المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(1) بابٌ [1] : كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَواتُ [2] في الإِسْراءِ

وقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حدَّثني أبو سُفْيانَ _في حَدِيثِ هِرَقْلَ_ فقالَ: يَأمُرُنا _يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بِالصَّلاةِ والصِّدْقِ والْعَفافِ.

[1] صحَّح عليها في اليونينيَّة، والتبويب ثابت في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا.
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «الصلاة» بالإفراد.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


(1) [ باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء]


(باب كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاة فِي الإِسْرَاءِ...) إلى (باب الصَّلَاةِ فِي [1] الْقَمِيصِ...) إلى آخره.

سؤال: إن قيل: أيُّ اللَّيلتين أفضل؛ ليلة القدر أم ليلة الإسراء؟

وجوابه: أنَّ ليلة الإسراء في حقِّ نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم أفضل من ليلة القدر، وليلة القدر بالنِّسبة إلى الأمَّة أفضل من ليلة الإسراء، هذا جواب العلَّامة أبي العبَّاس ابن تيمية، والله أعلم.

فائدة: اختلف العلماء في المعراج والإسراء، هل كانا في ليلة واحدة أم لا؟ وأيُّهما كان قبل الآخر؟ وهل كان ذلك كلُّه في اليقظة أو في المنام أو بعضه في اليقظة وبعضه في المنام، أو أنَّه أسري به، ولا يقال: يقظة ولا منامًا؟ حكى هذا ابن قيِّم الجوزيَّة في «الهدي»، وهل كان المعراج مرَّةً أو مرَّاتٍ، وقد أنكر هذا الأخير ابن القيِّم في «الهدي»، وقال مغلطاي في «سيرته الصُّغرى»: (إنَّ الإسراء كان في اليقظة بجسده، وإنَّه مرَّات، وإنَّه رأى ربَّه بعين رأسه) انتهى.

وحاصل الأقوال في الإسراء خمسة: يقظة، منام، مرَّة يقظة ومرَّة منام، الرَّابع: الإسراء [2] بجسده إلى بيت المقدس في اليقظة وبروحه إلى فوق سبع سماوات، والخامس: الذي حكاه ابن القيِّم.

تنبيه: ينبغي أنْ يُعلَم الفرقُ بين قوله: كان الإسراء منامًا، وبين القول: أُسرِيَ بروحه دون جسده، قال ابن القيِّم: (وبينهما فرقٌ عظيم...) إلى أنْ قال: (لكن [3] لمَّا كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في مقام خرق [/ج1ص143/] العادات حتَّى يُشقَّ بطنه، وهو حيٌّ لا يتألَّم بذلك؛ عرج بذات روحه المقدَّسة حقيقة من غير إماتة، ومن سواه لا تنال [4] ذات روحه الصعودَ إلى السَّماء إلا بعد الموت والمفارقة، فالأنبياء إنَّما استقرَّت [5] أرواحهم هناك بعد مفارقة الأبدان، وروح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صعِدت إلى هناك في حال الحياة، ثمَّ عادت، وبعد وفاته استقرَّت في الرَّفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء، ومع هذا؛ فلها [6] إشراق [7] على البدن وإشراف وتعلُّق به؛ بحيث [8] يردُّ السَّلام على من سلَّم عليه، وبهذا التَّعلُّق رأى موسى قائمًا يصلِّي في قبره، كما أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم في أعلى مكان في الرَّفيق الأعلى مستقرًّا، وبدنه في ضريحه غير مفقود، وإذا سلَّم عليه المُسلِّم؛ ردَّ الله عليه روحه حتَّى يردَّ السَّلام، ثمَّ مثَّل ذلك بالشمس في علوِّ محلِّها وتعلُّقها، وتأثيرها في الأرض، وحياة النَّبات والحيوان بها، وشأن الرُّوح فوق هذا، ثمَّ مثَّل بالنَّار تكون في محلِّها وحرارتها تؤثِّر في الجسم البعيد عنها، مع أنَّ الارتباط بين الرُّوح والبدن أقوى وأكمل وأتمُّ) انتهى.

واختلفوا في تاريخ الإسراء كما سيأتي قريبًا، وقد ذكر السُّهيليُّ خلاف السَّلف في الإسراء؛ هل كان يقظةً أو منامًا؟ وحكى القولين وما يُحتَجُّ به لكلِّ قول منهما، ثمَّ قال: (وذهبت طائفة ثالثة -منهم: شيخنا أبو بكر ابن العربيِّ- إلى تصديق المقالتين، وتصحيح المذهبين، وأنَّ الإسراء كان مرَّتين؛ إحداهما: في نومه؛ توطئةً وتيسيرًا عليه كما كان بدء نبُوَّته الرُّؤيا الصَّالحة؛ ليسهل عليه أمر النُّبوَّة، فإنَّه عظيمٌ تضعُف [9] عنه القوى البشريَّة، وكذلك الإسراء سهَّله الله عليه بالرُّؤيا؛ لأنَّ هوله عظيم، فجاء في اليقظة على توطئة وتقدمة؛ رفقًا من الله بعبده وتسهيلًا عليه، ورُجِّحَ هذا القول أيضًا؛ للجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، فإنَّ في ألفاظها اختلافًا، وتعدُّد الواقعة أقرب؛ لوقوع جميعها) انتهى.

