المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

344-. حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثني [1] يَحْيَىَ بنُ سَعِيدٍ، قالَ: حدَّثنا عَوْفٌ، قالَ: حدَّثنا أبو رَجاءٍ:

عن عِمْرانَ، قالَ: كُنَّا في سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [2] ، وَإِنَّا أَسْرَيْنا، حَتَّىَ [3] كُنَّا في آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنا وَقْعَةً، وَلا وَقْعَةَ أَحْلَىَ عِنْدَ المُسافِرِ مِنْها، فَما [4] أَيْقَظَنا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكانَ [5] أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلانٌ ثُمَّ فُلانٌ ثُمَّ فُلانٌ _يُسَمِّيهِمْ أبو رَجاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ_ ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ الرَّابِعُ، وَكانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نامَ لَمْ يُوقَظْ [6] حَتَّىَ يَكُونَ هو يَسْتَيْقِظُ؛ لأَنَّا لا نَدْرِي ما يَحْدُثُ لَهُ في نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَىَ ما أَصابَ النَّاسَ، وَكانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَما زالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ [7] النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصابَهُمْ، قالَ [8] : «لا ضَيْرَ _أَوْ لا يَضِيرُ_ ارْتَحِلُوا». فارْتَحَلَ [9] فَسارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلاةِ فَصَلَّىَ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاتِهِ، إذا هو بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قالَ: «ما مَنَعَكَ يا فُلانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟» قالَ: أَصابَتْنِي جَنابَةٌ وَلا ماءَ. قالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». ثُمَّ سارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاشْتَكَىَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعا فُلانًا _كان يُسَمِّيهِ أبو رَجاءٍ نَسِيَهُ [10] عَوْفٌ_ وَدَعا عَلِيًّا فقالَ: «اذْهَبا فابْتَغِيا [11] الماءَ». فانْطَلَقا، فَتَلَقَّيا امْرَأَةً بَيْنَ مَزادَتَيْنِ _أَوْ سَطِيحَتَيْنِ_ مِنْ ماءٍ [12] علىَ بَعِيرٍ لَها، فَقالا لَها: أَيْنَ الماءُ؟ قالتْ: عَهْدِي بِالْماءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُنا خُلُوفًا [13] . قالا لَها: انْطَلِقِي إِذًا. قالتْ: إلىَ أَيْنَ؟ قالا: إلىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قالتْ: الَّذِي يُقالُ لَهُ الصَّابِئُ؟ قالا: هو الَّذِي تَعْنِينَ، فانْطَلِقِي. فَجاءا بِها إلى النَّبِيِّ [14] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثاهُ الحَدِيثَ، قالَ: فاسْتَنْزَلُوها عن بَعِيرِها، وَدَعا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِناءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْواهِ المَزادَتَيْنِ _أَوْ سَطِيحَتَيْنِ [15] _ وَأَوْكَأَ أَفْواهَهُما، وَأَطْلَقَ العَزالِيَ، وَنُودِيَ في النَّاسِ: اسْقُوا واسْتَقُوا. فَسَقَىَ مَنْ شاءَ [16] ، واسْتَقَىَ مَنْ شاءَ، وَكانَ آخِرُ [17] ذاكَ [18] أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصابَتْهُ الجَنابَةُ إِناءً مِنْ ماءٍ، قالَ: «اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». وَهْيَ قائِمَةٌ تَنْظُرُ إلىَ ما يُفْعَلُ بِمائِها، وايْمُ اللَّهِ، لقد أُقْلِعَ عَنْها، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنا أَنَّها أَشَدُّ مِلْئةً منها حِينَ ابْتَدَأَ فِيها، فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْمَعُوا لَها». فَجَمَعُوا لَها مِنْ بَيْنِ [19] عَجْوَةٍ وَدُقَيِّقَةٍ وَسُوَيِّقَةٍ [20] ، حَتَّىَ جَمَعُوا لَها طَعامًا، فَجَعَلُوها [21] في ثَوْبٍ، وَحَمَلُوها علىَ بَعِيرِها، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْها، قالَ [22] لَها: «تَعْلَمِينَ ما رَزِئنا مِنْ مائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنِ اللَّهُ هو الَّذِي أَسْقانا [23] ». فَأَتَتْ أَهْلَها وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قالُوا [24] : ما حَبَسَكِ يا فُلانَةُ؟ قالتْ: العَجَبُ، لَقِيَنِي رَجُلانِ، فَذَهَبا بِي إلىَ هَذا الَّذِي [25] يُقالَ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذا وَكَذا، فَواللَّهِ، إِنَّهُ لأَسْحَرُ [/ج1ص76/] النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ _وقالتْ بِإِصْبَعَيْها الوُسْطَىَ والسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُما إلى السَّماءِ، تَعْنِي: السَّماءَ والأَرْضَ_ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. فَكانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ [26] علىَ مَنْ حَوْلَها مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فقالتْ يَوْمًا لِقَوْمِها: ما أُرَىَ [27] أَنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ في الإِسْلامِ؟ فَأَطاعُوها فَدَخَلُوا في الإِسْلامِ.

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «حدَّثنا».
[2] في رواية الأصيلي: «كنا مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر».
[3] في رواية ابن عساكر زيادة: «إذا». وضرب عليها بالحمرة.
[4] في رواية ابن عساكر: «وما».
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي: «فكان».
[6] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «نُوقِظْه» بنون المتكلِّم وكسر القاف.
[7] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «لِصَوتهِ».
[8] في رواية ابن عساكر: «فقال».
[9] في رواية أبي ذر وابن عساكر: «فارتحَلوا».
[10] في رواية ابن عساكر: «ونَسِيَه».
[11] في روايةٍ للأصيلي: «فابْغِيا».
[12] قوله: «من ماء» ليس في رواية ابن عساكر.
[13] في رواية الأصيلي و [عط] : «خُلوفٌ» بالرفع.
[14] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «رسولِ اللهِ».
[15] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «السطيحتين».
[16] هكذا في روايةٍ لابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وفي رواية أبي ذر والأصيلي و [عط] وأخرىَ لابن عساكر: «فسقىَ مَن سَقَىَ».
[17] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«آخِرَ»، وكتب فوقها «معًا».
[18] في رواية الأصيلي وأبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ذلك».
[19] هكذا في رواية أبي ذر وابن عساكر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، وعزاها في (ب، ص) إلىَ رواية ابن عساكر وأبي ذر وروايةٍ للأصيلي، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذر ورواية [عط] : «لها ما بينَ»، وزاد في (ب، ص) أنَّ في روايةٍ أخرىَ للأصيلي: «لها بين».
[20] صحَّح في اليونينيَّة على كلا الكلمتين: «وَدُقَيِّقَةٍ وَسُوَيِّقَةٍ».
[21] هكذا في روايةٍ عن أبي ذر والأصيلي وابن عساكر وروايةٍ للسَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا (ب، ص)، وفي روايةٍ أخرىَ عنهم ورواية [عط] : «فجَعلوهُ». كتبت بالحمرة.
[22] في رواية الأصيلي: «قالوا».
[23] في رواية ابن عساكر: «سقانا».
[24] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فقالوا» (ب، ص)، وفي رواية الأصيلي: «فقالوا لها».
[25] في رواية أبي ذر والحَمُّويي والمُستملي: «إلىَ هذا الرجل الذي».
[26] في رواية الأصيلي: «بعدُ يُغِيرون».
[27] هكذا في رواية لابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وفي رواية الأصيلي و [عط] وأخرىَ لابن عساكر: «ما أدْرِي».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

344- ( فكأن أول من استيقظ فلان ) اسم كان، و( أول ) بالنصب خبرها. و( من ) نكرة موصوفة؛ فيكون ( أول ) نكرة أيضًا لإضافته إلى النكرة، أي: أول رجل استيقظ.

( ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعَ ) نصب ( الرابع ) خبرًا لـ( كان )، أي: ثم كان عمر الرابع.

( جَلِيْدًا ) بجيم مفتوحة من الجلادة بمعنى الصَّلابة. [/ج1ص130/]

( لاَ يَضِيرُ ) أي: لا يضر، يقال: ضارَه يضيره ويضوره.

( فابغيا الماء ) أي: اطلباه، وهو بوصل الألف ثلاثي، قال الله تعالى: { مَا كُنَّا نَبْغِ } [ الكهف: 64] .

( المَزادة ) بميم مفتوحة، وهي بمعنى السطيحة: القربة الكبيرة بزيادة جلدة فيها من غيرها مثل الراوية.

( وَنَفَرُنَا خُلُوف ) بخاء معجمة ولام مخففة مضمومتين، أي: رجالنا غيب، وروي: «خلوفًا» بالنصب على الحال السادَّة مسدَّ الخبر؛ أي: متروكون خلوفًا.

( قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ ) ( عهدي ) مبتدأ، و( بالماء ) متعلق به، و( أمس ) ظرف لـ( عهدي )، و( هذه الساعة ) بدل من ( أمس ) بدل بعضٍ من كل، وخبر المبتدأ محذوف، أي: عهدي بالماء حاصل ونحوه.

قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ( أمس ) خبر ( عهدي )؛ لأن المصدر يخبر عنه بظرف الزمان.

وقال ابن مالك: أصله: في مثل هذه الساعة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه.

( الصابئ ) بهمز ويسهَّل؛ أي: الخارج من دِينٍ إلى آخر.

( الْعَزَالِيَ ) بعين مهملة وزاي مفتوحتين ولام مكسورة وياء مفتوحة، وتسكن في لغة من سكن ياء المنقوص في النصب كالصحارى، واحدتها عزلاء، وهي عروة المزادة التي يخرج منها الماء بسعة.

( وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا ) بهمزة وصل وقطع، تكسر وتفتح. [/ج1ص131/]

( وَكَانَ آخِرَ ذَلكَ ) بالنصب والرفع، قال أبو البقاء: الأقوى النصب على أنَّه خبر مقدم.

و ( أَنْ أَعْطَى ) في موضع رفع اسم كان؛ لأن ( أن ) والفعل أعرف من الاسم المفرد، ويجوز رفع ( آخر ) ونصب ( أن أعطى )؛ لأن كليهما معرفة، وفي القرآن الكريم: { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ [1] } بالرفع والنصب.

( إِلَى مَا يفْعَلُ ) بضم أوله وفتحه.

( وايمُ الله ) بكسر الهمزة وفتحها، والميم مضمومة فيهما، ولغاتها نحو العشرين.

( أَشَدُّ مِلْأَةً ) بميم مكسورة ولام ساكنة بعدها همزة ثم تاء التأنيث، أي: امتلاء.

( دَقِيقَةٍ ) بفتح أوله وبضمه على التصغير.

( رَزِئْنَا ) بفتح الراء وكسر الزاي وفتحها ثم همزة، بمعنى: نقصنا.

( يُغِيرُونَ ) بضم الياء من أغار، ويجوز فتحها من غار، وهي قليلة.

( الصِّرْمَ ) بصاد مهملة مكسورة: النفر ينزلون بأهليهم على الماء.

( قالت لقومها: ما أرى [2] ) قال ابن مالك: وقع في بعض نسخ البخاري: «ما أدري»، وفي بعضها: «ما أرى»، من غير دال، وكلاهما صحيح، و«أَرى» بفتح الهمزة و«ما» بمعنى الذي.

و( أنَّ ) بفتح الهمزة معناه: الذي أعلم وأعتقد أن هؤلاء يدعونكم عمدًا لا جهلًا ولا نسيانًا ولا خوفًا منكم.

وقال غير [/ج1ص132/] ابن ِمالك: ويجوز أن تكون ( ما ) نافية و( إنَّ ) بكسر الهمزة، و( أدري ) بالدال، ومعناه: لا أعلم حالكم في تخلفكم عن الإسلام مع أنهم يدعونكم عمدًا.

وقال أبو البقاء: الجيد أن يكون: «إنَّ هؤلاء»، بالكسر على الاستئناف، ولا تفتح على إعمال ( أدري ) فيه؛ لأنها قد عملت بطريق الظاهر، والمعنى: أن المسلمين تركوا الإغارة على صِرْمها مع القدرة على ذلك؛ فلهذا رغَّبتهم في الإسلام، أي: تركوا الإغارة رعايةً لكم، ويكون مفعول ( ما أدري ) محذوفًا، أي: ما أدري لماذا تمتنعون من الإسلام ونحوه.

[1] في [ب] : (أخرجوا).
[2] في ( ت ): ( ما أدري ).





344# (ابن مسرهد) بميم وسين وراء مهملتين [1] وهاء ودال مهملة: عَلَم [2] على صيغة اسم المفعول، يقال: سَرْهَدْتُ الصبيَّ: أحسنتُ غذاءه، وسنامٌ مُسَرْهَدٌ؛ أي: سمين.

(وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلاَنٌ) اسم [3] كان، وأولَ بالنصب خبرها.

قال الزركشي: و((مَنْ)) نكرةٌ موصوفة، فتكون ((أول)) أيضًا نكرة؛ لإضافته إلى النَّكرة؛ أي: أول رجلٍ استيقظَ.

قلتُ: لا يتعين؛ لجواز كونها موصولة؛ أي: وكان أول الذين استيقظوا، وعاد الضمير بالإفراد رعاية للفظِ مَنْ [4] .

(ثُمَّ فُلاَنٌ) الأَوْلى أن يُجعل هذا من عطفِ الجُمل؛ أي: ثم استيقظَ فلان، إذ ترتُّبُهم في الاستيقاظ [5] يدفع اجتماعَهم [6] جميعهم في الأوَّلية.

ولا يمتنع أن يكون من عطف المفردات، ويكون الاجتماع في الأولية باعتبار البعض لا الكل؛ أي: أنَّ جماعةً استيقظوا على الترتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتى على رأي الزركشي؛ لأنه قال: أي: أولُ رجلٍ، فإذا جُعل هذا من قبيل عطف المفردات لزم الإخبارُ عن جماعة بأنهم أولُ رجل استيقظ، وهو باطلٌ.

(ثُمَّ [7] عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب الرَّابعُ) أي: ثم كان [8] ، فالرابع منصوبٌ على أنه [9] خبرها.

(جَلِيدًا) من الجلادة، بمعنى: الصلابة.

(لاَ ضَيْرَ، أَوْ: لاَ يَضِيرُ) الضير والضرر بمعنى.

(أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ [10] ، وَلاَ مَاءَ) أي: عندي، أو أجده، أو نحو ذلك، لكنه أورده ظاهرًا في نفي وجود الماء

@%ج1ص169%

بالكليَّة؛ ليكون [11] أبلغَ في بَسْط عُذْره.

(فَدَعَا فُلاَنًا كَان يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ، فنسَيَهُ عَوْفٌ) هو: عمران بن حصين، كما جاء في رواية سَلْم [12] بن زَرِيْر، وقد أوردها [13] البخاري في باب [14] : علامات النبوة في الإسلامِ.

(فَابْغِيا الْمَاءَ) أي: اطلباه، وهو من الثلاثي، فهمزته همزةُ وصلٍ، يقال: بَغَى الشيء: إذا طلبه، وفي نسخة: <فابتغيا> من الابتغاء.

(مَزَادَتَيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ [15] ) قال الزركشي: المَزَادة _ بميم مفتوحة _ وهي بمعنى السطيحة: القِرْبة [16] الكبيرة بزيادة جِلدة فيها مثل الراوية.

قلت: في «المشارق»: قيل: المَزَادة [17] والراوية سواء. وقيل: الراوية: ما زيد فيه جلد ثالث بين جلدين [18] ليتسع [19] . وقيل: المزادة القربة [20] الكبيرة التي تُحمل على الدابة، والسطيحة؛ وعاء من جلدين [21] سُطح أحدُهما [22] على الآخر.

(قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ [23] السَّاعَةَ) يُحتمل أن يكون ((عهدي)) مبتدأ، و((بالماء)) متعلقٌ به [24] ، وأمسِ ظرفٌ له، وهذه الساعة بدلٌ من أمس بَدَلُ بعضٍ من كُلٍّ [25] ؛ أي: مثلُ هذه الساعة منه، والخبر محذوفٌ؛ أي: حاصل.

ويحتمل أن يكون بالماء خبر عهدي، وأمسِ ظرف لعامل هذا الخبر؛ أي: عهدي مُلْتَبِسٌ بالماء [26] في أمس [27] .

فإن قلت: لِمَ لمْ تجعل الظرف متعلقًا بعهدي كما في الاحتمال الأول؟

قلت: لأني [28] جعلت بالماء خبرًا، فلو علقت الظرفَ بالعهد، مع كونه مصدرًا، لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته [29] ، وهو باطلٌ. ويحتمل أن يكون أمسِ خبراً، وإن كان ظرفًا؛ لأن المبتدأ اسم معنى.

(وَنَفَرُناَ خُلُوف)

@%ج1ص170%

بخاء معجمة ولام مخففة مضمومتين؛ أي: غُيَّبٌ، أو خرجَ رجالُهم للاستقاء [30] وخلَّفوا النساءَ، أو غابوا وخلَّفوهنَّ [31] ، على الخلاف في تفسيره.

ويروى: <خلوفًا> [32] بالنصب على الحال السَّادَّة مسدَّ الخبر؛ أي: متروكون خلوفًا [33] ؛ مثل: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف:8] بالنصب على القراءة الشَّاذة.

(الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟) بهمزة وتُسَهل؛ أي: الخارج من دينٍ إلى آخر [34] .

(قَالاَ: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) فيه تخلُّصٌ حسنٌ؛ لأنهما لو قالا: نعم، لكان فيه تقريرٌ [35] لكونه عليه الصلاة والسلام صابئًا، فتخلَّصا [36] بهذا اللفظ، وأشارا [37] إلى ذاته الشريفة لا إلى تسميتها [38] .

(الْعَزَالِيَ) بعين مهملة مفتوحة فزاي فألف فلام مكسورة فياء مفتوحة، واحدتها عَزْلاء، وهي: عُروة المزادة التي يخرج منها الماء بسَعَة.

(فِي النَّاسِ: اسْقُوا) بهمزة وصل وبهمزة قطع، يقال: سَقَى وأَسْقَى، وكلاهما في القرآن.

(وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ [39] أَنْ أَعْطَى) بنصب [40] آخَر على أنه خبر كان، و((أن [41] أعطى)) اسمُها، وهذا الأحسن، ويجوز العكسُ، وقد قرئ: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا} [النمل:56] بالوجهين [42] .

(إِلَى مَا يُفْعَلُ) بالبناء للمعلوم وللمجهول أيضًا.

(وَايْمُ اللَّهِ!) بكسر الهمزة وفتحها والميم مضمومة فيها، ولغاتها كثيرة.

(أَشَدُّ مِلأَةً) بميم مكسورة فلام ساكنة فهمزة مفتوحة فهاء التأنيث؛ أي: امتلاءً .

(وَدقِيقَةٍ) بفتح أوله، وبضمِّه على التصغير.

(مَا رَزِئْنَا) بفتح الراء وكسر الزاي وفتحها [43] ثم همزة؛ أي: نَقَصْنا [44] .

(يُغِيرُونَ) بضم الياء؛ من أغار، ويجوز فتحها؛ من غار [45] ، وهي قليلةٌ.

(الصِّرْمَ) بكسر

@%ج1ص171%

الصاد وسكون الراء: النَّفَر ينزلون بأهليهم على الماء، كذا قال الخطَّابي .

وفي «الصحاح»: الصِّرم _ بكسر الصاد _ [46] : أَبياتٌ من الناس مجتمعة [47] .

(مَا أَدْرِي [48] أَنَّ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ يَدَعُونكُمْ عَمْدًا) هو بفتح الهمزة من ((أن))، وتشديد نونها عند الأصيلي وغيره، وجعلها [49] بعضهم بمعنى لعلَّ.

قال القاضي: وقد تكون ((أن)) عندي على وجهها، وتكون في موضع [50] المفعول، والمعنى [51] عنده: ما أدري تركَ هؤلاء إيَّاكم عَمْدًا لماذا هو.

وقال أبو البقاء: الجيد أن يكون: إِن هؤلاء بالكسر على الإهمال، ولا تفتح على [52] إعمال أدري فيه، والمعنى: ما أدري ماذا [53] يمتنعون من الإسلام، إن المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا [54] مع القدرة.

وقال ابن مالك: وقع في بعض نسخ البخاري: <ما أدري>، وفي بعضها: <ما أرى>، وكلاهما صحيح، و((أَرى)) بفتح الهمزة، و((ما)) بمعنى: الذي، و((أَنَّ)) بفتح الهمزة، معناه: الذي أعلم أن هؤلاء يَدَعونكم عمدًا لا جهلًا.

قال ابن المنيِّر: وفيه دليلٌ على جواز طعام المخارجة؛ لأن الصحابة تخارجوا في عوض الماء [55] .

وفيه: أن العقود التي بُنيت على المكارم لا يُشترط فيها تحريرُ [56] العِوض أولًا؛ كالحمَّام والسِّقاء، ونحوه.

وفيه: أن الخوارق لا تُغير الأحكام، ألا ترى كيف انخرقت العادة في تكثير ذلك الماء، فلم يخرج ذلك المأخوذ عن ملكها؟

قلت: لا نسلِّم أن الماء المأخوذ على ملكها [57] ، ولذا [58] قال عليه السلام: ((ما رَزِئْنا من مائكِ شيئًا)).

فإن قلت: فقد أعطوها عوضًا عمَّا أُخذ [59] ، وذلك دليل لملكها [60] ؟

قلت: لا نسلم أنَّ العوض عن الماء المأخوذ، وإنما هو ثواب

@%ج1ص172%

لها [61] وقع تطييبًا لخاطرها في مقابلة حَبْسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها أخذَ [62] مائها، ورجوعها بغير شيءٍ، فزيد في الماء ببركته عليه السلام ما حصل به النفع.

