المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

349-. حدَّثنا يَحْيَىَ بنُ بُكَيْرٍ، قالَ: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يُونُسَ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ [1] ، قالَ:

كان أبو ذَرٍّ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «فُرِجَ عن سَقْفِ بَيْتِي وَأَنا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ [2] ، فَفَرَجَ صَدْرِي [3] ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمانًا، فَأَفْرَغَهُ في صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي [4] إلى السَّماءِ الدُّنْيا [5] ، فَلَمَّا جِئتُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، قالَ جِبْرِيلُ لِخازِنِ السَّماءِ: افْتَحْ. قالَ: مَنْ هَذا؟ قالَ: هَذا [6] جِبْرِيلُ. قالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقالَ: أُرْسِلَ [7] إِلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنا السَّمَاءَ الدُّنْيا، فَإِذا [8] رَجُلٌ قاعِدٌ، علىَ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَىَ يَسارِهِ أَسْوِدَةٌ، إذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذا نَظَرَ قِبَلَ يَسارِهِ [9] بَكَىَ، فقالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ والابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذا؟ قالَ: هَذا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عن يَمِينِهِ وَشِمالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، والأَسْوِدَةُ الَّتِي عن شِمالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذا نَظَرَ عن يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذا نَظَرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَىَ. حَتَّىَ عَرَجَ بِي [10] إلى السَّماءِ الثَّانِيَةِ، فقالَ لِخازِنِها: افْتَحْ. فقالَ لَهُ خازِنُها مِثْلَ ما قالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ». قالَ [11] أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ [/ج1ص78/] وَجَدَ في السَّمَواتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَىَ، وَعِيسَىَ، وَإِبْراهِيمَ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ: أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ في السَّماءِ الدُّنْيا، وَإِبْراهِيمَ في السَّماءِ السَّادِسَةِ، قالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ، قالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ والأَخِ الصَّالِحِ. «فَقُلْتُ: مَنْ هَذا؟ قالَ [12] : هَذا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَىَ، فقالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ والأَخِ الصَّالِحِ [13] . قُلْتُ: مَنْ هَذا؟ قالَ: هَذا مُوسَىَ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَىَ، فقالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ [14] . قُلْتُ [15] : مَنْ هَذا؟ قالَ: هَذا [16] عِيسَىَ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْراهِيمَ، فقالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ والابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذا؟ قالَ: هَذا إِبْراهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

قالَ ابْنُ شِهابٍ: فأخبَرَني ابْنُ حَزْمٍ:

أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبا حَبَّةَ الأَنْصارِيَّ كانا يَقُولانِ: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ عُرِجَ [17] بِي حَتَّىَ ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ». قالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بنُ مالِكٍ: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَفَرَضَ اللَّهُ [18] علىَ أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّىَ مَرَرْتُ علىَ مُوسَىَ، فقالَ: ما فَرَضَ اللَّهُ لَكَ علىَ أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاةً. قالَ: فارْجِعْ إلىَ رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك [19] . فَراجَعَنِي [20] فَوَضَعَ شَطْرَها، فَرَجَعْتُ إلىَ مُوسَىَ، قُلْتُ [21] : وَضَعَ شَطْرَها. فقالَ [22] : راجِعْ رَبَّكَ [23] ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ. فَراجَعْتُ [24] فَوَضَعَ شَطْرَها، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فقالَ: ارْجِعْ إلىَ رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَراجَعْتُهُ، فقالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهْيَ خَمْسُونَ [25] ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ. فَرَجَعْتُ إلىَ مُوسَىَ، فقالَ: راجِعْ رَبَّكَ [26] . فَقُلْتُ [27] : اسْتَحْيَيْتُ [28] مِنْ رَبِّي. ثُمَّ انْطَلَقَ بِي [29] ، حَتَّى انْتَهَىَ بِي [30] إلىَ سِدْرَةِ [31] المُنْتَهَىَ، وَغَشِيَها أَلْوانٌ لا أَدْرِي ما هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذا فيها حَبَايِلُ [32] اللُّؤْلُؤِ، وَإِذا تُرابُها المِسْكُ».

الأطراف



[1] قوله: «بن مالك» ليس في رواية ابن عساكر.
[2] في رواية الأصيلي زيادة: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
[3] في رواية [عط] : «ففَرَج عنْ صَدرِي».
[4] هكذا في رواية أبي ذر عن المُستملي أيضًا (ب، ص)، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فعَرَج به».
[5] لفظة: «الدنيا» ليست في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت. قارن بما في الإرشاد
[6] لفظة: «هذا» ليست في رواية أبي ذر.
[7] في رواية أبي ذر: «أَأُرسل».
[8] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «إذا».
[9] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «شمالِه». كتبت بالحمرة.
[10] في رواية ابن عساكر: «به».
[11] في رواية [عط] : «فقال».
[12] في رواية الأصيلي: «فقال».
[13] قوله: «والأخ الصالح» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[14] في رواية [عط] : «مرحبًا بالنَّبيِّ الصالح والأخ الصالح».
[15] في رواية [عط] : «فقلتُ».
[16] لفظة: «هذا» ليست في رواية أبي ذر.
[17] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«عَرَجَ»، وكتب فوقها «معًا».
[18] في رواية الأصيلي زيادة: «عَزَّ وَجلَّ».
[19] لفظة: «ذلك» ليست في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت. وضرب عليها في متن اليونينية بالحمرة.
[20] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فراجعتُ».
[21] في رواية الأصيلي: «فقلتُ».
[22] هكذا في روايةٍ لأبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا (ب، ص)، وفي روايةٍ أخرىَ لأبي ذر: «قال».
[23] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ارجع إلىَ ربِّك».
[24] في رواية ابن عساكر: «فرجعْتُ فراجَعْتُ».
[25] في رواية أبي ذر والمُستملي: «هُنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون».
[26] في رواية أبي ذر: «ارجعْ إلىَ ربِكَ».
[27] في رواية أبي ذر: «قلتُ».
[28] في رواية الأصيلي: «قد استحييت».
[29] لفظة: «بي» ليست في نسخةٍ كما في (ص)، وهو موافق لما في الإرشاد ونسخة الزاهدي.
[30] لفظة: «بي» ليست في نسخةٍ (ن، و).
[31] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حتى انتهىَ بي السدرةَ». قارن بما في الإرشاد.
[32] بهامش اليونينية: في الأصل مضَبَّبٌ علىَ: «حبايل»، ثم ضُرب على التضبيب، وصحِّح علىَ لفظة: «حبايل» ثلاث مرَّات، إحداهن بالحمرة، وفي حاشية الأصل: «الصواب: جنابذُ» بالجيم جمع جُنبذة، وهي القُبة، ذكره ابن الأعرابي، وأورده الإسماعيليُّ وأبو عُبيد الهرويُّ في كتابيهما.اهـ.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

349- ( فُرِجَ ) بِضَمِّ الْفَاءِ؛ أي: فتح منه فتح.

( فَفَرَجَ ) بفتحتين [1] بمعنى شق.

( بِطَسْتٍ ) بفتح الطاء، وقيل: بكسرها.

( مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ) نصب على التمييز.

( فَعَرَجَ ) بفتح العين والراء، وروي بضم العين وكسر الراء بِمَعنى: ارتقى.

( فَقَالَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ) أي: هل أرسل إليه للعروج [ب:23] إلى السماء؟ إذ كان الأمر في بعثه رسولًا إلى الخلق شائعًا مستفيضًا قبل العروج به.

( أَسْوِدَةٌ ) جمع سواد كزمان وأزمنة، والأسودة: الأشخاص أو الجماعات.

( نَسَمُ ) بنون وسين مهملة مفتوحتين، جمع نسمة، وهي: روح الإنسان.

( مَرْحَبًا ) منوَّن كلمة تقال عند المسرَّة بالقادم، ومعناها: صادفتَ رُحبًا، أي: سعةً، وهو منصوب بفعل لا يظهر، وقيل: على المصدر.

قال الفراء: معناه رَحَّب الله بك مرحبًا كأنه وضع موضع الترحيب.

( قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ ) الباء في ( بالنبي ) للمصاحبة، وفي ( بإدريس ) للإلصاق. [/ج1ص135/]

( وأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ ) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قاضي المدينة زمن الوليد وأميرَها.

( وأبو حَبَّة الأنصاري ) بحاء مهملة مفتوحة وباء موحدة، وذكره القابسي بياء مثناة، قتِل يوم أحد، وعلى هذا فرواية ابن حزم عنه منقطعة.

وقال الواقدي: ممن شهد بدرًا أبو حنة، يعني: بالنون، واسمه مالك بن عمرو بن ثابت، وليس ممن شهد بدرًا أحد يكنى أبا حية، يعني بالياء، وإنَّما أبو حبة بن غزية من بني النجار قتل باليمامة ولم يشهد بدرًا. والأول قاله عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري، وهو أعلم بالأنصار.

( حَتَّى ظَهَرْتُ ) أي: علوت.

( بِمُسْتَوىً ) بواو مفتوحة: موضع مشرف يُستَوَى عليه وهو المصعد.

( صَرِيفَ الأَقْلاَمِ ) أي: صريرها على اللوح.

( فإذا فيها حبائل اللؤلؤ ) كذا هو لجميع رواة البخاري هنا بحاء مهملة وباء موحدة، وذكر الأئمة أنَّه تصحيف، وإنَّما هو: «جنابذ»، وكذا ذكره البخاري في كتاب الأنبياء [خ¦3342] وفسره بالقباب، واحدتها جُنبُذَة بالضم: ما ارتفع من البناء. [/ج1ص136/]

[1] جاء في هامش [ب] : بفتحات.





349# (فُرِجَ) مبنيٌّ [1] للمجهول.

(فَفَرَجَ) بفتحات مبنيٌّ للمعلوم؛ أي: شقَّ، وفي بعض النسخ: بتشديد الراء للمبالغة.

(بِطَسْتٍ) بفتح الطاء، وحكى ابن الأنباري فيها الكسر أيضًا، وهو فارسيٌّ كما نقله الجواليقي عن أبي عُبيد، وخُصَّ الطست بذلك دون غيره من الأواني ؛

@%ج1ص173%

لأنه آلة الغسل عُرفًا.

(مِنْ ذَهَبٍ) ليس فيه ما يُوهم استعمال أواني الذهب لنا؛ فإن هذا مِن فِعْل الملائكة، ولا يلزم مساواتُهم لنا في الحكم.

(مُمْتَلِئٍ) ذُكِّر على معنى الإناء [2] ، وإلا فالطستُ مؤنثةٌ.

(حِكْمَةً وَإِيمَانًا) أي: شيئًا تحصل بسبب ملابسته الحكمةُ والإيمان، فأطلقا عليه تسميةً للشيء باسم مُسببه، أو هو تمثيلٌ؛ لينكشف بالمحسوس ما هو معقول [3] .

قيل: والحكمةُ هي العلمُ المتصفُ بالأحكام المشتملُ [4] على المعرفة بالله تعالى، والمصحوبُ [5] بنفاذِ البصيرة، وتهذيبِ النفس، وفعلِ الحق، وتركِ الباطل.

(فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْه) بهمزة واحدة، وفي نسخة: بهمزتين؛ أي: هل أرسل إليه للعُروج إلى السماء؛ إذ كان الأمر في بعثه [6] رسولًا إلى الخلق شائعًا مستفيضًا قبل العروج به.

(أَسْوِدَةٌ) جمعُ سواد؛ كزمان وأزمنة، وهي الأشخاصُ.

(مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح وَالاِبْنِ الصَّالحِ) جمَعَ بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنه قال: مرحبًا بالنبي التام في نبوته، والابنِ البارِّ في بُنُوَّته، وكذا القول في النبي الصالح والأخ الصالح.

(نَسَمُ بَنِيهِ) أي: أرواحهم _ بنون وسين مهملة مفتوحتين _ جمعُ نَسَمَةٍ.

(فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ عليه السلام بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم [7] بِإِدْرِيس) الباء الأولى للمصاحبة، والثانية للإلصاق، وكلاهما متعلق بمرَّ.

(فَأَخْبَرَنِي [8] ابْنُ حَزْمٍ) هو أبو بكر بنُ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ قاضي المدينة وأميرُها زمنَ الوليد، مات سنة عشر [9] ومائة، عن أربع وثمانين سنة.

(وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ) هو [10] البدري _ بحاء مهملة مفتوحة وموحدة مشددة _، وللقابسي: بياء مثناة.

قال الزركشي: وقال الواقدي: ممن شهد بدرًا أبو حنة؛ يعني: بالنون،

@%ج1ص174%

واسمُه: مالك بنُ عمرِو بنِ ثابتٍ، وليس [11] ممن شهد بدرًا أحدٌ يُكنى: أبا حَبَّةَ _ يعني: بالباء _ وإنما [12] أبو حبة بن غَزِيَّة [13] من بني النجَّار [14] ، قُتل باليمامة، ولم يشهد بدرًا، والأول: قاله عبد الله بن محمد بن عمارة [15] الأنصاري، وهو أعلم بالأنصار.

(حَتَّى ظَهَرْتُ) أي: علوتُ، وقد مرَّ مثله.

(لِمُسْتَوًى [16] ) بواو مفتوحة؛ أي: موضع مشرف يُستوى عليه، وهو المصعد.

(صَرِيفَ [17] الأَقْلاَمِ) أي: صريرُها، وهو صوتُ حركتها وجريانها على اللوح.

(فَوَضَعَ شَطْرَهَا) أي: جزءًا [18] منها، وليس المراد [19] النصف.

قلتُ: ويدلُّ عليه قوله في المرة الثانية: ((فوضع شطرها))، وليس المراد به النصفُ [20] قطعًا؛ للزوم أن يكون وضع ثنتي عشرة صلاةً ونصفَ صلاةٍ، وهو باطلٌ.

قالوا: فيه جواز النسخ قبل الفعل خلافَ رأي المعتزلة.

قال ابن المنيِّر: لكن الكلَّ متفقون على أن النسخ لا يُتصور قبل البلاغ، وقد جاء به حديث الإسراء فأَشكل على الطَّائفتين.

قلت: بل الخلاف مأثور، نصَّ عليه ابنُ دقيق العيد في «شرح العمدة» وغيرُه، وقد تعلَّق القائل بعدم ثبوت النسخ في حق المكلَّف قبل بلوغ الخطاب له بحديث أهل قباء [21] في الصلاة؛ إذ لو ثبت الحكم في حقهم؛ لبطل ما فعلوه من التوجُّه إلى بيت المقدس قبلَ ورود [22] الناسخ إليهم.

(فَإِذَا فِيهَا [23] حَبَائِلُ اللُّؤْلُؤِ) اتفقت الرواة على [24] أنها حَبائل _ بحاء مهملة فموحدة فألف فهمزة فلام _، قالوا: وهي تصحيفٌ.

وفي البخاري في الأنبياء: ((جَنَابِذُ)) بجيم ونون وموحدة بعد الألف وذال معجمة، جمع: جنبذة، وهي القبَّة، قال القاضي: وهذا هو الصَّواب .

ومن ذهب إلى صحَّة الرواية،

@%ج1ص175%

قال: إنَّ الحبائل: القلائد والعقود [25] ، وهو تخيُّلٌ ضعيف، بل هو تصحيفٌ، فالحبائلُ إنما تكون جمع حَبَالة أو حَبيلة.

[1] في (ق): ((معنى)).
[2] من قوله: ((لنا فإن هذا من فعل ... إلى قوله: ...معنى الإناء)): ليس في (ج).
[3] من قوله: ((فأطلقا عليه ... إلى قوله: ...ما هو معقول)): ليس في (ج).
[4] في (ق): ((المشتملة)).
[5] في (ق): ((المصحوب)).
[6] في (ق): ((بعثته)).
[7] ((بالنبي صلى الله عليه وسلم)): ليست في (ج).
[8] في (ق): ((أخبرني)).
[9] في (ق): ((عشرين)).
[10] ((هو)): ليست في (د) و(ج).
[11] ((وليس)): ليست في (د) و(ج).
[12] في (ق): ((وأما)).
[13] في (ق): ((عربي)).
[14] في (ق): ((النجاري)).
[15] في (د) و(ج): ((عبد الله بن عمار)).
[16] في (د) و(ج): ((مستوى))، وفي (ق): ((استوى)).
[17] في (ق): ((صرير)).
[18] في (ق): ((جزء)).
[19] في (م): ((المراد به)).
[20] من قوله: ((قلت: ويدل عليه ... إلى قوله: ...به النصفُ)): ليس في (م).
في (ق): ((بالنصف)).
[21] في (د): ((القباء)).
[22] في (د): ((وروده)).
[23] في (م) و(د) و(ج): ((فيه)).
[24] في (ق): ((الرواة هنا)).
[25] في (ق): ((والعقد)).





349- قَولُهُ: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ): تقدَّم أنَّه ابن سعد، العَلَم المشهور الصَّالح، أحد الأجواد.

قَولُهُ: (عن يُونُسَ): تقدَّم مرارًا أنَّه ابن يزيد الأيليُّ، أحد الأثبات، تقدَّم بعض ترجمته.

قَولُهُ: (عنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم أنَّه الزُّهْرِيُّ محمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب، العالم المشهور.

قَولُهُ: (كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ [1] ): تقدَّم أنَّ (أبا ذرٍّ): جُندب بن جنادة، وتقدَّم [2] بقيَّة نسبه وبعض ترجمته رَضِيَ اللهُ عنه، وقد شبَّهه عليه الصَّلاة والسَّلام في زهده بعيسى ابن مريم.

قَولُهُ: (فُرِجَ عن سَقْفِ بَيْتِي): (فُرِج): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ ومعناه: شُقَّ، وإنَّما لَمْ تدخل الملائكة من الباب، بل من السَّقف؛ ليكون أوقع في القلب صدق ما جاؤوا به، وسيأتي الجمع بين هذا وبين الرِّوايات في ذلك في (الإسراء) إن شاء الله تَعَالَى.

قَولُهُ: (وَأَنَا بِمكَّة): هذا ممَّا لا أعلم فيه خلافًا أنَّ الإسراء كان بمكَّة، ووقع في «تفسير ابن عَبْد السَّلام [3] » العلَّامة عزِّ الدِّين بن [4] سلطان العلماء في سورة (سبحان) ما لفظه: (وقيل: أُسرِي به مرَّتين، بمكَّة والمدينة، في اليقظة والنَّوم) انتهى، فانظر ما أغرب هذا! ويحتمل أن يكون زلةَّ قلم، ويحتمل أن يكون من النُّسَّاخ، والله أعلم.