وقد قال ابن القيِّم: إنَّه مرَّة، وإنَّه أصحُّ الأقوال، وفي مكان آخر من «الهدي» قال: (إنَّه الصَّواب الذي عليه أئمَّة النَّقل) انتهى، وحكى السُّهيليُّ قولًا رابعًا: أنَّه كان بجسده إلى بيت المقدس في اليقظة، ثمَّ أُسرِي بروحه عليه الصَّلاة والسَّلام إلى فوق سبع سماوات؛ ولذلك شنَّع الكفَّار قوله: «أتيت بيت المقدس في ليلتي هذه»، ولم يشنِّعوا قوله فيما سوى ذلك، وقد تكلَّم العلماء في رؤية النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لربِّه ليلة الإسراء؛ ففي «الصَّحيح» عن مسروق عن عائشة: أنَّها أنكرت ذلك، وجاء مثل قول عائشة عن أبي هريرة وجماعة، وهو المشهور عنِ ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المحدِّثين والمتكلِّمين، وروي عنِ ابن عبَّاس: أنَّه رآه، ومثله عن أبي ذرٍّ، وكعب، والحسن وكان يحلِف على ذلك، وحُكي مثلُه عنِ ابن مسعود، وأبي هريرة، وأحمد ابن حنبل، وسيأتي الكلام في نقل ذلك عن أحمد ابن حنبل من عند ابن القيِّم، وحُكي عنِ الأشعريِّ وأصحابه.

وأمَّا ابن قيِّم الجوزيَّة؛ فإنَّه قال: (وهي مسألةُ خلافٍ بين السَّلف والخلف، وإن كان جمهور الصَّحابة -بل كلُّهم- مع عائشة، كما حكاه عثمان بن سعيد الدارميُّ إجماعًا للصحابة) انتهى، وفي هذا الإجماع نظرٌ، وفي «التِّرمذيِّ»: (قال كعب: إنَّ الله قسم رؤيته وكلامه بين محمَّد وموسى، فكلَّم موسى مرَّتين، ورآه محمَّد مرَّتين) ، وهذا في «المستدرك» أيضًا، وفي «مسلم»: عن أبي ذرٍّ: (هل رأيت ربَّك؟ قال: «رأيت نورًا») ، وفي آخرَ عند مسلم: «نورٌ، أنَّى أراه؟»، من حديث أبي ذرٍّ، [وقد قال أحمد في حديث أبي ذرٍّ هذا: (ما زلت له منكرًا)] [10] ، وقال ابن خزيمة: في القلب من صحَّة إسناده شيءٌ، مع أنَّ في رواية أحمد في حديث أبي ذرٍّ: «رأيت [11] نورًا [12] »، ورجال إسنادها رجال «الصَّحيح»، وفي «الطَّبرانيِّ الصَّغير» و«الأوسط» من حديث مجالد عنِ الشَّعبيِّ عنِ ابن عبَّاس: أنَّه كان يقول: (إنَّ محمَّدًا رأى ربَّه مرَّتين؛ مرَّة ببصره، ومرَّةً بفؤاده) ، قال الطَّبرانيُّ: (لم يروه عن مجالد إلا ابنه إسماعيل) ، وفيهما أيضًا عنه موقوفًا: (نظر محمَّد إلى ربِّه) ، [وقال عكرمة: (فقلت لابن عبَّاس: نظر محمَّد إلى ربِّه؟] [13] قال: نعم...) ؛ الحديث، قال الطَّبرانيُّ: (لم يروه عن ميمون إلا موسى، تفرَّد به حفص) .

