المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

334-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القاسِمِ، عن أَبِيهِ:

عن عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالتْ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بَعْضِ أَسْفارِهِ، حَتَّىَ إذا كُنَّا بِالْبَيْداءِ _أَوْ بِذاتِ الجَيْشِ_ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على التِماسِهِ، وَأَقامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا علىَ ماءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إلىَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فقالوا: أَلا تَرَىَ ما صَنَعَتْ عائِشَةُ؟! أَقامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والنَّاسِ، وَلَيْسُوا علىَ ماءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ؟! فَجاءَ أبو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واضِعٌ رَأسَهُ علىَ فَخِذِي قَدْ نامَ، فقالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والنَّاسَ، وَلَيْسُوا علىَ ماءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ؟! فقالتْ عائِشَةُ: فَعاتَبَنِي أبو بَكْرٍ، وقالَ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ في خاصِرَتِي، فَلا [2] يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علىَ فَخِذِي، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ علىَ غَيْرِ ماءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا، فقالَ [3] أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ: ما هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آلَ أَبِي بَكْرٍ.

قالتْ: فَبَعَثْنا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنا [4] العِقْدَ تَحْتَهُ.

الأطراف



[1] في رواية ابن عساكر: «النَّبيِّ».
[2] في رواية الأصيلي: «فما».
[3] في رواية [عط] : «قال».
[4] في رواية ابن عساكر: «فوجدنا».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

334- ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) قِيْلَ: هِيَ غَزْوَةُ بني المُصْطَلِق بالمُرَيْسِيْع سنة ست.

( بِالْبَيْدَاءِ ) هي ذو الحُليفة.

( أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ ) وراء ذي الحليفة، وعن أبي داود: «أولات الجيش». [1]

( الْعِقْدَ ) بكسر العين القلادة.

( فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ ) كَذَا لجميعهم بإثبات الألف للاستفهام، وعند الحموي: «لا ترى» بحذفها.

( يَطْعُنني ) بضم العين، وحكي فتحها. قيل: والطعن باليد أكثر ما يستعمل مضارعه بضم العين على خلاف القياس. وقال النووي: يقال: طعن في الحرب يطعُن بالضم على المشهور. ويقال: بالفتح، وطعن في النسب يطعن بالفتح، ويقال بالضم. [/ج1ص127/]

( خَاصِرَتِي ) الخاصرة: الجنب.

( فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ) ولم يقل: آية الوضوء وإن كانت آية المائدة والنساء مبدوءتان بالوضوء [2] ؛ لأن الذي طرَأ لهم في ذلك الوقت حكم التيمم، وكانوا مأمورين بالوضوء قبل ذلك بدليل قولها: ( وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ).

( أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ) [ب:22] بالتصغير فيهما والحاء مهملة والضاد معجمة.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: هو عندَ أبي داود في حديث عمَّار لا في حديث عائشة هذا.
[2] قال ابن حجر رحمه الله: ليست آية النساء مبدوءة بالوضوء.





334# (كنَّا [1] مع رَسُولِ اللَّهِ [2] صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِه) قيل: هي غزوةُ بني المصطلق، وهي المُريسيع [3] سنةَ أربع أو خمس أو ست، أقوالٌ، الصحيحُ: الآخِر.

(بِالْبَيْدَاءِ) هي ذو الحليفة.

(أَوْ ذَاتِ الْجَيْشِ) وراء ذي الحليفة.

(انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي [4] ) ليس مرادها أنه لها بطريق المِلك؛ بدليل ما في الباب الذي بعده: أنها استعارت من أسماءَ قلادةً، فجعلت العقدَ لها باعتبار حيازتها واستحقاقها [5] لمنفعتهِ، أو الانتفاع به.

(فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟) بإثبات الألف داخلة على ((لا))، وعند الجمهور [6] : بسقوطها [7] .

(يَطْعُنُنِي) بضم العين، وحكي فتحها. وقيل: الفتح للقول، والضم للرمح. وقيل: كلاهما بالضم، حكاه في «الجامع».

(فِي خَاصِرتي) أي: جَنْبي.

(فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّم) ولم يقل: آية الوضوء، وإن كان مبدوءًا [8] به في الآية؛ لأنَّ الطارئ في ذلك الوقت حكمُ التيمم، والوضوءُ كان مُقَرًّا [9] قبلُ [10] ، يدل عليه: ((وليس معهم ماء [11] )).

(أُسَيْدُ [12] ) تصغير أسد.

(ابْنُ الْحُضَيْرِ) بحاء مهملة وضاد معجمة، مصغَّر.

[1] في المتن: ((خرجنا)).
[2] في (ق): ((مع النبي)).
[3] ((المريسيع)): ليست في (ق).
[4] في (ق): ((عقدي)).
[5] في (د): ((واستيلائها)).
[6] في (د) و(ق): ((الحموي)).
[7] في (ق): ((سقوطها)).
[8] في (د): ((مبتدأ)).
[9] في (ق): ((مقدراً)).
[10] في (ق) و(ج): ((قيل)).
[11] ((ماء)): ليست في (ق).
[12] في (ق): ((يا أسيد)).





334- قَولُهُ: (فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ...) إلى قوله: (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي): اعلم أنَّ في «الصَّحيح»: أنَّ عقدها ضاع في الإفك، واتَّفق الإفك [1] في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وكانت سنة ستٍّ في شعبان عند ابن إسحاق، وفي سنة أربع عند موسى بن عقبة، وفي [2] شعبان سنة خمس يوم الاثنين لليلتين خلتا منه عند ابن سعد، والخندق عنده في ذي القعدة من السَّنة، والذي ظهر لي من الأحاديث: أنَّها فقدت العقد مرَّتين؛ بدليل أنَّها استعارت قلادة من أسماء، فهلكت، ورواية: (انقطع عقدٌ لي) ، فإنْ أوَّلت هذه؛ فماذا نصنع بما رواه الطَّبرانيُّ من حديثها؟ قالت: (لمَّا كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا؛ خرجت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة أخرى، فسقط أيضًا عقدي حتَّى حُبِس النَّاسُ على التماسه...) إلى قولها: (فأنزل الله الرُّخصة في التَّيمُّم) ، وفي «التِّرمذيِّ» و«المسند» لأحمد: (أنَّ قلادتها سقطت ليلة الأبواء، والأبواء على رأس اثني عشر شهرًا من مهاجره، وقد عيَّن ابن قيِّم الجوزيَّة: أنَّ في حديث الإفك سقط عقد لأختها) انتهى، وقد تقدَّم متى كان الإفك أعلاه، وقد تقدَّم أنَّ التَّيمُّم نزل في المريسيع سنة ستٍّ أو سنة أربع، وقال ابن قيِّم الجوزيَّة في «الهدي» لمَّا ذكر حديث الطَّبرانيِّ: (وهذا يدلُّ على أنَّ قصَّة العقد التي نزل التَّيمُّم لأجلها بعد هذه الغزوة -يعني: بعد المريسيع- قال: وهو الظَّاهر، ولكن فيها كانت قصَّة الإفك بسبب فَقْد العقد والتماسه، فاشتبه على بعضهم إحدى القصَّتين بالأخرى، والله أعلم) انتهى.

قَولُهُ: (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ): هي بفتح الموحَّدة، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ دال مهملة، ثُمَّ همزة ممدودة: الشَّرف الذي قُدَّام ذي الحُلَيفة في طريق مكَّة، قال شيخنا: وسمَّى البكريُّ المكان: الضُّلْضُل؛ بمعجمتين، قال: وهو الصَّحيح، وسيأتي بقيَّة الكلام على (البيداء) .

