المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

371-. حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْراهِيمَ، قالَ: حَدَّثَنا [1] إِسْماعِيلُ [2] ابْنُ عُلَيَّةَ، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ:

عن أَنَسٍ [3] : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنا عِنْدَها صَلاةَ الغَداةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَكِبَ أبو طَلْحَةَ، وَأَنا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَىَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زُقاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ حَسَرَ الإِزارَ عن فَخِذِهِ، حَتَّىَ إِنِّي أنْظُرُ [4] إلىَ بَياضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ، فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ». قالها ثَلاثًا، قالَ: وَخَرَجَ القَوْمُ إلىَ أَعْمالِهِمْ، فقالوا: مُحَمَّدٌ _قالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وقالَ بَعْضُ أَصْحابِنا: والْخَمِيسُ، يَعْنِي الجَيْشَ_ قالَ: فَأَصَبْناها عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ، فَجاءَ دِحْيَةُ [5] ، فقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطِنِي جارِيَةً مِنَ السَّبْيِ. قالَ [6] : «اذْهَبْ فَخُذْ جارِيَةً». فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ [7] صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، لا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ. قالَ: «ادْعُوهُ بِها». فَجاءَ بِها، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْها النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «خُذْ جارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَها». قالَ: فَأَعْتَقَها النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزَوَّجَها. فقالَ لَهُ ثابِتٌ: يا أَبا حَمْزَةَ، ما أَصْدَقَها؟ قالَ: نَفْسَها، أَعْتَقَها وَتَزَوَّجَها، حَتَّىَ إذا كان بِالطَّرِيقِ، جَهَّزَتْها لَهُ أُمُّ [/ج1ص83/] سُلَيْمٍ، فَأَهْدَتْها لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوْسًا، فقالَ: «مَنْ كان عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ». وَبَسَطَ نِطَعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ _قالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ_ قالَ: فَحاسُوا حَيْسًا، فَكانَتْ [8] وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثني».
[2] قوله: «إسماعيل» ليس في رواية ابن عساكر والأصيلي ولا في رواية [عط] .
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «بن مالك».
[4] في رواية [عط] : «لأنظر».
[5] في رواية ابن عساكر زيادة: «الكَلْبيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ».
[6] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فَقالَ».
[7] ضبطت في (ن) في هذا الموضع بكسر الدال وفتحها معًا.
[8] في رواية [عط] : «وكانت». وضبطت «وليمةُ» بالضم في (ن).





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

371- ( ثم حُسر ) بضم أوله، مبني للمفعول [1] ، بدليل رواية [/ج1ص142/] مسلم: «فانحسر»، أي: بغير اختياره لضرورة الإجراء، فحينئذٍ ففي دلالته على ما أراده نظر [2] .

( مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ ) بالرفع عطفًا على ( محمد )، وبالنصب على المفعول معه.

( عَنْوَة ) بفتح العين.

( دحْيَةَ ) بفتح الدال وكسرها.

( فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ ) بالنصب.

( حيَيٍّ ) بحاء مضمومة ومكسورة.

( قُرَيْظَةَ ) بضم أوله.

( النَّضِير ) بفتح أوله.

( النِّطَع ) بنون مكسورة وطاء مفتوحة في أفصح لغاته السبع [3] .

( فَحَاسُوا ) بحاء وسين مهملتين، والحيسُ: المتَّخذ من الأقِط والتمر والسَّمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: المضبوط في رواية ( حَسَر ) بفتحتين، ووقع في الإزار اختلاف فقيل: بالنصب على أنَّه مفعول لحسر، وقيل: بالرفع على أنَّه فاعل حسر، والأول موافق لتبويب المصنف، والثاني ادعى الإسماعيلي أنَّه الصواب.
[2] قال ابن حجر رحمه الله: بل دلالته على ذلك من جهة تقريره عليه، ولو كان كشف الفخذ لا يجوز لما أقر النبي صلى الله عليه وسلم، وأما انكشافه من غير قصد فجائز الوقوع لكن لا يقر على ذلك، فاستمرارُه دالٌّ على الجواز إلا أنَّه يطرقه احتمال الخصوصية أو التنبيه على أصل الإباحة بخلاف حديث جرهد وما معه فإن فيه إعطاء حكم كلي فكان المصير إليه أولى، ولعل هذا مراد البخاري بقوله: وحديث جرهد أحوط.
[3] صوابه: لغاته الأربع، وهي فتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، فهو من ضرب اثنين في اثنين بأربع.





371# (عُلَيَّةَ) بعين مهملة مضمومة ولام فياء [1] مشددةٍ، مصغَّر.

(ثُمَّ حَسَرَ الإزَارَ عَنْ [2] فَخِذِهِ) قال [3] الزركشي: حُسر _ بضم أوله مبني للمفعول _ بدليل رواية مسلم: ((فانحسر))؛ أي: بغير اختيارِهِ لضرورة الإجراء، وحينئذٍ ففي دَلالته على ما أراده نظرٌ.

قلت: قد يكون البخاري إنما استدلَّ بعدم تغطيتها [4] بعد الانكشاف، وأظنُّ أن ((حسر)) يَرِد مع بنائه للمعلوم بمعنى: انحسر [5] ، ويدل عليه شاهدُ النحاة المشهور:

~وَإِنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءُ تَارَةً فَيَبْدُو وَتَارَاتٍ [6] يَجمُ فَيَغْرَقُ

فحرِّرْه.

(فَقَالُوا [7] : مُحَمَّدٌ) أي: جاء محمد، أو هذا [8] .

(وَالْخَمِيسُ) بالرفع عطف [9] على ((محمد))، وبالنصب على أنه مفعولٌ معه.

قيل: وسمِّي الجيش [10] خميسًا؛ لأنه يُقسَّم خمسةَ أخماس: ميمنة، وميسرةً، وقلبًا [11] ، وجناحين. وقيل بدلهما: المقدمة، والساقة.

وقال ابن سِيْده: لأنه يخمَّسُ ما وجده. ورُدَّ بأن أهل الجاهلية كانوا يسمونه بذلك، ولا يعرفون التخميس [12] .

(خُذْ جَارِيةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا) قيل: المأخوذة هي أختُ زوج صفيَّة، وهو [13] كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق. وقيل: بنتُ عم صفية.

وفي «سيرة ابن سيد الناس»: أنه أعطاهُ ابنتي عمها.

(نِطَعًا) بكسر النون وفتحها [14] وفتح الطاء المهملة، وعليها اقتصر ثعلب في «الفصيح»، وفيه لغات أُخر.

(فَحَاسُوا حَيْسًا) بحاء وسين مهملتين، والحيس: المتَّخذ من الأَقِط والتمر والسَّمن، وقد يُجعل عِوَضَ الأقطِ الدقيقُ.

[1] في (ق): ((وياء)).
[2] ((عن)): ليست في (ق).
[3] ((قال)): ليست في (ق).
[4] في (م): ((تغطيتهما)).
[5] في (ق): ((الحسر)).
[6] في (ق): ((فيبدوا تارات)).
[7] في (ق): ((فقال)).
[8] في (د) و(ج): ((وهذا)).
[9] في (ق): ((عطفاً)).
[10] في (د): ((الخميس)).
[11] في (ق): ((وقلب)).
[12] في (ق): ((يخمسون التخمس)).
[13] في (د): ((وهي)).
[14] ((وفتحها)): ليست في (ق).س





371- قَولُهُ: (غَزَا خَيْبَرَ): قال ابن إسحاق: إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام خرج في بقيَّة المحرَّم من السَّنة السَّادسة عاريًا إلى خيبر، قال: ولم يبق من السَّنة السَّادسة من الهجرة إلَّا شهر وأيَّام، وقد تقدَّم أنَّها -يقال- في أوَّل السَّابعة، وقد قدَّمت لك مدرك الخلاف فيها، وأنَّه مبنيٌّ على أوَّل التَّاريخ، وفيه خلاف، والله أعلم.

قَولُهُ: (صَلَاةَ الغَدَاةِ): في هذا جواز تسمية [1] الصُّبح بالغداة، وكرهه بعض أصحاب الشَّافعيِّ، قال النوويُّ في «الرَّوضة» من زياداته: (والاختيار [/ج1ص154/] أنْ يقول [2] للصُّبح: الفجر أو الصُّبح، وهما أولى من الغداة، ولا تقول: الغداة مكروهة) .

قَولُهُ: (وَرَكِبَ أَبُو طَلحَةَ): هو زيد بن سهل، عمُّ أنس بن مالك، زوج أمِّه، صحابيٌّ جليل رَضِيَ اللهُ عنه، وقد روى أبو يعلى الموصليُّ: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة»، وقد تقدَّم أنَّه بدريٌّ نقيب، وأنَّه تُوفِّي سنة (34 هـ ) ، روى له الجماعة.

قَولُهُ: (ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ): (الإزارَ): مفعول، وتقدَّم أنَّ (الإزار) ما كان على أسافل البدن.

قَولُهُ: (حَتَّى إِنِّي): (إِنِّي) ؛ بكسر الهمزة.

قَولُهُ: (خَرِبَتْ خَيْبَرُ): هل كان ذلك على سبيل الخبريَّة، فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب، أو على جهة الدُّعاء عليهم، أو على جهة التَّفاؤل لمَّا رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وذلك من آلات الخَراب، والأوَّل أولى، قاله شيخنا عنِ القرطبيِّ؛ لقوله: «إنَّا إِذَا نزلنا بساحة قوم» [3] ، ويجوز أنْ يكون أخذه من اسمها.

قَولُهُ: (بِسَاحَةِ قَوْمٍ): هي النَّاحية والجهة.

قَولُهُ: (قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ): هو عَبْد العزيز المذكور في السَّند ابن صهيب.

قَولُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا): بعض أصحاب عَبْد العزيز لا أعرفه، (وقال بعض حفَّاظ العصر: هو ثابت البنانيُّ، انتهى) [4]

قَولُهُ: (وَالخَمِيسُ؛ يَعْنِي: الجَيْشَ): هو برفع (الخميس) عطفًا على (محمَّدٌ) ، ونصبه على أنَّه مفعول معه، وسُمِّي الجيش خميسًا؛ لأنَّه يقسم خمسة [5] أخماس؛ القلب، والميمنة، والميسرة، والجناحان، وقيل: المقدِّمة والسَّاقة، وقيل: لأنَّه يخمس ما وجده، وضُعِّف بأنَّ هذا الاسم كان معروفًا في الجاهليَّة، ولم يكن لهم تخميس.

