المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

357-. حدَّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قالَ: حدَّثني مالِكُ بنُ أَنَسٍ [1] ، عن أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَىَ عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَبا مُرَّةَ، مَوْلَىَ أُمِّ هانِئ بِنْتِ أَبِي طالِبٍ، أخبَرَه:

أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هانِئ بِنْتَ أَبِي طالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إلىَ رَسُولِ اللَّهِ [2] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قالتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فقالَ: «مَنْ هَذِهِ؟». [/ج1ص80/] فَقُلْتُ [3] : أَنا أُمُّ هانِئ بِنْتُ أَبِي طالِبٍ، فقالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ [4] هانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قامَ فَصَلَّىَ ثَمانِيَ [5] رَكْعاتٍ، مُلْتَحِفًا في ثَوْبٍ واحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي [6] أَنَّهُ قاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلان ابْن [7] هُبَيْرَةَ. فقالَ رَسُولُ اللَّهِ [8] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَرْنا مَنْ أَجَرْتِ يا أُمَّ هانِئ». قالتْ أُمُّ هانِئ: وَذاكَ [9] ضُحًىَ.

الأطراف



[1] قوله: «بن أنس» ليس في رواية ابن عساكر.
[2] في رواية الأصيلي: «النَّبيِّ».
[3] في رواية الأصيلي: «قلت».
[4] في رواية ابن عساكر و [عط] : «يا أُمَّ» بياء النداء.
[5] في رواية ابن عساكر: «ثمانِ»، وذكر في (ب، ص): أنَّ قوله: «ركْعات» ضبط بسكون الكاف في اليونينية.اهـ.
[6] صحَّح عليها في اليونينيَّة في أولها وآخرها، وفي رواية أبي ذر عن الحَمُّويي: «بنُ أَبي».
[7] لفظة: «فُلان ابْن» ضبطت بالرفع في (و)، وبالنصب في (ب، ص)، وأهمل ضبطها في (ن) للدَّلالة على الضَّبطين.
[8] في رواية الأصيلي: «النَّبيُّ».
[9] في رواية الأصيلي: «وذلك».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

357- ( أبو مرة ) اسمه يزيد.

( مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ ) وروي: «يا أم هانئ» بالنداء، قال القاضي: والروايتان معروفتان صحيحتان، والباء أكثر استعمالًا.

( فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ) بنصب الياء، ولبعضهم: «ثمان».

( زَعَمَ ابْنُ أُمِّي ) هو أخوها علي بن أبي طالب، وكان أخاها لأبويها، وللحموي: «زعم ابن أبي» وهو صحيح لكن الأول أشهر.

( أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا ) برفع ( قاتل ) خبر ( أن )، و( رجلًا ) منصوب بـ( قاتل )، ووقع في بعض الأصول: «قاتلًا رجلًا».

( قَدْ أَجَرْتُهُ ) أي: أمَّنته. [/ج1ص138/]

( فُلاَنَ بْنَ هُبَيْرَةَ ) بالنصب بدل من ( رجلًا )، وبالرفع على خبر مبتدأ محذوف، قال الإخباريون: كان هبيرة زوجها، فإن كان هذا الولد منها فالظاهر أنَّه جعدة. [1]

( أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ ) هو من أجار يجِيرُ بمعنى الأمان.

[1] قال محب الدين البغدادي: قوله: ( فلان بن هبيرة ). هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ولدت له عَمْرًا وبه كان يكنى، وهانئًا ويوسف وجعدة، فيحتاج في تخصيص جعدة إلى دليل، وأم علي وأم هانئ فاطمة بنت أسد بن هاشم، والظاهر أن فلانًا لم يكن ابن أم هانئ إذ لو كان ابنها لصرحت بأنه ابنها ولم تقل فلان بن هبيرة، ولو كان ابنها لما كان عليٌّ يعزم على قتل ابن أخته. قال ابن حجر رحمه الله: هذا الذي عزاه للإخباريين ليس بشيء؛ بل الذي قاله أهل النسب والمغازي أن الذي أجارته أم هانئ هو الحارث بن هشام، وهو ابن عم هبيرة لا ابنه، وأظنه سقط من الرواية لفظ «عم»، وكان فيه: فلان ابن عم هبيرة، وقد أوضحت ذلك والحجة فيه في شرحي.





357# (أَبِي النَّضْرِ) بنون وضاد معجمة.

(مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) ويروى: <يا أُمَّ هانئ!> بالنداء، قال القاضي: والروايتان معروفتان صحيحتان، والباء أكثر استعمالًا.

(فَصَلَّى ثَمَانِيَ ركعَاتٍ) بنصب الياء، وفي بعض النسخ: حذفُها، وإثبات [1] حركة النصب على النون.

(زَعَمَ ابْنُ أُمِّي) هو [2] : علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أخوها شقيقُها، لكنها نسبته إلى أمِّها؛ لأنها بصددِ الشِّكاية في إخفار ذمَّتها، فذكرت ما بعثها على الشَّكوى؛ حيث أُصيبت بأمر من محلٍّ يقتضي [3] ألا تصاب منه؛ لما جرت العادة به من أنَّ الإخوة [4] من قبل الأم أشدُّ في اقتضاء الحنان والرعاية من غيرها.

(قَاتِل رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلاَنَ بْنَ هُبَيْرَةَ) قال ابنُ الجوزي: إن كان [5] هذا من ولدها؛ فالظَّاهر أنه جعدة [6] .

(قَدْ أَجَرْناَ مَنْ أَجَرْتِ) بالراء فيهما؛ من الإجارة بمعنى: الأمان.