قَولُهُ: (أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ): هي بفتح الجيم، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ شين معجمة: من المدينة على بريد، وقال النوويُّ: (البيداء وذات الجيش: موضعان بين المدينة وخيبر [3] ) انتهى، وفي ذلك نظر؛ إذ البيداء ما ذكرته لك هذا الظَّاهر، وذكره [4] غير واحد، وهو علم على ما ذكرته لك، ولكن البيداء في اللُّغة: (كلُّ مفازة لا شيء فيها، فيحتمل أنَّه أراد ذلك، والله أعلم) [5] . [/ج1ص136/]

قَولُهُ: (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي): وقد قدَّمت أنَّ في رواية: أنَّها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، وقد قدَّمت لك أنَّ القصَّة اتَّفقت مرَّتين فيما مضى، وذكرت لك عنِ ابن القيِّم أنَّ الذِي سقط في المريسيع عقد أختها أسماء؛ فانظر ذلك قبيل هذا، واعلم أنَّ العقد [6] الذي سقط في الإفك من جزع ظفار، كما في «الصَّحيح» كما سيأتي.

فائدة: قال شيخنا الشَّارح: ورد في خبر: أنَّ ثمنه اثنا عشر درهمًا، كما ذكره ابن بطَّال، قال شيخنا: وقيل: كان ثمنه يسيرًا، كما حكاه [7] ابن التِّين.

قَولُهُ: (يَطْعنُنِي): هو بضمِّ العين، ويجوز فتحها، حكاهما الجوهريُّ.

قوله: (إِلَّا مَكَانُ): هو بالرَّفع استثناء مفرَّغ.

قوله: (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى [8] غَيْرِ مَاءٍ): كذا في أصلنا: (فقام) ؛ بالقاف، قال [9] ابن قُرقُول: (قوله في «التَّيمُّم»: «فنام [10] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»: كذا في «الموطَّأ»، وكذا عند ابن السَّكن، وعند المروزيِّ، وأبي [11] ذرٍّ، والنَّسفيِّ: «فقام»، وكلاهما صحيح، والأوَّل أوجه، وعند الجرجانيِّ: «فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى أصبح»، وهو وهم بيِّنٌ) انتهى.

قَولُهُ: (فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ): اعلم أنَّه لَمْ يقل: آية الوضوء وإنْ كان في آيتي (المائدة) و (النِّساء) ذكره؛ وذلك لأنَّ الذي طرأ لهم التَّيمُّمُ؛ بدليل قوله: (وليس معهم ماء) ، والله أعلم، ثُمَّ اعلم أنَّه يحتمل [12] أنَّ المرادَ الآيةُ التي تلاها البخاريُّ أوَّل الباب، وهي التي في (المائدة) ، وقد ذكر البخاريُّ في (تفسير النِّساء) من حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة قال: (هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لِأَسْمَاءَ، فَبَعَثَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في طَلَبِهَا رِجَالًا، فَحَضَرَت الصَّلاة وَلَيْسُوا على وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَصَلَّوْا وَهُمْ [13] على غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ التَّيَمُّم) ، وفي نسخة: (يَعْنِي: آيَةَ التَّيَمُّمِ) ، وكذا رواه البخاريُّ في (المائدة) من حديث عَمرو -هو ابن الحارث- عن عَبْد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ فذكر الحديث، وفيه: (فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ...}؛ الآيَةَ) ، وفي «الواحديِّ» ذكرها في سورة (النِّساء) ، فقال: قوله تَعَالَى من سورة (النِّساء): {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] ، ثُمَّ ساق حديث البخاريِّ، وقال ابن العربيِّ فيما نقله شيخنا المؤلِّف: هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء؛ آيتان فيهما ذكر التَّيمم في (النِّساء) و (المائدة) ، فلا نعلم أيَّتهما [14] عنت عائشة؟ وجزم بعضهم بأنَّها آية (النِّساء) ، والله أعلم.

قَولُهُ: (فَقَالَ [15] أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ): (أُسَيد) ؛ بضمِّ الهمزة، وفتح السِّين، و (حُضَير) ؛ بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الضَّاد المعجمة، صحابيٌّ جليل كبير القدر، معروف.

قَولُهُ: (فَبَعَثْنَا البَعِيرَ): أي: أقمناه من بُرُوكِه.

[1] في (ج): (الأول) .
[2] في (ج): (في) .
[3] في (ب): (وحنين) ، وهو تحريفٌ.
[4] في (ج): (وذكر) .
[5] ما بين قوسين سقط من (ب) .
[6] (العقد): ليس في (ب) .
[7] في (ج): (ذكره) .
[8] في (ج): (إلى) .
[9] في (ب): (وقال) .
[10] في (ب): (فقام) ، وهو تحريفٌ؛ لمجيء هذه الرواية لاحقًا.
[11] في (ج): (وابن) ، وهو تحريفٌ.
[12] (يحتمل): سقطت من (ب) .
[13] (وهم): ليس في (ب) .
[14] في (ب): (أيهما) .
[15] في (ج): (فقام) ، وهو تحريفٌ.





334- (إِلَّا مَكَانُ): بالرَّفعِ استثناءٌ مفرَّغٌ.

(أَصْبَحَ): أي: دخلَ في الصَّباحِ، وليسَ مِنَ الأفعالِ النَّاقصةِ الَّتي تحتاجُ إلى خبرٍ؛ لأنَّه إذا كان بمعنى: الدُّخولِ في الوقتِ؛ تكونُ تامَّةً، ويُسْكَتُ عن مرفوعِها.

(عَلَى غَيْرِ مَاءٍ): متعلِّقٌ بـ (قَامَ) و (أَصْبَحَ) على طريقةِ تنازُعِ العاملينِ.

(مَا هِيَ بِأَوَّلِ): وفي بعضِها: (أَوَّل) بالرَّفعِ والنَّصبِ، على لغتَيْ إعمالِ (مَا) وإهمالِها.


334- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ أَبِيهِ) القاسم (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) رضي الله عنها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: ((النَّبيِّ)) [1] (صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) وهو غزوة بني المصطلق، كما قاله ابنا سعدٍ وحبَّان، وجزم به ابن عبد البِّر في «الاستذكار»، وكانت سنة ستٍّ كما ذكره المؤلِّف عنِ ابن إسحاق، أو [2] خمسٍ، كما قاله ابن سعدٍ، ورجَّحه أبو [3] عبد الله الحاكم في «الإكليل»، وفي هذه الغزوة كانت قصَّة الإفك، وقال الدَّاوديُّ: كانت قصَّة التَّيمُّم في غزاة [4] «الفتح»، ثمَّ تردَّد في ذلك (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة والمدِّ، أدنى إلى مكَّة من ذي الحُلَيفة، (أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ) بفتح الجيم، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره شينٌ مُعجَمةٌ، [/ج1ص365/] موضعٌ [5] بين مكَّة والمدينة، والشَّكُّ من أحد الرُّواة عن [6] عائشة، وقِيلَ: منها، واستُبعِد، والذي في غير [7] هذا الحديث: «أنَّه كان بذات الجيش»؛ كحديث [8] عمَّار بن ياسرٍ رضي الله عنه عند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ جيِّدٍ قال: «عرَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولات [9] بذات الجيش ومعه عائشة زوجه فانقطع عقدها...» الحديث، ولم يشكَّ بينه وبين البيداء [10] ؛ (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي) بكسر العين وسكون [11] القاف؛ أي: قلادةٌ لي، كان ثمنها اثني عشر درهمًا، والإضافة في قولها: «لي»؛ باعتبار حيازتها للعقد واستيلائها لمنفعته، لا أنَّه ملكٌ لها؛ بدليل ما في الباب اللَّاحق [خ¦336] : «أنَّها استعارت من أسماء قلادةً» (فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْتِمَاسِهِ)؛ أي: لأجل طلب العقد (وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ) ولغير أبي ذَرٍّ: ((وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ))، فالجملة الأخيرة وهي: ((وليس معهم ماءٌ)) [12] ساقطةٌ عند أبي ذَرٍّ هنا فقط (فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) رضي الله عنه (فَقَالُوا) له: (أَلَا تَرَى إلى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ) بإثبات ألف [13] الاستفهام الدَّاخلة على «لا»، وعند الحَمُّوييِّ: ((لا ترى))؛ بسقوطها (أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسِ) بالجرِّ (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) وأسند الفعل إليها؛ لأنَّه كان بسببها (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي) بالذَّال المُعجَمة (قَدْ نَامَ فَقَالَ [14] : حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَ) حبست (النَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) فقال: حبست النَّاس في قلادةٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ تكونين عناًء (وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) بضمِّ العين، وقد تُفتَح، أوِ الفتح للقول، كالطَّعن في النَّسب، والضَّمِّ للرُّمح، وقِيلَ: كلاهما بالضَّمِّ، ولم تقل عائشة: فعاتبني أبي، بل أنزلته منزلة الأجنبيِّ؛ لأنَّ منزلة الأبَّوة تقتضي الحنوَّ، وما وقع من العتاب بالقول، والتَّأديب بالفعل، مغايرٌ لذلك في الظَّاهر (فَلَا) وللأَصيليِّ: ((فما)) (يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَصْبَحَ) دخل في الصَّباح، وعند المؤلِّف في «فضل أبي بكرٍ» [خ¦3672] : ((فنام [15] حتَّى أصبح)) (عَلَى غَيْرِ مَاءٍ) متعلِّقٌ بـ: «قام» و«أصبح»، تنازعا فيه، قال في «شرح التَّقريب»: ليس قوله: «حتَّى أصبح» لبيان غاية النَّوم إلى الصَّباح، بل لبيان فقد الماء إلى الصَّباح؛ لأنَّه لم يطلق قوله: «حتَّى أصبح»، بل قيَّده بقوله: «حتَّى أصبح على غير ماءٍ»، أي: حتَّى آل أمره إلى أن أصبح على غير ماءٍ؛ لأنَّ إثبات الفعل على وصفٍ أو حالٍ دون الإثبات المُطلَق [16] (فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) التي بـ: «المائدة»، ووقع عند الحميديِّ في الحديث وفيه: فنزلت {يا أيَّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصَّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} الآية إلى قوله: {لعلَّكم تشكرون} [المائدة: 6] ، ولم يقل: آية الوضوء، وإن كان مبدوءًا [17] به في الآية؛ لأنَّ الطَّارىء في ذلك الوقت حكم التَّيمُّم، والوضوء كان مُقرَّرًا يدلُّ عليه: «وليس معهم ماءٌ» (فَتَيَمَّمُوا) بلفظ الماضي؛ أي: تيمَّم النَّاس لأجل الآية، أو هو أمرٌ على ما هو لفظ القرآن، ذكره بيانًا، أو بدلًا عن آية التَّيمُّم؛ أي: أنزل الله: {فتيمَّموا} (فَقَالَ) وفي روايةٍ: ((قال)) (أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ) بضمِّ الهمزة في الأوَّل، مُصغَّر أسدٍ، وبضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الضَّاد المُعجَمة والرَّاء في الآخر، الأوسيُّ الأنصاريُّ الأشهليُّ، أحد النُّقباء ليلة العقبة الثَّانية، المُتوفَّى بالمدينة سنة عشرين: (مَا هِيَ)؛ أي: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التَّيمُّم (بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) بل هي مسبوقةٌ بغيرها من البركات، وفي رواية عمرو بن الحارث: «لقد بارك الله للنَّاس فيكم»، وفي «تفسير إسحاق البستيِّ [18] من طريق ابن أبي مليكة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما أعظم بركة قلادتك!» (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (فَبَعَثْنَا)؛ أي: أثرنا (الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ) راكبةً (عَلَيْهِ) حالة السَّير مع أسيد بن حُضَيْرٍ (فَأَصَبْنَا) ولابن عساكر: ((فوجدنا)) (الْعِقْدَ تَحْتَهُ)، وللمؤلِّف من هذا الوجه في «فضل عائشة» [خ¦3773] : فبعث ناسًا من أصحابه في طلبها؛ أي: القلادة، وفي الباب التَّالي لهذا الباب [خ¦336] : فبعث عليه الصلاة والسلام رجلًا فوجدها، ولأبي داود: فبعث أسيد بن حضيرٍ وناسًا معه، وجُمِعَ بينها [19] بأنَّ أُسَيْدًا كان رأس من بُعِثَ لذلك؛ فلذلك سُمِّيَ في بعض الرِّوايات، وكأنَّهم لم يجدوا العقد أوَّلًا، فلمَّا رجعوا ونزلت آية التَّيمُّم وأرادوا الرَّحيل وأثاروا البعير؛ وجده أسيد بن الحضير، وقال النَّوويُّ: يحتمل أن يكون فاعل «وجدها» النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.

واستُنبِط من الحديث: جواز تأديب الرَّجل ابنته ولو كانت مُزوَّجةً كبيرةً، وغير ذلك ممَّا لا يخفى، [/ج1ص366/] ورواته الخمسة مدنيُّون إلَّا الأوَّل، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «النِّكاح» [خ¦5164] ، و«التَّفسير» [خ¦4607] ، و«المحاربين» [خ¦6844] ، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».

[1] «ولابن عساكر: النَّبيِّ»: سقط من (د).
[2] في (ص): «و».
[3] «أبو»: سقط من (د).
[4] في (ب) و(س): «غزوة».
[5] في غير (ص) و(م): «موضعان».
[6] «أحد الرُّواة عن»: سقط من (د) و(ص).
[7] «غير»: ليس في (م).
[8] في (م): «لحديث».
[9] «بأولات»: مثبتٌ من (د) و(م).
[10] قوله: «وقِيلَ: منها، واستُبعِد،... ولم يشكَّ بينه وبين البيداء»، سقط من (د) و(ص).
[11] في (م): «تسكين».
[12] «وهي: وليس معهم ماءٌ»: سقط من (م).
[13] في (م): «همزة».
[14] زيد في (د): «قد».
[15] في (ب) و(س): «فقام»، وهو تحريفٌ.
[16] قوله: «قال في «شرح التَّقريب»... أو حالٍ دون الإثبات المُطلَق»، مثبتٌ من (م).
[17] في (ص): «مبتدأ».
[18] في (ب) و(د) و(ص): «السِّبتي»، وهو تحريفٌ.
[19] في (ب) و(د): «بينهما».





334- ( فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) قال ابن سعد وابن حبَّان وابن عبد البرِّ: غزاة بني المصطلق.

قال ابن حجر: وغزاة بني المصطلق [هي] [1] غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصَّة الإفك، وكان سبب ذلك أيضًا وقوع عقدها، فإن كان ما جزموا به ثابتًا حمل على أنَّه سقط منها مرَّتين في تلك السَّفرة.

قال: واستبعد ذلك بعض شيوخنا؛ لأنَّ المريسيع من ناحية مكَّة بين قديد والسَّاحل، وهذه القصَّة من ناحية خيبر؛ لقولها: «حتَّى إذا كان بالبيداء أو بذات الجيش»، وهما بين المدينة وخيبر كما جزم به النَّوويُّ.

