المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

339-. حدَّثنا حَجَّاجٌ، قالَ: أخبَرَنا [1] شُعْبَةُ: أخبَرَني الحَكَمُ [2] ، عن ذَرٍّ، عن سَعِيدِ [3] بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَىَ، عن أَبِيهِ:

قالَ عَمَّارٌ بِهَذا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أَدْناهُما مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ [4] وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.

وقالَ النَّضْرُ: أخبَرَنا شُعْبَةُ، عن الحَكَمِ، قالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ: عن ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَىَ.

قالَ الحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [5] ، عن أَبِيهِ، قالَ: قالَ عَمَّارٌ.

340-. حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ [6] ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَىَ:

عن أَبِيهِ: أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ، وقالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا في سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنا. وَقالَ: تَفَلَ فِيهِما.

341-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ: أخبَرَنا شُعْبَةُ، عن الحَكَمِ، عن ذَرٍّ، عن ابنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبْزَىَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ [7] قالَ:

قالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: تَمَعَّكْتُ، فأتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: «يَكْفِيكَ الوَجْه [8] والْكَفَّيْنِ [9] ».

342-. حدَّثنا مُسْلِمٌ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن الحَكَمِ، عن ذَرٍّ، عن ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [10] :

عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ، فقالَ [11] لَهُ عَمَّارٌ. وَساقَ الحَدِيثَ.

343-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، قالَ: حدَّثنا غُنْدَرُ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن الحَكَمِ، عن ذَرٍّ، عن ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَىَ: عن أَبِيهِ، قالَ:

قالَ عَمَّارٌ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [12]

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثنا».
[2] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن الحكم».
[3] قوله: «سعيد» ثابت في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا. كتب في متن اليونينية بالحمرة.
[4] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «بهما».
[5] في رواية ابن عساكر زيادة: «بنِ أَبْزىَ».
[6] في رواية أبي ذر والأصيلي: «سمعتُ ذَرًّا».
[7] في رواية ابن عساكر: «عن عبد الله»، كتبت بالحمرة. قارن بما في السلطانية، وفي رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن أبيه»، بدل قوله: «عن عبد الرحمن».
[8] ضُبطت في اليونينية بالأوجه الثلاث: « الوَجْهَ» و« الوَجْهِ» و« الوَجْهُ». (ب، ص).
[9] هكذا في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا: بالنصب (ن، و، ق)، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: «والكفَّان» بالرفع. كتبت بالحمرة.
[10] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ زيادة: «بن أبزىَ».
[11] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قال».
[12] بهامش (ن): بلغت سماعًا في المجلس الأول بقراءة الشيخ نور الدين الهاشمي بالمدرسة المنصورية، بخط بين القصرين بالقاهرة المُعِزِّية، وذلك في يوم الأربعاء الرابع من جمادى الأول سنة خمس عشرة وسبعمائة، وكتب أحمد بن عبد الوهاب بن محمد البكري التيمي القرشي، عُرِف بالنُّويري.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

339- ( ذَرٍّ ) بذال معجمة.

( ابْنِ أَبْزَى ) بهمزة مفتوحة وباء موحدة وزاي.

340- ( تَفَلَ ) بتاء مثناة وفاء مفتوحتين.

341- ( يكفيك الوجه والكفين ) بالرفع والنصب والجر، فالنصب على المفعول به.

وقال ابن مالك: من جرَّهما ففيه وجهان:

أحدهما: أن الأصل: يكفيك مسح الوجه واليدين، فحذف المضاف وبقي المجرور به على ما كان.

وثانيهما: أن تكون الكاف حرف جرٍّ زائد كقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى: 11 ] يُرِيْدُ: [/ج1ص129/] يَكْفِي الوجه واليَدان، وهي الرواية الأخرى.

قال: ويجوز على هذا الوجه رفع اليدين عطفًا على موضع الوجه فإنه فاعل، وإنَّ رفع الوجه وهو الوجه الجيد المشهور فالكاف ضمير المخاطب، ويجوز في اليدين حينئذٍ الرفع بالعطف وهو الأجود، والنصب على أنَّه مفعول معه.


339# 340# 341# 342# 343# (تَفَلَ) بمثناة من فوق وفاءٍ مفتوحةٍ [1] .

- (فَقَالَ: يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّينِ) برفع الوجه على الفاعلية، ونصب الكفين على أنه مفعول معه، ويرفع بالعطف، وهو الأجود، وظاهر كلام ابن مالك: أن ثَمَّ روايةً بجرِّ ((الوجه))؛ فإنه قال: وفي جر الوجه مِن ((يكفيك الوجهِ والكفين)) وجهان:

أحدهما: أن الأصل يكفيك مسحُ الوجه، فحذف المضاف، وبقي المجرور به [2] على ما كان عليه.

والثاني: أن تكون الكاف حرفَ جرٍّ زائدًا [3] ؛ كما في: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11].

قلت: يدفعه [4] كتابةُ الكاف متَّصلة بالفعل. ثمَّ قال: ويجوز على هذا الوجه رفعُ الكفين بالعطفِ [5] على موضع الوجه، فإنه فاعل.

@%ج1ص168%

[1] في (ق): ((مفتوحتين)).
[2] ((به)): ليست في (ق).
[3] في (د) و(ج): ((زائد)).
[4] في (ق): ((بدفع)).
[5] ((بالعطف)): ليست في (م) و(د) و(ج).





339- قَولُهُ: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ): هو ابن منهال الأنماطيُّ البصريُّ، عن قُرَّة، وشعبة، وعنه: البخاريُّ، وعن [1] واحد عنه أيضًا، وروى عنه: عبد بن حميد والكجِّيُّ، وكان دلَّالًا ثقة ورِعًا، ذا سنَّة وفضل، تُوفِّي سنة (217 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم، ولكن طال العهد به رحمه الله.

قَولُهُ: (عَنِ الحَكَم): تقدَّم أعلاه أنَّه ابن عتيبة، وتقدَّم بعض ترجمته قبل ذلك.

قَولُهُ: (عن ذَرٍّ): تقدَّم الكلام عليه أعلاه.

قَولُهُ: (وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ): أمَّا (النَّضر) ؛ فقد تقدَّم أنَّه بالضَّاد، وأن (نصرًا) _ بالمهملة- لا يأتي بالألف واللَّام، وهذا هو ابن شُميل _ بضم الشين المعجمة- أبو الحسن المازنيُّ البصريُّ النَّحويُّ، شيخ مرو ومحدِّثها، عن حميد، وهشام بن عروة، وعنه: ابن مَعِين، وإسحاق، والدارميُّ، ثقة إمام، صاحب سنَّة، مات في سلخ سنة (203 هـ ) ، وقد تقدَّم، ولكن طال العهد به، وهذا تعليق مجزوم به [2] ، فهو على شرطه، والحكمة في الإتيان به: أنَّه أتى فيه الحَكَمُ بالسَّماع من ذرٍّ، وهو مدلِّس، فانتفى [3] به ما يُحذَر منه مع أنَّ فيه فائدةً أخرى؛ وهي أنَّه سمعه من ابن عَبْد الرَّحمن بن أبزى؛ يعني: سعيدًا أيضًا؛ يعني: شيخ ذرٍّ، فعَلَا رجلًا، وزال التَّدليس، وتعليقه هذا أخرجه مُسْلِم في (الطَّهارة) عن إسحاق بن منصور، عنِ النَّضر به.

