال إمام الشَّارحين: وفي «الدلائل» [1] لأبي موسى المديني نقلًا عن جعفر المستغفري أنه قال في أسماء الرجال في الصحابة: علاثة؛ بالعين المهملة، وبالثاء المثلثة، ثم ساق هذا الحديث من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم، وقال فيه: أرسل إلى علاثة امرأة قد سماها سهل، قال أبو موسى: (صحف فيه جعفر أو شيخه، وإنما هي فلانة) ، وقال الذهبي: (علاثة في حديث سهل: «أن مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا»، وإنما هي فلانة) انتهى.

وقال الكرماني وتبعه البرماوي: قيل في فلانة: اسمها عائشة الأنصارية، وزعم ابن حجر أنَّه أظنُّه صحَّف المصحَّف.

ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: هذا الطبراني روى في «معجمه الأوسط» من حديث جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصلي إلى سارية المسجد، ويخطب إليها، ويعتمد عليها، فأمرت عائشة فصنعت له منبره هذا، وبه يستدل على أن فلانة هي عائشة المذكورة، ولا سيما قال قائله: (الأنصارية) ، ولا يستبعد [/ص492/] هذا وإن كان إسناد الحديث ضعيفًا؛ فحينئذٍ أن المصحِّف من قال: علاثة، لا من قال: عائشة الأنصارية؛ فليحفظ.

ثم قال: وجاء في رواية في «الصحيح»: (أرسل؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم إلى فلانة -سماها سهل-: «مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلمت الناس»، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت بها إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأمر بها فوضعت ههنا) .

وعن جابر: أن امرأة قالت: (يا رسول الله؛ ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلامًا نجارًا...) ؛ الحديث، وفي «الإكليل» للحاكم عن يزيد بن رومان: (كان المنبر ثلاث درجات، فزاد فيه معاوية لعله قال: جعله ستَّ درجات، وحوَّله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذٍ، قال الحاكم: وقد أحرق المنبر الذي عمله معاوية، ورد منبر النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المكان الذي وضعه فيه، وفي «الطبقات»: (كان بينه وبين الحائط ممرَّ الشاة) ، وفي «الإكليل» أيضًا من حديث المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس رضي الله عنه: (لما كثر الناس؛ قال النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «ابنوا لي منبرًا»، فبنوا له عتبتين، وقد ذكرنا عن أبي داود في حديث ابن عمر: (مرقاتين) ؛ وهي تثنية مرقاة؛ وهي الدرجة.

فإن قلت: في الصحيح ثلاث دَرَجٍ، فما التوفيق بينهما؟

قلت: الذي قال: (مرقاتين) : كأنه لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها، والذي روى ثلاثًا؛ اعتبرها، انتهى كلامه.

قلت: وهو توفيق حسن بين الروايتين، والله أعلم.

((لرسول الله)) أي: لأجله ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) : ويحتمل أن القصة متعددة، وأن كل واحد من المذكورين قد عمل منبرًا وأنه عليه السَّلام قد اختار لنفسه منهم واحدًا، ويحتمل أن الجميع اشتركوا في عمله، ويحتمل أن كل واحد عمل منبرًا على التعاقب، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم.

((فقام)) بالفاء، وفي رواية: (وقام) ؛ بالواو، وفي رواية: (فرقى) ((عليه)) أي: على المنبر ((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ لأنَّه أعجبه ((حين عُمِل)) ؛ بضم العين المهملة مبني للمجهول؛ أي: بعد أن فرغ من عمله وجيء به بين يديه ((ووُضع)) ؛ بضم أوله مبني للمجهول أيضًا، في المكان الذي أراده عليه السَّلام، فبعد الوضع قام عليه ((فاستقبل)) عليه السَّلام ((القِبلة)) ؛ بكسر القاف؛ أي: توجه إليها، ((كبر)) بدون الواو؛ لأنَّه جواب عن سؤال، كأنه قيل: ما عمل بعد الاستقبال؟ قال: كبر، وفي بعض الأصول: (فكبر) بالفاء، وفي بعض النسخ: (وكبر) بالواو، كذا في «عمدة القاري».

((وقام الناس)) أي: الصحابة ((خلفه)) ؛ أي: خلف النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أي: وراءه صفوفًا، فكبروا مقتدين به، ((فقرأ)) عليه السَّلام ما تيسر له من القرآن، ((وركع وركع الناس خلفه)) ؛ أي: متابعين له، ((ثم رفع رأسه)) أي: من الركوع، ((ثم رجع القهقرى)) ؛ أي: رجع إلى ورائه.