[1] في (م): ((فإثبات))، وفي (د) و(ج): ((بإثبات)).
[2] ((هو)): ليست في (ق).
[3] في (ق): ((تقضي)).
[4] في (ق): ((لما جرت به العادة من الإخوة)).
[5] ((كان)): ليست في (د).
[6] في (ق): ((جوزه)).





357- قَولُهُ: (عن أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ [1] اللهِ): (أبو النَّضر) ؛ بالضَّاد المعجمة، تقدَّم مرَّات أنَّه لا يلتبس؛ لأنَّ (نصرًا) بالصَّاد المهملة لا يأتي بالألف واللَّام، بخلاف (النَّضر) بالمعجمة، فإنَّه لا يأتي إلَّا بالألف واللَّام، وتقدَّم أنَّه سالم بن أبي أميَّة أبو النَّضر المدنيُّ، عن أنس، وكتب إليه ابن أبي أوفى، وعنه: مالك واللَّيث، ثقة نبيل، تُوفِّي سنة (129 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وإنَّما أعدت بعض ترجمته؛ لطول العهد بها.

قَولُهُ: (أَنَّ أَبَا مُرَّة مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ): تقدَّم أنَّ (أبا مُرَّة) اسمُه يزيد مولى عَقيل، ويقال: مولى أخته أمِّ هانئ، روى عنهما [2] ، وعن أبي الدَّرداء، وعنه: زيد بن أسلم وأبو حاتم، ثقة، أخرج له الجماعة، وقد قدَّمت بعض ترجمته [3] ، ولكن طال العهد بها.

قَولُهُ: (أُمَّ هَانِئٍ): تقدَّم الكلام عليها أعلاه رَضِيَ اللهُ عنها، وقبله أيضًا.

قَولُهُ: (عَامَ الفَتْحِ): تقدَّم أنَّه سنة ثمانٍ في رمضان، وسيجيء ما وقع في ذلك من الاختلاف، كم كان في شهر رمضان، والوهم الذي وقع في «صحيح البخاريِّ»، وقد تقدَّم.

قَولُهُ: (مَرْحَبًا): الكلام فيها معروف، وقد ذكرتُ مرَّة، ولم أتكلَّم عليها كثيرًا؛ لظهورها، ثُمَّ عنَّ لي أنْ أتكلَّم عليها، فأقول: (مرحبًا): كلمة تُقال عند المسرَّة للقادم، ولمن يُسَرُّ برؤيته والاجتماع به، وهو منصوب بفعل لا يظهر؛ أي: صادفت رُحْبًا؛ أي: سَعة، وقيل: بل انتصب على المصدر؛ أي: رحَّب الله بك مرحبًا، فوضع المَرْحَب موضع التَّرحيب، وهو قول الفرَّاء، ومكان رَحْب ورَحيب: واسع، والجمع: رِحاب. [/ج1ص150/]

قَولُهُ: (بِأُمِّ هَانِئٍ [4] ): كذا في أصلنا، وفي رواية أخرى ليست في أصلنا: (يا أمَّ هانئ) ، قال القاضي: والرِّوايتان معروفتان صحيحتان، والباء أكثر استعمالًا.

قَولُهُ: (ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ): كذا في نسخة، وفي نسخة: (ثمانَ) ، و (ثمانيَ) ؛ بنصب الياء، وكذا (ثمانَ) ؛ بنصب النُّون.

قَولُهُ: (زَعَمَ ابْنُ أُمِّي): يعني: عليَّ بن أبي طالب، وهو أخوها لأبويها، كما تقدَّم قريبًا، وإنَّما قالت ذلك؛ لتأكُّد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن وكثرة ملازمة الأمِّ، وهو موافق لقوله تَعَالَى -حكاية عن هارون حين قال لموسى-: {يَا بْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: 94] .

قَولُهُ: (رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ): (رَجُلًا) ؛ بالنَّصب مع التَّنوين، مفعول اسم الفاعل، وهو (قاتل) .

قَولُهُ: (فُلَانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ): هو بالنَّصب بدل من (رَجُلًا) ، ويجوز الرَّفع على القطع، قال شيخنا الشَّارح في هذا المكان: (هو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميُّ، كذا هو في «كتاب الزُّبير بن بكَّار»، وفي «الطَّبرانيِّ»: فقلت: يا رسول الله؛ إنِّي أجرت حموي، وفي رواية: (حموي ابن هبيرة) ، وفي رواية: (حموي ابني هبيرة) ، وفي «كتاب الأزرقيِّ»: (أنَّها أجارت عَبْد الله بن أبي ربيعة المخزوميَّ والحارث بن هشام) .

وقال اِبْن عبد البَرِّ: استتر عندها رجلان من بني مخزوم وأجارتهما، قيل: إنَّهما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أميَّة، وقيل: أحدهما جعدة، وقال: والأوَّل أصحُّ، قال: وهبيرة بن أبي وهب زوجها، ولدت له جعدة وغيره، وقال ابن الجوزيِّ: قولها: (فلان ابن هبيرة) إن كان من أولاده منها؛ فالظَّاهر أنَّه جعدة، قلت: لكن رواية: (حموي) تبعده، ولم تكن تحتاج إلى إجارة ابنها، انتهى.

وقال الخطيب البغداديُّ وابن بشكوال في قولها: (أجرت رجلين من بني مخزوم يوم الفتح، فأراد عليٌّ قتلهما...) ؛ الحديث: هما الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة، وقال ابن بشكوال: الحارث بن هشام وزهير بن أبي أميَّة بن المغيرة، ذكره ابن إسحاق، انتهى.