قَولُهُ: (عن ابْنِ عَبْدِ الرَّحمن بْنِ أَبْزَى): تقدَّم أنَّه سعيد، وهذا ظاهر.

قَولُهُ: (كُنَّا في سَرِيَّةٍ): السَّريَّة: قال يعقوب: هي ما بين خمسة أنفس إلى ثلاث مئة، وقال الخليل: هي نحو أربع مئة، وقد تقدَّم.

قَولُهُ: (فَأَجْنَبْنَا): تقدَّم أنَّه يقال: أجنب الرَّجل وجُنِب؛ بضمِّ الجيم، وكسر النُّون، والأوَّل أفصح.

قَولُهُ: (وَقَالَ تَفَلَ فيهمَا): التَّفل: هو بالمثنَّاة فوق، لا المثلَّثة، وهو البصق القليل، والنَّفث مثله إلَّا أنَّه ريح بغير بزاق، وقيل: هما بمعنًى، وعليه يدلُّ قوله: (وتفل فيهما) ، ليس بموضع بزاق، وقيل: بعكس ما تقدَّم فيهما، والتَّفل: البزاق نفسه، يقال فيه: تفل يتفِل ويتفُل؛ لغتان في المستقبل.

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ): تقدَّم مرارًا أنَّه بفتح الكاف، وبالثَّاء المثلَّثة.

قَولُهُ: (عنِ الحَكَمِ): تقدَّم قريبًا وبعيدًا أنَّه ابن عتيبة، وتقدَّم بعض ترجمته ووَهَمُ البخاريِّ فيه.

قَولُهُ: (عنْ ذَرٍّ): تقدَّم أعلاه ترجمته، وما يتعلَّق به.

قَولُهُ: (عن ابْنِ عَبْدِ الرَّحمن بْنِ أَبْزَى): تقدَّم أعلاه أنَّه سعيد.

قَولُهُ: (يَكْفيكَ الوَجْهَ وَالكَفَّيْنِ): كذا في أصلنا بالنصب، وفي نسخة طارئة في هامش أصلنا: (الوجهُ والكفَّان) ، وهذه لا تحتاج كلامًا، وأمَّا التي في أصلنا؛ أي: للوجه والكفَّين، أو الجرُّ على تقدير: يكفيك مسحُ الوجهِ والكفَّين؛ فحُذِفَ (مسح) ، وبقي الإعراب، والله أعلم.

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ): تقدَّم أنَّه مُسْلِم بن إبراهيم الأزديُّ الفراهيديُّ؛ نسبة إلى جدِّه فُرهود، وقد قدَّمت أنَّ النِّسبة: فراهيديٌّ وفُرهوديٌّ، الحافظ أبو عمرو، عنِ ابن عون حديثًا واحدًا، وعن قُرَّة [4] ، وهشام الدَّستوائيِّ، وشعبة، وعنه: البخاريُّ، وأبو داود، والدارميُّ، وعبد، ومحمَّد بن الضُّرَيس، وأبو خليفة، ولم يسمع بغير البصرة، قال ابن معين: ثقة مأمون، تُوفِّي سنة (222 هـ ) في صفر، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم لكن [5] طال العهد به.

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تقدَّم غير مرَّة أنَّ بَشَّارًا -بفتح الموحَّدة، وشين معجمة مشدَّدة- بندار، وتقدَّم شيء من ترجمته، وما هو البندار.

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا غُنْدرٌ): تقدَّم أنَّه بضمِّ الغين المعجمة، ثُمَّ نون ساكنة، ثُمَّ دال مهملة مضمومة ومفتوحة، وأنَّه محمَّد بن جعفر، تقدَّم بعض ترجمته.

[1] في (ج): (عن) .
[2] (به): سقطت من (ب) .
[3] في (ج): (وانتفى) .
[4] في (ب): (فروة) ، وهو تحريفٌ.
[5] في (ج): (ولكن) .





341- (الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ): وفي روايةٍ: (الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ)، قال الكَرمانيُّ: (الواو بمعنى: مع).

قال والدي رحمه الله تعالى: ( [كذا في أصلنا بالنصب، وفي نسخة طارئةٍ في هامش أصلنا: «الوجهُ والكفَّان»، وهذه لا تحتاج كلامًا، وأمَّا التي في أصلنا] ؛ أي: «للوجه والكفَّينِ»، أو الجرُّ على تقدير: يكفيك مسحُ الوجهِ والكفَّين، فحذف «مسح»، وبقي الإعرابُ).

وقال ابنُ مالكٍ: (في جرِّ مَن جرَّ «الْوَجْه» وجهان:

أحدُهما: أنْ يكونَ الأصلُ: مسحُ الوجهِ والكفَّين، فحُذِفَ المضافُ، وبَقِي المجرورُ به على ما كانَ عليه.

الثَّاني: أنْ تكونَ الكافُ حرفًا زائدًا [1] ؛ كما في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، ويجوزُ على هذا الوجهِ رفعُ «الْكَفَّيْنِ» [2] عطفًا على موضعِ «الْوَجْهِ»، فإنَّه فاعلٌ.

وإنْ رُفعَ «الْوَجْهُ» ـ وهو الوجهُ الجيِّدُ المشهورُ ـ فالكافُ ضميرُ المخاطبِ، ويجوزُ في «الْكَفَّيْنِ» [3] حينئذٍ [4] الرَّفعُ بالعطفِ وهو الأجودُ، والنَّصبُ على أنَّه مفعولٌ معه) انتهى.

[1] أي: يكفي كالوجهِ والكفَّين؛ وأصلُ الكلام: يكفي الوجهُ والكفَّان.
[2] في النسختين: (اليدين)، وهو سبق قلم، أو أراد المعنى.
[3] في النسختين: (اليدين)، وهو سبق قلم، أو أراد المعنى.
[4] (حينئذٍ): ليست في (ب).





339- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن مِنهالٍ؛ بكسر الميم (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الْحَكَم) بن عُتَيْبَة، الفقيه الكوفيِّ، وللأَصيليِّ وكريمة: ((أخبرني))؛ بالإفراد ((الحكم)) (عَنْ ذَرٍّ)؛ بفتح الذَّال المُعجَمة، ابن عبد الله، الهمْدانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وللحَمُّويي والمُستملي: ((عن ابن عبد الرَّحمن)) (بْنِ أَبْزَى)؛ بفتح الهمزة والزَّاي المُعجَمة، بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن (قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا) إشارةٌ إلى سياق المتن السَّابق من رواية آدم عن شعبة [خ¦338] ، لكن ليس في رواية حجَّاجٍ هذه، قصَّة عمر، قال حجَّاجٌ: (وَضَرَبَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أَدْنَاهُمَا)؛ أي: قرَّبهما (مِنْ فِيهِ) كنايةٌ عن النَّفخ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه كان نفخًا خفيفًا (ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ) [1] ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((ثمَّ [2] مسح بهما وجهه)) (وَكَفَّيْهِ)؛ أي: إلى الرُّسغين، أو إلى المرفقين.