قال: وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التِّين فإنَّه قال: البيداء: هي «ذو الحليفة».

وقال أبو عبيد البكريُّ: البيداء أدنى إلى مكَّة من ذي الحليفة، وهو الشَّرف الذي قدَّام ذي الحليفة من طريق مكَّة، قال: وذات الجيش من المدينة على بريد، وبينها وبين العقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكَّة لا من طريق خيبر، فاستقام ما قال ابن التِّين، ويؤيِّده ما في «مسند الحميديِّ»: أنَّ القلادة سقطت بالأبواء، والأبواء بين مكَّة والمدينة، وفي رواية لجعفر الفريابيِّ في كتاب الطَّهارة: «أنَّها سقطت بمكان يقال له: [/ج1ص419/]الصُّلصُل» وهو بمهملتين مضمومتين ولامين، الأولى ساكنة جبل عند ذي الحليفة، قاله البكريُّ، فعرف تصويب ما قاله ابن التِّين.

لكنَّ الصَّواب: تأخير هذه القصَّة عن قصَّة الإفك لما رواه الطَّبرانيُّ من طريق عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «لمـَّا كان في أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة أخرى فسقط أيضًا عقدي حتَّى حبس النَّاس على التماسه، فقال لي أبو بكر: أي بنيَّة في كلِّ سفرة تكونين عناء وبلاء على النَّاس، فأنزل الله الرُّخصة في التَّيمُّم».

وقال ابن حبيب: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرِّقاع وفي غزوة بني المصطلق، وقد اختلف أيُّهما كانت أوَّل.

وقال [الدَّاوديُّ] [2] : كانت قصَّة التَّيمُّم في غزوة الفتح.

( عِقْدٌ ) بكسر المهملة: كل ما يعقد ويعلَّق في العنق ويُسمَّى قلادة، وفي أبي داود أنَّه كان من جزع ظفار لي، في الحديث الآتي أنَّها استعارته من أسماء فأضافته إليها لكونه في يدها.

( عَلَى الْتِمَاسِه ) أي: لأجل طلبه.

( يَطْعُنُنِي ): بضمِّ العين، وكذا جميع ما هو حسِّيٌّ، فأمَّا المعنويُّ: فبالفتح هذا هو المشهور فيهما.

( فَقَامَ حِينَ أَصْبَحَ ) أورده في الفضائل بلفظ: «فنام حتَّى أصبح»، [خ:3672] والمعنى متقارب، لأنَّ كلًّا منهما يدُّل على أنَّ قيامه من نومه كان عند الصُّبح،

( فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ) هي آية المائدة كما في بعض طرقه عند البخاريِّ.

( أُسَيْدُ ): بالتَّصغير.

( ابْنُ الْحُضَيْرِ ): بمهملة، ثمَّ معجمة مصغَّر أيضًا.

( مَا هِيَ بِأوَّل بَرَكَتِكُمْ ) أي: بل هي مسبوقة بغيرها من البركات.

( فَبَعَثْنَا ) أي: أثرنا. [/ج1ص420/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (في) والمثبت من غيرها
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (الدارمي)





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

334- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) هو التنيسي البصري ((قال: حدثنا مالك)) هو ابن أنس الأصبحي، ((عن عبد الرحمن بن القاسم)) هو ابن محمَّد، ((عن أبيه)) هو محمَّد المذكور ابن أبي بكر الصديق الأكبر، ((عن عائشة)) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ((زوج النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) و رضي الله عنهما: أنَّها ((قالت: خرجنا)) أي: من المدينة نحن والصحابة ((مع رسول الله)) ، ولابن عساكر: (النبي) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم في بعض أسفاره)) ؛ قيل: هو في غزوة بني المصطلق، كذا ورد عن ابن سعد، وابن حبان، وجزم به ابن عبد البرِّ في «التمهيد»، و«الاستذكار»، وغزوة بني المصطلق في غزوة المريسيع التي كان فيها قصة الإفك.

وقال ابن سعد: (خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المريسيع يوم الاثنين لليلتين [1] خلتا من شعبان سنة خمس) ، ورجَّحه أبو عبد الله في «الإكليل».

وقال البخاري عن ابن إسحاق: (سنة ست) ، وقال عن موسى بن عُقْبَة: (سنة أربع) .

وزعم ابن الجوزي أن ابن حبيب قال: (سقط عقدها في السنة الرابعة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق قصة الإفك) .

قال إمام الشارحين: (ويعارض هذا ما رواه الطبراني: أن الإفك قبل التيمم، فقال: حدثنا القاسم عن حمَّاد: حدثنا محمَّد بن حميد الرازي: حدثنا سَلَمَة بن الفضل، وإبراهيم ابن المختار، عن محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: (لمَّا كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا؛ خرجت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة أخرى فسقط أيضًا عقدي حتى حبس الناس على التماسه، وطلع الفجر؛ فلقيت من أبي بكر ما شاء الله، فقال: يا بنية؛ في كل سفر تكونين عناء وبلاء، ليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك ما علمت لمباركة) ، قال إمام الشارحين: (وإسناده جيد حسن زاد عن بعضهم تعدُّد السفر برواية الطبراني هذه، ثمَّ إنَّ بعض المتأخرين استبعد سقوط العقد في المريسيع، قال: لأنَّ المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر؛ لقولها في الحديث: (حتى إذا كنَّا بالبيداء أو بذات الجيش) ، وهما بين المدينة وخيبر، كما جزم به النووي، ويردُّ هذا ما قاله أبو عبيد البكري في فصل «اللغات»: (إنَّ البيداء أدنى مكَّة من ذي الحليفة؛ وهو المشرف الذي قدَّام ذي الحليفة من طريق مكَّة، وجزم أيضًا ابن [2] التين: أن البيداء هو ذي الحليفة) ، وقال أبو عبيد أيضًا: (أي: ذات الجيش من المدينة على بريد) قال: وبينهما وبين العقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، ويؤيد هذا ما رواه الحميدي في «مسنده» عن سفيان، حدثنا هشام، عن عروة، عن أبيه في هذا الحديث، فقال فيه: (إن القلادة سقطت ليلة الأبواء) انتهى، والأبواء بين مكة والمدينة، وفي رواية علي بن مسهر في هذا الحديث عن هشام قال: (وكان ذلك المكان يقال له: الصلصل) ، رواه جعفر الفريابي، وابن عبد البرِّ من طريقه، والصلصل؛ بصادين مهملتين؛ أولاهما ساكنة، قال البكري: (هو جبل عند ذي الحليفة) ، وذكره في حرف الصاد المهملة، ووهم فيه صاحب «التلويح» مغلطاي، فزعم أنه بالضاد المعجمة، وتبعه على ذلك صاحب «التوضيح» ابن الملقن، وقال صاحب «العباب»: (الصلصل: موضع على طريق المدينة، وصلصل: ماء قريب من اليمامة لبني عجلان، وصلصل: ماء في جوف هضبة حمراء، ودارة صلصل لبني عمرو بن كلاب، وهي بأعلى دارها) ، ذكر ذلك في الصاد المهملة، وقال في المعجمة: (الضلضلة: موضع) انتهى ما قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الكريم الباري.

((حتى إذا كنَّا بالبيداء)) قد سبق عن أبي عبيد البكري: (أن البيداء: أدنى مكة من ذي الحليفة) ، ثم قال: (هو المشرف الذي قدام ذي الحليفة من طريق مكة) ، و (البَيداء) بفتح الموحدة، وبالمد، ((أو بذات الجَيْش)) بفتح الجيم، وسكون التحتية، آخره شين معجمة، قال الكرماني: (موضعان بين مكة والمدينة، وكلمة (أو) للشك من عائشة رضي الله عنها) انتهى.