قَولُهُ: (فَفَرَجَ صَدْرِي): (فَرَج) ؛ بالتَّخفيف: مبنيٌّ للفاعل.

قَولُهُ: (صَدْرِي...) إلى آخره: في هذا دلالة [5] أنَّ شرح الصَّدر كان ليلة المعراج، وفُعِل ذلك؛ لزيادة الطُّمأنينة، وفي «السِّيرة» لابن إسحاق: أنَّ الشَّقَّ عَرَض له حين كان مُسترضَعًا عند حليمة، ومعناه في «صحيح مسلم»، وقد تكلَّم ابن حزم في رواية شقِّ الصَّدر في (الإسراء) .

واعلم: أنَّ في «الدلائل» لأبي نعيم، و«الأحاديث الجياد» للشيخ ضياء الدِّين المقدسيِّ محمَّد بن عَبْد الواحد: أنَّه شُقَّ صدره وعمره عشر سنين، ذكره شيخنا المؤلِّف، وذكره [6] في مكان آخر، وقال: أشار أبو نعيم إلى غرابته، انتهى، وقد رأيت أنا في «المسند» للإمام أحمد من «زوائد [7] عَبْد الله» ابنه من حديث أبي هريرة: «وأنا ابن عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ»، وقد ذكر الدُّولابيذُ كما نقله [8] ابن سيِّد النَّاس عنه في «سيرته» بسنده إلى بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم: (أنَّه كان من بدء أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [/ج1ص145/] أنَّه رأى في المنام رؤيا، فشقَّ عليه [9] ، فذكر ذلك لصاحبته خديجة بنت خويلد، فقالت له [10] : أبشر، فإنَّ الله لا [11] يصنع بك إلَّا خيرًا، فذكر لها أنَّه رأى أنَّ [12] بطنه أُخرِج، فطُهِّر وأُعيد كما كان، وعن القرطبيِّ المفسِّر: أنَّه ذكر عن «مسند أبي داود الطَّيالسيِّ»: أنَّه شُقَّ صدره بحراء حين جاءه الملَك، وأنَّه قال: إنَّ ذلك اتَّفق له ثلاث مرَّاتٍ؛ مرَّة عند حليمة، ومرَّة بحراء، ومرَّة ليلة الإسراء.

فحصل من الرِّوايات: عند ظئره حليمة، ولمَّا كان له عشر سنين أو عشر سنين وأشهر، وبحراء، وما ذكره الدُّولابيُّ، وليلة الإسراء، فهذه خمس مرَّات، والتَّعدُّد أحسن؛ لما في رواية الدُّولابيِّ: (أنَّه كان من بدء أمره) ، فالظَّاهر: أنَّمَا [13] أراد من بدء أمر النُّبوَّة، أو يُجمَع بين الرِّوايات، فيقال كما قال الجمهور: إنَّ الشَّقَّ مرَّتين؛ عند حليمة، وليلة الإسراء، إن هذا كان [14] في اليقظة، وأمَّا في النَّوم كما ذكره الدُّولابيُّ؛ فلعلَّه رآه وله عشر سنين أو عَشْر سِنِينَ وَأَشْهُر، فأسقط (الأشهر) في رواية، وفي رواية أثبتها، ثُمَّ أخبر خديجة بالرُّؤيا حين تزوَّج بها، فإنَّه ليس في قصَّتها أنَّه رأى تلك اللَّيلة، ولا تلك الأيَّام، وكذا الباقي إن قلنا: إنَّ الإسراء كان يقظة كما هو الصَّحيح، وإن قلنا: إنَّه منام كما في قول في المسألة؛ فالشَّقُّ مرَّة واحدة، والباقي منام، والظَّاهر التَّعدُّد، وأنَّ المنام مرَّة والباقي يقظة، والله أعلم أيَّ ذلك كان.

قَولُهُ: (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ): تقدَّمت بما فيها من اللُّغات؛ وهي فتح الطَّاء، وإسكان السِّين، ويقال: بكسر الطَّاء، ويقال: طسٌّ؛ بتشديد السِّين وحذف التَّاء، وطسَّة أيضًا، وجمعها: طساس وطسوس وطسات.

قَولُهُ: (مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا): فَائِدَة: أخذ بعض الفقهاء من هذا جواز تحلية المصحف، نقله السُّهيليُّ عنه واستحسنه، وهو حسن ظاهر.

قوله: (مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا): ذكر (ممتلئًا) على معنى الإناء؛ لأنَّ الطَّسْت مؤنَّثة، وقد قال بعض المحدِّثين كما تقدَّم: قد يؤنَّث؛ لأنَّه يقال في تصغيرها: طُسَيْسَة.

قَولُهُ: (حِكْمَةً): بالنَّصب على التَّمييز، وَ (إِيمَانًا): معطوف عليه.

فَائِدَة: إن قيل: كيف مُلِئ الطَّست بالحكمة والإيمان، وليسا بجسم؟

قيل: هذا ضرب مثل؛ ليكشف بالمحسوس ما هو معقول، وقيل: إنَّ الطَّست كان فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادة لهما، فسُمِّي: إيمانًا وحكمةً؛ لكونه سببًا لهما، قال الثَّاني النَّوويُّ مقتصرًا عليه.

قَولُهُ: (فَعَرَجَ بِه): (عَرَج): فعل ماض؛ بفتح العين والرَّاء، لازم، لا يجوز أنَّ يُبْنَى منه [فعلٌ] على رأي الجمهور.

قَولُهُ: (لخازِنِ السَّماءِ: افتح): إن قيل: ما اسم خازن السَّماء الدُّنيا [15] ؟

فالجواب: أنَّ في «معجم الطَّبرانيِّ الأوسط» على ما ظهر لي من اصطلاح شيخنا نور الدِّين الهيثميِّ الذي أفرد «زوائد المعجمين؛ الصَّغير والأوسط» على الكتب السِّتَّة من حديث أبي سعيد الخدريِّ، فذكر متنًا إلى أنْ قال فيه: «فإذا أنا بملَكٍ يقال له: إِسْمَاعِيل، وهو صاحب السَّماء الدُّنيا»، والظَّاهر [16] أنَّ المراد بـ (صاحب السَّماء الدُّنيا): خازنها.

فَائِدَة: إِسْمَاعِيل معناه: مُطِيع [17] الله، قاله السُّهيليُّ في إِسْمَاعِيل بن إبراهيم صلَّى الله علَيْهِما وَسَلَّم عنِ ابن هشام في غير «السِّيرة».

قَولُهُ: (أُرْسِلَ إِلَيْهِ): هو استفهام محذوف الآلة، وهو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ ومعناه: أُرسِل اليه للإسراء، وإِلَّا؛ فلا يخفى على أهل السَّماوات بعثته [18] ، وقال السُّهيليُّ: (ولو أراد بعثه إلى الخلق؛ لقالوا: أوَبُعِث إليه؟! مع أنَّه [19] يبعد أنْ يخفى على الملائكة بعثه إلى الخلق، فلا يعلمون به إلَّا ليلة الإسراء) انتهى.

وقال النوويُّ في هذا القول: (إنَّه الصَّحيح) ، قال: (ولم يذكر الخطَّابيُّ وجماعة من العلماء غيره وإن كان القاضي قد ذكر خلافًا أو أشار إلى خلاف في أنَّه استفهم عن أصل البعثة [20] أو عمَّا ذكرته) انتهى.

قَولُهُ: (أَسْوِدَةٌ): هو جمع سواد؛ مثل: قَذَال وأَقذِلة، وهو الشَّخص، وسواد كلِّ شيء: شخصه.

قَولُهُ: (نَسَمُ بَنِيهِ): هو بفتح النُّون والسِّين المهملة؛ أي: أرواح بنيه، وهو جمع نَسَمة؛ بفتحهما؛ وهي الإنسان، وقيل: النَّفس، وحَكى الأزهريُّ: أنَّ النَّسمة النَّفس، وأنَّ كلَّ دابَّة في جوفها روح؛ فهي نَسَمة، والله أعلم.

[تنبيه: قوله: (نَسَمُ): تقدَّم أنَّه بالسِّين المهملة، قال ابن قُرقُول: (وضبطه بعضهم عنِ القابسيِّ: «شِيَم»: جمع شيمة؛ وهو الطِّباع، وهو تصحيف) انتهى، و (شِيَم) في كلام القابسيِّ؛ بالشِّين المعجمة المكسورة، ثُمَّ مثنَّاة تحت مفتوحة، ثُمَّ ميم، وهذه النُّسخة في هامش أصلنا] [21] .

قَولُهُ: (وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ): (يُثْبِت): بضمِّ أوَّله، وبعد الثَّاء المثلَّثة موحَّدة مكسورة، كذا هو في أصلنا بالقلم، وكذا هو في أصلنا عُلِّم؛ ومعناه: يبيِّن.

قَولُهُ: (وَإِبْرَاهِيمَ في [السَّمَاءِ] السَّادِسَةِ): اعلم: أنَّه سيأتي في آخر «البخاريِّ»: أنَّ إبراهيم في السَّادسة كما هنا، وأن موسى في السَّابعة، وذاك من حديث شَرِيك، وقد ذكر الحاكم أنَّه وهم في ذلك، وأنَّه تواتر أنَّ إبراهيم في السَّابعة، انتهى، فإنْ كان الإسراء مرَّتين؛ فلا إشكال، وإنْ كان مرَّة واحدة؛ فهذا هنا من حديث أنس، وفي (الملائكة) من حديثه: أنَّه في السَّابعة، وفي (الملائكة) الرَّاوي عنه قتادة، عن أنس، عن مالك بن صَعْصَعَةَ، وهنا ابن شهاب -وهو الزُّهْرِيُّ- عن أنس، عن أبي ذرٍّ، واختُلِف في موسى؛ هل هو في السَّابعة أو [22] السَّادسة؛ ففي آخر «الصَّحيح» من حَدِيث شريك: أنه في السَّابعة، ووهم فيها، واحتجَّ بأنَّه في السَّابعة بأنَّه أوَّل من مرَّ به، ولذلك كلَّمه في نقص [23] الصَّلاة، قاله ابن التِّين، وهذه مسألة أشكلت عليَّ، وسوف أذكر في آخر «الصَّحيح» عنها جوابين إن شاء الله تَعَالَى وقدَّره؛ فانظرهما من هناك.

قَولُهُ: (بِإِدْرِيسَ) ، وقوله للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (مرحبًا بِالنَّبي الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ): تقدَّم أنَّه [24] اختلف النَّاس على قولين في إدريس؛ هل هو في عمود النَّسب الشَّريف أم لا؟ فقال ابن إسحاق والأكثرون: إنَّ خنوخ هو إدريس، وأنكره آخرون، وقالوا: ليس في عمود النَّسب، وإنَّما إدريس إلياس، واختاره ابن العربيِّ وتلميذه السُّهيليُّ؛ لهذا الحديث حين قال: «وَالأَخِ الصَّالِحِ»، وقال في آدم: «بالابن الصَّالح»، وكذا في إبراهيم، وفي إدريس: «بالأخ»، وقال [25] النَّوويُّ: (يحتمل أنَّه قال تلطُّفًا وتأدُّبًا وهو أخ وإن كان ابنًا، والأبناء [26] إخوة، والمؤمنون إخوة) انتهى، وقال أبو العبَّاس ابن المُنَيِّر: أكثر الطُّرق على أنَّه خاطبه بـ (الأخ الصَّالح) ، قال: وقال لي ابن أبي الفضل: صحَّت لي طريق أنَّه خاطبه فيها بـ (الابن الصَّالح) ، وقال المازريُّ: (ذكر المؤرِّخون أنَّ إدريس جدُّ نوح، فإن قام دليل على أنَّ إدريس أُرسِل؛ لم يصحَّ قول النَّسَّابين: إنَّه قبل نوح؛ لإخبار نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام في الحديث الصَّحيح: «ائتوا نوحًا؛ فإنَّه أوَّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»، وإن [27] لم يقم دليل؛ جاز ما قالوا، وصحَّ أنَّ إدريس كان نبيًّا ولم يُرسَل، قال السُّهيليُّ: (وحديث أبي ذرٍّ الطَّويل يدلُّ على أنَّ آدم وإدريس رسولان) انتهى، قال شيخنا المؤلِّف: (وقد أخرجه بطوله ابن حِبَّان) .

قَولُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ): هو الزُّهْرِيُّ الذي [28] تقدَّم مرارًا، وأنَّه محمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب [29] .

قوله: (فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ): قال الدِّمياطيُّ: (ابن حزم: هو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عَبْد عوف بن مالك بن النَّجَّار، قاضي المدينة زمان الوليد، وأميرها زمن ابن عمِّه عُمر [30] ، مات سنة (120 هـ ) ، وقد بلغ ستًّا وثمانين سنة، قُتِل أبوه يوم الحرَّة، ورواية أبي بكر عن أبي حبَّة منقطعة؛ لأنَّه قُتِل يوم أحُد؛ وأخوه لأبويه النُّعمان بن ثابت بن النُّعمان بن أميَّة بن البُرَك -وهو امرؤ القيس- بن ثعلبة، شهد مع أخيه أبي حبَّة بدرًا وأحُدًا، وقُتِل بخيبر، وأخوهما لأمِّهما سعد بن خيثمة، أمُّهم هند بنت أوس بن عديِّ بن أميَّة) انتهى.

وهذا قد ذكره قبله الرَّشيد [/ج1ص146/] العطَّار وزاد، ومن خطِّه نقلت: حديثٌ وقع في أثنائه ألفاظٌ في اتِّصالها نظر، أخرجه مُسْلِم في (كتاب الإيمان) من حديث ابن شهاب، عن أنس بن مالك، عن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهما في (المعراج) ، وفيه: قال ابن شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابن حَزْمٍ: أَنَّ ابن عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ يَقُولَانِ: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: عرجَ بِي حتَّى ظَهَرْتُ بمُسْتَوًى أَسْمَعُ فيه صَرِيفَ [31] الأَقْلَامِ».

وابن حزم: هو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاريُّ المدنيُّ قاضيها، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمَّد، ويقال: اسمه كنيته، ولا نعلم له سماعًا من أحد من الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عنهم، وإنَّما يروي عن أبيه، وعمر بن عَبْد العزيز، وعمرة بنت عَبْد الرَّحمن، وغيرهم من التَّابعين، وإنْ كان أبوه وُلِد في حياة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سنة تسع من الهجرة، وقيل: سنة عشر، لكنَّه معدود في التَّابعين.

فأمَّا [32] رواية أبي بكر ابن حزم عن أبي حبَّة الأنصاريِّ البدريِّ؛ فغير متَّصلة بلا شكٍّ؛ لأنَّ أبا حبَّة قُتِل يوم أحُد، وكانت غزوة أحُد في السَّنة الثَّالثة من الهجرة، وأبو بكر ابن حزم تُوفِّي سنة عشرين ومئة [33] ، ابن أربع وثمانين سنة فيما ذكر غير واحد من العلماء، فيكون مولده على هذا سنة سبع وثلاثين من الهجرة، فلا يُتصوَّر إدراكه له [34] .

وأمَّا روايته عنِ ابن عبَّاس؛ فغير معروفة، لكنَّها [35] جائزة ممكنة؛ لإدراكه له؛ لأنَّ ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عنهما تُوفِّي سنة ثمان وستِّين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وستِّين، وقيل: سنة سبعين، فإدراكه له معلوم غير مشكوك فيه، وسماعه منه ممكن جائز، وهذا محمول على الاتِّصال عند مُسْلِم رحمه الله حتَّى يقوم دليل على أنَّه لَمْ يسمع مِنْهُ، والله أعلم.

وأبو حبَّة البدريُّ: اسمه عامر، وقيل: مالك، وقيل: ثابت، واختُلِف في ضبطه على ثلاثة أقوال؛ فقيل: أبو حبَّة؛ بالباء بواحدة، وقيل: بالنُّون، وقيل: بالياء باثنتين من تحتها، والصَّحيح الأوَّل، ذكر ذلك اِبْن عبد البَرِّ في «استيعابه» بنحوه، وقيل في اسمه غير ذلك، ولا خلاف أنَّه بالحاء المهملة، والله أعلم، انتهى لفظه بحروفه.

والرَّشيد العطَّار حافظ كبير، تُوفِّي في جمادى الأولى سنة اثنتين وستِّين وستِّ مئة، وله ثمانٍ وسبعون سنة، وهو الحافظ رشيد الدِّين، أبو الحسين، يحيى بن عليِّ بن عَبْد الله بن عليِّ بن مُفرِّج القرشيُّ الأمويُّ النَّابلسيُّ، ثُمَّ المصريُّ المالكيُّ، ترجمته معروفة، روى عنه: الحافظ الدِّمياطيُّ شيخ شيوخنا، والحافظ جمال الدِّين ابن الظَّاهريِّ، واليونينيُّ، وخلقٌ، والله أعلمُ أنَّ الدِّمياطيَّ أخذ ما ذكره من شيخه الرَّشيد العطَّار.

وقد ذكر الحافظ العَلائيُّ أبا بكر ابن حزم في «مراسيله»، ولم يذكر أنَّه أرسل إلَّا عن جدِّه، ونقل ذلك عن «التَّهذيب»، ولم يقع له هذا المكان، وهو مكان حسن.

قوله: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ): تقدَّم الكلام عليه أعلاه أنَّه ممكنٌ لقاؤه، ولكنَّ أبا بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم لَمْ يسمع من أحد من الصَّحابة، وأن هذا جار [36] على قواعد مسلم؛ لأنَّهما متعاصران [37] ، جمعهما وقتٌ واحدٌ، ولم يُذكَر أبو بكر بتدليس، فهو محمولٌ عند مُسْلِم على السَّماع، والله أعلم.

قوله: (وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ): تقدَّم الكلام أعلاه على رواية أبي بكر بن حزم عن أبي حبَّة، وأنَّها منقطعة، وتقدَّم [38] الكلام في ضبط أبي حبَّة أعلاه، فأغنى عن إعادته هنا، وتقدَّم الكلام في اسمه، وبقي عليه أنَّه قيل: إنَّه عمرو، وقد اختلف أصحاب المغازي في أبي حبَّة الأنصاريِّ، وأبي حبَّة البدريِّ؛ هل هما واحد أو اثنان؟ وهل هما بالباء أو النون؟

قَولُهُ: (ثُمَّ عرجَ بِي [39] ): تقدَّم أنَّ (عرج) لازم، لا يُبنَى منه على الصَّحيح فعلٌ.

قَولُهُ: (حَتَّى ظَهَرْتُ): أي: علوتُ.