وقال السُّهيليُّ: (قيل: إيَّاه -يعني: جعدة- عنتْ في حديث مالك: زعم ابن أمِّي عليٌّ أنَّه قاتلٌ رجلًا أجرته فلانَ ابن هبيرة) انتهى.

(والحاصل من الرِّوايات: أنَّها أجارت جعدة بن هبيرة ولدها، والحارث بن هشام، وزهير بن أبي أميَّة، وعبد الله بن أبي ربيعة، والله أعلم) [5] .

والذي يظهر من هذا كلِّه ما قاله ابن الجوزيِّ -في فلان ابن هبيرة وأنَّه [6] ليس [7] واحدًا ممَّن تقدَّم ذكره أنَّها أجارته- هبيرة، وليس [8] في [9] عمود نسب [10] الحارث بن هشام، ولا عَبْد الله بن أبي ربيعة، ولا زهير بن أبي أميَّة سوى جعدة [11] .

وقول شيخنا متعقِّبًا كلام ابن الجوزيِّ مُتعقَّب أيضًا، بل الذِي يظهر أنَّه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزوميُّ ولدها.

وأمَّا رواية: (حموي) بالإفراد، و (حموَيَّ) بالتَّثنية؛ لا تنافي إجارتها جعدة ابنها، وتكون قد أجارت الجميع، لكنَّ قولها: (حموي ابن هبيرة) و (حمويَّ ابني هبيرة) لا يظهر لي، ولعلَّه مؤوَّلٌ [12] إن صحَّ الإسناد بذلك.

وأمَّا حديث إجارتها الحارث بن هشام وزهير بن أبي أميَّة؛ فكلٌّ منهما من أحمائها، فلعلَّها أجارتهما وأجارت ابنها، وكان الأحسن بنا ألَّا نذكر هنا إلا جعدة بن هبيرة ابنها؛ لأنَّه لَمْ تقع هنا تلك الرِّوايات التي ساقها شيخنا، ولا نطوِّل بذلك، ولا يظهر لي إلَّا أنَّه جعدة ابنها، وجعدة هذا ذكره ابن عبد البَرِّ في «الصَّحابة»، ولم يتعقَّبه، وقال الذَّهبيُّ في «تجريده»: (اختُلِف في صحبته) انتهى، وقد قال ابن مَعِين: إنَّه لَمْ يسمع من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شيئًا، وقد روى عن [13] خاله عليٍّ رَضِيَ الله عنه، قال أبو عُمر: قال أبو عبيدة: ولدت أمُّ هانىء من هبيرة ثلاثة بنين؛ أحدهم: جعدة، والثَّاني: هانئ، والثَّالث: يوسف، وقال الزُّبير والعدويُّ: ولدت لهبيرة أربعة [14] بنين: جعدة، وعمْرًا، وهانئًا، ويوسف، قال أبو عُمر: وهذا أصحُّ إن شاء الله، انتهى، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميُّ زوجها، فرَّ يوم [15] الفتح، ولم يسلم، ولحق بنجران، ومات على شركه، انتهى.

وقال ابن شيخنا البلقينيِّ: (ويُتعجَّب ممَّا في بعض الشَّروح من قولها: «فلان ابن هبيرة»: هو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميُّ، كذا هو في «كتاب الزُّبير بن بكَّار»، فإنَّ الحارث بن هشام لا يقال له: ابن هبيرة) انتهى، (وما قاله ابن شيخنا صحيحٌ حسنٌ) [16] .

[1] في (ج): (عبد) ، وهو تحريفٌ.
[2] في (ج): (عنها) ، وهو تحريفٌ.
[3] في (ج): (ترجمتها) ، وليس بصحيح.
[4] في هامش (ق): (أم هانئ أسلمت يوم الفتح، وهي شقيقة علي بن أبي طالب، وعَقِيل، وجعفر، وطالب، واستجار بها رجلان؛ قيل: هما: الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية، وقيل: أحدهما جعدة بن هبيرة، فأجارتهما، فأراد علي قتلهما، فدخلت على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يصلي الضحى، فذكرت ذلك له، فأمضى جوارها، وأمَّا اسمها؛ فقيل: فاختة، وقيل: هند، وزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي فرَّ يوم الفتح ولم يُسلم) .
[5] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[6] (وأنَّه): سقطت من (ج) .
[7] في (ج): (وليس) .
[8] (وليس): سقطت من (ب) و (ج) .
[9] زيد في (ب): (نفس) .
[10] في (ج): (نسبه لا) ، وضرب على (لا) في (أ) .
[11] (سوى جعدة): سقطت من (ج) .
[12] في (ب): (مازل) ، وليس بصحيح.
[13] في (ج): (له على) .
[14] في النسخ: (أربع) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[15] في (ج): (جمع) ، وليس بصحيح.
[16] ما بين قوسين ليس في (ج) .





357- (مَرْحَبًا): تقدَّم.

(ثَمَانَ): بفتحِ النُّونِ، وفي بعضِها: (ثَمَانِيَ) ؛ بالياءِ المفتوحةِ بعدَ النُّونِ المكسورةِ، وأصلُه منسوبٌ إلى الثُّمن؛ لأنَّه الجزءُ الذي صيَّر السَّبعةَ ثمانيةً، ثمَّ فتحوا أوَّلَه؛ لأنَّهم يُغيِّرونَ في النَّسَبِ إلى الثُّمنِ، [وحذفوا منه إحدى ياءَي النَّسَبِ، وعوَّضوا منها الألفَ؛ كما فعلوا في المنسوبِ إلى اليمن] ، فثبتتْ ياؤُه عندَ الإضافةِ كما ثبتتْ ياءُ (القاضي)، تقول: ثماني نِسْوة، وتَسقطُ مع التَّنوينِ رفعًا وجرًّا، وثبتتْ نصبًا؛ لأنَّه ليسَ بجمعٍ.

(أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا): برفعِ (قَاتِل) خبر (أَنَّ)، و (رَجُلًا) منصوبٌ بـ (قَاتِلٌ)، ووقعَ في بعضِ الأصولِ: (قَاتِلًا رَجُلًا).

(فُلَان بْن هُبَيْرَةَ): مرفوعٌ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ومنصوبٌ بأنَّه بدلُ (رَجُلًا)، أو بدلُ الضَّميرِ المنصوبِ.


357- وبه قالَ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو، مُصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفرادِ (مَالِكٌ) وفي غير رواية ابن عساكر: ((مالك بْنُ أَنَسٍ)) إمامُ دارِ الهجرةِ (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكونِ المعجمةِ، سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل والثَّاني، المتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، يزيد (مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ) بالهمزة، فاختة (بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله عنها حال كونها (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: ((إلى [1] النَّبيِّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ) في رمضان سنة ثمانٍ (فَوَجَدْتُهُ) حال كونه (يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) رضي الله عنها (تَسْتُرُهُ) جملةٌ حاليَّةٌ أيضًا (قَالَتْ) أمُّ هانئٍ: (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام: (مَنْ هَذِهِ؟) قالت أُمُّ هانئٍ [2] : (فَقُلْتُ: أَنَا)، وللأَصيليِّ: ((قلت)) [3] ، (أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام: (مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) بباء الجرِّ، ولابن عساكر: ((مرحبًا يا أُمَّ هانئٍ))؛ بياء النِّداء؛ أي: لقيت رحبًا وسعةً يا أُمَّ هانئٍ، (فَلَمَّا فَرَغَ) عليه الصَّلاة والسَّلام (مِنْ غُسْلِهِ) بضمِّ الغين؛ (قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) حال كونه (مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) بكسر نون «ثمانِيَ» وفتح الياء، مفعول «فصلَّى»، ولابن عساكر: ((ثمانَ))؛ بفتح النُّون من غير ياءٍ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) عليه الصَّلاة والسَّلام من صلاته؛ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ)؛ أي: قال أو ادَّعى (ابْنُ أُمِّي) عليُّ بن أبي طالبٍ، وهي شقيقته، أُمُّهما فاطمة بنت أسد بن هاشمٍ، لكن خُصَّت الأُمُّ؛ لكونها آكد في القرابة، ولأنَّها بصددِ الشِّكاية في إخفار ذمَّتها، فذكرت ما بعثها على الشَّكوى، حيث أُصيبَت من محلٍّ يقتضي أنَّها لا تُصاب منه؛ لما جرت العادة أنَّ الأخوَّة من جهة الأُمِّ أشدُّ في اقتضاء الحنان والرِّعاية من غيرها. نعم؛ في رواية الحَمُّوييِّ: ((زعم ابن أبي)) (أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا)؛ أي: عازمٌ على مقاتلة رجلٍ (قَدْ أَجَرْتُهُ) بالرَّاء، أي: أمَّنته، هو (فُلَان بْنَ هُبَيْرَةَ) بالرَّفع: بتقدير: هو، كما مرَّ، أو بالنَّصب: بدلًا من «رجلًا»، أو من الضَّمير المنصوب، و«هُبَيرَة» _بضمِّ الهاء وفتح الموحَّدة_ ابن أبي وهب بن عمرٍو المخزوميَّ، زوج أُمِّ هانئٍ، ولدت منه أولادًا منهم هانئٌ الَّذي كُنِّيت [/ج1ص390/] به، هرب [4] من مكَّةَ عامَ الفتح لمَّا أسلمت هي، ولم يَزَلْ مشركًا [5] حتَّى ماتَ، وتركَ عندها ولدَها منه جعدة، وهو مِمَّن له رؤيةٌ ولم تصحَّ له صحبةٌ، وابنه المذكور هنا يحتمل أن يكون جعدة هذا، ويحتمل أن يكون من غير أُمِّ هانئٍ، ونسي الرَّاوي اسمه، لكن قال ابن الجوزيِّ: إن كان المراد بـ: «فلانٍ» ابنها؛ فهو جعدة، وردَّه ابن عبد البرِّ وغيره؛ لصغر سنِّه؛ إذ ذاك المقتضي لعدم مقاتلته، وحينئذٍ فلا يحتاجُ إلى الأمان، وبأنَّ عليًّا لا يقصد قتلَ ابنَ أُختِه، فكونُه من غيرها أرجح، وجزم ابنُ هشامٍ في «تهذيب السِّيرة»: بأنَّ اللَّذين أجارتهما أُمُّ هانئٍ هما الحارثُ بن هشامٍ وزهير بن أبي [6] أُميَّةَ المخزوميَّان، وعند الأزرقيِّ: عبد الله بن أبي ربيعة بدل زهيرٍ، قال في «الفتح»: والَّذي يظهر لي أنَّ في رواية الباب حذفًا، كأنَّه كان فيه: فلان ابن عمِّ هبيرة، فسقط لفظ: عمِّ، أو كان فيه: فلان قريب هبيرة، فتغيَّر لفظ «قريب» بلفظ «ابن»، وكلٌّ من الحارث بن هشامٍ وزهير بن أبي أميَّة وعبد الله بن أبي ربيعة يصحُّ وصفه بأنَّه ابن عمِّ هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزومٍ، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: ((النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ)؛ أي: أمَّنَّا مَن أمَّنت (يَا أُمَّ هَانِئٍ) فلا لعليٍّ قتله (قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ) وللأَصيليِّ: ((وذلك))؛ باللَّام؛ أي: صلاته الثَّمان ركعات (ضُحًى)؛ أي: وقت ضحًى أو صلاة ضحًى، ويؤيِّده [7] ما [8] في رواية ابن شاهين: قالت أُمُّ هانئٍ: يا رسول الله، ما هذه الصَّلاة؟ قال: «الضُّحى».

ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار والسّماع والقول.

[1] «إلى»: ليس في (د).
[2] «قالت أمُّ هانئٍ»: ليس في (د).
[3] «وللأَصيليِّ قلت»: ليس في (د).
[4] في (م): «وآتى زوجها»، وهو خطأ.
[5] في (م): «مشرَّدًا»، وهو خطأٌ.
[6] «أبي»: سقط من (ص).
[7] في غير (ص) و(م): «ويؤيدها».
[8] «ما»: ليس في (د).





357- ( ابْنُ أُمِّي ): أي: عليٌّ، وللحَمُّويي: «ابن أبي»، وهو صحيح، فإنَّه شقيقها.

( فُلاَنَ ابْنَ هُبَيْرَةَ ): [بالنَّصب على البدل، أو الرَّفع على الخبر، قيل: وهو جعدة بن هُبيرة، وتُعقِّب بأنَّه إن كان ابن هُبيرة] [1] منها، لم يتَّجه ذلك لصغر سنِّه والحكم بإسلامه، فكيف يقتله عليٌّ رضي الله عنه أو يحتاج إلى أمان، ولا يُعرف لهبيرة ولد من غير أمِّ هانئ.

قال ابن حجر: والذي يظهر لي أنَّ في الرِّواية حذفًا أو تحريفًا، أي: فلان ابن عمِّ هُبيرة أو قريب هُبيرة، فسقط لفظ: عمِّ، أو تغيَّر لفظ: قريب بلفظ ابن.[/ج2ص458/]

وقد سمَّى ابن هشام في «سيرته»، والأزرقيُّ، والزُّبير بن بكَّار الذي أجارته: الحارث بن هشام، زاد ابن هشام: [أو زهير بن أبي أميَّة] [2] ، وهما مخزوميَّان، فيصحُّ أن يكون كلٌّ منهما ابن عمِّ هُبيرة لأنَّه مخزوميٌّ.

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (وعبد الله بن أبي ربيعة)





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

357# وقوله: (مَرْحَبًا): أي: صادفت رحبًا وسعة، وهذه الصَّلاة صلاة الضُّحى.

وقولها: (ابْنُ أُمِّي): يعني: عليًّا أخوها شقيقها.

قولها: (فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ): هو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميُّ، أجارت عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميَّ، والحارث بن هشام، استتر عندها رجلان من بني مخزوم فأجارتهما، قيل: وهبيرة بن أبي وهب زوجها، ولدت له جعدة، والأوَّل أصحُّ.

قوله: (أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ): معناه: إخبار عن ضيق حالهم.


357- وبالسند إليه قال: ((حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس)) ؛ بضم الهمزة، وفتح الواو؛ مصغَّرًا، هو المدني الأصبحي، ابن أخت مالك بن أنس ((قال: حدثني)) بالإفراد ((مالك بن أنس)) ؛ هو الأصبحي المدني، وسقط: (ابن أنس) لابن عساكر، ((عن أبي النَّضْر)) ؛ بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية ((مولى عُمر)) ؛ بضم العين المهملة، ((بن عُبيد الله)) ؛ بضم العين المهملة، مصغر (عبد) ، هو ابن معمر، القرشي التيمي، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئة: ((أن أبا مُرَّة)) ؛ بضم الميم، وتشديد الراء، واسمه يزيد ((مولى أم هانئ)) ؛ بالنون وبالهمز، هي فاختة، وقيل: هند ((بنت أبي طالب)) أخت علي الصديق الأصغر، وذكر المؤلف في باب (العلم) : أنه مولى عقيل، قال إمام الشَّارحين: (وهو في نفس الأمر مولى أم هانئ، ونسب إلى ولاء عقيل مجازًا؛ لإكثاره الملازمة لعقيل) ؛ فافهم.

((أخبره)) أي: أخبر يزيد سالمًا: ((أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب)) رضي الله عنها، وجملة قوله: ((تقول)) من الفعل والفاعل محلها نصب، إمَّا مفعول ثان [1] لـ (سمع) ، وإمَّا حال على الخلاف المشهور: ((ذهبت إلى رسول الله)) : وللأصيلي: (إلى النبي) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ يعني: إلى حجرته الشريفة ((عام الفتح)) أي: فتح مكة، وكان في رمضان سنة ثمان، ((فوجدته)) حال كونه ((يغتسل)) أي: من الجنابة، والجملة حالية ((وفاطمة ابنته)) رضي الله عنها هي الزهراء، ((تستره)) : جملة اسمية حالية أيضًا، ((قالت)) أي: أم هانئ: ((فسلمت عليه، فقال)) عليه السَّلام لابنته فاطمة: ((مَن هذه؟)) بفتح الميم، قالت: أم هانئ ((فقلت: أنا)) : وللأصيلي: (قلت) ((أم هانئ بنت أبي طالب)) رضي الله عنها، وظاهره: أنه عليه السَّلام لم يرد عليها السلام؛ لكونه لم يفرغ من الغسل، فبقي على جنابته؛ لأنَّه عليه السَّلام من عادته أن يذكر الله تعالى على طهارة، و (السلام) من أسماء الله تعالى، فكره أن يذكر الله على غير طهارة، ويدل عليه ما قدمه المؤلف في (التيمم) من حديث أبي الجهيم الأنصاري: (أنه عليه السَّلام أقبل من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السَّلام) ، زاد في رواية الطبراني في «الأوسط»، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير طهر») انتهى.