قلت: ويحتمل أن يكون الشك من بعض الرواة عن عائشة، والظاهر الأول، ولهذا جرى عليه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

وما قيل: إنَّه بعيد؛ ليس بشيء؛ لأنَّ الأمكنة البعيدة لا خبرة فيها للنساء، وإنَّما يعرفها الرجال؛ لكثرة مرورهم بها، كما لا يخفى، وروى أبو داود من حديث عمَّار بن ياسر رضي الله عنه، وكذا النسائي عنه بإسناد جيد قال: (عرَّس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذات الجيش ومعه عائشة زوجه، فانقطع عقدها...) ؛ الحديث، ولم يشك بينه وبين البيداء.

قلت: فيحتمل تعدُّد السفر؛ لما قدَّمنا من رواية الطبراني، فليس فيه دليل على أن الشك من بعض الرواة، كما زعمه القسطلاني، بل يحتمل من كلٍّ منهما، والأظهر أنَّه من عائشة؛ لأنَّها لا خبرة لها بالأمكنة؛ لعدم مرورها عليها، بخلاف الرجال؛ فإنَّهم يمرون عليها كثيرًا، فالخبرة لهم؛ فافهم واحفظ.

((انقطع عِقْد لي)) بكسر العين المهملة، وسكون القاف؛ وهو القلادة: وهو كلُّ ما يعقد ويعلَّق في العنق، وذكر السفاقسي: (أنَّ ثمنه كان يسيرًا) ، وقيل: كان ثمنه اثني عشر درهمًا، كذا قاله إمام الشارحين، وذكر البغوي في «معالمه» عن عائشة قالت: (فلمست صدري؛ فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع...) ؛ الحديث، ففيه دليل على أنَّ العقد يوضع على الصدر، ويعلق بالعنق، وأنَّه من جزع أظفار، وأنَّه ملك لها؛ لقولها: (لي) ، فالإضافة فيه للملك؛ فافهم.

وقال القسطلاني: (والإضافة في قولها: (لي) ؛ باعتبار حيازتها للعقد واستيلائها لمنفعة، لا أنَّه ملك لها، بدليل ما في

[/ص384/]

الباب اللاحق: أنَّها استعارت من أسماء قلادة) انتهى.

قلت: وفيه نظر؛ وما المانع من أن تكون القلادة ملكًا لها، وأنَّها المقطوعة، والمستعارة غيرها؟فإنَّ ظاهر هذا الحديث أنَّ القلادة ملك لها، فإَّن قولها: (انقطع عقد لي) ظاهر في الملكية، والاختصاص بها، وكيف تخبر عائشة الصديقة زوج النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ القلادة لها، والحال أنَّها لأسماء؟! وما كان يمنعها عن الإخبار بالواقع، وكيف يقال هذا؟! فعائشة لم تخبر إلَّا بالواقع: وهو أنَّ العقد المقطوع هو ملك لها، وأنَّ الذي استعارته هو غيره؛ لما قدَّمنا من رواية الطبراني، وفيه قالت عائشة: (لمَّا كان من أمر عقدي ما كان...) ؛ الحديث؛ فانظر: كيف أضافته لنفسها، وما هي إلا باعتبار التملك والاختصاص، وقال أبو عبيد البكري في حديث الإفك: (فانقطع عقد لي) ، وقال محمَّد بن حبيب الأنصاري: (سقط عقد عائشة...) ؛ الحديث، فهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ العقد ملك لعائشة، ويحتمل تعدُّد القصَّة؛ لما قدَّمنا في حديث الطبراني، قالت: (خرجت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة أخرى؛ فسقط أيضًا عقدي...) ؛ الحديث؛ ولو اضطلع القسطلاني على هذا؛ لما قال ما قال، والحق أحقُّ أن يتَّبع؛ فافهم.

((فأقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على التماسه)) أي: لأجل طلب العقد، ((وأقام الناس معه)) وقال أبو عبيد البكري في حديث الإفك: (فانقطع عقد لي من جزع أظفار، فحبس الناس ابتغاءه) ففيه دليل على حرمة الأموال الحلال، وأنَّه لا يضيِّعها وإن كان قليلًا، ألا ترى أنَّ العقد كان ثمنه اثني عشر درهمًا، كما قدمناه، وفيه دليل على جواز حفظ الأموال وإن أدَّى إلى عدم وجود الماء في الوقت، وفيه دليل على جواز اتِّخاذ النساء الحلي واستعمال القلادة تجمُّلًا لأزواجهنَّ، كذا قرَّره إمام الشارحين، ((وليسوا على ماء وليس معهم ماء)) كذا في رواية الأكثرين في الموضعين، وسقطت الجملة الثانية في الموضع الأول في رواية أبي ذرٍّ، قاله إمام الشارحين؛ يعني: ليس عندهم ماء يكفي للوضوء، ويحتمل التعميم، والأظهر الأول، ((فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق)) الأكبر رضي الله عنه، وفيه دليل على أنَّه هو الخليفة بعده عليه السَّلام، وإنَّما أتوا إليه ولم يأتوا النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ يحتمل أنَّهم غلبهم الحياء منه عليه السلام، ويحتمل أنَّهم علموا إن أتوه عليه السلام؛ يغتاظ ويتأذَّى من فعل عائشة، ويحتمل أنَّهم علموا أنَّه عليه السلام كان نائمًا وقتئذٍ، ((فقالوا)) للصدِّيق الأكبر: ((ألا ترى)) أي: تعلم ((إلى ما صنعت عائشة؟)) بإثبات ألف الاستفهام الداخلة على كلمة (لا) ، وفي رواية الحمُّوي: (لا ترى) ؛ بسقوطها، ففيه نسبة الفعل إلى من كان مسبِّبًا فيه؛ ولذا صرَّحوا باسم عائشة رضي الله عنها، والذي صنعته هو أنَّها ((أقامت برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والناس)) بالجر عطفًا على المجرور ((وليسوا على ماء وليس معهم ماء)) وأسندوا الفعل إليها؛ لأنَّه كان بسببها، ((فجاء أبو بكر)) أي: الصدِّيق الأكبر إلى عند السيدة عائشة ((ورسول الله)) الواو للحال ((صلَّى الله عليه وسلَّم واضع رأسه)) الشريف ((على فَخِذي)) بفتح الفاء، وكسر الخاء، والذال المعجمتين ((قد نام)) أي: عليه، والظاهر أنَّ الإقامة كانت ليلًا، وأنَّهم لم يصلُّوا صلاة الوتر الواجبة؛ لأنَّ عادته عليه السلام تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل؛ فليحفظ، وفيه الاستدلال على الرخصة في ترك التهجد في السفر إن ثبت أنَّ التهجد كان واجبًا عليه عليه السلام، ((فقال)) أي: أبو بكر لعائشة ((حبستِ)) ؛ بكسر تاء التأنيث؛ أي: منعت ((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) من السفر، ((و)) حبست ((الناس)) أي: منعتهم من السفر أيضًا ((وليسوا على ماء وليس معهم ماء)) يعني: ليس عندهم عين جارية، وليس عندهم في رحالهم ماء يكفي لوضوئهم، ويحتمل أنَّه كان عندهم في رحالهم ماء، لكنَّهم في احتياجه للشرب لهم ولدوابهم وطعامهم؛ لأنَّ القافلة لا تخلو من الماء غالبًا؛ فافهم.

