المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

335-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ [1] ، قالَ: حَدَّثَنا [2] هُشَيْمٌ.

(خ) وَحدَّثني [3] سَعِيدُ بنُ النَّضْرِ، قالَ: أخبَرَنا هُشَيْمٌ، قالَ: أخبَرَنا سَيَّارٌ، قالَ: حدَّثنا يَزِيدُ _هو ابْنُ صُهَيْبٍ_ [4] الفَقِيرُ، قالَ:

أخبَرَنا [5] جابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغانِمُ [6] وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ، وَكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلىَ قَوْمِهِ خاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عامَّةً».

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي زيادة: «هو العَوَقِي».
[2] في رواية [عط] : «أخبَرَنا».
[3] في رواية الأصيلي: «وحدَّثنا». وفي متن (ب، ص): «خ قال: وحدَّثني».
[4] قوله: «هو ابْنُ صُهَيْبٍ» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وزاد في (و) نسبة عدم وجوده إلىَ رواية [عط] أيضًا، وهو موافق لما في السلطانية مخالف لما في (ب )، إذ فيها إثباته في رواية [عط] . «لا الحمرة إلىَ»
[5] في رواية [عط] : «حدَّثنا».
[6] هكذا في روايةٍ للسَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا (ب، ص)، وفي رواية الأصيلي ورواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي وأخرىَ للسَّمعاني عن أبي الوقت: «الغنائم».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

335- ( مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ) بنونين.

( النَّضْرِ ) بضاد معجمة.

( سَيَّارٌ ) بياء مثناة مشددة.

( يَزِيدُ الْفَقِيرُ ) بفتح الياء المثناة تحت والزاي، كان بفقار ظهره علة ولم يكن فقيرًا من المال.

( فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ [1] ) ( أيُّ ): مبتدأ فيه معنى الشرط، و( ما ) زائدة لتوكيد الشرط، وجملة ( أدركته ) في موضع خفض صفة لرجل، والفاء في ( فَلْيُصَلِّ ): جواب الشرط.

[1] رواية البخاري: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ».





335# (ابْنُ سِنَانٍ) واحد الأسِنَّة.

@%ج1ص165%

(يَزِيدُ) من الزيادة.

(ابن [1] الْفَقِيرُ) أي: الذي به علَّة في فَقَار [2] ظَهْره، وليس المراد: الفقيرَ [3] من المال.

(نصُرْتُ بِالرُّعْبِ) وهو الخوف؛ لتوقُّع محذور.

(مَسِيرَةَ شَهْرٍ) قيَّد في الخصوصية المذكورة، وذلك لا ينفي وجودَ الرعب من غيره في أقلِّ من هذه المسافة، نعم، ويقتضي أنه لم يوجد لغيره في هذه المسافة، و [4] لا في أكثرَ منها.

(مَسْجدًا) الظاهر أنَّه من مجاز التشبيه؛ إذ المسجدُ حقيقةٌ عرفيةٌ في المكان المبني للصَّلاة، فلمَّا جازت الصلاة في الأرض كلِّها، كانت كالمسجدِ في ذلك، فأطلقَ عليها اسمه.

فإن قيل: أيُّ [5] داعٍ إلى العدول عن حمله على حقيقتهِ اللغوية، وهي موضع السجود؟

قلنا: إن بنينا على ما [6] مرَّ من قول سيبويه فواضحٌ، وإن جوِّز الكسرُ فيه [7] ، فالظَّاهر أن الخصوصيَّة هي كونُ الأرض محلًّا لإيقاع الصلاة بجملتها فيها، لا [8] لإيقاع السُّجود فقط؛ فإنه لم يُنقل عن الأمم الماضيَّة أنها كانت تخصُّ السجود بموضعٍ دون موضعٍ.

(وَطَهُورًا) أخذ منه بعض المالكية أنَّ لفظ [9] طَهور يُستعمل لا في رفع [10] حدثٍ [11] ، ولا إزالة [12] خَبَث، وتوسَّل بذلك إلى القدح [13] في استدلال الشَّافعية على نجاسة الكلب بقوله صلى الله عليه وسلم: ((طَهُورُ إناءِ أحدكُمْ إذا وَلَغَ فيهِ الكلْبُ أن يُغْسَلَ سبْعًا))؛ حيث قالوا: كلُّ [14] طهور يُستعمل إما عن حدثٍ، أو خبثٍ، ولا حدثَ [15] ، فتعين الخبثُ، فمنع هذا المالكيُّ الحصر بأنها تستعملُ في إباحة الاستعمال كما في التراب.

(وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) الأقربُ أن الألف واللام فيه للعهد، والمراد: شفاعتُه العُظمى [16] المختصَّةُ به بلا خلافٍ.

(وَكَانَ النَّبِيُّ [17] يُبعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ [18] عَامَّةً) لا يرد عليه أن نوحًا عليه السلام

@%ج1ص166%

بعد خروجه من الفلك كان مبعوثًا إلى أهل الأرض عامةً، وهم الناجون معه؛ إذ لم يبق إذ ذاك معه [19] غيرُهم؛ لأنَّ [20] هذا العموم لم يكن في أصل [21] البعثةِ، وإنما هو بحادثٍ، وعمومُ رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم ثابت في أصلِ البعثة [22] .

[1] كذا في الأصول، والصواب إسقاطها.
[2] في (ق): ((قفار)).
[3] في (ق): ((الفقر)).
[4] ((الواو)): ليست في (ج).
[5] في (ق): ((فأي)).
[6] ((ما)): ليست في (ق).
[7] في (ج): ((جوز الكف فيه)).
[8] ((لا)): ليست في (ق).
[9] في (د): ((لفظة)).
[10] ((رفع)): ليست في (د).
[11] في (ق): ((الحدث)).
[12] في (د) و(ج): ((لإزالة)).
[13] في (ق): ((العذر)).
[14] ((كل)): ليست في (ق).
[15] ((ولا حدث)): ليست في (ق).
[16] في (ق): ((للعظمى)).
[17] في (د) و(ج): ((النبي صلى الله عليه وسلم)).
[18] في (د) و(ج): ((للناس)).
[19] في (د) و(ج): ((لم يبق معه إذ ذاك)).
[20] في (ق): ((فإن)).
[21] في (ق): ((تكن في أهل)).
[22] من قوله: ((وإنما هو... إلى قوله: ...أصل البعثة)): ليست في (ق).





335- قَولُهُ: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ): هو ابن [1] بَشِير -بفتح الموحَّدة، وكسر الشِّين المعجمة- أبو معاوية السُّلميُّ الواسطيُّ، حافظ بغداد، عن عمرو بن دينار، وأبي الزُّبير، وعنه: أحمد، وابن مَعِين، وهَنَّاد، إمام ثقة مدلِّس، عاش ثمانين سنة، تُوفِّي سنة (183 هـ ) ، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان».

قَولُهُ: («ح» [قَالَ] : وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ): أمَّا (ح) ؛ فقد تقدَّم الكلام عليها في أوَّل هذا التَّعليق، وأمَّا (النَّضر) ؛ فهو بالضَّاد المعجمة، وهذا لا يشتبه بـ (نصر) ، وسببه أنَّ (نصرًا) بالصَّاد لا يأتي بالألف واللَّام، وإنَّما يأتي بهما: (النَّضر) بالمعجمة، وقد تقدَّم ذلك، إلَّا أنَّه قد يكون يشتبه على بعضهم ممَّن لا يعرف ذلك.

قَولُهُ: (أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ): هو بفتح السِّين المهملة، ثُمَّ مثنَّاة تحت مشدَّدة، وهو سيَّار بن سلامة، أبو المنهال، الرِّياحيُّ -بكسر الرَّاء، وبالمثنَّاة تحت- البصريُّ، عن أبيه، وأبي برزة، وعنه: شعبة، وحمَّاد بن سلمة، أخرج له الجماعة، وثَّقه ابن مَعِين والنَّسائيُّ.

قَولُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ الفَقِيرُ): هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الكوفيُّ، عنِ ابن عمر، وجابر، وعنه: أبو حنيفة، ومسعر، وجماعة، ثقة، وإنَّما قيل له: الفقير؛ لأنَّه كان يشكو فقار ظهره، كنيته أبو عثمان، قال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن مَعِين وغيره: ثقة، أخرج له الجماعة خلا التِّرمذيَّ.