قَولُهُ: (عَنْوَةً): بفتح العين، وإسكان النُّون؛ أي: قهرًا.

قَولُهُ: (فَجُمِعَ السَّبْيُ): (جُمِع): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (السَّبيُ): مرفوع قائم مقام الفاعل.

قَولُهُ: (فَجَاءَ دِحْيَةُ): هو ابن خليفة؛ بفتح الدَّال وكسرها، وجدُّه اسمه فروة بن فَضالة الكلبيُّ، صحابيٌّ مشهور، شهد أحُدًا، ويُضرَب بحسنه المثل، عنه: عَبْد الله بن شدَّاد والشَّعبيُّ، سكن المِزَّة، روى له أبو داود، بقي إلى خلافة معاوية، وقد تقدَّم، وتقدَّم ما الدِّحيةُ بلغة اليمن.

قَولُهُ: (فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ [6] ): كان اسم صفيَّة قبل الاصطفاء: زينب، فسُمِّيت: صفيَّة، والصحيح: أنَّ هذا كان اسمها قبل ذلك، و (حيَيٍّ) ؛ بضمِّ الحاء المهملة وكسرها، وفتح الياء المثنَّاة تحت، ثُمَّ مثنَّاة أخرى مشدَّدة، ترجمة [7] صفيَّة معروفة، وكيف لا وهي أمُّ المؤمنين وبنت هارون أخي موسى؟ أخرج لها الجماعة، وأبوها قُتِل صبرًا على كفره مع بني قريظة، تُوفِّيت سنة (50 هـ ) .

قَولُهُ: (فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...) ؛ الحديث [8] : هذا الرَّجل لا أعرفه.

قَولُهُ: (قَالَ: خُذْ جَارِيَةً مِن السَّبْيِ غَيْرَهَا): رأيت بخطِّ بعض الفضلاء ما لفظه: نقل الشَّافعيُّ في «سير الأوزاعيِّ»: أنَّ [9] المأخوذة بدلَها هي أخت زوج [10] صفيَّة، وهو كنانة بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيق، وذكر ابن لَهيعة عنِ الأسود عن عروة: أنَّها بنت عمِّ صفيَّة، وفي «سيرة ابن سيِّد النَّاس»: أنَّه أعطاه بنتي عمِّها، انتهى، وقد رأيت ما نقله عنِ ابن سيِّد النَّاس في «سيرته»، (وفي «صحيح مُسْلِم»: أنَّه اشتراها عليه الصَّلاة والسَّلام بسبعة أرؤس) [11] .

قَولُهُ: (فَأَعْتَقَهَا النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزَوَّجَهَا...) إلى آخره: فيه استحباب عتق السَّيدُ أمته، وقد صحَّ أنَّ له آخرين من حديث أبي موسى، وقد أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد، والحسن، وابن المُسَيّب، ولا يجب لها مهر غيره، وتبعهم أبو محمَّد ابن حزم، فقال: هو سنَّة فاضلة، ونكاح صحيح، وصَداق صحيح، فإنْ طلَّقها قبل الدُّخول؛ فهي حرَّة، ولا يرجع عليها بشيء، ولو أبت أنَّ تزوَّجه؛ بطل عتقها، وفي هذا خلاف متأخِّر، والمسألة طويلة، وقد جعل ذلك الشَّافعيَّة خصوصًا به عليه الصَّلاة والسَّلام، وذكروه في الخصائص، وقد نقل [12] التِّرمذيُّ في «جامعه» [13] عنِ الشَّافعيِّ القول به؛ كأحمد والحسن، وهذا غريب عنِ المذهب، فإن شئت أنَّ تحيط بأطراف المسألة؛ فانظرها من كتب الفروع، والله أعلم.

قَولُهُ: (يَا أَبَا حَمْزَةَ): هي كنية أنس بن مالك رَضِيَ اللهُ عنه، كنَّاه بها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد رآه يجتني بقلة، فقال له: «يا أبا حمزة»، والحمزة: البقلة.

قَولُهُ: (جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ): تقدَّم أنَّها بضمِّ السِّين، وفتح اللَّام، وتقدَّم الاختلاف في اسمها، هل هي سهلة، أو رميلة، أو مليكة، أو غير ذلك مُطوَّلًا؛ فانظره في (العلم) ، وتقدَّم بعض ترجمتها رَضِيَ اللهُ عنها.

قَولُهُ: (فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِن اللَّيْلِ): كذا هو في أصلنا، وقد رأيت عنِ الصَّغَّانيِّ أبي الحسن اللُّغويِّ: الصَّواب: (فهدتها له) ؛ بلا ألف، من الهِدَاء، والمرأة: مَهديَّةٌ وهَدِيٌّ، وفي النُّسخ: (فأهدتها) ؛ بالألف، انتهى، وقد راجعت كلام الجوهريِّ؛ فرأيته قال: (والهِداء: مصدر قولك: هَدَيتُ المرأة إلى زوجها هِداء، وقد هُدِيت إليه) ، ثُمَّ أنشد بيتًا، ثُمَّ قال: (وهي مَهديَّة وهَديٌّ أيضًا على «فعيل») انتهى، وقال ابن قُرقُول: (ويقال من الهدي: هديت الهدي، وهديت المرأة إلى زوجها، وقيل: أهديت...) إلى آخر كلامه، وفي «المجمل» نحو كلام «الصِّحاح»، ولفظه: (الهديُّ: العروس، تقول: هديتها إلى بعلها هِداء، وقد هُدِيت إليه) انتهى، فما في الأصل جاء على لغة؛ هي في كلام صاحب «المطالع»، لا أنَّها خطأٌ، والله أعلم.

قَولُهُ: (عَرُوسًا): العروس: نعت يستوي فيه [14] المؤنَّث والمذكَّر ما داما في إعراسهما، يقال: رجل عروس في رجال عُرُس، وامرأةٌ عروس في نساء عرائسَ.

قَولُهُ: (وَبَسَطَ نِطَعًا): في النَّطع لغاتٌ أربعٌ: نَطْع، ونَطَع، ونِطع، ونِطَع، أفصحها آخرها.

قَولُهُ: (السَّوِيقَ): تقدَّم ما هو، وتقدَّمت اللُّغتان فيه، وهو قمح أو شعير يُقلى، ثُمَّ يُطحَن فيُتزوَّد به ويُستفُّ تارة بماء يُثرَّى به، أو بسمن، أو بعسل وسمن، قال ابن دريد: (وبنو العنبر يقولونه بالصَّاد) .

قَولُهُ: (فَحَاسُوا حَيْسًا): الحَيْس؛ بفتح الحاء، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ سين، مهملتين؛ وهو خَلط الأَقِط بالتَّمْر وَالسَّمْن، وقال بعضهم: ربَّما جعلوا فيه خميرًا، وقال ابن وضَّاح: هو التَّمر يُنزَع نواه، ويُخلَط بالسَّويق، والأوَّل أعرف.

قَولُهُ: (فَكَانَتْ [15] وَلِيمَةَ): هي منصوبة، الخبر، والاسم ضمير فيها. [/ج1ص155/]

[1] زيد في (ج): (صلاة) .
[2] (أن يقول): سقطت من (ج) .
[3] زيد في النسخ: (الآية) ، ولعل الصواب حذفها.
[4] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[5] في النسخ: (خمس) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في هامش (ق): (فائد: ماتت صفية سنة خمسين وورثت مئة ألف درهم، بقيمة أرض وأعراض، أوصت لابن أختها بالثلث، وكان يهوديًّا، ولمَّا تزوجها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم تكن بلغت سبع عشرة سنة وكانت جميلة) .
[7] في (ب): (وترجمة) .
[8] (الحديث): ليس في (ج) .
[9] (أنَّ): ليس في (ج) .
[10] في (ج): (هي زوج أخت) .
[11] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[12] في (ب): (ذكر) .
[13] (في «جامعه»): ليس في (ج) .
[14] (فيه): سقطت من (ج) .
[15] في (ب): (وكانت) ، وهي رواية (عط) ، ينظر هامش اليونينية.





371- (حَسَرَ الْإِزَارَ): (الْإِزَارَ) مفعولٌ، وقال الزَّركشيُّ: («حُسِرَ»؛ بضمِّ أوَّلِهِ مبنيٌّ للمفعولِ؛ بدليلِ روايةِ مسلمٍ: «فَانْحَسَرَ» ).

(حَتَّى إِنِّي): بكسرِ الهمزةِ، ويختصُّ الكسرُ بالابتدائيَّةِ؛ نحو: «مَرِضَ حتَّى إِنَّهم لا يرجونه»، والفتحُ بالجارَّةِ والعاطفةِ؛ نحو: «عرفتُ أُمورَكَ حتَّى أَنَّكَ فاضلٌ»، فيقدَّرُ بالمصدرِ؛ ففي العطفِ: حتَّى فضلَكَ؛ بالنَّصبِ، وفي الجرِّ: حتَّى فضلِكَ؛ بالجرِّ.

(مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيس): بالرَّفع عطفًا على (مُحَمَّدٌ)، وبالنَّصب عطفًا على المفعولِ معه.

(نَفْسَهَا): بالنَّصبِ [1] .

(وَلِيْمَةَ): بالنَّصبِ خبرٌ، واسمُ (كَانَتْ) ضميرُ المذكوراتِ الثَّلاثِ الَّتي اتُّخِذَ منها الحَيسُ، أو أُنِّثَ باعتبارِ الخبرِ؛ كما ذُكِّرَ باعتبارِه في قولِه: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 78] .

[1] أي: أصدقها نفسَها، على حذف الفعل لظهوره.





371- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المُهمَلة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، مُصغَّرًا [1] ، وللأَصيليِّ: ((حدَّثني ابن عُلَيَّة))، وأبوه اسمه إبراهيم بن سهمٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المُهمَلة، البنانيُّ البصريُّ الأعمى (عَنْ أَنَسٍ)، وللأَصيليِّ: ((عن أنس بن مالكٍ)): (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ) وهي [2] على ثمانية بُرْدٍ من المدينة، وكانت في جمادى الأولى سنة سبعٍ من الهجرة (فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا) خارجًا عنها (صَلَاةَ الْغَدَاةِ)؛ أي: الصُّبح (بِغَلَسٍ) بفتح الغين واللَّام: ظلمة آخر اللَّيل، (فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على حمارٍ مخطومٍ برسن ليفٍ، وتحته أُكافٌ من ليفٍ، رواه البيهقيُّ والتِّرمذيُّ وضعَّفه، (وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو أربعٍ وثلاثين بالمدينة أو بالشَّام، أو في البحر (وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ؛ أي: قال أنسٌ: وأنا رديف أبي طلحة، (فَأَجْرَى) من الإجراء (نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مركوبه (فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ) بضمِّ الزَّاي وبالقافين؛ أي: سكَّة خيبر، (وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ) الشَّريف عند سوق مركوبه؛ ليتمكَّن من ذلك، (حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في «الفرع» [3] : ((لأنظر))؛ بزيادة لام التَّأكيد، و«حَسَر»: بفتح الحاء والسِّين المُهمَلتين، كما في «الفرع» وغيره؛ أي: كشف الإزار، وصوَّب ابن حجرٍ هذا الضَّبط مستدلًّا بالتَّعليق السَّابق، وهو قوله: قال أنسٌ: حسر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال الزَّركشيُّ: «حُسِر»؛ بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، بدليل رواية مسلمٍ: «فانحسر»؛ أي: بغير اختياره؛ لضرورة الإجراء، وحينئذٍ [4] فلا دلالة فيه [5] على كون الفخذ ليس بعورةٍ، وتعقَّبه في «فتح الباري»: بأنَّه لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم ألَّا يقع عند البخاريِّ على خلافه، وأُجيب: بأنَّ اللَّائق بحاله عليه الصَّلاة والسَّلام ألَّا يُنسَب إليه كشف فخذه قصدًا، مع ثبوت قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «الفخذ عورةٌ»، ولعلَّ أنسًا لمَّا رأى فخذه عليه الصَّلاة والسَّلام مكشوفًا، وكان عليه الصَّلاة والسَّلام سببًا في ذلك بالإجراء؛ أسند الفعل إليه، وقد مرَّ قول المؤلِّف: وحديث أنسٍ أسند، وحديث جرهدٍ أحوط، فافهم.

(فَلَمَّا دَخَلَ) عليه الصَّلاة والسَّلام (الْقَرْيَةَ)؛ أي: خيبر، وهو يشعر بأنَّ الزُّقاق كان خارج القرية (قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ)؛ أي: صارت خرابًا، قاله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على سبيل الإخبار، فيكون من الإنباء بالمغيبات، أو على جهة [6] الدُّعاء عليهم؛ أي: التَّفاؤل؛ لمَّا رآهم خرجوا بمسَاحيهم ومَكاتلهم الَّتي هي من آلات الهدم (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ؛ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) بفتح الذَّال [7] المُعجمَة (قَالَهَا) عليه الصَّلاة والسَّلام (ثَلَاثًا، قَالَ) أنسٌ: (وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى) مواضع (أَعْمَالِهِمْ) كذا قدَّره البرماويُّ كالكرمانيِّ، لكن قال العينيُّ: بل معناه: خرج القوم لأعمالهم الَّتي كانوا يعملونها [8] ، وكلمة «إِلَى» بمعنى: اللَّام (فَقَالُوا): هذا (مُحَمَّدٌ) أو جاء محمَّدٌ، (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهَيْبٍ الرَّاوي: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) هو محمَّد بن سيرين؛ كما عند المؤلِّف من طريقه، أو ثابتٌ البنانيُّ؛ كما أخرجه مسلمٌ من طريقه، أو غيرهما: (وَالْخَمِيسُ) بالرَّفع عطفًا على «محمَّدٌ»، أو بالنَّصب على أنَّ الواو بمعنى: «مع»، قال عبد العزيز أو من دونه: (يَعْنِي: الْجَيْشَ) وأشار بهذا إلى أنَّه لم يسمع: «والخميس» من أنسٍ، بل من [/ج1ص399/] بعض [9] أصحابه عنه، والحاصل أنَّ عبد العزيز قال: سمعت من أنس: قالوا: جاء محمَّدٌ فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا: محمَّدٌ والخميس، والتَّفسير مُدرَجٌ، وسُمِّي بالخميس؛ لأنَّه خمسة أقسامٍ: مقدِّمةٌ وساقةٌ وقلبٌ وجناحان، (قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا)؛ أي: خيبر (عَنْوَةً) بفتح العين وسكون النُّون؛ أي: قهرًا في عنفٍ، أو صلحًا في رفقٍ، ضِدٌّ، ومن ثمَّ اختُلِف هل كانت صلحًا أو عنوةً أو إجلاءً، وصحَّح المنذريُّ: أنَّ بعضها أُخِذ [10] صلحًا، وبعضَها عنوةً، وبعضَها إجلاءً، وبهذا يندفع التَّضادُّ [11] بين الآثار، (فَجُمِعَ السَّبْيُ) بضمِّ الجيم مبنيًّا للمفعول (فَجَاءَ دِحْيَةُ) بكسر الدَّال وفتحها، ولابن عساكر: ((دحية الكلبيُّ)) (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ. قَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((فقال)): (اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً) منه، فذهب، (فَأَخَذَ صَفِيَّةَ) بفتح الصَّاد المُهمَلة، قِيلَ: وكان اسمها زينب (بِنْتَ حُيَيٍّ) بضمِّ الحاء المُهمَلة [12] وكسرها وفتح المُثنَّاة الأولى مُخفَّفَةً، وتشديد الثَّانية، ابن أخطب من بنات هارون عليه السَّلام، المُتوفَّاة سنة ستٍّ وثلاثين، أو ستٍّ وخمسين، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، قُتِل عنها بخيبر، وإنَّما أذن صلَّى الله عليه وسلَّم لدحية في أخذ الجارية قبل القسمة؛ لأنَّ له عليه الصَّلاة والسَّلام صفيَّ المغنم يعطيه لَمن يشاء، أو تنفيلًا له من أصل الغنيمة [13] ، أو من خمس الخمس بعد أن تميَّز، أو قبل على أن يحسب منه إذا تميَّز، أو أذن [14] له في أخذها؛ لتُقوَّم عليه بعد ذلك وتُحسَب من سهمه، (فَجَاءَ رَجُلٌ) لم أعرف اسمه (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ) بضمِّ القاف وفتح الرَّاء والظَّاء المُعجَمة، (وَالنَّضِيرِ) بفتح النُّون وكسر الضَّاد المُعجمَة السَّاقطة: قبيلتان من يهود خيبر (لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ)؛ لأنَّها من بيت النُّبوَّة من ولد هارون عليه السَّلام، والرِّياسة؛ لأنَّها من بيت سيِّد [15] قريظة والنَّضير، مع الجمال العظيم، والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكمل الخَلْق في هذه الأوصاف، بل في سائر الأخلاق الحميدة، (قَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام: (ادْعُوهُ)؛ أي: دحية (بِهَا)؛ أي: بصفيَّة، فدعَوه، (فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ) له: (خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا) وارتجعها منه؛ لأنَّه إنَّما كان أذن له في جاريةٍ من حشو السَّبي لا من أفضلهنَّ، فلمَّا رآه أخذ أَنْفَسَهُنَّ نسبًا وشرفًا وجمالًا؛ استرجعها؛ لئلَّا يتميَّز دحية بها على سائر الجيش، مع أنَّ فيهم مَن هو [16] أفضل منه، وأيضًا: لِمَا فيه من انتهاكها [17] مع علوِّ مرتبتها، وربَّما ترتَّب على ذلك شقاقٌ أو غيره ممَّا لا يخفى، فكان [18] اصطفاؤه لها؛ قاطعًا لهذه المفاسد، وفي «فتح الباري» نقلًا عن الشَّافعيِّ في «الأُمِّ» عن «سيرة الواقديِّ»: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أعطى دحية أُخت كنانة بن الرَّبيع بن أبي الحقيق زوج صفيَّة؛ أي: تطييبًا [19] لخاطره، وفي «سيرة ابن سيِّد النَّاس»: أنَّه أعطاه ابنتي عمِّ صفيَّة، (قَالَ: فَأَعْتَقَهَا)؛ أي: صفيَّةَ (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ) البنانيُّ: (يَا أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء المُهملَة والزَّاي، كنية أنسٍ (مَا أَصْدَقَهَا) عليه الصَّلاة والسَّلام؟ (قَالَ) أنسٌ: أصدقها (نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا) بلا عوضٍ (وَتَزَوَّجَهَا) بلا مهرٍ، أو أعتقها وشرط أن ينكحها، فلزمها الوفاء، أو جعل نفس العتق صَدَاقًا، وكلُّها من خصائصه [20] ، وأخذ الإمام أحمد والحسن وابن المُسيَّب وغيرهم بظاهره، فجوَّزوا ذلك لغيره أيضًا (حَتَّى إِذَا كَانَ) عليه الصَّلاة والسَّلام (بِالطَّرِيقِ) في سدِّ الرَّوحاء على نحو أربعين ميلًا من المدينة أو نحوها (جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين، وهي أُمُّ أنسٍ (فَأَهْدَتْهَا)؛ أي: زفَّتها (لَهُ) عليه الصَّلاة والسَّلام (مِنَ اللَّيْلِ)، قال البرماويُّ كالكرمانيِّ: وفي بعضها _أي: النُّسخ أو الرِّوايات_: ((فهدتها))؛ أي: بغير همزٍ، وصُوِّب [21] ؛ لقول الجوهريِّ: الهِدَاء مصدر هديتُ أنا المرأة إلى زوجها، (فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ [22] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا) على وزن «فَعُول»، يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث ما داما في إعراسهما، وجمعه: عُرُسٌ، وجمعها: عرائسُ (فَقَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام: (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ؛ فَلْيَجِئْ بِهِ، وَبَسَطَ) بفتحات (نِطَعًا) بكسر النُّون وفتح الطَّاء المُهمَلة، وعليها اقتصر ثعلبٌ في «فصيحه»، وكذا في «الفرع» وغيره من الأصول، ويجوز: فتح النُّون وسكون الطَّاء، وفتحهما، وكسر النُّون وسكون الطَّاء، وقال الزَّركشيُّ: فيه سبع لغاتٍ، وجمعه: [/ج1ص400/] أنطاعٌ ونطوعٌ (فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ _ قَالَ) عبد العزيز بن صُهَيْبٍ: (وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: أنسًا (قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ_) نعم؛ في رواية عبد الوارث: الجزم بذكر السَّويق (قَالَ: فَحَاسُوا) بمُهمَلتين؛ أي: خلطوا أو [23] اتَّخذوا (حَيْسًا) بفتح الحاء والسِّين المُهمَلتين، بينهما مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ؛ وهو الطَّعام المُتَّخَذ من التَّمر والأَقِط والسَّمن، وربَّما [24] عوَّض بالدَّقيق عن الأَقِط، (فَكَانَتْ)؛ بالفاء، وفي روايةٍ: ((وكانت [25] ))؛ أي: الثَّلاثة المصنوعة حَيْسًا (وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ أي: طعام عرسه؛ من الولم [26] ؛ وهو الجمع، سُمِّي به؛ لاجتماع الزَّوجين. واستُنبِط منه [27] : مشروعيَّة مطلوبيَّة الوليمة للعرس، وأنَّها بعد الدُّخول، وجوَّز النَّوويُّ كونها قبله أيضًا، وأنَّ السُّنَّة تحصل بغير اللَّحم، ومساعدة الأصحاب بطعامٍ من عندهم.

ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦5085] و«المغازي» [خ¦4200] ، وأبو داود في «الخراج»، والنَّسائيُّ في «النِّكاح» و«الوليمة»، والله الموفِّق [28] .

[1] في(ص) و(م): «مُصغَّرٌ».
[2] «وهي»: مثبتٌ من (م).
[3] «في الفرع»: ليس في (م).
[4] «وحينئذٍ»: ليس في (د).
[5] «فيه»: ليس في (د) و(ص)، وفي (م): «له».
[6] في (د): «سبيل».
[7] «الذَّال»: ليس في (د).
[8] في (د): «لأنَّهم كانوا يعملون».
[9] «بعض»: ليس في (د).
[10] في (د) و(م): «كان»، وسقط من (ص).
[11] في (م): «القضاء».
[12] «المهملة»: ليس في (د).
[13] في (م): «القسمة».
[14] في (م): «ميَّز وأذن».
[15] في (ص) و(م): «سيِّدة».
[16] «من هو»: ليس في (د).
[17] في (د): «ابتذالها».
[18] في غير (ب) و(س): «وكان».
[19] في (د): «تطمينًا».
[20] في (ص): «خصائصها».
[21] في غير (ص) و(م): «وصُوِّبت».
[22] في (د): «رسول الله»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.
[23] في (م): «و».
[24] في (م): «وإنَّما»
[25] في (ب) و(د) و(ص): «فكانوا»، وليس بصحيحٍ.
[26] في (م): «أَوْلَم».
[27] «منه»: ليس في (د).
[28] «والله الموفِّق»: مثبتٌ من (م).





371- ( فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ): أي: مركوبه.

( ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ ): بالبناء للفاعل، ولمسلم: «فانحسر»، وللإسماعيليِّ: «إذ خرَّ».

( حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ ): للكُشْمِيهنيِّ: «لأنظر».

( قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ) أي: أنَّه لم يسمع من أنس هذه اللَّفظة؛ بل سمعها من بعض أصحابه عنه.

( يَعْنِي الْجَيْشَ ): تفسير من عبد العزيز، أو من دونه، وسُمِّي الجيش خميسًا؛ لأنَّه خمسة أقسام: مقدِّمة، وساق، وقلب، وجناحان.

( عَنْوَةً ): بفتح المهملة، أي: قهرًا.

( خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا ): في «الأمِّ» عن سير الواقديِّ: «أنَّه أعطاه بدلها [أختَ كنانَة بن الرَّبيع زوج صفيَّة] [1] »، وفي مسلم: «أنَّه أعطاه بدلها سبعة أَرْؤُس».

( فَأَهْدَتْهَا ): زفَّتها.

( فَحَاسُوا ): بمهملتين، أي: خلطوا، والحَيس _ بفتح أوله _: خليط [السَّمن] [2] والأقط. [/ج2ص470/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (أخت زوج صفية كنانة بن الربيع)
[2] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (الشمس) والمثبت من غيرها





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

371# قوله: (حَتَّى إنِّي لَأَنْظُر [1] إِلَى بَيَاضِ فَخِذِيه [2] ): دلالة [على أنَّه] يجوز في الزَّحمة ومعترك الرِّجال.

قوله: (بمساحيهم ومكاتلهم): وذلك [3] من آلات الخراب، وسمِّي الجيش خميسًا [4] ؛ لأنَّه يُقسَّم خمسة أخماس؛ القلب، والميمنة، والميسرة، والجناحين، والمقدِّمة، والسَّاقة، وقيل: لتخميس الغنائم، والصَّحيح في أرض خيبر كانت عنوة، مغلوب عليها.

و(صَفِيَّة): قيل: كان اسمها قبل السَّبي زينب، والدها حيي، فلمَّا أخذها دحية وقيل له: إنَّها من بيت النُّبوَّة، فإنَّها من ولد هارون أجود السَّبي نسبًا وشرفًا؛ استرجعها؛ لئلَّا يتميَّز دحية بها، عوَّضه عنها بسبعة أرؤس؛ تطيبًا لقلبه، فأعتقها وتزوَّجها.

قوله: (سدَّ الرَّوحاء): جبل على نحو أربعين ميلًا من المدينة.

قوله: (جَهَّزَتْهَا [لَهُ] أُمُّ سُلَيْمٍ): [وفي رواية] : (تُصَنِّعُها وتُهَيِّئُها): [تزيينها] على جاري عادة العروس.

و(الوَلِيْمَة): المشهور عندنا أنَّها سنَّة، وقيل: واجبة، ويستحب لأصحاب الزَّوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم

و(الحَيْس): طعام متَّخذ من التَّمر والأقط والسَّمن.

[1] كذا في رواية عظ، وعزاها في «الفتح» للكشميهني.
[2] في «اليونينيَّة»: (فخذ النبي)، وفي (أ): فخذه.
[3] في (أ): (وذاك).
[4] في (أ): (خمسًا).





371- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا يعقوب بن إبراهيم)) : هو ابن كثير الدورقي العبدي الكوفي، فإن أصل الدورقي من الكوفة، وليس هو من بلد دورق، وإنما سمي به؛ لأنَّه كان يلبس قلنسوة دورقية، فنسب إليها ((قال: حدثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة)) ؛ بضم العين المهملة، وفتح اللام، وتشديد المثناة التحتية، نسبه إلى أمه؛ لشهرته بها، فإن اسم أبيه إبراهيم بن سهم بن مقسم البصري، أبو بشر الأسدي؛ أسد خزيمة، الكوفي الأصل، المتوفى ببغداد سنة ثلاث وتسعين ومئة ((قال: حدثنا عبد العزيز بن صُهَيْب)) ؛ بضم الصاد المهملة، وفتح الهاء، وسكون التحتية، آخره موحدة: هو البُناني؛ بضم الموحدة، وبالنون نسبة إلى بنانة؛ بطن من قريش، التابعي هو وأبوه البصري الأعمى، ((عن أنس)) زاد الأصيلي: (ابن مالك) : هو الأنصاري: ((أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غزا خيبر)) ؛ يعني: غزا بلدة تسمى خيبر؛ فسميت به، والمراد أهلها من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه؛ وهي بلدة عنزة من جهة الشمال أو الشرق من المدينة، على ست مراحل من المدينة، و (خيبر) : غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، ولها نخيل كثير، وكانت في صدر الإسلام دارًا لبني قريظة وبني النضير، وكانت غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة في جمادى الأولى، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق: (أقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، وخرج في بقيته غازيًا إلى خيبر، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام) ، كذا في «عمدة القاري».

((فصلينا عندها)) أي: بفنائها خارجًا عنها ((صلاة الغداة)) : وهي الصبح ((بغَلَس)) ؛ بفتح الغين المعجمة واللام: وهو ظلمة آخر الليل، إنَّما فعل هكذا مع أن الإسفار في صلاة الصبح أفضل وأعظم للأجر، إما للتوسعة على أمته، وإما لكونه داخلًا على الأعداء الكفرة لقتالهم، فخشي إن أسفر أن يرَوه فيتأهبوا للقتال فيفوت المقصود، فأسرع بالصلاة في الغلس حتى يتفرغ هو وأصحابه للقتال مع المحافظة للطهارة وأداء الصلاة؛ لأنَّه ربما يشتغل بالقتال فتفوت الصلاة عن وقتها كما وقع له عليه السَّلام في حفر الخندق، فلا دليل فيه على أن الأفضل التغليس، بل الأفضل الإسفار للأحاديث الصحاح الدالة على أن عادته عليه السَّلام الإسفار بالفجر، بل فيها بلفظ الأمر وهو «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر»، والأمر للوجوب، ولما وجد الصارف عن الوجوب؛ بقي الاستحباب وهو الصواب، وفيه جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح خلافًا لمن زعم من الشافعية أنه مكروه؛ فليحفظ.

((فركب نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: ركب مركوبه، وعن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف، وتحته إكاف من ليف) ، رواه البيهقي والترمذي، وقال: وهو ضعيف.

وقال ابن كثير: والذي ثبت في «الصحيح» عند البخاري عن أنس: (أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أجرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه) ، فالظاهر أنه كان يومئذٍ على فرس لا على حمار، ولعل هذا الحديث إن كان صحيحًا؛ فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها، كذا في «عمدة القاري».

قلت: ويدل على أنه عليه السَّلام ركب يوم خيبر فرسًا قوله: ((وركب أبو طلحة)) : هو زيد بن سهل الأنصاري، شهد العقبة والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء، وكان أنس ربيبه، مات سنة اثنتين [1] أو أربع وثلاثين بالمدينة أو بالشام أو في البحر، والظاهر أنه ركب على فرس يدل عليه.

قوله: ((وأنا رديف أبي طلحة)) ؛ أي: قال أنس: وأنا رديف أبي طلحة، والجملة اسمية وقعت حالًا، فإن الذي يردف عليه في الغالب الفرس لا الحمار؛ لأنَّه لا قوة له على حمل اثنين، بخلاف الفرس؛ فإنه يحمل اثنين أو ثلاثًا، لا سيما والوقت وقت غزاة فلا يركب في الغزاة إلا الفرس، فهذا يدل على أنه عليه السَّلام وكذا أبو طلحة كانا راكبين في غزوة خيبر كل منهما على فرس، وما رواه البيهقي إن صح؛ فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها، كما سبق قريبًا؛ فليحفظ.

((فأجرى)) : على وزن (أفعل) من الإجراء وفاعله ((نبيُّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) والمفعول محذوف؛ تقديره: أجرى مركوبه ((في زُقاق خيبر)) ؛ بضم الزاي، وبالقافين: وهي السكة، يذكر ويؤنث، والجمع: أزقة وزُقَّان؛ بضم الزاي، وتشديد القاف، وبالنون.