(وَقَالَ النَّضْرُ)؛ بالنُّون والضَّاد المُعجَمة، ابن شُمَيْلٍ، ممَّا وصله مسلمٌ: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجَّاج المذكور (عَنِ الْحَكَمِ) بن عتيبة [3] (قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ) وفي السَّابقة: ((عن ذَرٍّ))، فصرَّح في هذه [/ج1ص371/] بالسَّماع: (عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ الْحَكَمُ) بن عتيبة المذكور: (وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن [4] ، ولابن عساكر: ((من ابن عبد الرَّحمن بن أبزى عن أبيه))، وأفادت هذه: أنَّ الحكم سمعه من شيخ شيخه سعيد بن عبد الرَّحمن، قال في «الفتح»: والظَّاهر أنَّه سمعه من ذَرٍّ عن سعيدٍ [5] ، ثمَّ لقي سعيدًا فأخذه عنه، وكأنَّ سماعه له [6] من ذَرٍّ كان أتقن، ولهذا أكثر ما يجيء في الرِّوايات: بإثباته، انتهى. (قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبزى: (قَالَ عَمَّارٌ [7] ) أي: ابن ياسرٍ، زاد [8] في غير «الفرع»: ((الصَّعيد الطَّيِّب))؛ أي: التُّراب الطَّاهر ((وضوء المسلم يكفيه))؛ أي: يجزئه ((من الماء)) عند عدمه، قال الشَّافعيُّ: الصَّعيد لا يقع إلَّا على ترابٍ له غبارٌ، وفي معناه: الرَّمل إذا ارتفع له غبارٌ، فيكفي التَّيمُّم به إذا لم يلصق بالعضو؛ بخلاف ما لا غبار له، أو له غبارٌ لكنَّه يلصق بالعضو.

340- وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشحيُّ؛ بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ، البصريُّ، قاضي مكَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتَيْبَةَ (عَنْ ذَرٍّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((سمعت ذَرًّا)) (عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ) أي: حضر (عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ) هو ابن ياسرٍ: (كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا)؛ أي: صرنا جنبًا، الحديث السَّابق، (وَقَالَ:) مكان نفخ فيهما (تَفَلَ فِيهِمَا)؛ أي: في يديه، قال الجوهريُّ: والتَّفل: شبيهٌ بالبزاق، وهو أقلُّ منه، أوَّله البزاق ثمَّ التَّفل ثمَّ النَّفث ثمَّ النَّفخ.

341- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة قال: (أَخْبَرَنَا [9] شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ولابن عساكر زيادة: ((ابن أبزى))، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: ((عن أبيه)) بدل قوله: ((عن عبد الرَّحمن)) (قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ) رضي الله عنهما: (تَمَعَّكْتُ)؛ أي: تمرغت (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) فذكرت ذلك له، (فَقَالَ: يَكْفِيكَ)؛ أي: لكلِّ فريضةٍ واحدةٍ تيمَّمت لها وما شئت من النَّوافل، أو في كلِّ الصَّلوات فرضها ونفلها (الْوَجْهُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (وَالْكَفَّانِ) عُطِفَ عليه، كذا في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر، ولأبي ذَرٍّ وكريمة كما في «فتح الباري»: ((الوجهَ والكفَّين))؛ بالنَّصب فيهما أي: أن تمسح الوجه و [10] الكفَّين، ولغيرهم: ((الوجهُ))؛ بالرَّفع على الفاعليَّة، ((والكفَّين))؛ بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ معه [11] ؛ أي: يكفيك الوجه مع الكفَّين، قِيلَ: ورُوِي: ((الوجهِ والكفَّين))؛ بالجرِّ فيهما، ووجَّهه ابن مالكٍ في «التَّوضيح» بوجهين؛ أحدهما: أنَّ الأصل يكفيك مسح الوجه، فحُذِف المُضاف وبقي المجرور به على ما كان عليه، والثَّاني: أن تكون الكاف من «يكفيك»، حرفًا زائدًا؛ كما في {ليس كمثله شيءٌ [12] } [الشورى: 11] ، وتعقَّبه ابن الدَّمامينيِّ فقال: يدفعه كتابة الكاف متَّصلة بالفعل، أي: بقوله: يكفي، انتهى. والظَّاهر ثبوت الجرِّ روايةً، فإنَّه ثابتٌ مع بقيَّة الأوجه السَّابقة في نسخة «الفرع» المُقابَلة على نسخة الحافظ شرف الدِّين [13] اليونينيِّ الذي عوَّل النَّاس عليه في ضبط روايات البخاريِّ، حتَّى إنَّ سيبويهِ عصرِه [14] الجمال ابن مالكٍ حضره عند سماع البخاريِّ عليه [15] ، فكان إذا مرَّ من الألفاظ ما يتراءى مخُالَفته لقوانين اللِّسان العربيِّ؛ سأله عنه، فإن أجاب [16] أنَّه كذلك؛ أخذ ابن مالكٍ في توجيهه، ومن ثمَّ جمع كتابه «التَّوضيح» _كما مرَّ_ في المقدمة [17] ومعنى الحديث: يكفيك مسح الوجه والكفَّين في التَّيمُّم، ومفهومه: أنَّ ما زاد على الكفَّين ليس بفرضٍ، وإليه ذهب الإمام أحمد _كما مرَّ_ وحُكِيَ عنِ الشَّافعيِّ في «القديم»، وهو القويُّ من جهة الدَّليل، وأمَّا القياس على الوضوء؛ فجوابه: أنَّه قياسٌ في مُقابَلة النَّصِّ، فهو فاسد الاعتبار، وأُجيب: بأنَّ حديث عمَّارٍ هذا لا يصلح الاحتجاج به؛ لاضطرابه، حيث روى: «والكفَّين»، وفي أخرى: «والكوعين»، وفي أخرى لأبي داود: «ويديه إلى نصف الذِّراع»، وفي أخرى له: «والذِّراعين إلى نصف السَّاعد ولم يبلغ المرفقين»، وفي أخرى له: «إلى المرفقين»، وفي أخرى له أيضًا والنَّسائيِّ: «وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط»، وهذه الزِّيادة على تسليم صحَّتها لو ثبتت بالأمر؛ دلَّت على النَّسخ، ولزم قبولها، لكن إنَّما وردت بالفعل فتُحمَل على الأكمل، وقد قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ الأحاديث الواردة في «صفة التَّيمُّم» لم يصحَّ منها سوى حديث أبي جُهَيْمٍ وعمَّارٍ، وما عداهما؛ فضعيفٌ أو مُختلَفٌ في رفعه ووقفه، والرَّاجح [/ج1ص372/] عدم رفعه، فأمَّا رواية: «المرفقين» وكذا: «نصف الذِّراع»؛ ففيهما مقالٌ، وأمَّا رواية: ((الآباط))؛ فقال الشَّافعيُّ وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فكلُّ تيمُّمٍ صحَّ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بعده، فهو ناسخٌ له [18] ، وإن كان وقع بغير أمره؛ فالحجَّة فيما أمر به، وممَّا يقوِّي رواية «الصَّحيحين» في الاقتصار على الوجه والكفَّين، كون عمَّارٍ كان يفتي به بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وراوي الحديث أعرف [19] بالمُراد به من غيره، ولا سيمَّا الصَّحابيِّ المجتهد انتهى. وتُعقِّب في قوله: «لم يصحَّ [20] منها سوى حديث أبي جُهَيْمٍ... إلى آخره»: بحديث جابرٍ عند الدَّارقُطنيِّ مرفوعًا: «التَّيمُّم ضربةٌ للوجه وضربةٌ للذِّراعين إلى المرفقين»، وأخرجه البيهقيُّ أيضًا والحاكم وقال: هذا إسنادٌ صحيحٌ، وقال الذَّهبيُّ أيضًا: إسناده صحيحٌ، ولا يُلتَفت إلى قول من يمنع صحَّته.

342- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم، الفراهيديُّ [21] البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ زيادة: ((ابن أبزى)) (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: شَهِدْتُ)؛ أي: حضرت (عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (فَقَالَ)؛ له بفاء العطف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((قال)) (لَهُ عَمَّارٌ وَسَاقَ الْحَدِيثَ) المذكور قريبًا، فـ: «أل» للعهد.

343- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في هذا الباب من رواية ستَّة أنفسٍ، وبينه وبين شعبة بن الحجَّاج في هذه الطَّريق الأخيرة [22] اثنان، وفي الطُّرق الخمسة السَّابقة واحدٌ، ولم يسُقْه تامًّا من رواية واحدٍ منهم، ولم يذكر جواب عمر رضي الله عنه، وليس ذلك من المؤلِّف، فقد أخرجه البيهقيُّ من طريق آدم كذلك، نعم؛ ذكر جوابه مسلمُ من طريق يحيى بن سعيدٍ، والنَّسائيُّ من طريق حجَّاج بن محمَّدٍ، كلاهما عن شعبة، ولفظهما: «فقال: لا تصلِّ»، زاد السَّرَّاج [23] : «حتَّى تجد الماء»، وهذا مذهبٌ مشهورٌ عن عمر، وافقه عليه ابن مسعودٍ، وجرت فيه مُناظَرةٌ بين أبي موسى وابن مسعودٍ تأتي _إن شاء الله تعالى_ في باب «التَّيمُّم ضربةٌ» [خ¦347] .

[1] في (د): «مسح بهما وجهه».
[2] «ثمَّ»: سقط من (د).
[3] زيد في (م): «المذكور».
[4] «عبد الرَّحمن»: سقط من (د).
[5] في (د): «شعبة»، وهو تحريف.
[6] «له»: ليس في (م).
[7] في هامش (ص): «قوله: «قال عمَّار»؛ أي: القول السَّابق، فالمقول محذوفٌ كما نبَّه عليه الكرمانيُّ، وأما الزِّيادة التي في غير «الفرع»؛ فليست مقول قول عمَّارٍ؛ إنَّما هي من قول المؤلِّف على ما لا يخفى، ويؤيِّد ذلك ما يأتي في الباب الآتي حيث قال: «باب الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم»، قال في «الفتح»: هذه التَّرجمة لفظ حديثٍ أورده البزَّار من طريق هشام ابن حسَّان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا... إلى آخره، ولم يعرِّج على أنَّ البخاريَّ أورده من طريق عمَّارٍ أصلًا؛ فاعرفه، والله أعلم انتهى».
[8] في (م): «و»، وفي هامش (ص): «قوله: «زاد في غير «الفرع»: فقيَّدته أنَّه زائدٌ على ما في «الفرع»، وعليه مقول عمَّارٍ ساقطٌ في «الفرع». انتهى. ع ش».
[9] في هامش (م): «حدَّثنا. صح».
[10] في (د) و(م): «مع».
[11] «معه»: ليس في (م).
[12] «{شيء}»: سقط من (د).
[13] «الدِّين»: سقط من (س) و(ص).
[14] في (م): «عصر الزَّمان».
[15] «عليه»: سقط من (د).
[16] في (م): «أجابه».
[17] «كما مرَّ في المقدِّمة»: مثبتٌ من (م).
[18] «له»: سقط من (د).
[19] في (م): «أعلم».
[20] في (م): «يصلح».
[21] في هامش(ص): «قوله: «الفراهيديُّ»: بالدَّال مُعجَمةً ومُهمَلةً؛ نسبةً إلى فراهيد؛ بطنٌ من الأزد. انتهى».
[22] قوله: «بن الحجَّاج في هذه الطَّريق الأخيرة»، سقط من (د) و(ص).
[23] في هامش(ص): «قوله: «السَّرَّاج»: قال في «اللُّباب»: السَّرَّاج: أبو العبَّاس محمَّد بن إسحاق بن إبراهيم الثَّقفيُّ مولاهم، النَّيسابوريُّ، كان أحد أجداده يعمل السُّروج، تُوفِّي سنة ثلاث عشرة وثلاث مئةٍ انتهى. مُلخَّصًا، وله «مسندٌ» رواه الحافظ بن حجرٍ، وقال: الموجود منه قطعةٌ؛ منه «العبادات». انتهى».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

339- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا حجاج)) هو ابن مِنهال؛ بكسر الميم ((قال: أخبرنا شُعبة)) هو ابن الحجاج ((قال: أخبرني)) ؛ بالإفراد ((الحَكَم)) ؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة، وفي رواية: (عن الحَكَم) ((عن ذَرٍّ)) ؛ بتشديد الراء: هو ابن عبد الله الهمْداني، ((عن سَعِيْد)) بكسر العين المهملة ((بن عبد الرحمن)) ، وفي رواية: (عن ابن عبد الرحمن) ((بن أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وفتح الزَّاي، ((عن أبيه)) هو عبد الرَّحمن بن أبْزَى، الصَّحابي الخزاعي الكوفي، ((قال عمَّار)) بتشديد الميم: هو ابن ياسر رضي الله عنه ((بهذا)) أشار به إلى سياق المتن الذي قبله من رِواية آدم عن شعبة، وهو كذلك إلا أنَّه ليس في رواية حجاج هذه قصة عمر رضي الله عنه؛ فافهم.

وقوله: ((وضَرب شعبة)) مقول الحجاج ((بيديه الأرض)) ؛ بالتثنية، ((ثم أدناهما)) أي: قربهما ((من فيه)) وهو كناية عن النَّفخ، وفيه إشارة إلى أنَّه كان خفيفًا، وفي رواية سليمان بن حرب: (تفل فيهما) ، والتفل: دون البزاق، والتفث دونه، قاله أهل اللغة.

قلت: وفيه دليل على أنَّه لم يبق عليهما من الغبار شيئًا؛ لأنَّ النَّفخ أو التَّفل يُزِيل أثرَ التُّراب والغُبار بالكلية، كما لا يخفى.

((ثُمَّ مسحَ بهما وجهه)) مستوعبًا فيخلِّل اللحية، ويمسح العذار، والوترة، وما تحت الحاجبين، والموقين، وفيه دليل على أنَّه يُشْترط المسح بجميع اليد أو أكثرها، ((وكفيه)) إلى الرُّسغين، كما ذهب إليه أحمد، والحسن بن زياد، والجُمهور: على أنَّه بضربتين؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، وقال الإمام زفر: لا يُشترط مسح المرفقين؛ لِمَا في رواية أبي داود في هذا الحديث عن عمَّار مرفوعًا: (ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نِصف الذِّراع) ، وسنده صحيح، وفي لفظٍ: (إلى نصف السَّاعد، ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة) ، وفي رواية شك سَلَمَة بن كهيل قال: (لا أدري فيه إلى المرفقين؛ يعني أو إلى الكعبين) ، ورواه شعبة عنه: (إلى المرفقين أو الذِّراعين) .