وفي «تفسير النَّقاش»: (عن ابن عبَّاس: أنَّه سُئل: هل رأى محمَّد ربَّه؟ فقال: رآه، رآه، رآه، حتَّى انقطع صوته) ، وفي «تفسير عبد الرَّزاق»: (عن معمر عنِ الزُّهريِّ وذكر إنكار عائشة: أنَّه رآه، فقال الزُّهريُّ: ليست عائشة رضي الله عنها عندنا أعلم من ابن عبَّاس) ، وفي «تفسير ابن سلَّام»: (عن عروة: أنَّه كان إذا ذكر إنكار عائشة؛ يشتدُّ ذلك عليه) ، وقول أبي هريرة في ذلك كقول ابن عبَّاس: أنَّه رآه، وتقدَّم النَّقل عنه إنكارها، وقد وقف بعض المشايخ في ذلك، فقال: ليس عليه دليل [14] واضح، ولكنَّه جائز، ورؤيته تعالى في الدُّنيا جائزة، وسؤال موسى عليه السلام إيَّاها دليلٌ على جوازها، وحكى الشيخ محيي الدِّين النَّوويُّ: ترجيح القول بأنَّه رآه عن أكثر العلماء، انتهى، وقال السُّهيليُّ: (والمتحصِّل من هذه الأقوال: أنَّه رآه، لا على أكمل ما تكون الرُّؤية على نحو ما يراه في حظيرة [15] القدس عند الكرامة العظمى والنَّعيم الأكبر، ولكن دون ذلك، وإلى هذا يومئ [16] قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «رأيت نورًا»، وأجاب الجماعة عنِ الآية، وهي قوله تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] : بأنَّ الإدراكَ الإحاطةُ، والله لا يحاط به) .

تنبيه سبقتِ الإشارة إليه: لما ذكر ابن القيِّم في «الهدي» رؤية النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الجزء الثَّالث تجزئة ستَّة؛ قال: (وقد صحَّ عنه أنَّه قال: «رأيت ربِّي تبارك وتعالى»، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان بالمدينة لمَّا احتبس عنهم في صلاة الصُّبح، ثمَّ أخبرهم عن رؤية ربِّه تبارك وتعالى تلك اللَّيلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد، وقال: نعم؛ رآه، فإنَّ رؤيا الأنبياء حقٌّ ولا بُدَّ، ولكن لم يقل أحمد: إنَّه رآه بعيني رأسه، ومن حكى عنه ذلك؛ فقد وَهم عليه، ولكن مرَّة قال: رآه، ومرَّةً قال: رآه بفؤاده، فحُكِيت عنه روايتان، وحُكِيت عنه الثَّالثة من تصرُّف بعض أصحابه: أنَّه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوصه موجودة [17] ليس [18] فيها ذلك) انتهى.

وفرض الصَّلوات [19] الخمس كان ليلة المعراج، فعنِ الواقديِّ: كان ليلة السبت لسبعَ عشرةَ خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانيةَ عشرَ شهرًا، من مكَّة إلى السَّماء، ومن يرى المعراج من بيت المقدس، وأنَّه هو والإسراء في تاريخ واحد؛ فالإسراء كان [20] ليلة سبعَ عشرةَ من ربيع الأوَّل قبل الهجرة بسنة، وبعد المبعث بتسعٍ أو اثني عشرَ، على حسب اختلافهم في ذلك، وهذا هو المشهور، وقيل: إنَّ الإسراء وفرض الصَّلاة بعد المبعث بخمس سنين [21] ، وأبعدُ منه أنَّه أُسرِي به من مكَّة، وعُرِج به إلى السَّماء بعد مبعثه بثمانيةَ عشرَ شهرًا، قال ابن عبد البَرِّ: (ولا أعلم أحدًا من أهل السِّير قال ذلك، ولا أسند قوله إلى أحد ممَّن يضاف إليه هذا العلم، وفي صبيحة ليلة المعراج كان نزول جبريل وإمامته به عليه الصَّلاة والسَّلام) انتهى.

ونقل القاضي: أنَّ أقلَّ ما قيل [22] في الإسراء أنَّه بعد المبعث بخمسةَ عشرَ شهرًا، بيَّنتْه [23] رواية شريك: (وذلك قبل أن يُوحَى إليه) ، سيأتي الكلام عليها في (كتاب التَّوحيد) حيث ذكرها البخاريُّ وتَوهِيَتها مع ألفاظٍ غيرها.

(وحصل في ليلة الإسراء: أنَّها ليلة السبت لسبعَ عشرةَ خلت من رمضان) [24] ، وحصل في شهر الإسراء خمسة أقوال: ربيع الأوَّل، ربيع الآخر، رجب، رمضان، وعن [25] الماورديِّ: أنَّه في شوَّال، وقد جزم النَّوويُّ في «الرَّوضة»: بأنَّه كان في رجب، وقال في «الفتاوى»: إنَّه كان في ربيع الأوَّل، وجزم في «شرح مسلم»: بأنَّه كان في ربيع الآخر، تبعًا للقاضي.