قال: وفيه: جواز البيع على الغائب بضرورة [63] دينٍ، أو [64] بيع كامل ونحوه، ألا ترى أن الماء كان لقومها، وهم غُيَّب، فبيع [65] عليهم لضرورة أصحاب الحقوق؛ إذ إحياءُ الأنفسِ حقٌّ على الناس كلهم ؟

قلتُ: هذا بعيدٌ جدًّا، وفيه مثلُ ما تقدم [66] مع زيادةٍ، وهي ما في قوله أولًا: إن المأخوذ كان ملكها، وقوله ثانيًا: إنه ملك لقومها من التعارض ظاهرًا.

[1] ((مهملتين)): ليست في (ق).
[2] ((علم)): ليست في (ق).
[3] في (د) و(ق): ((فلان اسم)).
[4] ((من)): ليست في (ق).
[5] في (د): ((الإسقاط)).
[6] في (ق): ((احتمال غيرهم)).
[7] في (ق): ((وهو)).
[8] في (ق): ((خاف)).
[9] ((أنه)): ليست في (ق).
[10] في (ق): ((إصابة جناية)).
[11] في (ق): ((وليكون)).
[12] في (م) و(د) و(ج): ((مسلم)).
[13] في (د): ((أوردهما)).
[14] ((في باب)): ليست في (ج).
[15] في (ق): ((سطحتين)).
[16] في (ق): ((والقربة)).
[17] في (د) زيادة: ((القربة)).
[18] في (ج): ((جلدتين)).
[19] من قوله: ((والراوية سواء ... إلى قوله: ...جلدين ليتسع)): ليس في (د).
في (ق): ((لتتسع)).
[20] في (ق) زيادة: ((وقيل القربة)).
[21] في (د): ((جلدتين)).
[22] في (م) و(د) و(ج): ((إحداهما)).
[23] في (ق): ((بالماء متعلق وأمس ظرف له وهذه)).
[24] ((به)): ليست في (ق).
[25] ((كل)): ليست في (ق).
[26] من قوله: ((خبر عهدي ... إلى قوله: ...ملتبس بالماء)): ليس في (ج).
[27] في (ق): ((الأمس)).
[28] في (ق): ((إني)).
[29] في (ق): ((معلوماته)).
[30] في (م) و(د): ((للاستسقاء)).
[31] في (ق): ((أو خلفوهن)).
[32] في (ق): ((خلفونا)).
[33] في (ق): ((خلفونا)).
[34] في (ق): ((دين)).
[35] في (م) و(د) و(ج): ((تقرر)).
[36] في (د): ((متخلصاً)).
[37] في (م): ((وأشار)).
[38] في (ق): ((نسبها)).
[39] في (ق) و(ج): ((ذلك)).
[40] في (ق): ((نصيب)).
[41] ((وأن)): ليست في (ج).
[42] ((بالوجهين)): ليست في (ج).
[43] في (د): ((بفتح الزاي وكسرها)).
[44] في (ق): ((يصيبنا)).
[45] من قوله: ((وكسر الزاي ... إلى قوله: ...((من غار)): ليس في (ج).
[46] من قوله: ((وسكون الراء ... إلى قوله: ...بكسر الصاد)): ليس في (د).
[47] ((مجتمعة)): ليست في (د). في (ج): ((مجتمعين)).
[48] في (د) و(ج) و(ق): ((أدري)).
[49] في (م) و(د) و(ق): ((جعلها)).
[50] في (ق): ((الموضع)).
[51] في (ق): ((فالمعنى)).
[52] في (ج): ((إلا على)).
[53] في (ق): ((لماذا)).
[54] في (ق): ((عملاً)).
[55] من قوله: ((وفيه دليل... إلى قوله: ...عوض الماء)): ليست في (ق).
[56] في (ق): ((تحري)).
[57] ((على ملكها)): ليست في (د)، وفي (ق): ((المأخوذ أو يخرج عن ملكها)).
[58] في (د) و(ق): ((وكذا)).
[59] في (د) و(ج): ((أخذوا))، وفي (ق): ((أخذوه)).
[60] في (د) و(ق): ((ملكها)).
[61] في (ق): ((لما)).
[62] في (ق): ((لأخذ)).
[63] في (ج): ((لضرورة)).
[64] ((أو)): ليست في (ق).
[65] في (ج): ((وبيع)).
[66] في (ق): ((قدم)).





344- قَولُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ): وفي نسخة هي في أصلنا وعليها علامة راويها: (ابن مسرهد) ، واعلم أنَّ هذا الرَّجل مشهور جدًّا، ولا يوجد مثل أسماء آبائه، واسمه مسدَّد بن مسرهَد بن مُسربل بن مغربل بن مُطَربل [1] ، أبو الحسن البصريُّ، وذكر ابن ماكولا عن أبي عليٍّ الخالديِّ: أنَّه مسدَّد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرغبل [2] بن أزندل بن سرندل [3] بن عرندل بن ماشك بن المستورد الأسَديُّ، وقال أحمد ابن يونس الرقيُّ: (جئت إلى أبي نعيم بالكوفة، فقال: من مُحدِّث البصرة؟ قلت: مسدَّد بن مسرهد بن مسربل الأسَديُّ، فقال: لو كان في هذه التَّسمية: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم؛ كانت رقية للعقرب [4] ) انتهى، وهو أبو الحسن الحافظ البصريُّ، عن جويرية بن أسماء، وحمَّاد بن زيد، وأبي عوانة، وعنه: البخاريُّ، وأبو داود، وأبو حاتم، وأبو خليفة، مات سنة (228 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، قال بعضهم: اسمه عبد الملك بن عَبْد العزيز، ومسدَّد ومسرهد لقبان، قال ابن معين عن يحيى بن سعيد القطَّان: لو أتيتُ مسدَّدًا فحدَّثتُه في بيته؛ لكان يستأهل [5] ، وسيأتي هذا الكلام في هذا «الصَّحيح»، وثناء النَّاس عليه كثير، وثَّقه ابن معين، وقال [6] : ثقة ثقة [7] ، والعجليُّ فقال: ثقة، وقال ابن حنبل [8] : صدوق.

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ): هذا هو القطَّان، حافظ الإسلام، ومحدِّث الدُّنيا الذي قال فيه أحمد: ما رأت عيناي مثل يحيى بن سعيد، وقد تقدَّم بعض ترجمته.

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ): هذا هو عوف الأعرابيُّ، وإنَّما قيل له: الأعرابيُّ؛ لدخوله [9] درب الأعراب، قاله ابن دقيق العيد أبو الفتح العلَّامة، روى عن أبي العالية، والنَّهديِّ، وأبي رجاء، وخلق، وعنه: القطَّان، وغُنْدر، وهوذة، وعثمان بن الهيثم، وخلق، قال النَّسائيُّ: ثقة ثبت، مات سنة (147 هـ ) ، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان».

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ): هذا هو العطارديُّ، واسمه عمران بن تيم، وقيل: ابن ملحان، وقُدِّمَ، وقيل: ابن عَبْد الله أبو رجاء، أسلم في حياته صلَّى الله عليه وسلَّم، وروى عن عمر، وعليٍّ، وعدَّة، وعنه: أيُّوب، وجرير بن حازم، ومهديُّ بن ميمون، وخلق، وكان عالمًا عاملًا مُعمَّرًا نبيلًا من القرَّاء، مات سنة (107 هـ ) ، وقِيلَ: سنة (108 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قَولُهُ: (عن عِمْرَانَ): هذا هو ابن حُصَين؛ مصغَّرًا، وقد تقدَّم أنَّ الأسماء بالضَّمِّ، والكنى بالفتح، وهو خزاعيٌّ أبو نُجَيْد، أسلم مع أبي هريرة، وعنه: مطرِّف ويزيد ابنا [10] الشِّخِّير، وجماعة، وبعثه عمر رضي الله عنه إلى البصرة؛ ليفقِّههم، مناقبه كثيرة؛ منها: أنَّ الملائكة كانت تسلِّم عليه، كما رواه مسلم [11] ، توفِّي سنة (52 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وأمَّا أبوه [12] الحُصَين بن عبيد بن خلف بن عَبْد نهم؛ فذكره غير واحد في الصَّحابة؛ منهم: ابن عبد البَرِّ وغيره، وجزم بها الذَّهبيُّ في «تجريده»، ، وقال: (ذكره الثلاثة) [13] ، وروى له النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة»، قال المِزِّيُّ في «تهذيبه» وكذا الذَّهبيُّ في «تذهيبه»: مُختلَف في إسلامه، زاد المِزِّيُّ: وقد قيل: إنَّه مات مُشرِكًا، قال الشَّيخ علاء الدِّين مغلطاي شيخ شيوخي: فيه نظر، ثُمَّ ذكر ردَّ ذلك مُطوَّلًا؛ فانظره إن أردته من كتابه «التَّقريب»، فإنَّ فيه فوائدَ، ولا يستغني عنه مَن عنده «تهذيب الكمال» للمزِّيِّ، وكذا مَنْ عنده «التَّذهيب» للذهبيِّ، والله أعلم.

قَولُهُ: (كُنَّا في سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): قال شيخنا المؤلِّف: (اختُلِف في تعيينه؛ ففي «مُسْلِم» من طريق أبي هريرة: (حين قفل [14] من غزوة خيبر) ؛ بالخاء المعجمة، ورواه بعضهم: (حنين) ، قال: والأوَّل غلط، وصحَّح غيرُ واحد قول مَنْ قال: (خيبر) ، وفي حديث ابن مسعود: (أنَّ نومه كان عام الحديبية) ، وذلك في زمن خيبر؛ يعني: إِذَا قلنا: إنَّها في سَنَةَ ستٍّ، قال: وفي رواية: (بتبوك) ، أخرجها البيهقيُّ في «دلائله» في مسيره إليها، وفي رواية: (حين قفل) ؛ أي: منها، وقال شيخنا الشَّارح بعد ذلك: قال ابن العربيِّ: ثبت في «الصَّحيح» عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم النَّومُ عنِ الصَّلاة ثلاثَ مرَّات؛ إحداها: رواية أبي قتادة، ولم يحضر مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أبو بكر وعمر، ثانيها: رواية عمران بن الحُصَين حضراها، ثالثها: رواية أبي هريرة، حضرها أبو بكر وبلال، ووقع في «أبي داود» في حديث أبي قتادة: (بَعَثَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جَيْشَ الأُمَرَاءِ...) ؛ فذكره، وفيه نظر؛ لأنَّ جيش الأمراء كان في مؤتة سنة ثمانٍ، ولم يشهدها عليه السَّلام، لا شكَّ في [15] غيبته عنها.

ومن تأمَّل الأحاديث؛ وجد نومه أكثر من مرَّة، ووجه الجمع بين الرِّوايات فيه صعوبة، وقال الشَّيخ مُحيِي الدِّين في «شرح مسلم»: (هذه الأحاديث جرت في سفرتين أو أسفار، لا في سفرة واحدة، وظاهر ألفاظها يقتضي ذلك) انتهى، وقال قبل ذلك بقليل: (واختلفوا في هذا النوم هل كان مرَّة أو مرَّتين؟ وظاهر الأحاديث مرَّتان) انتهى، والظَّاهر: أنَّ هذا من تكملة كلام القاضي، وقال ابن قيِّم الجوزيَّة في (غزوة خيبر) في «الهدي» لمَّا ذكر حديث النَّوم عنِ الصَّلاة مقفله عن خيبر؛ قال: (وهذه أصحُّ مِنْ قول مَنْ قال: كان ذلك في غزوة حنين، ومن قال في روايته للحديث: كان ذلك عام الحُدَيْبِيَة؛ فليس بمخالف للرواية الأولى، وقال أيضًا: اعلم أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لمَّا انصرف عن وادي القرى راجعًا إلى المدينة؛ فلمَّا كان ببعض الطَّريق؛ سار ليلة حتَّى إِذَا كان ببعض الطَّريق [16] ؛ عرَّس، وقال لبلال: «اكلأ لنا [17] اللَّيل»، فغلبت بلالًا عيناه، والقصَّة معروفة، وقد رُوِي: أنَّ هذه القصَّة كانت في مرجعهم من الحديبية، ورُوِيَ: أنَّها كانت مرجعه من تبوك، وقد روى قصَّة النَّوم عن صلاة الصُّبح عمران بن حُصَين، ولم يوقِّت مدَّتها، ولا ذكر في أيِّ غزوة كانت، وكذلك رواها أبو قتادة، وكلاهما في قصَّة طويلة محفوظة، وروى مالك عن زيد بن أسلم: أنَّ ذلك كان بطريق [/ج1ص140/] مكَّة، وهذا مُرسَل، وقد روى شعبة عن جامع بن شدَّاد قال: سمعت عَبْد الرَّحمن بن علقمة قال: سمعت عَبْد الله بن مسعود قال: (أقبلنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم زمن الحديبية، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «من يكلؤنا؟» فقال بلال: أنا...) ؛ وذكر القصَّة، ولكن قد اضطربت الرِّواية [18] في هذه القصَّة، فقال عَبْد الرَّحمن بن مهديٍّ، عن شعبة، عن جامع: إنَّ الحارس فيها كان ابن مسعود، وقال غُنْدر عنه: إنَّ الحارس كان بلالًا، واضطربت الرِّواية في تاريخها، فقال المعتمر بن سُلَيْمَان عن شعبة عنه: إنَّها كانت في غزوة تبوك، وقد قال غيره عنه: إنَّها كانت في مرجعهم من الحديبية، فدلَّ على وهمٍ وقع فيها، ورواية الزُّهْرِيِّ عن سعيد سالمةٌ من ذلك) انتهى، وكان ينبغي أنْ نؤخِّر هذا الكلام إلى ما بعد ذلك، ولكن انجرَّ بنا الكلام إلى ذلك.

قَولُهُ: (وَإِنَّا أَسْرَيْنَا): أي: سرينا ليلًا، يقال: سرى وأسرى، وقد قرئ: {فاسر} و{فَأَسْرِ} [هود: 81] ، والاسم السُّرى [19] ، وقال السُّهيليُّ في أوَّل حديث الإسراء في «روضه»: (اتَّفقت الرُّواة على تسميته: إسراء، ولم يسمِّه أحد منهم: سُرًى، وإن كان أهل اللُّغة قد قالوا: سرى وأسرى بمعنًى واحدٍ، فدلَّ على أنَّ أهل اللُّغة لم يحقِّقوا العبارة، وذلك أنَّ [20] القرَّاء لم يختلفوا في التِّلاوة من قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] ، ولم يقل: سرى، وقال: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي} [الفجر: 4] ، ولم يقل: يُسري، فدلَّ على أنَّ السُّرى من سريت؛ إذا سرت ليلًا، وهي مؤنَّثة، تقول: طالت سُراك اللَّيلة، والإسراء: متعدٍّ في المعنى، لكن حُذِفَ مفعوله كثيرًا حتَّى ظنَّ أهل اللُّغة أنَّهما بمعنًى واحدٍ؛ لما رأوهما غير متعدِّيين إلى مفعول في اللَّفظ، وإنَّما {أَسْرَى بِعَبْدِهِ}؛ أي: جعل البراق [21] يسري به، كما تقول: أمضيتُه؛ أي: جعلته يمضي [22] ، لكن كثر حذف المفعول؛ لقوَّة الدَّلالة عليه، أو للاستغناء عن ذكره؛ إذ المقصود بالخبر ذكر محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم لا ذكر الدابَّة التي سارت به، وجاز في قصَّة لوط أنْ يقال: {فَاسْرِ بِأَهْلِكَ}؛ أي: سِرْ بهم: وأن تقرأ: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}؛ بالقَطْع؛ أي [23] : فأسر بهم ما يتحمَّلون عليه من دابَّة أو نحوها، ولم يُتصوَّر ذلك في السُّرى بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ إذ لا يجوز أ ن يقال: سرى بعبده بوجه من الوجوه، فلذلك لم تأت التِّلاوة إلَّا بوجه واحد في هذه القصَّة؛ فتدبَّرْه) ، وهو كلام حسن، ولو لخَّصناه؛ كان أولى بنا.

قَولُهُ: (فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ): (أيقظَ) [24] : هو بفتح الظاء، فعل ماض ومفعوله، و (حرُّ): بالرَّفع فاعل.

قَولُهُ: (وَكَانَ أَوَّلَ مَن اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ...) إلى أن قال: (ثُمَّ عُمَرُ الرَّابعُ): قال شيخنا الشَّارح: (جاء في رواية سَلْم بن زَرِير عن أبي رجاء قال: «أوَّل من استيقظ أبو بكر، ثُمَّ عُمر»، وفي رواية أبي هريرة: «فكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أوَّلَهم استيقاظًا») قال: (وهذا يدلُّ على أنَّ ذلك وقع أكثر من مرَّة) انتهى، وقد قدَّمت كلام ابن قيِّم الجوزيَّة؛ فانظره، فإنَّه قريب ذكرته، وأبو رجاء: تقدَّم أنَّه عمران بن ملحان، وقيل في اسم أبيه غير ذلك، وقد تقدَّم بظاهرها.

قَولُهُ: (مَا أَصَابَ النَّاسَ): (النَّاس): بالنصب مفعول، وهذا ظاهر.

قَولُهُ: (جَلِيدًا): هو بفتح الجيم، وكسر اللَّام؛ أي: قويًّا.

قَولُهُ: (لَا ضَيْرَ): أي: ما جرى لا يضُرُّ.

قَولُهُ: (بِالوَضُوءِ): هو بفتح الواو: الماء، وقد تقدَّم مرارًا أنَّه يجوز الضَّمُّ.

قَولُهُ: (إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ [25] ): قال شيخنا الشَّارح: (وقد سلف تعيين هذا المبهم) ، ولم أنظره أنا في كلامه، ولا رأيته في «مبهمات ابن شيخنا البلقينيِّ»، بل تركه مفتوحًا، (وقال حافظ عصري: هذا الرَّجل لَمْ يسمَّ، ووهم من زعم أنَّه خلَّاد بن رافع، انتهى) [26]

قَولُهُ: (فَإِنَّهُ يَكْفيكَ): هو بفتح أوَّله، ثلاثيٌّ، وهذا ظاهر جدًّا.

قَولُهُ: (فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ [نَسِيَهُ عَوْفٌ] وَدَعَا عَلِيًّا [27] ): قال شيخنا: (فلان هو عمران بن حُصَين، كما جاء في رواية سَلْم بن زَرِير) انتهى، ورواية سَلْم في «البخاريِّ» في (باب علامات النُّبوَّة في الإسلام) أوَّل حديث في الباب فيه، وهو حديث عمران بن حُصَين، وفيه: (وجعلني رسولُّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في ركوب بين يديه) ، قال ابن شيخنا البلقينيِّ [28] : (والظَّاهر: أنه الزُّبير بن العوَّام) ، ثُمَّ ذكر شاهده من عند البيهقي في «دلائله».

قَولُهُ: (فَابْتَغِيَا المَاءَ): أي: اطلباه.

قَولُهُ: (فَلَقِيَا [29] امْرَأَةً): هذه المرأة لا أعرف اسمها، وقد أسلمت بعد ذلك، كما في القصَّة.

قَولُهُ: (مَزَادَتَيْنِ): المَزادة؛ بفتح الميم: أكبر من القربة، وقال ابن قُرقُول: (قيل: المَزادة: ما زيد فيه جلد ثَالِث بين جلدين؛ ليتَّسع، وقيل: هي [30] القربة الكبيرة التي تُحمَل على الدابَّة، سُمِّيت من الزيادة فيها من غيرها، مفعلة من ذلك، وهو من معنى الأوَّل، وهي الرَّاوية [31] بعينها) [32] .

قوله: (أَوْ سَطِيحَتَيْنِ): قال ابن قُرقُول: (هو وعاء من جلدين، وقال ابن الأعرابيِّ: هي المزادة إِذَا كانت من جلدين أحدهما على الآخر) [33] .

قَولُهُ: (هَذِهِ السَّاعَةَ): هي بالنصب والجرِّ، كذا في أصلنا، وعليها: (معًا) .

قَولُهُ: (وَنَفَرُنَا خُلُوفًا): النَّفَر؛ بالتَّحريك: يقع على جماعة من الرِّجال خاصَّة، ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه، قال في «المطالع»: أي: جماعة رجالنا مسافرون، والخُلُوف: الذين غاب رجالهم عن نسائهم، والنَّفر: ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، وقد يريد ههنا بالنَّفر: من بقي من النِّساء، ويريد به: الرِّجال الغُيَّب، وقوله: (خُلُوفًا): كما في أصلنا: حال سدَّ مسدَّ الخبر، كما قرئ: {وَنَحْنُ عُصْبَةً} [يوسف: 8] ، وقد تقدَّم عزوها لعليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، وأمَّا الرَّفع؛ فظاهر.

قَولُهُ: (الصَّابِئُ): قال البخاريُّ عقب [34] هذا الحديث: (صبأ: خرج من دين إلى غيره، وقال أبو العالية: الصَّابِئِينَ: فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزَّبور) انتهى، وقال ابن قُرقُول: («هذا الصَّابئ» و«آوَيْتُم [35] الصُّباة»: جمع صاب؛ مثل: رامٍ ورُمَاة، سُهِّلَتْ [36] همزه، ثُمَّ حُذِفت، ومن أظهر الهمزة؛ قال: الصَّبَأَة؛ مثل: كافر وكَفَرَة، وصابئون: مثل: كافرين؛ ومعناه: الخارج من دين إلى دين غيره، والصَّابئون: أهل ملَّة تشبه النَّصرانيَّة، وتخالفها في وجوه تعلَّقوا فيها بشيء من اليهود، فكأنَّهم خرجوا من الدِّيْنَين إلى ثَالِث، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الدَّراريَّ؛ أي: الكواكب الدُّريَّة، قال [37] : وقبلة صلاتهم مَهَبُّ الجنوب، [/ج1ص141/] ويزعمون أنَّهم على ملَّة نوح عليه السَّلام) [38] انتهى.