قلت: وقدمنا في الباب قبله دلائل المذهب المعظم وبقية الأئمَّة؛ فلا تغفل، قال إمام الشارحين: قد ذكرنا أنَّ البخاري أخرج هذا الحديث في هذا الباب عن ستة من المشايخ؛ الأولُّ: موقوف برواية عن حجاج إلى آخره، وأخرجه الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي قال: حدثنا محمَّد بن خزيمةقال: حدثنا حجاج قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني الحكم، عن ذر، عن عبد الرحمن [/ص402/] ابن أبْزَى، عن أبيه، عن عمَّار رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال له: «إنَّما يكفيك هكذا»، وضرب شعبة بكفيه إلى الأرض، وأدناهما من فيه، فنفخ فيهما، ثم مسح وجهه وكفيه، ثُمَّ قال الحافظ الطَّحاوي: هكذا قال محمَّد بن خزيمة في إسناد هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبْزَى، وإنَّما هو عن ذَرٍّ عن ابن عبد الرحمن، عن أبيه، زعم ابن حجر أنَّ الطَّحاوي أشار إلى أنَّه وهم فيه؛ لأنَّه أسقط لفظة: (ابن) ، ولا بد منها؛ لأنَّ (أبْزَى) والد عبد الرَّحمن لا رواية له في هذا الحديث.

قال إمام الشَّارحين: (قلت: رواية محمَّد بن خُزيمة المذكور تُنبئ على صِحة قول من يقول: (إن أبْزَى والد عبد الرَّحمن صحابي) ، وهو قول ابن منده؛ لأنَّه جعله من الصَّحابة، وروى بإسناده عن هشام، عن عُبيد الله الرَّازي، عن بكير بن معروف، عن مُقاتل بن حيان، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبيه، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أنه خطب للناس قائمًا قال: «ما بال أقوام لا يعلِّمون جيرانهم، ولا يُفقِّهونهم، ولا يَعِظونهم، ولا يأمرونَهم، ولا ينهونَهم...»؛ الحديث.

ورواه ابن إسحاق ابن راهويه في «المُسند»: عن محمَّد بن أبي سهل، عن بكير بن معروف، عن مقاتل، عن علقمة بن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا، وقد ردَّ أبو نعيم عليه وقال: (ذكر ابن مندة أنَّ البُخاري ذكره في كتاب (الوجدان) ، وأخرج له حديث أبي سَلَمَة، عن ابن أبْزَى، عن النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يَقل فيه: عن أبيه) ، وقال ابن الأثير: (أبْزَى والد عبد الرَّحمن بن أبزى الخزاعي، ذكره البُخاري في (الوجدان) ، ولا تصح له صُحبة، ولا رؤية، ولابنه عبد الرحمن صحبة، ورؤية) .

قلتُ: ولذلك لم يذكر أبو عمرو أبزى في الصَّحابة، وإنَّما ذكر عبد الرحمن؛ لأنَّه لم يصح عنده صحبة أبْزَى، ومع هذا وقع الاختلاف في صحبة عبد الرحمن أيضًا، قال ابن حبان: (ذكره في التَّابعين) .

وقال أبو بكر بن أبي داود: (لم يحدِّث ابن أبي ليلى من التَّابعين إلا عن ابن أبْزَى) .

وقال البُخاري: (له صحبة، وذكره في التابعين) .

وقال أبو هاشم: (أدرك النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وصلَّى خلفه، روى عنه ابناه عبد الله، وسَعِيْد) انتهى كلامه.

((وقال النَّضْر)) بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة: هو ابن شميل؛ بالمعجمة، وهذا تعليق قد وصله مسلم عن إسحاق بن منصور، عن النَّضر، وأخرجه أبو نعيم في «مُستخرجه» من طريق إسحاق ابن راهويه عنه، وهل هذا التعليق من كلام المؤلف، وقال الكرماني: (قال النَّضْر) من كلام البُخاري، والظَّاهر: أنه عن النَّضْر؛ لأنَّه مات سنة ثلاث ومئتين بالعراق، وكان البُخاري حينئذٍ ابن سبع سنين ببُخارى) انتهى.

((أخبرنا شُعبة)) هو ابن الحجاج، ((عن الحَكَم)) ؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة ((قال: سمعت ذرًّا)) ؛ بالذال المعجمة، والراء: هو ابن عبد الله الهمْداني؛ بسكون الميم ((يقول)) جملة فعلية محلها النصب على الحال، أو مفعول ثاني لـ (سمعت) على القول به، كما سبق؛ فليحفظ، ((عن ابن عبد الرحمن بن أَبْزَى)) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وفتح الزَّاي، أبهم الحَكَم اسم ابن عبد الرحمن، وقدَّمنا أنَّ لعبد الرحمن ولدين [1] ؛ عبد الله، وسَعِيْد، والظاهر: أنَّ المبهم هنا هو سَعِيْد بكسر العين المهملة؛ لأنَّه هو الذي يروي عنه الحكم، وقد سبقت له الرواية في الباب الذي قبله بواسطة، بخلاف أخيه عبد الله؛ فإنه لم تأت الرواية عنه؛ فليتأمل.

((قال الحَكَم)) ؛ بفتحتين: هو ابن عتيبة ((وقد سمعته من ابن عبد الرحمن عن أبيه)) هو أبزى المذكور، وهذا إشارة إلى أنَّ الحكم كما سمع هذا الخبر من ذرٍّ سمعه أيضًا من شيخ ذرٍّ، وهو سَعِيْد بن عبد الرحمن، فكأنَّه سمعه أولًا من ذرٍّ، ثم لقي سَعِيْدًا، فأخذه عنه، ولكن سماعه من ذرٍّ أثبت؛ لوروده، كذا في أكثر الروايات، كذا قاله إمام الشارحين.

قلت: وهذا يعين أن المبهم سَعِيْد، وهو موافق لما قلته، ولله الحمد.

وقال الكرماني: وقوله: (وقال الحكم) يحتمل أن يكون تعليقًا من البخاري، ويحتمل أن يكون من كلام شعبة، فيكون داخلًا في إسناده) انتهى.

قال إمام الشارحين: (قلت: يحتمل أن يكون من كلام النضر، وهو الظاهر) انتهى.

قلت: بل هو الصواب، واحتمال كونه تعليقًا من البخاري بعيد جدًّا؛ لتقدم قوله: وقال النضر عليه، واحتمال كونه من كلام شعبة غير ظاهر، بل الظاهر: أنه من كلام النضر، وهو الصواب؛ فليحفظ.