وتحصَّل في السَّنة أقوال أيضًا؛ غالبها ذكرته فيما تقدَّم قبل هذا، وهي [26] أنَّه كان بعد المبعث بسنة ونصفٍ، وقيل: بخمسٍ، وهو الأشبه عند القاضي عياض في «الشفا»، وقيل: قبل الهجرة بعام، وقيل: بعد المبعث بخمسة عشر شهرًا، ونقل شيخنا المؤلِّف عنِ السُّديِّ: قبل الهجرة بستَّة أشهر، وقال ابن الجوزيِّ: كان قبل الهجرة بثمانية أشهر، وقال ابن عبد البَرِّ وغيره: إنَّ بين الهجرة والإسراء سنةً وشهرين، [وقال العراقيُّ شيخنا: (إنَّه سنة اثنتي عشرة إلا ثلاثة [27] شهور) ، هذا مقتضى كلامه، وهو نحو القول الذي قبله، أو هو هو، وقدَّم مغلطاي من الأقوال أنَّه كان ليلة السبت لسبعَ عشرةَ ليلةً خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانيةَ عشرَ شهرًا] [28] ، فهذه سبعة أقوال.

ثمَّ اعلم أنَّ أفضل [/ج1ص144/] عبادات البدن بعد الشَّهادتين: الصَّلاة؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصَّلاة»، رواه ابن ماجه من حديث ثوبان بإسناد جيِّد، لكن من رواية سالم بن أبي الجعد عنه، وقد قال أحمد: لم يَسمَع منه، وذكره في «الموطَّأ» مرسلًا مُعضَلًا، قال: (بلغني أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال...) ؛ فذكره، ورواه ابن ماجه أيضًا من رواية عبد الله بن عَمرو مرفوعًا، وحديث ثوبان أصلح منه، وقال ابن حِبَّان في «صحيحه»: (خبر سالم بن أبي الجعد عن ثوبان منقطع) ، ثمَّ أخرجه من حديث حسَّان بن عطيَّة: أنَّ [29] أبا كبشة السَّلوليَّ حدَّثه: أنَّه سمع ثوبان؛ فذكر نحوه، ولأنَّ الصَّلاة تلو [30] الإيمان الذي هو أفضل القُرَب وأشبه به؛ لاشتمالها على نطق باللِّسان، وعمل بالجَنَان، واعتقاد بالقلب كما هي فيه؛ ولذلك سمَّاها الله تعالى: إيمانًا، فقال: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] ؛ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ كما ثبت مُبيَّنًا في «صحيح ابن حِبَّان» من حديث ابن عبَّاس، ولأنَّها تجمع من القُرب ما تفرَّق في غيرها؛ من ذكر الله تعالى ورسوله، والإمساك عنِ الأكل، والكلام، والإتيان بالقراءة، والتَّسبيح، والاستقبال، والطَّهارة، والسِّتارة... إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى أنَّه من القرب، مع اختصاصها بمقاصد تشتمل عليها؛ كالرُّكوع والسُّجود.

وقولي: (البَدَن): احتراز من عبادة القلب؛ وهي الإيمان، فإنَّه أفضل العبادات، ولا يقال في العرف: إنَّه من عمل البدن، قال الفقيه العلَّامة [31] ابن الرفعة في قول صاحب «التَّنبيه»: (أفضل عبادات البدن): (وقد ادَّعى بعضهم أنَّه احتُرِز عنِ العبادات الماليَّة، فإنَّها أفضل من الصَّلاة؛ لتعدِّي نفعها) ، قال: (فإنْ صحَّ هذا؛ فمنه يؤخذ أنَّ العبادة المشتملة على المال والبدن أفضل من المتمحِّضة، وهي الحجُّ؛ لجمعها بين الأمرين) ، وبه صرَّح القاضي الحسين [32] في أوَّل (الحجِّ) ، ولأنَّا دُعينا [33] إليه في أصلاب آبائنا، فكان كالإيمان الذي جعل فيه كذلك، قال: (وهذه العلَّة تقتضي أنَّ الجهاد لا يلحق الحجَّ في هذا المعنى، والأُولى تقتضي أنَّه كهو؛ لأنَّه يشتمل على عمل بدن ومال، وحينئذٍ يكون أفضل من الصَّلاة، بل أقول: إنَّ الخبر يدلُّ على أنَّه يُقدَّم [34] عليه؛ حيث سُئل عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام عن أفضل الأعمال، فقدَّمه على الحجِّ) انتهى، وبه قال ابن أبي عُصرون، قال النَّوويُّ في شرح «المهذَّب»: (والمذهب الصَّحيح أنَّ الصَّلاة أفضل من الصَّوم وسائر عبادات البدن، كما جزم به الشيخ؛ لأحاديث؛ فذكرها، وقال صاحب «المستظهريِّ» في (الصِّيام): (اختُلِف في الصَّوم والصَّلاة أيُّهما أفضل؛ فقال [35] قوم: الصَّوم أفضل) انتهى، وهو [36] ما جزم به الماورديُّ فيه؛ حيث قال: الصَّوم أفضل أعمال القرب، وقال آخرون: الصَّلاة أفضل، وقال آخرون: الصَّلاة بمكَّة أفضل، والصَّوم بالمدينة أفضل، والأوَّل أصحُّ، قال ابن الرفعة: وادَّعى الماورديُّ في (الحجِّ) أنَّ الطواف أفضل من الصَّلاة، ورجَّحه ابن عبد السَّلام، وللغزاليِّ في المسألة كلام، وكذا لابن عبد السَّلام، وبه يطول الكلام.