قَولُهُ: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي...) ؛ فذكرها: (أعطيت) و (لَمْ يُعطَهنَّ): مبنيَّان لما لَمْ يسمَّ فاعلهما، ثمَّ [2] اعلم أنَّه اجتمع لي من الأحاديث التي وقفت عليها في الكتب السِّتَّة أو بعضها أو «المسند» أو [3] غير ذلك أنَّه أُعطيَه عليه الصَّلاة والسَّلام ولم يُعطَه أحدٌ قبله: النَّصر بالرُّعب (مسيرة شهر كما في «الصَّحيح»، وفي حديث السَّائب ابن أخت نمر: «فُضِّلت على الأنبياء بخمس»؛ فذكر منها: «نصرت بالرُّعب مسيرة شهر أمامي وشهرٍ [4] خلفي») [5] ، ومفاتيح الأرض، وحلُّ الغنائم، والأرضُ مسجدًا وطهورًا، والشَّفاعة؛ يعني: العظمى، وجوامع الكلم، وتسميته: أحمد، وأمَّته خير الأمم، وخُتِمَ به النَّبيُّون، والآيات من خواتيم سورة البقرة، والمفصَّل من القرآن، وجعل صفوف أمَّته كصفوف الملائكة، وفي «التِّرمذيِّ» في (التَّفسير): «فُضِّلت على الأنبياء بثلاث؛ بالصَّلوات الخمس، وغُفِر لمن لَمْ يشرك من أمَّتي المقحماتُ»، وذكر خصلة هي مذكورة فيما تقدَّم، وقال: (حسن صحيح) ، وفُضِّلَ أيضًا على النَّاس بأنَّ كلَّ نبيِّ سأل وهو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخَّر مسألته إلى يوم القيامة، «فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلَّا الله»، فيحتمل أن يكون تأخير المسألة، ويحتمل أنْ تكون الشَّفاعة، فإن كانت الشَّفاعة؛ فقد تقدَّمت، وإِلَّا؛ فهي غير ما ذكرت، ويحتمل أنْ يُعَدُّ [6] مع هذه الخصال استفتاح باب الجنَّة، فإنَّه أيضًا فُضِّل على النَّاس به، وسأذكرها في الشَّفاعات، (وفي «الشفا» لعياض: «وعرض عليَّ أمَّتي، فلم يخف عليَّ التَّابعُ من المتبوع») [7] ، واعلم أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام فُضِّل على النَّاس بأشياء كثيرة، المذكور هنا نوع منها.

[قَولُهُ: (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ): كذا في «الصَّحيح»، وروينا من حديث السَّائب ابن أخت نمر: «فُضِّلت على الأنبياء بخمس...»؛ فذكر منها: «ونُصِرْتُ بالرُّعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي».

قَولُهُ: (مَسْجِدًا): هو بكسر الجيم وفتحها، تقدَّم] [8] .

قَولُهُ: (وَطَهُورًا): هو بفتح الطَّاء، والمراد الطُّهر [9] ، ويجوز ضمُّها، وقد تقدَّم.

قَولُهُ: (وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، كذا في أصلنا، وفي نسخة أخرى: مبنيٌّ للفاعل.

قَولُهُ: (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ): هي الشَّفاعة العامَّة التي تكون في المحشر؛ لأن الشَّفاعة في الخاصَّة جُعِلت لغيره أيضًا، قال القاضي عياض: وقيل: شفاعة لا تُردُّ، قال: وقد تكون شفاعة بخروج مَنْ في قلبه مثقال ذرَّة من إيمان من النَّار؛ لأنَّ الشَّفاعة لغيره إنَّما جاءت قبل هذه، وهذه مختصَّة به كشفاعة المحشر) انتهى.

فائدة: للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شفاعاتٌ:

أولاهنَّ: الشَّفاعة العظمى، هذه التي تقدَّمت.

والثَّانية: في جماعة يدخلون الجنَّة بغير حساب.

والثَّالثة: في أناس قد استحقُّوا دخول النَّار، فلم يدخلوها [10] .

والرَّابعة: [/ج1ص137/] في جماعة دخلوا النَّار، فيخرجون منها.

والخامسة: في رفع درجات ناس في الجنَّة.

والأولى من خصائصه، وكذا الثَّانية، قال النوويُّ في «الرَّوضة»: (ويجوز أنَّ تكون الثَّالثة والخامسة أيضًا) ؛ يعني: تكونان من خصائصه، وما قاله في الثَّالثة قال القاضي عياض في «شرح مسلم» له كما نقله النَّوويُّ عنه: (إنَّه يشاركه فيها من شاء الله، وكذا نقله عنه القرطبيُّ في «التَّذكرة»، انتهى؛ أي [11] : والرَّابعة يشاركه فيها غيره من الأنبياء والعلماء والأولياء، وقال عياض القاضي: إنَّ شفاعته لإخراج من في قلبه مثقال حبَّة من إيمان مختصَّة به؛ إذ لَمْ تأت شفاعات لغيره إلَّا قبل هذه، وقد قدَّمت ذلك عنه.

والسَّادسة: تخفيف العذاب عن من استحقَّ الخلود فيها، كما في حقِّ أبي طالب.

فإن قيل: فما الجمع بين هذا وبين قوله: «لعلَّه تنفعه شفاعتي، ولولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل من النَّار»، وكذا [12] قوله تَعَالَى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] ؟

فجوابه [13] : أنَّها شفاعة بالحال لا بالمقال، فبسببه صلَّى الله عليه وسلَّم يُخفَّف عنه، أو أنَّ قوله تَعَالَى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} في الإخراج بالكليَّة، ذكر هذا القرطبيُّ.

والسَّابعة: شفاعته لمن مات بالمدينة المشرَّفة؛ لما روى التِّرمذيُّ وصحَّحه عنِ ابن عُمر رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من استطاع أنْ يموت بالمدينة؛ فليمت بها، فإنِّي أشفع لَمن مات بها».

والثَّامنة: شفاعته لمن صبر على لأواء المدينة وجهدها، وقد روى مُسْلِم من حديث أبي سعيد الخدريِّ وغيره مرفوعًا: «لا يثبت أحد على لأوائها [14] وجهدها إلَّا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة»، قال بعض أهل العلم: إنَّ [15] (أو) بمعنى: الواو، وجاء في رواية خارج الكتب من رواية ابن عمر: «كنت له شفيعًا، وكنت له شهيدًا»، وقد ذكروا في الكلام على: «كنت له شفيعًا أو شهيدًا» غيرَ ما ذكرت، والله أعلم؛ [منه ما قاله القاضي عياض في «شرح مسلم»: (قال بعض شيوخنا: «أو» هنا: للشكِّ، والأظهر عندنا: أنَّها ليست للشَّكِّ؛ لأنَّ هذا الحديث رواه جَابِر بن عَبْد الله، وسعد بن أبي وقَّاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفيَّة بنت عبيد عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويبعد اتِّفاق جميعهم على الشَّكِّ) انتهى] [16]

[وله صلَّى الله عليه وسلَّم شفاعة تاسعة: لفتح [17] باب الجنَّة، والشَّفاعة العظمى في الإراحة من كرب الموقف، وهما متغايرتان، وقد رواها مُسْلِم في «صحيحه» في (كتاب الإيمان): بكسر الهمزة، وهي: «فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يا أَبَانَا؛ اسْتَفْتِحْ لنا الجَنَّةَ...»؛ الحديث.

وله صلَّى الله عليه وسلَّم شفاعة عاشرة: وهي عنِ ابن عُمر رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من زار قبري؛ وجبت له شفاعتي»، رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث موسى بن هلال العبديِّ، عن عبيد الله بن عُمر، عن نافع، عنِ ابن عُمر به، وقد ذكر الرَّافعيُّ في (الحجِّ): «من زار قبري؛ فله الجنَّة»، رواه الدَّارقطنيُّ من رواية ابن عمر بلفظ: «من زار قبري؛ وجبت له شفاعتي»، سكت عنه عبد الحقِّ، وتعقَّبه ابن القطَّان، لكن أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، انتهى، قاله شيخنا [18] المؤلِّف في «تخريج أحاديث الرَّافعيِّ»، وعن ابن عمر [19] أيضًا قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم «من جاءني زائرًا لَمْ تنزعه حاجة إلَّا زيارتي؛ كان حقًّا عليَّ أنْ أكون له شفيعًا يوم القيامة»، رواه ابن السَّكن في كتابه المُسمَّى بـ«الصِّحاح»، انتهى، ذكرهما -أعني: الأوَّل والثالث- شيخنا المؤلِّف في «تخريج أحاديث المنهاج»، المُسمَّى بـ«التُّحفة».

وله شفاعة حادية عشرة: وهي في إجابة المؤذِّن: «ثمَّ صلَّى عليه؛ حلَّت عليه شفاعتي»، (رواه عَبْد الله بن عمرو كما رواه مسلم، ورواه البخاريُّ من حديث جَابِر بن عَبْد الله) [20] .

وله صلَّى الله عليه وسلَّم شفاعاتٌ جاءت في أحاديث، وكلُّها داخل فيما تقدَّم من الشَّفاعات، أو غالبها داخل فيما تقدَّم، والله أعلم] [21] .