قَولُهُ: (لِمُسْتَوًى [40] ): هو بفتح الواو، وكذا قيَّده النَّوويُّ، وهو في أصل سماعنا على العراقيِّ منوَّن، وكذا في أصلنا عُلِّم؛ وهو المصعد والمكان العالي، يقال: استوى إلى الشَّيء وعليه؛ إِذَا علا عليه، وهو عبارة عن فضاء فيه استواء.

قَولُهُ: (صَرِيفَ الأَقْلَامِ): الصَّرِيف: بفتح الصَّاد المهملة، وكسر الرَّاء، وبالفاء في آخره؛ وهو صوت حركتها وجريانها على [41] المخطوط فيه ممَّا تكتبه الملائكة من أقضية الله سبحانه من اللَّوح المحفوظ، أو ما شاء الله تعالى من أمره وتدبيره، وقال بعضهم: (صرير) ؛ بالرَّاء في آخره عوض الفاء، هو الأشهر في اللُّغة، حكاه بعضهم عن عَبْد الغافر الفارسيِّ، كما نقله شيخنا عنه، قال: ولا يُسلَّم له.

[قوله: (الأَقْلَامِ): هل هو قلم واحد جُمِع تعظيمًا؟ ويحتمل أنَّ تكون هناك أقلام تكتب ما شاء الله من تقديراته] [42] .

قَولُهُ: (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ [43] بْنُ مَالِكٍ): (ابنُ) و (أنسُ): مرفوعان، وقائل: (قال ابن حزم): هو ابن شهاب الزُّهْرِيُّ، (كما صرَّح به [44] المِزِّيُّ في «أطرافه») [45] ، فروى هذه الزيادة [46] عنِ ابن حزم وأنس بن مالك عنه عليه السَّلام، فتكون هذه الزيادة في الحديث مُعضَلة أو مُنقطِعة من جهة ابن حزم، وذلك لما تقدَّم من أنَّ ابن حزم لَمْ يسمع من أحد [47] من الصَّحابة، وقد قال بعض الحفَّاظ: إنَّه من أتباع التَّابعين، فإذا قلنا: إنه من التَّابعين؛ فتكون الزيادة مُرسَلةً، وإن قلنا: من أتباعهم؛ فمُعضَلة، وابن شهاب لا شكَّ أنَّه سمع من أنس وابن حزم، وفي هذا الكلام وضبطِ أنسٍ كونه بالرَّفع محافظةٌ على كلام الرَّشيد: إنَّ أبا بكر بن حزم لَمْ يسمع من أحد من الصَّحابة، ومتى قلنا: إنَّ (أنسًا) منصوب؛ يكون ابن حزم رواه عن أنس؛ لأنَّ (أن) و (عن) و (قال) في حقِّ غير المدلِّس سواءٌ محمولةٌ على السَّماع، وأبو بكر ليس مدلِّسًا، فيكون محمولًا على السَّماع، ويفوت قولُ الرَّشيد: إنَّه لَمْ يسمع من أحد من الصَّحابة، مع أنِّي لَمْ أر له رواية في «الأطراف» عن أنس في شيء من الكتب السِّتَّة، ولم أر عَبْد الغنيِّ في «الكمال» ولا الذَّهبيَّ في «التَّذهيب» ذكرا [48] أنسًا فيمن روى عنه أبو بكر هذا، وعلى هذا؛ فيتعين الرَّفع في أنس، ولا عبرة بما ضُبِط في بعض نسخ «البخاريِّ» بالقلم: (أنسَ) [49] ؛ بالنَّصب، والله أعلم.

قَولُهُ: (فَوَضَعَ شَطْرَهَا): وفي رواية مالك بن صعصعة كما سيأتي في (المعراج): (فوضع في كلِّ مرَّة عشرًا، وفي الخامسة أمر بخمس) ، وفي حديث آخر: (كلَّما عاد؛ وضع خمسًا) ، والخمس داخل في العشر [50] ، والرَّاوي في رواية: (عشرًا عشرًا) اختصر الرِّواية المطوَّلة فبقيتا [51] ؛ يريد أنْ يجمع بين رواية: (عشر عشر) وبين رواية: (فَوَضَعَ عنِّي شَطْرَهَا) ، ووجه الجمع: أنَّ الشَّطر: هو الجزء، لا النَّصف، قاله القاضي عياض.

فَائِدَة: إنَّمَا اعتنى موسى عليه السَّلام بهذه الأمَّة وألحَّ على نبيِّها أنْ يشفع لها ويسأل التَّخفيف عنها؛ لأنَّه عليه السَّلام -والله أعلم- حين قُضِي إليه بالجانب الغربيِّ، ورأى صفات أمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم في الألواح؛ جعل يقول: (إنِّي أجد في الألواح أمَّة صفتهم كذا، اللَّهمَّ؛ اجعلهم أمَّتي، فيقال له: تلك أمَّة أحمد... حتَّى قال: اللَّهمَّ؛ اجعلني من أمَّة أحمد) ، وهو حديث مشهور في (التَّفسير) ، فكان إشفاقه عليهم واعتناؤه بهم كما يعتني بالقوم مَن هو منهم، قاله السُّهيليُّ في «روضه» انتهى.

وكانت أمَّة موسى صلَّى الله عليه وسلَّم كُلِّفت من الصَّلاة ما لَمْ تُكلَّف غيرُها، فثقلت عليهم، [/ج1ص147/] فخاف على أمَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مثل ذلك.

وسمعت شيخنا العلَّامة الذي لَمْ ترَ عيناي أحفظ منه في مجموع ما يحفظه، فقيه وقته، سراج الدِّين أبا حفص، عُمر بن رسلان بن نصير البلقينيَّ الشَّافعيَّ بمدرسته [52] بالقاهرة يقول ما معناه أو نحوه: إِنَّمَا قصد موسى صلَّى الله عليه وسلَّم مع التَّخفيف على أمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم تكرارَ رؤية محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وذلك لأنَّ موسى عليه السَّلام سأل ربَّه الرُّؤية فمُنِعَها، وعَلِم أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قد رأى ربَّه، فجعل يقصد تكرار رؤية من رأى: [من الطويل]

لعلِّي أَرَاهمْ أَوْ أَرَى مَنْ يَرَاهُمُ

قَولُهُ: (وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ): اعلم أنَّ هذا اللَّفظ سيأتي الكلام عليه في آخر «الصَّحيح»، وأنَّه وهم، ولا يجوز أن يقول موسى هذا بعد قول الله تَعَالَى: «لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ» والمراجعة والله أعلم، ويحتمل أنَّه قال قبل أنْ يعلم أنَّه تَعَالَى قال: «لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ» والله أعلم، ولكن في بعض الرِّوايات [53] [في هذا «الصَّحيح» في (الأنبياء) في (باب ذكر إدريس)] [54] : [أنَّه قاله [55] بعد علمه بقوله تَعَالَى: «لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ»] [56] .

قَولُهُ: (إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى): إن [57] قلت: لَم اختيرت السِّدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشَّجر؟

قيل: لأنَّها تختصُّ بثلاثة أوصاف؛ ظلٍّ مديد، وطعام [58] لذيذ، ورائحة ذكيَّة، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولًا ونيَّة وعملًا [59] ، فظلُّها من الإيمان بمنزلة العمل؛ لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النِّية؛ لكمونه، ورائحتُها بمنزلة القول؛ لظهوره، قاله شيخنا الشَّارح رحمه الله.

قَولُهُ: (حَبَائلُ اللُّؤْلُؤِ): قال الدِّمياطيُّ: (قال القاضي عياض: «حبائل» تصحيف من الكاتب بلا شكٍّ، والصَّواب: «جنابذ»، واحدها: جُنْبذة؛ وهي القِباب، وقد ورد في «كتاب الأنبياء» من حديث يونس: «جنابذ» على الصَّواب، ورواه مُسْلِم من حديث ابن وهب عن يونس، وفيه: «جنابذ»؛ بالجيم على الصَّواب) انتهى، وفي «المطالع»: (حبائل اللُّؤلؤ): كذا لجميعهم في «البخاريِّ»، وفي «مُسْلِم»: (جنابذ اللُّؤلؤ) ، وهو الصَّواب، وقد جاء في حديث آخر: «حافتاه قباب اللُّؤلؤ»، والجنابذ: جمع جُنبذة؛ وهي القبَّة، وقال من ذهب إلى صحَّة الرِّواية: إنَّ الحبائل القلائد، أو تكون [60] من حبال الرَّمل؛ (أي: فيها اللُّؤلؤ كحبال الرَّمل) [61] ، أو من الحُبلة؛ وهو ضرب من الحليِّ معروف، قال: وكلُّ هذا تخيُّل ضعيف، وهو بلا شكٍّ تصحيف من الكاتب، والحبائل إنَّمَا تكون جمع حَبالة أو حَبيلة، انتهى.

فَائِدَة: ممَّا يُسأل عنها كثيرًا؛ لقاؤه صلَّى الله عليه وسلَّم لآدم عليه السَّلام في السَّماء الدُّنيا، ولإبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم في السَّماء السَّابعة وغيرهما من الأنبياء الذين لقيهم في غيرها بين السَّماءين، والحكمة في اختصاص كلِّ واحدٍ منهم بالسَّماء التي رآه فيها.

وسؤال آخر: في اختصاص هؤلاء الأنبياء باللِّقاء دون غيرهم، وإنْ كان رأى الأنبياء كلَّهم؛ فما الحكمة في اختصاص هؤلاء الأنبياء بالذكر؟

قال السُّهيليُّ: وقد تكلَّم أبو الحسن بن بطَّال في «شرح البخاريِّ» على هذا السُّؤال، فلم يصنع شيئًا، ومغزى كلامه الذي أشار إليه: أنَّ الأنبياء لمَّا علموا بقدومه عليهم؛ ابتدروا إلى لقائه ابتدار الغائب للغائب القادم [62] ، فمنهم من أسرع، ومنهم من أبطأ، إلى هذا المعنى أشار، ولم يزد عليه، قال السُّهيليُّ: (والذي أقول في هذا: أنَّ مأخذ فهمه من علم التَّعبير، فإنَّه من علم النُّبوَّة، وأهل التَّعبير يقولون: من رأى نبيًّا بعينه في المنام؛ فإنَّ رؤياه تُؤذِن بما يشبه من حال ذلك النَّبيِّ من شدَّةٍ أو رخاءِ أو غير ذلك من الأمور التي أُخبِر بها عنِ الأنبياء في القرآن والحديث، وحديث الإسراء كان بمكَّة، ومكَّة حرم الله وأمنه، وقُطَّانُها جيران الله تَعَالَى؛ لأن فيها بيتَه.

فأوَّل ما [63] رأى من الأنبياء آدم الذي كان في أمن الله وجواره، فأخرجه عدوُّه إبليس منها، وهذه القصَّة تشبهها الحالة الأولى من أحواله عليه الصَّلاة والسَّلام حين أخرجه أعداؤه من حرم الله وجوار بيته، فأشبهت قصَّتُه قصَّةَ آدم، مع أنَّ آدم تُعرّض عليه أرواح ذرِّيَّته؛ البَرُّ والفاجر، فكان في السَّماء الدُّنيا بحيث يرى الفريقين؛ لأنَّ أرواح أهل الشَّقاء لا تلج السَّماء، ولا تُفتَّح لهم أبوابُها.

ثُمَّ رأى في الثَّانية عيسى ويحيى، وهما الممتحنان باليهود، أمَّا عيسى؛ فكذَّبوه، وآذَوه، وهمُّوا بقتله، فرفعه الله تَعَالَى، وأمَّا يحيى؛ فقتلوه، وهو عليه الصَّلاة والسَّلام بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان، وكانت محنته فيها باليهود، آذَوه، وظاهروا عليه، وهمُّوا بإلقاء الصَّخرة عليه، فنجَّاه [64] الله تعالى كما نجَّى عيسى منهم، ثُمَّ سَمُّوه في الشَّاة، فلم تزل تلك الأُكْلة تعاوده حتَّى قطعت أبهره، هكذا فُعِل بابني الخالة عيسى ويحيى؛ لأنَّ أمَّ يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم.

وأمَّا لقاؤه في الثَّالثة ليوسف؛ فإنَّه يُؤذِن بحالة ثَالِثة تشبه حاله، وذلك أنَّ يوسف ظفر بإخوته بعدما أخرجوه من بين ظهرانَيهم، فصفح عنهم، وقال: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ [65] ...} [يوسف: 92] ؛ الآية، وكذلك هو عليه الصَّلاة والسَّلام أسر يوم بدر جملةً من أقاربه الذين أخرجوه، ثُمَّ ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم، فقال: أقول ما قال أخي يوسف: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ}.

ثُمَّ لقاؤه لإدريس في الرَّابعة، وهو المكان الذي سمَّاه الله تعالى: {مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 57] ، وإدريس أوَّل من آتاه الله الخطَّ بالقلم، فكان ذلك مُؤذِنًا بحالة رابعة، وهو علوُّ شأنه حتَّى أخاف الملوك، وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته، حتَّى قال أبو سفيان عند خروجه من عند هرقل: (لقد أَمِر أمرُ ابن أبي كبشة حتَّى أصبح يخافه ملك بني الأصفر) ، وكُتِب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض، فمنهم من اتَّبعه؛ كالنَّجاشيِّ وملك عُمَان، ومنهم من هادنه وأهدى إليه وأتحفه؛ كهرقل والمقوقس، ومنهم من تعصَّى عليه، فأظفره الله تَعَالَى به، فهذا مقامٌ عليٌّ وخطٌّ بالقلم؛ كنحو [66] ما أُوتِي إدريس.

ولقاؤه في الخامسة هارون المُحَبَّ في قومه يُؤذِن بحبِّ قريش وجمع العرب له بعد بغضهم فيه.

ولقاؤه في السَّادسة موسى يُؤذِن بحالة تشبه حاله حين أُمِرَ بغزو الشَّام، فظهر على الجبَّارين الذين كانوا فيها، وأدخل بني إسرائيل البلدَ الذِي خرجوا منه بعد إهلاك عدوِّهم، وكذلك غزا عليه الصَّلاة والسَّلام تبوك من أرض الشَّام، وظهر على صاحب دومة حتَّى صالحه على الجزية بعد أنْ أُتِي به أسيرًا، وافتتح مكَّة ودخل أصحابُه البلدَ الذي خرجوا مِنْهُ.

ثُمَّ لقاؤه في السَّابعة إبراهيم لحكمتين؛ إحداهما: أنَّه رآه عند البيت المعمور مسندًا ظهره إليه، والبيت المعمور حيالَ الكعبة، وإليه [/ج1ص148/] تحجُّ الملائكة، كما أنَّ إبراهيم هو الذي بنى الكعبة، وأذَّن في النَّاس بالحجِّ إليها، والثَّانية: أنَّ آخر أحوال النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حجُّه إلى البيت، وحجَّ معه في ذلك العام نحوٌ [67] من سبعين ألفًا من المسلمين، ورؤية إبراهيم عند أهل التَّأويل تُؤذِن بالحجِّ؛ لأنَّه الدَّاعي إليه والرَّافع [68] لقواعد الكعبة المحجوجة.

فقد انتظم في هذا الكلام الجواب عنِ السُّؤالين، وكان الحزم تركَ التَّكلف لتأويل ما لَمْ يرد فيه نصٌ عنِ السَّلف، ولكن عارض هذا الغرضَ ما يجب من التَّفكُّر في حكمته تَعَالَى والتَّدبُّر لآياته... إلى آخر كلامه) انتهى ملخَّصًا.

وقد وقع في كلامه فوائدُ؛ منها فائدتان؛ إحداهما: أنَّ هرقل أهدى إليه، وأنا لا أستحضر هذا، ولكن فوق كلِّ ذي علم عليم، والثَّانية: أنَّه حجَّ معه [69] حجة الوداع نحوُ سبعين [70] ألفًا، وقد قال أبو زُرعة الرَّازيُّ عبيد الله بن عَبْد الكريم: إنَّه حجَّ معه أربعون ألفًا، ونقل بعض مشايخ مشايخي: أنَّهم كانوا تسعين ألفًا، وقال بعض مشايخي: ويقال: مئة ألف وأربعةَ عشرَ ألفًا، ويقال: أكثر من ذلك، فيما حكاه البيهقيُّ، وسيأتي الخلاف في عدد من حجَّ معه بأطول من هذا إن شاء الله تَعَالَى وقدَّره في (حجَّة الوداع) [71] .

مسألة: قال ابن الجوزيِّ في «مشكله»: (إن قلت: كيف رأى الأنبياء في السَّماء ومدفنهم في الأرض؟) .

ثُمَّ قال: (أجاب عنه ابن عَقيل، فقال: شكَّل الله أرواحهم على هيئة صور أجسادهم) ، قال شيخنا: ومثله ذكر ابن التِّين، وقال: إِنَّمَا تعود الأرواح _ يعني: إلى الأجساد- يومَ البعث إلَّا عيسى عليه السَّلام، فإنَّه حيٌّ لَمْ يمت، وهو ينزل إلى الأرض، قال شيخنا: والأنبياء أحياء، فلا يبعد أن يراهم حقيقة، وقد مرَّ على موسى عليه السَّلام وهو قائم يصلِّي في قبره، ورآه في السَّماء السَّادسة) انتهى، وسأذكر ما قاله العلماء في اجتماع موسى بآدم وحجاجه إيَّاه -إن شاء الله تَعَالَى- عند مجيء ذاك [72] الحديث، والله أعلم.