وقال [37] النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»: (واعلم: أنَّه ليس المراد بقولهم: «الصَّلاة أفضل من الصَّوم» أنَّ صلاة ركعتين أفضل من صيام أيَّام أو يوم، فإنَّ الصَّوم أفضل من ركعتين بلا شكٍّ، وإنَّما مَن لم يمكنه الاستكثار من الصَّلاة والصَّوم، وأراد أنْ يستكثر من أحدهما ويكون غالبًا عليه منسوبًا إلى الإكثار منه، ويقتصر من الآخر على المتأكِّد منه؛ فهذا محلُّ الخلاف والتَّفضيل، والصَّحيح: تفضيل الصَّلاة) انتهى، وقال العبَّاديُّ في «الزيادات»: الاشتغال بحفظ ما زاد على الفاتحة من القرآن أفضل من صلاة التَّطوُّع؛ لأنَّ حفظه فرض كفاية، نقله [النَّوويُّ عنه في «شرح المهذَّب»، وأقرَّه عليه، وقول صاحب «التَّنبيه»: وتطوُّعُها أفضل التَّطوُّع؛ لعموم الحديث المتقدِّم، قال] [38] النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»: فإنْ قيل: يَرِدُ عليه الاشتغال بالعلم، فإنَّه أفضل من تطوُّع الصَّلاة، كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ وسائر الفقهاء.

فالجواب: أنَّ هذا الإيراد غلط وغفلة من مُورِده؛ فإنَّ الاشتغال بالعلم فرض كفاية، وكلامنا هنا في صلاة التَّطوُّع، والله أعلم.

وقد أطلت الكلام في ذلك؛ لأنَّ الكلام يجرُّ بعضه بعضًا، ولكنَّ فيه فوائدَ لا يُستغنى عنها، والله أعلم.

قَولُهُ: (حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ): تقدَّم أنَّه صخر بن حرب بن أميَّة بن عَبْد شمس بن عَبْد مناف، القرشيُّ الأمويُّ، والد معاوية، ويزيد، وأمِّ حبيبة رَضِيَ اللهُ عنهم، وقد تقدَّم أنَّه مشهور التَّرجمة، فلا نطوِّل بها.

قَولُهُ: (في حَدِيثِ هِرَقْلَ): تقدَّم أنَّ (هرقل) فيه لغتان: هِرَقل؛ بفتح الرَّاء، وكسر الهاء، والثَّانية: بكسر الهاء، وإسكان الرَّاء، وكسر القاف، وتقدَّم بعض ترجمته، وأنَّه هلك سنة عشرين من الهجرة، وتقدَّم ما [39] قال العلماء فيه.

قَولُهُ: (وَالعَفَافِ): هو بفتح العين؛ وهو ترك المحارم، وترك خوارم المروءة.

[1] في (ج): (على) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة».
[2] في (ج): (للإسراء) .
[3] (لكن): ليس في (ج) .
[4] في (ج): (يقال) ، وليس بصحيح.
[5] في (ج): (استوت) .
[6] في (ج): (فلهذا) .
[7] في (ج): (إشراف) .
[8] في (ب): (حيث) .
[9] في (ج): (يضعف) .
[10] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[11] في (ج): (أنه) .
[12] في (ج): (نور) .
[13] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[14] (دليل): ليس في (ج) .
[15] في (ج): (خظرة) ، وهو تحريفٌ.
[16] في (ج): (يؤمن) ، وهو تحريفٌ.
[17] في (ج): (مأخوذة) .
[18] في (ب): (وليس) .
[19] في (ج): (الصَّلاة) .
[20] زيد في (ج): (في) .
[21] في (ج): (بخمسين سنة) ، وليس بصحيح.
[22] في (ج): (فيه) .
[23] في (ب): (قوله) ، وفي (ج): (تنبيه) .
[24] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[25] في (ج): (وعند) .
[26] في (ج): (ومن) .
[27] في (أ) و (ب): (ثلاث) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[28] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[29] في (ج): (ابن) ، وليس بصحيح.
[30] في (ج): (تكون) .
[31] (الرفعة): ليس في (ج) .
[32] في (ج): (حسين) .
[33] في (ب): (رغبنا) .
[34] في (ج): (مقدم) .
[35] في (ج): (فقام) ، وليس بصحيح.
[36] (هو): ليس في (ج) .
[37] في (ج): (قال) .
[38] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[39] (ما): سقطت من (أ) .