قَولُهُ: (وَأَوْكَأَ [39] ): هو في أصلنا: مهموز بالقلم، وفيه نظر، وإنَّمَا هو معتلٌّ، وهو بغير همز؛ أي: شدَّ.

قَولُهُ: (العَزَالِيَ): هو بفتح العين المهملة، وبالزاي، واللَّام في آخره مكسورة، ولم يذكر ابن قُرقُول غيره، وقال في «الصِّحاح»: (والعزلاء: فم المزادة الأسفل، والجمع: العزالِي؛ بكسر اللَّام، وإن شئت فتحت؛ مثل: الصَّحارَى والصَّحارِي، والعذارَى والعذارِي) .

قَولُهُ: (وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى): (آخر): منصوب في أصلنا بالقلم على أنَّه خبر مقدَّم، و (أن أعطى): الاسم في موضع رفع، ويجوز رفع (آخر) ، ونصب (أن أعطى) ؛ لأنَّ كليهما معرفة، وفي القرآن العظيم: {لَيْسَ البِرّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} [البقرة: 177] ، و{فَمَا كَان جَوَاب قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوا} [النمل: 56] ؛ بالنَّصب والرَّفع على قراءة من قرأ الرَّفع في الثانية، و{لَيْسَ البِرّ}: النَّصب والرَّفع في السَّبع.

قَولُهُ: (فَأَفْرِغْهُ): هو بقطع الهمزة، رباعيٌّ.

قَولُهُ: (يُفْعَلُ بِمَائِهَا): (يُفعل): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قَولُهُ: (وَايْمُ اللهِ): هو بوصل الهمزة عند أكثر النَّحويِّين، وقد ذكر فيها الجوهريُّ في «صحاحه» كلامًا كثيرًا ولغاتٍ؛ فانظر ذلك إن أردته في (يمن) ، وقال ابن قُرقُول: (وأيم الله) ؛ بقطع الهمزة ووصلها؛ وهي حَلِفٌ، قال الهرويُّ وغيره كقولهم: يمين الله، ويجمع [40] : أَيْمُنًا، فيقال: وايمُنُ الله، ثُمَّ كثر في الكلام فحذفوا النُّون؛ فقالوا: أَيْمُ الله، ومُ الله، ومَ الله، ومِ الله، ومُنِ [41] الله، ومُنُ الله، وأيمَنُ الله، وأيمُنُ [42] الله، وإِيمُ الله، وأَيمُ الله، وكلُّ ذلك قد قيل، وبسبب هذا الاشتقاق لَمْ يجعل بعضهم الألف أصليَّة، وجعلها زائدة، وجعل بعضهم هذه الكلمة عوضًا من واو القسم، وهو مذهب المبرِّد، كأنَّه يقول: والله لأفعلنَّ، ورُوِيَ عنِ ابن عبَّاس أنَّه قال: إنَّ (يمين): اسم [43] من أسماء الله؛ مثل: (قدير) ، قال أبو الهيثم: فالياء منه من اليُمن؛ فيمينٌ ويامُنٌ؛ مثل: قدير وقادِر.

قَولُهُ: (لَقَدْ أُقْلِعَ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قَولُهُ: (مِلأَةً): هو بكسر الميم، ثُمَّ لام ساكنة، ثُمَّ همزة مفتوحة قبل تاء التَّأنيث.

قَولُهُ: (وَدُقيقَةٍ [44] وَسُويقَةٍ): هما بالتَّصغير في أصلنا الذي سمعنا فيه على العراقيِّ، وكذا في نسخة الدِّمياطيِّ [45] ، وقال شيخنا: (يجوز فيه ضمُّ الدَّال وفتحها، قال ابن التِّين: هما روايتان، قوله: «وسُوَيِّقة»: هو بتشديد الياء) انتهى لفظه.

قَولُهُ: (تَعْلَمِينَ): بفتح أوَّله، وإسكان ثانيه، وفتح ثَالِثه مخفَّفًّا، وفي نسخة الدِّمياطيِّ: مشدَّد اللَّام بالقلم، قَالَ الجوهريُّ: (تَعَلَّمْ) في موضع: (اعْلَمْ) ؛ يعني: فهما [46] لغتان.

قَولُهُ: (مَا رَزِئْنَا): قال في «المطالع»: (بكسر الزاي، ومعناه: ما نقصنا) ، وقال شيخنا مجد الدِّين في «القاموس»: (رَزَأَه مالَهُ -ك - «جَعَلَهُ وعَلِمَه»- رُزْءًا؛ أصاب منه شيئًا) ، فهذا قد ذكر في الماضي لغتين، وقال شيخنا الشَّارح: (قال ابن التِّين: ورُوِّيناه: بكسر الزاي وفتحها) .

قَولُهُ: (وَلَكِنِ اللهُ): الاسم الجليل في أصلنا: مرفوع، فعلى هذا (لكن) مخفَّفة، ولا مانع من تشديد (لكنَّ) ، ونصب الاسم الجليل، ويكون من أخوات (إنَّ) ، اللهمَّ إلَّا أن تكون الرِّواية كذا.

قَولُهُ: (أَسْقَانَا): يقال: سقى وأسقى؛ لغتان، وهما في القرآن: {نَسْقِيكُم} [النحل: 66] ، و{نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون: 21] ، وكذا ذكره الخليل وابن القوطيَّة، ويقال: بينهما فرق، يقال: سقيته: ناولته يشرب، وأسقيته: جعلت له سُقيًا يشرب مِنْهُ.

قَولُهُ: (احْتَبَسَتْ): أي: تأخَّرت، وكذا قوله: (ما حَبَسَكِ) ؛ أي: أخَّرك.

قَولُهُ: (لَهُ الصَّابِئُ): تقدَّم الكلام عليه في الصَّفحة قبل هذه.

قَولُهُ: (بِإِصْبَعَيْهَا): الإصبع فيها عشر لغات؛ تثليث الهمزة، ثمَّ تثليث الباء، والعاشرة: أصبوع.

فائدة شاردة: في الأنملة تسع لغات؛ تثليث الهمزة وتثليث الميم، ثلاثة في ثلاثة بتسعة، وقد حُكي عاشرة، حكاها بعض مشايخي؛ وهي [47] أنمولة، ولغات الأنملة حكاها ابن السِّيد وغيره، قال شيخنا المشار اليه: وأفصح اللُّغات: فتح الهمزة والميم، قال: وحَكى اللَّبليُّ في «شرح الفصيح» عنِ ابن سيده في «المخصَّص» عنِ ابن جنِّي: أنَّ في الأنملة من اللُّغات مثل ما في الإصبع) انتهى، وإذا كان كذلك ولغات الإصبع مشهورات وكذا الأصبوع؛ ففيها الأنمولة، والله أعلم.

قوله: (يُغِيرُونَ): هو بضمِّ أوَّله، رباعيٌّ.

قَولُهُ: (الصِّرْمَ): هو بكسر الصَّاد المهملة، وإسكان الرَّاء، ثُمَّ ميم، قال الدِّمياطيُّ: (قال الخليل: الصِّرم: الطَّائفة من النَّاس) انتهى، وقال ابن قُرقُول: (الصِّرم: القطعة من النَّاس، ينزلون على الماء بأهلهم) .

قَولُهُ: (مَا أُرَى): وفي نسخة: (ما أدري) (أَنَّ هَؤُلَاءِ...) إلى آخره: هو بضمِّ الهمزة في أصلنا؛ أي: أظنُّ، وعن ابن مالك: أنَّه بفتح الهمزة، و (ما) بمعنى: الذي، و (أنَّ) ؛ بفتح الهمزة؛ ومعناه: الذي أعتقد أنَّ هؤلاء يدعونكم عمدًا، لا جهلًا ونسيانًا، وقال غير ابن مالك: يجوز أن تكون (ما): نافية، و (إِنَّ) ؛ بكسر الهمزة، و (أدري) ؛ بالدَّال؛ ومعناه: لا أعلم حالكم في تخلُّفكم عنِ الإسلام مع أنَّهم يَدَعونكم عمدًا.

قَولُهُ: (يَدَعُونَكُمْ): هو بفتح الدَّال: أي: يتركونكم، والكلام في (ودع) معروف، وقد جاء في القرآن والحديث خلافًا لمن زعم من النُّحاة من إماتة العرب للمصدر والفعل الماضي، وتركهم النُّطق بهما، وقد جاءا في الكلام الفصيح.

قَولُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْد الله: صَبَأَ): هو مهموز وغير مهموز، وقد تقدَّم في الصِّفحة قبل هذه.

قَولُهُ: (وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ): هذا الظَّاهر لي أنَّه رُفَيع بن مِهْران، وذلك لأنَّه من كبار التَّابعين، وهو مخضرم؛ أدرك الجاهليَّة والإسلام، ولم ير النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أسلم بعده عليه الصَّلاة والسَّلام بسنتين، وقد قدَّمت بعض ترجمته، قال أبو بكر بن أبي داود في كتاب «شريعة القارئ»: (ليس أحد بعد الصَّحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير، ثُمَّ السُّديُّ، ثُمَّ سفيان الثَّوريُّ) انتهى، وأبو العالية فيروز لَمْ أَرَهم ترجموه بهذه الأشياء، ولا ذكروا له قولًا بين العلماء، والله أعلم، ولم يذكره شيخنا، بل قال: إنَّ أثره أسنده ابن جرير في «تفسيره».

[1] في (ب): (كطربل) .
[2] في (ب): (مرغل) .
[3] في (ج): (شرندل) .
[4] في (ج): (للعرب) ، وهو تحريفٌ.
[5] في (ج): (تساهل) .
[6] في (ب): (فقال) .
[7] (ثقة): ليس في (ب) .
[8] زيد في (ب): (ثقة) .
[9] في (ج): (لدخول) .
[10] في (ب): (ابن) .
[11] زيد في (ب): (قال المزي في «تهذيبه»: وكذا الذهبي في «تذهيبه») ، ولعله تكرار لما سيأتي.
[12] في (ب): (أبو) ، هو تحريف.
[13] «تجريد أسماء الصحابة» (1/132) ، والمراد بالثلاثة: ابن منده، وابن عبد البر، وأبو نعيم.
[14] في (ب): (دخل) ، وهو تحريفٌ.
[15] (في): سقطت من (ج) .
[16] (الطريق): سقط من (ب) .
[17] في (ب): (اكلأنا) .
[18] في (ج): (الرواة) .
[19] في (ج): (السَّري) .
[20] في (ب): (لأن) .
[21] في (ب): (السرى و) .
[22] (يمضي): سقطت من (ب) .
[23] (أي): سقطت من (ج) .
[24] (أيقظ): ليس في (ج) .
[25] في (ب): (معترك) ، وهو تحريفٌ.
[26] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[27] (ودعا عليًّا): ليس في (ج) .
[28] (البلقيني): ليس في (ج) .
[29] كذا في النسخ، وفي «اليونينيَّة» و (ق): (فتلقَّيا) .
[30] (هي): ليس في (ب) .
[31] في (ج): (الرِّواية) ، وهو تحريفٌ.
[32] «مطالع الأنوار» (*) .
[33] «مطالع الأنوار» (*) .
[34] في (ج): (عقيب) .
[35] في «اليونينيَّة» (3950) و«المطالع» : (فأويتم) .
[36] في (أ): (سُهِّل) .
[37] (قال): ليس في (ب) .
[38] «مطالع الأنوار» (*) .
[39] في هامش (ق): (لا أعرفه إلا بغير همز معتلًا، والله أعلم) .
[40] في (ج): (ومجمع) .
[41] في «المطالع»: (ومِنِ الله) (*) .
[42] في «المطالع»: (وإيمَن الله) (*) .
[43] (اسم): ليس في (ج) .
[44] في هامش (ق): (بالتصغير فيها، كذا في «اليونينية»، وفي نسخة بخط الحافظ الدِّمياطيّ) .
[45] في (ج): (للدمياطي) .
[46] في (ج): (فيهما) .
[47] في النسخ: (وهو) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.





344- (لَا وَقْعَةَ أَحْلَى): (أَحْلَى): إمَّا صفةٌ لـ (الوقعة) والخبرُ محذوفٌ، وإمَّا خبرٌ.

(فَمَا أَيْقَظَنَا): فعلٌ ماضٍ ومفعولُه.

(إِلَّا حَرُّ): بالرَّفعِ فاعلٌ.

(أَوَّلَ): بالنَّصبِ خبرُ (كَانَ)، و (فُلَانٌ): اسمُها، و (مَن): نكرةٌ موصوفةٌ؛ لأنَّ (أَوَّلَ) نكرةٌ؛ لإضافتِه إلى نكرةٍ.

(ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعَ ): نصبَ (الرَّابِعَ) خبرًا لـ (كانَ) ؛ أي: ثم [1] كانَ عمرُ الرابعَ؛ قاله الزَّركشيُّ.

(مَا أَصَابَ النَّاسَ): (النَّاسَ) مفعولٌ.

(أَمْسِ): خبرُ المبتدأِ، وهو عندَ الحجازيينَ مبنيٌّ على الكسرِ، ومعربٌ غيرُ منصرفٍ للعدلِ والعلميَّةِ عندَ التَّميميِّينَ، فعلى هذا التَّقديرِ هو بضمِّ السِّينِ.

(السَّاعَةَ): منصوبٌ بالظَّرفيَّةِ، وفي أصلِنا بالجرِّ أيضًا.

وقال ابنُ مالكٍ: (أصلُه: أمسِ في مثل هذه السَّاعةِ، فحُذفَ المضافُ، وأُقيم المضاف إليه مُقامَه، ومِنْ حذْفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه: «فَقُلْنَا لَمسْرُوقٍ: سَلْهُ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟» ؛ أي: يعلمُ مَنْ مَثَلُ البابِ؟).

وقال البِرْماويُّ: («بِالماءِ» متعلِّقٌ بـ«عَهْدِي»، و«أَمْسِ» ظرفٌ له، و«هَذِهِ السَّاعَةَ» بدلٌ منه بَدَلَ بعضٍ مِنْ كلٍّ).

وجوَّزَ أبو البقاءِ أنْ يكونَ (أَمْسِ) خبرَ (عَهْدِي) ؛ لأنَّ المصدرَ يُخبَرُ عنه بظرفِ الزَّمان، وعليه اقتصر الكرمانيُّ، فعلى هذا تُضمُّ سينُه على لغةِ بني تميمٍ.

وقال الزَّركشيُّ: («عَهْدِي» مبتدأٌ، و«بِالمَاءِ» متعلِّقٌ به، و«أَمْسِ» ظرفٌ لـ«عَهْدِي»، و«هَذِهِ السَّاعَةَ» بَدَلٌ مِنْ «أَمْسِ» بَدَلَ بعضٍ مِنْ كلٍّ، وخبرُ المبتدأِ محذوفٌ؛ أي: عهدي بالماءِ حاصلٌ، ونحوه)، ثم نقل كلام أبي البقاء وابن مالك [2] .

(خُلُوفٌ): وفي بعضِها: (خُلُوفًا) ؛ أي: كانَ نفرُنا خُلُوفًا؛ قاله الكرمانيُّ.

وقال الطِّيبِيُّ في قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»: («وَهُوَ سَاجِدٌ»: [حالٌ] سدَّتْ مَسَدَّ خبرِ المبتدأِ، نظيرُه: «ضربي زيدًا قائمًا»، العربُ التزمتْ حذفَ خبرِ هذا المبتدأِ، وتنكيرَ «قَائِمًا»، وجعلَتِ المبتدأَ عاملًا في مفسِّرِ صاحبِ الحالِ، ويشهدُ بأنَّ «كَانَ» المقدَّرةَ تامَّةٌ و«قَائِمًا» حالٌ مِنْ فاعلِه: التزامُ العربِ تنكيرَ «قَائِمًا»، وإيقاعُ الجملةِ الاسميَّةِ المقرونةِ بواو الحالِ موقعَه في هذا الحديثِ، وقولِ الشَّاعرِ: [من البسيط]

~ خَيْرُ اقْتِرَابِي مِنَ الْمَوْلَى حَلِيفَ رِضًا وَشَرُّ بُعْدِيَ مِنْهُ وَهْوَ غَضْبَانُ

المبتدأُ فيهما مُؤَوَّلٌ بمفسِّرِ صاحبِ الحالِ؛ يعني: بالمصدرِ المقيَّدِ؛ لأنَّ لفظَه يكونُ مؤوَّلًا بالكونِ؛ والتَّقديرُ: أقربُ الكونِ كونُ... [3] ، وخيرُ الاقترابِ اقترابٌ... [4] ، هذا تلخيصُ كلامِ ابنِ مالكٍ.

ومِن شواهدِ وقوعِ الحالِ سادَّةً مسدَّ الخبرِ: ما رواه البخاريُّ: «عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُنَا خُلُوفًا».

قال المالكيُّ: «خُلُوفًا: منصوبٌ على الحالِ سدَّتْ مسدَّ المسند إلى نَفَرُنَا، وتقديرُه: ونفرُنا متروكون، ونظيرُه [5] قولُه: {وَنَحْنُ عُصْبَةً} [يوسف: 14] ، وهي قراءةٌ تُعْزَى إلى عليٍّ رضي الله عنه، وتقديرُه: ونحن معه عصبةً».

وقولُ بعضِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم: «كانوا يصلُّون مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهم عاقدي أُزْرِهِم»؛ وتقديرُه: وهم مُؤْتَزِرونَ عاقدي أُزرِهِم، وهذا النوع [6] من سدِّ الحالِ مسدَّ الخبرِ مع صلاحيتها [7] لأَنْ تُجعَل [8] خبرًا شاذٌّ لا يكادُ يُستعملُ، فالوجهُ الجيِّدُ في هذا القبيلِ الرَّفعُ بمقتضى الخبريَّةِ، والاستغناءُ به عن [9] تقديرِ خبرٍ، وإنَّما يَحسُن سدُّ الحالِ مسدَّ الخبرِ إذا لم يصلح جعلُ الحالِ خبرًا؛ نحو: «ضربي زيدًا قائمًا»، و«أكثرُ شُرْبِي السَّويق مَلْتُوتًا»، فإنَّ «قائمًا» و«ملتوتًا» لا يصحُّ أن يكونا خبرين لـ«ضربي» و«أكثر») انتهى.

(وَأَوْكَا أَفْوَاهَهُمَا):هو كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] .

قوله [10] : (الْعَزَالِيَ): بياءٍ مفتوحة، وسُكِّنَ في لغةِ مَنْ سكَّنَ ياءَ المنقوصِ في النَّصبِ؛ كـ«الصَّحاري».

(آخِرَ): بالنَّصبِ خبرُ (كَانَ)، و (أَنْ أَعْطَى): اسمُه.

إنْ قلتَ: الأَوْلى عكسُ ذلك؛ لأنَّ (آخِرَ) مضافٌ إلى المعرفة؛ فهو أولى بالاسميَّةِ؟

قلتُ: (أَنْ) مع الفعلِ في تقديرِ المصدرِ المعرفة، فجازَ الأمرانِ، ووردَ في القرآنِ العظيمِ: {لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} [البقرة: 177] ، {فَمَا كَانَ جَوَاب[/ص43/] قَوْمِه إِلَّا أَنْ قَالُوا} [النمل: 56] ؛ بالرَّفعِ والنَّصبِ.

وقال الزَّركشيُّ: («آخِر» بالنَّصبِ والرَّفعِ، قال أبو البقاء: والأقوى النَّصبُ على أنَّه خبرُ [كانَ] مقدَّمٌ، و«أَنْ أَعْطَى» في موضعِ رفعِ اسمِ «كَانَ»؛ لأنَّ «أَنْ» والفعلَ أعرفُ مِنَ الاسمِ المفردِ، ويجوزُ رفعُ «آخِر»، ونصبُ «أَنْ أَعْطَى»؛ لأنَّ كليهما معرفةٌ، وفي القرآنِ: {وَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا} [الأعراف: 82] بالرَّفع والنَّصب) انتهى.

وهما [11] آيتان؛ الأُولى: في (الأعراف) [82] ، والثانية: في (النَّمل) [56] ؛ الأولى بالواو [12] ، والثانية بالفاء [13] .

(اَيْمُ اللهِ): مرفوعٌ بالابتداءِ، وخبرُه محذوفٌ؛ وتقديرُه: اَيْمُ اللهِ قَسَمِي.

(وَلَكِنِ اللهُ): الاسمُ الجليلُ مرفوعٌ، و (لكن) مخفَّفةٌ، ولا مانعَ مِنْ تشديدِ (لَكِن) ونصبِ الاسمِ الجليل، ويكونُ مِنْ أخواتِ (إِنَّ).

(الْعَجَبُ): بالرَّفعِ؛ أي: حَبَسَنِي العَجَبُ.

(مِنْ بَيْنِ): قال الكرمانيُّ: (المناسبُ أنْ يقولَ: «في» بدلَ «مِنْ»، لكن «مِنْ» بيانيَّة مع جوازِ استعمالِ حروفِ الجرِّ بعضِها في مكانِ بعضٍ).