[1] في (ج): (محدث) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة».
[2] زيد في (ج): (فيه) .
[3] (ابن عبد السلام): ليس في (ج) .
[4] (بن): ليس في (ب) .
[5] زيد في (ج): (على) .
[6] في (ج): (وذكر) .
[7] في (ج): (رواية) .
[8] في (ب): (ذكر) .
[9] في (ج): (عليَّ) .
[10] (له): ليس في (ب) .
[11] في (ج): (لن) .
[12] (أنَّ): ليس في (ب) .
[13] في (ج): (أنَّه) .
[14] (كان): مثبت من (ب) .
[15] (الدنيا): ليس في (ب) .
[16] في (ج): (والمراد) .
[17] في (ج): (يطيع) .
[18] في (ج): (بعينه) ، ولعله تحريف.
[19] في (ب): (إليه؛ لأنَّه) .
[20] في (ج): (البيعة) .
[21] ما بين معقوفين ليس في (ج) ، و (هذه النسخة في هامش أصلنا): سقطت من (ب) .
[22] زيد في (ب): (في) .
[23] في (ب): (نقض) ، وفي (ج): (بعض) .
[24] (تقدم أنه): ليس في (ج) .
[25] في (ج): (قال) .
[26] في (ب) و (ج): (والأنبياء) .
[27] (إن): سقطت من (ب) .
[28] (الذي): ليس في (ب) .
[29] زيد في (ب): (الزُّهري) .
[30] (عمر): ليس في (ج) .
[31] في (ب) و (ج): (صرير) .
[32] في (ب): (قلنا) ، وفي (ج): (فلهذا) .
[33] زيد في (ب): (وهو) .
[34] (له): سقطت من (ج) .
[35] في (ب): (ولكنها) .
[36] في (ج): (جائز) .
[37] في (ج): (متعارضان) ، وليس بصحيح.
[38] في (ب): (وقد تقدم) .
[39] في (ج): (بنا) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة».
[40] في هامش (ق): (يروى منونًا وغير منون، وضبطه الشيخ محيي الدين غير منون) .
[41] زيد في (ب): (على) .
[42] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[43] في هامش (ق): (رفع (وأنسُ بنُ مالك) متحتم كذا قال شيخنا بعد أن أطال الكلام عليه، وضبطه بعضهم بالنصب عطفًا على اسم (إنَّ) في قوله: (إنَّ ابن عباس وأبا حبَّة) ، وهو خطأ من حيث الصنعة) .
[44] (به): ليس في (ج) .
[45] ما بين قوسين سقط من (ج) .
[46] (الزيادة): ليس في (ب) .
[47] (من أحد): ليس في (ب) .
[48] في النسخ: (ذكر) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[49] (أنس): سقطت من (ب) ، وزيد فيها: (وفي حديث آخر: كلما عاد؛ وضع خمسًا) .
[50] في (ب): (العشرة) .
[51] في (ج): (فبقيا) .
[52] في (ج): (بمدرسة) .
[53] (ولكن في بعض الروايات): ليس في (ج) .
[54] ما بين معقوفين ليس في (ب) و (ج) .
[55] في (ب): (قال) .
[56] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[57] في (ج): (فإنْ) .
[58] في (ج): (وطعمها) .
[59] (وعملًا): ليس في (ب) .
[60] في (ب) و (ج): (يكون) .
[61] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[62] في (ج): (القادر) ، وليس بصحيح.
[63] في (ب): (من) ، والمثبت موافق لما في «الرَّوض» (*) .
[64] في (ج): (فأنجاه) .
[65] زيد في (ب): ({اليَوْمَ}) .
[66] في (ب): (بنحو) .
[67] في (ب): (نحوًا) .
[68] في (ج): (والرابع) ، وهو تحريفٌ.
[69] في (ج): (بعد) .
[70] في النسخ: (سبعون) ؛ ذلك أنَّ كلمة (نحو) مستدركة في (أ) .
[71] زيد في (ب): (وكيف رأى الأنبياء) .
[72] في (ج): (ذلك) .





349- (بِإِدْرِيسَ): إنْ قلتَ: النُّحاةُ قالوا: لا يجوزُ تعلُّقُ حرفينِ مِنْ جنسٍ واحدٍ بمتعلَّقٍ واحدٍ؟

قلتُ: ليسا مِن جنسٍ واحدٍ؛ لأنَّ الباءَ الأُولى للمصاحبةِ، والثانيةَ للإلصاقِ.

(لمُسْتَوًى): بفتحِ الواوِ، واللَّامُ فيه للعلَّةِ؛ أي: علوتُ لاستعلاءٍ مستوًى...، أو لرؤيته، أو لمطالعته، ويَحتمل أنْ يكونَ متعلِّقًا بالمصدرِ؛ أي: ظهرتُ ظهورًا لمستوًى، ويَحتملُ أنْ يكونَ بمعنى: (إلى)، قال تعالى: {أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: 5] ؛ أي: إليها.

[قوله: (وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ): في بعضِ أصولِنا بالنصبِ، وصُحِّحَ عليه، وإنَّما هو مرفوعٌ] [1] .

[1] ما بين معقوفين زيد في هامش (أ)، وليس في (ب).





349- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ)، وسقط لفظ: ((ابن مالكٍ)) لابن عساكر، (قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) رضي الله عنه (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فُرِجَ) بضمِّ الفاء وكسر الرَّاء؛ أي: فُتِح (عَنْ سَقْفِ بَيْتِي) أضافه لنفسه؛ لأنَّ الإضافة تكون بأدنى مُلابَسةٍ، وإِلَّا؛ فهو بيت أُمِّ هانئٍ _كما ثبت_ (وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ اسميَّةٌ، (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) عليه السَّلام من الموضع المفروج في السَّقف، مبالغةً في المفاجأة، (فَفَرَجَ) بفتحاتٍ؛ أي: شقَّ (صَدْرِي)، ولأبي ذَرٍّ: ((عن صدري))، (ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) [1] ؛ لفضله على غيره من المياه، أو لأنَّه يقوِّي القلب، (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ) بفتح الطَّاء وسكون السِّين المهملة، وهي مؤنَّثةٌ، وتُذَكَّر على معنى الإناء (مِنْ ذَهَبٍ) لا يُقال: فيه استعمال آنية الذَّهب لنا [2] ؛ لأنَّا نقول: إنَّ ذلك كان قبل التَّحريم؛ لأنَّه إنَّما وقع بالمدينة، (مُمْتَلِئٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ: «طستٍ»، وذُكِّرَ على معنى: الإناء، (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بالنَّصب فيهما على التَّمييز؛ أي: شيئًا يحصل بملابسته الحكمة والإيمان، فأُطْلِقا عليه؛ تسميةً للشَّيء باسم مُسبَّبه، أو هو تمثيلٌ؛ لينكشفَ بالمحسوس ما هو معقولٌ؛ كمجيءِ الموت في هيئة كبشٍ أملحَ، والحكمة _كما قاله النَّوويُّ_: عبارةٌ عن العلم المتَّصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله _تعالى_، المصحوبةِ بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس، وتحقيق الحقِّ والعمل به، والصدِّ عن اتِّباع الهوى والباطل، وقِيلَ: هي النُّبوَّة، وقِيلَ: هي [3] الفهم عن الله تعالى. (فَأَفْرَغَهُ)؛ أي: ما في الطَّست (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ)؛ أي: الصَّدرَ الشَّريفَ، فختم عليه كما يُختَم على الوعاء [4] المملوء، فجمع الله تعالى له أجزاءَ النُّبوَّة وختمها، فهو خاتم النَّبيِّين، وختم عليه فلم يجد عدوُّه سبيلًا إليه؛ لأنَّ الشَّيء المختوم عليه [5] محروسٌ، وإنَّما فُعِل به ذلك؛ ليتقوَّى على استجلاء الأسماء الحسنى، والثُّبوت في المقام الأسنى، كما وقع له ذلك أيضًا في حال صباه؛ لينشأ على أكمل الأخلاق، وعند المبعث؛ ليتلقَّى الوحي بقلبٍ قويٍّ.

قال عليه السَّلام: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) جبريلُ (فَعَرَجَ)؛ أي: صعِد (بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا)، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: ((به)) على الالتفات أو التَّجريد، جرَّد من نفسه شخصًا وأشار إليه، (فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) وبينها وبين الأرض خمس مئة عامٍ، كما بين كلِّ سماءين إلى السَّابعة، وسقط لفظ: ((الدُّنيا)) عند الأربعة، (قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ) الدُّنيا: (افْتَحْ)؛ أي: بابها، وفي رواية شريك عند المؤلِّف: ((فضرب بابًا من أبوابها))، (قَالَ) الخازن: (مَنْ هَذَا) الَّذي يقرع الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ)، ولغير أبي ذَرٍّ: ((قال: هذا جبريل))، لم يقل: أنا؛ للنَّهي عنه، (قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [6] ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ) للعروج به؟ وليس السُّؤال [/ج1ص383/]

عن أصل [7] رسالته؛ لاشتهارها في الملكوت، ولأبي ذَرٍّ: ((أَأُرسل إليه؟)) بهمزتين؛ الأولى للاستفهام وهي مفتوحةٌ، والأخرى للتَّعدية وهي مضمومةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كما في «الفتح»: ((أَوَ أُرْسِلَ إليه؟ [8] )) بواوٍ مفتوحةٍ بين الهمزتين، وفي رواية شريكٍ: «قال: وقد [9] بُعِثَ إليه؟» (قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أُرْسِل إليه، (فَلَمَّا فَتَحَ) الخازن؛ (عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ضمير الجمع فيه يدلُّ على أنَّه كان معهما ملائكةٌ آخرون، ولعلَّه كان [10] كلَّما عَدَيَا سماءً؛ تُشيُّعهما الملائكة حتَّى يصلا إلى سماءٍ أخرى، و«الدُّنيا» صفة «السَّماء» في موضع نصبٍ، (فَإِذَا) بالفاء، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((إذا)) (رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ): أشخاصٌ، جمع سوادٍ؛ كأزمنةٍ جمع زمانٍ (وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوَحَّدة؛ أي: جهة (يَمِينِهِ؛ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ)؛ أي: جهة (يَسَارِهِ؛ بَكَى) وللأربعة: ((شماله)) (فَقَالَ)؛ أي: الرَّجل القاعِد: (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ)؛ أي: أصبت رَحْبًا [11] لا ضيقًا، وهي كلمةٌ تُقال عند تأنيس القادم، ولم يقل أحدٌ [12] : مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّادق؛ لأنَّ الصَّلاح شاملٌ لسائر الخصال المحمودة الممدوحة [13] من الصِّدق وغيره، فقد جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنَّه قال: مرحبًا بالنَّبيِّ التَّامِّ في نبوَّتِه، والابنِ البارِّ في بنوَّتِه (قُلْتُ لِجِبْرِيلَ) عليه السَّلام: (مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ) عليه السَّلام، (وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ) الَّتي (عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) [14] بفتح النُّون والسِّين المهملة، جمع نَسَمةٍ؛ وهي نفس الرُّوح؛ أي: أرواح بنيه (فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ)، يُحتمَل أنَّ النَّار كانت في جهة شماله، ويُكشَفُ له عنها حتَّى ينظرَ إليهم، لا أنَّها في السَّماء؛ لأنَّ أرواحَهم في سِجِّين الأرض [15] السَّابعة، كما أنَّ الجنَّة فوق السَّماء السَّابعة في جهة يمينه كذلك (فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ؛ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ [16] ؛ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي) جبريل، ولابن عساكر: ((به))، (إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْل مَا قَالَ الأَوَّلُ [17] ، فَفَتَحَ).

(قَالَ) وفي روايةٍ: ((فقال)) (أَنَسٌ: فَذَكَرَ) أبو ذَرٍّ (أَنَّهُ)؛ أي: النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم (وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ _صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ_، وَلَمْ يُثْبِتْ) من الإثبات (كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ)؛ أي: لم يعيِّن أبو ذَرٍّ لكلِّ نبيٍّ سماءً، (غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) نعم؛ في حديث أنسٍ عن مالك بن صعصعة عند الشَّيخين: «أنَّه وجد آدم في السَّماء الدُّنيا _كما مرَّ_، وفي الثَّانية: يحيى وعيسى، وفي الثَّالثة: يوسف، وفي الرَّابعة: إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السَّادسة: موسى، وفي السَّابعة: إبراهيم»، وفيه بحثٌ يأتي في بابه إن شاء الله تعالى [خ¦3207] .

(قَالَ أَنَسٌ): ظاهره: أنَّ أنسًا لم يسمع من أبي ذَرٍّ هذه القطعة الآتية [18] ، وهي: (فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، أي: مصاحبًا بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (بِإِدْرِيسَ) عليه السَّلام، يتعلَّق الجارُّ والمجرور في الموضعين بـ: «بمرَّ»، إلَّا أنَّ الباء الأولى للمصاحبة _كما مرَّ_، والثَّانية للإلصاق، أو بمعنى: «على» (قَالَ) إدريس [19] : (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ)، لم يقل: والابن كآدم [20] ؛ لأنَّه لم يكن من [21] آبائه صلَّى الله عليه وسلَّم (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ) وللأَصيليِّ: ((فقال)): (هَذَا إِدْرِيسُ) عليه السَّلام، قال عليه السَّلام [22] : (ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى) عليه السَّلام (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ)، سقط قوله: ((وَالأَخِ الصَّالِحِ)) في رواية الأربعة كما في «الفرع»، قال عليه السَّلام: (قُلْتُ) وفي رواية [23] ): ((فقلت)): (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ)، قال عليه السَّلام: (قُلْتُ) وفي روايةٍ: ((فقلت)): (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا عِيسَى)، وسقطت لفظة: ((هذا)) عند أبي ذرٍّ، وليست «ثمَّ» هنا على بابها في التَّرتيب، إِلَّا إنْ قيل بتعدُّدِ المعراج؛ لأنَّ الرِّوايات قد اتَّفقت على أنَّ المرور به كان قبل المرور بموسى، قال عليه السَّلام: (ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ) عليه السَّلام (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي، أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن [/ج1ص384/] حزمٍ الأنصاريُّ، قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، المتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ عن أربعٍ وثمانين سنةً (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ) بفتح المهملة وتشديد الموحَّدة على المشهور، البدريَّ (الأَنْصَارِيَّ) وعند القابسيِّ: ((وأبا حَيَّة))؛ بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وغلط، ورواية أبي بكر بن حزمٍ عن أبي حبَّة منقطعةٌ؛ لأنَّه استُشهِد بأُحُدٍ قبل مولد أبي بكرٍ بدهرٍ، بل قبل مولد أبيه محمَّدٍ أيضًا، ففي هذه الرِّواية وهمٌ؛ لأنَّه إمَّا أن يُراد بابن حزمٍ: أبو بكرٍ، أو أبوه [24] محمَّدٌ، فالأوَّل: لم يدرك أبا حبَّة، والثَّاني: لم يدركه الزُّهريُّ، إلَّا [25] أنْ يُقال: إنَّ أبا بكرٍ رواه [26] عنه مُرسَلًا؛ إذ قال: «أنَّ»، ولم يقل: «سمعت»، ولا: «أخبرني»، وحينئذٍ فلا وَهَمَ، واختُلِف في اسم أبي حبَّة بالموحَّدة [27] ؛ فقيل: عامر بن عبد عمرو [28] بن عُمَير بن ثابتٍ، وقيل: مالكٌ، وأنكر الواحديُّ أن يكون في البدريِّين مَن يُكنَّى أبا حبَّة بالموحَّدة، قال في «الإصابة»: وروى عنه أيضًا عمَّار [29] بن أبي عمَّار، وحديثه عنه في «مسند ابن أبي شيبة وأحمد»، وصحَّحه الحاكم وصرَّح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الَّذي ذكر ابن إسحاق أنَّه استُشِهَدَ بأُحدٍ، وله في «الطَّبراني» آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قويٌّ، إِلَّا أنَّ عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، قال ابن حزمٍ: (كَانَا)؛ أي: ابن عبَّاسٍ وأبو حبَّة (يَقُولَانِ): (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ عُرِجَ بِي) بفتحاتٍ، أو بضمِّ الأوَّل وكسر الثَّاني (حَتَّى ظَهَرْتُ)؛ أي: علوت (لِمُسْتَوًى) بواوٍ مفتوحةٍ؛ أي: موضعٍ مُشْرِفٍ يُستوَى عليه؛ وهو المصعد، واللَّام فيه للعلَّة أي: علوت لاستعلاء مستوًى، وفي بعض الأصول: ((بمستوًى)) بموحَّدةٍ بدل اللَّام (أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ)؛ أي: تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى ممَّا تنسخه من اللَّوح المحفوظ، أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد الله تعالى من أمره وتدبيره، والله تعالى غنيٌّ عن الاستذكار بتدوين الكتب؛ إذ علمُه محيطٌ بكلِّ شيءٍ.

(قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) عن شيخه: (وَ) قال (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) عن أبي ذَرٍّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا جزم به [30] أصحاب «الأطراف»، ويُحتَمل أن يكون مُرْسَلًا من جهة ابن حزمٍ، ومن رواية أنسٍ بلا واسطةٍ: (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَفَرَضَ اللهُ)، زاد الأَصيليُّ: ((عزَّ وجلَّ)) (عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً)؛ أي: في كلِّ يومٍ وليلةٍ، كما عند مسلمٍ من حديث ثابتٍ عن أنس، لكن بلفظ: ((ففرض الله عليَّ))، وذِكْرُ الفرض عليه يستلزم الفرض على أمَّته وبالعكس، إِلَّا ما يُستثنَى من خصائصه، (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى) عليه الصَّلاة والسَّلام (فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ) موسى: (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ)؛ أي: إلى الموضع الَّذي ناجيتَه فيه؛ (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) سقطت لفظة: ((ذلك)) في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر، (فَرَاجَعني) و«للأربعة» وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فراجعت))، والمعنى واحدٌ، (فَوَضَعَ)؛ أي: ربِّي (شَطْرَهَا)، وفي رواية مالك بن صعصعة: «فوضع عنِّي عشرًا»، وفي رواية ثابتٍ: «فحطَّ عنِّي خمسًا»، وزاد فيها: ((أنَّ التَّخفيف كان خمسًا خمسًا))، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي زيادةٌ معتمدةٌ يتعيَّن حملُ ما في الرِّوايات عليها، (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ) وللأَصيليِّ: ((فقلت)): (وَضَعَ [31] شَطْرَهَا، فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((قال)): (رَاجِعْ رَبَّكَ)، وفي روايةٍ: ((ارجع إلى ربِّك))؛ (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ) ذلك (فَرَاجَعْتُ) ربِّي، ولابن عساكر ((فرجعت))، (فَوَضَعَ) عنِّي (شَطْرَهَا)، فيه شيءٌ على تفسير الشَّطر بالنِّصف؛ لأنَّه يلزم منه أن يكون وضع اثنتي عشْرة صلاةً ونصف صلاةٍ، وهو باطلٌ، فتفسيره بجزءٍ منها أولى، وأحسنُ منه الحمل على ما زاده ثابتٌ: «خمسًا خمسًا» كما مرَّ (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى موسى (فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ [32] ، فَرَاجَعْتُهُ) تعالى (فَقَالَ) جلَّ وعلا: (هِيَ خَمْسٌ) بحسب الفعل (وَهيَ خَمْسُونَ) بحسب الثَّواب، قال تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] ، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي [33] ، ونسبها في «الفتح» لغير أبي ذَرٍّ: ((هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون))؛ واستدلَّ به على عدم فرضيَّة ما زاد على الخمس كالوتر، وفيه جواز النَّسخ قبل الفعل؛ خلافًا للمعتزلة، قال ابن المُنَيِّر: لكنَّ الكلَّ متَّفقون على أنَّ النَّسخ لا يُتصوَّر قبل البلاغ، وقد جاء به حديث الإسراء، فأشكل على الطَّائفتين، وتُعقِّب بأنَّ الخلاف مأثورٌ، نصَّ عليه ابن دقيق [/ج1ص385/] العيد في «شرح العمدة» وغيره. نعم؛ هو نسخٌ بالنِّسبة إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّه كُلِّفَ بذلك قطعًا، ثمَّ نُسِخَ بعد أن بلَّغَه وقبل أن يفعل، فالنَّسخ في حقِّه صحيح التَّصوير. (لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ) بمساواة ثواب الخمس الخمسين، (لَدَيَّ)، أو لا يُبدَّل القضاء المُبرَم، لا المعلَّق الَّذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت فيه ما يشاء، وأمَّا مراجعته عليه الصَّلاة والسَّلام ربَّه في ذلك؛ فللعلم بأنَّ الأمر الأَوَّل ليس على وجه القطع والإبرام، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ)، وللأَصيليِّ: ((ارجع إلى ربِّك))، (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ: ((قلت)): (اسْتَحْيَيْتُ)، وللأَصيليِّ: ((قد استحييت)) (مِنْ رَبِّي)؛ وجه استحيائه: أنَّه لو سأل الرَّفع بعد الخمس؛ لكان كأنَّه قد سأل رفع الخمس بعينها، ولاسيَّما وقد سمع قوله تعالى [34] : {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 29] (ثُمَّ انْطَلَقَ بِي) بفتح الطَّاء واللَّام، وفي بعض النُّسخ: إسقاط ((بي)) والاقتصار على: ((ثمَّ انطلق)) (حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) و«للأربعة»: ((إلى السِّدرة المنتهى)) وهي في أعلى السَّماوات، وفي «مسلمٍ»: ((أنَّها في السَّماء [35] السَّادسة)). فيحتمل أنَّ أصلها فيها ومعظمها في السَّابعة، وسمِّيت بالمنتهى؛ لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ [36] إِلَّا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو لأنَّه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها، أو تنتهي إليها أرواح الشُّهداء، أو أرواح المؤمنين، فتصلِّي عليهم الملائكة المقرَّبون (وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ؛ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ) بحاءٍ مُهمَلةٍ فمُوحَّدةٍ، وبعد الألف مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ثمَّ لامٌ، كذا هنا في جميع الرِّوايات، وضُبِّب عليها في «اليونينيَّة» ثمَّ ضُرِب على التَّضبيب، وصُحِّح على لفظ «حبايل» ثلاث مرَّاتٍ، قِيلَ: معناه: أنَّ فيها عقودًا وقلائد من اللُّؤلؤ، ورُدَّ: بأنَّ الحبائل إنَّما تكون جمع حبالةٍ أو حبيلةٍ، وذكر غير واحدٍ من الأئمَّة: أنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هي [37] : ((جنابذ))، كما عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3342] ، بالجيم والنُّون، وبعد الألف مُوحَّدةٌ، ثمَّ مُعجَمةٌ، جمع: جنبذةٍ؛ وهي: القبَّة (وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ)؛ أي: تراب الجنَّة رائحته كرائحة المسك [38] .

ورواة هذا الحديث الستَّة ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» مُختصَرًا [خ¦1636] ، وفي «بدء الخلق» [خ¦3207] ، وفي «الأنبياء» [خ¦3342] ، وفي [39] باب {وكلَّم الله موسى تكليمًا} [خ¦7517] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

[1] زيد في (ب) و(س): «وإنَّما اختاره عن غيره من المياه».
[2] «لنا»: مثبت من (ص) و(م).
[3] «هي»: ليس في (د).
[4] في (ص): «الإناء».
[5] «عليه»: ليس في (د).
[6] زيد في (د) و(م): «قال».
[7] في (د): «نفس».
[8] «إليه»: مثبت من (ص) و(م).
[9] في غير (ب) و(س): «قالوا: وقد»، ولم يُنَصَّ عليه، والمثبت موافقٌ للمصادر.
[10] في (ب): «كان».
[11] زيد في (د) و(م): «أي: سعة».
[12] «أحدٌ»: ليس في (م).
[13] «الممدوحة»: ليس في (ص).
[14] في هامش (ص): «قوله: «نسم بنيه»، قال ابن حجرٍ: يحتمل أنَّ النَّسم المرئيَّة هي الَّتي لم تدخل الأجساد، ومستقرُّها عن يمين آدم وشماله، وقد أُعلِم بما يصيرون إليه؛ فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى مَنْ عن يمينه، ويحزن إذا نظر إلى مَنْ عن شماله، بخلاف الَّتي في الأجساد، فليست مرادة قطعًا، وبخلاف الَّتي نُقِلت من الأجساد إلى مستقرِّها من الجنَّة أو من النَّار، فليست مرادةً أيضًا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويُعرَف أنَّ قوله: «نسم بنيه» عامٌّ مخصوصٌ أو عامٌّ أريد به الخصوص، انتهى المراد منه. تقرير».
[15] في هامش (ص): «قوله: «سجِّين الأرض»، يحتمل الإضافة والوصف، وعبارة الكرمانيِّ والشَّيخ زكريَّا: «أرواحهم في سجِّين»، قِيلَ: في الأرض السابعة. انتهى، قال البيضاوي: فقيل: من السجن لقب به الكتاب؛ لأنَّه سبب الحبس، أو لأنَّه مطروح على ما قيل تحت الأرضين في مكانٍ وحشٍ، وقِيلَ: هو اسم المكان، انتهى عجمي».
[16] في (د): «يساره».
[17] في (د): «للأول».
[18] في (د): «الثَّانية».
[19] «إدريس»: ليس في (د).
[20] في (م): «كما قال آدم».
[21] في (د) و(ص): «في».
[22] «قال عليه السَّلام»: ليس في (د).
[23] «قلت وفي رواية»: ليس في (د).
[24] في غير (س): «أبو».
[25] قوله: «أن يُراد بابن حزمٍ: أبو بكرٍ، أو أبوه(1) محمَّدٌ، فالأوَّل: لم يدرك أبا حبَّة، والثَّاني: لم يدركه الزُّهريُّ، إلَّا»، سقط من (د).
[26] في (د): «أورده».
[27] «بالموحَّدة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[28] في (د): «عبد الله»، وليس بصحيحٍ.
[29] في (د) و(ص): «عامر».
[30] «به»: مثبت من (د) و(س).
[31] في (د): «فوضع».
[32] قوله: «(فَرَاجَعْتُ) ربِّي، ولابن عساكر... (فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»، سقط من (ص).
[33] في (د): «الحمُّوي» وليس بصحيحٍ، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[34] في هامش (ص): «قوله: وقد سمع قوله تعالى؛ أي: في الحديث، وأما في التِّلاوة؛ فإنه {مَا يُبَدَّلُ} [ق: 29] بالميم. انتهى».
[35] «السَّماء»: مثبت من (م).
[36] زيد في (م): «من الأنبياء».
[37] في (د): «هو»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[38] قوله: «أي: تراب الجنَّة رائحته كرائحة المسك»، سقط من (د)، ثم في هامشها: «قوله: «وإذا ترابها المسك»: أي رائحةً، في «السِّيرة الحلبيَّة» نقلًا عن «السيرة الهشاميَّة»: «أن سيِّدنا إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلَّم حين رآه عند البيت المعمور: مُرْ أمَّتك أن يُكثِروا من غراس الجنَّة؛ فإن تربتها طيِّبة، وأرضها واسعة، فقال له: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوَّة إلا بالله»، وفي رواية أخرى: «أقرئ أمَّتك منِّي السَّلام، وأخبرهم أنَّ الجنَّة طيِّبة التُّربة، عذبة الماء، وأنَّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، وقد يقال: لا مخالفة بين الرِّوايتين؛ لأنَّه يجوز أن يكون غراس الجنة مجموعُ ما ذُكِرَ، وأنَّ بعض الرواةِ اقتصر، انتهى».
[39] «في»: مثبت من (د).





349- ( فُرِجَ ): بضمِّ الفاء وبالجيم أي: فتح، والحكمة فيه أنَّ الملَكَ انصبَّ إليه من السَّماء انصبابةً واحدةً ولم يعرِّج على شيء سواه مبالغة في المفاجأة وتنبيهًا على أنَّ الطَّلب وقع على غير ميعاد، ويحتمل أن يكون السِّرُّ في ذلك التَّمهيد لما وقع من شقِّ صدره، فكأنَّ في انفراج السَّقف والتئامه في الحال كيفيَّةَ ما سيصنع به تثبيتًا له.

( ففَرَجَ ): بفتح الفاء والرَّاء والجيم، أي: شقَّ، [فإن] [1] قيل: إنَّ شقَّ الصَّدر إنَّما وقع وهو صغير؟ أجاب السُّهيلي: أنَّ ذلك وقع مرَّتين، الثَّانية: عند الإسراء تجديدًا للتَّطهير، زاد ابن حجر: وثالثة عند [المبعث] [2] بغار حراء، أخرجه الطَّيالسيُّ والحارث عن عائشة رضي الله عنها. [/ج2ص451/]

وفي تطهير صدره بالشَّقِّ ثلاثًا مناسبة لمشروعية الطَّهارة في شرعه ثلاثًا، قال ابن أبي جمرة: والحكمة فيه مع إمكان تطهير قلبه بغير شقٍّ الزِّيادة في [قوَّة] اليقين.

وقد اختُلِفَ هل شَقُّ الصَّدرِ [مختصٌّ] [3] به أو شاركه فيه سائر الأنبياء؟

( بِطسْتٍ ): بفتح الطاء وكسرها، وهو مؤنَّثٌ، وذُكِّرَ وصفُه نظرًا لمعنى الإناء.

( حِكمةً وَإِيمَانًا ): تمييز، والظَّاهر أنَّهما مُثِّلا جسمًا تمثيلًا كما يمثَّل الموت كبشًا.

( ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ ): بفتح الرَّاء، ولم يذكر الإسراء إلى بيت المقدس [إمَّا] [4] اختصارًا من الرَّاوي، أو لأنَّ هذه قصَّة أخرى ليس فيها الإسراء، بناءً على تعدُّد المعراج.

( بِي ): للكُشْمِيهنيِّ: « به» على الالتفات.

( افْتَحْ ): لم يفتح الباب قبله مع أنَّه أبلغ في الإكرام بعدم الانتظار؛ ليتحقَّق أنَّ السَّماء لم تفتح إلَّا من أجله بخلاف ما لو وجده مفتوحًا، قاله ابن المُنَيِّر.

( أُرْسِلَ ): للكُشْمِيهنيِّ: «أَوَأُرْسِلَ؟»، والأظهر أنَّه استفهام عن الإرسال إليه للعروج إلى السَّماء لا عن إرسال البعثة لقوله ( إليه ).

( أَسْوِدَةٌ ): بوزن أزمنة: وهي الأشخاص من كلِّ شيء.

( نَسَمُ ): بفتح النُّون والمهملة جمع نسمة: وهي الرُّوح، وظاهره: أنَّ أرواح بني آدم من أهل الجنَّة والنَّار في السَّماء، وهو مُشكِلٌ، فإنَّ أرواح الكفَّار في سجِّين وأرواح المؤمنين في الجنَّة؟

وأُجيب: بأنَّها تعرض على آدم أوقاتًا، أو وقتَ وفاتِها.

وأشكل منه أنَّ أرواح الكفَّار لا تُفتَّح لهم أبواب السَّماء كما هو نصُّ القرآن؟ [/ج2ص452/]

وأجاب عِياض: بأنَّ الجنَّة كانت في جهة يمين آدم والنَّار في جهة شماله، وكان يُكشف له عنهما ولا يلزم من ذلك فتح باب السَّماء لها.

( فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ ): الباء الأولى للمصاحبة، والثَّانية للإلصاق.

( وَأَبَا حَبَّةَ ): بفتح المهملة وبالموحَّدة المشدَّدة، وغلط من جعلها مثنَّاة تحتيَّة.

( ظَهَرْتُ ): أي: ارتفعتُ.

( بِمُسْتَوىً ): هو الصَّعيد.

( صَرِيفَ الأَقْلاَمِ ): بفتح الصَّاد المهملة، تصويتها حالة الكتابة.

( قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ): أي: عن شيخه.

( فَرَاجَعَنِي ): للكُشْمِيهنيِّ: «فَرَاجَعتُ».

( فَوَضَعَ شَطْرَهَا ): في رواية مالك بن صَعْصَعة: «فوضع عنِّي عشرًا»، وفي رواية ثابت: «فحطَّ عنِّي خمسًا».

قال ابن المنيِّر: ذكر الشَّطر أعمُّ من كونه وقع دفعة واحدة، وكذا العشر؛ لأنَّ التَّخفيف كان خمسًا خمسًا.

( فَقُلْتُ: قد اسْتَحْيَيْتُ ): قال ابن المنيِّر: تفرَّس صلَّى الله عليه وسلَّم من كون التَّخفيف وقع خمسًا، أنَّه لو سأل التَّخفيف بعد/ أن صارت خمسًا، لكان سائلًا في رفعها، مع ما فهمه من الإلزام في الأخير بقوله: هي خمس وهنَّ خمسون.

( لاَ يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، هِيَ [خَمْسٌ] [5] ) أي: عددًا.

( وَهُنَّ خَمْسُونَ ): أي: ثوابًا، ولأبي ذرٍّ: «هنَّ» في الموضعين.

( حَبَائلُ اللُّؤْلُؤِ ): كذا هنا بالمهملة، ثمَّ الموحَّدة، وبعد الألف تحتيَّةٌ، [/ج2ص453/] ثمَّ لامٌ، وفي أحاديث الأنبياء: «جنابذ» [خ:3342] بالجيم والنون، وبعد الألف موحَّدة، ثمَّ ذال معجمة، قيل: وهو الصَّواب، والأوَّل تصحيفٌ.

والجَنَابِذ: [القِباب] [6] ، جمع: جُنبُذة _ بالضَّمِّ _: وهو ما ارتفع من البناء، فارسيٌّ معرَّبٌ.

وقال بعض من اعتنى بما هنا: الحبائل، جمع حِبَالة، وحِبَالة: جمع حَبْلٍ على غير قياس، والمراد: أنَّ فيها عقودًا وقلائد من اللُّؤلؤ.

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (قال) والمثبت من غيرها.
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (المبيت)
[3] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (خاص)
[4] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[5] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (خمسين) والمثبت من غيرها
[6] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (العقاب) والمثبت من غيرها.





92/349# قال أبو عبد الله: حدَّثني يحيى بن بكير، قال: حدَّثنا اللَّيث، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَخَذَ بِيَدِي جبريل، فَعَرَجَ بِي [1] إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا [2] ، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ. فَقَالَ: أَأُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا [3] السَّمَاءَ الدُّنْيَا [4] ، إِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شماله بَكَى، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ [5] : مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ» وساق الحديث في صعوده [6] سماء سماء.

قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حَزم أنَّ ابن عبَّاس

@%ص99%

وأبا حَبَّة الأنصاريَّ كانَا يقولان: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : ثمَّ عُرج بي حتَّى ظهرت لِمستوىً أسمعُ فيه صَرِيفَ الأقلام. قال ابن حزم وأنسُ بن مالك [7] : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم «ففرضَ اللهُ على أمَّتي خمسين صلاة». وذكر القصَّة فيها إلى أن قال [8] : «فُردَّت [9] إلى خمسٍ، قال: ثُمَّ أُدْخِلت الجنَّة فإذا هي [10] حبائل [11] اللؤلؤ، وإذا تُرابها المِسك».

قوله: (أأرسِلَ إليه) يحتمل أن يكون معناه: هل أرسل إليه للعروج إلى السماء؟ إذْ كان الأمر في بعثهِ رسولاً إلى الخَلق شائعاً مُستفيضاً قبل العُروج به.

و (الأَسْوِدَةُ): جمع السَّواد [12] الذي هو الشَّخص للإنسان، يُقال [13] : سُوَادٌ وأَسوِدة، كما قيل: غُرابٌ وأغربة، وقُراحٌ وأقرحة [14] .

و (النَّسمُ): جمع نَسَمة، وهي نفس الإنسان، يريد أرواح بني آدم.

وقوله: (ظهرتُ) يعني: صَعَدتُ.

و (المُستوى): المصعَد؛ قال النَّضر بن شُميلٌ [15] : أتينا أبا ربيعة الأعرابيَّ [16] أنا والخليل وهو فوق سَطح [17] ، فسلَّمنا [18] ، فقال: استووا. يريد: اصْعَدُوا.

و (صريف الأقلام): معناه _والله أعلم_: صوت [19] ما يكتبه الملائكة من أقضية الله عز وجل ووحيه، وما يَنْتَسخونه من اللَّوح المحفوظ، أو ما شاء الله من ذلك أن يُكتَبَ ويُرفَعَ [20] لما أراده من أمرِهِ وتدبيره في خلقه، سُبحانه لا يعلم الغيبَ إلَّا هُو، الغَنِيُّ عن الاستذكار بتدوين الكتب، والاستثبات بالمهَارق [21] والصحف، أحاط بكِّل [22] شيءٍ علماً، وأحصى كُلَّ شيء عدداً.

و (حبائل اللُّؤلُؤ): ليس بشيء؛ إنَّما هو «جَنَابذُ اللُؤلؤ» هكذا سمعته في هذا الحديث من غير هذه الرواية [23] ، يريد

@%ص100%

قِبابَ اللُّؤلؤ [24] .

[1] (بي) سقطت من (م).
[2] في (ر) و (ف) و (م): (فعرج بي إلى السماء فلما جئت إلى السماء الدنيا).
[3] في (ر): (علوت).
[4] في (م): (علونا السماء غلق باب السماء الدنيا).
[5] في (أ) و (ر): (يا جبريل).
[6] في (م): (صعود).
[7] قوله (قال النبي صلى الله عليه وسلم ... وأنس بن مالك) سقط من (ر).
[8] (قال) سقطت من (ر) و (ف) و (م).
[9] في (أ) (وذكر القصة التي وردت).
[10] (هي) سقطت من (أ).
[11] في (م): (جنابذ).
[12] في النسخ الفروع: (سواد).
[13] في (أ) و (ف) و (م): (يقال للإنسان).
[14] في (ط) والفروع: (فراخ وأفرخة).
[15] في (ط): (بن سهل).
[16] قوله: (الأعرابي) زيادة من النسخ الفروع.
[17] في (ط): (على السطح)
[18] (فسلمنا) سقطت من (ط).
[19] قوله: (صوت) زيادة من النسخ الفروع.
[20] في (ط): (أن يبيت ويدفع).
[21] (المهارق): جمع المِهْرَق: وهي الصحيفة أو البيضاء يكتب فيها (التاج _ هرق_).
[22] في (ر): (كل).
[23] انظر: البخاري رقم (3342)، عن أبي ذَرّ رضي الله عنه .
[24] في النسخ الفروع: (من غير رواية وهي القباب).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

349# ومعنى (الطَّسْت): وهو الإناء.