(يَعْنِي النَّبِيّ): بالنَّصبِ مفعولُ (يَعْنِي)، وبالرَّفعِ فاعلُ (يَأْمُرُنَا).


1- (بابٌ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: ((كيف فُرِضَت الصَّلوات)) (فِي) ليلة (الإسْرَاءِ) بجسده وروحه _عليه الصَّلاة والسَّلام_ يقظةً إلى السَّماوات، وقد اختلفوا _مع اتِّفاقهم على أنَّ فرْضيَّة [1] الصَّلوات كانت ليلة الإسراء_ في وقته؛ فقِيلَ: قبل الهجرة بسنةٍ، وعليه الأكثرون، أو وخمسة أشهرٍ، أو وثلاثةٍ، أو قبلها بثلاث سنين، وقال الحربيُّ: في سابع عشْري [2] ربيع الآخر، وكذا قال النَّوويُّ في «فتاويه»، لكن قال في «شرح مسلمٍ»: ربيع الأوَّل، وقِيلَ: سابع عشر رجب، واختاره الحافظ عبد الغنيِّ بن سرورٍ المقدسيُّ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) _رضي الله عنهما_ فيما وصله المؤلِّف أوائلَ الكتاب: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ) الطَّويل (فَقَالَ) أبو سفيان: (يَأْمُرُنَا _يَعْنِي: النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ)، وقد أخرجه المؤلِّف في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلمٌ وأصحاب «السُّنن» الأربعة [3] إلَّا ابن ماجه.

[1] في غير (ص) و(م): «فريضة».
[2] في غير (د) و(س): «عشر»، والمراد: السابع والعشرين.
[3] «الأربعة»: ليس في (ص) و(م).





( كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلاَةُ ): للكُشْمِيهنيِّ والمُسْتملي: «الصَّلوات».


(1) (بابٌ: كيف فُرضت الصلاة) [1]

[1] ما بين قوسين من هامش (ر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(1) ( [باب] كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ [1] فِي الإِسْرَاءِ).

اختُلِف في الإسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة؟ أو كان المعراج مرَّة أو مرَّات؟ وهل كان المعراج قبل الإسراء؟

وظاهر إفراد البخاريِّ يدلُّ على اتِّحاد [2] المعراج والإسراء؛ لأنَّه قال: أوَّلًا؛ كيف فرضت الصَّلاة في الإسراء؟، ثمَّ أورد الحديث، وفيه قوله: «عرج بي إلى السَّماء»، قال ابن قتيبة: أُسري برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد سنة ونصف من رجوعه؛ يعني: من الطائف إلى مكَّة، ثم قال: إنَّ الإسراء والمعراج كانا في ليلةٍ واحدةٍ، قال: أُسرِي برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من مكَّة إلى بيت المقدس، وعُرِج به من بيت المقدس إلى السَّماء، ونال ما خصَّه الله به من الكرامة والشَّرف العظيم، وكان بعد النُّبوَّة بعشر سنين وثلاثة أشهر، ليلة سبع وعشرين من رجب، وفيه أقوال، وهذا الصَّحيح، وكان الإسراء سنة خمس أو ستٍّ من النُّبوَّة، وقيل غير ذلك.

[1] كذا في رواية أبي ذر الهروي والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت.
[2] في الأصل: (اتخاد).





هذا ((بابٌ)) ؛ بالتنوين ((كيف فرضت الصلاة)) ؛ بالإفراد، وفي رواية الكشميهني والمستملي: (كيف فرضت الصلوات) ؛ بالجمع ((في الإسراء؟)) ؛ أي: في بيان كيفية فرضها في ليلة الإسراء؛ بكسر الهمزة، يقال: سرى وأسرى؛ لغتان، وقال الجوهري: (سريت وأسريت بمعنى: إذا سرت ليلًا) ، وفي «المحكم»: (والسري: يذكر ويؤنث، ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث) ، وفي «الجامع»: (سرى يسري سريًا؛ إذا سار ليلًا، وكل سائر ليلًا؛ فهو سائر) انتهى.

والفعل على اللغتين لازم، وعُدِّي في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] ؛ بالباء الموحدة في {بِعَبْدِهِ}؛ فافهم.