وقال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الطريق، والصراط، والسبيل، والسوق، والزقاق، وبنو تميم يذكرون هذا كله، والجمع: الزقان والأزقة؛ مثل: حُوَار، وحوران، وأحورة، كذا في «عمدة القاري».

((وإن ركبتي)) بالإفراد؛ أي: قال أنس: وإن ركبتي ((لتمس)) بفتح اللام ((فخذ نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) : حيث كان كل من النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ومن أبي طلحة راكبًا [2] على فرس؛ لأنَّه لو كان النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم راكبًا على حمار؛ لما مس فخذه ركبة أنس؛ للفرق بين العلو والسفل، لا يقال: إنَّهما كانا على حمار؛ لأنَّا نقول: هذا ممنوع؛ لقوله: (وأنا رديف أبي طلحة) ، والإرداف لا يكون إلا على الفرس، ولا تخالف في تعبيره بالركبة والفخذ؛ لأنَّ مراده المشاكلة والأدب؛ حيث إن الفخذ أعلى من الركبة، فقصد الأدب في التشريف بفخذه عليه السَّلام على أن مس [/ص473/] الفخذ منه لفخذه عليه السَّلام لا يمكن كما يشاهد في حال الراكبين، ولو كان النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم على حمار؛ لما أمكن مس ركبة أنس فخذه عليه السَّلام؛ لأنَّ الفرس أعلى من الحمار، فتعين أنه عليه السَّلام كان يوم خيبر راكبًا [3] على فرس، وأن أبا طلحة كذلك؛ فليحفظ.

((ثم حُسِر)) ؛ بضم الحاء، وكسر السين المهملتين على صيغة المجهول؛ أي: كشف ((الإزار)) بالرفع نائب فاعل ((عن فخذه)) متعلق بقوله: (حسر) ، وذلك بسبب قوة جريه عليه السَّلام، أو بسبب كثرة الزحام، أو بسبب الريح، أو غير ذلك.

وزعم الكرماني أن في بعض الروايات: (على فخذه) ؛ أي: الإزار الكائن على فخذه، فلا يتعلق بـ (حسر) ، إلا أن يقال: حروف الجر يقام بعضها مقام الآخر، قال إمام الشَّارحين: إن صحت الرواية هذه؛ يكون متعلق (على) محذوفًا كما قاله؛ لأنَّه حينئذ لا يجوز أن يتعلق (على) بقوله: (حسر) ؛ لفساد المعنى، ويجوز أن تكون (على) بمعنى (من) ، كما في قوله تعالى: {إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} [المطففين: 2] ؛ أي: من الناس؛ لأنَّ (على) تأتي لتسعة معان [4] ؛ منها: أن تكون بمعنى (من) ، انتهى.

((حتى إني أنظر)) : وفي رواية الكشميهني: (حتى إني لأنظر) ؛ بزيادة لام التأكيد ((إلى بياض فخذ نبيِّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) : وقد علمت أن لفظة (حُسِر) بالبناء للمجهول، وهو ثابت في أكثر الروايات، واعتمده إمام الشَّارحين قال: والدليل على صحة هذا ما وقع في رواية أحمد في «مسنده» من رواية إسماعيل ابن علية: (فانحسر) ، وكذا وقع في رواية مسلم، وكذا رواه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري في هذا الموضع، وروى الإسماعيلي هذا الحديث عن القاسم بن زكريا، عن يعقوب بن إبراهيم، ولفظه: (وأجرى نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم في زقاق خيبر؛ إذ خر الإزار) ، قال: ولا شك أن الخرور هنا بمعنى: الوقوع، فيكون لازمًا، وكذلك الانحسار في رواية مسلم، وهذا هو الأصوب؛ لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكشف إزاره عن فخذه قصدًا، وإنما انكشف عن فخذه؛ لأجل الزحام، أو كان ذلك من قوة إجرائه صلَّى الله عليه وسلَّم، انتهى.

وفي رواية «الفرع»: (حَسر) ؛ بفتح الحاء والسين المهملتين مبنيًّا للفاعل؛ أي: كشف الإزار، وزعم ابن حجر أنَّ هذا المعنى هو الصواب [5] ؛ لقول أنس في أول الباب: (حسر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن فخذه) ، ولا يلزم من وقوعه، كذلك في رواية مسلم ألَّا يقع عند البخاري على خلافه، انتهى.

ورده إمام الشَّارحين فقال: اللائق بحاله الكريمة صلَّى الله عليه وسلَّم ألَّا يثبت إليه كشف فخذه قصدًا مع ثبوت قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الفخذ عورة» على ما تقدم.

وقوله: (لا يلزم من وقوعه...) إلى آخره: منع هذه الملازمة ممنوعة، ولئن سلمنا؛ فيحتمل أن أنسًا رضي الله عنه لما رأى فخذه عليه السَّلام مكشوفًا؛ ظن أنه عليه السَّلام كشفه، فأسند الفعل إليه، وفي نفس الأمر لم يكن ذلك إلا من أجل الزحام أو من قوة الجري على ما ذكرنا، انتهى.

قلت: على أن (حَسر) بالبناء للفاعل غير ظاهر الثبوت في الرواية، وإنما هو ظن وتخمين من ابن حجر أنه الصواب وليس بصواب كما ظن، فإن استدلاله بقول أنس أول الباب فاسد؛ لأنَّ البخاري علقه بذكر هذه القطعة من هذا الحديث، وذكره بالمعنى لا باللفظ، وأراد به الإشارة إلى أن الفخذ عورة أم لا؟ على أنه يحتمل معناه: حسر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن فخذه؛ أي: الإزار بسبب أنه تعلق مع غيره من الركاب، فأراد تخليصه من فرس الراكب، فانحسر عن فخذه بغير قصد منه، ويحتمل غير ذلك، فلا دلالة في ذلك على ما ادعاه.

وقوله: (لا يلزم من وقوعه، كذلك في رواية مسلم...) إلى آخره: ممنوع، فإن الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، لا سيما في حديث واحد وقصة واحدة، فإنه قد روي أيضًا هكذا عند أحمد في «مسنده»، وكذا رواه الطبري والإسماعيلي هكذا في هذا الحديث، فمنع الملازمة ممنوع، كما لا يخفى، وعليه؛ فيتعين أن يكون أنس رأى فخذه عليه السَّلام مكشوفًا، فظن أنه عليه السَّلام كشفه، فأسند الفعل إليه، والحال أنه لم يكن كذلك؛ بل من أجل الزحام، أو تعلقه بالغير من الركاب، أو غير ذلك، وهذا هو الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب.

((فلما دخل)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه ((القرية)) ؛ أي: خيبر، وهذا مشعر بأن ذلك الزقاق كان خارج القرية، كذا في «عمدة القاري» ((قال)) عليه السَّلام: ((الله أكبر خربت خيبر)) ؛ أي: صارت خرابًا، وهل كان ذلك على سبيل الخبرية؟ فيكون من باب الإخبار بالغيب، أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل بخرابها لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وذلك من آلات الحراث، ويجوز أن يكون أخذ من اسمها، وقيل: إن الله تعالى أعلمه بذلك، قاله إمام الشَّارحين.

((إنَّا)) أصله: (إننا) ، فحذفت نون الضمير تخفيفًا ((إذا نزلنا بساحة قوم)) : ساحة الدار: باحتها؛ بالحاء المهملة، والجمع: ساح وساحات، وسوح أيضًا؛ مثل: بدنة وبدن، وخشبة وخشب، كذا في «الصحاح»، قال إمام الشَّارحين: (وعلى هذا؛ فأصل «ساحة»: سوحة، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأصل الساحة: الفضاء بين المنازل، وتطلق على الناحية، والجهة، والفناء) انتهى.

قلت: ويدل عليه قول القرطبي: ومعنى بساحتهم؛ أي: بدارهم، كذا عن السدي وغيره، والساحة والسحسة في اللغة: فناء الدار، وقال الفراء: (نزل بساحتهم، ونزل بهم سواء) انتهى.

(({فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ})) [الصافات: 177] ؛ بفتح الذال المعجمة، (فساء) : فعل ذم بمعنى: بئس، وإن المخصوص بالذم محذوف، وهو صباحهم؛ يعني: فبئس صباح المنذرين صباحهم، واللام في (المنذرين) للجنس لا للعهد؛ ليحصل به التفسير بعد الإبهام، فلو حملت على العهد؛ لا يحصل ذلك، فإن أفعال المدح والذم موضوعة للمدح العام والذم العام؛ أي: لمدح المخصوص وذمه بجميع محاسن جنس الفاعل وقبائحه، وذلك إنَّما يكون بكون الفاعل معرفًا بلام الجنس أو مضافًا إلى المعرف بها؛ نحو: نعم صباح القوم زيد، والصباح مستعار من صباح الجيش الذين ساروا ليلًا نحو العدو، فوصلوا ديارهم ومنازلهم وقت الصباح، فأوقعوا بهم ما شاؤوا من النهب والغارة، فصباح الجيش المذكور وقت غارتهم، فإن عادة المغيرين أن يغيروا صباحًا، فسمى الغارة صباحًا وإن وقعت في وقت آخر تسمية للشيء باسم زمانه ومحله، وهذا يدل على أن معنى قوله تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} [الصافات: 177] ؛ يريد: النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وقيل: إن معناه: نزول العذاب، فيكون استعارة تمثيلية؛ حيث شبه حال العذاب النازل بهم بعد ما أنذروا به فأنكروه [/ص474/] بحال جيش أنذر بهجومه قومه بعض نصائحهم، فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة، فأغارهم وقطع دابرهم، فإن ذلك التعبير حقيقة في هذه الهيئة المشبه بها، فأطلق على الهيئة الأولى مجازًا على طريق التمثيل، انتهى.

((قالها)) ؛ أي: هذه الجملة عليه السَّلام ((ثلاثًا)) ؛ أي: ثلاث مرات، وإنما كررها إخبارًا منه لأصحابه أن النصرة لله ولرسوله عليه السَّلام عليهم حقيقة، ((قال)) ؛ أي: أنس بن مالك: ((وخرج القوم إلى أعمالهم)) أي: لأعمالهم التي كانوا يعملونها، فكلمة (إلى) بمعنى اللام، فإنها تأتي بمعنى اللام كثيرًا، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني أن معناه: خرج القوم إلى مواضع أعمالهم، وتبعه البرماوي تعصبًا، وهذا المعنى قد رده إمام الشَّارحين ولم يرض به، ولا ريب أنه غير ظاهر؛ للفرق بين خروجهم إلى مواضع أعمالهم وبين خروجهم لأعمالهم، فإنَّهم قد يخرجون لمواضع أعمالهم ولا يعملون، ويخرجون لأعمالهم؛ أي: لأجل العمل، فالظاهر هو ما قاله إمام الشَّارحين يدل عليه قوله عليه السَّلام: «خربت خيبر»، وذلك بسبب أنه رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم وغير ذلك من آلات الحراث، ولا ريب أنه إذا كان هذا حالهم؛ فالغلبة عليهم، وهو ظاهر في أنَّهم خرجوا لأجل أعمالهم التي يعملونها؛ فليحفظ.