((فقالت عائشة)) رضي الله عنها: ((فعاتبني أبو بكر)) وإنَّما لم تقل عائشة: عاتبني أبي، وسمته باسمه؛ لأنَّ مقام الأبوَّة لمَّا كان يقتضي الحنوَّ والشفقة، وعاتبها أبو بكر؛ صار مغايرًا لذلك، فلذلك أنزلته منزلة الأجنبي؛ فلم تقل: أبي، وكأنها اغتاظت منه لما يأتي، ((وقال)) أي: أبو بكر لها ((ما شاء الله أن يقول)) ، وفي رواية عمرو بن الحارث، فقال: (حبست الناس في قلادة) أي: لأجلها، وفي رواية الطبراني قال: (يا بنية؛ في كلِّ سفر تكونين عناء وبلاء، ليس مع الناس ماء) ((وجعل يطعنُني)) ؛ بضمِّ النون، والعين المهملة، وكذلك جميع ما هو حسي، وأمَّا المعنوي؛ فيقال: يطعن بالفتح، هذا هو المشهور فيهما معًا، كذا في «المطالع»، وحكى صاحب «الجامع» الضمَّ فيهما، قاله إمام الشارحين.

قلت: فالحسِّيُّ؛ كالرمح والعصا، فهو بالضمِّ، والمعنويُّ؛ كالطعن في النسب والقول، فهو بالفتح أو كلاهما بالفتح، كما علمت.

((بيده في خَاصِرتي)) ؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الصاد المهملة، وهي الشاكلة، ((فلا)) وللأصيلي: (فما) ((يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على فخذي)) ، وفيه دليل على استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة؛ إذ يحصل به التشويش للنائم، وكذا المصلي، والقارئ، والمشتغل بالعلم أو الذكر، وفيه دليل على جواز دخول الرجل على ابنته وإن كان زوجها عندها، إذا علم رضاه بذلك، ولم يكن حالة مباشرة، وفيه دليل على جواز تأديب الرجل ابنته ولو كانت مزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه ولو لم يأذن له الإمام؛ فافهم.

((فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين أصبح)) ، وفي رواية: (فنام حتى أصبح) ، والمعنى فيهما متقارب؛ لأنَّ كلًّا منهما يدلُّ على قيامه من نومه كان عند الصبح، وليس المراد بقوله: (حتى أصبح) بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح؛ لأنَّه قيد بقوله: (حين أصبح) بقوله: ((على غير ماء)) متعلق بـ (قام) ، و (أصبح) على طريقة تنازع العاملين، و (أصبح) بمعنى: دخل في الصباح، وهي تامة؛ فلا تحتاج إلى خبر، كذا قرره إمام الشارحين؛ فليحفظ.

ففيه دليل على أنَّ طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت، ويدل لهذا قوله في رواية عمرو بن الحارث: (وحضرت الصَّلاة، فالتمس الماء) ، ((فأنزل الله آية التيمم)) وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ..} إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] ، كما ذكره الحميدي، وسيأتي.

وقال ابن العربي: (لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة) .

وقال ابن بطال: (هي آية النساء أو آية المائدة) .

وقال القرطبي: (هي آية المائدة؛ لأنَّ آية النساء تسمَّى آية الوضوء، وليس في آية المائدة ذكر الوضوء) .

وقال الواحدي: (عند ذكر آية النساء [/ص385/] أيضًا والآيتان مدنيتان، ولم تكن صلاة قبل إلا بوضوء، فلمَّا نزلت آية التيمم؛ لم يذكر الوضوء؛ لكونه متقدمًا متلوًّا؛ لأنَّ حكم التيمُّم هو الطارئ على الوضوء، وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولًا أول الآية، وهو فرض التيمم، ثم نزلت [3] عند هذه الواقعة آية التيمم وهو تمام الآية: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى} [النساء: 43] ، ويحتمل أن يكون الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن، ثم نزلا معًا، فعبَّرت عائشة بالتيمم؛ لأنَّه المقصود.

قال إمام الشارحين: (ولو وقف هؤلاء على ما ذكره أبو بكر الحميدي في «جمعه» في حديث عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة...؛ فذكر الحديث، وفيه فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ..}؛ الآية إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}؛ لما احتاجوا إلى هذا التخرُّض، وكأنَّ البخاري أشار إلى هذا؛ إذ تلا بقيَّة الآية الكريمة) انتهى كلامه رحمه الباري.

(({فَتَيَمَّمُوا})) [النساء: 43] ؛ بصيغة الماضي؛ أي: فتيمم الناس بعد نزول الآية، وهي قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}، والظاهر أنَّ صيغة الأمر على ما هو لفظ القرآن ذكره؛ بيانًا أو بدلًا عن آية التيمم؛ أي: أنزل الله {فَتَيَمَّمُوا} [4] ، قاله إمام الشارحين، وفيه دليل على افتراض النية في التيمم؛ لأنَّ معنى قوله تعالى: {تَيَمَّمُوا} [5] : اقصدوا، وهو قول الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، والإمام محمَّد بن الحسن، وبه قال مالك، ومحمَّد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، والجمهور، وقال الإمام زفر، والأوزاعي: النيَّة فيه ليست بفرض قياسًا على الوضوء؛ فإنَّ الماء خلق مطهرًا؛ لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] ، والتراب أيضًا طاهر لقوله: {صَعِيدًا طَيِّبًا}؛ أي: طاهرًا، فإذا كان الماء مطهرًا بنفسه؛ لا يحتاج إلى نيَّة الوضوء، فكذلك التراب لا يحتاج فيه إلى نيَّة التيمم يدلُّ عليه قوله عليه السلام: «التراب طهور المسلم...»؛ الحديث، وقوله عليه السلام: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا...»؛ الحديث رواهما الشيخان، وقال الجمهور: مطلق القصد غير مراد بالإجماع، بل المراد: القصد الشرعي وهو لا يكون بدون النيَّة؛ يعني: أنَّ النصَّ يدلُّ على اشتراط القصد إلى الصعيد للطهارة؛ فإنَّه تعالى أمر بالغسل بالماء الذي هو مطهر طبعًا؛ ليحصِّل الطهارة، ثم أقام الصعيد مقامه عند عدمه في تحصيل ذلك المقصود بقوله: {فَتَيَمَّمُوا [6] صَعِيدًا}، والتيمم: القصد فكأنَّ المراد: فإن لم تجدوا ماءً للتطهير؛ فاقصدوا إلى الصعيد للطهارة، فكان القصد إليه للطهارة داخلًا تحت الأمر على أنَّه التراب غير مطهر حقيقة، بل هو ملوث، فالشرع جعله طهورًا بشرطين؛ أحدهما: عدم الماء، والثاني: بالنية بأن يكون للصلاة؛ لأنَّ التراب غير طهور طبعًا، وإنَّما صار طهورًا في حالة مخصوصة شرعًا، وتمامه في شروح «الهداية»، ((فقال)) وفي رواية: (قال) ((أُسَيْد)) بضمِّ الهمزة مصغر: أسد ((بن الحُضَيْر)) بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، وسكون التحتية، آخره راء، قال الكرماني: (وفي بعضها بالنون، وفي بعضها: (الحضير) ؛ بالألف واللام، وهو نحو: الحارث من الأعلام التي تدخلها لام التعريف جوازًا، قال إمام الشارحين: (إنَّما يدخلونها للمح الوصفية) ، و (أُسَيْد بن الحضير) ابن شمال الدوسي الأنصاري الأشهل أبو يحيى، أحد النقباء ليلة العقبَة الثانية، مات بالمدينة سنة عشرين، وحمل عمر بن الخطاب جنازته مع من حملها وصلَّى عليه، ودفن بالبقيع، ثم قال: (فإن قلت: في رواية عبد الله بن نمير، عن هشام: (فبعث رجلًا فوجدها) ، وفي رواية مالك: (فبعثنا البعير فأصبنا العقد) .