فإذا قلت: رجعت القهقرى؛ فكأنك قلت: رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم؛ لأنَّ القهقرى ضرب من الرجوع، فيكون انتصابه على أنه مفعول مطلق، لكنه من غير لفظ؛ كما تقول: قعدت جلوسًا، كذا في «عمدة القاري».

قلت: وإنما فعل عليه السَّلام ذلك حتى يكون مستمرًّا على الاستقبال، ولئلَّا يولي ظهره القبلة؛ لأنَّه لو استدبر القبلة؛ لفسدت صلاته، فالاستدامة على استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إن لم يكن خائفًا، كما هو مقرر في الفروع.

((فسجد على الأرض)) وسجد الناس خلفه، ((ثم عاد إلى المنبر)) قائمًا، ((ثم قرأ)) ما تيسر له من القرآن، ((ثم ركع)) وركع الناس خلفه، وإنما لم يذكر ذلك؛ للعلم به مما قدمه، وهو معلوم أيضًا من المقام، ((ثم رفع رأسه)) من الركوع، ((ثم رجع القهقرى)) أي: رجع إلى ورائه ((حتى سجد بالأرض)) : والفرق بين قوله السابق: (على الأرض) وبين ما هنا من حيث إن في الأول لوحظ معنى الاستعلاء، وهنا لوحظ معنى الإلصاق، أفاده إمام الشَّارحين.

((فهذا شأنه)) عليه السَّلام؛ أي: في هذه الصلاة، أو معناه من حيث صلاته إمامًا واقتداء الناس به، أو نحو ذلك، قال إمام الشَّارحين: (ففي الحديث الدلالة على ما ترجم له؛ وهو جواز الصلاة على المنبر، وقد علل عليه السَّلام صلاته عليه، وارتفاعه على المأمومين بالاتباع له والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم؛ جاز، ولكنه مكروه إلا لحاجة كمثل هذا؛ فمستحب، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والليث بن سعد، وبه قال محمد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، وعن مالك بن أنس: المنع، وبه قال الأوزاعي، وعندنا: جوازه إذا كان الإمام مرتفعًا مقدار قامة، وعن مالك: يجوز في الارتفاع اليسير، وهذا الحديث حجة عليه؛ فافهم.

وزعم ابن حزم أن مذهبنا المنع، وهو باطل لا أصل له في المذهب، وما هو إلا من تعصُّبه وعدم اطلاعه.

وفي الحديث: أن المشي اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقال صاحب «المحيط»: المشي في الصلاة خطوة؛ لا يبطلها، وخطوتين أو أكثر؛ يبطلها، وعلى هذا؛ كان ينبغي أن تفسد هذه الصلاة على هذه الكيفية، ولكنا نقول: إذا كان لمصلحة؛ ينبغي ألَّا تفسد صلاته، ولا تكره أيضًا، كما في مسألة: من انفرد خلف الصف وحده؛ فإن له أن يجذب واحدًا من الصف الأول إليه ويصطفان، فإن المجذوب لا تفسد صلاته ولو مشى خطوة أو خطوتين، قاله إمام الشَّارحين.

وزعم الخطابي فيه أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة، وكان المنبر ثلاث مراق [2] ، ولعله إنَّما قام على الثانية منها، فليس في نزوله وصعوده إلا خطوتان، انتهى.

قلت: وهذه الكيفية التي فعلها عليه السَّلام في صلاته لا تفسدها؛ لأنَّ العمل الكثير المفسد للصلاة إنَّما يكون مفسدًا إذا كان في ركن واحد، أما إذا كان متفرقًا في أركانه؛ فلا يفسد، ولا يجمع، بل يعتبر كل فعل بمفرده، فقول صاحب «المحيط» السابق هذا الحديث يشهد له؛ لأنَّه عليه السَّلام صعد في الركعة الثانية، ونزل في الركعة الأولى، ونزوله خطوة واحدة وهو ركن واحد، وصعوده خطوة واحدة وهو ركن واحد، وعلى كل حال؛ فلا فساد؛ فليحفظ.

وما زعمه الخطابي يرده رواية أبي داود عن ابن عمر قال: (مرقاتين) ، وفي «الإكليل» من حديث المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: (فبنوا له عتبتين) ، وعلى هذا؛ فيكون قيامه[/ص493/] عليه السَّلام على الأولى منهما، فليس في نزوله وصعوده إلا خطوة واحدة؛ فافهم.