[1] (ابن): سقطت من (ج) .
[2] (ثم): ليس في (ب) .
[3] في (ب): (وغير) .
[4] في النسخ: (شهرًا) ، وليس بصحيح.
[5] ما بين قوسين سقط من (ج) .
[6] في (ج): (تعد) .
[7] ما بين قوسين سقط من (ب) و (ج) .
[8] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[9] في (ب) و (ج): (المطهر) .
[10] (فلم يدخلوها): سقطت من (ج) .
[11] (أي): ليس في (ب) .
[12] (وكذا): ليس في (ب) .
[13] في (ب): (فجوابها) .
[14] في (ج): (لأواء المدينة) ، وهو مروي من غير هذه الطريق.
[15] (إنَّ): ليس في (ج) .
[16] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[17] في (ب): (يفتح) .
[18] (شيخنا): ليس في (ب) .
[19] في (أ): (وعنه) .
[20] ما بين قوسين سقط من (ب) .
[21] ما بين معقوفين سقط من (ج) .





335- (فَأَيُّمَا رَجُلٍ): زيدَ لفظُ (مَا) على (أَيُّ) ؛ لزيادةِ التَّعميمِ، وقالَ ابنُ المُلَقِّن: (زِيدَتْ لتوكيدِ الشَّرطِ، والفاءُ في «فَلْيُصَلِّ» جوابُ الشَّرطِ).

وقال في «شرح العُمدة»: («أَيُّ»: اسمٌ مبتدأٌ فيه معنى الشَّرطِ، و«مَا»: زائدةٌ لتوكيدِ معنى الشَّرطِ، والجملةُ الَّتي هيَ «أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ»: في موضعِ خفضٍ صفةً لـ«الرَّجُل»، والفاء في «فَلْيُصَلِّ»: جوابٌ للشَّرطِ، [والخبرُ محذوفٌ] [1] ؛ تقديرُه واللهُ أعلمُ: فيما يُقَصُّ عليكم، أو فيما فُرِضَ عليكم أيُّ ما رجلٍ... الحديث، وهو مِنْ بابِ قولِه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] ، و{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] ، وأشباهِ ذلك، على مذهبِ سيبويه؛ فإنَّه قدَّرَهُ: فيما يُتْلَى عليكم، أو: فيما فُرِضَ عليكم.

وقيل: الخبرُ ما بعدَه؛ كما تقولُ: «زيدٌ فاضْرِبْهُ»، وكأنَّ الفاءَ زائدةٌ، وعلى هذا «فَلْيُصَلِّ» الخبرُ، لكنْ فيه بُعْدٌ ـ كما قال الفاكهيُّ ـ مِنْ حيثُ إنَّ «أَيًّا» شَرْطٌ صريحٌ يقتضِي الجوابَ، ولا جوابَ له هنا إلَّا الفاءُ، بخلافِ الآيتينِ؛ فإنَّهما غيرُ صريحتينِ في الشَّرطِ، فتعيَّنَ الوجهُ الأوَّلُ؛ وهو حذفُ الخبرِ).

[1] ما بين معقوفين ليس في النسختين، وأُضيف لإقامة الكلام.





335- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المُهمَلة وتخفيف النُّون، زاد الأَصيليُّ: ((هو العَوَقِيُّ))؛ بفتح العين المُهمَلة والواو وكسر القاف، الباهليُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: ((أخبرنا)) (هُشَيْمٌ) [1] بضمِّ الهاء وفتح المُعجَمة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن بشيرٍ _بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجَمة_ الواسطيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثمانين ومئةٍ.

(ح) مُهمَلةٌ للتَّحويل _كما مرَّ_: (قَالَ) أي: البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((وحدَّثنا)) (سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون المُعجَمة، أبو عثمان، البغداديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) المذكور (قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ) بفتح السِّين المُهمَلة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره راءٌ، ابن أبي سيَّارٍ وَردان [2] الواسطيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر كما في «الفرع»: ((هو ابن صهيبٍ)) (الْفَقِيرُ)؛ لأنَّه كان يشكو فقار ظهره، الكوفيُّ، أحد مشايخ أبي حنيفة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي روايةٍ: ((حدَّثنا)) (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أُعْطِيتُ) بضمِّ الهمزة (خَمْسًا)؛ أي: خمس خصالٍ، وعند مسلمٍ من حديث أبي هريرة: «فُضِّلتُ [3] على الأنبياء بستٍّ [4] »، ولعلَّه اطلَّع أوَّلًا على بعض ما اختُصَّ به، ثمَّ اطَّلع على الباقي، وإلَّا؛ فخصوصيَّاته عليه الصلاة والسلام كثيرةٌ، والتَّنصيص على عددٍ لا يدلُّ على نفيِ ما عداه، وقد استوفيتُ من الخصائص جملةً كافيةً مع مباحثَ وافيةٍ في كتاب [5] : «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّدية»، ولله الحمد، وفي حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عن أحمد [6] : أنَّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عام غزوة تبوك (لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ) من الأنبياء (قَبْلِي) زاد في حديث ابن عبَّاسٍ: «لا أقولهنَّ فخرًا»، وظاهر الحديث أنَّ كلَّ واحدٍ من الخمس لم يكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك (نُصِرْتُ) بضمِّ النُّون، وكسر الصَّاد (بِالرُّعْبِ) بضمِّ الرَّاء: الخوف يُقذَف في قلوب أعدائي (مَسِيرَةَ شَهْرٍ) جعل الغاية شهرًا؛ لأنَّه لم يكن بين بلده وبين أحدٍ من أعدائه أكثر منه، (وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ) كلُّها (مَسْجِدًا) بكسر الجيم: موضع سجود، لا يختصُّ السُّجود منها [7] بموضعٍ دون آخر، أو [8] هو مجازٌ عنِ المكان المبنيِّ للصَّلاة، وهو من مجاز التَّشبيه؛ إذِ المسجد حقيقةٌ عرفيَّة في المكان المبنيِّ للصَّلاة، فلمَّا جازتِ الصَّلاة في الأرض كلِّها؛ كانت كالمسجد في ذلك، فأُطلِق عليها اسمه، فإن قلت: أيُّ داعٍ إلى العدول عن حمله على حقيقته اللُّغويَّة وهي موضع السُّجود؟ أجاب في «المصابيح»: بأنَّه إن بُنِيَ على قول سيبويه: أنَّه إذا أُرِيد به [9] موضع السُّجود؛ قِيلَ: مسجَدٌ؛ بالفتح فقط، فواضحٌ، وإن جُوِّز الكسر فيه؛ فالظَّاهر أنَّ الخصوصيَّة هي كون الأرض محلًّا، لإيقاع الصَّلاة بجملتها لا لإيقاع السُّجود فقط، فإنَّه لم يُنقَل عنِ الأمم الماضية أنَّها كانت تخصُّ السُّجود بموضعٍ دون موضعٍ. انتهى. نعم؛ نُقِلَ ذلك في رواية عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «وكان من قبل إنَّما يصلُّون في كنائسهم»، وهذا نصٌّ في موضع النِّزاع، فثبتت [10] الخصوصيَّة، ويؤيِّده ما أخرجه البزَّار من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحدٌ يصلِّي حتَّى يبلغ محرابه»، وعموم ذكر الأرض في حديث الباب مخصوصٌ بما نهى الشَّارع عن [11] الصَّلاة فيه، ففي حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه مرفوعًا: «الأرض كلُّها مسجدٌ إلَّا المقبرة والحمَّام» ورواه أبو داود، وقال التِّرمذيُّ: حديثٌ فيه اضطرابٌ، ولذا [12] ضعَّفه غيره، وفي حديث ابن عمر عند التِّرمذيِّ وابن ماجه: نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُصلَّى في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطَّريق وفي الحمَّام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله عزَّ وجلَّ». قال التِّرمذيُّ: إسناده ليس بالقويِّ [13] ، وقد تُكلِّم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه [14] ، (وَ) جُعِلَت ليَ الأرض (طَهُورًا)؛ بفتح الطَّاء، على المشهور، واحتجَّ به مالكٌ وأبو حنيفة على جواز التَّيمُّم بجميع أجزاء الأرض، لكن في حديث حذيفة عند مسلمٍ: «وجُعِلت لنا الأرض كلُّها مسجدًا»، وجُعِلَت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وهو خاصٌّ فيُحمَل العامُّ عليه، فتختصُّ الطَّهوريَّة [/ج1ص367/] بالتُّراب، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد في الرِّواية الأخرى عنه، ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ: «التُّربة» على خصوصيَّة التَّيمُّم بالتُّراب، فقال: تربة كلِّ مكانٍ ما فيه من ترابٍ أو غيره، وأُجيب: بأنَّه ورد في [15] الحديث المذكور بلفظ: «التُّراب»، رواه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث عليٍّ عند أحمد والبيهقيِّ بإسنادٍ حسنٍ: «وجُعِلَ التُّراب لي طهورًا»، (فَأَيُّمَا رَجُلٍ) كائنٍ (مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ) جملةٌ في موضع جرٍّ، صفةٌ لـ: «رجلٍ»، و«أيُّ»: مبتدأٌ فيه معنى الشَّرط، زِيد عليها «ما»؛ لزيادة التَّعميم، و«رجلٍ» مضافٌ إليه، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقيِّ: «فأيُّما رجلٍ من أمَّتي أتى الصَّلاة فلم يجد ماًء [16] ؛ وجد الأرض طهورًا ومسجدًا»، وعند أحمد: «فعنده طهوره ومسجده»؛ (فَلْيُصَلِّ) خبر المبتدأ؛ أي: بعد أن يتيمَّم، أو حيث أدركته الصَّلاة، (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنائِمُ) جمع: غنيمةٍ، وهي ما حُصِّل من الكفَّار بقهرٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كمسلمٍ: ((المغانم))؛ بميمٍ قبل الغين (وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي)؛ لأنَّ منهم من لم يُؤذَن له في الجهاد أصلًا، فلم يكن له مغانمُ، ومنهم من أُذِنَ له فيه، لكن كانتِ الغنيمة حرامًا عليهم بل تجيء نارٌ تحرقها (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) العظمى، أو لخروج من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ، أو التي لأهل الصَّغائر والكبائر، أو من ليس له عملٌ صالحٌ إلَّا التَّوحيد، أو لرفع الدَّرجات في الجنَّة، أو في إدخال قومٍ الجنَّة بلا حسابٍ، (وَكَانَ النَّبِيُّ) غيري (يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ) المبعوث إليهم (خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) قومي وغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر، وفي رواية أبي هريرة عند «مسلمٍ»: «وأُرسِلت إلى الخلق كافَّةً»، وهي أصرح الرِّوايات وأشملها، وهي مؤيِّدةٌ لمن ذهب إلى إرساله عليه الصلاة والسلام إلى الملائكة كظاهر آية «الفرقان» {ليكون للعالمين نذيرًا} [الفرقان: 1] .