وشَرْح صدره عليه الصلاة والسَّلام كان ليلة المعراج، وفعل ذلك؛ لزيادة الطمأنينة؛ لما يرى من عظيم الملكوت وصلاته بالملائكة.

قوله: (أَفْرَغَهُ [1] فِي صَدْرِي): أي: أفرغ الإيمان والحكمة الذي في الطَّست الممتلئ [2] به، فلمَّا فعل به ذلك؛ ختم الله كما يُختم على الوعاء المملوء، فجمع الله له آخر النُّبوَّة وختمها فهو خاتم النَّبيِّين.

سمِّيت سماء الدُّنيا؛ لدنوِّها من ساكني الأرض.

قوله: (افْتَحْ): فيه: أنَّ للسماء بوَّابًا حقيقة، وحفظة موكَّلين بها.

قوله: (أُرْسِلَ إِلَيْهِ): المعنى: أُرسِل إليه للمعراج إلى السماء؛ لأنَّ بعثته استفاضت بين الملائكة، وهو الصَّحيح.

قوله: (الأَسْوِدَة): جماعة من النَّاس.

(النَّسَمُ): المراد: أرواح بني آدم.

قوله: (مَرْحَبًا): أصبت رحبًا وسهلًا.

و(الصَّالِح): القائم بحقوق الله وحقِّ العباد، وخصُّوه بذلك؛ لشموله على سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصِّدق، والأمانة، والعفاف، والصِّلة، والفضل.

قوله: (وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ): يعني: أنَّ أبا ذرٍّ لم يثبت [3] ، (غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ: أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا...)؛ إلى آخره.

(أَبُو حِبَّة [4] ): اسمه مالك بن عمرو، وقيل: عامر.

قوله: (ظَهَرْتُ): أي: علوت وارتفعت.

(المُسْتَوَى): المصعد؛ وهو المكان العالي.

قوله: (صَرِيفَ الأَقْلَامِ): صوت حركتها وجريانها، نَسْخ الملائكة من اللَّوح المحفوظ من أمره وتدبيره في خلقه.

(سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى): فوق السَّماء السَّابعة، قد أظلت السَّماوات، والجنَّة أصلها في السَّماء السَّادسة معظمها في السَّابعة، إليها ينتهي ما يعرج من الأرض وما ينزل من السَّماء، فيقبض منها.

قوله: (حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ): وفيه: جنابذ القباب، والحبايل: الرَّمل، وقيل: الحبايل: القلائد والعقود.

[1] في «اليونينيَّة»: (فأفرغه).
[2] في (أ): (المتلى).
[3] (لم يثبت): ليس في (ب).
[4] كذا في الأصل، ورواية «اليونينيَّة»: (حَبَّةَ).





349- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا يحيى ابن بكير)) ؛ بضم الموحدة: هو أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري، ونسبه لجده؛ لشهرته به ((قال: حدثنا الليث)) ؛ بالمثلثة: هو ابن سعد الفهمي الحنفي، ((عن يونس)) : هو ابن يزيد، وفي رواية: (حدثني يونس) ((عن ابن شهاب)) : هو محمد بن مسلم الزهري، ((عن أنس بن مالك)) : الصحابي الجليل رضي الله عنه، ((قال: كان أبو ذر)) ؛ بالذال المعجمة المفتوحة، وتشديد الراء: هو جندب -بضم الجيم، والدال المهملة- ابن جنادة -بضم الجيم- الغفاري، وكان يقول: يحرم على الإنسان ما زاد على حاجته من المال رضي الله تعالى عنه ((يحدث)) ؛ بضم التحتية أوله ((أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: فُرِج)) ؛ بضم الفاء، وكسر الراء، وبالجيم؛ أي: فتح ((عن سقف بيتي)) ؛ يعني: فتح فيه فتح، وروي: (فشق) .

فإن قلت: كان البيت لأم هانئ، فكيف قال: (بيتي) بإضافته لنفسه؟

قلت: إضافته إليه لأدنى ملابسة، وهذا كثير في كلام العرب كما يقول أحد حاملي الخشبة للآخر: خذ طرفك، قاله إمام الشَّارحين.

قلت: وأم هانئ: هي بنت أبي طالب، وأخت علي، تزوجها هبيرة بن أبي المغيرة المخزومي، فإنه عليه السَّلام كان تلك الليلة نائمًا في دارها رضي الله عنها.

وفي «عمدة القاري»: (فإن قلت: روي أيضًا أنه كان في الحطيم، فكيف الجمع بينهما؟

قلت: أما على كون العروج مرتين؛ فظاهر، وأما على كونه مرة واحدة؛ فلعله عليه الصَّلاة والسَّلام بعد غسل صدره دخل بيت أم هانئ، ومنه عرج به إلى السماء، والحكمة في دخول الملائكة من وسط السقف ولم يدخلوا من الباب كونُ ذلك أوقع صدقًا في القلب فيما جاؤوا به) انتهى.

((وأنا بمكة)) : جملة اسمية محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا، ((فنزل جبريل عليه السَّلام)) ؛ أي: من الموضع المفروج في السقف مبالغة في المفاجأة، ((ففرج عن)) : وفي رواية بإسقاط لفظة: (عن) ((صدري)) ؛ بفتح الفاء، والراء، والجيم، وهو فعل ماض؛ أي: شقه، وفي رواية: (شرح صدري) ، ومنه: {شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ} [الزمر: 22] ، فالشرح: التوسعة، ومكان فسيح؛ أي: واسع، وقد شرح الله صدره عليه [الصَّلاة] والسَّلام بحيث وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق بعد ما ضاق عنهما جميعًا، فإن مقام حضور الحق سبحانه ومناجاته مقام شهود الحق أو لغيبته عن الخلق، ومن كان غائبًا عن الخلق؛ كيف يتأتى له دعوة الخلق ومعاناتهم؟! فإن دعوتهم تستلزم الحضور معهم، والحضور مع المخلوق ينافي الحضور مع الخالق ظاهرًا فيضيق الصدر عن الجمع بينهما، فكان حاضرًا مع الحق، مستغرقًا في مقام مناجاته دائمًا، وهو غائب عنه، مشتغل بدعوة الخلق ظاهرًا، فكان غائبًا حاضرًا.

فإن قلت: ذكر ابن إسحاق أنه عليه السَّلام شق صدره وهو مسترضع في بني سعد عند حليمة، ورجحه القاضي عياض؟

قلت: أجيب: بأن ذلك وقع مرتين والحكمة في الشق؛ الأول: نزع العلقة التي قيل له عليه السَّلام عند نزعها: هذا حظ الشيطان منك، وفي الثاني: ليكون مستعدًّا للتلقي؛ لما حصل له في تلك الليلة، قاله السهيلي، وقد روى الطيالسي والحارث في «مسنديهما» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّ الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل عليه السَّلام إليه بالوحي في غار حراء، وفي «الدلائل» لأبي نعيم: (أن صدره عليه السَّلام شق وعمره عشر سنين) ، ومثله في «الأحاديث الجياد» لمحمد بن عبد الواحد، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».

((ثم غسله بماء زمزم)) : والغسل طهور، والطهور شطر الإيمان، و (زمزم) غير منصرف؛ اسم للبئر الذي في المسجد الحرام، إنَّما خصه؛ لفضله على غيره؛ أو لأنَّه يقوي القلب، ((ثم جاء بطَسْت)) ؛ بفتح الطاء، وسكون السين المهملة، آخره مثناة فوقية، قال ابن سيده: (الطس، والطست، والطسة معروف) ، وجمع الطس: أطساس، وطسوس، وطسيس، وجمع الطسة والطسة: طساس، ولا يمنع أن يجمع طسة على طسيس، بل ذلك قياسه، والطساس: بائع الطسوس، والطساسة: حرفته، وعن أبي عبيد: (الطست فارسي) .

قلت: هو في الفارسية بالشين المعجمة، وقال الفراء: (طيِّئ تقول: طست، وغيرهم يقول: طس)، وهذا يرد ما حكاه ابن دحية، قال الفراء: (يقال: الطسة أكثر في كلام العرب من الطس، ولم يسمع من العرب: الطست) ، وقال ابن الأنباري: (يقال: الطست؛ بفتح الطاء وكسرها، قاله أبو زيد) ، وقال ابن قرقول: (طَس؛ بالفتح والكسر، والفتح أفصح، وهي مؤنثة، وخص الطست بذلك دون بقية الأواني؛ لأنَّه آلة الغسل عرفًا) ، كذا في «عمدة القاري».

((من ذهب)) : وكلمة (من) بيانية؛ وهو اسم للحجر الرزين المعلوم، وليس فيه ما يوهم استعمال آنية الذهب، فإن ذلك فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، أو لأنَّ ذلك كان أول الأمر قبل استعمال الأواني من النقدين؛ لأنَّه كان على أصل الإباحة، والتحريم إنَّما كان بالمدينة، وإنما كان الطست من ذهب؛ لأنَّه أعلى أواني الجنة وهو رأس الأثمان وله خواص؛ منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض، ولا تغيره، وهو أنقى شيء وأصفاه، وقال في المثل: (أنقى من الذهب) ، وهو بيت الفرح والسرور، قال الشاعر:

~صفرًا لا تتنزل الأحزان ساحتها لو مسها حجر مسته ضراء

وهو أثقل الأشياء، فيجعل في الزيبق الذي هو أثقل الأشياء، فيرسب وهو موافق لثقل الوحي وهو عزيز، وبه يتم الملك، كذا في «عمدة القاري».

قلت: وإنما كان الذهب أعز الأشياء؛ لأنَّه حين كان في الجنة آدم ووقع منه ما وقع من أكل الشجرة فجميع الأشياء فرحت حتى تنزل إلى الدنيا إلا الذهب، فإنه حزن على مفارقة الجنة، وكذلك الفضة، فإنها أيضًا حزنت على ذلك، فأبدلهما سبحانه بأن جعلهما أعز الأشياء، والله أعلم.

((ممتلئ)) ؛ بالجر صفة لـ (طست) ، وتذكيره باعتبار الإناء؛ لأنَّ الـ (طست) مؤنثة ((حكمةً وإيمانًا)) : منصوبان على التمييز، وجعل الحكمة والإيمان في الإناء، وإفراغهما فيه مع أنَّهما معنيان، وهذه صفة الأجسام من أحسن المجازات، أو أنه من باب التمثيل، أو تمثيلله النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها، ومعنى المجاز فيه: كأنه جعل في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمَّى ذلك الشيء حكمة وإيمانًا؛ لكونه سببًا لهما، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (والحكمة: اسم من حكُم؛ بضم [/ص429/] عين الفعل؛ أي: صار حكيمًا، وصاحب الحكمة: المتقن للأمور، وأما حكَم؛ بفتح عين الفعل؛ فمعناه: قضى، ومصدره حُكم؛ بالضم، والحكم أيضًا: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم) .

وقال ابن دريد: (كل كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى تكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة) ، وقيل: الحكمة: المانعة من الجهل، وقيل: هي النبوة، وقيل: الفهم عن الله تعالى، وقال ابن سيده: (القرآن كفى به حكمة؛ لأنَّ الأمة صارت علماء بعد جهل) ، وزعم النووي أنَّ الحكمة فيها أقوال مضطربة، وصفي لنا منها: أنَّ الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق، والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، فالحكيم من حاز ذلك كله) انتهى.

قلت: وهذا قول في معنى الحكمة ملفق من أقوال متباينة، فقوله: (وصفي لنا فيها...) إلخ: غير صحيح، بل هذا مجموع الأقوال في معناها، والأخصر أن يقال: الحكمة: هي امتثال أوامر الله تعالى ونبيه عليه السَّلام، واجتناب نواهي الله تعالى ونبيه عليه السَّلام، قال تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] ، ولا ريب أن من امتثل الأوامر واجتنب النواهي؛ فقد جمع له بين خيري الدنيا والآخرة، فلهذا وصفه سبحانه من أوتيها بالخير الكثير؛ فليحفظ.

وقال في «التوضيح»: (وفي هذا الحديث دلالة صريحة على أن شرح صدره عليه السَّلام كان ليلة المعراج، وفعل به ذلك؛ لزيادة طمأنينة لما يرى من عظم الملكوت، أو لأنَّه عليه السَّلام يصلي بالملائكة عليهم السلام) انتهى.

((فأفرغه)) : من الإفراغ؛ أي: أفرغ كل واحد من الحكمة والإيمان اللذين كانا في الطست ((في صدري)) ؛ فيمتلئ حكمةً وإيمانًا، ولهذا غسله بماء زمزم، والمراد بالصدر: القلب.

فإن قلت: تقدم أنه ذكر في هذا الحديث أنه غسل صدره بماء زمزم وقلبه.

قلت: إنَّما غسله بالثلج أولًا؛ ليثلج اليقين في قلبه، وإنما كان ذلك؛ لأجل دخوله الحضرة القدسية، وقيل: فعل به ذلك في حال صغره؛ ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء عليهم السلام في الانشراح، والثانية؛ لتصير حالته مثل حال الملائكة، انتهى ذكره إمام الشَّارحين.

قلت: ويدل عليه: ما ذكره القرطبي في «تفسيره»: روى الضحاك عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله؛ انشرح صدرك؟ قال: «نعم؛ وتفتح»، قالوا: يا رسول الله؛ وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإبانة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت»، وفي «الصحيح» عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: أنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان؛ إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة...، فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا»، قال قتادة: يعني: قال إلى أسفل بطني، قال: «فاستخرج قلبي، فغسله بماء زمزم، ثم أعيد مكانه؛ ثم حشي إيمانًا وحكمةً»، وروي عن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «جاءني ملكان في صورة طائر معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح الآخر منقاره، فغسله»، وفي حديث آخر: «جاءني ملك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة...»؛ الحديث، انتهى.

قلت: وهذا يدل على تعدد القصة، وأنه في هذه القصة لم يكن جبريل الجائي، بل غيره، وفيها أيضًا أنه شق قلبه، وهو يدل على أنَّ المراد بالصدر: القلب؛ لأنَّ غسل القلب وتنقيته مما ينافي النبوة يسلتزم شرح الصدر، وفيه أنَّ الذي جاءه ثلاثة من الملائكة، وصرح في هذه الرواية أن شرح صدره كان من أعلى الصدر إلى أسفل البطن حتى يدخل القلب في الغسل، ولا ريب أنَّ هذا دالٌّ على تعدد القصة، والله تعالى أعلم.

((ثم أطبقه)) ؛ أي: ثم أطبق صدره، يقال: أطبقت الشيء؛ إذا غطيته وجعلته مطبقًا، وفي «التوضيح»: (لما فعل به ذلك؛ ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء، فجمع الله له أجزاء النبوة وختمها؛ فهو خاتم النبيين، وختم عليه فلم يجد عدوه إليه سبيلًا من أجل ذلك؛ لأنَّ الشيء المختوم محروس، وقد جاء أنه استخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك) .

وذكر القاضي عياض: (أن موضع الخاتم إنَّما هو شق الملكين بين كتفيه) ، ذكره القرطبي وقال: (هذه غفلة؛ لأنَّ الشق إنَّما كان في صغره حين لم يبلغ في السن حتى نفذ إلى ظهره) ، وروى أبو داود الطيالسي، والبزار، وغيرهما من حديث عروة عن أبي ذر رضي الله عنه ولم يسمع منه في حديث الملكين: «قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم خاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن»، وهذا دال مع حديث البخاري كما نبه عليه القرطبي، وأنه في الصدر دون الظهر، وإنما كان الخاتم في ظهره؛ ليدل على ختم النبوة به، وأنه لا نبي بعده، وكان تحت بعض كتفه؛ لأنَّ ذلك الموضع منه يوسوس الشيطان، ذكره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وذكر الإمام حافظ النسفي نقلًا عن الكلبي: (أن جبريل عليه السَّلام أتاه عليه السَّلام، فشق صدره، وأبدى عن قلبه، ثم جاء بدلو من ماء زمزم فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطست من ذهب قد ملئ علمًا وإيمانًا، فوضعه فيه، ثم قال: كان هذا حين جاءه بالبراق ليلة المعراج، أو حين كان عند حليمة في السنة التي أعادته فيها إلى عبد المطلب) انتهى.

قلت: وهذا تأييد لقول من قال بتعدد القصة كما سبق، لكن القاضي عبد الجبار قد طعن في هذه الرواية من وجوه؛ أحدها: أنه قد روى أن هذه الواقعة وقعت في حال صغره عليه السَّلام، وهي من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته،وثانيهما: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام ولا شك أنَّ الأخلاق والمعاصي ليسا من قبيل الأجسام، فلا يؤثر فيهما الغسل، وثالثهما: أنَّ القلب لا يصح أن يملأ علمًا وإيمانًا، بل الله تعالى يخلقهما في القلب.

وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزة عن البعثة يجوز عندنا، وذلك هو المسمى بالإرهاص، ومثله كثير في حقه عليه السَّلام.

وعن الثاني في قوله: (أن الغسل له تأثير في إزالة [/ص430/]

الأجسام) : بأن ما في القلب من الدم الأسود لا يبعد أن يكون حصوله فيه علامة مؤذية للقلب إلى ميله إلى المعاصي، وإبعاده عن الطاعات، وتكون إزالته عنه سببًا لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن الشهوات المنبعثة عن توجه القوة الطبيعية إليها، فتكون إزالته عنه مسلتزمة؛ لامتلائه بالعلم والإيمان، فصح أن يعبر عن تطهير قلبه عليه السَّلام من ذلك الدم بامتلائه بالعلم والإيمان، فالمراد بما روي ظاهره هذا، بل هو رمز إلى توسيع الصدر وتفسيحه.