(مَا أرَى): بضمِّ الهمزةِ: أظنُّ [14] ، وبفتحها: أعلمُ، و (ما): موصولةٌ، و (أَنَّ) بفتحِ الهمزةِ [15] ، و (يَدَعُونَكُمْ) ؛ بفتحِ الدَّالِ: يتركونكم عمدًا [16] ؛ أي: مَظْنُوني أنَّهم يتركونكم عمدًا؛ لاستئلافكم، لا سهوًا منهم، وغفلة عنكم.

وقال شيخنا: («ما»: موصولة، و«أَرى»؛ بفتح الهمزة: أعلم، وفي رواية أبي ذرٍّ: «ما أُرى أنَّ هؤلاء») [17] .

وقال بعضهم [18] : (يجوزُ أنْ تكونَ «ما» نافيةً، و«إِنَّ» بكسرِ الهمزة، و«أَدْرِي» بالدَّال، ومعناه: لا أعلم حالكم في تخلُّفكم عن الإسلام مع أنَّهم يدَعونكم عمدًا).

وقال ابن قُرْقُول: («ما أَدري أنَّ هؤلاءِ القومَ يدَعونكم عمدًا» كذا للأصيليِّ وغيرِه بالفتح والتَّشديد، ولغيرِه: «مَا أُرَى» مكان «ما أدري»، ويَحتمل أنْ تكونَ «أنَّ» ههنا بمعنى: لعلَّ، وقيل ذلك في قوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ} [الأنعام: 109] ، ويَحتمل أنْ تكونَ على وجهها في موضعِ مفعولٍ بـ«أَدْرِي»).

وقال أبو البقاء: (الجيِّدُ كسرُ «إِنَّ» على الاستئنافِ، ولا يُفتَحْ على إعمالِ «أَدْرِي» فيه؛ لأنَّها قد عملتْ بطريقِ الظَّاهرِ، والمعنى: إنَّ المسلمينَ تركوا الإغارةَ على صرْمِها مع القُدرة، فرغَّبَتْهم في الإسلام، ويكونُ مفعولُ «أَدْرِي» محذوفًا؛ أي: ما أدري لماذا [19] يمتنعونَ مِنَ الإسلامِ؟ ونحوه).

[1] (ثم): ليست في (ب).
[2] قوله: (وقال الزركشي: عهدي...) إلى هنا جاء في (ب) لاحقًا بعد قوله: (وقول بعض الصحابة... وأكثر، انتهى).
[3] النسختين: (وكون)، ولا يصح.
[4] في النسختين: (اقترابه).
[5] في النسختين: (ونظير).
[6] في النسختين: (نوع).
[7] في النسختين: (صاحبتها).
[8] في النسختين: (جعله).
[9] في (ب): (من).
[10] (قوله): مثبت من (أ).
[11] في (أ): (وهم).
[12] (بالواو): ليست في (ب).
[13] قوله: (وهما آيتان...) جاء في هامش (أ) بخط مغاير دون تصحيح.
[14] زيد في (ب): (قال ابن مالك)، وضرب عليها في (أ).
[15] قوله: (و«أنَّ» بفتح الهمزة) ضرب عليها في (أ)، وأثبتت من (ب).
[16] (عمدًا): ليس في (ب).
[17] «فتح الباري» (1/540)، وقوله: (قال شيخنا...) ليس في (ب).
[18] في (ب): (وقال غير ابن مالك)، وضرب عليها في (أ).
[19] في النسختين: (ماذا).





344- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: ((مُسَدَّد بن مسرهد)) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ [1] وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، هو [2] الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ)؛ بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم والمدِّ [3] ، عمران بن مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللَّام والحاء [4] المُهمَلة، العطارديُّ [5] ، أدرك النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ولم يره، وأسلم بعد الفتح، وتُوفِّي سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ الخزاعيِّ، قاضي البصرة، قال أبو عمر: كان من فضلاء الصَّحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنَّه كان يرى الحفظة وكانت تكلِّمه [6] حتَّى اكتوى فتركته [7] ، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» اثنا عشر حديثًا (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ)؛ أي: عند رجوعهم من خيبر؛ كما في «مسلمٍ»، أو في الحديبية، كما رواه أبو داود، أو في طريق مكَّة، كما في «المُوطَّأ» من حديث زيد بن أسلم مُرسَلًا، أو بطريق تبوك، كما رواه عبد الرَّزَّاق مُرسَلًا (مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) قال الجوهريُّ: تقول: سريت وأسريت بمعنى [8] : إذا سرت ليلًا (حَتَّى إذا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً)؛ أي: نمنا نومةً (وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا)؛ أي: مِنَ الوقعة في آخر اللَّيل، وكلمة: «لا»؛ لنفي الجنس، و«وقعة»: اسمها، و«أحلى» صفةٌ للوقعة، وخبر «لا» محذوفٌ، أو «أحلى» الخبر (فَمَا) ولابن عساكر: ((وما)) (أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((فكان)) (أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) اسم كان، و«أوَّل»؛ بالنَّصب، خبرها مُقدَّمًا، أو «فلانٌ» بدلٌ من «أوَّل» على أنَّه اسم «كان» التَّامَّة، بمعنى: «وجد»، المستغنية عن الخبر، وقول الزَّركشيِّ: و«من» نكرةٌ موصوفةٌ، فيكون «أوَّل» أيضًا [9] نكرةً؛ لإضافته إلى النَّكرة؛ أي: أوَّل رجلٍ استيقظ، وتعقَّبه [10] البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّه [11] لا يتعيَّن؛ لجواز كونها موصولةً؛ أي: وكان أوَّل الذين استيقظوا، وأعاد الضَّمير بالإفراد؛ رعايةً للَّفظ: «من». انتهى. وفلانٌ المستيقظ أوَّلًا هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أن يكون عمران الرَّاوي؛ لأنَّ ظاهر سياقه أنَّه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلَّا بعد استيقاظه، قال في «المصابيح»: والأَوْلى أن يُجعَل هذا من عطف الجمل؛ أي: ثمَّ استيقظ فلانٌ؛ إذ ترتُّبهم [12] في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأوَّليَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المُفرَدات، ويكون الاجتماع في الأوَّليَّة؛ باعتبار البعض لا الكلِّ؛ أي: أنَّ جماعةً استيقظوا على التَّرتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتَّى على رأي الزَّركشيِّ؛ لأنَّه قال: «أي: أوَّل رجلٍ»، فإذا جُعِل [13] هذا من قبيل عطف المُفرَدات؛ لزم الإخبار عن جماعةٍ بأنَّهم أوَّل رجلٍ استيقظ، وهو باطلٌ (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أيضًا [14] أن يكون من شارك عمران في رواية حديث [15] هذه القصَّة المُعيَّنة، وهو ذو مِخْبَرٍ [16] ، كما في «الطَّبرانيِّ» (يُسَمِّيهِمْ)؛ أي: المستيقظين (أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (فَنَسِيَ عَوْفٌ)؛ أي: الأعرابيُّ (ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (الرَّابِعُ) بالرَّفع، صفةٌ لـ: «عمر» المرفوع عطفًا على: «ثمَّ فلانٌ»، أو بالنَّصب، خبر «كان»؛ أي: ثمَّ كان عمرُ بن الخطَّاب الرَّابعَ من المستيقظين، وأيقظ النَّاس بعضهم بعضًا، (وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَامَ؛ لَمْ يُوقَظْ [17] )؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح القاف، مبنيًّا للمفعول مع الإفراد، وللأربعة: ((لم نوقِظه))؛ بنون المتكلِّم وكسر القاف، والضَّمير المنصوب للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ)؛ بفتح المُثنَّاة وضمِّ الدَّال، من الحدوث (فِي نَوْمِهِ)؛ أي: من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ، (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) رضي الله عنه (وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصُّبح حتَّى خرج وقتها، وهم على غير ماءٍ، وجواب «لمَّا» محذوفٌ تقديره: فلمَّا استيقظ؛ كبَّر، (وَكَانَ)؛ أي: عمر (رَجُلًا جَلِيدًا) بفتح الجيم وكسر اللَّام، من الجلادة؛ وهي: الصَّلابة؛ (فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بصَوْتِهِ) بالمُوحَّدة، أي: بسبب صوته، وللأربعة: ((لصوته))؛ باللَّام، أي: لأجل صوته (النَّبِيُّ صلَّى الله [/ج1ص374/] عليه وسلَّم) وإنَّما استعمل التَّكبير؛ لسلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين؛ إحداهما: الذكر، والأخرى: الإيقاظ [18] ، وخصَّ التَّكبير؛ لأنَّه الأصل في الدُّعاء إلى الصَّلاة، واستُشكِل هذا مع قوله عليه الصلاة والسلام: «إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»، وأُجيب: بأنَّ القلب إنَّما يدرك الحسيَّات المتعلِّقة به؛ كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلَّق بالعين؛ لأنَّها نائمةٌ والقلب يقظان (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) عليه الصلاة والسلام؛ (شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) ممَّا ذكر (قَالَ) ولابن عساكر: ((فقال))؛ بالفاء؛ تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصَّلاة عن وقتها (لَا ضَيْرَ أَوْ لَا يَضِيرُ)؛ أي: لا ضرر، يُقال: ضاره يضوره ويضيره، والشَّكُّ من عوفٍ، كما صرَّح به البيهقيُّ (ارْتَحِلُوا) بصيغة الأمر للجماعة المُخاطَبين مِنَ الصَّحابة، (فَارْتَحَلَ)؛ أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ومن معه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((فارتحلوا))؛ أي: عقب [19] أمره عليه الصلاة والسلام بذلك، وكان السَّبب في الارتحال من ذلك الموضع حضور [20] الشَّيطان فيه، كما في «مسلمٍ» (فَسَارَ) عليه الصلاة والسلام ومن معه (غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ) بمن معه (فَدَعَا بِالْوَضُوءِ) بفتح الواو [21] (فَتَوَضَّأَ) صلى الله عليه وسلم وأصحابه (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ)؛ أي: أُذِّن بها، كما عند مسلمٍ والمؤلِّف في آخر [22] «المواقيت» [خ¦595] ، (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ)؛ أي: انصرف (مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لم يُسمَّ، أو هو خلَّاد بن رافع بن مالكٍ، الأنصاريُّ، أخو رفاعة، لكن وهَّموا قائله (مُعْتَزِلٍ)؛ أي: منفردٍ عن النَّاس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ قَالَ): يا رسول الله (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ)؛ أي: موجودٌ بالكليَّة، و«ماءَ»؛ بفتح الهمزة، وقول ابن حجرٍ؛ أي: معي، تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ كلمة: «لا»؛ لنفي جنس الماء، وعدم الماء معه لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفيُ جنس الماء، ويحتمل أن تكون «لا» هنا بمعنى: «ليس»، فيرتفع «الماءُ» حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماءٌ عندي، وقال ابن دقيق العيد: حُذِف الخبر في قوله: «ولا ماءَ»؛ أي: موجودٌ عندي، وفي حذف الخبر بسطٌ لعذره؛ لِمَا فيه من عموم النَّفي، كأنَّه نفى وجود الماء بالكليَّة، بحيث لو وُجِد بسببٍ أو سعيٍ أو غير ذلك؛ لحصَّله، فإذا نفى وجوده مُطلَقًا كان أبلغَ في النَّفيِ وأعذر له، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في الآية الكريمة: {فتيمَّموا صعيدًا طيِّبًا} [النساء: 43] ، وفي رواية سَلْم بن زَريرٍ عند «مسلمٍ»: «فأمره [23] أن يتيمَّم بالصَّعيد» (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) لإباحة صلاة الفرض الواحد مع النَّوافل، أو للصَّلاة مُطلَقًا ما لم تحدث، (ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَاشْتَكَى إِلَيْهِ) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَلَ) عليه الصلاة والسلام (فَدَعَا فُلَانًا) هو عمران بن حصينٍ، كما دلَّ عليه رواية سَلم بن زَريرٍ عند «مسلمٍ» (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (نَسِيَهُ) ولابن عساكر: ((ونسيه)) (عَوْفٌ) الأعرابيُّ (وَدَعَا عَلِيًّا) هو ابن أبي طالبٍ (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام لهما: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُوحَّدة، من الابتغاء، وللأَصيليِّ: ((فابغيا))، وهو من الثَّلاثيِّ، وهمزته همزة وصلٍ؛ أي: فاطلبا (الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) تثنية مَزَادةٍ؛ بفتح الميم والزَّاي: الرَّاوية أو القربة الكبيرة، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّه يُزاد فيها جلدٌ آخر من غيرها، (أَوْ) بين (سَطِيحَتَيْنِ) تثنية سَطِيحةٍ؛ بفتح السِّين وكسر الطَّاء المُهمَلتين، بمعنى: المزادة، أو وعاءٌ من جلدين سطح [24] أحدهما على الآخر، والشَّكُّ من الرَّاوي، و [25] هو عوفٌ (مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) سقط: ((من ماءٍ)) عند ابن عساكر (فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ)؛ بالبناء على الكسر عند الحجازيِّين، ويُعرَب غير منصرفٍ للعلميَّة والعدل عند تميمٍ [26] فتُفتَح سينُه إذا كان ظرفًا، ويحتمل أن يكون «عهدي» مبتدأٌ و«بالماء» متعلِّقٌ به، و«أمس» ظرفٌ له، وقوله: (هَذِهِ السَّاعَةَ) بدلٌ من «أمس»، بدل بعضٍ من كلِّ؛ أي: مثل هذه السَّاعة، والخبر محذوفٌ؛ أي: حاصلٌ ونحوه، أو «هذه السَّاعة» ظرفٌ، قال ابن مالكٍ: أصله: «في مثل هذه السَّاعة»، فحُذِف المُضاف وأُقيم المُضاف إليه مقامه، وجوَّز أبو البقاء أن يكون «أمس» خبر «عهدي»؛ لأنَّ المصدر يُخبَر عنه بظرف الزَّمان، وعلى هذا تُضَمُّ سين «أمس» على لغة تميمٍ، وجوَّز في «المصابيح» أن يكون «بالماء» خبر «عهدي»، و«أمس» ظرفٌ لعامل هذا الخبر؛ أي: عهدي متلبِّسٌ [27] بالماء في أمس، ولم [/ج1ص375/]

يجعل الظَّرف متعلِّقًا بـ: «عهدي» _كما مرَّ_ قال: لأنِّي جعلت «بالماء» خبرًا، فلو عُلِّق الظَّرف بـ: «العهد» مع كونه مصدرًا؛ لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته، وهذا باطلٌ، انتهى.

(وَنَفَرُنَا)؛ أي: رجالنا (خُلُوفًا) بضمِّ الخاء المُعجَمة واللَّام المُخفَّفة، جمع: خالفٍ، وهو المستقي أو الغائب [28] ، والنَّصب كما في رواية المُستملي والحَمُّوييِّ على الحال السَّادَّة مسدَّ الخبر، قاله الزَّركشيُّ والبدر الدَّمامينيُّ وابن حجرٍ؛ أي: متروكون خُلُوفًا، مثل: {ونحن عصبةٌ} [يوسف: 8] ؛ بالنَّصب [29] ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: ما الخبر هنا حتَّى يسدُّ الحال مسدَّه، قال: والأوجه ما قاله الكرمانيُّ أنَّه منصوبٌ بـ: «كان» المُقدَّرة، وللأَصيليِّ: ((خُلُوفٌ))؛ بالرَّفع، خبر المبتدأ، أي: غُيَّبٌ، أو خرج رجالهم للاستقاء [30] وخلَّفوا النِّساء، أو غابوا وخلَّفوهنَّ (قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا [31] قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ) بالهمز [32] ، من صبأ؛ أي [33] : خرج من دينٍ إلى آخر، ويُروَى: بتسهيله [34] ياء [35] من: صبا يصبو؛ إذا مال [36] ؛ أي: المائل (قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ)؛ أي: تريدين، وفيه تخلُّصٌ حسنٌ؛ لأنَّهما لو قالا: لا؛ لفات المقصود، ولو قالا: نعم، لكان فيه تقريرٌ؛ لكونه عليه الصلاة والسلام كان [37] صابئًا، فتخلَّصا بهذا اللَّفظ، وأشارا إلى ذاته الشَّريفة، لا إلى تسميتها (فَانْطَلِقِي) معنا إليه (فَجَاءَا)؛ أي: عليٌّ وعمران (بِهَا إِلَى النَّبِيِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((إلى [38] رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ) الذي كان بينهما وبينها، (قَالَ) عمران بن الحُصَين: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا)؛ أي: طلبوا منها النُّزول عنه، وجُمِعَ؛ باعتبار عليٍّ وعمران ومن تبعهما ممَّن يعينهما، (وَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بعد أن أحضروها بين يديه (بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ) عليه الصلاة والسلام، من التَّفريغ [39] ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فأفرغ))؛ من الإفراغ (مِنْ أَفْوَاهِ [40] الْمَزَادَتَيْنِ) جمعٌ في موضع التَّثنية على حدِّ: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] (أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ)؛ أي: أفرغ من أفواههما، والشَّكُّ من الراوي (وَأَوْكَأَ [41] )؛ أي: ربط (أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ)؛ أي: فتح (الْعَزَالِيَ)؛ بفتح المُهمَلة والزَّاي وكسر اللَّام، ويجوز فتحها وفتح الياء [42] ، جمع: عزْلاء؛ بإسكان الزَّاي والمدِّ؛ أي: فم المزادتين [43] الأسفل؛ وهي عروتها التي يخرج منها الماء بسعةٍ، ولكلِّ مزادةٍ عزلاوان [44] من أسفلها، (وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا) بهمزة وصلٍ، من «سقى»، فتُكسَر، أو قطعٍ، من «أسقى»، فتُفتَح؛ أي: اسقوا غيركم [45] كالدَّوابِّ، (وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ سقى) ولابن عساكر: ((فسقى من شاء)) (وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ) فرَّق بينه وبين «من [46] سقى»؛ لأنَّه [47] لنفسه، و«سقى» لغيره من ماشيةٍ ونحوه، و«استقى» [48] قِيلَ: بمعنى: سقى، وقِيلَ: إنَّما يقال: سقيته لنفسه، واستقيته [49] لماشيته، (وَكَانَ آخِرَ ذَلكَ) بنصب «آخرَ» خبر «كان» مُقدَّمًا، والتَّالي اسمها، وهو قوله: [(أَنْ) مصدريَّةٌ (أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ)] [50] وكان معتزلًا (إِنَاءً مِنْ مَاءٍ) ويجوز رفع «آخرُ» على أنّ «أعطى» الخبر، قال أبو البقاء: والأوَّل أقوى؛ لأنَّ «أن» والفعل أعرف من الفعل المُفرَد، وقد قُرِىء: {فما كان جواب قومه إلَّا أن قالوا} [النمل: 56] بالوجهين (قَالَ)؛ أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للَّذي أصابته الجنابة: (اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ)؛ بهمزة القطع في «فأفرغه» (وَهْيَ)؛ أي: والحال أنَّ المرأة (قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ) بالبناء للمجهول (بِمَائِهَا) قِيلَ: إنَّما أخذوها واستجازوا أخذ مائها؛ لأنَّها كانت كافرةً حربيةً، وعلى تقدير أن يكون لها عهدٌ، فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عوضٍ، وإلَّا؛ فنفس الشَّارع تُفدَى بكلِّ شيءٍ على سبيل الوجوب، (وَايْمُ اللهِ) بوصل الهمزة والرَّفع، مبتدأٌ خبره محذوفٌ؛ أي: قسمي (لَقَدْ أُقْلِعَ) بضمِّ الهمزة؛ أي: كُفَّ (عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً) بكسر الميم وسكون اللَّام وبعدها همزةٌ ثمَّ تاء تأنيثٍ؛ أي: امتلاًء (مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا) وهذا من عظيم [51] آياته وباهر دلائل [52] نبوته صلى الله عليه وسلم، حيث توضَّؤوا وشربوا وسقوا [53] واغتسل الجنب، بل في رواية سَلْم بن زَريرٍ: أنَّهم ملؤوا كلَّ قربةٍ كانت معهم ممَّا سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتين [54] ، بل تخيَّل الصَّحابة أنَّ ماءها [55] أكثر ممَّا كان أوَّلًا (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) لأصحابه: (اجْمَعُوا لَهَا) لعلَّه تطييبٌ لخاطرها في مُقابَلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها أخذ مائها، لا أنَّه عوضٌ عمَّا أخذ من الماء، (فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ) [/ج1ص376/] وفي روايةٍ: ((ما بين)) (عَجْوَةٍ) تمرٍ، أجود تمر المدينة (وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ)؛ بفتح أوَّلهما، ولكريمة: ((ودُقَيْقَةٌ وسُوَيْقةٌ))؛ بضمِّهما [56] ، مُصغَّرين (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زاد أحمد في روايته: «كثيرًا»، و«الطَّعام» في اللُّغة: ما يُؤكَل، قال [57] الجوهريُّ: وربَّما خصَّ الطَّعام بالبُرِّ (فَجَعَلُوهُ)؛ أي: الذي جمعوه، ولأبي ذَرٍّ: ((فجعلوها))؛ أي: الأنواع المجموعة (فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا)؛ أي: المرأة (عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ) بما فيه (بَيْنَ يَدَيْهَا)؛ أي: قدَّامها على البعير (قَالَ لَهَا) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللأَصيليِّ: ((قالوا لها))؛ أي: الصَّحابة بأمره صلى الله عليه وسلم (تَعْلَمِينَ)؛ بفتح التَّاء [58] وسكون العين وتخفيف اللَّام، كذا في «فرع اليونينيَّة»: مُفرَدٌ مُخاطَبٌ مُؤنَّثٌ من باب «عَلِم يعلَم»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بفتح أوَّله وثانيه وتشديد اللَّام [59] ؛ أي: اعلمي (مَا رَزِئْنَا) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي، وقد تُفتَح، وبعدها همزةٌ ساكنةٌ؛ أي: ما نقصنا (مِنْ مَائِكِ شَيْئًا)؛ أي: فجميع ما أخذناه [60] من الماء ممَّا زاده الله وأوجده، ويؤيِّده قوله: (وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا)؛ بالهمز، ولابن عساكر: ((سقانا)) (فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا)؛ أي: أهلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((فقالوا)) (مَا)، وللأَصيليِّ: ((فقالوا لها: ما)) (حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: الْعَجَبُ)؛ أي: حبسني العجب (لَقِيَنِي رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي) ولأبي ذَرٍّ: ((إلى [61] هذا الرَّجل الذي)) (يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ) عبَّر بـ: «مِن» البيانيَّة، وإلَّا فكان [62] المناسب التَّعبير بـ: «في» بدل «من»، على أنَّ حروف الجرِّ قد ينوب بعضها عن بعض، (وَقَالَتْ)؛ أي: أشارت (بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) لأنَّه [63] يُشار بهما [64] عند المُخاصَمة والسَّبِّ، وهي المسبِّحة؛ لأنَّها [65] يُشار بها إلى التَّوحيد والتَّنزيه (فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي)؛ أي: المرأة (السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ) صلى الله عليه وسلم (حَقًّا) هذا منها ليس بإيمانٍ للشَّكِّ، لكنَّها أخذت في النَّظر فأعقبها الحقَّ، فآمنت بعد ذلك، (فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ) وللأَصيليِّ: ((بعد يُغيرون))؛ بضمِّ الياء، من «أغار»، ويجوز فتحها، من «غار»، وهو قليلٌ [66] (عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ)؛ بكسر الصَّاد وسكون الرَّاء؛ النَّفر ينزلون بأهليهم على الماء أو أبياتٌ من النَّاس مجتمعةٌ، وإنَّما لم يغيروا عليهم وهم كَفَرةٌ؛ للطَّمع في اسلامهم بسببها أو لرعاية ذمامها [67] ، (فَقَالَتْ)؛ أي: المرأة (يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى [68] ) بفتح الهمزة، بمعنى: أعلم؛ أي: الذي أعتقد [69] (أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ) بفتح همزة «أنَّ» مع تشديد النُّون (يَدَعُونَكُمْ) بفتح الدَّال [70] ، من الإغارة (عَمْدًا) لا جهلًا [71] ولا نسيانًا ولا خوفًا منكم، بل؛ مراعاةً لِما سبق بيني وبينهم، وفي رواية الأكثرين: ((ما أَرى هؤلاء))؛ بفتح همزة «أرى» وإسقاط «أنَّ»، والأولى رواية أبي ذَرٍّ، ولابن عساكر: ((ما أُرى))؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظنُّ ((إن هؤلاءِ))؛ بكسر الهمزة، كذا في «الفرع»، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((ما أدري أنَّ))؛ بالدَّال بعد الألف، و«أنَّ» بفتح الهمزة والتَّشديد، وهي في موضع المفعول، والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إيَّاكم عمدًا لماذا هو؟ وقال أبو البقاء: الجيِّد أن يكون «إن هؤلاء» بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يُفتَح على إعمال «أدري» فيه؛ لأنَّها قد عملت بطريق الظَّاهر [72] ، ويكون مفعول «أدري» محذوفًا، والمعنى: ما أدري لماذا تمتنعون من الإسلام أنَّ المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا [73] مع القدرة عليكم (فَهَلْ لَكُمْ) رغبةٌ (فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ).