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وبغداديٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والتَّحويل من سندٍ إلى آخر، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦438] ببعضه، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و«الصَّلاة».

[1] في هامش (ص): «قوله: «هُشَيْمٌ»: وكنيته أبو خازمٍ؛ بالخاء المُعجَمة والزَّاي، جاء رجلٌ من العراق يذاكر مالكًا الحديث، فقال مالكٌ: وهل بالعراق أحدٌ يحسن يحدِّث إلَّا ذاك الواسطيُّ؟ يعني: هشيمًا، وهو أحد أئمَّة الحديث، وقال ابن عونٍ: مكث هشيمٌ يصلِّي الصبح بوضوء العشاء الآخرة قبل أن يموت عشر سنين».
[2] في هامش (ص): «قوله: «وَردان»؛ بفتح الواو، ويُكنَّى أبا الحكَم؛ بفتح الكاف. انتهى».
[3] في هامش (ص): «قوله: «فُضِّلت»، قال ابن عبَّادٍ: حيث صرَّح صلَّى الله عليه وسلَّم بسبب تفضيله عليه السَّلام على الأنبياء؛ فذاك ظاهرٌ، وأمَّا إذا قال: «أعطاني الله كذا»، أو «خصَّني بكذا»؛ فلا يكون هذا سببًا لفضله، كما ورد: أنَّ الماء نبع من بين أصابعه عليه السَّلام، ونبع الماء من الحجر لموسى، فإذا قُوبِل بينهما؛ كانت معجزته عليه السَّلام أعظم من معجزة موسى؛ لأنَّ الله تعالى قال: {وإنَّ من الحجارة} [البقرة: 74] ، فلا يجوز لنا أن نأخذ الفضيلة من هذا؛ لعدم تصريحه عليه السَّلام بذلك، قال: لأنَّ الله لا يرضى بما لم يقله، وكذلك المُفضَّل والمُفضَّل عليه، قال رحمه الله: ولا أقول هذا بمنزلة من هدم قصرًا وبنى آخر، بل هو بمثابة من بنى القصرين جميعًا. انتهى. تقرير العلَّامة البابليِّ».
[4] «بستٍّ»: سقط من (م).
[5] في (ب) و(س): «كتابي».
[6] «عن أحمد»: سقط من (د).
[7] في (ص) و(م): «منه».
[8] في (ص) و(م): «و».
[9] «به»: ليس في (ص).
[10] في (ب) و(س): «فتثبت».
[11] في (م): «من».
[12] في (د): «وكذا».
[13] في (د): «إسناده ليِّنٌ، ليس بذاك القويِّ»، وفي (م): «بذاك القويِّ».
[14] قوله: «وعموم ذكر الأرض في حديث... في زيد بن جبيرة من قبل حفظه»، سقط من (ص).
[15] «في»: ليس في (م).
[16] في (م): «الماء».





335- ( حَدَّثَنَا محمَّد بْنُ سِنَانٍ، حدثَنَا هُشَيْمٌ [( ح )] [1] ، وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، أخبرنا هُشَيْمٌ ) لم يجمع البخاريُّ بين شيخيه في هذا الحديث مع كونهما حدَّثاه به عن هشيم؛ لأنَّه سمعه منهما مفترِّقين، وكأنَّه سمعه من محمَّد مع غيره، فلهذا جمع فقال: حدَّثنا، ومن سعيد وحده، فلهذا أفرد فقال: حدَّثني، وكأنَّ محمَّدا سمعه من لفظ هشيم، فلهذا قال: حدَّثنا، وكأنَّ سعيدًا قرأه أو سمعه يُقرأ على هشيم، فلهذا قال: أخبرنا.

ثمَّ إنَّ سياق المتن لفظ سعيد، وقد ظهر هذا بالاستقراء من صنيع البخاريِّ أنَّه إذا أورد الحديث عن غير واحد، فإنَّ اللَّفظ يكون للأخير، قاله ابن حجر.

( أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ ) بمهملة بعدها تحتيَّة مشدَّدة آخره راء: أبو الحكم بن وردان الغنويُّ الواسطيُّ البصريُّ.

( يَزِيدُ الْفَقِيرُ ) كان يشكو فقار ظهره فقيل له ذلك.

( أُعْطِيتُ خَمْسًا ) كذا من حديث أبي موسى وابن عبَّاس وجملة من الصَّحابة رضي الله عنهم.

ولمسلم من حديث أبي هريرة: «فُضِّلت على الأنبياء بستٍّ»، فذكر [/ج1ص421/]أربعًا من هذا الخمس، وزاد ثنتين: «وأعطيت جوامع الكلم، وخُتم بي النَّبيون».

ولمسلم من حديث جابر: «فُضِّلنا على النَّاس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» الحديث، وفيه: «وذكر خصلة أخرى»، وقد بيَّنهما ابن خزيمة والنَّسائيُّ وهي: «وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش»، يشير إلى ما حطَّه عن أمَّته من الإصر، وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنِّسيان.

ولأحمد من حديث عليٍّ رضي الله عنه: «أُعطيت / أربعًا لم يعطهنَّ أحد من أنبياء الله: أعطيت مفاتيح الأرض وسُمِّيت أحمد، وجعلت أمَّتي خير الأمم»، وذكر خصلة التُّراب فصارت الخصال اثنتي عشرة، وقد يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التَّتبُّع.

وقد ذكر أبو سعيد النَّيسابوريُّ في «شرف المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم» أنَّ الذي اختصَّ به على الأنبياء ستُّون خصلة، ثمَّ لمَّا صنَّفت كتاب «المعجزات والخصائص» تتبَّعتها فزادت على المائتين.

( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ) زاد أحمد من حديث أبي أمامة: «يُقذف في قلوب أعدائي».

( مَسِيرَةَ شَهْرٍ ): بالنَّصب، لفظ رواية ابن عمرو، [عنده] [2] : «نُصرت على العدوِّ بالرُّعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر».

وفي الطَّبرانيِّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «نُصر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [على عدوِّه مسيرة شهرين»، وأخرج عن السَّائب بن يزيد مرفوعًا: «فُضِّلت على الأنبياء بخمس»، وفيه: «ونُصرت بالرُّعب] [3] شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي »، وهو مبيِّن لمعنى حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

( وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ ) زاد أحمد عن أبي أمامة: «ولأمَّتي»

( مَسْجِدًا ) أي: موضع سجود أي صلاة. وفي حديث ابن عمرو زيادة: «وكان من قبلي إنَّما يصلُّون في كنائسهم». [/ج1ص422/]

( وَطَهُورًا ) لمسلم من حديث حذيفة: «وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء»، ولأحمد عن عليٍّ: «وجعل لي التُّراب طهورًا»

( فَأَيُّمَا ): ( أيُّ ): مبتدأ، و ( ما ) زائدة للتَّأكيد.

( رَجُلٍ ): بالجرِّ مضاف إليه.

( أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ) للبيهقيِّ عن أبي أمامة: «أتى الصَّلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهورًا ومسجدًا»، ولأحمد عنه: «فعنده طهوره ومسجده».

( وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنائِمُ ) للكُشْمِيهنيِّ: «المغانم».

( وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ) قال الخطَّابيُّ: كان من قبله على ضربين، منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحلَّ لهم أكله، وجاءت نار فأحرقته.

( وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ) أي: العظمى في إراحة النَّاس من هول الموقف، واللَّام للعهد، قاله ابن دقيق العيد.

