المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

324-. حدَّثنا مُحَمَّدٌ _هو ابْنُ سَلامٍ [1] _ قالَ: أخبَرَنا [2] عَبْدُ الوَهَّابِ، عن أَيُّوبَ:

عن حَفْصَةَ، قالتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَواتِقَنا أَنْ يَخْرُجْنَ في العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ، فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عن أُخْتِها، وَكانَ زَوْجُ أُخْتِها غَزا مَعَ النَّبِيِّ [3] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ [4] ، وَكانَتْ أُخْتِي مَعَهُ في سِتٍّ، قالتْ: كُنَّا نُداوِي الكَلْمَىَ، وَنَقُومُ على المَرْضَىَ، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعَلَىَ إِحْدانا بَأسٌ إِذا [5] لَمْ يَكُنْ لَها جِلْبابٌ أَنْ لا تَخْرُجَ؟ قالَ: «لِتُلْبِسْها [6] صاحِبَتُها مِنْ جِلْبابِها، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ [7] ».

فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، سَأَلْتُها: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالتْ: بِأَبِي [8] نَعَمْ _وَكانَتْ لا تَذْكُرُهُ إِلَّا قالتْ: بِأَبِي_ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَخْرُجُ [9] العَواتِقُ وَذَواتُ [10] الخُدُورِ _أَوِ: العَواتِقُ ذَواتُ الخُدُورِ [11] _ والْحُيَّضُ، وَلْيَشْهَدْنَ [12] الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّىَ». قالتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: الحُيَّضُ [13] ؟!فقالتْ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ [14] عَرَفَةَ، وَكَذا وَكَذا؟! [15]

الأطراف



[1] في رواية ابن عساكر: «محمدُ بنُ سَلامٍ»، وفي رواية أبي ذر والأصيلي: «محمد»غير منسوب.
[2] في رواية الأصيلي والكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية السَّمعاني عن أبي والوقت: «حدَّثنا»، وقيَّد في (ب، ص) رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ برواية أبي ذر عنه.
[3] في رواية الأصيلي: «رسولِ الله».
[4] في رواية الأصيلي زيادة: «غزوةً».
[5] في رواية الأصيلي: «إنْ» (ب). وهو موافق لما في الإرشاد ونسخة الزاهدي.
[6] في رواية [عط] : «فتُلبِسُها».
[7] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «المؤمنين»، وقيَّد في (و، ب، ص) روايةَ أبي ذر بروايته عن الكُشْمِيْهَنِيِّ.
[8] في رواية الأصيلي في الموضعين: «بِأَبَا» بفتح الموحدة وإبدال ياء المتكلم ألفًا (ب، ص)، وفي رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ في الموضعين: «بِيَبي» بقلب الهمزة ياء.
[9] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«تَخْرُجُ».
[10] في رواية أبي ذر: «ذواتُ» بدون واو.
[11] في رواية الأصيلي وأبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ذات الخِدر»، وزاد في (ب، ص) نسبتها إلىَ رواية الحَمُّويي.
[12] في رواية ابن عساكر: «ويشهدن».
[13] في رواية كريمة: «آلحُيَّضُ» بزيادة ألف الاستفهام (ب، ص).
[14] في رواية الأصيلي: «أليس يَشْهَدْنَ».
[15] بهامش (ن، و): آخر الجزء الأول.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

324- العاتق: مراهقة البلوغ.

( فَقَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ )؛ أي: أفدي به المذكور، ولبعضهم: «بأبا»، وهما لغتان.

( قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: آلْحُيَّضُ ) هو بالمد على لفظ الاستفهام، مرفوع أي: أتخرج الحيض.


324# (قَالَتْ: بِأَبِي [1] نعمْ) أي: أفْدي بأبي المذكورَ، قال ابنُ [2] مالك: وفيه أربعة [3] أوجه:

أحدها: سلامة الهمزة والياء، والثاني: إبدالها ياءً وسلامة

@%ج1ص163%

الياء [4] ، والثالث: سلامة الهمزة وإبدال الياء ألفًا، والرابع: إبدال الهمزة ياء والياء ألفًا.

(قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: آَلْحُيَّضُ؟) بالمد على الاستفهام مرفوع؛ أي: أتخرج [5] الحُيَّض؟

[1] في (م): ((بيبي)).
[2] ((ابن)): ليست في (ج).
[3] في (ق): ((أربع)).
[4] في (ق): ((الهمزة)).
[5] في (ق): ((أن خرج)).





324- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ [قَالَ] : حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ): كذا في أصلنا، وفيه أيضًا: (ابن سلَام) ، ولكن عليه علامة نسخة، قال الجيَّانيُّ في «تقييده»: (وقال -يعني: البخاريُّ- في «الصَّلاة»، و«الجنائز»، و«المناقب»، و«الطَّلاق»، و«التَّوحيد»، وغير ذلك: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ»، نسبه ابن السَّكن في بعضها: «ابن سلَام»، وقد صرَّح البخاريُّ باسمه في «الأضاحي»، وفي غير موضع، فقال: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بن سلَام: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ»، وذكر أبو نصر أنَّ البخاريَّ يروي في «الجامع» عن محمَّد بن سلَام، وبندار محمَّد بن بشار، وأبي موسى محمَّد بن المثنَّى، ومحمَّد بن عَبْد الله بن حوشب الطَّائفيِّ، عن عَبْد الوهاب الثَّقفيِّ) انتهى، وقد تقدَّم أنَّه منسوب في نسخة في [1] أصلنا داخلها، وليس في الهامش، وفي النُّسخة التي شرح شيخنا منها، وهي نسخة الدِّمياطيِّ، فيها: (محمَّد بن سلَام) ، وكذا قال المِزِّيُّ في «تطريفه»: عن محمَّد بن سلَام عنِ الثَّقفيِّ، وتقدَّم أنَّ سلَامًا الأصحُّ فيه: التَّخفيف مُطوَّلًا.