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النَّبوَّة» [خ¦3571] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وزاد في رواية المُستملي هنا ممَّا ليس في «الفرع»:

((قَاَلَ أَبُو عَبْدِ اللهِ))؛ أي: المؤلِّف في تفسير: صَبَأَ؛ أي: خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلىَ غَيْرِهِ، (وقَاَلَ أَبُو العَالِيَةِ) رفيع بن مهران الرِّياحيُّ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»: ({والصَّابِئِينَ}) [البقرة: 62] : هم (فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ)، وقال البيضاويُّ: {والصَّابئين}: قومٌ بين النَّصارى والمجوس، وقِيلَ: أصل دينهم دين نوحٍ، وقِيلَ: هم عبَدة الملائكة، وقِيلَ: عبَدة الكواكب، وأورده المؤلِّف هنا؛ ليبين الفرق بين الصَّابئ المرويِّ في الحديث، والصَّابئ المنسوب لهذه الطائفة.

[1] في (م): «ولأبي ذَرٍّ»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[2] «هو»: ليس في (م).
[3] في غير (ص) و(م): «بالمدِّ».
[4] في (م): «بالحاء».
[5] في هامش (ص): «قوله: «العطارديُّ»: نسبةً إلى عطارد؛ بطنٌ من تميم. انتهى».
[6] في هامش (م) من نسخةٍ: «وتسلِّم عليه».
[7] «فتركته»: مثبتٌ من (م).
[8] «بمعنى»: سقط من غير (ب) و(س).
[9] «أيضًا»: سقط من (د).
[10] في (م): «قال».
[11] «بأنَّه»: ليس في (م).
[12] في (م): «ترتيبهم».
[13] في (ص): «جعلوا».
[14] «أيضًا»: ليس في (ب) و(د).
[15] في (ب) و(س): «رؤية».
[16] في هامش (ص): «قوله: «ذو مِخْبَرٍ»: قال في «الفتح»: هو بكسر الميم وسكون الخاء المُعجَمة وفتح المُوحَّدة. انتهى».
[17] في هامش (ص): «قوله: «لم يوقظ»: قال العلماء: امتناعهم من ذلك؛ لِمَا كانوا يتوقَّعون من الايحاء إليه، ولأنَّه لا يدري ما هو فيه، ومع هذا كانت الصَّلاة قد فات وقتها، فلو أحدٌ من النَّاس اليوم نام وحضر وقت صلاةٍ، وخِيف فوتها؛ نبَّهه من حضره؛ لئلَّا تفوت الصَّلاة، قال الأبيُّ: الأحسن في امتناعهم من إيقاظه أنَّه أدبٌ، قلت: والتَّعليل الأوَّل أَوْلى وأحسن كما لا يخفى. انتهى. سنباطي».
[18] في غير (م): «الاستيقاظ».
[19] في (د): «عقيب».
[20] في (ص) و(م): «لحضور».
[10] في (م): «الوضوء».
[22] في (م): «أواخر».
[23] في (د): «أمره».
[24] في (د): «سطيح».
[25] في (ص) و(م): «أو».
[26] في (ص) و(م): «عندهم»، وهو تحريفٌ.
[27] في (ص): «ملتبس».
[28] قوله: «جمع: خالفٍ، وهو المستقي أو الغائب»، مثبتٌ من (م).
[29] قوله: «أي: متروكون خُلُوفًا، مثل: {وَنَحنُ عُصْبَةُ} [يوسف: 8] ؛ بالنَّصب»، سقط من (د).
[30] في (م): «للاستسقاء».
[31] في هامش (ص): «قوله: «إذًا» قال في «المغني»: الجمهور يكتبونها بالألف، وكذا رُسِمت في المصاحف، والمازنيُّ والمبرِّد بالنَّون، وعن الفَّراء: إذا عملت؛ كُتِبت بالألف، وإلَّا؛ كُتِبت بالنُّون؛ للفرق بينها وبين «إذا»، وتبعه ابن خروفٍ. انتهى».
[32] في (س): «بالهمزة».
[33] في (ص): «إذا».
[34] في (ص): «بتسهيل».
[35] «ياء»: سقط من (د).
[36] «إذا مال»: مثبتٌ من (م).
[37] «كان»: مثبتٌ من (ص).
[38] «إلى»: ليس في (م).
[39] في (م): «الإفراغ».
[40] في هامش (ص): «قوله: «من أفواه...» إلى آخره: زاد الطَّبرانيُّ والبيهقيُّ في هذا الوجه: فمضمض في الماء، وأعاده في أفواه المزادتين، وبهذه الرِّواية تتَّضح الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها. انتهى. «فتح الباري»».
[41] في هامش (ص): «قوله: «وفتح الياء»؛ أي: مُخفَّفةً مع كسر اللَّام، ولا يتأتَّى فتح الياء مع فتح اللَّام، كما قالوا: صحارى؛ بفتح الرَّاء وكسرها. انتهى».
[42] في هامش (ص): «قوله: «وأوكأ»: كذا هو مضبوطٌ بهمزةٍ في آخره في نسخةٍ صحيحةٍ من فروع «اليونينيَّة»، وفيه نظرٌ، فإن أئمَّة اللُّغة لم يذكروه في باب الهمز، وإنَّما ذكروه في المُعتَلِّ، فقالوا: وكيت السِّقاء وأوكيته، وقد جزم بذلك الشَّارح في «الأشربة»، فقال: «وأوكُوْا» بضمِّ الكاف وسكون الواو، من غير همزٍ، انتهى. عجمي».
[43] في (م): «المزادة».
[44] في (ص): «عزلاوين»، وفي هامشها: «قوله: «مزادة عزلاوين»، صوابه: عزلاوان. انتهى».
[45] في (ص): «غيرهم».
[46] «من»: مثبتٌ من (م).
[47] في (ص) و(م): «أنَّه».
[48] في (د) و(ص): «استسقى».
[49] في (ص) و(م): «أسقيته».
[50] زيد في (م): «وكان أعطاه الرجل الذي أصابته الجنابة آخر ذلك».
[51] في غير (د) و(م): «أعظم».
[52] في (د): «جلائل».
[53] في (م): «اسقوا».
[54] في غير (ب) و(س): «مملوءتان».
[55] في (س): «ماء هنا».
[56] في (ب) و(س): «بضمِّها».
[57] في (م): «قاله»، وكلاهما صحيحٌ.
[58] في (ص): «اللَّام».
[59] قوله: «كذا في «فرع اليونينيَّة»: مُفرَدٌ... بفتح أوَّله وثانيه وتشديد اللَّام»، مثبتٌ من (د) و(م).
[60] في (د): «أخذنا».
[61] «إلى»: سقط من (د).
[62] في غير (م): «وكان».
[63] في (ص): «لأنَّهما».
[64] في (س) و(م): «بها».
[65] في غير (ب) و(س): «لأنه».
[66] في غير (ب) و(س): «وهي قليلة».
[67] في هامش (ص): «قوله: «ذمامها»؛ أي: عهدها، وفي نسخة: «مائها». انتهى».
[68] في هامش (ص): «قوله: «ما أرى»، فـ: «ما» موصولٌ على هذا، وقِيلَ: هي نافيةٌ، و«أنَّ» بمعنى: «لعلَّ»، وقِيلَ غير ذلك، فليُراجَع. كرماني».
[69] في (م): «أعتقده».
[70] «بفتح الدَّال»: سقط من (د).
[71] في (ص): «لأجلها».
[72] في (د): «عملت نظرًا للظَّاهر».
[73] «عمدًا»: سقط من (م).





344- ( عَوْفٌ ): بالفاء.

( كُنَّا فِي سَفَرٍ ): في مسلم عن أبي هريرة: «أنَّه وقع عند خروجهم من خيبر»، ولأبي داود عن ابن مسعود: «من الحديبية»، وفي «مصنَّف عبد الرَّزاق» عن عطاء بن يسار مرسلًا: [/ج1ص430/]أنَّ ذلك كان بطريق تبوك، وكذا للبيهقيِّ في «الدَّلائل» من حديث عقبة بن عامر.

وفي روايةٍ لأبي داود: «أنَّ ذلك كان في غزوة جيش الأمراء»، وتعقَّبه ابن عبد البرِّ بأنَّ تلك غزوة مؤتة، ولم يشهدها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو كما قال.

وذهب جماعة إلى [أنَّ] [1] تعدَّدَ وقوع ذلك؛ ليحصل الجمع بين هذه الرِّوايات، خصوصًا أنَّ في سياق الأحاديث اختلافًا، وأنَّ في بعضها أنَّ الذي كلأ الفجر: ذو مِخْبَر، وفي بعضها: بلال.

( أَسْرَيْنَا [2] ): في «الصَّحاح»: سريت وأسريت بمعنىً، أي: سرت ليلًا، وفي «المحكم»: السُّرى سير اللَّيل غالبه، وقيل: كلِّه.

( وَقَعْنَا وَقْعَةً ): نمنا نومةً.

( وَكَانَ أَوَّلَ ): بالنَّصب خبر «كان».

( يَحْدُثُ ): بضمِّ الدَّال بعدها مثلَّثة، أي: من الوحي، فكانوا يخافون من إيقاظه قطع الوحي.

( جَلِيدًا ): من الجلادة، بمعنى: الصَّلابة.

( فما زال يُكَبِّرُ ): في استعمال التَّكبير سلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين، وخصَّ التَّكبير، لأنَّه أصل الدُّعاء إلى الصَّلاة.

( الَّذِي أَصَابَهُمْ ): أي: من نومهم عن صلاة الصُّبح حتَّى خرج وقتها.

( لاَ ضَيْرَ ): أي: لا ضرر.

( أَوْ لاَ يَضِيرُ ): هو شكٌّ من عوف، بيَّنَه البيهقيُّ، ولأبي نعيم: «لا يسوء ولا يضرُّ». [/ج1ص431/]

( ارْتَحِلُوا ): زاد مسلم عن أبي هريرة: «فإنَّ هذا منزلٌ حضرنا فيه الشَّيطان».

تنبيه: تكلَّم العلماء في الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»، قال النَّوويُّ: وله جوابان:

أحدهما: أنَّ القلب إنَّما يدرك الأمور المتعلِّقة به كالحدث والألم ونحوهما، فلا يدرك ما يتعلَّق بالعين كرؤية الفجر والشَّمس؛ لأنَّها نائمة والقلب يقظان.

والثَّاني _ وهو ضعيف _: أنَّه كان له حالان: حالٌ لا ينام قلبه وهو الأغلب، وحالٌ ينام فيه قلبه وهو النَّادر، فصادف هذا قصَّة النَّوم، والمعتمد الأوَّل.

فإن قيل: القلب يدرك مرور الوقت الطَّويل؟

أجيب: لعلَّه كان مستغرقًا بالوحي كما كان يستغرق حالة إلقاء الوحي في اليقظة، والحكمة في ذلك بيان التَّشريع بالفعل؛ لأنَّه أوقع في النَّفس كما في قصَّة سهوه.

( إِذَا رَجُلٍ [مُعْتَزِلٍ] [3] ) قيل: هو خلَّاد بن رافع الأنصاريُّ أخو رفاعة.

( وَلاَ مَاءَ ): بالفتح، أي: موجود.

( فَدَعَا فُلَانًا ): هو عمران بن الحصين راوي الحديث.

( فَابْتَغِيَا ): للأَصِيليِّ: «فابغيا»، أي اطلبا.

( مَزَادَتَيْنِ ): المَزادة بفتح الميم والزَّاي: قربةٌ كبيرةٌ، وتُسمَّى أيضًا السَّطيحة، و «أو» هنا شكٌّ من عوف. [/ج1ص432/]

( أَمْسِ ): خبر المبتدأ.

( هَذِهِ السَّاعَةَ ): بالنَّصب على الظَّرفيَّة.

( خُلُوفٌ ) بضمِّ الخاء واللَّام: جمع خالف، أي: غُيَّبٌ عن الحيِّ، زادته على جواب السُّؤال، وللمُسْتملي والحَمُّويي: «خُلُوفًا» بالنَّصب على الحال السَّادَّة مسدَّ الخبر.

( الصَّابِي ): بلا همز، أي: المائل، من صبا يصبو، أي: خرج من دين إلى دين.

( هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ ): فيه أدبٌ حسنٌ؛ إذ لو قالا لها: لا، لفات المقصود، أو: نعم لم يحسن منهما، إذ فيه تقريرٌ ذلك فتخلَّصا أحسن تخلُّصٍ.

( فَفَرَّغَ ): للكُشْمِيهنيِّ: «فأفرغ»، زاد الطَّبرانيُّ والبيهقيُّ: «فمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين»، وإطلاق الأفواه من الجمع على المثنَّى.

( وَأَوْكَأَ ): أي: ربط.

( وأَطْلَقَ ): أي: فتح.

( الْعَزَالِيَ ): بفتح المهملة والزَّاي وكسر اللام، جمع: عَزْلاء -بسكون الزَّاي- مصبُّ الماء من الرَّاوية، ولكلِّ مزادة عَزلاوان من أسفلها.

( أَسْقُوا ): بهمزة قطع مفتوحة أو وصل مكسورة.

( وَكَانَ آخِرُ ذلكَ ): برفع (آخرُ) اسم كان والخبر: ( أن أعطى ).

( وَأيْمُ اللَّهِ ): بفتح الهمزة وكسرها والميم مضمومة، أصله: أيمن الله، فحذفت النُّون تخفيفًا، وهو اسمٌ وُضع للقسم، مرفوعٌ بالابتداء وخبره محذوفٌ، أي: قسمي.

( مِلْأَةً ): بكسر الميم وسكون اللَّام وفتح الهمزة.

( سَوِيقَةٍ ): بفتح أوَّله.

( وَدَقِيْقَةٍ ): بفتح أوَّله، ولكريمة بضمِّه مصغَّرًا.

( حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا ): أي: كثيرًا. [/ج1ص433/]

( قَالَ لَهَا ): للأَصيليِّ:/ «قالوا».

( تَعلَّمِينَ ): بفتح أوَّله وثانيه وتشديد اللَّام، أي: اعلمي.

( رَزِئْنَا ): بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي بعدها همزة ساكنة، أي: نقصنا.

( يُغِيرُونَ ): بالضَّمِّ: من أغار.

( الصِّرْمَ ): بكسر المهملة: أبيات مجتمعة من النَّاس.

( مَا أُرَى هَؤُلاَءِ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا ): لأبي ذرٍّ: «ما أرى أنَّ هؤلاء».

قال ابن مالك: ( ما ) موصولة، و ( أَرى ) بفتح الهمزة بمعنى: أعلم، والمعنى: الذي أعتقد أنَّ هؤلاء يتركونكم عمدًا لا غفلةً و [لا] [1] نسيانًا، بل مراعاةً لما سبق بيني وبينهم.

وقال غيره: ( ما ) نافية، و ( أنَّ ) بمعنى: لعلَّ، وقيل: هي بالكسر، والمعنى: لا أعلم حالكم في تخلِّفكم عن الإسلام مع أنَّهم يدعونكم عمدًا. [/ج1ص434/]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[2] في [ف] : (سرينا).
[3] ما بين معقوفتين في [ع] : (مُعْزِلٍ) والمثبت من غيرها





90/344# قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا يَحْيَىَ بنُ سَعِيدٍ، قالَ: حدَّثنا عَوْفٌ، قالَ: حدَّثنا أبو رَجاءٍ [1] :

عن عِمْرانَ، قالَ: كُنَّا في سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَإِنَّا أَسْرَيْنا، حَتَّىَ كُنَّا في آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَفْنا [2] ، فَما أَيْقَظَنا إلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصابَهُمْ، قالَ: «لا ضَيْرَ _أَوْ لا يَضِيرُ [3] _ ارْتَحِلُوا». فارْتَحَلَ، فَسارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ وَدَعا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلاةِ فَصَلَّىَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ سارَ، فاشْتَكَىَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشَ، فَنَزَلَ، فَدَعا عَلِيّاً وفلاناً، فقالَ [4] : «اذْهَبا فابْتَغِيا الماءَ». فانْطَلَقا، فَتَلَقَّيا امْرَأَةً بَيْنَ مَزادَتَيْنِ _أَوْ سَطِيحَتَيْنِ_ مِنْ ماءٍ علىَ بَعِيرٍ لَها، فَقالا [5] لَها: أَيْنَ الماءُ؟ قالتْ: عَهْدِي

@%ص95%

بِالْماءِ أَمْسِ هَذِهِ [6] السَّاعَةَ، وَنَفَرُنا خُلُوفٌ. قالا لَها: انْطَلِقِي إِذن. قالتْ: إلىَ أَيْنَ؟ قالا: إلىَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم . قالتْ: الَّذِي يُقالُ لَهُ الصَّابِئُ؟ قالا: هو الَّذِي تَعْنِينَ، فانْطَلِقِي. فَجاءا بِها إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم [7] وَحَدَّثاهُ الحَدِيثَ، فاسْتَنْزَلُوها عن بَعِيرِها، وَدَعا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِناءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ [8] مِنْ أَفْواهِ [9] المَزادَتَيْنِ _أَوْ السَطِيحَتَيْنِ_ وَأَوْكَأَ أَفْواهَهُما، وَأَطْلَقَ العَزالِيَ، فَنُودِيَ في النَّاسِ: اسْقُوا واسْتَقُوا [10] . فَسَقَىَ مَنْ شاءَ، واسْتَقَىَ مَنْ شاءَ، وَهْيَ قايمَةٌ تَنْظُرُ إلىَ ما يُفْعَلُ بِمائِها، وايْمُ اللهِ، لقد أُقْلِعَ عَنْها، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنا أَنَّه [11] أَشَدُّ مِلْأةً منها حِينَ ابْتَدَأَ [12] فِيها [13] ، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «اجْمَعُوا لَها». فَجَمَعُوا لَها [14] مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدُقَيِّقَةٍ وَسُوَيِّقَةٍ، حَتَّىَ جَمَعُوا لَها طَعاماً، فَجَعَلُوه في ثَوْبٍ، وَحَمَلُوها [15] علىَ بَعِيرِها، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْها، قالَ لَها: «تَعْلَمِينَ ما رَزَيْـنَاكِ مِنْ مائِكِ شَيْئاً، وَلَكِنَّ اللهَ هو الَّذِي أَسْقانا [16] ». وساق الحديث إلى أن قال: فَكانَ المُسْلِمُونَ يُغِيرُونَ علىَ مَنْ حَوْلَها مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ [17] ، فقالتْ يَوْماً لِقَوْمِها: ما أُرَىَ أَنَّ [18] هَؤُلاءِ القَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْداً [19] ، فَهَلْ لَكُمْ في الإِسْلامِ؟ فَأَطاعُوها فَدَخَلُوا في الإِسْلامِ.