وقال ابن حجر: الظَّاهر أنَّ المراد هنا الشَّفاعة في إخراج من دخل النَّار ممَّن ليس له عمل صالح إلَّا التَّوحيد لقوله في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «وأعطيت الشَّفاعة فأخَّرتها لأمَّتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا»، وفي حديث ابن عمرو: «فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلا الله».

( وَكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ) اسُتشكل بنوح، فإنَّه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق، إلَّا أهل السَّفينة ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] ، وقد ثبت أنَّه أوَّل الرُّسل، وأجيب بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدَّته، وعلم نوح أنَّهم لم يؤمنوا فدعا على من لا يؤمن من قومه وغيرهم، ورُدَّ بأنَّه لم يُنقل أنَّه نُبِّىء في زمن نوح غيره.

وقال ابن عطيَّة: الظَّاهر أنَّ دعاءه قومه إلى التَّوحيد بلغ بقيَّة النَّاس [/ج1ص423/] لطول مدَّته، فتمادوا على الشِّرك فاستحقوا العذاب.

وأجاب ابن دقيق العيد بأنَّ التَّوحيد يجوز أن يكون عامًّا في حقِّ بعض الأنبياء وإن كان التزام فروع شريعته ليس عامًّا؛ لأنَّ منهم مَن قاتل غير قومه على الشِّرك ولو لم يكن التَّوحيد لازمًا لهم لم يقاتلهم.

وقال ابن حجر [رحمه الله: يحتمل] [3] أنَّه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلَّا قومه، فبعثه خاصَّة لكونها إلى قومه فقط لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتَّفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم.

قلت: هذا عندي أحسن الأجوبة، ويرشحه أمران:

أحدهما: قرب مدَّته من آدم، فكان النَّسب بينه وبين الموجودين نسبًا قريبًا غير بعيد، وهو المراد بالقوم.

والثَّاني: طول مدَّته، فإنَّ ألف سنة إلَّا خمسين عامًا ينتشر فيها من عشيرة الإنسان ما يملأ الأرض.

( وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً ) لمسلم: «وبعثت إلى كلِّ أحمر وأسود»، فقيل: العجم والعرب، وقيل: الإنس والجنُّ.

وله عن أبي هريرة: «وأرسلت إلى الخلق كافَّة». [/ج1ص424/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] : (حينئذ) والمثبت من غيرها
[2] ما بين معقوفتين في [ع] : (عند) وبعده بياض مقدار كلمة، والمثبت من غيرها
[3] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





88/335# قال أبو عبد الله: حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ، قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، قالَ: حدَّثنا سَيَّارٌ، عن يَزِيدَ الفَقِيرِ، قالَ:

حدَّثنا جابِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأَيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغانِمُ [1] ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ، وَكانَ النَّبِيُّ [2] يُبْعَثُ إلىَ قَوْمِهِ خاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عامَّةً».

قوله: (نصرتُ بالرعب مسيرة شهر [3] )

@%ص92%

معناه: أنَّ العَدُوَّ يخافني وبيني وبينه مسافة [4] شهر، وذلك من نصرة الله إيَّاه على العَدُوِّ.

وقوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً) فإنَّ أهل الكتاب لم تكن أُبيحت لهم الصلاة إلَّا في بيعهم وكنائسهم، ورَخَّص الله تعالى لهذه الأُمَّة أن يُصَلُّوا حيث أدركتهم الصلاة، وذلك من رحمة الله تعالى ورأفته بهم، تيسيراً [5] للطاعة، وتكثيراً لها؛ لِيَكْثُرَ عليها مثوبتهم، وإحدى هاتين اللفظتين [6] يدخُلها [7] التَّخصيص بالاستثناء المذكور في الخبر [8] الآخر، وهو قوله: «إلَّا الحَمَّام والمقبرة» [9] ، والخبر فيه مشهور صحيح، ويدخله التَّخصيص من جهة الإجماع، وهو النَّجَسُ من بقاع الأرض.

واللفظة الأخرى مُجملة، وبيانها في الحديث الآخر [10] ، من طريق حُذيفة [11] بن اليمان، أخبرناه إبراهيم بن عبد الله، قال: حدَّثنا محمَّد بن إسحاق، قال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الشَّهيد [12] ، قال: حدَّثنا ابن فُضيل، عن أبي مالك الأشجعِيِّ، عن ربعي بن حِراش، عن حذيفة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «جُعلت لنا الأرض كلُّها مسجداً، وجعل تُرابها لنا طهوراً إذا لم نجد الماءَ» [13] .

فبيَّن أنَّ التيمُّمُ إنَّما أبيح لنا بالتُّراب لا بسائر أجزاء الأرض، كالنُّورة والجِّص، ونحوهما من الجواهر [14] .

وقوله: (وأحلَّتْ لي المغانم) فإنَّ الأمم المتقدِّمة كانوا [15] على ضربين: منهم من لم يُبحْ للأنبياء جهاد الكفَّار منهم، فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أُبيح لهم جهادُهم، فكانوا إذا غنموا مالاً جاءت نارٌ فأحرقته، ولا يحلُّ لهم أن يمتلكوه [16] كما أبيح ذلك [17] لهذه الأمَّة، والحمد لله على ذلك.

وقوله [18] : (أعطيت الشفاعة) فإنَّها هي الفضيلة العظمى التي لم يشاركه

@%ص93%

فيها أحدٌ من الأنبياء، وبها [19] ساد الخلق كُلَّهم؛ حتَّى يقول: «أنا سيِّد ولدِ آدم». وذلك في القيامة، حين يَشْفعُ للخلق في الحساب، ولا يَشفَعُ غَيرُه.

حدَّثنا أبو العبَّاس محمَّد بن يعقوب المعقليُّ، قال: حدَّثنا محمَّد بن إسحاق الصغانيُّ، قال: حدَّثنا عمرو بن محمَّد الناقد، قال: حدَّثنا عمرو بن عثمان، قال: حدَّثنا موسى بن أعين، عن معمر بن راشد، عن محمَّد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف [20] ، عن عبد الله بن سلام، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدم ولا فَخرَ، وأنا أوَّلُ مَنْ تنشقُّ عنه الأرضُ [21] ، وأنا أوَّل شافعٍ ومُشفَّعٍ [22] ، بيدي لواء الحمد، تحتي آدم فمن دُونه» [23] .

قوله: (أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر) مع قوله: (لا يحلُّ لأحدٍ أن يقولَ: أنا خَيرُ من يُونسَ بن متَّى) [24] وقوله: (لا تُخَيِّروا بين الأنبياء) [25] مختلفان في الظاهر، ووجه الجمع بينهما أنَّ هذه السِّيادة [26] إنَّما هي في القيامة، إذْ [27] قُدِّم في الشفاعة [28] على جميع الأنبياء [29] ، وإنَّما مَنَعَ أن يُفَضَّلَ على غيره منهم في الدُّنيا وإن كان صلى الله عليه وسلم مُفضَّلاً في الدَّارين من قِبَل اللهِ عز وجل .

وقوله: (ولافَخْر) معناه: إنِّي إنَّما أقول هذا الكلام مُعتداً بالنِّعمة لا فَخراً واستكباراً، فَقَلَّ [30] مَنْ فَخَرَ إلَّا تَزَيَّد في فَخْرِه، يقول: إنَّ هذا القولَ ليس منِّي على سبيل الفَخر الذي يدخله التَّزيُّدُ والكِبر.

و (لواء الحمد): لم أزل أسأل عن معناه حتَّى وَجَدته [31] في حَديث يروى عن عقبة بن عامر: «إنَّ أوَّل من يدخل الجنَّةَ الحَمَّادُون اللهَ [32] على كُلَّ حال، يُعقَدُ لهم [33] لواءٌ [34] فيدخلون الجنَّة».

حدَّثنا ابن مالك، قال: حدَّثنا عُمرُ بن حفص

@%ص94%

السَّدُوسيُّ [35] ، قال: حدَّثنا عاصم بن عليٍّ، قال: حدَّثنا قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت [36] ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أوَّلُ مَنْ يُدعى إلى الجَنَّةِ الحمَّادون [37] ، الذين يحمدون الله على السَّرَّاء والضَّرَّاء» [38] .