وفي الحديث: استحباب اتخاذ المنبر، وكون الخطبة على شيء مرتفع؛ كمنبر ونحوه، وفيه: استحباب التدريس على شيء مرتفع؛ كالكرسي ونحوه؛ كما يفعله الأتراك في وعظهم، وفيه: تعليم الإمام المأمومين أفعال الصلاة، وأنه لا يقدح ذلك في صلاته، وليس هو من باب التشريك في العبادة، بل هو كرافع صوته بالتكبير؛ ليسمعهم، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] ، وفيه: أن العالم إذا انفرد بعلم شيء؛ يقول ذلك ليؤديه إلى حفظه، وفيه جواز الصلاة على الخشب ونحوه، بل هو الأفضل عندنا؛ لأنَّه تستحب [3] الصلاة على الأرض أو على ما تنبته الأرض، وكرهه الحسن وابن سيرين، كما رواه ابن أبي شيبة عنهما، والحديث حجة عليهما، كما لا يخفى؛ فافهم.

((قال)) وللأصيلي: (وقال) ((أبو عبد الله)) هو البخاري نفسه: ((قال علي بن عبد الله)) وفي رواية أبي ذر: (قال علي ابن المديني) : هو الحجة شيخ المؤلف: ((سألني أحمد ابن حنبل)) : هو الإمام المشهور، قال ابن راهويه: هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه، مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومئتين، وزعم الشافعية أن أحمد ابن حنبل متصرِّف في مذهب الشافعي؛ لأنَّه ألف مذهبين؛ قديم وجديد، فأخذ أحمد بأحدهما وجعله مذهبًا له.

قلت: وهذا كلام باطل، بل الإمام أحمد علمه مشهور، وهو حافظ السنة، وفقهه وورعه ظاهر مقبول، فانظر هذه الجرأة على مثل هذا الإمام وما هي إلا من قلة الأدب، ولا عجب؛ فإن دأبهم القدح في الأئمة الأعلام، ولا ريب أن البحر لا يفسده ولوغ الكلاب؛ كما أن النقي لا يغيره مقل الذباب، وما مثلهم إلا كمثل الذباب الذي تحت ذنب جواد في سيره وكرِّه؛ فلا يعتريه نقص عن حاله، والله تعالى أعلم.

((عن هذا الحديث)) ؛ أي: المذكور في هذا الباب ((قال)) وفي رواية: (فقال) ((فإنما)) وفي رواية ابن عساكر والأصيلي: (وإنما) ((أردت أن النبيَّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم كان أعلى)) ؛ أي: أرفع ((من الناس)) : الذين خلفه في الصلاة؛ ((فلا)) ولابن عساكر: (ولا) ((بأس)) ؛ أي: لا حرج ولا كراهة ((أن يكون الإمام أعلى من الناس)) حال الصلاة ((بهذا الحديث)) ؛ أي: بدلالة هذا الحديث، وجوز العلوُّ بقدر درجات المنبر، وزعم بعض الشافعية لو كان الإمام على رأس منارة المسجد والمأموم في قعر بئره؛ صح الاقتداء.

قلت: وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه؛ لأنَّ الشرط تقدُّم الإمام على المأموم، سواء كان أعلى من الناس أو أسفل منهم، بشرط أن يكونوا في المسجد لا في الصحراء، كما هو مقرر في الفروع.

((قال)) أي: علي بن عبد الله المديني: ((فقلت)) ؛ أي: لأحمد ابن حنبل، وفي رواية: (قال: قلت) ؛ بدون الفاء: ((إن سفيان)) وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت: (فإن سفيان) ((بن عُيَيْنة)) ؛ بضم العين المهملة، وفتح المثناة التحتية الأولى، وسكون الثانية ((كان يُسأل)) ؛ بضم أوله على صيغة المجهول ((عن هذا)) ؛ أي: الحديث المذكور ((كثيرًا، فلم)) أي: أفلم ((تسمعه منه؟ قال: لا)) فهو متضمن للاستفهام بدليل الجواب بكلمة (لا) ، ثم إن المنفي هو جميع الحديث؛ لأنَّه صريح في ذلك،ولا يلزم من ذلك عدم سماع البعض، والدليل على ذلك: أن أحمد قد أخرج في «مسنده» عن ابن عيينة بهذا الإسناد من هذا الحديث قول سهل: (كان المنبر من أثل الغابة) فقط، كذا في «عمدة القاري».

قلت: فهذا صريح في أن أحمد لم يسمع هذا الحديث من ابن عيينة، والله أعلم.

[1] في الأصل: (الدئل) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (مراقي)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (يستحب).