في هذا الحديث من الفقه [20] أنَّ الفوائت من الصلوات يؤذَّن لها كما يؤذَّن لسائر الصلوات التي تصلَّى في أوقاتها.

وفيه جواز تأخير قضاء الفائتة [21] من الصلوات عن موضع الذكر لها ما لم يكن غفلة عنها أو استهانة بها.

وقولها: (ونفرنا خلوف) فإنَّ النفر هم الرجال، كقوله:

~ما له لا [22] عُدَّ من نَفَرِه [23] .

@%ص96%

والخلوف هم الذين خرجوا للاستسقاء [24] ، يقال: الحيُّ خلوف؛ إذا خلَّفوا النساء والأثقال [25] في الحيِّ، وخرجوا إلى مواضع الماء يستقون، يقال: أخلف الرجل واستخلف؛ إذا استقى الماء [26] .

وقولها: (الصابئ) تعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فإنَّهم كانوا يقولون له هذا القول؛ لأنَّ كلَّ من خرج من دين إلى دين كان يسمَّى صابئاً، مهموزاً، يقال: صبأ الرجل؛ إذا فعل ذلك، فهو صابئ، فأمَّا الصابي بلا همز، فهو الذي مال إلى هوى، يقال: صبا الرجل، يصبو، فهو صاب.

و (العزالي): جمع العزلاء، وهي عروة المزادة، يخرج منها الماء خروجاً واسعاً [27] .

وقوله: (ما رزئناك [28] من مائك شيئاً) ما أخذنا من مائك [29] ، ولا نقصناك شيئاً منه.

و (الصِّرْم): النفر النازلون على ماء، ويجمع على الأصرام، فأمَّا الصرمة بالهاء [30] : فالقطعة من الإبل، نحو الثلاثين من العدد.

[1] في (ر): (عوف بن أبو رجاء).
[2] في (ط) و (ر): (وقعنا).
[3] في (ر): (أو لا نصر)، وفي (م) (لا يظير) مصحفاً.
[4] (فقال) سقطت من (ر).
[5] في (ر): (فقال).
[6] في (ط): (ففذه).
[7] (إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) سقط من النسخ الفروع.
[8] في (م): (منه).
[9] (أفواه) سقطت من (ط).
[10] في (ط): (واسقوا).
[11] (أنه) سقطت من (ر) و (م)، وفي (أ) و (ف): (إنها).
[12] في (ط): (حين إذ ابتدأ).
[13] في (ف): (بها).
[14] (فجمعوا لها) سقط من (ر) و (ف).
[15] في (ر): (وجملوه)، وفي (أ) و (ف): (وحملوه).
[16] في (أ): (سقانا).
[17] في النسخ الفروع إلَّا (م): (هي فيه).
[18] (أن) ليست في (م).
[19] في (أ): (ما أرى هؤلاء القوم يدعونكم إلَّا عمداً).
[20] في النسخ الفروع: (فيه من الفقه).
[21] في (ر): (الفائت) وفي (أ) (ف) و (م): (الفوائت).
[22] في (ط): (ما له من).
[23] عجز بيت لامرئ القيس صدره:
[24] في النسخ الفروع: (للاستقاء).
[25] في (ط): (ولا يقال).
[26] قوله: (الماء) زيادة من النسخ الفروع.
[27] في النسخ الفروع: (الماء بسعة).
[28] في (ر): (رويناك).
[29] قوله: (ما أخذنا من مائك) زيادة (ط)
[30] قوله: (بالهاء) زيادة من النسخ الفروع.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

344# فائدة: إن قلت: كيف نام عليه الصلاة والسَّلام [1] في الوادي عن صلاة الصُّبح حتَّى طلعت الشَّمس مع إخباره بنوم عينيه دون قلبه؟

قلت: لا تنافي بينهما؛ لأنَّ الشَّمس تدرك بحاسِّية البصر لا بالقلب، وأراد الله تعالى بذلك إبراز حكمه، وتقرير شرعٍ لأمَّته صلَّى الله عليه وسلَّم.

قوله: (فَدَعَا فُلَانًا): هو عمران بن حصين.

و(النَّفر): يقع على جماعة الرِّجال خاصَّة ما بين الثلاثة إلى العشرة.

و(الخُلُوف): الغيب.

و(الصَّابِئُ): الذي خرج من دين إلى دين.

( [أَفْوَاهِ] الْمَزَادَتَيْنِ): الفم: هو الأعلى [من المزادة] .

و(الْعَزَالِيَ): مصبُّ الماء من الرَّاوية والقِربة.

فائدة: كيف استباحوا أخذ الماء الذي مع المرأة؟ قلت: لضرورة العطش [2] ، فإنَّها تباح للإنسان، وقيل: للمعجزة

@%ج1ص18%

التي ما نقص من مائها شيء، وقيل: أراها من المعجزة ما رسخ في قلبها من الإسلام وقومها.

قوله: (مَا رَزِئْنَا):أي: نقصنا.

و(الصِّرْمَ): الجماعة [ينزلون] بإبلهم ناحية على ماء، وفيه: مراعاة ذمام الكافر.

[1] (والسلام): ليس في (ب).
[2] في (ب): (الضرورة).





344- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا مسدد)) زاد في رواية: (ابن مسرهد) ((قال: حدثنا)) وفي رواية: (حدثني) ؛ بالإفراد: ((يحيى بن سَعِيْد)) ؛ بكسر العين المهملة: هو القطان، قال بندار: (ما أظن أنَّه عصى الله قط) ((قال: حدثنا عوف)) هو الأعرابي، يقال له: عوف الصَّدوق، ((قال: حدثنا أبو رَجاء)) ؛ بفتح الرَّاء، وتخفيف الجيم، وبالمد: هو العطاردي، واسمه عمران بن مِلحان؛ بكسر الميم، وبالحاء المهملة، قال البخاري: (الأصح أنَّه ابن تيم أدرك زمانَ النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يره، وأسلَم بعد الفتحِ، وأتى عليه مئة وعشرون سنة، مات في سنة بضع ومئة) ((عن عِمْران)) بكسر العين المهملة، وسكون الميم، آخره نون: هو ابن حُصين؛ بضمِّ الحاء المهملة، أسلم عام خيبر، بعثه عمر بن الخطابِ رضي الله عنه إلى البصرة؛ ليفقههم في الدين، وكانت الملائكة تُسلِّمُ عليه، وكان قاضيًا بالبصرة، ومات بها سنة اثنتين [1] وخمسين ((قال)) أي: عمران: ((كنَّا)) أي: أنا والصحابة، وكانوا سبعةَ رهطٍ، كما في رواية مسلم ((في سَفَر)) ؛ بفتح السِّين المهملة، والفاء: اسم للسير من مكان إلى آخر، بخلاف السِّفْر؛ بسكون الفاء؛ فإنه اسم للكتاب، قال تعالى: {كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}؛ يعني: كتبًا، وإنما سمي السَّفر سفرًا؛ لأنَّه يسفر عن أخلاق صاحبه؛ يعني: يكشفها ((مع النَّبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) واختلفوا في تعيين هذا السَّفر:

ففي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة: (أنه وقع عند رجوعهم من غزوة خيبر) .

وفي حديث ابن مسعود رواه أبو داود: (أقبل النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من غزوة الحديبية ليلًا، فنزل فقال: «من يكلؤنا؟»، فقال بلال: أنا) .

وفي حديث زيد بن أسلم مرسلًا أخرجه مالك في «الموطأ»: (عَرَّسَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليلًا بطريق مكة، ووكل بلالًا) .

وفي حديث عطاء بن يسار مرسلًا رواه عبد الرزاق: (أن ذلك كان بطريق تبوك) ، وكذا في حديث عُقْبَة بن عامر رواه البيهقي في «الدَّلائل».

وفي رواية لأبي داود: (كان ذلك في غزوة جيش الأمراء) ، قاله إمام الشَّارحين.

قلتُ: ورواية أبي داود هذه من حديث خالد بن سمين، عن عبد الله بن رباح: حدثنا أبو قتادة؛ فذكره، قال أبو عمر بن عبد البر: وقول خالد: (جيش الأمراء) وهمٌ عند الجميع؛ لأنَّ جيش الأمراء كان في موته عليه السَّلام، وهي سرية لم يشهدها النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وقال ابن حزم: (وقد خالف خالد من هو أحفظ منه) ؛ فتأمل.

((وإنَّا أُسرينا)) بفتح الهمزة أوله، بعدها سينٌ مهملة ((حتى كنَّا في آخرِ الليلِ)) وزعم الكرَمَانيُّ أنَّ في بعض النسخ: (سرينا) ؛ يعني: بدون الهمزة.

قال إمام الشَّارحين: (يقال: سرى وأسرى؛ لغتان) .

وقال الجوهري: (سريت وأسريت؛ بمعنى: إذا سِرتَ ليلًا) .

وفي «المحكم»: (السرى: سيرُ عامةِ اللَّيل) .

وقيل: سير اللَّيل كله، والحديث يخالف هذا القول، والسَّرى يذكر ويؤنث، ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث، وقد سرى وسرى، أو سرية وسرية؛ فهو سار.

وذكر ابن سيده: (وقد سرى به، وأسرى به، وأسراه) .

وفي «الجامع»: (سرى يسري سريًا؛ إذا سارَ ليلًا، وكلُّ سائرٍ ليلًا؛ فهو سريًا) انتهى ما قاله رحمه رب العالمين.

((وقعنا وقعة)) أي: نمنا نومة؛ كأنهم سقطوا عن الحركة، وعند مسلم من حديث أبي هريرةَ: (أنه عليه السَّلام حين قفل من غزوة خيبر؛ سارَ ليلةً حتى إذا أدركه الكرى؛ عرَّسَ، وقال لبلال: «اكلأ لنا [2] الليل» فلما تقارب الفجر؛ استند إلى راحلته، فغلبته عيناه...) ؛ الحديث، ((ولا وقعة)) كلمة (لا) لنفي الجنس، و (وقعة) اسمها ((عند المسافر)) ، خصَّه بالذِّكر؛ لأنَّ الكلام فيه، ولأن المسافر هو الذي يجد المشقة والنَّصب من قلة النوم، وقوله: ((أحلى)) صفة للـ (وقعة) ، وخبر (لا) محذوف، ويجوز أن يكون (أحلى) خبرًا ((منها)) ؛ أي: من الوقعة آخر الليل، وهو كما قال الشاعر:

~.......... وأحلى الكرى عند الصَّباحِ يطيبُ

((فما أيقظنا إلا حرُّ الشَّمس)) ، وفي رواية مسلم: (فلم يستيقظ بلالٌ ولا أحدٌ من الصَّحابة حتَّى ضربتهم الشَّمس) ، وفي «الدلائل» للبيهقي عن عُقْبَة بن عامر: (فاستيقظ حين كانت الشمس قدر رمح...) ؛ الحديث، ((وكان)) وفي رواية: [/ص408/]

(فكان) ((أول من استيقظ فلان، ثم فلان، ثم فلان)) وقال الزركشي: (من) نكرة موصوفة، فيكون (أول) أيضًا نكرة؛ لإضافته إلى النكرة؛ أي: أول رجل استيقظ) ، وردَّه الدماميني بأنَّه لا يتعين؛ لجواز كونها موصولة؛ أي: وكان أول الذين استيقظوا، وأعاد الضمير بالإفراد؛ رعاية للفظ (من) انتهى.

قال في «المصابيح»: (والأولى أن يجعل هذا من عطف الجمل؛ أي: ثم استيقظ فلان؛ لأنَّ ترتيبهم في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأولويَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المفردات، ويكونَ الاجتماعُ في الأولويَّةِ باعتبار البعض، لا الكلِّ؛ أي: إنَّ جماعة استيقظوا على الترتيبِ، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكنَّ هذا لا يتأتَّى على قول الزركشي؛ لأنَّه قال: (أي: أول رجل) ، فإذا جعل هذا من قبيل عطف المفردات؛ لزم الإخبار عن جماعة بأنهم أولُ رجلٍ استيقظَ، وهو باطل) .

وكلمة (كان) هنا يجوز أن تكونَ تامة وناقصة، فإن كانت ناقصة؛ فقوله: (أول) ؛ بالنصب خبرها مقدمًا، واسمها هو قوله: (فلان) ، وإذا كانت تامة بمعنى: وجد؛ فـ (فلان) بدل من (أول) ، فلا تحتاج إلى خبر ((يسميهم)) أي: المتيقظين ((أبو رجاء)) العطاردي، وليس بإضمار قبل الذِّكر؛ لأنَّ قوله: (استيقظ) يدل عليه، وموضع هذه الجملة من الإعراب النَّصب على الحال، وهو الأقرب، وهذه الجملة والتي بعدها؛ وهي قوله: ((فنسي عوف)) ليس من كلام عمران بن حُصين، وإنَّما هي من كلام الرَّاوي، و (عوف) : هو الأعرابي المذكور في الإسناد، قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وقد سمَّى البخاري في (علامات النُّبوة) أول من استيقظ، ولفظه:

(فكان أول من استيقظ أبو بكر رضي الله عنه) ، وبقي اثنان من الذين عدهم أبو رجاء،ونسيهم عوف الأعرابي، وزعم ابن حجر يشبه أن يكون الثاني: عمران راوي القصة، والثالث: من شارك عمران في رواية هذه القصة، وهو ذو مخبر، فإنَّه قال في حديث عمرو بن أمية رواه الطبراني: (فما أيقظني إلا حرُّ الشَّمس) ، ورده إمام الشَّارحين، فقال: (هذا تعيين بالاحتمال وهو تصرف بالخدش والتخمين) انتهى.

قلتُ: ويعارض ما ذكره المؤلف ما عند مسلم من حديث ابن شهاب، عن سَعِيْد، عن أبي هريرة، وفيه: (فكان رسول الله صلى الله عليهم وسلم أولهم استيقاظًا، فقال: «أي بلال»، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك) ، وعنده أيضًا من حديث أبي قتادة: (كنَّا مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم سبعةُ رهطٍ، فمال عن الطَّريق، فوضع رأسه، ثمَّ قال: «احفظوا علينا صلاتنا»، فكان أول من استيقظ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والشمس في ظهره، وقمنا فزعين...) ؛ الحديث، فهذا يدل على أنَّ أول من استيقظَ النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، والثالث أبو بكر، والثَّاني بلال، هذا هو الظاهر؛ فافهم.

ويحمل ما رواه المؤلف هناك على أنَّ أوَّل من استيقظَ بعد النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وبعد بلال أبو بكر رضي الله عنهما؛ فكلام ابن حجر غير صحيح؛ لما علمتَ، وبهذا تنتفي المعارضة؛ فافهم.

((ثم عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه الرابع)) بالرفع صفة لـ (عمر) ؛ لأنَّ (عمر) مرفوع؛ لأنَّه معطوف على مرفوع، وهو قوله: (ثم فلان) ، وزعم ابن حجر أنَّه يجوز نصبه على خبر (كان) .

وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لم يبين هذا القائل أي (كان) هذه، والأقرب أن تكون مقدرة؛ تقديره: ثم كان عمر بن الخطاب الرابع؛ يعني: من المستيقظين) انتهى.

قلتُ: وهذا ليس بالوجه لاحتياجه إلى تقدير، وعدم التَّقدير أولى على أنَّه لم تصح الرِّواية فيه بالنصب، بل الرِّواية بالرفع على الصِّفة، وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ هو الرابع، فهذا يعين الرفع) ؛ فافهم.

((وكان النَّبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) من عادته أنَّه ((إذا نام؛ لم نوقظه)) بنون المتكلم، والضمير المنصوب يرجع إلى النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي رواية: (لم يُوقَظ) على صيغة المجهول المفرد؛ وذلك لاحتمال أن يكون هذا منه لأمر يريده الله عز وجل من إثباتِ حُكمٍ، أو إظهارِ شَرعٍ؛ لأنَّ نومه عليه السَّلام؛ كنوم البشر في بعض الأوقات، ولكن لا يجوز عليه الأضغاث؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء عليهم السَّلام وحي، وأما نومه عليه السَّلام في الوادي، وقد قال: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»؛ فهو حكم قلبه عند نومه وعينه في غالب الأوقات، وقد يندرُ منه غير ذلك، كما يندر من غيره بخلاف عادته، والدَّليل على صحة ذلك: ما ورد في الحديث نفسه: «إن الله قبض أرواحنا»، وفي الحديث الآخر: «لو شاء؛ لأيقظنا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم» وقول بلال: (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك) ، أو المراد: أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه؛ لما روي أنه كان محروسًا، وأنَّه كان ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه، ثم يصلي ولا يتوضأ.

وأما ما وَرد في حديث ابنِ عباسٍ من وضوئه عند قيامه من النوم؛ فالنوم فيه نومه مع أهله، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم؛ لأنَّ أصلَ ذلكَ ملامسة الأهل، أو لحدث آخر، ألا ترى في آخر الحديث: (نام حتى سمعت خطيطه، ثم أقيمت الصَّلاة فصلَّى ولم يتوضأ) ، وقيل: لا ينام قلبه من أجل الوحي، وأنَّه يوحى إليه في النوم، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشَّمس، وليس هذا من فعل القلب، وقد قال عليه السَّلام: «إن الله قبض أرواحنا ولو شاء؛ لردَّها إلينا» في خبر غير هذا، والتعبير بـ (كان) الدالة: على الدَّوام والاستمرار يدل على أنَّ عادته عليه السَّلام أنَّه إذا نام؛ لم يوقظه أحد، فإذا علم من حاله أنه يستغرق في النَّوم؛ وَكَّل أحدًا باستيقاظه، يدل على صحة هذا ما في مسلم: قال لبلال: «اكلأ لنا [3] الليل»، وفي رواية له: «احفظوا علينا صلاتنا».

وفي «السنن» لأبي مسلم الكجي: (قال عليه السَّلام: «من يحرسنا؟» قال عبد الله: أنا...) ؛ الحديث.

والدليل على أنه يستغرق ما عند أحمد: (فلما كان آخر الليل؛ عَرَسَ...) ؛ الحديث.

وعند مسلم: (حتى إذا أدركه الكرى؛ عَرَسَ...) ؛ الحديث.

وعند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن ابن مسعود قال: (أقبلَ النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من الحُديبية ليلًا، فنزلنا دهاشًا من الأرض، فقال: «من يكلؤنا؟» قال بلال: أنا...) ؛ الحديث، وحديث الباب: (ولا وقعةَ عند المسَافر أحلى منها) ، فكأنهم سقطوا عن الحركة بالكلية؛ لأنَّهم لم يناموا إلى آخر الليل مع شدة النصب والجري ليلًا فرآهم النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في هذه الحالة، كما رأى نفسه الشريفة، كذلك علم بالقرينة أنه وأصحابه يستغرقونَ في النَّوم، فوكَّل من يوقظهم؛ لأنَّ طلوعَ الفجرِ، وكذا الشَّمس مما يُدركُ بالجوارحِ الظاهرةِ بخلافِ الباطنة؛ فلا يَصحُ هذا ممن نامتْ عينه؛ فليحفظ.

((حتى يكون)) أي: إلى أن يكون ((هو مستيقظ)) ؛ أي: بنفسه من غير أَنْ يُوقِظَه أحد، وهذا يدلُ أنَّ نومه عليه السَّلام غير مستغرق إلا في هذه القصة؛ لعلمه بحاله، كما سبق؛ ((لأنَّا)) أي: معشرَ الصَّحابة ((لا ندري)) أي: لا نعلم ((ما يحدُث له في نومه)) ؛ بضمِّ الدال المهملة، من الحدوث؛ أي: ما يحدث له من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه عنه بالإيقاظ، قاله إمام الشَّارحين، ((فلما استيقظ)) ؛ أي: تيقظ بمعنى: انتبه ((عُمَر)) هو ابنُ الخطاب؛ أي: من نومه، وجواب (لمَّا) محذوف؛ تقديره: فلمَّا استيقظ؛ كَبَّر، ويدل عليه قوله الآتي: (فكبَّر) ((ورأى)) أي: أبصر، أو اعتقد ((ما)) أي: الَّذي ((أصابَ الناسَ)) أي: أصابهم من فوات صلاة الصُّبح، وكونهم على غيرِ ماءٍ، ((وكان)) أي: عُمَر بن الخطابِ ((رجلًا جَليدًا)) ؛ بفتح الجيم، من جلُد الرجل؛ بالضم، فهو جَلَدٌ وجَليدٌ؛ أي: بيِّن الجلادة بمعنى: القُوة والصَّلابة، وزاد مسلم هنا: (أجوف) ؛ أي: رفيعُ الصَّوت يخرج صوته من جوفه، ((فكبر)) أي: عُمَر؛ أي: قال: الله أكبر، ((ورفع صوته بالتَّكبير)) وإنَّما خصَّ لفظ (التكبير) ؛ لأنَّه الأصل في الدعاء إلى الصَّلاة، ولأنَّ استعمالَ التَّكبيرِ سلوكُ طريقِ الأدبِ، وفيه الجمعُ بين المصلحتين، ((فما زال يكبر ويرفع صوته)) ؛ أي: بالتكبير؛ يعني: أنه يكرره مرارًا عديدة مع رفع صوته ((حتى استيقظ)) أي: تيقظ؛ يعني: انتبه ((لصوته)) أي: لأجل صوته، وفي رواية: (بصوته) ؛ أي: بسببِ صوت عُمَر بن الخطاب ((النَّبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ بالرفع فاعل (استيقظ) ، وهو لازم؛ يعني: وإنَّ الناسَ قد استيقظوا قبله، فعند أحمد: (فجعلَ الرَّجُلَ يقومُ دَهِشًا إلى طَهورهِ) ، وعند مسلم: (فقمنا فزعين) ، وعند أبي داود والطَّبراني بسندٍ لا بأس به، عن عمرو بن أميةَ الضَّمريِّ، وفيه: قال ذو مخبر: فما أيقظني إلا حرُّ الشَّمسِ في وجهي، فجئت أدنى القوم

[/ص409/]

فأيقظتهُ، وأيقظَ النَّاس بعضهم بعضًا حتى استيقظَ النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.