[1] في النسخ الفروع: (الغنائم).
[2] في الأصل هنا زيادة ( صلى الله عليه وسلم ).
[3] (مسيرة شهر): ليس في (ط)
[4] في (ط): (مسيرة).
[5] في (ط): (وتيسيراً).
[6] في (ط): (اللَّفظين) على التذكير
[7] في (ط): (يدخلهما).
[8] في (ط): (الحديث).
[9] رواه أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري (492)
[10] في النسخ الفروع: (في خبر آخر).
[11] (حذيفة) سقط من (ط).
[12] في (ط) والفروع: (بن شهيد) بزيادة (بن).
[13] رواه مسلم في (4) وابن خزيمة في «صحيحه» (263).
[14] في (ط): (من الخواص).
[15] في النسخ الفروع: (وكان الأمم المتقدمة).
[16] في النسخ الفروع: (يملكوه).
[17] في النسخ الفروع: (وأبيح).
[18] في (ط): (وقد)
[19] (وبها) سقط من (ط)
[20] في (ط) و (أ) و (ر): (شعاف) بالعين المهملة
[21] في (ر): (الأرض عنه).
[22] في (ف): (وأول مشفع).
[23] رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري (4308) وانظر الترمذي (3148).
[24] في النسخ الفروع: (مع قوله: لا تفضلوني على يونس بن متى)، والحديث رواه الترمذي في الجامع، عن ابن عباس (183) بلفظ (لا ينبغي...).
[25] رواه أبو داود في السنن، عن أبي سعيد الخدري (4668).
[26] في (م): (السياد).
[27] في (ط): (إذا) وفي الفروع: (حين).
[28] في النسخ الفروع: (بالشفاعة).
[29] في النسخ الفروع: (سائر الخلق).
[30] في (ر): (فقال) محرفاً. وفي (أ): (فعل).
[31] في النسخ الفروع: (وجدت).
[32] في (أ): (لله).
[33] في النسخ الفروع زيادة: (يوم القيامة).
[34] قوله: (لواء) زيادة من (ط).
[35] في (أ): (الدوسي).
[36] في (ط): (حبيب بن ثابت)، وفي (م): (عن حسين بن أبي ثابت).
[37] في النسخ الفروع زيادة: (الله)، وفي (أ): (لله).
[38] أخرجه الطبراني في الكبير (12345)، وانظر شرح السنة للبغوي رقم (1270).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

335- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا محمَّد بن سِنَان)) بكسر السين المهملة، وتخفيف النون، زاد الأصيلي: (وهو العَوَقِي) ؛ بفتح العين المهملة، والواو، وكسر القاف، البصري الباهلي، ((قال: حدثنا)) وفي رواية: (أخبرنا) ((هُشَيْم)) بضمِّ الهاء، وفتح الشين المعجمة، وسكون التحتية، هو ابن بَشِير -بفتح الموحدة، وكسر الشين المعجمة- أبو معاوية الواسطي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومئة ببغداد، قال ابن عوف: (مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة قبل أن يموت بعشر سنين)

((ح)) مهملة، إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد: ((وحدثني)) بالإفراد، وللأصيلي: (وحدثنا) ((سَعِيْد)) بكسر العين المهملة ((بن النَّضْر)) بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، هو أبو عثمان البغدادي، مات بأصل جيحون، سنة أربع وثلاثين ومئتين ((قال: أخبرنا هشيم)) ؛ بالتصغير، هو المذكور، فالبخاري يروي عن هشيم بواسطة شيخين؛ أحدهما: محمَّد بن سنان، والآخر: سَعِيْد بن النضر ((قال: أخبرنا سَيَّار)) بفتح السين المهملة، وتشديد المثناة التحتية، آخره راء، هو ابن أبي سيار وردان أبو الحكَم -بفتح الكاف- الواسطي، وهو متفق على توثيقه، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يلق أحدًا منهم، فهو من كبار أتباع التابعين روى عنه: الأئمَّة الستة، ولهم شيخ آخر يقال له: سيار، لكنه تابعي شامي، أخرج له الترمذي، وروى معنى الحديث عن أبي أمامة، وتمامه في «عمدة القاري»، مات بواسط سنة اثنتين [1] وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا يزيد)) من الزيادة، زاد في رواية: (هو ابن صهيب) ؛ بالتصغير، والتخفيف ((الفقير)) ضد الغني، أبو عثمان الكوفي أحد مشايخ الإمام الأعظم رئيس المجتهدين رضي الله عنه، وإنَّما قيل له الفقير؛ لأنَّه كان يشكو فقار ظهره، ويقال له: فقِّير؛ بالتشديد أيضًا ((قال: أخبرنا)) وفي رواية: (حدثنا) ((جابر بن عبد الله)) هو الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه: ((أن النبيَّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم قال)) أي: في عام غزوة تبوك، كما رواه أحمد ابن حنبل، وسيأتي: ((أُعطيت)) بضمِّ الهمزة مبني للمفعول، والمعطي هو الله الواحد القهار، فهو معلوم لكل مخلوق ((خمسًا)) أي: خمس خصال، وعند مسلم من حديث أبي هريرة: «فُضِّلت على الأنبياء عليهم السلام بستٍّ: أعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبوة...»؛ الحديث، وعنده أيضًا من حديث حذيفة: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء»، ولفظ الدارقطني: «وترابها طهورًا»، وعند النسائي: «وأوتيت هؤلاء الآيات آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي، ولا يعط منه أحد بعدي»، وعند أبي محمَّد الجارود في «المنتقى» من حديث أنس رضي الله عنه: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا»، وعن أبي أمامة: أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إن الله تعالى قد فضلني على الأنبياء»، أو قال: «أمتي على الأمم بأربع: جعل الأرض كلَّها لي ولأمتي طهورًا ومسجدًا؛ فأينما أدركت الرجل الصَّلاة من أمتي؛ فعنده مسجده، وعنده طهوره، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي...»؛ الحديث، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود: «وأوتيت [2] الكوثر»، وفي حديث علي رضي الله عنه عند أحمد: «وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم»، وعند أحمد أيضًا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه عليه السلام قال ذلك عام غزوة تبوك»، وفي حديث السائب ابن أخت النمر: «فضلت على الأنبياء عليهم السلام بخمس: أرسلت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم».

قال إمام الشارحين: (السائب المذكور: هو ابن يزيد بن سعد [/ص388/] المعروف بابن أخت نمر، قيل: إنه ليثي كناني، وقيل: أزدي، وقيل: كندي حليف بني أمية، ولد في السنة الثانية، وخرج في الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم مقدمه من تبوك، وشهد حجة الوداع، وذهبت به خالته، وهو وجيع إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فدعا له ومسح برأسه، وقال: (نظرت خاتم النبوة) ، وفي «تاريخ نيسابور» للحاكم: «وأحل لي الأخماس»، وإذا تأملت؛ وجدت هذه الخصال اثنتي عشرة [3] خصلة ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك عند إمعان التتبُّع، وقد ذكر أبو سَعِيْد النيسابوري في كتابه «شرف المصطفى» أن الذي اختص به نبينا عليه السلام ستون خصلة) انتهى.

قلت: وقد ذكر الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد المنيني العثماني في كتابه «الخصائص»: (أن الذي اختص به نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم فوق المئة) ، وذكر السيوطي منها نحو السبعين، وذكر القسطلاني في «المواهب» بعضًا منها، ولم أر أجمع من كتاب «الخصائص» للمنيني، فإنَّه مفيد جدًّا، لم يسبق بنظيره رحمه الله تعالى.

قال إمام الشارحين: (فإن قلت: بين هذه الروايات تعارض؛ لأنَّ المذكور فيها الخمس، والست، والثلاث.

قلت: لا تعارض؛ لأنَّ التنصيص على عدد لا يدل على نفي ما عداه، وقد علم في موضعه) ، وأجاب القرطبي: بأن ذكر الأعداد لا يدل على الحصر؛ فإن من قال: عندي خمسة دنانير مثلًا؛ لا يدل على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول مرة أخرى: عندي عشرون، ومرة أخرى: ثلاثون، فإن من كان عنده ثلاثون؛ صدق عليه أن عنده عشرين وعشرة؛ فلا تعارض ولا تناقض، ويجوز أن يكون الرب سبحانه وتعالى أعلمه بثلاث، ثم بخمس، ثم بستٍّ) انتهى.

((لم يعطهن أحد)) أي: من الأنبياء ((قبلي)) يعني: لم يجمع لأحد قبله هذه الخمسة؛ لأنَّ نوحًا عليه السلام بعث إلى كافة الناس، وأما الأربع؛ فلم يعط واحد منهن قبله أحد، وأما كونها مسجدًا؛ فلم يأت أن غيره منع منها، وقد كان عيسى عليه السلام يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصَّلاة، كذا قاله الداودي.

قلت: وفيه نظر، فإن قوله: (فلم يأت...) إلخ ممنوع؛ فقد أخرج البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحدٌ يصلي حتى يبلغ محرابه»، وفي حديث آخر مرفوعًا: «وإنَّما كانوا يصلون في كنائسهم»، فهذا نص ثابت للخصوصية.

وظاهر حديث الباب أنَّ كل واحد من الخمس لم يكن لأحد قبله، وهو كذلك، وزاد في حديث ابن عباس: (لا أقولهن فخرًا) ؛ فليحفظ.

وقوله: (وقد كان عيسى...) إلخ لا ينهض دليلًا لمدعاه؛ لأنَّه يحتمل أن عيسى عليه السلام يسيح في الأرض، ويرجع ويصلي في الكنيسة، ويدل لذلك أن الصَّلاة كانت في شريعته ومن قبله صلاتان؛ صلاة عند طلوع الشمس، وصلاة عند غروبها، قال الله تعالى: {...} [4] ، فإذا كان كذلك فعيسى يصلي أول النهار في محرابه، ثم يسيح إلى أن يقرب الغروب فيرجع فيصلي في محرابه، كما لا يخفى.