((فقالوا)) ؛ أي: أهل خيبر: ((محمدٌ)) ؛ أي: جاء محمد، وارتفاعه على أنه فاعل لفعل محذوف، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا محمد عليه السَّلام، كذا في «عمدة القاري».

((قال عبد العزيز)) : هو ابن صهيب أحد رواة الحديث عن أنس: ((وقال بعض أصحابنا)) : أشار بهذا إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة من أنس، وإنما سمعها من بعض أصحابه عنه، وهذه رواية عن المجهول، إذ لم يعين هذا البعض منه، وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون هذا البعض هو محمد بن سيرين؛ لأنَّ المؤلف أخرج من طريقه أيضًا، ويحتمل أن يكون هذا البعض هو ثابت البناني؛ لأنَّ مسلمًا أخرجه من طريقه أيضًا، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ويحتمل أن يكون هذا البعض غيرهما، وعلى كل حال؛ لا يخرج عن الجهالة) انتهى.

قلت: والاحتمالان اللذان [6] ذكرهما ابن حجر ظن وتخمين، فإنه لا يلزم من كون المؤلف أخرج من طريق ابن سيرين أن يكون هو ذلك البعض؛ لأنَّ عادة المؤلف التعدد في الروايات والاختلاف في الطرق، ولا يلزم أيضًا من كون مسلم أخرج من طريق ثابت أن يكون هو ذلك البعض؛ لاحتمال أنَّ هذا الطريق غير طريق المؤلف، فالصواب أنَّ هذا البعض مجهول لم يعلم اسمه؛ فافهم.

((والخَميسُ)) ؛ بفتح الخاء المعجمة بالرفع عطفًا على قوله (محمد) ، وبالنصب على أن تكون الواو بمعنى (مع) ، فيكون المعنى: جاء محمد مع الجيش؛ ((يعني)) ؛ أي: يريد ويقصد بقوله: (الخميس) ((الجيش)) : وهذا المعنى يحتمل أن يكون تفسيرًا من عبد العزيز، ويحتمل أن يكون ممن دونه، وأشار عبد العزيز إلى أنه لم يسمع قوله: (والخميس) من أنس، وإنما سمعها من بعض أصحابه، كما سبق.

قال إمام الشَّارحين: (وسمي الجيش خميسًا؛ لأنَّه خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، وقلب، وجناحان، ويقال: ميمنة، وميسرة، وقلب، وجناحان، وقال ابن سيده: (سمي به؛ لأنَّه يخمس ما وجده) ، وقال الأزهري: الخمس إنَّما ثبت في الشرع، وكانت الجاهلية يسمونه بذلك ولم يكونوا يعرفون الخمس) انتهى.

ثم قال الشَّارح: (والحاصل: أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس قالوا: محمد فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا: محمد والخميس، ثم فسر عبد العزيز (الخميس) بقوله: (الجيش) ، ويجوز أن يكون التفسير ممن دونه، وعلى كل حال؛ فهو مدرج) انتهى.

((قال)) ؛ أي: أنس: ((فأصبناها)) أي: خيبر؛ أي: أخذناها ((عَنْوة)) ؛ بفتح العين المهملة، وسكون النون؛ أي: قهرًا، يقال: أخذته عنوة؛ أي: قهرًا، وقيل: أخذ عنوة؛ أي: عن غير طاعة، وقال ثعلب: (أخذت الشيء عنوة؛ أي: قهرًا في عنف واحد، وأخذته عنوة؛ أي: صلحًا في رفق) ، وزعم ابن التين أنه يجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال، ونقله عن القزاز في «جامعه»، قال إمام الشَّارحين: (وحينئذ يكون هذا اللفظ من الأضداد) انتهى.

قلت: وظاهر أنَّهم أصابوها قهرًا من غير إطاعة، بل بالقتال، يدل عليه قوله: (عنوة) ؛ وهو القهر، وهو ضد الطاعة، ولهذا قال أبو عمرو: (الصحيح: في أرض خيبر كلها عنوة) .

وقال المنذري: واختلف في فتح خيبر هل كانت عنوة، أو صلحًا، أو أجلى أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وبعضها أجلى عنها أهلها؛ قال: والصحيح الثاني، قال إمام الشَّارحين: (وبهذا يندفع التضاد بين الآثار) انتهى.

((فجُمع)) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول ((السبي)) ؛ أي: بأمر النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وهو ما يؤخذ من الكفار، وسمي سبيًا؛ لأخذه قهرًا مجانًا، ((فجاء دِحية)) ؛ بفتح الدال المهملة وكسرها، زاد ابن عساكر الكلبي: (هو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي) ، وكان أجمل الناس وجهًا، وكان جبريل عليه السَّلام يأتي النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في صورته، وهو مدفون بقرية المزة غربي دمشق رضي الله عنه، ((فقال: يا نبيَّ الله؛ أعطني جارية من السبي)) ؛ أي: من الغنيمة التي غنمتها المسلمون، فإن ولاية الإعطاء لك، ((فقال)) عليه السَّلام له، وفي رواية: بدون الفاء: ((اذهب)) ؛ أي: إلى المكان الذي جمع فيه السبي ((فخذ جارية)) ؛ أي: منه، وإنما جاز للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أن يأذن لدحية بأخذ جارية قبل القسمة.

وأجاب إمام الشَّارحين بثلاثة أجوبة:

الأول: يجوز أن يكون أذن له في أخذها على سبيل التفضيل له، إما من أصل الغنيمة أو من خمس الخمس، سواء كان قبل التمييز أو بعده.

الثاني: يجوز أن يكون أذن له من الخمس إذا ميز.

الثالث: يجوز أن يكون أذن له ليقوم عليه بعد ذلك، ويحسب من سهمه) انتهى.

وأجاب الكرماني: بأنه صفي المغنم لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فله أن يعطيه لمن شاء، ورده إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا الجواب غير مقنع؛ لأنَّه عليه السَّلام قال له ذلك قبل أن يعين الصفي) انتهى.

قلت: ووجه فساد هذا الجواب ظاهر، كما لا يخفى؛ لأنَّه حين أذن له لم يكن علم عليه السَّلام بما جمع كثيرًا أو قليلًا، وكم يخرج السهم وغير ذلك، وإنما الجواب ما [/ص475/] قاله الشَّارح قدس سره، فذهب دحية ((فأخذ صَفية)) ؛ بفتح الصاد المهملة، قيل: وكان اسمها زينب ((بنت حُيَيٍّ)) ؛ بضم الحاء المهملة وكسرها، وفتح التحتية الأولى المخففة، وتشديد الثانية: ابن أخطب بن سَعْيَه -بفتح السين المهملة، وسكون العين المهملة، وفتح التحتية- ابن ثعلبة، وهي من بنات هارون أخ موسى عليهما السلام، وأمها اسمها برة -بفتح الموحدة، وتشديد الراء- بنت سموءل، وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق -بضم الحاء المهملة، وفتح القاف الأولى- قتل يوم خيبر، توفت في خلافة سيدنا معاوية سنة خمسين، كما قاله الواقدي، وقال غيره: ماتت في خلافة علي الصديق الأصغر رضي الله عنه، سنة ست وثلاثين، ودفنت بالبقيع، كذا في «عمدة القاري».

((فجاء رجل)) : مجهول لم يعرف، قاله إمام الشَّارحين ((إلى النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: إلى المكان الذي قاعد فيه، ((فقال: يا نبيَّ الله؛ أعطيت دحية صفية بنت [7] حيي سيدة قُرَيْظة)) ؛ بضم القاف، وفتح الراء، وسكون التحتية، وبالظاء المهملة ((والنَضِير)) ؛ بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة؛ وهما قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون عليه السَّلام، كذا في «عمدة القاري»، فإنها ((لا تصلح إلا لك)) : من حيث إنها من بيت النبوة، فإنها من ولد هارون أخي موسى عليهما السلام، ومن بيت الرئاسة، فإنها من بيت سيد [8] قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد لا للشهوة النفسانية، فإنه عليه السَّلام معصوم منها، قاله إمام الشَّارحين.

((قال)) عليه السَّلام: ((ادعوه)) أي: دحية ((بها)) أي: بصفية، فدعوه، ((فجاء بها)) إلى المكان الذي فيه النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ((فلما نظر إليها النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: أعجبته من جمالها، وشرفها، وحسنها، ونسبها؛ ((قال)) ؛ أي: لدحية: اترك صفية لي و ((خذ جارية من السبي غيرها)) ؛ أي: غير صفية، فارتجعها منه، وهذا يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه وأذن له في أخذ غيرها، والثاني: أنه إنَّما أذن له في جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن، ولما رأى أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسبًا، وشرفًا، وجمالًا؛ استرجعها؛ لئلا يتميز دحية بها على باقي الجيش مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع هذه المفاسد وعوضه عنها، كذا في «عمدة القاري».

وفيه عن «سيرة الواقدي»: (أنه عليه السَّلام أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان كنانة زوج صفية، فكأنه عليه السَّلام طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها) انتهى.

وفي «سيرة ابن سيد الناس»: (أنه أعطاه ابنتي عم صفية) انتهى.

وزعم الكرماني فإن قلت: لما وهبها من دحية؛ فكيف رجع عنها؟

قلت: إما لأنَّه لم يتم عقد الهبة بعد، وإما لأنَّه أبو المؤمنين وللوالد أن يرجع عن هبة الولد، وإما لأنَّه اشتراها منه، انتهى.

ورده إمام الشَّارحين فقال: أجاب بثلاثة أجوبة: الأول: فيه نظر؛ لأنَّه لم يجر عقد هبة حتى يقال: إنه رجع عنها، وإنما كان إعطاؤها إياه بوجه من الوجوه التي ذكرناها.

والثاني: فيه نظر أيضًا؛ لأنَّه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره؛ يعني: أنه ذكره ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، والحال أن الجمهور على خلافه، فلا يتمشى ما ذكره على مذهب الجمهور، والأوجه هي الثلاثة التي ذكرت عند قوله: (فخذ جارية) .