ولا يخفى أن تيممه عليه السَّلام كان عند عدم الماء؛ فافهم.

((فقال)) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لأم هانئ: ((مرحبًا)) : منصوب بفعل مقدر؛ تقديره: لقيت رحبًا وسعة ((بأم هانئ)) ؛ بالباء الجارة، وفي رواية ابن عساكر: (مرحبًا يا أم هانئ) ؛ بياء النداء، وهذا يقوم مقام السلام في اللغة لا في الشرع، ولعله عليه السَّلام اقتصر على ذلك، لكنه خلاف الشرع، بل رد عليها السلام بعد فراغه من الغسل، والراوي إمَّا نسي هذه الجملة، وإمَّا لم يسمعها من أم هانئ؛ لعدم سماعها منه عليه السَّلام، بل قد سمعته ابنته فاطمة وأم هانئ، لكن نسيت، فلم تذكرها؛ فافهم.

((فلما فرغ)) عليه السَّلام ((من غُسله)) بضم الغين المعجمة، من الجنابة؛ ((قام)) : جواب (لما) ((فصلى ثمانِيَ [2] ركعات)) ؛ بكسر النون، وفتح الياء، مفعول (فصلى) ، وفي رواية ابن عساكر: (ثمانَ) ؛ بفتح النون من غير ياء، وزعم الكرماني: (أنه على الرواية الأولى بفتح النون) .

قال إمام الشَّارحين: (قلت: حينئذ يكون منصوبًا بقوله: «فصلى») ، وقال الجوهري: (هو في الأصل منسوب إلى الثُمن؛ لأنَّه الجزء الذي صير السبعة ثمانية، فهو ثمنها، ثم إنَّهم فتحوا أوله؛ لأنَّهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسبة، وعوضوا منها الألف كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فتثبت ياؤه عند الإضافة كما تثبت (ياء) القاضي، تقول: ثمان نسوة، وتسقط مع النون عند الرفع والجر، وتثبت عند النصب؛ لأنَّه ليس بجمع) انتهى.

((ملتحفًا)) بالنصب على الحال من الضمير الذي في (صلى) ((في ثوب واحد)) ؛ أي: متوشح به مخالف بين طرفيه على عاتقيه، ((فلما انصرف)) عليه السَّلام؛ أي: فرغ من صلاته؛ ((قلت)) أي: قالت أم هانئ قلت: ((يا رسول الله؛ زعم)) : معناه ههنا: قال أو ادعى، كما في «عمدة القاري».

قلت: وإنما قال: (معناه) هكذا؛ لأنَّ الزعم أكثر ما يستعمل بمعنى فيما لا يتحقق، وقال ابن المظفر: (أهل العربية يقولون: زعم فلان: إذا شك فيه، ولم يدرِ لعله كذب أو باطل) ، وقال الأصمعي: (الزعم: الكذب) ، وقال شريح: (زعموا: كنية الكذب) ، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: (الزعم: القول يكون حقًّا، ويكون باطلًا) انتهى؛ فليحفظ.

والزَُّعم -بفتح الزاي وضمها- مصدر زعم، وهو فعل يقترن به اعتقاد ظني، و (زعم) : يكون بمعنى: (ظن) فيتعدى إلى اثنين؛ كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ...}؛ الآية [النساء: 60] ، وقد يكون بمعنى: (كفل) فيتعدى إلى واحد؛ ومنه قوله تعالى: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] ، والله تعالى أعلم.

((ابن أمي)) : هو علي بن أبي طالب، وهي شقيقته، وأمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفي رواية الحموي كما في «عمدة القاري»: (زعم ابن أبي) قال: (ولا تفاوت بينهما في المقصود؛ لأنَّها أخت علي من الأم والأب، ولكن الوجه في رواية: «ابن أمي» تأكيد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن، وذلك كما في قوله تعالى حكاية عن هارون لموسى عليهما السلام: {قَالَ يَا بْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي} [طه: 94] ) انتهى.