قوله: (عَوَاتِقَنَا): العواتق: الجواري اللَّاتي أدركن، وفي «البارع»: العاتق: التي لم تبن عن أهلها، وقال أبو زيد: هي التي أدركت ما لَمْ تَعنَس، والعاتق: التي لم تتزوَّج، قال ثعلب [2] : سُمِّيت به؛ لأنَّها عتقت من ضرِّ [3] أبويها ولم تُملَك بعدُ بنكاح، وقال الأصمعيُّ: هي فوق المُعصِر، وقال ثابت: هي البكر التي لم تَبِن إلى زوج، وقال الخليل: جارية عتيق؛ أي: شابَّة، وقال الخطَّابيُّ: هي التي أدركت، وقال غيره: هي التي أشرفت على البلوغ، انتهى كلام «المطالع».

قوله: (فَقَدِمَت امْرَأَةٌ): هذه المرأة لا أعرفها، ولا أعرف اسمها، وكذا لا أعرف أختها، ولا زوج أختها [4] ، وسيأتي كلام شيخنا الشَّارح في ذلك وأتعقَّبه [5] .

قوله: (قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ): بالبصرة، يُنسَب إلى خلف جدِّ طلحة الطَّلحات بن عَبْد الله بن خلف الخزاعيِّ، قاله شيخنا الشَّارح.

قوله: (عن أُخْتِهَا): قال شيخنا الشَّارح: أختها هي أمُّ عطيَّة الأنصاريَّة، ثُمَّ قال بعيده: أورده الإِسْمَاعِيليُّ من حديث حفصة عن أمِّ عطيَّة وعن امرأة أخرى) انتهى.

قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (وقِيلَ: إنَّ لأمِّ عطيَّة أختًا [6] اسمها ضباعة، روى حديثها الطَّبرانيُّ في «الأوسط» فيمن اسمه: عليُّ بن عَبْد العزيز، لكنَّ كونَها أختَها وهمٌ، وضباعة هي بنت الزُّبير) انتهى، وكذا فعل الذَّهبيُّ، فإنَّه ذكر ضباعة بنت الحارث أخت أمِّ عطيَّة، روت عن أختها في (الوضوء) ، كذا ذكرها اِبْن عبد البَرِّ مختصرًا، وأمَّا ابْن منده وأبو نعيم فلم يفرداها، بل ذكرا حديثها لضباعة بنت الزُّبير مع حديث الأشراط في (الحجِّ) ، ثُمَّ صحَّح أنَّ الحديث لضباعة بنت الزُّبير، وأنَّ [7] تلك وهم، وقد راجعت «الاستيعاب»؛ فوجدته كما ذكره الذَّهبيُّ عنه، والله أعلم، وقد قدَّمت أنِّي لا أعرف أختها ولا زوجها.

قوله: (وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ غَزْوَةً): تقدَّم أنِّي لا أعرفه بعينه، ولا أعرف اسمه، ولا المرأة، [/ج1ص133/] ولا زوج أختها بعينه، والذي قاله شيخنا الشَّارح من أنَّ الأخت أمُّ عطية فيه نظر؛ فيُحرَّر [8] . وقد تقدَّم كلام الإِسْمَاعِيليِّ، وكذا كلام ابن شيخنا البلقينيِّ، واِبْن عبد البَرِّ، والذَّهبيِّ، وزوج أمِّ عطيَّة لا أعرفه أيضًا، والمرأة التي قدمت فحدَّثت لا حجَّة فيها؛ لأنَّها مجهولة، وأختها صحابيَّة لا يضرُّ الجهل بعينها، وقد قالوا في مثل هذه الرِّواية: إنَّها منقطعة، وفي الأصول نعت ذلك بالمرسل، والصَّحيح: أنَّه موصول في سنده [9] مجهول، والحجَّة في رواية حفصة -وهي بنت سيرين- عن أمِّ عطيَّة، والله أعلم، (لا في المرأة التي حدَّثت عن أختها؛ لأنَّها مجهولة وليست بصحابيَّة، والله أعلم) [10] .

قوله: (وَكَانَتْ أُخْتِي معهُ فِي سِتٍّ): كذا هنا، قال شيخنا: (وفي «الطَّبرانيِّ»: أنَّها غزت معه سبعًا) انتهى.

قوله: (الْكَلْمَى): أي: الجرحى.

قوله: (فَسَأَلَتْ أُخْتِي): تقدَّم أنَّ شيخنا قال: إنَّ أختها أمُّ عطيَّة، وأنِّي قلت: إنِّي لا أعرفها؛ فيُحرَّر.

قوله: (جِلْبَابٌ): هو بكسر الجيم، وإسكان اللَّام، ثُمَّ باءين موحَّدتين، بينهما ألفٌ، قال ابن شميل: هو ثوب أقصر من الخمار وأعرض، وهي المقنعة [11] تغطِّي بها المرأةُ رأسَها، وقال غيره: هو ثوب واسع دون الرِّداء تغطِّي به المرأة ظهرها وصدرها، قال ابن الأعرابيِّ: هو الإزار، وقال غيره: هو الخمار، وقيل: هو كالمُلاءة والملحفة، وحَكى النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» وغيره أقوالًا؛ أصحَّها: أنَّها الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها.