قلت: ويجاب عن الثالث: بأن إملاءه العلم والإيمان يصح أن يكون بواسطة جبريل عليه السَّلام، ويدل عليه: أن جبريل كان ينزل على النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بالوحي من الله عز وجل، فلو لم يصح هذا يلزم التعطيل في النبوة، وهو محال، ويؤيده قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7] ؛ يعني: وجدك ضالًّا عن الحكم والإحكام، فعلمك بالوحي والإلهام، والمراد: وجدك غافلًا عن علوم النبوة والأحكام الشرعية، فهداك إليها؛ كقوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} [الشورى: 52] ، ولا ريب أن معرفة هذا يحتاج إلى واسطة جبريل عليه السَّلام، والله تعالى أعلم بالصواب.

((ثم أخذ بيدي)) ؛ أي: جبريل، ويحتمل أنه أخذه من اليدين جميعًا، ويحتمل أنه أخذه من اليد الواحدة، فإن لفظ (بيدي) يحتمل المعنيين، لكن الظاهر الثاني؛ لأنَّه المتعارف في اللغة؛ فافهم، ((فعرج بي)) وفي رواية: (فعرج به) ؛ بضمير الغائب، وهو من باب التجريد، فكأنه عليه السَّلام جرد من نفسه شخصًا، وأشار إليه، وفيه وجه آخر: وهو أنَّ الراوي نقل كلامه بالمعنى لا بلفظه بعينه، قاله إمام الشَّارحين.

قلت: ونقل الراوي بالمعنى صحيح جائز لمن كان متقنًا لاسيما الراوي المذكور، وزعم ابن حجر أن فيه التفاتًا، ورده إمام الشَّارحين: بأنه غير صحيح، وإنما هذا من التجريد، كما ذكرناه، والعروج: الصعود، يقال: عرَج يعرُج عروجًا، من باب (نصر ينصر) ، وقال ابن سيده: (عرج في الشيء، وعليه يعرُج، ويعرِج عروجًا: رقى، وعرج الشيء وهو عريج: ارتفع وعلا، والمعراج؛ بالكسر: شبه مفعال، من العروج؛ كأنه آلة له، فالمعراج: شبه سلَّم تعرج عليه الأرواح، وقيل: هو حيث تصعد عليه أعمال بني آدم) انتهى.

((إلى السماء)) : وهي كل ما علاك فأظلك، وهذا يدل على رسالة نبينا النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وكذا نزول جبريل عليه السَّلام وعلى خصوصية بأمور لم يعطها أحد غيره عليه السَّلام، فجبريل هو الذي ينزل عليه عليه السَّلام من عند الله، وبأمره عز وجل، فإنه كان واسطة الوحي، ويفهم من قوله: (ثم أخذ بيدي) : أنَّ المعراج وقع غير مرة؛ لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يذكر ههنا، كذا قاله بعضهم، وزعم ابن حجر أنه يمكن أن يقال: هو من باب اختصار الراوي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا غير مقنع؛ لأنَّ الراوي لا يختصر ما سمعه عمدًا) انتهى.

ثم قال إمام الشَّارحين: (والذي يفهم من ترتيب البخاري ههنا أنَّ الإسراء والمعراج واحد؛ لأنَّه قال أولًا: كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ ثم أورد الحديث، وفيه: «ثم عرج بي إلى السماء»، وظاهر إيراده في (أحاديث الأنبياء) عليهم السلام يقتضي أنَّ الإسراء غير المعراج، فإنه ترجم للإسراء ترجمة، وأخرج فيها حديثًا، ثم ترجم للمعراج ترجمة، وأخرج فيها حديثًا) انتهى.

((فلما جئت)) أي: وصلت ((إلى السماء الدنيا)) وهي السماء الأولى، و (الدُّنيا) ؛ بضم الدال المهملة، من الدنوِّ، أوهو القرب، وسميت بذلك؛ لدنوها؛ أي: قربها من الآخرة، وروى ابن حبان في «صحيحه» مرفوعًا: «بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام»، وذكر في كتاب «العظمة» لأبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، عن عبد الله قال: «ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مئة عام، وبين السماء إلى السماء التي تليها مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي كذلك، والماء على الكرسي، والعرش على الماء».

وقال ابن أبي شيبة أبو جعفر محمد بن عثمان في كتابه «العرش» بإسناده إلى العباس قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما خمس مئة عام، وكثف كل سماء خمس مئة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض»، وروي أيضًا عن أبي ذر مرفوعًا مثله، كذا في «عمدة القاري».

((قال جبريل لخازن السماء)) ؛ أي: حافظها الموكل بها.

فإن قلت: كيف يتصور الصعود إلى السموات وما فوقها بالجسم الإنساني؟

قلت: أجيب: بأن الأرواح أربعة أقسام:

الأول: الأرواح الكدرة بالصفات البشرية، وهي أرواح العوام غلبت عليها القوى الحيوانية، فلا تقبل العروج أصلًا.

والثاني: الأرواح التي لها كمال القوة النظرية للبدن باكتساب العلم، وهذه أرواح العلماء.

والثالث: الأرواح التي لها كمال القوة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة، وهذه أرواح المرتاضين إذا كسروا؛ قوَّى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة.

والرابع: الأرواح التي حصل لها كمال القوتين، وهذه غاية الأرواح البشرية، وهي الأنبياء عليهم السلام الصديقون، فكلما ازدادت [1] قوة أرواحهم؛ ازداد ارتفاع أبدانهم من الأرض، ولهذا لما كان الأنبياء عليهم السلام قويت فيهم هذه الأرواح؛ عرج بهم إلى السماء، وأكملهم قوة نبينا النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى، كذا قرره إمام الشَّارحين.

((افتح)) ؛ أي: افتح الباب، وفي رواية شريك عند المؤلف: (فضرب بابًا من أبوابها) ، وهذا يدل على أنَّ الباب كان مغلقًا، والحكمة أنَّ السماء لم تفتح إلا لأجله بخلاف ما لو وجده مفتوحًا، وهذا يدل أيضًا على أن عروجه عليه السَّلام كان بجسده؛ إذ لو لم يكن بجسده؛ لما استفتح، قاله إمام الشَّارحين، ففي الحديث أن للسماء أبوابًا حقيقية، وحفظة موكلين بها، ((قال)) ؛ أي: الخازن ((من هذا)) ؛ بفتح الميم؛ أي: من هذا الذي يقرع الباب؟ ((قال: جبريل)) ولغير أبي ذر: (قال: هذا جبريل) ، ففيه إثبات الاستئذان، وأن يقول: فلان، ولا يقول: أنا، كما نهي عنه في حديث جابر، ولأنه لا فائدة فيه؛ لبقاء الإبهام، فإذا استأذن أحد بدق الباب ونحوه، فإذا قيل له: من أنت؟؛ يقول:

[/ص431/] زيد الكاتب الفلاني، ولا يقتصر على زيد مثلًا؛ لأنَّ المسمى بزيد كثير، فيشتبه عليه، بل يذكر الشيء الذي هو مشهور به بين الناس، أفاده إمام الشَّارحين.

((قال)) أي: الخازن: ((هل معك أحد)) ؛ أي: من الأنبياء عليهم السلام، وهذا يدل على أنَّ الخازن عنده علم وعادة في مجيء نبي من الأنبياء عليهم السلام مع جبريل، وأن عادة جبريل هذه، وهذا يدل على أن عروجه عليه السَّلام كان بروحه؛ إذ لو لم يكن بروحه؛ لما قال: هل معك أحد؟ فإنَّ هذا يدل على أن عادة جبريل المجيء للخازن ومعه أحد من الأنبياء عليهم السلام، لكن قد يقال: إن مجيئهم ليس لأجل المعراج، بل تأتي روحهم لأجل دخول الجنة، فالمعراج خاص بنبينا عليه السَّلام؛ فتأمل.

((قال)) جبريل للخازن: ((نعم)) معي ((محمد)) ؛ أي: النبي الأعظم سيد الأنبياء ورئيسهم صلى الله تعالى عليه وسلم، ((قال)) أي: الخازن: ((أأرسل إليه؟)) ؛ بهمزتين؛ أولاهما: للاستفهام، وهي مفتوحة، والثانية: همزة التعدية، وهي مضمومة، وفي رواية الكشميهني: (أوَأرسل؟) ؛ بواو مفتوحة بين الهمزتين، وهذا السؤال من الملك الذي هو خازن السماء، يحتمل وجهين؛ أحدهما: الاستعجاب بما أنعم الله تعالى عليه من هذا التعظيم والإجلال حتى أصعده إلى السماوات، والثاني: الاستبشار بعروجه؛ إذ كان من اليقين [2] عندهم أن أحدًا من البشر لا يرتقي إلى أسباب السماء من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده، أفاده في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر: أنه يحتمل أن يكون قد خفي عليه أصل إرساله؛ لاشتغاله بعبادته، ورده إمام الشَّارحين فقال: (كيف يخفى عليه ذلك؛ لاشتغاله بعبادته، وقد قال أولًا: من هذا؟ حين قال جبريل: افتح، وقال أيضًا: هل معك أحد؟ قال جبريل: نعم؛ معي محمد، وأين الخفاء بعد ذلك، وأين الاشتغال بالعبادة في هذا الوقت وهو وقت المحاورة والسؤال، وأمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت؛ لأنَّها لا تخفى على خزان السماوات وحراسها؟! فحينئذٍ لا يكون السؤال عن أصل الرسالة، وإنما كان سؤالًا عن أنه أرسل إليه للعروج والإسراء، فحينئذٍ احتمل سؤالهم الوجهين المذكورين.

فإن قلت: جاء في رواية شريك: (أو قد بعث إليه؟) ، وهذا يؤيد ما قاله هذا القائل.

قلت: معنى (أرسل) و (بعث) سواء على أنَّ المعنى هنا أيضًا: أو قد بعث إلى هذا المكان؟! وذلك استعجاب منه واستعظام لأمره) انتهى كلامه.

قلت: وقوله: (لاشتغاله بعبادته) : لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم أن عبادته حراسته لباب السماء، وقعوده عند بابها، وذلك بأمر من الله عز وجل، فأمره سبحانه وتعالى لا ريب أنه عبادة، وهذه العبادة عظيمة، ويفهم من قول الخازن: أأرسل إليه؟ أنه إذا لم يكن قد أرسل إليه لا يفتح الباب له، وهو كذلك؛ لأنَّ الأنبياء معصومون من المعاصي، والسماء لم يعص فيها أحد قط، فإذا كان نبيًّا؛ فتح له، وإلا؛ فلا، وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن غير الأنبياء عليهم السلام يفتح لهم كالمتصوفة، والمتزندقة، وزعموا العصمة لهم، فهذا الحديث يدل صريحًا على أن غير المرسلين عليهم السلام لا يفتح له الخازن الباب، وأنَّهم غير معصومين، والأنبياء عليهم السلام معصومون، ولا تجوز العصمة إلا لهم عليهم السلام، وهذا قول أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة؛ فليحفظ.

((قال)) أي: جبريل: ((نعم)) أرسل إليه، ففتح لهما، ((فلما فتح)) أي: الخازن الباب؛ ((علونا السماء الدنيا)) : ضمير الجمع فيه يدل على أنه كان معهما ملائكة آخرون، فكأنَّهما كلما عديا سماء؛ تشيعها الملائكة إلى أن يصلا إلى سماء أخرى، و (الدنيا) صفة (السماء) في محل النصب بمعنى: أنه لا يظهر النصب، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح منهم القسطلاني.

قلت: والمراد بضمير الجمع هو (نا) في (علونا) ، فإنها للمتكلم، ومعه غيره، كما هو معلوم، فالنبي الأعظم، والثاني: جبريل، والثالث: الخازن، وغيره، ولا ريب أن ذلك جمع، فصدق عليه أنه ضمير جمع، وإنما لم يظهر النصب في (الدنيا) ؛ لوجود الألف التي هي أخت الفتحة، فاشتركا في مخرج واحد، فلم يظهر النصب؛ فليحفظ.

وفي «عمدة القاري»: (وفي الحديث: أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأنَّ الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه) انتهى.

قلت: فإن كان قد أرسل إليه؛ يفتح له، وإلا؛ فلا؛ فليحفظ.

((فإذا رجل قاعد)) وفي رواية: (إذا) ؛ بدون الفاء، وكلمة (إذا) للمفاجأة، وتختص بالجملة الاسمية؛ للمفاجأة، ولا تحتاج إلى جواب، وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرد، وظرف زمان عند الزجاج، ((على يمينه أَسودة)) ؛ بفتح الهمزة، جمع سواد؛ كالأزمنة جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس: عوامهم، وكل عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كل شيء، وقال أبو عبيد: هو شخص كل شيء من متاع أو غيره، والجمع أسودة، وأساود جمع الجمع، كذا في «عمدة القاري».

((وعلى يساره أسودة)) كذلك، ((إذا نظر قِبَل)) ؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة ((يمينه)) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) ((ضحك)) جواب (إذا) فرحًا مسرورًا، ((وإذا)) للمفاجأة أيضًا كما سبق ((نظر قِبَل)) ؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة ((شماله)) وللأربعة: (يساره) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) ((بكى)) حزنًا وتأسفًا، ((قال)) ؛ أي: هذا الرجل ((مَرحبًا)) ؛ بفتح الميم، منصوب بأنه مفعول مطلق؛ أي: أصبت سعة لا ضيقًا، والنصب فيه كما في قولهم: أهلًا وسهلًا؛ ومعناه: أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تتوحش، وهي وأمثالها كلمة تقال عند تأنيس القادم ((بالنبي الصالح، والابن الصالح)) ومعنى (الصالح) : هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وكلهم قالوا له: (بالنبي الصالح) ؛ لشموله على سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق، والأمانة،

[/ص432/] والعفاف، والفضل، ولم يقل له أحد: مرحبًا بالنبي الصادق، ولا: بالنبي الأمين؛ لما ذكرنا أنَّ الصلاح شامل لسائر أنواع الخير، كذا قاله إمام الشَّارحين.

((قلت)) أي: قال النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قلت ((لجبريل: مَن)) بفتح الميم ((هذا)) ؛ أي: الرجل القاعد على يمينه أسودة وعلى يساره كذلك؟ ((قال)) أي: جبريل: ((هذا آدم)) ؛ أي: أبو البشر، قيل: إن اسم آدم سرياني، وقيل: مشتق، فقيل: أفعل من الأدمة، وقيل: من لفظ الأديم؛ لأنَّه خلق من أديم الأرض، قال النضر بن شميل: (سمي آدم؛ لبياضه) ، وذكر محمد بن علي: (إن الآدم من الظباء الطويل القوائم) ، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورته وطوله، وولد له أربعون ولدًا في عشرين بطنًا، في كل بطن ذكر وأنثى، إلا شيثًا، فإنه ولد وحده»، وعاش عليه السَّلام ألف سنة، وكنيته: أبو البشر، كما ذكرنا، وأبو الأنبياء المرسلين، وقيل: أبو محمد، وروى ابن عساكر من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا: «أهل الجنة ليس لهم كنى إلا آدم، فإنه يكنى أبا محمد»، وفي حديث كعب الأحبار: (ليس لأحد من أهل الجنة لحية إلا آدم، فإن له لحية سوداء إلى سرته) ، وذلك؛ لأنَّه لم يكن له لحية في الدنيا، وإنما كانت اللحى بعد آدم، ولما أهبط من الجنة؛ هبط بسرنديب من الهند على جبل يقال له: نَوَد، ولما حضرته الوفاة؛ اشتهى قطف عنب، فانطلق بنوه ليطلبوه، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى قطفًا، فقالوا: ارجعوا قد كفيتموه فرجعوا؛ فوجدوه قد قبض، فغسلوه، وحنطوه، وكفنوه، وصلى عليه جبريل عليه السَّلام، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم، ودفنوه، وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم، ودفن في غار يقال له الكنز في أبي قبيس، فاستخرجه نوح عليه السَّلام في الطوفان وأخذه، وجعله في تابوت معه في السفينة، فلما نضب الماء؛ رده نوح عليه السَّلام إلى مكانه، كذا في «عمدة القاري».

((وهذه الأسودة)) ؛ أي: التي ((عن يمينه وشماله نَسَم)) ؛ بفتح النون والسين المهملة، والنسمة: نفس الروح، وما بها نسمة؛ أي: نفس، والجمع نسم، قاله ابن سيده، وزعم الخطابي هي النفس ((بنيه)) والمراد: أرواح بني آدم، وزعم ابن التين ورويناه: (شيم) بني آدم، والأولى أشبه، قاله إمام الشَّارحين.

((فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار)) فإن الجنة فوق السماء السابعة في جهة يمين آدم، والنار في الأرض السابعة في جهة يساره، فيكشف الله له عنهما، كما سيأتي، ((فإذا نظر عن يمينه؛ ضحك، وإذا نظر قبل شماله؛ بكى)) ففيه دلالة على أن نسم أهل النار في السماء، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، فكيف تكون مجتمعة في السماء؟!

وأجيب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فصادف وقت عروضها مرور النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.

فإن قلت: لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار كما هو نص القرآن.

قلت: يحتمل أنَّ الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكانت يكشف له عنهما، ويحتمل أن يقال: إنَّ النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلمه الله تعالى بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، قاله إمام الشَّارحين.

((حتى عَرَجَ)) ؛ بفتحات؛ أي: صعد ((بي)) ؛ أي: جبريل، ولابن عساكر: (به) ، وهو من باب التجريد، كما سبق ((إلى السماء الثانية، فقال)) أي: جبريل ((لخازنها)) ؛ أي: الملك الموكل بحفظها: ((مثل ما قال الأول)) ؛ يعني: قال لخازنها: افتح الباب، قال الخازن: من هذا الذي يقرع الباب؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم؛ معي محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: أأرسل إليه؟ قال جبريل: نعم؛ أرسل إليه، ((ففتح)) ؛ أي: الخازن لهما باب السماء الثانية، ((قال)) وفي رواية: (فقال) ((أنس)) : هو ابن مالك رضي الله عنه، ((فذكر)) ؛ أي: أبو ذر جندب ابن جنادة الغفاري ((أنه)) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((وجد في السماوات)) ؛ أي: السبع ((آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم صلوات الله عليهم)) .

فإن قلت: كيف رأى النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الأنبياء في السماوات، ومقرهم في الأرض؟

أجيب: بأن الله تعالى شكل أرواحهم على هيئة صور أجسادهم، ذكره ابن عقيل، وكذا ذكره ابن التين، وقال: (وإنما تعود أرواحهم إلى الأجساد يوم البعث إلا عيسى بن مريم عليه السَّلام، فإنه لم يمت وهو ينزل إلى الأرض) انتهى.