والثالث: فيه نظر أيضًا؛ لأنَّه ذكر أنه اشتراها منه؛ أي: من دحية، والحال أنه لم يجر بينهما عقد بيع أولًا، فكيف اشتراها منه بعد ذلك؟

فإن قلت: وقع في رواية مسلم: (أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم اشترى صفية منه بسبعة أرؤس) .

قلت: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنَّه لما أخذها منه على الوجه الذي ذكرناه؛ عوضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرُّم والفضل، فأطلق الراوي الشراء عليه؛ لوجود معنى المبادلة فيه، انتهى.

وقال القاضي عياض: (الأولى عندي: أن صفية كانت فيئًا؛ لأنَّها كانت زوجة كنانة بن الربيع وهو وأهله من بني الحقيق كانوا صالحوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وشرط عليهم ألَّا يكتموا كنزًا، فإن كتموه؛ فلا ذمة لهم، فانتقض عهدهم فسباهم، وصفية من سبيهم، فهي فيء لا يخمَّس، بل يفعل فيه الإمام ما رأى) انتهى.

ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تفريع على مذهبه: أن الفيء لا يخمس، ومذهب غيره: أن الفيء يخمس) انتهى.

قلت: يعني: إنَّما ذكر هذا الوجه؛ لأجل ترويج مذهبه من أن الفيء لا يخمس، وهو خلاف ما عليه الجمهور من أن الفيء يخمس، على أن ما ذكره ممنوع؛ لأنَّ أنسًا رضي الله عنه لم يذكر في هذه القصة أنه عليه السَّلام صالحهم، ولا أنه شرط عليهم، ولا أنَّهم نقضوا العهد، وغاية ما فيه أنه عليه السَّلام دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلهم، ويدل عليه قول أنس: إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غزا خيبر...) إلى آخره، وهذا لا يدل على ما ذكره؛ فليحفظ، فالحق هو ما قاله إمام الشَّارحين، وهو الصواب.

((قال)) أي: أنس: ((فأعتقها)) أي: صفية ((النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم وتزوجها)) بعد ذلك، ((فقال له)) أي: لأنس ((ثابت)) : هو البناني التابعي: ((يابا حمزة)) ؛ بالحاء المهملة والزاي، أصله: ياأبا حمزة، فحذفت الألف تخفيفًا، وهي كنية أنس رضي الله عنه، ((ما أصدقها)) عليه السَّلام؟ ((قال)) ؛ أي: أنس: أصدقها ((نفسها أعتقها)) ؛ أي: بغير عوض، ((وتزوجها)) ؛ أي: بدون مهر، ففيه استحباب عتق السيد أمته وتزوجها، وقد صح أن له أجرين، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، واتفق ثابت البناني، وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب عن أنس: (أنه صلَّى الله عليه وسلَّم أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها) ، وبه قال قتادة في رواية، وأخذ بظاهره أحمد ابن حنبل، والحسن، وابن المسيب، ولا يجب لها مهر غيره، وتبعهم ابن حزم فقال: (هو سنة فاصلة، ونكاح صحيح، وصداق صحيح، فإن طلقها قبل الدخول؛ فهي حرة، ولا يرجع عليها بشيء، ولو أبت أن تتزوجه؛ بطل عتقها، وفي هذا خلاف متأخر ومتقدم) .

وروى الحافظ الطحاوي عن أنس بن مالك: (أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها) ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ثم قال: (فذهب [/ص476/] قوم: إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن عتقها صداقها؛ جاز ذلك، فإن تزوجت؛ فلا مهر لها غير العتاق) ، قال إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»: (قلت: أراد بهؤلاء القوم: سعيد بن المسيِّب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، والأوزاعي، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وطاووسًا، والحسن بن حي، وأحمد، وإسحاق، فإنَّهم قالوا: إذا أعتق الرجل أمته على أن يكون عتقها صداقها؛ جاز ذلك، فإذا عقد عليها؛ لا تستحق عليه مهرًا غير ذلك العتاق.

وممن قال بذلك: سفيان الثوري، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، وذكر الترمذي أنه قول الشافعي أيضًا، ونقل القاضي عياض عن الشافعي: أنها بالخيار إذا أعتقها، فإن امتنعت من تزويجه؛ فله عليها قيمتها؛ إذ لم يمكن الرجوع فيها، وإن تزوجت بالقيمة الواجبة له عليها؛ صح ذلك عنده.

وقال ابن بزيزة في «الأحكام»: هذه المسألة اختلف سلف الصحابة فيها، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يراه، وقد روينا جوازه عن علي، وأنس، وابن مسعود، وروينا عن ابن سيرين: أنه استحب أن يجعل مع عتقها شيئًا ما كان، وصح مع كراهة ذلك أيضًا عن الحسن البصري، وجابر بن زيد، والنخعي، وغيرهم.

وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يعتق الرجل جاريته لله، ثم يتزوجها، وجعلوه كالراكب بدنته، وذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، والإمام محمد بن الحسن، والإمام زفر بن الهذيل، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، وابن شبرمة، وجابر بن زيد: أنه ليس لأحد غير النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أن يفعل فيتم النكاح بغير صداق، وإنما كان ذلك للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم خاصة؛ لأنَّ الله تعالى جعل له أن يتزوج بغير صداق، وكان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، فإن فعل هذا؛ وقع العتاق، ولها عليه مهر المثل، فإن أبت أن تتزوجه؛ تسعى له في قيمتها عند الإمام الأعظم ومحمد بن الحسن، وقال زفر ومالك: لا شيء له عليها، وفي «الأحكام» قال الإمام الأعظم، ومحمد بن الحسن، والشافعي: إن كرهت نكاحه؛ غرمت له قيمتها، ومضى النكاح، فإن كانت معسرة؛ استسعت في ذلك، وقال زفر ومالك: إن كرهت؛ فهي حرة، ولا شيء له عليها، إلا أن يقول: لا أعتق إلا على هذا الشرط، فإن كرهت؛ لم تعتق، فإنه من باب الشرط والمشروط.

قال إمام الشَّارحين: واستدل الحافظ أبو جعفر الطحاوي على الخصوصية بقوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ...}؛ الآية [الأحزاب: 50] ، ووجه الاستدلال أن الله تعالى لما أباح للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أن يتزوج بغير صداق؛ كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق.

ومما يؤيد ذلك أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أخذ جويرية [9] بنت الحارث في غزوة بني المصطلق فأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، رواه الحافظ الطحاوي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

ثم روي عن عائشة رضي الله عنها كيف كان عتاقه عليه السَّلام جويرية التي تزوجها عليه وجعله صداقها، قالت: لما أصاب النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم سبايا بني المصطلق؛ وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبت على نفسها، قالت: (وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت نفسه، فأتت النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لتستعينه في كتابتها، فوالله ما هي إلا أن رأيتها على باب الحجرة وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت) ، فقالت: يا رسول الله؛ أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته فجئت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أستعينه على كتابتي، فقال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك كتابتك وأتزوجك»، قلت: نعم، قال: «فقد فعلت»، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تزوج جويرية بنت الحارث، فقالوا: صهر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأرسلوا ما في أيديهم، قالت: (فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها) ، ورواه أبو داود أيضًا.

وفيه حكم يختص بالنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم دون غيره، وهو أن يؤدي كتابة مكاتبة غيره لتعتق بذلك ويكون عتقه مهرها؛ لتكون زوجته، فهذا لا يجوز لأحد غير النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا إذا كان جائزًا للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم فجعل عتق الذي تولى عتقه هو مهر المرأة؛ أعتقه أولى وأحرى أن يجوز.

وقال البيهقي: قال القاضي عياض البرني: قال لي يحيى بن أكتم: هذا كان للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم خاصة، وكذا روي عن الإمام الأعظم رضي الله عنه ومحمد بن إدريس أنه حمله على التخصيص، وموضع التخصيص أنه أعتقها مطلقًا، ثم تزوجها على غير مهر.

وقوله في الحديث (حُلوة) ؛ بالضم من الحلاوة، وقوله: (مُلَّاحة) ؛ بضم الميم، وتشديد اللام؛ معناه: شديدة الملاحة، وهو من أبنية المبالغة، وقال الزمخشري: (وكانت امرأة ملاحة بتخفيف اللام؛ أي: ذات ملاحة، وفعال مبالغة في فعيل نحو: كريم وكرام وكبير وكبار، وفعال بالتشديد أبلغ منه) ، وقد ناقش ابن حزم في هذا الموضع، وملخصه أنه قال: (دعوى الخصوصية به عليه السَّلام في هذا الموضع غير صحيحة والأحاديث التي ذكرت ههنا غير صحيحة) .

قال الشَّارح: وقد ردينا عليه في جميع ذلك في «شرحنا لمعاني الآثار»، فمن أراد الوقوف عليه؛ فعليه بالمراجعة، انتهى.

قلت: وكلام ابن حزم غير معتبر أصلًا؛ لما أنه مشهور بالتعصب والتعنت فلا يلتفت إليه، لا سيما وقد دلت الآية الكريمة على الخصوصية قطعًا، وما ذكر هنا مطلق محمول على المقيد هناك، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فافهم، انتهى.

قلت: وما استدل به الحافظ الطحاوي من قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً}؛ الآية للخصوصية ظاهر، وصدر الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ}؛ أي: مهورهنَّ، {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}، ثم قال: {وَامْرَأَةً}؛ أي: أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها بغير صداق، فكان النكاح ينعقد في حقه بدون مهر، وكان ذلك من خصائصه عليه السَّلام في النكاح؛ لقوله لك بالخطاب، ولقوله: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] ، وهو كالزيادة على الأربع، ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه أيضًا لا مشاركة لأحد معه فيه.

واختلف العلماء في أنه عليه السَّلام هل كانت عنده امرأة من التي وهبت نفسها له؟ فقال عبد الله بن مسعود ومجاهد وغيرهما: (لم يكن عنده عليه السَّلام امرأة وهبت نفسها له، ولم يكن عنده [/ص477/] امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وقوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا} على طريق الشرط والجزاء؛ يعني: المهر) .

وقال جماعة: بل كانت عنده موهوبة، فقيل: هي زينب بنت خزيمة الأنصارية، وقيل: هي ميمونة بنت الحارث، وقيل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقيل هي خولة بنت حكيم من بني سليم، فقوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا} دليل على جواز النكاح بلفظ الهبة له ولأمته عليه السَّلام، وزعم الشافعية أنه مخصوص به عليه السَّلام، فقالوا: معناه: إباحة الوطء بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خصائصك.