قوله: (مِنْ جِلبَابِهَا): حمله بعضهم على المواساة فيه، وأنَّه واحد، وقيل: المراد به الجنس؛ أي: لتُعِرْها من جلبابها، أو يكون على طريق المبالغة في الحضِّ على أنْ تخرج ولو اثنتان في جلباب، وقد رواه أبو داود: (من جلابيبها) ، فهذا يدلُّ أنَّه الجنس، والله أعلم.

قوله: (بِأَبِي): قال ابن قُرقُول: (كذا للقابسيِّ والأصيليِّ، ولغيرهما: «بِيَبِي»، وقد ضبطه الأصيليُّ مرَّة هكذا، وضبطه أبو ذرٍّ في «كتاب العيدين»، و«كتاب الحيض»: «بأبي»، وعنه: أيضًا: «بِيَبَى»، وضبطه بعض الرُّواة عنِ الأصيليِّ: «بابا»؛ بألف ساكنة بينهما، ووقع عند القابسيِّ في «باب خروج الحُيَّض إلى المصلَّى»: «أمرنا نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم») ، قال في «المطالع»: (وكلُّ ذلك صحيح في اللُّغة، قال ابن الأنباريِّ: «معناه: بأبي هو، ثُمَّ حذف؛ لكثرة الاستعمال، قال: وهي ثلاث لغات: بأبي، وبِيَبِي -وهو تسهيل الهمزة- وبَيْبى، كأنَّه جعله اسمًا واحدًا، وجعله مثل: غَضْبَى وسَكْرَى...) إلى آخر كلامه، وفي «النِّهاية»: (وذكر الحديث: (قالت: بأباه): أصله: بأبي هو، يقال: بأبأت الصَّبيَّ؛ إِذَا قلت له: بأبي أنت وأمِّي، فلمَّا سُكِّنت الياء؛ قلبت ألفًا؛ كما قِيلَ: يا ويلتى! وفيها ثلاث لغات: بهمزة مفتوحة بين الباءين، وبقلب الهمزة ياء مفتوحة، وبإبدال الياء الآخرة ألفًا، وهي هذه، والباء الأولى في (بأبي أنت وأمِّي): متعلِّقة بمحذوف، قيل: هو اسم، فيكون ما بعده مرفوعًا؛ تقديره: أنت مُفدًّى بأبي وأمِّي، وقيل: هو فعل، وما بعده منصوب؛ أي: فديتك بأبي وأمِّي، وحذف هذا المقدَّر تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به، انتهى.

قوله: (الحُيَّضُ): هو بهمزة ممدودة، وهي همزة الاستفهام، و (الحُيَّضُ) ؛ بضمِّ الحاء، ثُمَّ ياء مشدَّدة مفتوحة، جمع (حائض) .

[1] في (ب): (من) .
[2] في (ج): (تغلب) .
[3] في «المطالع» (*): (عن خدمة) .
[4] (ولا زوج أختها): ليس في (ج) .
[5] في (ب): (والعقبة) .
[6] في النسخ: (أخت) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[7] في (ج): (فإنَّ) .
[8] (فتحرر): ليس في (ج) .
[9] زيد في (ج): (هو) .
[10] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[11] في (ج): (المقنعنة) ، وهو تحريفٌ.





324- (أَسَمِعْتِ): مفعولُ (سَمِعْتِ) محذوفٌ؛ أي: المذكورَ.

(بِأَبِي): قال ابنُ [الأثيرِ] الجزريُّ [1] : («بِأَبِي»: الباءُ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ؛ قيلَ: هو اسمٌ، فيكونُ ما بعدَه مرفوعًا؛ تقديرُه: أنت مفدًّى، وقيلَ: هو فِعْلٌ، وما بعدَه منصوبٌ؛ أي: فديتُكَ، وحُذِفَ هذا المقدَّرُ [2] تخفيفًا؛ لكثرةِ الاستعمالِ).

(وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى): في بعضِها: (يَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى) ؛ نحو: «أكلوني البراغيثُ».

[1] في النسختين: (قال الحمزي)، وكأنها في (أ) كانت (ابن الجزري) وصُحِّحت إلى (الحمزي)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب، وسيأتي الكلام منسوبًا إليه عند الحديث (744)، وقد نقله عنه الطيبي في «الكاشف عن حقائق السنن» (3/988) (ح:812)، وابنُ الأثير: هو الإمام القاضي العلَّامة البارع البليغ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم الشيبانيُّ الجَزَرِيُّ، وُلِدَ بجزيرة ابنِ عمرَ سنة (544هـ)، قرأ الحديث والعلم والأدب، وكان رئيسًا مُشاورًا، ورعًا عاقلًا بهيًّا، صنف «جامع الأصول»، «النهاية في غريب الحديث»، «شرح مسند الشافعي»، وغيرها، وأخوه عز الدين علي مصنف «الكامل في التاريخ»، وأخوهما ضياء الدين نصر الله مصنف «المثل السائر»، توفِّي أبو السعادات سنة (606هـ)، انظر «إنباه الرواة» (3/257)، «سير أعلام النبلاء» (21/488)، «وفيات الأعيان» (4/141).
[2] في النسختين: (القدر).





324- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما في «الفتح»، وابن عساكر كما في «الفرع»: ((محمَّد بن سلامٍ))، ولكريمة: ((هو ابن سَلامٍ))، وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ و [1] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ الْوَهَّابِ) الثَّقفيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين الأنصاريَّة البصريَّة، أخت محمَّد بن سيرين أنَّها (قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا) جمع: عاتقٍ؛ وهي: من بلغت الحِلْمَ أو قاربته واستحقَّت التَّزويج، فعُتِقت عن قهر أبويها، أو الكريمة على أهلها، أو التي عُتِقت من الصِّبا، والاستعانة بها في مهنة أهلها (أن يَخْرُجْنَ) إلى المُصلَّى (فِي الْعِيدَيْنِ فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ (فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ) كان بالبصرة منسوبٌ إلى خَلَفٍ جدِّ طلحة بن عبد الله بن خَلَفٍ، وهو طَلْحة الطَّلَحات [2] (فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا) قِيلَ: هي أمُّ عطيَّة، وقِيلَ: غيرها (وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا) لم يُسَمَّ أيضًا (غَزَا مَعَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: ((مع [3] رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم ثِنْتَيْ عَشَرَةَ) زاد الأَصيليُّ: ((غزوةً))، قالتِ المرأة: (وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ)؛ أي: مع زوجها أو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (فِي سِتٍّ)؛ أي: ستِّ غزواتٍ، وفي «الطَّبرانيِّ:» أنَّها غزتْ معه سبعًا (قَالَتْ)؛ أي: الأخت لا المرأة: (كُنَّا)؛ بلفظ الجمع؛ لبيان فائدة حضور النِّساء الغزوات على سبيل العموم (نُدَاوِي الْكَلْمَى) بفتح الكاف وسكون اللَّام وفتح الميم؛ أي: الجرحى (وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ)؛ أي: حرجٌ وإثمٌ (إِذَا) وللأَصيليِّ: ((إن)) (لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ) بكسر الجيم، وسكون اللَّام، ومُوحَّدتين [4] ، بينهما ألفٌ؛ أي: خمارٌ واسعٌ؛ كالملحفة تغطِّي به المرأة رأسها وظهرها، أوِ القميص (أَلَّا تَخْرُجَ [5] ) أي: لئلَّا تخرج، و«أن» مصدريَّةٌ؛ أي: لعدم خروجها إلى المُصلَّى للعيد (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لِتُلْبِسْهَا) بالجزم وفاعله (صَاحِبَتُهَا) وفي روايةٍ: ((فتلبسُها))؛ بالرَّفع، وبالفاء بدل اللَّام (مِنْ جِلْبَابِهَا)؛ أي: لِتُعِرْها [6] من ثيابها ما لا تحتاج المعيرة إليه، أو لتشركها في لبس الثَّوب الذي عليها، وهو مبنيٌّ على أنَّ الثَّوب يكون واسعًا وفيه نظرٌ، أو هو على سبيل المُبالَغة، أي: يخرجن، ولو كانت ثنتان في ثوبٍ واحدٍ، (وَلْتَشْهَدِ الْخَيْرَ)؛ أي: ولتحضرْ مجالس الخير؛ كسماع الحديث والعلم وعيادة المريض ونحو ذلك، (وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ) كالاجتماع لصلاة الاستسقاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((ودعوة المؤمنين))، قالت حفصة: (فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) نسيبة بنت الحارث، أو بنت كعبٍ؛ (سَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) يقول المذكور؟ (قَالَتْ: بِأَبِي) بهمزةٍ ومُوحَّدةٍ مكسورةٍ ثمَّ مُثنَّاة تحتيَّةٍ ساكنةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((بيبي))، بقلب الهمزة ياًء، ونسبها الحافظ ابن حجرٍ لرواية عبدوسٍ، وللأَصيليِّ: ((بأبا))؛ بفتح المُوحَّدة وإبدال ياء المتكلِّم ألفًا، وفيها رابعةٌ: ((بيبا))؛ بقلب الهمزة ياءً وفتح المُوحَّدة؛ أي: فديته بأبي أو هو مَفْدِيٌّ بأبي، وحُذِفَ المُتعلِّق [7] تخفيفًا؛ [/ج1ص360/]

لكثرة الاستعمال، وفي «الطَّبرانيِّ»: بأبي هو وأمِّي (نَعَمْ) سمعته (وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (إِلَّا قَالَتْ بِأَبِي)؛ أي: أفديه أو مفديٌّ بأبي (سَمِعْتُهُ) حال كونه (يَقُولُ: تخْرُجُ) [8] ؛ أي: لتخرج [9] (الْعَوَاتِقُ) فهو خبرٌ متضمِّنٌ للأمر؛ لأنَّ إخبار الشَّارع عنِ الحكم الشَّرعيِّ متضمِّنٌ للطَّلب، لكنَّه هنا للنَّدب لدليلٍ آخر [10] ، (وَذَوَاتُ الْخُدُورِ)؛ بواو العطف والجمع، ولأبي ذَرٍّ: ((ذوات))؛ بغير واو العطف، وإثبات واو الجمع صفةٌ لـ: «لعواتق»، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ في نسخةٍ [11] : ((ذات الخدور [12] ))؛ بغير عطفٍ مع الإفراد، و«الخدور»؛ بضمِّ الخاء المُعجَمة والدَّال المُهمَلة. جمع: خِدْرٍ [13] وهو السِّتر في جانب البيت أو البيت نفسه، (أو الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ) على الشَّكِّ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: ((ذات الخِدْر))؛ بغيرِ واوٍ فيهما [14] ، (وَالْحُيَّضُ)؛ بضمِّ الحاء وتشديد الياء، جمع: حائضٍ، وهو معطوفٌ على «العواتق»، (وَلْيَشْهَدْنَ) ولابن عساكر: ((ويشهدن)) (الْخَيْرَ) عُطِفَ على «تخرج» المتضمِّن للأمر كما سبق؛ أي: لتخرج [15] العواتق ويشهدن [16] الخير، (وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَعْتَزِلُ [17] الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى)؛ أي: فَيَكُنَّ فيمن يدعو، أو [18] يُؤَمِنَّ رجاء بركة المشهد الكريم، و«يعتزلُ» _بضمِّ اللام_ خبرٌ بمعنى الأمر، كما في السَّابق، وخصَّ أصحابنا من هذا العموم: غير ذوات الهيئات والمُستحسنات، أمَّا هنَّ [19] ؛ فيُمنَعن؛ لأنَّ المفسدة إذ ذاك كانت مأمونةً؛ بخلافها الآن، وقد قالت عائشة في «الصَّحيح» [خ¦869] : «لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النِّساء؛ لمنعهنَّ المساجد كما مُنِعت نساء بني إسرائيل»، وبه قال مالكٌ وأبو يوسف.

(قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ) لأمِّ عطيَّة: (آلْحُيَّضُ؟!)؛ بهمزةٍ ممدودةٍ على الاستفهام التَّعجبيِّ، من إخبارها بشهود الحُيَّض (فَقَالَتْ) أمُّ عطيَّة: (أَلَيْسَ) الحائض (تَشْهَدُ) واسم «ليس» ضمير الشَّأن، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أليست))؛ بتاء التَّأنيث، وللأَصيليِّ: ((أليس [20] يشهدن))؛ بنون الجمع؛ أي: الحُيَّض (عَرَفَةَ)؛ أي: يومها (وَكَذَا وَكَذَا)؛ أي: نحو المزدلفة ومنى وصلاة الاستسقاء؟

ورواة هذا الحديث ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول والسُّؤال والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العيدين» [خ¦974] ، و«الحجِّ» [خ¦1652] ، ومسلمٌ في «العيدين»، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».

[1] في غير (ص): «عن»، والمثبت هو الصَّواب.
[2] في هامش (ص): «قوله: «الطَّلَحات»؛ بفتح الطَّاء واللَّام، وهي القاعدة في المجموع بالألف والتَّاء إذا كان اسمًا ثلاثيًّا ساكن العين، غير مُعتلِّها ولا مُدغَمها، وكان مفتوح الفاء؛ فإنَّه يلزم فتح عينه إتباعًا لفتح فائه؛ نحو: سَجْدة وسَجَدات، ودَعْد ودَعَدات؛ بفتح عينهما؛ كما في «الأوضح» و«شرحه». انتهى».
[3] «مع»: ليس في (د) و(ص).
[4] في (ب) و(س): «بمُوحَّدتين».
[5] في (د): «تجرح»، وهو تصحيفٌ.
[6] في (ص) و(م): «لتعيرها»، وفي هامش (ص): «قوله: أي: «لتعيرها»: كذا في بعض النُّسخ، والوجه: «لتُعِرْها»؛ بحذف الياء؛ لأنَّه مجزومٌ بلام الأمر، وفي بعض النُّسخ بدون لام الأمر: «تعيرها»؛ كرواية: «فتلبسها». انتهى».
[7] في (د) و(ص): «المُعلَّق».
[8] في (د): «يخرج».
[9] في (د): «ليخرج».
[10] قوله: «لكنَّه هنا للنَّدب لدليلٍ آخر»، سقط من (د) و(ص).
[11] «في نسخةٍ»: مثبتٌ من (م).
[12] «الخدور»: سقط من (د) و(م).
[13] «جمع خدرٍ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[14] في (م): «فيها».
[15] في (د): «ليخرج».
[16] في (م): «ليشهدن».
[17] في (د): «تعتزل».
[18] في غير (ص) و(م): «و».
[19] في (ص) (إياهنَّ».
[20] في (د): «ألسْنَ».





324- ( وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصلَّى ) لابن عساكر: «واعتزالهن المصلَّى»، والجمع بالنَّظر إلى أنَّ الحائض اسم جنس.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ) زاد أبو ذرٍّ: «ابن سلام»، ولكريمة: «هو ابن سلام».

( عَوَاتِقَنَا ): جمع عاتق، وهي من بلغت الحلم أو قاربت أو استحقَّت التَّزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت من الامتهان في الخروج للخدمة.

( قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ ): كان بالبصرة. [/ج1ص409/]

( عَنْ أُخْتِهَا ): هي أمُّ عطية.

( ثِنْتَيْ عَشَرَةَ ) زاد الأَصِيلي: «غزوة».

( وكَانَتْ أُخْتِي ) في حذف تقديره: قالت المرأة: وكانت أختي.

( قَالَتْ ) أي: الأخت.

( والْكَلْمَى ): بفتح الكاف وسكون اللَّام، جمع كليم، أي: جريح.

( مِنْ جِلْبَابِهَا ) قيل: المراد به الجنس، أي: تعيرها من ثيابها ما لا يحتاج إليه، وقيل: المراد لتشركها في لبس الثَّوب الذي عليها، وهذا ينبني على تفسير الجلباب وهو بكسر الجيم وسكون اللَّام وبموحَّدتين بينهما ألف، قيل: هو المقنعة أو الخمار أو أعرض منه، وقيل: الثَّوب الواسع يكون دون الرِّداء، وقيل: الإزار، وقيل: الملحفة أو الملاءة، [وقيل: القميص] [1] .

( وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ) للكُشْمِيهنيِّ: «المؤمنين».

( بِأَبِي ) أي: هو مفدًّى بأبي، وفي رواية: «بِيَبِي» بياء تحتيَّة بدل الهمزة في الموضعين.

( وَكانت ) أي: أمُّ عطية.

( لا تَذكره ) أي: النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

( وَذَوَاتُ الْخُدُورِ ): بضمِّ الخاء المعجمة والدَّال المهملة: جمع خِدر بكسرها وسكون الدَّال: وهو ستر يكون في ناحية البيت، تقعد البكر وراءه، وبين العواتق والبكر عموم وخصوص من وجه.

( أَوِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ ): شكٌ.

( وَيَعْتَزِلُ ): بالرَّفع خبر بمعنى الأمر، وفي رواية: «ويعتزلن الحيّضُ» على حدِّ: أكلوني البراغيث، والأمر بالاعتزال للنُّدب؛ لأنَّ المصلَّى ليس بمسجد.

وقال ابن المنيِّر: الحكمة فيه أنَّ في وقوفهنَّ وهنَّ غير مصلِّيات مع المصلِّيات إظهار استهانة بالحال، فندب لهنَّ اجتناب ذلك. [/ج1ص410/]

( فَقُلْتُ: آلْحُيَّضُ ): بهمزة ممدودة كأنَّها تتعجَّب من ذلك.

( فَقَالَتْ ) أي: أمُّ عطية.

( أَلَيْسَ تَشْهَدُ ) أي: الحائض، وللكُشْمِيهنيِّ: «أليست»، وللأَصِيلي: «أليس يشهدن».

( وَكَذَا وَكَذَا ) أي: ومزدلفة ومِنَى وغيرهما. [/ج1ص411/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] : (قيل أو القميص) والمثبت من غيرها لأنه أفصح





86/324# قال أبو عبد الله: حدَّثني مُحَمَّدٌ بْنُ سَلام، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ، عن أَيُّوبَ، عن حَفْصَةَ [1] :

عن أُمِّ عَطِيَّةَ، سَمِعت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَخْرُجُ [2] _يعني [3] في العيدين_ العَواتِقُ، وَذَواتُ الخُدُورِ، والْحُــيَّضُ، وَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ، دَعْوَةَ المُؤمِنِينَ، وَتَعْتَزِلُ [4] الحُــيَّضُ المُصَلَّىَ».

(العواتق): الحديثاتُ الإدراك، يقال: جاريةٌ عاتقٌ، وقد [5] عَتَقت؛ أي: أدركت.

وفيه دلالةٌ على أنَّ الحائضَ لا تهَجر ذِكرَ اللهِ، وأنَّها تَشهَدُ مواطن الخير، ومجالسَ العلم، خَلا [6] أنَّها لا تدخلُ

@%ص91%

المساجدَ [7] .

[1] في (أ): (عن حفص).
[2] في النسخ الفروع: (يخرجن).
[3] في (م): (معي).
[4] في (ر): (ودعوة المؤمنين ويعتزل).
[5] في (ط): (أي).
[6] في النسخ الفروع: (سوى).
[7] في (أ) و (م): (المسجد).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

324- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا محمَّد)) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي ذر: (محمَّد بن سلام) ، وفي رواية كريمة: (محمَّد هو ابن سلَام) ؛ بتخفيف اللام، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، والمراد به: البيكندي ((قال: حدثنا)) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة: (أخبرنا) ((عبد الوهاب)) ؛ هو الثقفي بالمثلثة، ((عن أيُّوب)) هو السختياني، ((عن حفصة)) هي بنت سيرين أم الهذيل الأنصارية البصرية أخت محمَّد بن سيرين أنها ((قالت: كنا نمنع عواتقَنا)) بالنصب مفعول (نمنع) ، وهذه الجملة في محل النصب؛ لأنَّها خبر (كنا) ، كذا قاله إمام الشارحين، ثم قال: (والعواتق جمع عاتق؛ بمعنى: شابة أول ما أدركت؛ فخدرت في بيت أهلها، ولم تفارق أهلها إلى زوج) ، وفي «الموعب»: قال أبو زيد: (العاتق من النساء: التي أدركت وبين التي قد عنست، والعاتق: التي لم تتزوج) ، وعن الأصمعي: (هي من الجواري فوق المعصر) ، وعن أبي حاتم: (هي التي لم تبن عن أهلها) ، وعن ثابت: (هي البكر التي لم تبن إلى الزوج) ، وعن ثعلب: (سميت عاتقًا؛ لأنَّها عتقت عن خدمة أبويها ولم يملكها زوج بعد) ، وفي «المخصص»: (التي أوشكت البلوغ) ، وقال الأزهري: هي الجارية التي قد أدركت وبلغت ولم تتزوج، وقيل: هي التي بلغت أن تدرع، وعتقت من الصبا [1] والاستعانة بها في مهنة أهلها) انتهى.

((أن يخرجن)) أي: من أن يخرجن، و (أن) مصدرية؛ أي: من خروجهن ((في العيدين)) الأضحى والفطر إلى المصلى، ((فقدِمت)) ؛ بكسر الدال المهملة المخففة ((امرأة)) قال إمام الشارحين: (لم أقف على اسمها) ((فنزلت قصر بني خلف)) كان بالبصرة، منسوب إلى طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف بـ (طلحة الطلحات) ، كذا زعمه ابن حجر.

ورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: ليس منسوبًا إلى طلحة، بل هو منسوب إلى خلف جد طلحة المذكور، وكذا جاء مبينًا في رواية) انتهى.

((فحدثت عن أختها)) قيل: هي أخت أم عطية، وقيل: غيرها، ونص القرطبي على أنها أم عطية، قاله إمام الشارحين ((وكان زوج أختها)) قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (لم أقف على اسمه) ؛ فافهم، ((غزا مع النبي)) الأعظم، وللأَصيلي: (مع رسول الله) ((صلَّى الله عليه وسلَّم ثنْتي)) ؛ بسكون النون، وقيل: بكسرها ((عشرة غزوة)) كذا في رواية الأَصيلي، وفي رواية غيره بإسقاط لفظ (غزوة) فقط: ((وكانت أختي)) أي: قالت المرأة المحدثة: (كانت أختي) ، ولا بد من تقدير قالت حتى يصح المعنى، وتقدير القول في الكلام غير عزيز؛ فافهم، ((معه)) أي: مع زوجها أو مع النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((في ست)) أي: في ست غزوات، وروى الطبراني: أنها غزت معه سبعًا، كذا في «عمدة القاري»، ((قالت) ؛ أي: الأخت لا المرأة ((كنا)) وإنما قالت: (كنا) بلفظ الجمع؛ [/ص367/] لبيان فائدة حضور النساء الغزوات على سبيل العموم، قاله إمام الشارحين ((نداوي)) ؛ بضمِّ النون، من المداواة ((الكَلْمَى)) بفتح الكاف، وسكون اللام، وفتح الميم، جمع كليم، وهو على القياس؛ لأنَّه فعيل بمعنى: مفعول، والمراد به: الجرحى، وقال ابن سيده: (جمع كليم كلوم، وكلام، وكلمة، وتكلمة، وتكلمة من باب (نصر ينصر) ، و (ضرب يضرب) ، وكلمًا؛ بالفتح مصدره، وكلمه جرحه، ورجل مكلوم وكليم) ، وفي «الصحاح»: (التكليم: التجريح) ، قاله في «عمدة القاري»، وقوله: ((ونقوم على المَرْضى)) بفتح الميم، وسكون الراء محمول عليه؛ لأنَّ الكلمى هو: المرضى، إلا أن يقال: الكلمى: الجرحى، والمرضى: من به مرض غير الجراحة؛ فليحفظ

يدل لما قلنا قولها في الأول: (نداوي) ، وفي الثاني: (نقوم) ، فدل على المغايرة؛ فافهم.

((فسألتْ)) بتاء التأنيث ((أختي النبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) عن عدم تسترهن بحضرة الكلمى والمرضى حيث يتعاهدنهم، فقالت له: ((أعلى إحدانا)) الهمزة فيه للاستفهام ((بأس)) أي: حرج وإثم بفعلنا ذلك ((إذا)) وللأصيلي: (إن) ((لم يكن لها جِلْباب؟)) ؛ بكسر الجيم، وسكون اللام، وبموحدتين بينهما ألف؛ وهو خمار واسع كالملحفة تغطي به المرأة رأسها وصدرها، وتجلبت المرأة وجلببها غيرها، ولم يدغم؛ لأنَّه ملحق، وفي «المحكم»: (الجلباب: القميص، وقيل: ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، وقيل: ما يغطى به الثياب من فوق كالملحفة) ، وفي «الصحاح»: (الجلباب: الملحفة، والمصدر: الجلبية، ولم يدغم؛ لأنَّها ملحقة بدحرجة) ، وفي «الغريبين»: (الجلباب: الإزار، وقيل: هي الملاءة التي تشتمل بها) ، وقال القاضي عياض: (هي أقصر من الخمار وأعرض، وهي المقنعة، وقيل: هي الرداء تغطي به المرأة ظهرها وصدرها) ، كذا قاله في «عمدة القاري»، ((ألَّا تخرج) ؛ أي: ليلًا تخرج، و (أن) مصدرية؛ أي: لعدم خروجها إلى المصلى للعيد (قال) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لها: ((لتلبسْها)) ؛ بجزم السين المهملة، وقوله: ((صاحبتُها)) ؛ بالرفع فاعله، وفي رواية: (فتلبسُها) ؛ برفع السين المهملة، وبالفاء بدل اللام ((من جلبابها)) أي: تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وقيل: تشركها معها في لبس الثوب الذي عليها، وهذا مبني على أن يكون الثوب واسعًا حتى يسع فيه اثنان، وفيه نظر كما ما سيأتي في باب (إذا لم يكن لها جلباب في العيدين) ، وقيل: هو مبالغة؛ ومعناه: يخرجن ولو كانت ثنتان في ثوب واحد، كذا قاله إمام الشارحين.

قلت: والأظهر الثاني؛ يعني: أنَّه على سبيل المبالغة؛ لأجل الجزر، ولئلا يتحيلن في عدم الجلباب، وهو أقرب إلى الصواب، والله أعلم.