قلت: وهذا يدلَّ على أَنَّ القِصة متعددة، فكان نومهم عن صلاة الصُّبح مرة وأكثر منها، وجزم الأصيلي: أَنَّ القِصة واحدة، وردَّه القاضي عياض: بأنَّ قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران؛ لأنَّ في قصة أبي قتادة لم يكن أبو بكر وعمر مع النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لما نام، وفي قصة عمران: أنَّ أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أيقظه عُمر رضي الله عنه، والَّذي يدلُّ على تعدد القصة: اختلاف مواطنها، كما ذكرناه، وقد تكلف أبو عَمْرو [4] في الجمع بينها، بقوله: (زمان رجوعهم من خيبر كان قريبًا من زمان رجوعهم من الحديبية، وأَنَّ طريقَ مكة يصدق عليهما) .

قال القاضي عياض: (وفيه تعسُّف؛ لأنَّ رواية عبد الرزاق تعين أنَّها في غزوة تبوك، فهو يرد عليه، وزعم أبو عمر [5] أيضًا أنَّ نومه عليه السَّلام كان مرَّة واحدة.

وقال ابن العربيِّ: (كان ثلاثَ مراتٍ؛ أحدها: رواية أبيِّ قَتادة، ولم يحضرها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، والثانية: حديث عمران، وقد حضراها، والثالثة: حضرها أبو بكر وبلال رضي الله عنهما) .

وقال القاضي عياض: (حديثُ أبي قتادة غير حديثِ عمران، والدَّليل عليه: أنَّ ذلك وقع مرتين؛ لأنَّه قد رُوي: أن ذلك كان زمنَ الحديبية، وفي رواية: (بطريق مكة) ، والحديبية كانت في السَّنةِ السَّادسة، وإسلامُ عِمران وأبي هريرة -الرَّاوي حديث غزوة خيبر- كان بها في السَّنة السَّابعة بعد الحديبية، وهما كانا حاضرين الوقعة) .

قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّ إسلام عِمران كان بمكة) ، ذكره أبو منصور الماوردي في كتاب «الصَّحابة»، وقال ابن سعد، وأبو أحمد العسكري، والطبراني، وآخرون [6] : (كان إسلامه قديمًا) انتهى والله أعلم.

((فلما استيقظَ)) ؛ أي: النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وجواب (لَمَّا) قوله: ((شَكَوا)) ؛ بفتح المعجمة أوله، وتخفيف الكاف ((إليه الَّذي أصابهم)) من نومهم عن صلاة الفجر حتى خرج وقتها وهم على غير ماء، وعند عبد الرزاق: (فقال: «ألم أقل لك يا بلال؟») ، وعند مسلم: (فقال: «أي بلال»، فقال بلال: أخذَ بنفسي الَّذي أخذَ بنفسك) ؛ يعني: أني لا اختيار لي بالانتباه، فإن أرواحنا بيد الله عزَّ وجل، ((قال)) ولابن عساكر: (فقال) ؛ أي: لهم: ((لا ضَير أو لا يضير)) ؛ أي: لا ضرر، من ضاره يضوره، ومضرة ضيرًا وضررًا؛ أي: ضيره، والشَّكُّ من عوف الأعرابي، وقد صرَّح بذلك البيهقي في روايته، ولأبي نعيم في «مُستَخْرَجه»: (لا يسير ولا يضير) ، وإنما قال عليه السَّلام ذلك لهم لتأنيس قلوبهم؛ لما عرَضَ لهم من الأسفِ على فوات الصَّلاة عن وقتها؛ لأنَّهم لم يَتَعَمَّدوا ذلك، قاله إمام الشَّارحين، ((ارتحِلوا)) ؛ بصيغة الأمر للجماعة المخاطبين من الصَّحابة، ((فارتحَلوا)) ؛ بصيغة الجمع من الماضي؛ أي: ارتحلوا عقيب أمر النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك، وفي رواية: (فارتحل) ؛ بصيغة الماضي؛ أي: النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن معه من الصَّحابة، والسبب في أمره عليه السلام بالارتحال من ذلك المكان ما في رواية مسلم عن سَلَمَة بن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: فإنَّ هذا منزلٌ حضر فيه الشَّيطان، وقيل: كان ذلك لأجل الغفلة، وقيل: لكون ذلك وقتَ الكراهةِ، وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ في حديث الباب: (لم يستيقظوا حتى وجدوا حرَّ الشَّمس) ، وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة، وقيل: الأمر بذلك منسوخ بقوله تعالى: {وَأَقِمِ [7] الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] ، وبقوله عليه السَّلام: «من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الآية مكيَّة، والقصَّة بعد الهجرة، كذا قرره إمام الشَّارحين، ثم قال: (وقد ورد عن النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: (أنَّه نهى عن التشاؤم) ، وهنا ارتحل عن الوادي الذي تشاءم منه.

وأجيب: بأنَّه عليه السَّلام كان يعلم حال ذلك الوادي، ولم يكن غيره يعلم به، فيكون خاصًّا به عليه السَّلام، وأخذ بعض العلماء بظاهرهِ، فقال: إن من انتبه من نومِ عن صلاةٍ فائتةٍ في سفر؛ فإنَّه يتحولُ عن موضعه وإن كان بوادي؛ فليخرجْ منه، وقيل: إنَّما يَلزمُ بذلك الوادي بعينه، وقيل: هو خاص بالنَّبيِّ عليه السلام، كما ذكرنا) انتهى.

((فسار)) أي: النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه الذين معه ((غيرَ بعيدٍ)) وهذا يدلُّ على أن الارتحال المذكور وقع على خلاف سَيرِهم المعتاد، قاله في «عُمدة القاري».

قلت: لأنَّ الارتحالَ المذكور إنَّما كان للتجاوزِ عن ذلك المكان الذي ناموا فيه إلى مكانٍ آخرَ، وليس مرادهم السَّير المُعتاد، كما لا يخفى.

((ثم نزل)) ؛ أي: النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بمن معه، وفي رواية أحمد: (فسرنا حتى ارتفعتِ الشَّمس) ، وهو يدلُّ على أنَّ سيرهم كان قبلَ ارتفاعها، وهو يُخالف حديثَ الباب، وما رواه عبد الرزاق عن عُقْبَة بن عامر قال: (فاستيقظَ حين كانت الشمس قدر رمح) إلا أن يُحمل على تعدد القصَّة؛ فليحفظ.

((فدعا بالوَضوء)) ؛ بفتح الواو؛ أي: بالماء المُطلَق لأجل الوضوء، ((فتوضأ)) ؛ أي: النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وأصحابه الذين معه، ((ونُودي بالصَّلاة)) والمراد بالنداء هو: التأذين؛ لأنَّه قد صرح المؤلف في آخر (المواقيت) ، وكذا مُسلم من حديث قتادة بالتأذين.

فإن قلت: من أذَّن لهم؟

قلت: هو بلال، ففي رواية أحمد: (ثم أمر بلالًا، فأذَّن) ؛ فافهم.

((فصلى بالناس)) ؛ أي: صلاةَ الفجرِ، وهذا مجمل، وقد بينه أحمد في روايته قال: (ثم صلَّى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام فصلينا، فقالوا: يا رسول الله؛ ألا نُعيد في وقتها من الغد؟ قال: «أَيَنْهَاكُم رَبُّكُم عن الرِّبا ويَقْبَلُه مِنْكم!») ، ((فلما انفتل)) أي: فرغ ((من صلاته)) أي: فريضة الفجر؛ ((إذا هو برجل)) لم يُعْلَم اسمه، قاله إمام الشَّارحين، وزعم صاحبُ «التوضيح» أَنَّه خلاد بن رافعٍ بن مالك الأنصاريُّ أخو رفَاعَة، قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّ ابن الكلبيِّ قال: هو شَهِدَ بدرًا، وقُتِلَ يومئذٍ، ووقعة بدر مقدمة على هذه القصة، فاستحال أن يكون هو إياه، وقيل: له رواية، فإذا صح هذا؛ يكون قد عاش بعد النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لاحتمال انقطاعها، أو نقلها عنه صحابي آخر) انتهى كلامه، ((معتزل)) أي: مُنفرد عن الناس ((لم يصل مع القوم)) ؛ لأنَّه لمَّا فَرَغَ من صلاته، والناس قعود وراءه؛ استقبلهم فرأى هذا الرجل وهو معتزل فعلم بالقرينة الحالية أنه لم يصل مع القوم، فناداه ((قال: ما منعك يا فلان)) كناية عن اسم مبهم ((أَنْ تُصلي مع القوم؟)) ؛ أي: صلاة الصُّبح، ((قال)) ؛ أي: الرَّجل: يا رسول الله؛ ((أصابتني جنابة)) يحتمل بسبب الاحتلام، ويُحتمل بسبب وطء زوجته ((ولا ماءٌ)) ؛ بالرفع، والتنوين في (ماء) ، وكلمة (لا) بمعنى: ليس، فيرتفع الـ (ماء) حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماء عندي، قاله إمام الشَّارحين.

وزعم ابن حجر: أن (ماء) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: معي.

ورده إمام الشَّارحين فقال: هذا تفسير من لم يمسَّ شيئًا من عِلمِ العربِّية؛ لأنَّ كلمة (لا) على قوله؛ لنفي جنس الماء، فأيُّ شيء يقدر خبرها بقوله: معي؟ وعدم الماء عنده لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفي جنس الماء، ويجوز أن تكون (لا) بمعنى: ليس) انتهى؛ يعني: كما ذكرنا.

وقال ابن دقيق العيد: (حذف الخبر في قوله: (ولا ماء) ؛ أي: موجودٌ عندي، وفي حذف الخبر بسط لعذره؛ لما فيه من عموم النفي، كأَنَّه نفى وجود الماء بالكلية بحيث لو وجد بسبب أو سعي أو غيره ذلك؛ لحصله، فإذا نفى وجوده

[/ص410/]

مطلقًا؛ كان أبلغ في النفي، وأعذر له) انتهى.

قلت: وقد نحا نحو كلام ابن حجر في نفي جنس الماء بالكلية، وهو غير صحيح، فإنَّ الماءَ في السَّرية موجودٌ عند جميع أهلها حيث إنهم توضؤوا جميعًا، ولم يَنْف [8] الماءَ أحدٌ غير هذا الرَّجلِ، فليس في حذف الخبرِ بسط لعذره؛ لأنَّ الواجب عليه أَنَّه إذا لم يكن عنده ماء؛ يطلبه من رفيقه إمَّا مجانًا أو بثمنٍ مثله إن لم يعطهِ مجانًا، فلا يلزم عمومَ النَّفي؛ لأنَّ القافلة لا تخلو عن الماءِ، ونفي وجود الماء بالكلية لا يليقُ فينا فضلًا عن الصحابيِّ؛ لأنَّ فيه تعريضًا [9] بالكذب، وهو محالٌ عليه، ولكنَّه مقصرٌ في عدم السَّعي والطلب من رفقائه، ولكنَّه اجتهد في نفسه وأداه اجتهاده إلى ألَّا يسأل أحدًا، وينفي الماء من عنده فقط، فليس في نفي وجوده مطلقًا أبلغيَّةٌ في النَّفي والعذر؛ لاحتمال أنَّ عنده ماء للشرب لنفسه، أو لدوابه، أو غير ذلك، فخشي إِن اغتسلَ يَفْنى الماء، فربَّما يهلك هو ودوابه من العطش؛ فلا يجب عليه حينئذٍ استعماله؛ لأنَّ الحاجة إلى الشُّرب الذي فيه إحياء النفوس مُقدَّم على ذلك، فكلامُ هذا القائل غيرُ صحيح أيضًا، كما لا يَخفى؛ فافهم.

والحقُّ هو ما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.

((قال)) أي: النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم للرَّجلِ المذكور: ((عليك بالصَّعيد)) وكلمة (عليك) من أسماء الأفعال؛ ومعناه: الزم، والألف واللام في (الصَّعيد) لـ (العهد) المذكور في الآية الكريمة: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] ، وفي رواية مسلم بن رزين عند مسلم: (فأمره أَنْ يتيمم بالصَّعيد) ، كذا في «عُمدة القاري»، والمراد بالصَّعيد: وجه الأرض؛ كحجر، ومدرٍ، وتُراب، وغيرها، كما قدمنا تحقيقه، ((فإنَّه يكفيك)) ؛ أي: لإباحة أداءِ الصَّلوات فرضها، وواجبها، ونفلها ما لم تحدث؛ لأنَّ التَّيمم حكمه حكم الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به، والواجبات، والنوافل، وهذا مذهب الإمام الأعظم، والجمهور، وخالفهم الشافعية فزعموا أَنَّه يتيمم لكل صلاة فرضٍ والنوافل، وزعم القسطلاني تبعًا لما زعمه ابن حجر في معنى (فإنه يكفيك) ؛ أي: لإباحةِ صلاةِ الفرض الواحد مع النوافل.

قلت: وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ معناه: فإنه يكفيك؛ أي: في كلِّ الصلوات؛ فرضها ونفلها، وهذا معنى الأعميَّة، كما ذكرناه آنفًا؛ فليحفظ هذا ولا تغتر بما زعمه، فإنَّه لترويج مذهبه.

وعند ابن حزم من حديث إسماعيل بن مسلم: حدثنا أبو رجاء: (ثُمَّ إنَّ الجُنب وجدَ الماءَ بعد؛ فأمره عليه السَّلام أن يغتسل ولا يعيد الصَّلاة) .

قلت: وهذا يدل لما قلناه آنفًا من وجود الماء في القافلة؛ لأنَّها لا تخلو عنه؛ فافهم.

((ثُمَّ سار النَّبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: من ذلك المكان إلى أن اشتدَّ الحرُّ، فشربوا الذي معهم من الماء كله حتى لم يبق معهم شيء، ثمَّ عَطشوا من كثرة السَّير وشدة الحرِّ، والحرُّ حرُّ الحجاز، ((فاشتكى إليه)) أي: إلى النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((النَّاس من العطش)) الحاصل لهم، وفي رواية: (فاشتكوا إليه النَّاس) ، وهي من قبيل لغة أكلوني البراغيث، ((فنزل)) ؛ أي: النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وأصحابه الذين معه، ولم يعلم اسم ذلك المكان ((فدعا فلانًا)) : هو عِمران بن حصين راوي الحديث، ويدلُّ على ذلك: قوله في رواية ابن رزين عند مسلم: (ثُمَّ عجلني النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في ركب بين يديه فطلب الماء) ، وهذه الرِّواية تدلُّ على أنَّه كان هو وعليٌّ الصدِّيق الأصغر فقط؛ لأنَّهما خوطبا بلفظ التثنية، وهو قوله: «اذهبا فابتغيا الماء».

فإن قلت: في رواية ابن رزين: (في ركب) ، وهو يدلُّ على الجماعة؟

قلت: يُحتمل أن يكون معهما غيرهما، ولكنهما خُصَّا بالخِطاب؛ لأنَّهما تعينا مقصودين بالإرسال، كذا قرره إمام الشَّارحين.

((كان يُسميه)) أي: ذلك الرَّجل المدعو بـ (فُلان) ((أبو رجاء)) : هو العطاردي ((نسيه)) ولابن عساكر: (ونسيه) ؛ بالواو ((عوف)) : هو الأعرابيُّ الرَّاوي، ((ودعا)) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أيضًا ((عليًّا)) : هو الصديق الأصغر بن أبي طالب ((فقال)) ؛ أي: النَّبيَّالأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لهما حين حضرا بين يديه: ((اذهبا فابتغيا)) ؛ بالفاء، ثم الموحدة، بعدها مثناة فوقية، من الابتغاء: وهو الطلب، يقال: بغيت الشيء، وابتغيته، وتبغيته؛ إذا طلبته، وابتغيتك الشيء؛ إذا جعلتك طالبًا له، وفي رواية الأصيلي: (فابغيا) ؛ بإسقاط المثناة الفوقية، من الثلاثي، وهمزته همزة وصل، وفي رواية أحمد: (فابغيانا) ؛ بزيادة النون، والألف في آخره ((الماء)) ؛ أي: لأجل الشُّرب للناس والدَّواب، وكذلك الوُضوءِ، والغسل، ففيه: أنَّ المسافر إذا لم يَجدِ الماء؛ يجبُ عليه الطلب لأمره عليه السلام بذلك.

قال في «منهل الطُّلاب»: (وليس على المتيمم وجوبًا أن يطلب الماء إذا لم يغلب على ظنِّه أن بقربه ماء؛ لأنَّ الغالب عدم الماء في الفلوات) ، ولا دليل على الوجود، فلم يكن واجدًا، لكن يستحب له الطلب مطلقًا سواء ظنَّ أنَّ بقربه ماء أو شَكَّ فيه إن رجا، كذا في «السِّراج»، فإن لم يَرجُ؛ لا يطلبه لِعدم الفائدة، كما في «البحر»، وأما في العمرانات؛ فيجب طلب الماء مطلقًا باتفاق أئمتنا الأعلام، وكذا إذا كان يقرب منها، وحدُّ القُرب: ما دون الميل، أمَّا الميلُ وما فوقه؛ فبعيد لا يوجب الطلب، قاله صاحب «البحر»، فإن غلب على ظن المسافر أن هناك؛ يعني: بقربه دون ميل ماء؛ لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه؛ لأنَّه واجدٌ للماء نظرًا إلى الدَّليل؛ وهو غلبة الظنِّ، فإنها قائمة مقام العلم في العبادات، كذا في «العناية»، فكان الطلب عليه واجبًا، وكذا إن وجد أحدًا يسأله عن الماء؛ وجب عليه السُّؤال حتى لو صلى ولم يسأله وأخبره بالماء بعد ذلك؛ أعادَ الصَّلاة، وإلا؛ فلا، كذا في «التبيِّين»، و«البدائع».

واختلف أئمتنا الأعلام في مقدار الطلب للماء، فاختار الإمام حافظ الدين في «الكنز»: أنَّه قدر غلوة؛ وهي مِقدار رمية سهم، كما في «التبيين»، واختار غيره: أنَّه قدر ثلاث مئة ذراع، كما في «الذَّخيرة»، واختار بعضهم: أنَّه قدرُ أربع مئة ذراع، كما في «المغرب»، واختار في «المستصفى»: أنَّه يطلب مقدار ما يسمع صوت أصحابه وسمعوا صوته، وهو الموافق لما قاله الإمام أبو يوسف رضي الله عنه قال: سألت الإمام الأعظم رضي الله عنه عن المسافر لا يجد الماء: أيطلب عن يمين الطريق أو عن يساره؟ فقال: إن طمع فيه؛ فليفعل، ولا يبعد فيضرَّ بأصحابه إن انتظروه، وبنفسه إنِ انقطع عنهم، انتهى.

وقد صححه صاحب «البدائع»، وقال صاحب [/ص411/] «البحر»: (فكان هو المُعتمد في المذهب) ، وعلى اعتبار الغلوة؛ فالطلبُ أَنْ يَنظُر يمينه، وشماله، وأمامه، ووراءه غلوة، كذا في «الحقائق»، قال في «النهر»: (ومعنى ما ذكره في «الحقائق»: أنَّه يقسم المشي بمقدار الغلوة على هذه الجهات، فيمشي من كلِّ جانب مئة ذراع، فإنَّ الطلب لا يتم بمجرد النظر، ويدلُّ على ذلك ما سبق عن الإمام الأعظم) انتهى.

وقال في «البحر» عن «المنية»: (ولو بعث من يطلبه له؛ كفاه عن الطلب بنفسه، وكذا لو أخبره من غير أن يُرسله) انتهى.

قال الإمام برهان الدين الحلبي: (ويشترط في المخبر أن يكون مكلَّفًا عدلًا، وإلَّا؛ فلا بدَّ معه من غلبة الظن حتى لا يلزم الطلب؛ لأنَّه من الديانات، وغلبة الظن هنا إما بأن وجد أمارة ظاهرة؛ كرؤية خضرة، أو طير، أو أخبره مخبر، كذا أطلقه في «التوشيح»، وقيَّده صاحب «البدائع» بالعدل) انتهى، وهو الموافق لِمَا قاله برهان الدين.

وقال في «المحيط»: (ولو قرب من الماء وهو لا يعلم به، ولم يكن بحضرته من يسأله عنه؛ أجزأه التَّيمم؛ لأنَّ الجهل بقرب الماء كبعده عنه، ولو كان بحضرته من يسأله، فلم يسأله حتى تيمم وصلى، ثم سأله، فأخبره بماء قريب؛ لم تَجُزْ صلاته؛ لأنَّه قادر على استعمال الماء بواسطة السُّؤال، فإنْ لم يسأله؛ فقد جاء التقصير من قبله؛ فلم يعذر؛ كمن نزل بالعمران ولم يطلب الماء؛ لم يَجُزْ تيممه، وإن سأله في الابتداء، فلم يخبره حتى تيمم وصلى، ثم أخبره بماء قريب؛ جازت صلاته؛ لأنَّه ما عليه، كذا في «شرح الملتقى» للعلامة الباقاني، وذكر مثله صاحب «البحر»، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب.