واعترضهما إمام الشَّارحين فقال: (الأنبياء أحياء، فقد رآهم عليه السَّلام حقيقة، وقد مر على موسى عليه السَّلام وهو قائم في قبره يصلي، ورآه في السماء السادسة) انتهى.

قلت: يعني: أنَّ الأنبياء عليهم [السلام] أحياء حقيقة، يدل عليه قوله عليه السَّلام في هذا الحديث: (وجد...إلى آخره) ، وهو يدل على أنه رآهم أحياء حقيقة، وكيف وقد قال تعالى في حق الشهداء: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] [3] ، فالمراد بقوله: {عِندَ رَبِّهِمْ}؛ يعني: في الجنة، والجنة فوق السماوات، وإنَّهم أحياء حقيقة، كما نطق به الكتاب العزيز، فلا يكون الشهداء أرقى من الأنبياء، بل الأنبياء عليهم السلام أرقى حالًا منهم، كما لا يخفى؛ لأنَّه ليس فوق درجة النبوة شيء، خلافًا للمتصوفة الزاعمين ذلك، وهو كفر وزندقة؛ فليحفظ.

((ولم يثبت)) : من الإثبات ((كيف منازلهم)) ؛ أي: لم يعين أبو ذر لكل نبي منهم سماء معينًا ((غير أنه)) ؛ أي: أبا ذر ((ذكر أنه)) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة)) نعم في «الصحيحين» من حديث أنس، عن مالك بن صعصعة: (أنه وجد آدم في السماء الدنيا) ، كما سلف في حديث أبي ذر، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وهو مخالف لرواية أنس عن أبي ذر: (أنه وجد إبراهيم في السماء السادسة) ، وكذا جاء في «صحيح مسلم».

وأجيب: بأن الإسراء إن كان وقع مرتين؛ فيكون رأى إبراهيم في أحدهما؛ أي: أحد السماءين، ويكون استقراره ووطنه بها، والثانية في سماء غير وطنه، وإن كان الإسراء وقع مرة واحدة؛ فيكون رآه أولًا في السماء السادسة، ثم ارتقى معه إلى السماء السابعة، كذا قرره إمام الشَّارحين.

[/ص433/] وزعم ابن حجر أنَّ المعراج إن كان وقع مرة واحدة، فالأرجح رواية الجماعة؛ لقوله فيها: إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وهو في السماء السابعة بلا خلاف، ورده إمام الشَّارحين فقال: (وقول هذا القائل: (بلا خلاف) غير صحيح؛ لأنَّ فيه خلافًا، فقد روي عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع: (أنه في السماء الدنيا) ، وروي عن علي: (أنه عند شجرة طوبى في السماء السادسة) ، وروي عن الضحاك ومجاهد: (أنه في السماء السابعة) .

فإن قلت: كيف يجمع بين هذه الأقوال وفيها منافاة؟

قلت: لا منافاة بينها؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة عند سدرة المنتهى، ثم إلى السماء السابعة تعظيمًا للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم حتى يراه في أماكن، ثم أعاده إلى السماء الدنيا.

وفي «تفسير» الحافظ النسفي: (البيت المعمور: حذاء العرش بحيال الكعبة، يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحُرمة [4] الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يطوفون به، ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدًا، وخادمه ملك يقال له: رزين، وقيل: كان في الجنة، فحمل إلى الأرض؛ لأجل آدم، ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان.

قلت: الضُّراح؛ بضم الضاد المعجمة، وبالحاء المهملة، وقال الصاغاني: ويقال له: الضريح أيضًا، انتهى كلام إمامنا في «عمدة القاري».

((قال أنس)) : هو ابن مالك، وظاهره أن أنسًا لم يسمع من أبي ذر هذه القطعة الآتية، قاله إمام الشَّارحين.

قلت: وهي قوله: ((فلما مَرَّ)) ؛ بفتح الميم، وتشديد الراء المفتوحة، من المرور ((جبريل بالنبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ يعني: في السماوات مصاحبًا لنبينا عليه السَّلام ((بإدريس)) والجار والمجرور في الموضعين يتعلقان كلاهما بقوله: (مر) ، فالأولى للمصاحبة كما ذكرنا، والثانية للإلصاق، أو بمعنى: على، وجاز تعلق حرفين من جنس واحد بمتعلق واحد وإن كانا ليسا من جنس واحد؛ لصحة المعنى في ذلك، خلافًا لمن منعه، بل هذا يدفعه، أفاده إمام الشَّارحين.

((قال)) ؛ أي: إدريس حين رأى النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مرحبًا)) ؛ بالنصب على المفعولية المطلقة؛ يعني: أتيت مكانًا رحبًا واسعًا سهلًا ((بالنبي الصالح)) ؛ أي: القائم بحقوق الله، وحقوق عباده ((والأخ الصالح)) وإنما لم يقل: والابن كما قال آدم؛ لأنَّ إدريس لم يكن من آبائه عليه السَّلام، كذا قاله القسطلاني.

قلت: وكان ينبغي لإدريس أن يقول: والابن؛ لأنَّه أكبر سنًّا منه، لكنه لما علم أنه أفضل منه حيث جاء إلى مكان لم يجئه أحد قبله عليه السَّلام؛ علم بالقرينة أنه أفضل منه قدرًا عند الله عز وجل، فوصفه بالأخوة، وهي تقتضي المشاركة في النبوة فقط؛ فليحفظ.

((فقلت)) ؛ أي: قال النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم فقلت: ((مَن)) ؛ بفتح الميم ((هذا؟)) ؛ أي: يا جبريل الذي قال هذا القول، ((قال)) : وللأصيلي: (فقال) ؛ أي: جبريل ((هذا إدريس)) عليه السَّلام، وسمي به؛ لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت [5] عليه، فقيل: إنه خنوخ، ويقال: أحنوخ، ويقال: أخنخ، ويقال: أهنخ بن برد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم عليه السَّلام، واسم أمه: بره، وخنوخ اسم سرياني؛ ومعناه بالعربية: إدريس، قال وهب: هو جد نوح عليه السَّلام، وقد قيل: إنه إلياس، وإنه ليس بجد نوح، ولا هو في عمود هذا النسب، ونقله السهيلي عن ابن العربي، ويشهد له حديث الإسراء حيث قال فيه: (مرحبًا بالأخ الصالح) ، ولو كان في عمود هذا النسب؛ لقال له كما قال إبراهيم: (والابن الصالح) ، وزعم ابن حجر أن إدريس كان نبيًّا في بني إسرائيل، فإن كان كذلك؛ فلا اعتراض عليه، وزعم النووي يحتمل أنه قاله تلطفًا وتأدبًا، وهو أخ وإن كان ابنًا، والأبناء إخوة، والمؤمنون إخوة، وزعم ابن المنير أكثر الطرق على أنه خاطبه بالأخ، قال: وقال لي ابن أبي الفضل صحت لي طريق أنه خاطبه فيها: (بالابن الصالح) ، وقال المارزي: ذكر المؤرخون: أن إدريس أرسل إليه، ولم يصح قول النسابين: إنه نوح؛ لأخبار نبينا عليه السَّلام في الحديث الصحيح: «ائتوا نوحًا، فإنه أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض»، وإن لم يقم دليل جازم، وقال: وصح أن إدريس كان نبيًّا، ولم يرسل إليه، قال السهيلي: (وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان) .

قلت: حديث أبي ذر أخرجه ابن حبان في «صحيحه» رفع إلى السماء الرابعة، ورآه عليه السَّلام فيها، ورفع وهو ابن ثلاث مئة وخمس وستين سنة) ، كذا في «عمدة القاري».

((ثم مررت بموسى)) : هو ابن عمران عليه السَّلام صاحب الخضر، نبي بني إسرائيل، المتوفى في التيه في سابع إدار لمضي ألف سنة وست مئة وعشرين سنة من الطوفان عن مئة وستين سنة؛ يعني: قال النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «ثم مررت بموسى»، ففي الكلام حذف؛ تقديره هكذا؛ لأنَّه قال أولًا: (فلما مر جبريل) ، فما وجه قوله بعد: (ثم مررت بموسى) ؟

فالذي قدرناه هو وجهه، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون الأول نقلًا بالمعنى، والثاني يكون نقلًا باللفظ بعينه، كذا قاله إمام الشَّارحين.

((فقال)) ؛ أي: موسى له ((مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح)) وسقط قوله: (والأخ الصالح) في رواية الأربعة، ((قلت)) ؛ أي: قال النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «قلت»، وفي رواية: (فقلت) ((من هذا)) يا جبريل؟ ((قال: هذا موسى)) بني إسرائيل: هو ابن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب عليه السَّلام، ((ثم مررت بعيسى)) ؛ أي: صاحب الإنجيل، ((فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح)) قال عليه السَّلام ((فقلت)) : وفي رواية: (قلت) ((من هذا)) يا جبريل؟ ((قال: هذا عيسى)) : هو ابن مريم، وسقط لفظة (هذا) عند أبي ذر، ومريم بنت عمران بن أسهم من ولد سليمان بن داود عليه السَّلام، وليس عمران هذا عمران والد موسى وهارون؛ لأنَّ عمران والد مريم كان بعد والد موسى بألف وثمان مئة سنة، والمراد بالـ (كلمة) في قوله تعالى: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ} [آل عمران: 39] : هو عيسى عليه السَّلام، وهو قول الجمهور، وكان يحيى عليه السَّلام أول من صدق بعيسى وآمن به.

وقال السدي: (لقيت أم يحيى أم عيسى، وهذه حاملة بعيسى وتلك بيحيى، فقالت: يا مريم؛ شعرت أني حبلى، فقالت مريم: وأنا أيضًا حبلى، قالت امرأة زكريا: وإني [6] وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذاك قوله تعالى: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ}) .

قال ابن عباس: (إن يحيى كان أكبر سنًّا من عيسى بستة أشهر) ، وكان يحيى أول من صدق وآمن بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى عليه السَّلام قبل أن يرفع [7] عيسى عليه السَّلام، وإنما سمي روحًا؛ لأنَّه أحيا الله به من الضلالة كما يحيي الإنسان [/ص434/] بالروح، وإنما سمي كلمة؛ لأنَّه بها تكون، والمسيح لقبه، وهو من الألقاب المشرفة؛ كالصديق، وأصله بالعبرانية مشيحا؛ ومعناه: المبارك، وعيسى اسمه معرب أيشوع، وابن مريم كنيته، وإنما قيل: ابن مريمتنبيهًا إلى أنه يولد من غير أب؛ لأنَّ الأولاد تنسب إلى الآباء، ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب، والمسيح مشتق من المسح؛ لأنَّه مسح الأرض، ولم يقم في موضع، وقيل: لأنَّه مسح بالبركة، أو بما طهره من الذنوب، وعيسى مشتق من العيس؛ وهو بياض يعلوه حمرة، وقد أخبر نبينا عليه السَّلام: بأنَّ وجهه كأنَّه خرج من ديماس؛ أي: حمام.

((ثم مررت)) ؛ أي: في السماء ((بإبراهيم)) ؛ ومعناه: أب راحم، وكنيته أبو الضيفان، قيل: إنه ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون، والصحيح: أنه ولد بكوثا من إقليم بابل من العراق، وكان بينه وبين نوح عدة قرون، وقيل: ولد على رأس ألفي سنة من خلق آدم عليه السَّلام، وذكر الطبري: (أن إبراهيم إنَّما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارًّا من نمرود اللعين، فقال نمرود للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتَى يتكلم بالسريانية؛ فردوه، فلما أدركوه؛ استنطقوه، فحول الله لسانه عبرانيًّا، وذلك حين عبر النهر، فسميت العبرانية بذلك) .

قلت: والمراد من هذا النهر هو الفرات، وبلغ إبراهيم مئتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالبلد المعروفة بالخليل صلَّى الله عليه وسلَّم، قاله إمام الشَّارحين.

((فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح)) إنَّما وصفه بالبنوة؛ لأنَّه عليه السَّلام من أولاده، ولأنه أبو الأنبياء، فإن يعقوب عليه السَّلام من ذريته، وهو جده، وهو أول بني إسرائيل، وآخرهم عيسى عليه السَّلام، فالأنبياء بينهما كثير، فهو الأب الثاني كما قيل، ((قلت: من هذا)) يا جبريل؟ ((قال: هذا إبراهيم)) ؛ أي: خليل الرحمن عليه السَّلام، وإنما عين النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من الأنبياء آدم، وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وعيسى في حديث هذا الباب، وفي غيره ذكر أيضًا يحيى، ويوسف، وهارون، وهم ثمانية.

وأجيب: أما آدم عليه السَّلام؛ فإنه خرج من الجنة بعداوة إبليس عليه اللعنة له وتحيله، وكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم خرج من مكة بأذى قومه له ولمن أسلم معه، وأيضًا فإن الله تعالى أراد أن يعرض على نبيه عليه السَّلام نسم بنيه من أهل اليمين وأهل الشمال؛ ليعلم بذلك أهل الجنة وأهل النار، وأما إدريس عليه السَّلام؛ فإنه كان أول من كتب بالقلم وانتشر منه بعده في أهل الدنيا، فكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلى الآفاق، وأما موسى عليه السَّلام؛ فإن أمره آل إلى قهر الجبابرة وإخراجهم من أرضهم، فكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فإن اليهود أرادوا قتله حين سمُّوا له الشاة، فنجاه الله تعالى من ذلك، وأما إبراهيم عليه السَّلام؛ فإن نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وكذلك حال نبينا عليه السَّلام كان في حجة البيت العتيق، واختتام عمره بذلك نظير لقائه إبراهيم في آخر السماوات، وأما عيسى عليه السَّلام؛ فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، وتنطق له الغزالة، والجمل، والكتف المسموم، وأما يحيى عليه السَّلام؛ فإن نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم رآه مع عيسى في السماء، وإنه رأى من اليهود ما لا يوصف حتى ذبحوه، فكذلك صلَّى الله عليه وسلَّم رأى من قريش ما لا يوصف، ولكن الله تعالى نجاه منهم، وأما يوسف عليه السَّلام؛ فإنه لما عفا عن إخوته حيث قال: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ...}؛ الآية [يوسف: 92] ؛ فكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم عفى عن قريش يوم فتح مكة، وأما هارون عليه السَّلام؛ فإنه كان محببًا إلى بني إسرائيل حتى إن قومه كانوا يؤثرونه على موسى عليه السَّلام، فكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم صار محببًا عند سائر الخلق الإنس، والجن، والوحوش، والطيور.

فإن قلت: قوله في الحديث: (ولم يثبت كيف منازلهم) يخالفه كلمة (ثم) التي هي للترتيب.

قلت: أجيب: بأن أنسًاإما لم يرو هذا عن أبي ذر، وإما أن يقال: لا يلزم منه تعيين منازلهم لبقاء الإبهام فيه؛ لأنَّ إبراهيم بينه وبين آدم ثلاثة من الأنبياء، وأربعة من السماوات، أو خمسة؛ لأنَّه جاء في بعض الروايات: (أن إبراهيم في السماء السابعة) ، كذا قاله إمام الشَّارحين.

قلت: يعني: إن (ثم) هنا للترتيب الذكري، وليست على بابها من الترتيب في المنازل، وقد يقال: إنَّ هذا جارٍ على القول بتعدد المعراج؛ لأنَّ الروايات قد اتفقت على أنَّ المرور بإبراهيم كان قبل المرور بموسى عليهما السلام؛ فليحفظ.

((قال ابن شهاب)) : هو محمد بن مسلم الزهري: ((فأخبرني)) ؛ بالإفراد ((ابن حَزْم)) ؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، وأبوه محمد، وله في عهد النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمر عليه السَّلام أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك، وكان فقيهًا فاضلًا، قتل يوم الحرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وهو تابعي، وذكره ابن الأثير في الصحابة، ولم يسمع الزهري منه؛ لتقدم موته، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقول القسطلاني: (إنه مات سنة عشرين ومئة عن أربع وثمانين سنة) : فيه نظر؛ لأنَّ صوابه أنه عن ثلاث وخمسين سنة؛ فافهم.

((أن)) بفتح الهمزة ((ابن عباس)) : هو عبد الله رضي الله عنهما ((وأبا حَبَّة)) ؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة، وهو المشهور، وقال القابسي: (بالمثناة التحتية) ، وغلطوه في ذلك، وقال الواقدي: (بالنون) ((الأنصاري)) البدري، واختلف في اسمه، فقال أبو زرعة: (إنه عامر) ، وقيل: عمرو، وقيل: ثابت، وقال الواقدي: (إنه مالك) .

فإن قلت: في هذا الإسناد وهم؛ لأنَّ رواية أبي بكر عن أبي حبة منقطعة؛ لأنَّه استشهد يوم أحد قبل مولد أبي بكر بدهر، بل قبل مولد أبيه محمد أيضًا، ففي هذه الرواية وهم؛ لأنَّه إن كان المراد بـ (ابن حزم) أبا بكر؛ فهو لم يدرك أبا حبة، وإن كان محمد؛ فهو لم يدركه الزهري.

قلت: أجيب: بأن ابن حزم رواه عنه مرسلًا؛ حيث قال: (إن ابن عباس وأبا حبة) ، ولم يقل: سمعت، وأخبرني، [/ص435/]

ونحوهما، فلا وهم فيه، وهكذا أيضًا في «صحيح مسلم»، كذا قاله إمام الشَّارحين؟

قلت: وقول أبي زرعة إن اسمه عامر هو ابن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وأنكر الواحدي أن يكون في البدرين من يكنى أبا حبة؛ بالموحدة، وقال في «الإصابة»: وروى عنه أيضًا عمار بن أبي عمار، وحديثه عنه في «مسند» ابن أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل، وصححه الحاكم، وصرح بسماعه منه، وعلى هذا؛ فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق: أنه استشهد بأحد، وله في الطبراني حديث آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قوي إلا أن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، انتهى.

قال ابن حزم: ((كانا)) ؛ أي: ابن عباس، وأبو حبة ((يقولان: قال النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم: ثم عَرَجَ)) ؛ بفتحات، أو بضم الأول، وكسر الثاني؛ أي: صعِد ((بي)) ؛ أي: جبريل ((حتى ظهرت)) ؛ أي: علوت وارتفعت، ومنه قوله: والشمس في حجرتها لم تظهر ((لمستوَى)) ؛ بفتح الواو، المراد به: المصعد، وقيل: هو المكان المستوي، وقال أبو ربيعة: (أستوي: أصعد) ، واللام فيه لل