((قال عمَّار)) بتشديد الميم: هو ابن ياسر رضي الله عنه ((الصعيد الطيب)) ؛ أي: الأرض الطاهرة، وقدَّمنا أنَّ الصعيد: وجه الأرض كيفما كان (فعيل) بمعنى (مفعول) ؛ أي: مصعود عليه، وقال قتادة: (الصعيد: الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر) ، وقال أبو إسحاق: (الطيِّب: النظيف) ، وقيل: إنه الحلال، وقيل: ما تستطيبه النفس، والجمهور من أهل التفسير، وأهل اللغة، وغيرهم على أنه: الطاهر؛ لأنَّه أليق المعاني به؛ لأنَّ الصعيد إنَّما شرع لأجل التطهير يدل عليه قوله عز وجل: {وَلَكِن [يُرِيدُ] لِيُطَهِّرَكُمْ} [2] [المائدة: 6] ، وهو المراد؛ فإن الطهارة شرط إجماعًا، فلم يبق غيره مرادًا؛ لأنَّ المشترك لا عموم له، ولهذا قال الزجاج: لا أعلم فيه اختلافًا بين أهل اللغة وغيرهم فيه، فثبت أنَّ الصعيد: هو وجه الأرض؛ كحجر، ومدر، ورمل، وتراب، وغيرها، وأنَّ الطيِّب: هو الطاهر، هذا مذهب الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، ومالك بن أنس، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم، وخالفهم الشافعية فزعموا: أنَّ المراد بالصعيد: التراب فقط، فقالوا: (لا يجوز التيمم إلا على التراب) ، وتعلقوا بما روي عن ابن عباس: (الصعيد الطيِّب: التراب الخالص) ، وبقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه} [النساء: 43] ، وهذا لا يدل لمدعاهم؛ فإنَّ الذي روي عن ابن عباس رواه البيهقي من جهة قابوس بن أبي طيبان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: (أطيب الصعيد حرث الأرض) ، وهو يدلُّ على اشتراط الإنبات، وقد قال شيخهم النووي: (الإنبات: غير شرط في الأصح؛ فالاستدلال بهذا الأثر غير موجه؛ لأنَّهم لا يقولون باشتراط الإنبات، وعلى فرض ذلك؛ فهذا الأثر لا يصلح دليلًا مطلقًا؛ لأنَّ الآية مطلقة وهي لا تتقيد بالحديث الذي هو خبر آحاد، فكيف بالأثر؟ وما هذا إلا أوهن من بيت العنكبوت، وأما الآية فهي آية المائدة [3] ، والذي في آية النساء ليس فيها لفظة (منه) ، فهي جارية على إطلاقها، ولفظة (منه) في الآية الأخرى عائدة على المحدث المذكور في الآية، وتحمل (من) على ابتداء الغاية؛ كقولك: (مسحت) ؛ أي: ابتداء المسح، يدلُّ عليه[/ص403/] آية النساء بدون (منه) ، فيجوز تقدير الالتصاق بإطلاق هذه الآية، وقد قال أهلُ التَّفسير في قوله تعالى: { صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: 40] : أنَّه حجر أملس، فإنَّ التُّراب لا يكون زلقًا، ولهذا لو دُقَّ حجر فتيُممَ بمدقوقه؛ يجوز ولا تفصيل في الآية، فيجرى على إطلاقه، وهذا الشَّرط زيادة على النَّص، فيكون نسخًا، وهو لا يجوز، ويدلُّ لهذا: قوله عليه السلام: «يحشر الناس في صعيد واحد...»؛ الحديث، وقوله عليه السلام: «جُعِلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا»؛ فالمعنى في الأول: الأرض الواحدة، ففسر الصَّعيد: بالأرض، وهو المراد، والثَّاني: بيان إلى أنَّ وجه الأرض مسجدٌ وطَهور يُتَطهر به، يدلُّ عليه آخر الحديث، وهو: «فأينما أدركتني الصَّلاة؛ تيممت وصليت»، فإنَّه قد تدركه الصَّلاة في مكان لا تراب فيه أصلًا، فهذا دليل على أنَّ المُراد: هو وجه الأرض كيفما كان.

((وَضوء المسلم)) ؛ بفتح الواو: ما يتوضأ به، ومصدر، فهو مشترك بينهما قيد بالمُسلم؛ لأنَّ الكافر إذا تيمم للصلاة، ثم أسلم؛ لا يصح تيممه، ولا تجوز الصَّلاة بذلك التَّيمم، نَصَّ عليه شيخ الإسلام في «المبسوط»؛ لأنَّ الكافر ليس بأهل النِّية؛ لأنَّها عبادة، والتَّيمم لا يصح بدون النِّية، وعن هذا فرق الإمام أبو يوسف بين نية الإسلام، ونية الصَّلاة، فقال: (يكون مُتيممًا في الأولِ دون الثَّاني؛ لأنَّه أهل للإسلام، فيصح منه نية التَّيمم للإسلام، بخلاف نية الصَّلاة؛ لأنَّه ليس من أهل الصَّلاة، فإذا تيمم وهو مُسلم، ثُمَّ ارتدَّ، ثمَّ أسلم؛ فهو على تيممه، فلا ينتقض بالرِّدة، فيصلي بذلك التيمم، بل الرِّدة تُبطل ثواب العمل؛ لا يحكم بإسلامه) .

قال في «البحر»: (الأصل: أنَّ الكافر متى فعل عبادة، فإن كانت موجودة في سائر الأديان؛ لا يكون به مسلمًا؛ كالصَّلاة منفردًا، والصوم، والحجِّ الذي ليس بكامل، والصَّدقة، ومتى فعل ما اختص بشرعنا، فإن كان من الوسائل؛ فكذلك، وإن كان من المقاصد أو من الشَّعائر؛ كالصَّلاة بجماعة، ونحوها؛ يكون به مسلمًا) انتهى.

وفي «منهل الطلاب»: (وإنَّما يُحكم على الكافر بإسلامه إذا صلى بأربعة شروط:

أحدها: أن يصلي في الوقت؛ لأنَّها صلاة المؤمنين، فلو صلى في غير الوقت؛ لا يحكم بإسلامه.

الثاني: أن يكون مع الجماعة، فلو صلى منفردًا؛ لا يحكم بإسلامه؛ لأنَّه غير مختص بشرعنا.

الثالث: أن يصلي مؤتمًّا؛ لأنَّ الائتمام يدلُّ على اتباع المؤمنين، بخلاف ما لو كان إمامًا؛ فإنَّه يحتمل نية الانفراد فلا جماعة.

والرابع: أن يكون متممًا، فلو صلى خلف الإمام، وكبَّر، ثمَّ أفسد صلاته؛ لم يكن مُسلمًا، وكذا يصير مُسلمًا بالحجِّ الكامل، والأذان في المسجد) ، وتمامه فيه؛ فليحفظ.

((يكفيه من الماء)) يعني: يكفي المُسلم أن يجزئه التَّيمم عند عدم الماء؛ بشرط أن تكون الأرض طاهرة؛ لقوله تعالى: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] ؛ يعني: طاهرًا، فالصَّعيد: آلة للتطهير، فلا بد من طهارته في نفسه؛ كالماء، كذا في «الهداية»، فلو تيمم بغبار ثوبٍ نجسٍ؛ لا يجوز إلا إذا وقع ذلك الغبار عليه بعد ما جف، كذا في «فتح القدير» وغيره، ولا بدَّ أن تكون طهارته مقطوعًا بها، فلو تيمم على أرض قد أصابتها نجاسة فجفتوذهب أثرها؛ لم يجز في ظاهر الرِّواية عن الإمام الأعظم، بخلاف الصَّلاة عليها، كذا في «البدائع»، وظاهر كلامهم: أنَّ الأرض التي جفَّت نجسة في حقِّ التَّيمم منها، طاهرة في حقِّ الصَّلاة عليها، والحقُّ أنَّها طاهرة في حقِّ الكلِّ، وإنَّما منع التَّيمم منها؛ لفقد الطُّهورية؛ كالماء المُستعمل طاهر غير طهور، كذا قاله صاحب «البحر».

وهل يأخذ التُّراب حكم الاستعمال؟

ففي «الخُلاصة» وغيرها: (لو تيمم جنبٌ أو حائضٌ من مكانٍ، فوضع آخر يده على ذلك المكان، فتيمم؛ أجزأه، والمستعمل هو التُّراب الذي لاقى الوجه والذِّراعين) .

وفي «المحيط»: (لو تيمم اثنان من مكان واحد؛ جاز؛ لأنَّه لم يصر مُستعملًا؛ لأنَّ التَّيمم إنَّما يتأدَّى بما التزق بيده لا بما فضل؛ كالماء الفاضل في الإناء بعد وضوء الأول، كذا في «منهل الطُّلاب».

340- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا سُليمان بن حرب)) بالحاء المهملة، والراء، والموحدة: هو الأزدي الواشحي؛ بمعجمة، ثم مُهملة، البصري قاضي مكة ((قال: حدثنا شُعبة)) هو ابن الحجاج، ((عن الحَكَم)) ؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة، ((عن ذرٍّ)) بالذال والرَّاء: هو ابن عبد الله الهمْداني؛ بسكون الميم، ((عن ابن عبد الرحمن بن أَبْزَى)) ؛ بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وبالزاي، وهو سَعِيْد بن عبد الرَّحمن، ((عن أبيه)) هو عبد الرحمن بن أبزى المذكور: ((أنَّه)) أي: عبد الرَّحمن ((شَهِد)) أي: حَضَر ((عُمر)) هو ابن الخطاب أمير المؤمنين رضيَ الله عنه، ((وقال له)) أي: لعُمر ((عمَّار)) ؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر، والجملة محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا ((كنَّا في سرِيَّة)) ؛ بتخفيف الراء، وتشديد المثناة التحتية: وهي القطعة من الجيش، يبلغ أقصاها أربع مئة يُبعث إلى العدو، وجمعها السَّرايا، سُموا بذلك؛ لأنَّهم يكونون خُلاصة العَسكر وخيارهم، من الشَّيء السِّري؛ وهو النَّفيس، وقيل: سُموا بذلك؛ لأنَّهم يبعثون سِرًّا وخُفْيةً، وليس هذا بالوجه؛ لأنَّ (لام) السِّر (راء) ، وهذه ياء، قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.

((فأجنبنا)) ؛ أي: صارَ جُنبًا، والجُنب يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، مذكرًا ومؤنثًا، كما قدمناه، ((وقال)) أي: عمَّار، أو عبد الرَّحمن الرَّاوي، وهذا هو الظَّاهر؛ فليحفظ: ((تفل فيهما)) ؛ أي: في اليدين، وهو بالمثناة الفوقية، قال الجوهري: (التَّفل: شبيه بالبزق، وهو أقلُّ منه، وأوله البزق، ثم التفل، ثم التفث، ثم النفخ، والمقصود منه: أنَّه قال مكان (نفخ فيهما) : (تفل فيهما) ؛ يعني: حين ضرب عمَّار بيديه الأرض؛ لأجل التيمم من الجنابة؛ تفل فيهما؛ لئلا يعلق فيهما شيء من الحجر الصغير، والتراب، وغيرهما؛ لئلا يتلوث وجهه، فيصير مثلة، ولا يخفى أنَّ التَّفل لا يبقي من التراب شيئًا على اليدين، بل ولا من الغبار؛ لأنَّه نفخٌ شديدٌ، فيزول ذلك عنهما بالكليَّة؛ فافهم.

وهذه روايته الثَّالثة، وأفادت: أنَّ عُمر رضي الله عنه كان قد أجنب، والدَّليل عليه: أنَّ اجتهاده خالف اجتهاد عمَّار؛ لأنَّ عمارًا [4] قد تيمم عن الجَنابة، وعمر لم يتيمم منها؛ لأنَّ عنده أنَّ الجنابة لا يجوز فيها غير الماء، كما قدمناه مفصلًا.

341- وبالسَّند إليه قال: ((حدثنا ابن كثير)) ؛ بالمثلثة: هو مُحمَّد ((قال: حدثنا شُعبة)) هو ابن الحجاج، ((عن الحَكَم)) ؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ أوله، ((عن ذرٍّ)) ؛ بالذَّال، والرَّاء: هو ابن عبد الله الهمْداني، ((عن ابن عبد الرَّحمن بن أبْزَى)) هو سَعِيْد؛ بكسر العين المُهملة، بن عبد الرَّحمن، ((عن أبيه)) هو عبد الرَّحمن ابن أبْزَى المذكور ((قال: قال عمَّار)) ؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر ((لعمر)) هو ابن الخطاب رضي الله عنهما: ((تمعَّكت)) وفي رواية: (تمرَّغت) ؛ ومعناه: تقلَّبت، وفي الرِّواية السَّابقة: (تمرَّغت كما تتمرَّغ الدَّابة) ؛ يعني: حين صار جُنبًا، قال عمَّار: ((فأتيت النَّبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) أي: في المدينة المنورة، فأخبره بما وقع له في سفره مع سيدنا عُمر، وأنَّه فعل بخِلاف ما اجتهده عُمر، ((فقال)) أي: النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم له: ((يكفيك الوجه)) أي: يكفيك مسح الوجه ((والكفين)) أي: مسحهما في التيمم، و (الكفين) ؛ بالنَّصب رواية أبي ذرٍّ، وكريمة، وفي رواية الأصيلي وغيره: (والكفان) ؛ بالرَّفع، وهو الظَّاهر؛ لأنَّه معطوف على (الوجه) ، وهو مرفوع على الفاعلية، والأحسن في وجه النصب: أن تكون (الواو) بمعنى: مع؛ أي: يكفيك الوجه مع الكفين، كذا قاله إمام الشارحين، وزعم الكرماني: أن (الواو) بمعنى: مع، أو الأصل مسح الوجه والكفين، فحُذِف المُضاف، وبقي المجرور به على ما كان عليه.

قال إمام الشَّارحين: (قلتُ: على قوله هذا ينبغي أن يكون (الوجه) أيضًا مجرورًا؛ كـ (الكفين) ، وهذا أوجه إن صحت الرِّواية به) انتهى.

قلت: لم تصح الرَّواية بهذا عن أحد من الرُّواة مع ما فيه من التَّكليف الذي هو غير مُحتاج إليه؛ فليحفظ.

لكنْ ذكر القسطلاني: أنَّه قيل: رُوِي (الوجهِ والكفينِ) ؛ بالجر فيهما، ووجهه ابن مالك بوجهين؛ أحدهما: أن الأصل: يكفيك مسح الوجه، فحذف المضاف، وبقي المجرور به على ما كان عليه، والثَّاني: أن تكون (الكاف) من (يكفيك) حرفًا زائدًا؛ كما في: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، ورده الدماميني، فقال: يدفعه كتابة (الكاف) متصلة بالفعل؛ أي: بقوله: (يكفي) انتهى.

قال القسطلاني: (والظَّاهر: ثبوت الجر رواية، فإنَّه ثابتٌ مع بقية الأوجه في «الفرع» المقابلة على نسخة اليونيني، وإنَّ ابن مالك حضره عند سماع البُخاري عليه) انتهى.

قلتُ: ولم يُصرِّح ابن مالك بأنَّ الجر ثابت، وتوجيهه هذا من جهة العربية لا يدل على ثُبوته، وثُبوته في الفرع المقابل لا يدلُّ على ثبوته؛ لاحتمال التَّحريف في الفرع، وعدم المقابلة سهوًا؛ فتأمل.

وزَعم ابن حجر في رواية أبي ذرٍّ: (يكفيك الوجه [/ص404/] والكفين) ؛ بالنَّصب فيهما على المفعولية بإضمار (أعني) ، أو التقدير: يكفيك أنْ تمسح الوجه والكفين.

وردَّه إمام الشَّارحين؛ حيث قال: (قلتُ: هذا كلام من ليس له مس من العربية؛ لأنَّ التَّقدير الأول: يبقي الفعل ثلاثًا بلا فاعل، وهو لا يجوز، وفي الثاني: أخذ فاعله؛ فلا يحتاج إلى هذا التقدير؛ لعدم الدَّاعي إلى ذلك، والوجه ما ذكرناه) انتهى كلامه.