((أنه)) ؛ أي: ابن أمي، وهو أخوها علي بن أبي طالب ((قاتل رجلًا)) : فـ (قاتل) : اسم فاعل، من باب (المفاعلة) ؛ والمعنى: أنه عازم على المقاتلة؛ لأنَّه لم يكن قاتلًا حقيقة في ذلك الوقت، ولكنه لما عزم على التلبس بالفعل؛ أطلقت عليه القاتل، و (رجلًا) : منصوب بقوله: (قاتل) ، كذا في «عمدة القاري» ((قد أجرته)) بفتح الهمزة بدون المد؛ أي: أمنته، والجملة محلها نصب صفة (رجلًا) ، ولا يجوز فيه المد؛ لأنَّه إمَّا من الجور؛ فتكون الهمزة فيه للسلب والإزالة؛ يعني: لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل؛ نحو: أشكيته؛ أي: أزلت شكايته، وإمَّا من الجوار بمعنى: المجاورة، كذا في «عمدة القاري»، ((فلانَُ بن هبيرة)) ؛ بالرفع والنصب، أمَّا الرفع؛ فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو فلان، وأمَّا النصب؛ فعلى أنه بدل من (رجلًا) ، أو من الضمير المنصوب في (أجرته) ، و (هُبَيْرة) ؛ بضم الهاء، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، وبالراء: هو ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران المخزومي، زوج أم هانئ بنت أبي طالب، شقيقة علي بن أبي طالب، وهي أسلمت عام الفتح، وكان لهبيرة أولاد منها؛ وهم: عمرويه، وهانئ، ويوسف، وجعدة، وقد ذكرنا أن اسمها فاختة أو هند، وكنيت بهانئ أحد أولادها المذكورين، فهرب زوجها من مكة عام الفتح لما رآها أسلمت، ولم يزل مشركًا حتى مات،[/ص452/] وترك عندها ولدها منه، وهو جعدة، وهو ممن له رؤية، ولم تصح له صحبة، وابنه المذكور هنا يحتمل أن يكون جعدة هذا، ويحتمل أن يكون من غير أم هانئ، ونسي الراوي اسمه، ورد الأول بوجوه، ورجح الثاني، وجزم ابن هشام في «السيرة»: (بأن اللذين أجارتهما أم هانئ هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزوميان) ، وعند الأزرقي: (عبد الله بن أبي ربيعة، بدل زهير) ، وقد أوضح ذلك إمام الشَّارحين فقال: (وقولها: «فلان بن هبيرة» فيه اختلاف من جهة الرواية ومن جهة التفسير، ففي «التمهيد» من حديث محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي مرة، عن أم هانئ قالت: (أتاني يوم الفتح حموان لي، فأجرتهما، فجاء علي يريد قتلهما، فأتيت النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة...) ؛ الحديث، وفيه قال عليه السَّلام: «أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت»، وفي «معجم الطبراني»: (إني أجرت حموي) ، وفي رواية: (حموي ابن هبيرة) ، وفي رواية: (حموي ابني هبيرة) ، وقال أبو عمرو في حديث أبي النضر ما يدل على أن الذي أجارته كان واحدًا، وفي هذا اثنين، وأمَّا من جهة التفسير؛ فقال أبو العباس بن سريج: (الرجلان هما: جعدة بن هبيرة، ورجل آخر، وكانا من الشرذمة الذين قاتلوا خالدًا رضي الله عنه، ولم يقبلوا الأمان، ولا ألقوا السلاح، فأجارتهما أم هانئ، وكانا من أحمائها) ، وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ هذا: (أنَّهما الحارث بن هشام وهبيرة بن أبي وهب) ، وجزم ابن هشام في «تهذيب السيرة»: (بأن اللذين أجارتهما أم هانئ هما: الحارث بن هشام وزهير بن أمية المخزوميان) ، وقال الكرماني: (أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة أو ربيبها، كما أن الإبهام فيه محتمل لأن يكون من أم هانئ، وأن يكون الراوي نسي اسمه، فذكره بلفظ: «فلان») ، وقال الزبير بن بكار: (فلان بن هبيرة هو الحارث بن هشام المخزومي) انتهى.

وزعم ابن حجر الذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا؛ كأنه كان فيه: فلان بأنَّهُ عم هبيرة، فسقط لفظ (عم) ، أو كان فلان قريب هبيرة، فتغير لفظ (قريب) بلفظ (ابن) ، وكل من الحارث بن هشام وزهير بن أمية وعبد الله بن ربيعة يصح وصفه بأن عم هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزوم) انتهى.

قلت: وهذا كلام من لم يذق شيئًا من العلم، فأي شيء دله على أن رواية الباب فيها حذف؟ وما هي إلا دعوى لا دليل عليها، بل الظاهر أن الرواية المذكورة في هذا الباب هي هي في الحقيقة يدل عليه أنه ذكر الطبراني هذا الحديث في «معجمه»، وكذا أبو عمرو وغيره، وفيه ما ذكر غير أنه أبدل (فلان) بـ (حموي) ، كما رأيت، فلفظ (عم) و (قريب) التي قدرها هذا القائل غير صحيح؛ لأنَّ ذلك زيادة على اللفظ من غير دليل، وإذا وجد التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى عند المحققين.

وقوله: (فتغير...) إلخ: غير صحيح؛ لأنَّ هذا «الجامع الصحيح» أصح الكتب بعد القرآن، فكيف يقال إنه وقع فيه التغيير؟ وما هذا إلا كلام يمجه الطبع السليم على أنه قد رواه جمع عن جمع بالإتقان والحفظ، وهذا يؤمن تغيره، فكيف قال هذا القائل ما قال؟ وما ذكره في وجه الجمع من أنه كل واحد منهم يقال له: (عم هبيرة...) إلى آخره: ممنوع، فالمدعي الأول غير ثابت، وهو أوهى من بيت العنكبوت، فكيف يبني عليه بأضعف منه؟ والوصف بالعم ينافي ذلك؛ لأنَّ العم إمَّا من النسب أو من قرابة الزوج، وهؤلاء ليسوا من ذلك، فلا يصح الوصف بالعم، وكذلك الوصف بالقريب، فمن أين جاء به هذا القائل؟

وقال إمام الشَّارحين: (الأصوب والأقرب أن تقول في توجيه رواية أبي النضر: «فلان بن هبيرة» أن يكون المراد من «فلان» هو ابن هبيرة من غير أم هانئ، فنسي الراوي اسمه، وذكره بلفظ «فلان»، ويدل على صحة هذا رواية ابن عجلان في «التمهيد»، ورواية الطبراني، فإنها تدل على أن الذي أجارته أم هانئ هو حموها.