قلت: ليس بينهما تناقض؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المبعوث هو أُسَيْد بن حضير، فوجدها بعد رجوعه من طلبها، ويحتمل أن يكون عليه السلام هو وجدها عند أثارة البعير بعد انصراف المبعوثين إليها؛ فلا يكون بينهما تعارض، قاله المهلب.

واعترضه إمام الشارحين فقال: (هما واقعتان كما أشرنا إليه في الرواية الأولى: (عقد) ، وفي الأخرى: (قلادة) ، فلا تعارض حينئذٍ، ويحتمل أن يكون قوله: (بعث رجلًا) يعني: أميرًا على جماعة كعادته، فعبَّر بعض الرواة بـ (أناس) ؛ يعني: أُسَيْدًا وأصحابه، وبعضهم بـ (رجل) : يعني: المشار إليه، أو يكون قولها: (فوجده) ؛ تعني بذلك: النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، لا الرجل المبعوث.

فإن قلت: معنى قول أُسَيْد قاله دون غيره.

قلت: لأنَّه كان رأس المبعوثين في طلب العقد الذي ضاع، انتهى كلامه رضي الله عنه.

((ما هي)) أي: البركة؛ فإنَّ القرينة الحالية والمقالية يدلان على أنَّ (هي) يرجع إلى البركة وإن لم يحضر ذكرها، والمراد بها: رخصة التيمم التي حصلت للمسلمين؛ أي: ليس هذه البركة ((بأول بركتكم)) والبركة: كثرة الخير ((يا آل أبي بكر)) بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، ولفظة (آل) مقحمة، وأراد به: أبا بكر نفسه، ويجوز أن يراد به: أبا بكر وأهله وأشياعه، و (الآل) يستعمل في الأشراف بخلاف الأهل، ولا يزداد طرًّا الآل، وفرَّق؛ لأنَّه بحسب تصوره ذكر ذلك، أو بطريق التهكم، ويجوز فيه: يال أبي بكر؛ بحذف الهمزة؛ للتخفيف، كذا قاله إمام الشارحين، ثم قال: وفي رواية عمرو بن الحارث: (لقد بارك الله للناس فيكم) ، وفي تفسير إسحاق السبتي من طريق ابن أبي مليكة، عن عائشة: أنَّ النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال لها: «ما كان أعظم بركة قلادتك»، وفي رواية هشام بن عروة الآتية: «فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه خيرًا»، وفي (النكاح) من هذا الوجه: «إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين منه بركة»، وهذا يشعر أنَّ هذه القصة بعد قصة الإفك؛ فيقوى قول من ذهب إلى تعدُّد ضياع العقد، وممن جزم بذلك محمَّد بن حبيب الأنصاري، فقال: (سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق) ، وقد اختلف أهل المغازي في أيِّ هاتين الغزاتين كانت أولًا، فقال الداودي: (كانت قصة التيمم في غزوة الفتح) ، ثمَّ تردَّد في ذلك، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: (لمَّا نزلت آية التيمم؛ لم أدر كيف أصنع الحديث؟) ، فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأنَّ إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة وهي بعدها بلا خلاف، وسيأتي في (المغازي) إن شاء الله تعالى أنَّ البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى الأشعري، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة، وممَّا يدلُّ أيضًا على تأخُّر القصَّة عن قصَّة الإفك ما رواه الطبراني من طريق عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، وقد تقدم ذكره قريبًا؛ فافهم، انتهى ما قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الغفور الكريم الباري.[/ص386/]

((قالت)) أي: عائشة رضي الله عنها: ((فبعثنا)) أي: أثرنا ((البعير)) ؛ واحد الإبل من معناها؛ لأنَّ الإبل اسم جمع لا واحد لها من لفظها، بل من معناها، وهي مؤنثة ((الذي كنت عليه)) راكبة حالة السير مع أُسَيْد بن الحضير، ((فأصبنا)) وفي رواية ابن عساكر: (فوجدنا) ((العِقْد)) ؛ بكسر العين المهملة، وسكون القاف؛ أي: القلادة ((تحته)) أي: تحت البعير، وهذا يدل على أنَّ الذي توجَّهوا في حاله أوَّلًا لم يجدوه.

قال إمام الشارحين: (فإن قلت: في رواية عروة في الباب الذي يليه: (فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجلًا فوجدها) أي: القلادة، وللبخاري في (فضل عائشة) من هذا الوجه، وكذا مسلم: (فبعث ناسًا من الصحابة في طلبها) ، وفي رواية أبي داود: (فبعث أُسَيْد بن حضير ناسًا معه) .

قلت: الجمع بين هذه الروايات أنَّ أُسَيْدًا [7] كان رأس المبعوثين لذلك، كما ذكرنا؛ فلذلك سُمَّي في بعض الروايات دون غيره، وكذا أسند الفعل إلى واحد منهم، وهو المراد به، وكأنَّهم لم يجدوا العقد أولًا، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم وأرادوا الرحيل وآثاروا البعير؛ وجده أُسَيْد بن حضير،وعلى هذا؛ فقوله في رواية عروة الآتية: (فوجدها) أي: بعد جميع ما تقدم من التفسير، وزعم النووي: أنَّه يحتمل أن يكون فاعل (وجدها) هو النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد بالغ الداودي في توهم رواية عروة، ونقل عن إسماعيل القاضي: أنَّه حمل الوهم فيها على عبد الله بن نمير، وقد بان بذلك أن لا تخالف بين الروايتين ولا وهم.

فإن قلت: في رواية عمرو بن الحارث: (سقطت قلادة لي) ، وفي رواية عروة الآتية عنها: (أنها استعارت قلادة من أسماء -يعني: أختها- فهلكت) أي: ضاعت، فكيف التوفيق؟

قلت: إضافة القلادة إلى عائشة؛ لكونها في يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها؛ لتصريح عائشة بذلك في رواية عروة المذكورة) انتهى كلامه.

قلت: ولا مانع من تعدُّد القصة، فإنَّ الذي في رواية عمرو بن الحارث ظاهر في أنَّ القلادة كانت ملكًا [8] لعائشة؛ لتصريحها بذلك؛ حيث قالت: (سقطت قلادة لي) ، و (اللام) للملك أو الاختصاص، وأنَّ الذي في رواية عروة ظاهر في أنَّها ملك لأسماء، فهما واقعتان؛ لأنَّ ضياع العقد قد تكرر غير مرة كما ذكرنا، ويدل عليه رواية الطبراني، وقد تقدمت، وتمامه فيما قدمناه قريبًا؛ فافهم.

وفي الحديث دليل على أنه يستوي في التيمم الصحيح، والمريض، والمحدث، والجنب، ولم يختلف علماء الأمصار بالعراق، والشام، والمشرق، والمغرب، والحجاز في ذلك، وكان عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يقولان: الجنب لا يطهره إلا الماء؛ لقوله عز وجل: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}، وقوله: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] ، فذهبا إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] ، ولم يتعلق بقولهما أحد من الفقهاء؛ للأحاديث الواردة الثابتة في جواز تيمم الجنب، قاله إمام الشارحين.

قلت: ومثل الجنب الحائض والنفساء إذا طهرتا، وقد قال الثقات من النقاد: إنَّه ثبت رجوع عمر وابن مسعود رضي الله عنهما عن ذلك، وصارا يقولان بجواز تيمم الجنب؛ فليحفظ.