ثُمَّ قال: (ويُستنبط منه: أنَّ التَّيمم: هو مسح الوجه والكفين لا غير، وإليه ذهب جماعة؛ منهم: أحمد ابن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول الشَّافعي في القديم، رواه عنه أبو ثور، كما قاله النَّووي، وأنكره الماوردي وغيره، قال: (وهو إنكار مردود؛ لأنَّ أبا ثور ثِقة) انتهى.

والجُمهور على خلاف هذا كما بيناه فيما سبق.

قال إمام الشَّارحين: والمراد من هذا الحديث: بيان صورة الضَّرب؛ للتَّعليم، لا لبيان جميع ما يحصل به التَّيمم) انتهى.

قلتُ: يدلُّ عليه الأحاديث التي قدمناها من أنَّه عليه السَّلام قال: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المِرفقين»، وقياسًا على الوضوء، فإنَّه تعالى قال: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43] ، واليد: من رؤوس الأصابع إلى الكتف، والغاية في الوضوء دلت على الغاية في التيمم، و (الكفُّ) لا يقال له: يد عند أهل اللُّغة وغيرهم، فثبت أن المُراد بهذا: بيان التَّعليم، لا بيان الكيفية؛ فليحفظ.

وزَعمَ ابن حجر أنَّ سياق الكلام يدلُّ على أنَّ المُراد: جميع ما يحصل به التَّيمم؛ لأنَّ ذلك هو الظَّاهر من قوله: «إنَّما يكفيك»، انتهى.

قلتُ: وهذا مردودٌ، فإن سياق الحديث يدلُّ على التَّعليم؛ لأنَّ في مَعْرِض ذلك؛ لأنَّ عمَّارًا قد فعل التَّمعك، وحين جاءه عليه السَّلام قال له: «إنَّما يكفيك...»؛ إلخ، فهو بيان للتَّعليم، لا بيان وجه الكيفية، ولو كان مراده بيان الكيفية؛ لكان ضرب النَّبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يديه الأرض، وأراه صفة التَّيمم، فعبَّر عليه السلام بالكفين مجازًا عن اليدين؛ لأنَّهما أول اليدين، فعبَّر بالبعض عن الكُلِّ، ولهذا نظائر في لسان العرب وكلامهم.

وقوله: (لأنَّ ذلك هو الظَّاهر) غير ظاهر، بل هو فاسد؛ لأنَّه إذا كان في ذلك أحاديث كثيرة؛ بعضها مرفوع، وبعضها موقوف؛ كيف يعدل عنها إلى هذا مع مخالفته القرآن العظيم، وأفعال الصَّحابة رضي الله عنهم؟!

ومع هذا قال الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي وغيره: (إن حديث عمَّار لا يَصلُح حجَّة في كون التَّيمم إلى الكفين، أو إلى الكوعين، أو إلى المرفقين، أو إلى المنكبين، أو إلى الإبطين، كما ذهبت إلى كلِّ واحدة طائفةٌ من أهل العلم، وذلك لاضطرابه كما رأيت؛ ولذلك قال التِّرمذي: (وقد ضعَّف بعض أهل العلم حديث عمَّار في التيمم للوجه والكفين كما روي عنه حديث المناكب والإباط) انتهى.

قلت: ولم يُنقل عن أحد من أهل العلم أنَّه ضعَّف رواية عمَّار في التَّيمم للوجه واليدين إلى المرفقين؛ لأنَّها رُوِيت مرفوعة إلى النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بأسانيد صحيحة؛ لأنَّها موافقة للقرآن الكريم، وقد رُويت أيضًا موقوفة، ورُويت آثار كثيرة عن الصَّحابة والتَّابعين فيها، وإذا انضمت الطُّرق بعضها إلى بعض؛ تقوَّت غاية التقوِّي،فلا سبيل إلى العُدول عنها، وقد بسطنا الكلام عليه في الباب السَّابق؛ فليحفظ.

342- وبالسَّند إليه قال: ((حدثنا مُسلم)) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البَصريُّ ((قال: حدثنا شُعبة)) هو ابن الحجاج، ((عن الحَكَم)) ؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة، ((عن ذرٍّ)) هو ابن عبد الله الهمْداني، ((عن ابن عبد الرَّحمن بن أبْزَى)) هو سَعِيْد؛ بكسر العين المهملة، ((عن عبد الرَّحمن)) هو ابن أبْزَى، ووالد سَعِيْد المذكور ((قال: شهدت)) أي: حَضَرت ((عُمر رضي الله عنهما)) هو ابن الخطَّاب أمير المؤمنين رضي الله عنه ((قال)) وفي رواية: (فقال) ((له)) أي: لعُمر ((عمَّار)) هو ابن ياسر، والجملة محلها نصب؛ لأنَّها حالية، ((وساق الحديث)) ؛ الألف واللام لـ (العهد) ؛ أي: المذكور آنفًا، وهذه روايته الخامسة.

343- وبالسَّند إليه قال: ((حدثنا محمَّد بن بشَّار)) بالموحدة، وتشديد المعجمة ((قال: حدثنا غُنْدَر)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وهو لقب محمَّد بن جعفر البَصري ((قال: حدثنا شُعبة)) هو ابن الحجاج، ((عن الحَكَم)) ؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ أوله، ((عن ذرٍّ)) هو ابن عبد الله الهمداني، ((عن ابن عبد الرَّحمن بن أبْزَى)) هو سَعِيْد؛ بكسر العين المهملة، ((عن أبيه)) هو عبد الرَّحمن بن أبْزَى المذكور: ((قال عمَّار)) بتشديد الميم: هو ابن ياسر ((فضرب النَّبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) حين أخبره بما فعله في السفر ((بيده)) بالإفراد ((الأرض)) أي: وجهها ((فمسح وجهه وكفيه)) ؛ يعني: بيد واحدة، ولا ريب أنه يصير مستعملًا وليس له وجه غير أنَّه مُضطرب الرِّواية، فلا يَصْلُح حجَّة أصلًا، ولم يسق المؤلف هذا الحديث تامًّا من رواية أحد من أشياخه الستة المذكورين، ولم يذكر جواب عُمر، وليس ذلك من المؤلف، وأخرجه البيهقي من طريق آدم كذلك، وذكر جوابه مسلم من طريق يحيى بن سَعِيْد، والنَّسائي من طريق حجاج بن محمَّد؛ كلاهما عن شُعبة، ولفظهما فقال: (لا تُصلِّ) ، زاد السَّراج: (حتى تجد الماء) ، وهذا مذهب عُمر، ووافقه عليه ابن مسعود، ولكن قدمنا أنهما رجعا عن ذلك كله، وقالا بجواز التَّيمم عن الجَنابة، كما قدمناه مفصَّلًا؛ فافهم.

والظاهر: أن المؤلف أراد بتعدد الرِّواية: بيان تعدد أشياخه في هذا الحديث كما هو عادته في جملة من الأبواب، وليس مُراده: التَّقوية؛ لما علمت من نصِّ الحافظ الطحاوي وما قاله الترمذي، وقد مضى الكلام في ذلك مستوفًى، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.

[1] في الأصل: (ولدان)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (ولكن لِيُطَهِركم به) ، ربما اشتبه عليه الآية التي في سورة الأنفال: {لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} [الأنفال: 11] .
[3] في الأصل: (المائة) ، ولعله تحريف.
[4] في الأصل: (عمار)، والمثبت هو الصواب.