وزعم ابن حجر أن نوحًا عليه السلام بعد خروجه من السفينة كان مبعوثًا إلى كل من في الأرض؛ لأنَّه لم يبق إلا من كان مؤمنًا، وقد كان مرسلًا.

وردَّه إمام الشارحين: (بأن هذا العموم الذي في رسالته لم يكن في أصل البعثة، وإنَّما وقع لأجل الحادث الذي حدث؛ وهو انحصار الخلق في الموجودين معه بهلاك سائر الناس وعموم رسالة نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في أصل البعثة) انتهى.

ثم قال: (وزعم ابن الجوزي أنه كان في الزمان الأول إذا بعث إلى قوم؛ بعث غيره إلى آخرين، وكان يجتمع في الزمان الواحد جماعة من الرسل، فأمَّا نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإنَّه انفرد بالبعثة، فصار بذلك الكل من غير أن يزاحمه أحد) انتهى.

ثم قال إمام الشارحين: (فإن قلت: يقول أهل الموقف لنوح، كما صح في حديث الشفاعة: (أنت رسول إلى أهل الأرض) ؛ فدل على أنه كان مبعوثًا إلى كل من في الأرض.

قلت: ليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، ولئن سلمنا أنه كان مرادًا؛ فهو مخصوص بتنصيص القرآن؛ حيث أخبر سبحانه وتعالى في عدة آيات أنَّ إرسال نوح إلى قومه، ولم يذكر أنَّه أرسل إلى غيرهم) انتهى.

قلت: أمَّا النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإنَّه سبحانه وتعالى قال في حقه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ: 28] والفرق بينهما بيِّن؛ فافهم، ثم قال إمام الشارحين: (فإن قلت: لو لم يكن نوح مبعوثًا إلى أهل الأرض كلهم؛ لما أهلك كلهم بالغرق إلا أهل السفينة؛ لقوله عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] .

قلت: قد يجوز أن يكون غيره أرسل إليهم في ابتداء مدة نوح، وعلم نوح بأنَّهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم، قيل: هذا جواب حسن، ولكن لم ينقل أنَّه نبئ في زمن [نوح] غيره.

قلت: يحتمل أنَّه قد بلغ جميع الناس دعاؤه قومه إلى التوحيد؛ فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسيره سورة هود، قال: (وغير ممكن أنَّ نبوته لم تبلغ القريب؛ لطول مدته) ، وقال القشيري: (توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامًّا في حق بعض الأنبياء وإن كان إلزام فروع شريعته ليس عامًا؛ لأنَّ منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازمًا لهم؛ لم يقاتلهم) .

قلت: وفيه نظر لا يخفى، وأجاب ابن حجر: بأنَّه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح؛ فبعثته خاصة؛ لكونها إلى قومه فقط؛ لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود غيرهم؛ لم يكن مبعوثًا إليهم.

قلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّه يكون بعثته عامة لقومه؛ لكونهم الموجودين، وعندي جواب آخر: وهو أن الطوفان لم يرسل إلا إلى قومه الذين هو فيهم ولم يكن عامًّا، وهو جيد إن شاء الله تعالى، انتهى كلام إمامنا إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الحليم الباري.

((نُصِرت)) بضمِّ النون، وكسر الصاد المهملة ((بالرُّعْب)) ؛ بضمِّ الراء، وسكون العين المهملتين؛ الخوف، زاد أبو أمامة: (يقذف في قلوب أعدائي) ، كما ذكرناه، وقرأ ابن عامر، والكسائي: (الرعُب) ؛ بضمِّ العين، والباقون [/ص389/] بسكونها، يقال: رعبت الرجل أرعبه رعبًا؛ أي: ملأته خوفًا، ولا يقال: أرعبته، كذا ذكره أبو المعالي، وحكي عن أبي طلحة: (أرعبته ورعبته، فهو مرعب) ، وفي «المحكم»: (فهو رعيب ورعبة ترعيبًا وترعابًا فرعب) ، وفي «الجامع»: (رعبته فأنا راعب، ويقال: رعب، فهو مرعوب، والاسم الرعب؛ بالضم) ، وفي «الموعب»: (رجل رعب ومرتعب، وقد رعب ورعب) ، كذا في «عمدة القاري»، ((مسيرة)) بفتح الميم ((شهر)) جعل الغاية شهرًا؛ لأنَّه لم يكن بين المدينة وبين أحد من أعدائه أكثر منه، كذا في «عمدة القاري»، ((وجعلت)) بضمِّ الجيم ((لي)) زاد أبو أمامة: ((ولأمتي)) ((الأرض)) كلها ((مسجدًا)) ؛ بكسر الجيم؛ موضع سجوده، وهو موضع الجبهة على الأرض، ولم يكن اختص السجود منها بموضع دون موضع آخر، ويحتمل أن يكون المراد من المسجد: هو المسجد المعروف الذي يصلي فيه القوم، فإذا كان جوازها في جميعها؛ كان المسجد المعهود كذلك، قاله إمام الشارحين.

قلت: وعلى هذا الاحتمال؛ فهو مجاز عن المكان المعد للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّ المسجد حقيقة عرفية في المكان المبني للصلاة، فلما جازت الصَّلاة في الأرض كلها؛ كانت كالمسجد في ذلك، فأطلق عليها اسمه.

فإن قلت: فعلى هذا الاحتمال؛ لم [5] عدلوا عن حمله على الحقيقة اللغوية؛ وهي موضع السجود؟

قلت: أجاب في «المصابيح»: (بأنه إن بني على رأي سيبويه أنه إذا أريد به موضع السجود؛ يقال: مسجَد بالفتح فقط؛ فواضح، وإن جوز الكسر فيه؛ فالظاهر أن الخصوصية هي كون الأرض محلًا؛ لإيقاع الصَّلاة بجملتها، لا لإيقاع السجود فقط، فإنه لم ينقل عن الأمم الماضية أنها كانت تخص السجود بموضع دون موضع آخر) انتهى.

قلت: وهذا مردود، فإن من كان قبل نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من الأنبياء عليهم السلام إنَّما أبيح لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس، ويدل لهذا: قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: {فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ} [آل عمران: 39] ، وأخرج أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «وكان من قبل إنَّما يصلون في كنائسهم»، وأخرج البزار من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه»، فهذا نص صريح في موضع النزاع، فتثبت الخصوصية، فهذه الأمة المحمَّدية خصت بجواز الصَّلاة في جميع الأرض، إلا في المواضع المستثناة بالشرع، أو موضع تيقنت نجاسته، ففي حديث أبي سَعِيْد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، رواه أبو داود، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله عز وجل) ، رواه الترمذي وابن ماجه.

وقد أخذ الإمام أحمد بظاهرهما؛ فمنع صحة الصَّلاة في هذه المواضع، ورد بأن حديث أبي سَعِيْد قد طعن في سنده الحفاظ، وقال الترمذي: (فيه اضطراب) ، وقال غيره: إنه ضعيف، وحديث ابن عمر قد تكلم في رجال سنده الثقات، وقال الترمذي: (إسناده ليس بالقوي) ، وقال غيره: إنه ضعيف، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، فلهذا قال الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: الصَّلاة في هذه المواضع مكروهة، وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى.

قال إمام الشارحين: (فإن قلت: كان عيسى عليه السلام يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصَّلاة.

قلت: ذكر «مسجدًا وطهورًا» وهذا مخصوص بالنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيث كان يجوز له أن يصلي في أي موضع أدركته الصَّلاة فيه، وكذلك التيمم) انتهى.

قلت: وقدمنا ما فيه قريبًا، فلا تكن من الغافلين.

((و)) جعلت لي الأرض ((طهورًا)) ؛ بكسر الطاء المهملة؛ لأنَّ المراد به الآلة، وهو كل ما على وجه الأرض، وبالفتح: مصدر بمعنى: النظافة، وبالضم: فضل ما يتطهر به، هذا هو المشهور، فقول القسطلاني: (بفتح الطاء على المشهور) غير مشهور عند الجهمور؛ فافهم، و (أل) في (الأرض) للجنس؛ فيشمل جميع أجزائها، فوصفها النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بالطهارة، وهذا يدل على أنه يجوز التيمم بجميع أجزاء الأرض؛ كالتراب، والرمل، والحجر الأملس المغسول، والجص، والنورة، والزرنيخ، والكحل، والكبريت، والتوتياء، والطين الأحمر، والأسود، والأبيض، والحائط المطين، والمجصص، والياقوت، والزبرجد، والبلخش، والفيروزج، والمرجان، والأرض الندية، والطين الرطب، والآجر، ومسكوك الذهب والفضة، والخليط بالتراب إذا كان التراب غالبًا، وبالخزف، والحديد، والنحاس، وشبههما ما داما على الأرض، فإن جميع هذا أجزاء الأرض بخلاف غيرها؛ كالثلج، فإنه لا يجوز، ومثله الزجاج، وكذا التراب ونحوه المستعمل في التيمم، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس الأئمَّة، وهو قول الأوزاعي، وسفيان الثوري، وجوزاه بالثلج، والمسك، والزعفران أيضًا.