((فانطلقا)) ؛ أي: علي وعِمران؛ لأمره عليه السَّلام لهما بذلك ((فتلقيا)) ؛ بالفاء، والمثناة الفوقية، بعدها لام، وفي رواية: (فلقيا) ؛ بإسقاط المثناة الفوقية، من اللقى: وهو الاجتماع، يقال: لقي زيدٌ عمرًا؛ يعني: اجتمع به، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا} [الكهف: 74] ((امرأة)) لم يُعلم اسمها، وفي رواية مسلم: (فإذا نحن بامرأة سادلية) ؛ أي: متدلية رجلها ((بين مَزَادتين)) ؛ تثنية مزادة؛ بفتح الميم، وتخفيف الزاي: الراوية أو القربة، وتجمع على (مزايد) ، ومزاد سميت مزادة؛ لأنَّه يزاد فيها جلد آخر من غيرها، ولهذا قيل: إنها أكبر من القِربة، ((أو)) بين ((سَطِيحتين)) ؛ تثنية سطيحة؛ بفتح السين المهملة، وكسر الطاء المهملة، وهي بمعنى: المزادة، قال ابن سيده: (السطيحة: المزادة التي بين الأديمين قوبل أحدهما بالآخر) ، وفي «الجامع»: (هي أداوة تتخذ من جلد وهي أكبر من القِربة) انتهى.

وكلمة (أو) للشك، قال إمام الشَّارحين: (الشك من الراوي؛ يعني: أي راوي كان) ، وزعم ابن حجر أنَّ الشَّك من عوف.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (قلتُ: تعيينه به من أين؟ يعني: ليس لتعيينه به دليل لا من رِواية ولا غيرها، وما هو إلا خدش وتخمين، وخِلاف الظاهر) .

قلت: والَّذي يظهر أنَّ الشكَّ من أبي رجاء، ويُحتمل أنَّه من عِمران، وفي رواية مسلم: (فإذا نحن بإمراة سادليَّة رجلها بين مزادتين) من غير شكٍّ؛ فافهم.

وقوله: ((من ماء)) بيان لقوله: (مزادتين) ، وساقطٌ في رواية ابن عساكر ((على بَعير لها)) ؛ بفتح الموحدة، وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، وإنَّما يُقال له: بعيرٌ إذا أجذع، والجمع: (أبعرة) ، وأباعر، وبعران، وإفادة (اللام) : الملكية؛ أن البعير ملك لها؛ فتأمل.

((فقالا)) ؛ أي: علي وعِمران ((لها)) أي: لتلك المرأة: ((أين الماء)) مبتدأ وخبر؟ ((قالت: عهدي بالماء أمسِ)) ؛ بالبناء على الكسر عند أهل الحجاز، ويعرب غير منصرف؛ للعلمية والعدل عند بني تميم وعليه؛ فهو بضمِّ السين، وموقعه من الإعراب الرفع على أَنَّه خبر للمبتدأ، وهو (عهدي) ، كذا قاله إمام الشَّارحين، وعلله المحقق أبو البقاء؛ بأن المصدر يخبر عنه بظرف الزمان، وجوز في «المصابيح» أن يكون بالماء خبر (عهدي) ، و (أمس) ظرف لعامل هذا الخبر؛ يعني: عهدي متلبس بالماء في أمسِ، ولم يجعل الظرف متعلقًا بـ (عهدي) ؛ لأني جعلت (بالماء) خبرًا، فلو علق الظرف بالعهد مع كونه مصدرًا؛ لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته، وهذا باطل) انتهى.

قلت: وبهذا تعلم فساد قول القسطلاني، ويحتمل أن يكون (عهدي) مبتدًا، و (بالماء) متعلق به، و (أمس) ظرف له؛ لما علمت، قال: وإذا كان ظرفًا؛ فتفتح سينه؛ فتأمل.

((هذه الساعةَ)) منصوب على الظرفية، قال ابن مالك: (أصله: في مثل هذه الساعة، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويحتمل أن يكون (هذه الساعة) بدل من (أمس) بدل بعض من كل؛ أي: مثل هذه الساعة، والخبر محذوف؛ أي: حاصل ونحوه؛ فتأمل.

((ونفرنا)) ؛ أي: رجالنا، وفي «المحكم»: النفر، والنفر، والنفور، والنفير: ما دون العشرة من الرجال، والجمع: (أنفار) ، وفي «الواعي»: (النفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، والعرب تقول: هؤلاء نفرك؛ أي: رهطك ورجالك الذين أنت منهم، وهؤلاء عشرة نفر؛ أي: عشرة رجال، ولا يقولون: عشرون نفرًا، وثلاثون نفرًا، وتقول العرب: جاءنا في نفره ونفيره ونفرته، كلها بمعنًى، وسُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم إذا حزنهم أمر؛ اجتمعوا ثم نفروا إلى عدوهم، ولا واحد له، كذا قاله إمام الشَّارحين.

((خُلُوف)) ؛ بضمِّ الخاء المعجمة، واللام المخففة، جمع: لخالف؛ أي: المسافر؛ نحو: شاهد وشهود حتى حي خلوف؛ أي: غيب، وقال ابن عرفة: (الحي خلوف؛ أي: خرج الرجال، وبقيت النِّساء) ، وقال الخطابي: (هم الذين خرجوا للاستقاء، وخلفوا النساء، والأثقال، وارتفاع (خلوف) على أنَّه خبر المبتدأ، وفي رواية المستملي، والحموي: (خُلوفًا) ؛ بضمِّ الخاء المعجمة، واللام المخففة، والنصب، قال الكرماني: (منصوب بـ (كان) المقدرة؛ أي: كان نفرنا خلوفًا، كذا قرره إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر تبعًا للدماميني أنه منصوب على الحال السادِّ مسد الخبر.

ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: ما الخبر هنا حتى يسد الحال مسده؟ والأوجه: ما قاله الكرماني) انتهى.

قلت: ويجوز أَنْ يكون منصوبًا بفعل مقدر؛ أي: ونفرنا أحسب أو اعتقد خلوفًا، ونحوه؛ فتأمل.

((قالا)) ؛ أي: علي وعِمران ((لها)) أي: لتلك المرأة: [/ص412/]

((انطلقي)) أي: معنا ((إذًا)) ؛ بالتنوين، وهو ظرف، ومعناه الوقت؛ يعني: انطلقي معنا في هذا الوقت من غير تأخير، ((قالت: إلى أين)) ؛ أي: أنطلق، ((قالا)) ؛ أي: عليٌّ وعِمران لها: ((إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قالت)) أي: لهما: ((الذي يقال له: الصَّابئ؟)) يروى بالهمزة وبغيرها، فالأول: من صبأ؛ إذا خرج من دين إلى آخر، والثاني: من صبا يصبو؛ إذا مال، كذا [قال] إمام الشَّارحين، ففي رواية غير الهمزة: هو الياء التحتية؛ والمعنى: أي المائل، ((قالا)) أي: علي وعِمران لها: ((هو الذي تعنين)) ؛ أي: تريدين وتقصدين، من عنا يعنو؛ إذا قصد وأراد، وقولهما: (هو الذي تعنين) فيه حسن الأدب، وحسن التخلص؛ لأنَّه لو قالا لها: لا؛ لفات المقصود، ولو قالا لها: نعم؛ لم يحسن ذلك؛ لأنَّ فيه تقرير ذلك، قاله إمام الشَّارحين؛ أي: لكونه عليه السلام صابئًا، فتخلصا بهذا اللفظ، وأشارا [10] إلى ذاته الشريفة لا إلى تسميتها؛ فليحفظ.

((فانطلقي)) ؛ أي: معنا إليه، ((فجاءا)) ؛ بهمزة ممدودة؛ أي: علي وعِمران ((بها)) أي: بالمرأة المذكورة ((إلى النَّبيِّ)) الأعظم، ولأبي ذرٍّ، وأبي الوقت: (إلى رسول الله) ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) وفي الكلام حذف؛ يعني: فانطلقت معهما إلى أَنْ وصلا بها إلى المكان الذي نزل به النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ((وحدثاه الحديث)) ؛ أي: الذي وقع بينهما وبينها، ((قال)) أي: عمران بن الحصين ((فاستنزلوها)) وفي الكلام حذف أيضًا؛ يعني: فلما فرغا من الحديث؛ أمر النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابه الموجودين في خدمته باستنزالها، فاستنزلوها ((عن بعيرها)) ؛ أي: طلبوا منها النزول عنه، فالسين والتاء لـ (الطلب) ، وإنما ذكره بلفظ الجمع؛ لأنَّه كان مع علي وعمران من تبعهما ممن يعينهما ويخدمهما، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.

قلت: ويُحتمل أَنَّ عليًّا وعمران لم يباشرا طلب نزولها، وإنَّما الَّذين استنزلوها هم الأصحاب الذين كانوا بخدمة النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.

((ودعا النَّبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) فيه حذف؛ تقديره: فأتوا بها إلى النَّبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وأحضروها بين يديه، فدعا عليه السَّلام حينئذٍ ((بإناء)) ؛ أي: وعاء الماء، ولم يذكر أنَّه سألها عن اسمها، وقبيلتها، وحالها، ولعلَّه اقتصر على ما حدَّثاه به عليٌّ وعِمران ((ففرغ)) عليه السَّلام، من التفريغ، وفي رواية الكشميهني: (فأفرغ) من الإفراغ، ((فيه)) ؛ أي: في ذلك الإناء ((من أفواه المَزَادتين)) ؛ تثنية مزادة؛ بفتح الميم، والزاي، الراوية: وهي أكبر من القربة، و (أفواه) جمع: (فم) ؛ لأنَّ أصله: فوه، فحذفوا الواو [لأنها] لا تحتمل التنوين عند الإفراد، وعوَّضوا من الهاء ميمًا.

فإن قلت: لكل مزادة فم واحد، فكيف جمع؟

قلت: هذا من قبيل قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، قاله إمام الشارحين.

قلت: ومنه قوله تعالى: {إِلَى المَرَافِقِ} [المائدة: 6] حيث جاء بلفظ الجمع، ولكلِّ يدٍ مرفقٌ واحد؛ لأنَّ ما كان واحدًا من واحد؛ فتثنيته بلفظ الجمع؛ ومنه قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}، فلم يقل: قلباكما.

((أو)) من أفواه ((السَطِيحتين)) ؛ تثنية سَطِيحة؛ بفتح السين، وكسر الطاء المهملتين، بمعنى: المزادة؛ يعني: أفرغ من أفواههما، والشك من الراوي، ويحتمل أنَّه من أبي رجاء، أو من عمران، كما سبق، (وأَوكأَََ) ؛ بهمزتين مفتوحتين، أولاهما في الأول، وثانيهما في الآخر؛ أي: شدَّ، وهو فعلٌ ماض، من الإيكاء: وهو شدُّ الوكاء، وهو ما يشدُّ به رأس القربة من حبل ونحوه؛ ومنه قوله عليه السَّلام: «العينان وكاء السَّهِ...»؛ الحديث؛ يعني: شدَّ ((أفواههما)) ؛ أي: المزداتين بحبل أو نحوه، وقد بين ذلك في رواية الطبراني، وكذا البيهقي قال: (فأفرغ من أفواه المزادتين، فمضمض في الماء، وأعاده في أفواه المزادتين، وأوكأ) ، وبهذه الزيادة تظهر الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها، وبهذا حصلت البركة لاختلاط ريقه المبارك للماء، قاله إمام الشَّارحين، ((وأطلق)) ؛ أي: فتح ((العَزَالَي)) ؛ بفتح العين المهملة، والزاي، وفتح اللام، قال السفاقسي: (رويناه بالفتح) ، ويجوز فتح الياء، وكذلك يجوز كسر اللام، جمع: لـ (عَزْلاء) ؛ بفتح المهملة، وإسكان الزاي، وبالمد؛ وهو فم المزادة الأسفل، وهي عروقها التي يخرج منها الماء بسعة، ولكلِّ مزادة عزلاء وإن من أسفلها، قال الجوهري: (العزالِي) ؛ بكسر اللام، وإن شئت فتحتها؛ مثل: الصحاري، والصحارى، ويقال: العزلاء: مَصْبُّ الماء من الرَّاوية والقِربة) ، وفي «الجامع»: (عزلاء القربة: مصبٌّ يجعل في أحد يديها يستفرغ منه ما فيها، وإنَّما سُميت عزالي السحاب؛ تشبيهًا بها) .

وقال السفاقسي: (رويناه بالفتح: وهو أفواه المزادة السفلى) .

وقال الداودي: (ليس في أكثر الرِّوايات أَنَّهم فتحوا أفواه المزادتين أو السطيحتين، ولا أنهم أطلقوا العزالي، وإنما شقوا المزادتين، وهو معنى: صبوا منهما، ثُمَّ أعاده فيهما إن كان هو المحفوظ) ، كذا في «عُمدة القاري».

قلت: وفيما قاله الداودي نظر، فإنَّ أكثر الروايات، بل جميعها: أنَّهم فرغوا الماء من المزادتين إلى الإناء، وأنَّهم أطلقوا العزالي على أن الشق يضر بالمزادة، ويفني الماء، فيفوت المقصود؛ فتأمل.

((ونُودي)) ؛ بضمِّ النون على البناء للمجهول ((في الناس)) ؛ أي: الصحابة الموجودين وقتئذٍ، ولم يعلم اسم المنادي، والظاهر: أنه بلال؛ لأنَّه عالي الصوت: ((اسقوا)) ؛ بهمزة وصل، من سقى فتكسر، أو همزة قطع من أسقى فتفتح؛ يعني: اسقوا غيركم كالدواب ونحوها ((واستقوا)) ؛ أي: لأنفسهم؛ كلٌّ منهما، فعل أمر ((فسقي من سقى)) وفي رواية ابن عساكر: (فسقى من شاء) ، ((واستقى من شاء)) قال إمام الشَّارحين: (والفرق بين (اسقوا) من السقي، و (استقوا) من الاستقاء: أَنَّ السَّقي لغيره، والاستقاء لنفسه، ويقال أيضًا: سقيته لنفسه، وأسقيته لماشيته) انتهى.

((وكان آخر ذلك)) أي: آخر السَّقي والاستقاء ((أن أعطى)) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((الذي أصابته الجنابة)) وهو الرجل المعتزل المذكور ((إناءً)) مملوءًا ((من ماء)) ؛ بالمد، ويجوز في لفظة (آخر) الرفع والنصب، أما الرفع؛ فظاهر؛ لأنَّه اسم (كان) ، وقوله: (أن أعطى) خبره؛ لأنَّ (أن) مصدريَّة، وأمَّا النَّصب؛ فلأنَّه خبر (كان) مقدمًا على اسمه، وهو (أن أعطى) ؛ لأنَّ (أن) مصدرية؛ تقديره: وكان إعطاؤه للرجل الذَّي أصابته الجنابة آخر ذلك، والأمران جائزان.

وقال العلامة أبو البقاء: (النصب أولى وأقوى؛ لأنَّ (أن) و (الفعل) أعرف من الفعل المفرد، وقد قُرِئ قوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا} [النمل: 56] : بالوجهين) انتهى.

وقال إمام الشارحين: (وعندي كلاهما سواء؛ لأنَّ كلًّا معرفة) انتهى.

وفي رواية بإسقاط لفظة: (ذلك) ، ((قال)) أي: النَّبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم للَّذي أصابته الجنابة: ((اذهب فأفرغه)) ؛ بقطع الهمزة، من الإفراغ: وهو الصَّبُّ، والضمير فيه يرجع إلى (الماء) الذي في [/ص413/] الإناء؛ يعني: صُبه ((عليك)) ؛ أي: على جسدك كله بعد أن تتمضمض وتستنشق؛ لأنَّهما من تمام غسل البدن ((وهي قائمة)) ؛ أي: المرأة المذكورة قائمة تشاهد ذلك، وهذه الجملة اسمية محلها نصب على الحال على الأصل ((تنظر إلى ما)) أي: الذي ((يُفعل)) ؛ بضمِّ أوله مبني للمجهول؛ أي: يفعلونه ((بمائها)) من تفريغه لسقي الدواب، ولسقي الجيش، وللوضوء، والغسل، فاستغربته؛ لعدم عهدها به عندهم لكونها من الكفار وقتئذٍ.

فإن قلت: الاستيلاء على الكفار بمجرده يبيح رق نسائهم وصبيانهم، وإذا كان كذلك؛ فقد دخلت هذه المرأة في الرق باستيلائهم عليها، فكيف وقع إطلاقها وتزويدها؟

قلت: إنَّما أطلقت لمصلحة الاستيلاف الذي جر دخول قومها في الإسلام، ويحتمل أنَّها كان لها أمان قبل ذلك، وكانت من قوم لهم عهد.

فإن قلت: كيفَ جَوزوا التَّصرف حِينئذٍ من مالها؟

قلت: بالنظر إلى كفرها أو لضرورة الاحتياج إليه، والضرورات تُبيح المحظورات، أفاده إمام الشَّارحين.

((وايم الله)) ؛ بوصل الهمزة، قال الجوهري: (وايمُنُ الله: اسم وضع للقسم هكذا بضمِّ الميم والنون، وألفه ألف الوصل عند الوصل عند الأكثر، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف؛ والتقدير: أيمن الله قسمي، وربما حذفوا منه النون، فقالوا: وايم الله) .

وقال أبو عُبيد: (كانوا يحلفون، ويقولون: يمين الله؛ لا أفعل، فجمع اليمين على أيمن، ثُمَّ كثر في كلامهم، فحذفوا النون، فألفه ألف قطع، وهو جمع، وإنَّما طرحت الهمزة في الوصل؛ لكثرة استعمالهم إياه) .

قلت: فيها لغات؛ جمع منها النووي في «تهذيبه» سبع عشرة، وبلغ بها غيره عشرين، كذا قرَّره في «عُمدة القاري».

((لقد أُقلع)) ؛ بضمِّ الهمزة، من الإقلاع: وهو الكفُّ، يقال: أقلع عن الأمر؛ إذا كفَّ عنه ((عنها)) ؛ أي: كف عن المزادة، فلم يأخذوا منها شيئًا؛ لأنَّهم قد اكتفوا لشربهم، ولدوابهم، وللوضوء، وكذا الغسل، وإنَّما أفردها؛ لأنَّهم إذا كفوا عن أحدهما؛ يكون الكف عن الأخرى ضرورةً، فكأنه قال: وايم الله؛ لقد أقلع عنهما جميعًا، والقائل ذلك: هو عمران بن الحصين، ((وإنَّه)) ؛ أي: الشَّأن ((ليُخيَل)) ؛ بضمِّ التحتية الأولى، وفتح الثانية، من التخييل، وهو مرادف للظن الذي هو استواء الطرفين ((إلينا)) أي: الصَّحابة ((أنها)) أي: المزادة ((أشدُّ)) أي: أكثر ((مِلْأَة)) ؛ بكسر الميم وفتحها، وسكون اللام، بعدها همزة مفتوحة، وفي رواية البيهقي: (إملاء) ؛ بهمزة أوله ((منها)) أي: المزادة ((حين اُبْتُدئ)) ؛ بضمِّ الهمزة، وسكون الموحدة، وضم المثناة الفوقية، من الابتداء ((فيها)) ؛ بالسقي والاستقاء؛ والمعنى: أنَّهم يظنون أن ما بقي فيها من الماء أكثر مما كان أولًا، فهذا من دلائل النبوة؛ حيث توضؤوا، وشربوا، وسقوا، واغتسل الجنب مما سقط من العزالي وبقيت المزادتان مملوءتانِ ببركة النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وعظيم برهانه، وكانوا أربعين، نص عليهم في رواية مسلم [11] بن رزين، وأنَّهم ملؤوا كل قربة كانت معهم.

وقال القاضي عياض: (وظاهر هذه الرِّواية أنَّ جملة من حضر هذه القصة كانوا أربعين، ولا نعلم مخرجًا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه يخرج في هذا العدد، فلعله الرَّكب الَّذي عجلهم بين يديه؛ لطلب الماء، وأَنَّهم وجدوا [12] المرأة، وأنَّهم أسقوا للنَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قبلَ النَّاس، وشربوا، ثُمَّ شرب الناس بعدهم، كذا في «عُمدة القاري».

قلتُ: وقد يُقال: إنَّ الجيش حين سار النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم استأذن بالمشي بسرعة [13] ، والسَّبق إلى المدينة، وبقي مع النَّبيِّ الأعظم عليه السَّلام هذا الركب وهم أربعون، وفيهم علي وعمران؛ فاختارهم عليه السَّلام لطَلَب الماء، فإنَّ الذي طلب الماء لم يكن إلا عليًّا وعِمْران، فلَّما فَرَغوا من السَّقي والاستقاء وساروا؛ ربما وجدوا بقية الجيش في الطريق، ولهذا ملؤوا قربهم جميعًا، وما ذاك إلا لأجل الجيش الذي تقدم، والله أعلم؛ فافهم.

وقال إمام الشَّارحين: (وفيه أنَّ جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنَّه لم يختلط فيه شيءٌ من ماءِ تلك المرأة في الحقيقة وإنْ كان في الظَّاهر مختلطًا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وفيه دلالة: أنَّ عُمر رضي الله عنه أجلدُ المسلمين وأصلبهم في أمر الله عز وجل) انتهى.

((فقا