وزعم ابن حجر أن في الحديث دليلًا [9] على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه، وسلوك الطريق الذي لا ماء فيه.

ورده إمام الشارحين: بأن فيه نظرًا [10] ؛ لأنَّ المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصد دخولها، ويحتمل أنه عليه السلام لم يعلم بعدم الماء مع الركب إن كان قد علم بأنَّ المكان لا ماء فيه، ويحتمل أن يكون معنى قوله: (ليس معهم ماء) أي: للوضوء، وأمَّا ما يحتاجون إليه للشرب؛ فيحتمل أنه كان معهم.

قلت: وقدمنا قريبًا ما يتعلق في ذلك، وفي الحديث جواز شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج، وإنما شكوا إلى أبي بكر؛ لكونه عليه السلام كان نائمًا، وكانوا لا يوقظونه، كذا قالوا، واعترضهم إمام الشارحين: بأنه يجوز أن يكون شكواهم إلى أبي بكر دونه عليه السلام؛ خوفًا على خاطره عليه السلام من تغيره عليها) انتهى.

قلت: ويحتمل أن تكون شكواهم إلى أبي بكر حتى يخبر بها النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فإن السلطان إذا كان في بلدة وأراد أحد الشكوى على آخر؛ فأولًا يشكو أمره إلى وزيره، والوزير يخبر به السلطان، كما لا يخفى، وفي الحديث دليل على أن الوضوء كان واجبًا عليهم قبل نزول آية الوضوء، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع، وقال ابن عبد البر معلوم عند جميع أهل المغازي أنَّه عليه السلام لم يصلِّ منذ فرضت الصَّلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل، أو معاند.

فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك، ما الحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به؟

قلت: ليكون فرضه متلوًّا بالتنزيل، ويحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديمًا، فعملوا به، ثم نزلت بقيتها؛ وهو ذكر التيمم في هذه القصة، وإطلاق آية التيمم على هذا من إطلاق الكل على البعض، لكن رواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ..} إلى قوله: {تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] يدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة، وقد يقال: إنَّ الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن أولًا، ثم أنزلا معًا، فعبرت عائشة بالتيمم؛ إذ كان هو المقصود.

فإن قلت: ذكر الجاحظ في كتاب «البرصان [11] » أن الأسلع العرجي الذي كان يرتحل للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال للنبيِّ عليه السلام يومًا: إني جنب، وليس عندي ماء، فأنزل الله آية التيمم؟

قلت: هذا ضعيف، ولئن صح؛ فجوابه: أنه يحتمل أن تكون قضية الأسلع واقعة في قصة سقوط العقد) انتهى ما قاله إمام الشارحين.

قلت: ويحتمل أن الأسلع لم يبلغه نزول الآية مدة، ثم لما ارتحل إلى النبيِّ الأعظم عليه السلام؛ أخبره بنزولها، فعبر كما سمع والله أعلم.

وفي الحديث دليل على جواز التيمم في السفر وهو بالإجماع، واختلفوا في الحضر، ومذهب الإمام الأعظم: أن التيمم جائز سواء كان مسافرًا أو مقيمًا [/ص387/] بمصر وهو المختار، كما في «شرح الدرر».

قال في «البحر»: (وهو الحق) ، وقال فخر الدين الزيلعي: (لا فرق بين المسافر والمقيم، ومن هو خارج المصر أو داخله) ، قال في «شرح الملتقى»: (وهو الصحيح، وذلك لأنَّ الشرط عدم الماء، فأينما تحقق بعد وجود المقتضي؛ جاز؛ كذا في «العناية» عن «الأسرار»، وعدمه حقيقة أو حكمًا، وذلك بأن كان بينه وبين الماء عدوٌّ سواء كان آدميًّا أو غيره؛ كحية أو نار يخاف منه على نفسه إذا أتاه؛ فإنه يتيمم، وسواء خاف على نفسه أو ماله، كما في «البحر» ولو كان المال أمانة بيده، كما في «المبتغى»، لكن إن أمكن إخفاؤها؛ لم يجز ومقدار المال درهم، كما في «منهل الطلاب»، ويجوز التيمم لمريض يجد الماء، وخاف إن استعمله يشتد مرضه أو يمتد، كما في المتون، وكذا لو كان صحيحًا؛ فخاف حدوث مرض، كما في «القهستاني»، أو خاف الجنب الصحيح في المصر إن اغتسل أن يقتله البرد أو يمرضه؛ فإنه يتيمم عند الإمام الأعظم، وقال الإمام أبو يوسف، والإمام محمد بن الحسن: لا يجوز؛ لأنَّ له أن يسخن الماء أو يدخل الحمام، كذا في «البحر»، ويجوز التيمم لصلاة الجنازة، وذلك إذا حضرت، والولي غيره؛ فخاف إن اشتغل بالوضوء أن تفوته الصَّلاة عليها ومثلها صلاة العيدين، وأما الجمعة؛ فلا يجوز التيمم لها؛ لأنَّ لها خلفًا وهو فرض الظهر، وإذا ضاق الوقت؛ فخشي إن توضأ فات الوقت؛ لم يتيمم، لكنه يتوضأ ويصلي فائتة؛ لأنَّ الفوائت إلى بدل كلا فوات، كذا في «النهر»، وهو ظاهر المذهب، وقال الإمام زفر: يتيمم ولا يتوضأ؛ لأنَّ التيمم شرع؛ لتحصيل الصَّلاة بوقتها وهو قول الليث بن سعد، وأبي نصر بن سلام، ورجحه ابن الهمام في «فتح القدير»، وقال مالك وأصحابه: التيمم في الحضر والسفر سواء إذا عدم الماء، أو تعذر استعماله لمريض، أو خوف شديد، أو خوف خروج الوقت، وقال الشافعي: (لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف) ، وبه قال الطبري، وقال الشافعي أيضًا: (إذا عدم الماء في الحضر مع خوف فوت الوقت الصحيح والسقيم؛ يتيمم ويصلي ويعيد) ، وقال عطاء ابن أبي رباح: (لا يتيمم المريض إن وجد الماء ولا غير المريض) ، والله أعلم.

قال إمام الشارحين: (وفي الحديث دليل على جواز السفر بالنساء في الغزوات وغيرها عند الأمن عليهنَّ، فإذا كان لواحد نساء؛ فله أن يسافر مع أيتهنَّ شاء، لكن يستحب له أن يقرع بينهنَّ، فمن خرجت قرعتها؛ أخرجها معه، هذا مذهب الإمام الأعظم، وعند مالك، والشافعي، وأحمد: القرعة واجبة، وفي الحديث جواز وضع الرجل رأسه على فخذ امرأته، وفيه احتمال المشقة لأجل المصلحة؛ لقول عائشة: (فلا يمنعني من التحول إلا مكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وفيه دليل على فضيلة عائشة الصديقة، وأبيها الصديق الأكبر رضي الله عنهما، وتكرار البركة منهما) انتهى، والله أعلم.

[1] في الأصل: (ليلتين).
[2] في الأصل: (أن) .
[3] في الأصل: (نزل).
[4] في الأصل: (فتميموا) ، وهو تحريف.
[5] في الأصل: (فتميموا) ، وهو تحريف.
[6] في الأصل: (فتميموا) ، وهو تحريف.
[7] في الأصل: (أسيد) ، وليس بصحيح.
[8] في الأصل: (ملك) ، وليس بصحيح.
[9] في الأصل: (دليل) ، وليس بصحيح.
[10] في الأصل: (نظر) ، وليس بصحيح.
[11] في الأصل: (البرهان) ، وهو تحريف .