وقال مالك: يجوز بالتراب، والرمل، والحشيش، والشجر، والثلج، والجص، والآجر.

وقال الشافعي، وأحمد: لا يجوز التيمم إلا بالتراب الذي له غبار.

وتعلقًا بحديث حذيفة عند مسلم: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا»، ورد بأن الأصيلي قال: (تفرد أبو مالك بهذه اللفظة، وليست ثابتة عند بقية الرواة) ، وقال القرطبي: (لا يظن أن ذلك مخصص له، فإن التخصيص إخراج ما يتناوله العموم عن الحكم، ولم يخرج هذا الخبر شيئًا، وإنما عين واحدًا مما يتناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] ، وقوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّالِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] وغير بعض ما يتناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف، ولذلك ذكر التوبة في حديث حذيفة، ويقال: الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب ممنوع؛ لأنَّ تربة كل مكان ما فيه من تراب وغيره، وأجاب ابن حجر، فزعم أنه ورد في الحديث المذكور [/ص390/] بلفظ (التراب) ، أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي: «جعل لي التراب طهورًا»، أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، ورده إمام الشارحين بما ذكره القرطبي آنفًا، ثم قال: (على أن تعيين لفظ (التراب) في الحديث المذكور؛ لكونه أمكن وأغلب، لا لكونه مخصوصًا به، على أنا نقول التمسك باسم الصعيد أولى؛ وهو وجه الأرض، وليس باسم للتراب فقط، بل هو وجه الأرض ترابًا كان أو صخرًا لا تراب عليه أو غيره) انتهى.

قلت: وهو وجيه؛ فإنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الصعيد هو وجه الأرض ترابًا أو صخرًا، أملس أو غيرهما كما قاله الزجاج، وبه صرح القرآن في عدة آيات، فالآية مطلقة، والحديث إن صح خبر واحد، ولا يجوز تقييد إطلاق الآية بخبر الواحد؛ لأنَّه نسخ، وهو لا يجوز عند المحققين، فالحق ما عليه إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، ويدل لما قاله قوله: ((فأيما رجل)) ؛ لفظة (أي) مبتدأ يتضمن معنى الشرط، ولفظ (ما) زيدت لزيادة التعميم، ولفظ (رجل) مضاف إليه ((من أمتي)) متعلق بمحذوف؛ تقديره: كائن من أمتي ((أدركته الصَّلاة)) : جملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها الجر؛ لأنَّها صفة (رجل) ، وفي رواية أبي أمامة: (فأيما رجل من أمتي أتى الصَّلاة فلم يجد ماء [6] ؛ وجد الأرض طهورًا ومسجدًا) ، رواه البيهقي، وعند أحمد: «فعنده طهوره ومسجده»، وقوله: ((فليصل)) خبر المبتدأ، ودخول الفاء فيه؛ لكون المبتدأ متضمنًا معنى الشرط؛ ومعناه: فليتيمم وليصل؛ ليناسب الأمرين المسجد والطهور، فهذا دليل واضح على جواز تيمم الحضري إذا عدم الماء، وخاف فوت الصَّلاة، وعلى أنه لا يشترط له التراب، فإنه قد تدركه الصَّلاة في موضع من الأرض لا تراب عليها أصلًا، بل ولا رمل، ولا جص، ولا غيرهما، وقال عليه السلام: «بعثت بالحنفية السمحة»؛ أي: السهلة، وقال تعالى: { [وَ] مَا [7] جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وتخصيص التراب ينافي هذا؛ لأنَّ فيه حرجًا ومشقة، والحرج مدفوع؛ فليحفظ.

((وأحلت)) بضمِّ الهمزة ((الغنائم)) جمع غنيمة؛ وهي مال حصل من الكفار بإيجاف خيل، وركاب، وقهر، وفي رواية الكشميهني وكذا مسلم: (المغانم) ؛ بالميم قبل الغين المعجمة، ثم ألف، وبعدها نون، جمع مغنم، قال الجوهري: (كلاهما بمعنًى واحد) ((ولم تحل لأحد)) من الأنبياء ((قبلي)) ؛ لأنَّ منهم من لم يؤذن له في الجهاد أصلًا، فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن إذا غنموا شيئًا؛ لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد: أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف شاء، والأول أصوب، وهو أن من مضى لم يحل لهم أصلًا، كذا قاله إمام الشارحين ، ((وأعطيت)) بضمِّ الهمزة ((الشفاعة)) وهي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة، وذكر الأزهري عن المبرد وثعلب: أنها الدعاء، والشفاعة: كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها، وفي «الجامع»: (الشفاعة: الطلب من فعل الشفيع، وشفعت لفلان؛ إذا كان متوسلًا بك فشفعت له، وأنت شافع له، وشفيع له) ، وقال ابن دقيق العيد: الأقرب أن (اللام) للعهد، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل، وقيل: الشفاعة لخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار، وقيل: في رفع الدرجات في الجنة، وقيل: قوم استوجبوا النار، فيشفع لهم في عدم دخولهم إياها، وقيل: هي إدخال الجنة بغير حساب، وهي أيضًا مختصة به صلَّى الله عليه وسلَّم، كذا في «عمدة القاري»، ((وكان النبي)) من الأنبياء قبلي ((يبعث إلى قومه)) أي: المبعوث إليهم ((خاصة)) بمعنى: خصوصًا، فهو من المصادر التي جاءت على (فاعلة) ؛ كالعاقبة والعافية، منصوب على أنه مفعول مطلق بمحذوف؛ تقديره: أخص النبي من قبلي بالبعث إلى قومه خصوصًا بناء على المشهور من جواز حذف عامل المؤكِّد-بكسر الكاف- خلافًا لابن مالك، والتاء فيها للتأنيث أو للمبالغة، ويجوز انتصابها أيضًا على الحال؛ بمعنى: مخصوصًا، كذا في شرحنا «منهل الطلاب»، ((وبعثت)) أي: أنا ((إلى الناس)) أي: لقومه وغيرهم من العرب، والعجم، والأسود، والأحمر، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ: 28] ، وقوله: ((عامة)) بمعنى: عمومًا، منصوب على أنه مفعول مطلق، أو على الحال، كما قدمناه في (خاصة) قريبًا؛ فافهم، وفي رواية أبي هريرة: «وأرسلت إلى الخلق كافة»، رواها مسلم، وهي أظهر الروايات وأشملها، وهي تؤيد قول من قال: إنه عليه السلام قد أرسل أيضًا إلى الملائكة، وهو ظاهر قوله تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] و (العالمَين) : جمع عالَم بالفتح؛ وهو كل ما سوى الله عز وجل، فيشمل الإنس، والجن، والملائكة، وجميع الحيوانات، ويدل عليه: حديث الإسراء وحين مولده عليه السلام، وصريح آيات القرآن، ومخاطبته تعالى له عليه السلام في عدة آيات؛ منها: قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، فالعالم كلهم أمته، لكن من دعي وأجاب؛ يقال لهم: أمة الإجابة كالمسلمين، ومن دعي ولم يجب كالنصارى واليهود؛ يقال لهم: أمة الدعوة [8] ، فالنبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قد أرسل إلى كافة الخلق، كما نطق بذلك القرآن، والتوراة، والإنجيل، كما لا يخفى على من تتبع، بخلاف غيره من الأنبياء، فإنه تعالى أرسلهم إلى قومهم فقط، فقال في نوح: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1] ، وغير ذلك.

وفي الحديث دليل على أن الحجة تلزم بالخبر، كما تلزم بالمشاهدة، وذلك أن المعجزة باقية على مساعدة للخبر [9] ، مبينة له، واقعة لما يخشى من آفات الأخبار وهي القرآن الباقي، وخص الله نبيه الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ببقاء معجزته لبقاء دعوته، ووجوب قبولها على من بلغته إلى آخر الزمان، وفيه ما خصه الله تعالى به من الشفاعة وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا شفع فيه، كما ورد في حديث الشفاعة: «قل: يسمع، واشفع تشفَّع»، ولم يعط ذلك من قبله من الأنبياء عليهم السلام، وفيه: دليل على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض، ولا يشترط فيه التراب فقط، وفيه: دليل على جواز تيمم المقيم بالمصر إذا عدم الماء وخاف فوت الصَّلاة، وفيه: دليل على أن الله تعالى قد أباح الغنائم للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ولأمته بعد أن كانت في الأمم الماضية محرمة، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (اثنين) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (أتيت) ، ولعله تحريف.
[3] في الأصل: (اثني عشر) .
[4] بياض في الأصل
[5] في الأصل: (لما)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (ما)، وهو تحريف.
[7] في الأصل: (ما) .
[8] في الأصل: (الدعوى).
[9] في الأصل: (عدة للخير)، ولعل المثبت هو الصواب.