فإن قلت: المذكور في رواية أبي النضر واحد، وفي هذه الروايات اثنان؛ قلت: لا يضر ذلك؛ لأنَّه يحتمل أن يكون الراوي اقتصر على ذكر واحد منهما نسيانًا، كما أبهم اسمه نسيانًا، وقال ابن الجوزي: (إن كان ابن هبيرة منها؛ فهو جعدة) ، وجوز أبو عمرو أن يكون من غيرها، وهو الأصوب؛ لما ذكرنا.

فإن قلت: نقل أبو عمرو من أهل النسب أنَّهم لم يذكروا لهبيرة ولدًا من غيرها؛ قلت: لا يلزم من عدم ذكرهم ذلك ألا يكون له ابن من غيرها) انتهى.

زاد في الطنبور نغمة ابن حجر، فزعم أن جعدة معدود فيمن له رواية، ولم يصح له صحبة، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين: أبو عمرو، وابن حبان، وغيرهما، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلًا حتى يحتاج إلى الأمان، ثم لو كان ولد أم هانئ؛ لم يهم علي رضي الله عنه بقتله؛ لأنَّها كانت قد أسلمت، وهرب زوجها، وترك ولدها عندها، ورده إمام الشَّارحين فقال: (كونه تابعيًّا أو صحابيًّا على ما فيه من الاختلاف لا ينافي ما ذكرناه فيما قبل ذلك).

وقوله: «فكيف يتهيأ...» إلى آخره: مجرد دعوى، فيحتاج إلى برهان، فظهر من هذا أن قول الكرماني: (أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة وربيبها) أقرب إلى الصواب وأوجه، وقول بعضهم: (والذي يظهر لي...) إلى آخره: بعيد في ذلك، وتصرف من عنده بغير وجه؛ لأنَّ فيه ارتكاب الحذف والمجاز؛ والتقدير: بشيء: بعيد غير مناسب، ومخالف لما ذكره هؤلاء المذكورون آنفًا، وهذا كلام كله خلاف الأصل، ومما يمجه من له يد في التصرف في الكلام) انتهى.

ومراد بقوله: (بعضهم) : ابن حجر العسقلاني، فإنه القائل، والذي يظهر لي أن في رواية... إلى آخر كلامه، كما سقناه فيما سبق، وتكلمنا عليه ببعض ما يجب عليه؛ فافهم، والله أعلم.

((فقال رسول الله)) : وفي رواية الأصيلي: (النبي) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) لأم هانئ: ((قد أجرنا من أجرت)) يعني: أمنا من أمنت، كما زاده في رواية ابن عجلان في «التمهيد»، كما سبق.

((يا أم هانئ)) ؛ أي: فليس لشقيقك قتله، ((قالت أم هانئ)) : في بيان الوقت الذي جاءت به لعند النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((وذاك)) ؛ بالألف بين الذال والكاف، وفي رواية الأصيلي: (وذلك) ؛ باللام، والإشارة إلى ما ذكرته من قولها: فصلى ثمان ركعات ((ضحًى)) ؛ أي: كان ذلك الوقت ضحًى، أو صلاة ضحًى، ويدل للأول: ما في رواية أحمد في هذا الحديث: (وذلك يوم فتح مكة ضحى) ، ويدل للثاني: ما في رواية أبي حفص بن شاهين: أن أم هانئ قالت: يا رسول الله؛ ما هذه الصلاة؟ قال: «الضحى»، وما رواه ابن أبي[/ص453/] شيبة: ثم صلى الضحى ثمان ركعات، وهذا الوجه هو الأصح، وهذا أيضًا يمنع التخرص في ذلك بأن قال بعضهم: (هذه صلاة الفتح) ، وبعضهم قال: (صلاة الإشراق) ، والدليل على ذلك ما في رواية «مسلم»: (ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى) ؛ كذا قاله إمام الشَّارحين الإمام بدر الدين العيني رضي الله عنه.

قلت: فهذه الروايات تدل على فساد ما زعمه البعض الأول والبعض الثاني، ولأن الإشراق لا صلاة له؛ يدل عليه أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن الصلاة حين تطلع الشمس، وحين استوائها، وحين غروبها، وفي حديث آخر: «إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان»؛ فافهم.

قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث أحكام: الأول: فيه جواز تستر الرجال بالنساء.

الثاني: فيه جواز السلام من وراء الحجاب.

الثالث: فيه عدم الاكتفاء بلفظة (أنا) في الجواب، بل يوضح غاية التوضيح، كما في ذكر الكنية والنسب هنا.

الرابع: فيه استحباب الترحيب بالزائر وذكر كنيته.

الخامس: فيه دليل على استحباب صلاة الضحى وأنها ثمان ركعات.

السادس: فيه جواز أمان رجل حر أو امرأة حرة لكافر واحد أو لجماعة، ولم يجز بعد ذلك قتالهم إلا أن يكون في ذلك مفسدة، ولا يجوز أمان ذمي؛ لأنَّه متهم بهم، ولا أسير، ولا تاجر يدخل عليهم، ولا يجوز أمان عبد إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وهو قول الإمام الأعظم، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وقال الإمام محمد بن الحسن: يجوز أمانه مطلقًا، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وبه قال محمد بن إدريس، ولو أمن الصبي وهو لا يعقل؛ لا يصح كالمجنون، وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال؛ فعلى الخلاف، وإن كان مأذونًا له في القتال؛ فالأصح أنه يصح أمانه بالاتفاق، والله أعلم) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

[1] في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (ثمان)، والمثبت هو الصواب.