ورد بأن اللفظ عام يشمله عليه السَّلام وأمته، وبأن الخصوصية لا بد لها من من دليل ولم يوجد، وقال الأئمة الحنفية: معناه تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة ومن أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبدًا بالتزويج، فالنكاح ينعقد بلفظ الهبة إذا طلب الزوج منها النكاح والتمكين من الوطء، فقالت: وهبت نفسي منك، وقبل الزوج؛ يكون نكاحًا، ويدل عليه هذه الآية، فإنها قد دلت على إحلال الواهبة وصحة نكاحها بلفظ (الهبة) .

وقد تقرر أنه عليه السَّلام وأمته سواء في الأحكام إلا ما خصه الدليل، ولا دلالة في قوله (خالصة) لك على كون النكاح بلفظ (الهبة) من خصائصه عليه السَّلام؛ لما سبق من أن معناه كون الواهبة من أمهات المؤمنين لا تحل لأحد بعده أبدًا، فلو وهبت نفسها من أحد من غير مهر وقبل الزوج بمحضر الشهود؛ يصح النكاح ولها مهر مثلها، هذا هو الصواب، وبه قال إبراهيم النخعي وعلماء الكوفة وغيرهم.

واختلف هل كان يحل للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم نكاح اليهودية أو النصرانية بالمهر؟ فذهب جماعة إلى أنه لا يحل له ذلك لقوله: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً}، وذهب جماعة أنه يحل له ذلك، وقال معنى الآية وهي {اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ}؛ أي: الإسلام؛ أي: أسلمن معك، فيدل ذلك على أنه يحل له نكاح غير المسلمة، والله أعلم.

((حتى إذا كان)) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((بالطريق)) وذلك أنه جاء في «الصحيح» فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء، وهي قرية جامعة من عمل الفرع لمزينة على نحو أربعين ميلًا من المدينة أو نحوها، والروحاء بفتح الراء وبالحاء المهملة ممدود، كذا في عمدة القاري؛ ((جهزتها له أم سليم)) ؛ بضم السين المهملة، وهي أم أنس بن مالك، ((فأهدتها)) ؛ أي: زفتها ((له)) عليه السَّلام، ومعناه: أهدت أم سليم صفية للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((من الليل)) وفي بعض الروايات: (فهدتها) ، قيل: وهي الصواب قاله الكرماني وتبعه البرماوي، ويدل عليه قول الجوهري: (الهداء) مصدر قولك هديت أنا المرأة إلى زوجها هذا، كذا في «عمدة القاري».

((فأصبح النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم عروسًا)) على وزن (فعول) يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، يقال رجل وامرأة عروس، وجمع الرجل عرس، وجمع المرأة عرائس، وفي المثل كاد العروس أن يكون ملكًا، والعروس اسم لحصن باليمن، وقول العامة: العروس للمرأة والعريس للرجل ليس له أصل، قاله إمام الشَّارحين.

وفي رواية «الصحيح» أنه عليه السَّلام أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حين أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب، وفي رواية: (أقام بين خيبر والمدينة ثلاثة أيام فبنى بصفية) ، كذا في «عمدة القاري».

ويدل لهذا قوله ((فقال)) عليه السَّلام؛ أي: لأصحابه: ((من كان عنده شيء)) ؛ أي: من الطعام؛ ((فليجئ به)) إلى مكاننا، وفي رواية: (فليجئني) بنون الوقاية، ((وبَسَطَ)) ؛ بفتحات، ((نِطعًا)) ؛ بكسر النون وفتح الطاء المهملة، وهو الذي اختاره ثعلب في الفصيح، وهو في رواية «الفرع» وغيره.

وذكر في «المخصص»: فيه أربع لغات؛ الأولى: بفتح النون وسكون الطاء، الثانية: بفتحتين، الثالثة: بكسر النون وفتح الطاء، الرابعة: بكسر النون وسكون الطاء، وجمعه أنطاع ونطوع، زاد في «المحكم»: أنطع، وقال أبو عمرو الشيباني في «نوادره»: (النطع: هو المبناة والستارة) ، كذا في «عمدة القاري».

قلت: والظاهر أن النطع ثوب يشبه ستارة الباب، أو المحمل، أو يشبه اللباد يبسط [10] على الأرض.

((فجعل الرجل)) ؛ أي: من أصحابه الكرام ((يجيء بالتمر وجعل الرجل يجيء بالسمن)) إلى تلك النطع فجمعوه فيها، ((قال)) ؛ أي: عبد العزيز بن صهيب: ((وأحسبه)) ؛ أي: أحسب أنس بن مالك ((قد ذكر السَّويق)) ؛ بفتح السين المهملة وهو الدقيق الملتوت بالسمن، وجزم عبد الوارث في روايته بذكر السويق وزعم الكرماني، ويحتمل أن يكون فاعل قال هو البخاري ويكون مقولًا للفربري، ومقول أحسب يعقوب، ورده إمام الشَّارحين بأنه غير ظاهر والأول هو الظاهر، كما لا يخفى، انتهى.

قلت: وهو كذلك فإن ما ذكره الكرماني بعيد غاية البعد لا يعول عليه؛ فافهم.

((قال)) أي: الراوي ((فحاسوا)) بالحاء والسين المهملتين؛ أي: خلطوا أواتخذوا ((حيسًا)) ؛ بفتح الحاء والسين المهملتين، بينهما مثناة تحتية ساكنة، وهو تمر يخلط بسمن وأقط، يقال: حاس الحيس يحسه؛ أي: يخلطه، وقال ابن سيده: (الحيس: هو الأقط يخلط بالتمر والسمن، وحاسه حيسًا وحيسه خلطه) .

وقال الجوهري: الحيس الخلط، ومنه سمِّي الحيس، وقال الشاعر:

~وإن تكن كريهة أدعى لها وإذ يحاس الحيس يدعى جندب

وقال آخر: التمر والسمن جميعًا، والأقط: الحيس إلا أنه لم يخلط.

وفي «الغريبين» هو ثريد من أخلاط، قال الفارسي: الله أعلم بصحته، كذا في «عمدة القاري».

((فكانت)) بالفاء وفي رواية: (فكانوا) واسم كانت الضمير الذي فيه يرجع إلى الأشياء الثلاثة التي اتخذ منها الحيس، وعلى الثانية اسمها الواو؛ لأنَّ موضعه رفع وهو يعود إلى الأشياء المصنوعة.

وقوله: ((وليمة)) ؛ بالنصب خبر كان على الوجهين ((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: طعام عرسه، والوليمة: عبارة عن الطعام المتخذ للعرس، مشتقة من الولم، وهو الجمع؛ لأنَّ الزوجين يجتمعان فتكون الوليمة خاصة بطعام العرس، لأنَّه طعام الزفاف، والوكير: طعام البناء، والخرس: طعام الولادة، وما تطعمه النفساء نفسها خرسة، والإعذار: طعام الختان، والنقيعة: طعام القادم من سفره، وكل طعام صنع لدعوة:

[/ص478/] مأدبة ومأدبة جميعًا، والدعوة الخاصة: النقرى، والعامة: الجفلى والأجفلى، كذا في «عمدة القاري».

وفيه: وهذا الحديث وصل الحديث الذي علقه البخاري فيما قبل [قليل] قريبًا، وهو قوله: وقال أنس: (حسر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن فخذه) ، فإن قلت: ما كانت الفائدة بذكر هذا التعليق المقتطع من هذا الحديث المتصل قبل أن يذكر الحديث بكماله؟.

قلت: يحتمل أن المؤلف أراد به الإشارة إلى أن ما ذهب إليه أنس من أن الفخذ ليس بعورة؛ فلهذا ذكره بعد ذكر ما ذهب إليه ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش، انتهى.

قلت: وعلى هذا؛ فالمطابقة في هذا الحديث المتصل هو أن الفخذ ليس بعورة، ولا يخفى أن المطابقة في التعليق أظهر؛ لأنَّ الحديث يحتمل الوجهين في الفخذ، هل هو عورة أم لا؟ ويحتمل أن قول أنس ليس قطعة من هذا الحديث، بل موصول عند غير المؤلف، وأراد بذكره أن الفخذ ليس بعورة، وأراد بذكر الحديث أن الفخذ عورة؛ لأنَّ قوله (حُسِر) بصيغة المجهول يدل على أن الحسر كان بسبب الازدحام ونحوه؛ فليحفظ.

وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث أحكام:

الأول: فيه جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح، خلافًا لمن كرهه من بعض الشافعية.

الثاني: فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وفيه غير ما حديث.

الثالث: فيه استحباب التكبير والذكر عند الحرب وهو الموافق لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا} [الأنفال: 45] .

الرابع: فيه استحباب التثليث في التكبير؛ لقوله: قالها ثلاثًا؛ أي: ثلاث مرات.

الخامس: فيه جواز إجراء الفرس وأنه لا يخل بمراتب الكبير، لا سيما عند الحاجة أو لرياضة الدابة، أو لتدريب [11] النفس على القتال.

السادس: فيه أن الزفاف في الليل، وقد جاء أنه عليه السَّلام دخل عليها في النهار؛ ففيه جواز الأمرين.

السابع: فيه دلالة على مطلوبية الوليمة للعرس وأنها بعد الدخول، والمشهور عندنا أنها سنة، وقيل: واجبة، وعندنا إجابة الدعوة سنة سواء كانت وليمة عرس أو غيرها، وبه قال مالك في رواية، وقيل: تجوز الوليمة قبل الدخول، وظاهر الحديث يرده.

الثامن: فيه جواز إدلال الكبير لأصحابه وطلب طعامهم في نحو الوليمة وغيرها، ويستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم.

التاسع: فيه دليل على أن الوليمة تحصل بأي طعام كان ولا تتوقف على شاة، والسنة تقوم بغير اللحم، انتهى.

قلت: وهذا الحديث يدل لذلك، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (اثنين)، والمثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (راكب)، والمثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (راكب)، والمثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (معاني)، والمثبت هو الصواب.
[5] تكرر في الأصل: (الصواب).
[6] في الأصل: (الذين)، وليس بصحيح.
[7] في الأصل: (بن)، وليس بصحيح.
[8] في الأصل: (سيدة)، وليس بصحيح.
[9] في الأصل: (جويرة) ، وكذا في المواضع اللاحقة، ولعله تحريف.
[10] في الأصل: (ببسط).
[11] في الأصل: (لتدريث) ، وهو تصحيف.