واختلفوا في المعراج والإسراء: هل كانا في ليلة واحدة أو في ليلتين؟ وهل كانا جميعًا في اليقظة أو في المنام، أو أحدهما في اليقظة والآخر في المنام؟

فذهب جماعة: إلى أنه عليه السَّلام ما أسري إلا بروحه، وهو قول معاوية، وحذيفة رضي الله عنهما، وحكي هذا القول عن عائشة رضي الله عنها؛ لأنَّها قالت: ما فقدت جسد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإنما أسري بروحه، وعليه؛ فكان ذلك رؤيا.

وذهب جماعة: إلى أنَّ الإسراء وقع في اليقظة، والمعراج في النوم.

وذهب جماعة: إلى أنَّ الإسراء وقع مرتين؛ مرة بروحه منامًا، ومرة بروحه وجسده يقظةً.

وذهب جماعة: إلى تعدد الإسراء في اليقظة، حتى قالوا: إنه أربع إسراءات، ووفق أبو أسامة في روايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد، فجعل ثلاث إسراءات؛ مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السموات على البراق أيضًا، ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السموات.

قلت: والظاهر أنَّ القصة واحدة؛ لأنَّ تعدد الروايات في الإسراء واختلاف ما يذكر فيها لا يدل على التعدد؛ لأنَّ بعض الرواة يذكر شيئًا لم يذكره الآخر، وبعضهم يسقط شيئًا ذكره الآخر، فإن بعض الرواة قد يحدث بعض الخبر؛ لعلمه به ونسيانه البعض الآخر، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوق الحديث كله، وتارة يحدث المخاطب بما هو الأنفع له؛ فليحفظ.

والذي ذهب إليه الجمهور من المحققين من أهل السلف والخلف: هو أنه تعالى أسرى بروح النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وجسده إما من مكة إلى بيت المقدس؛ فبنص القرآن حيث قال سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًامِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1] ، وأما العروج به عليه السَّلام في تلك الليلة إلى حيث شاء الله تعالى؛ فكذلك قال تعالى: {مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى} [النجم: 17،18] ، وقال: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى} [النجم: 13،14] .

قال إمام الشَّارحين: (وكان في السنة الثانية عشرة من النبوة، وفي رواية البيهقي من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري: أنه أسري به قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وبه قال قتادة، وقيل: كان قبل مهاجره بستة عشر شهرًا، وهو قول السدي، وعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري يكون في ربيع الأول، وقيل: كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب، وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في «سيرته».

ومنهم من يزعم أنه كان في أول ليلة جمعة من رجب، وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لها، ثم قيل: كان قبل موت أبي طالب، وذكر ابن الجوزي: أنه كان بعد موته في سنة اثنتي عشرة للنبوة، وقيل: كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان في السنة الثالثة عشرة للنبوة، وقيل: كان في ربيع الأول، وقيل: كان في رجب) انتهى.

قلت: وقد استحال قريش الإسراء وتعجبوا منه؛ بناء على أن ارتفاع

[/ص427/] الجسم من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل مما لا يقبله العقل، وكذا استحاله أهل الفلك والحكماء؛ بناء على أنَّ السماء جرم من الأجرام مركب على قوائم بالأرض، فبالصعود إليها ينخرق منها موضع لعروجه، والجرم متى انخرق؛ سقط، وهذا مردود.

قال الإمام: ومما يدل على جواز الإسراء عقلًا أنه ثبت في الهندسة: أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مئة ونيفًا وستين مرة، ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه غاية ما في الباب أنه يبقى التعجب إلا أن مثله لا يختص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فمجرد التعجب لا يستلزم الإنكار والبطلان، وأيضًا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في ليلة واحدة ممتنعًا؛ كان القول بنزول جبريل عليه السَّلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعًا، ولو حكمنا بهذا الامتناع؛ كان ذلك طعنًا في نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام، والقول بثبوت المعراج متفرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أنَّ القائلين: بامتناع حصول حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحد؛ يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه السَّلام في لحظة واحدة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك باطلًا؛ كان ما ذكر أيضًا باطلًا.

فإن قالوا: نحن لا نقول: أنَّ الحجب الجسمانية عن روح النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرًا منجليًا في ذات جبريل عليه السَّلام.

قلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، وأما جمهور المفسرين؛ فهم يقرون بأن جبريل عليه السَّلام جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأملاك إلى مكة، وإذا كان كذلك؛ كان الإلزام المذكور قويًّا، وهذا تقرير ما ذهب إليه الأكثرون، والله تعالى أعلم.

وقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: ما وجه ذكره هذا الباب بعد قوله: (كتاب الصلاة) ، وما وجه تتويج الأبواب الآتية بهذا الباب؟

قلت: لأنَّ هذا الكتاب مشتمل على أمور الصلاة وأحوالها، ومن جملتها معرفة كيفية فرضيتها؛ لأنَّها هي الأصل، والباقي عارض، فما بالذات مقدم على ما بالصفات) انتهى.

((وقال ابن عباس)) هو عبد الله، حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن، وهذا تعليق من البخاري، وقطعة من حديث طويل مسند ذكره في أول الكتاب: ((حدثني)) ؛ بالإفراد ((أبو سفيان)) : هو صخر بن حرب؛ بصاد مهملة، وخاء معجمة، آخره راء، وفي الثاني: بحاء مهملة، وراء، وموحدة، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، وهو والد سيدنا معاوية الكبير وإخوته [1] ، أسلم ليلة الفتح، ومات بالمدينة سنة إحدى وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم ((في حديث هِرَقل)) ؛ بكسر الهاء، وفتح الراء على المشهور، وحكى جماعة: إسكان الراء، وكسر القاف؛ كخندف؛ منهم الجوهري؛ وهو اسم أعجمي تكلمت به العرب علم غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ولقبه قيصر، وهو ملك الروم، كما أن من ملك الفرس؛ يقال له: كسرى، ومن ملك الترك؛ يقال له: خاقان.

قال المؤلف في أول الكتاب: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن عباس أخبره: (أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش...) إلى أن قال: (وسألتك بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان...) ؛ الحديث، وفيه قوله: ((فقال)) ؛ أي: أبو سفيان لهرقل ((يأمرنا)) : وفي رواية المؤلف: (ويأمرنا) ؛ بالواو ((يعني)) أي: يقصد ويريد ((النبيَّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) : فلفظة (النبي) منصوبة؛ لأنَّه مفعول لقوله: (يعني) ، ومرفوعة فاعل لقوله: (يأمرنا) ((بالصلاة)) ؛ أي: بإقامة العبادة المخصوصة، والأفعال المعلومة، المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، فيفعلونها سالمة عن الاعوجاج، والميل عن الحالة التي شرعت عليها، ويواظبون عليها ويؤدونها على أحسن الحالات، ((والصدق)) ؛ أي: القول المطابق للواقع، وفي رواية للمؤلف: (ويأمرنا بالصلاة والصدقة) ؛ يعني: الزكاة والنافلة، وفي رواية مسلم: (ويأمرنا بالصلاة والزكاة) ((والعفاف)) ؛ أي: الانكفاف عن المحرمات وخوارم المروءات، وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، ووجه مناسبته هنا في مطابقته للترجمة هو ما قاله إمام الشَّارحين: إن معرفة كيفية الشيء بالشيء تستدعي معرفة ذاته قبلها [2] ، فأشار بهذا أولًا إلى ذات الصلاة من حيث الفرضية، ثم أشار إلى كيفية فرضيتهما بذكر حديث الإسراء، فصار ذكر قول ابن عباس المذكور توطئةً وتمهيدًا لبيان كيفيتها، فدخل فيها، فبهذا الوجه دخل تحت الترجمة، وهذا مما سنح به خاطري من الأنوار الإلهية، ولم يسبقني بهذا أحد من الشراح) انتهى.

وزعم ابن حجر أن وجه المناسبة في هذا للترجمة أن فيه الإشارة إلى أنَّ الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة؛ لأنَّ أبا سفيان لم يلق النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون أمرًا له بطريق الحقيقة، والإسراء كان قبل الهجرة بلا خلاف، فظهرت المناسبة، ورده إمام الشَّارحين، فقال: قلت: الترجمة في كيفية الفرضية؛ يعني: كيف فرضت؟ لا في بيان وقت الفرض، فكيف تظهر المناسبة حتى يقول هذا القائل: فظهرت المناسبة، وليس في هذا الحديث الذي رواه ابن عباس مطولًا ما يشعر بكيفية فرضية الصلاة بل يذكر ذلك في حديث الإسراء الآتي؟ ولكن يمكن أن يوجه لذكر هذا ههنا وجه؛ وهو أن معرفة... إلى آخر ما ذكرناه عن إمام الشَّارحين، انتهى.

قلت: وقول ابن حجر: (لأن أبا سفيان لم يلق النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم) : ممنوع؛ لأنَّه لا دليل عليه.

وقوله: (لقاء يتهيأ...) إلخ: كلام متناقض [/ص428/]

لا دليل عليه؛ فافهم.

قلت: ويستنبط من هذا الحديث أمور؛ الأول: افتراض الصلاة، الثاني: وجوب الصدق فيما يقوله المطابق للواقع، الثالث: فيه وجوب العفاف، الرابع: فيه وجوب الزكاة، الخامس: فيه... [3]

[1] في الأصل: (وأخواته)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (قبلهما)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] بياض في الأصل