((ولتشهد الخير)) أي: ولتحضر مجالس الخير؛ كسماع الحديث، والعلم، وعيادة المريض، ونحو ذلك، ((ودعوة المسلمين)) كلام إضافي منصوب عطفًا على (الخير) ، وذلك كالاجتماع لصلاة الاستسقاء، وفي رواية الكشميهني: (ودعوة المؤمنين) ، قالت حفصة: ((فلما قدِمت)) بكسر الدال المهملة المخففة ((أم عطية)) واختلف في اسمها فقيل: نُسيبة؛ بضمِّ النون، وقيل: بفتح النون، وكسر السين المهملة، كذا زعمه الخطيب، وزعم القشيري: أنها بنون، وشين معجمة، وزعم ابن الجوزي أنها لُسَيْنَة؛ بلام مضمومة، وسين مهملة مفتوحة، وتحتية ساكنة، ونون مفتوحة، واختلف أيضًا في اسم أبيها فقيل: الحارث، وقيل: كعب؛ ((سألتها)) أي: سألت حفصة أم عطية: ((أسمعت النبيَّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) الهمزة فيه للاستفهام؛ وتقديره: هل سمعت النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يقول المذكور؟ والمفعول الثاني محذوف، وقد قدمنا أن النحاة اختلفوا في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ على قولين؛ فالمانعون يجعلون الثاني حالًا، كذا في «عمدة القاري» ((قالت)) ؛ أي: أم عطية ((بأبِيْ)) ؛ بموحدة بعدها همزة، ثم موحدة مكسورة، ثم تحتية ساكنة، هذه الرواية المشهورة، وفي رواية الكشميهني: (بيبي [2] ) ؛ بقلب الهمزة ياء تحتية، وفي رواية الأصيلي: (بأبا) ؛ بفتح الموحدة، وإبدال ياء المتكلم ألفًا، وفي رواية: (بيبا) ؛ بقلب الهمزة ياء، وفتح الموحدة، قال إمام الشارحين بعد ذكر اللغات الأربع قلت: الباء في (بأبي) متعلقة بمحذوف؛ تقديره: أنت مفدى بأبي، فيكون المحذوف اسمًا، وما بعده في محل الرفع على الخبرية، ويجوز أن يكون المحذوف فعلًا؛ فعلى تقديره يكون المحذوف فديتك، ويكون ما بعده في محل النصب، وهذا المحذوف حذف؛ طلبًا للتخفيف؛ لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به، واللغتان الأولتان فصيحتان، وأصل بابا: بأبي هو، ويقال: بأبأت [3] الصبي؛ إذا قلت له: بأبي أنت وأمي؛ فلما سكنت الياء؛ قلبت ألفًا، وفي رواية الطبراني: (بأبي هو وأمي) انتهى.

((نعم)) أي: سمعته يقول المذكور، ((وكانت)) أي: أم عطية ((لا تذكره)) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((إلا قالت: بأبي)) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم مفدى بأبي أو أنت مَفْديٌّ بأبي، ويحتمل أن يكون قسمًا؛ أي: أقسم بأبي، لكن الوجه الأول [4] أقرب إلى السياق، وأظهر، وأولى، قاله في «عمدة القاري»، ((سمعته يقول)) ؛ فالجملة إما مفعول ثان، أو حال على اختلاف القولين، قال إمام الشارحين: وهذا ليس من تتمة المستثنى؛ لأنَّ الحصر هو في قوله: (بأبي) فقط بقرينة ما تقدم من قولها: (بأبي، نعم) انتهى.

((تخرج)) أي: لتخرج ((العواتق)) وهذا خبر متضمن للأمر؛ لأنَّ إخبار الشارع عن الحكم الشرعي متضمن للطلب، لكنه هنا للندب لدليل آخر، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ((وذوات)) فيه ثلاث روايات؛ الأولى: بواو العطف، والثانية: بلا واو، ويكون صفة للـ (العواتق) ، والثالثة: (ذات) ؛ بالإفراد، فالأولى: رواية الحمُّوي وكريمة، والثانية: أبي ذر عن الكشميهني، والثالثة: رواية الأصيلي، ((الخُدور)) بضمِّ الخاء المعجمة، والدال المهملة، جمع خِدْر بكسر الخاء، وسكون الدال؛ وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وقال ابن سيده: الخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، ثم صار كلما واراك [5] من البيت ونحوه خدر، والجمع خدور، وأخدار، وأخادير جمع الجمع، والخدر: خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب، وهودج مخدور، ومخدَّر [6] ، وخدر، وقد أخدر الجارية، وخدرها، وتخدرت هي، واختدرت، وفي «المخصص»: الخدر: ثوب يمد في عرض الخباء، فتكون فيه الجارية البكر، وقيل: هو هودج، وقال ابن قرقول: سرير عليه ستر، وقيل: الخدر: البيت، كذا قرره إمام الشارحين، - ((أو العواتق ذوات الخدور)) على الشك- وأكثر النسخ بإسقاط الشك، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني، والأصيلي: (ذات الخدر) بغير واو فيهما؛ والمعنى: لتخرج الأبكار الشابة أصحاب التستر ((والحُيَّض)) بضمِّ الحاء المهملة، وتشديد المثناة التحتية، جمع حائض، وهو معطوف على (العواتق) ، ((وليشهدن)) وفي رواية ابن عساكر: (ويشهدن) ((المخير)) أي: مجالس الخير؛ كمجلس وعظ ونحوه، قال في «عمدة القاري»: (وليشهدن) عطف على قوله: (يخرج العواتق) .

فإن قلت: كيف يعطف الأمر على الخبر؟

قلت: الخبر من الشارع من الأحكام الشرعية محمول على الطلب، فمعناه: لتخرج العواتق وليشهدن) انتهى.

((ودعوة المسلمين)) وفي رواية: (ودعوة المؤمنين) كالاجتماع لصلاة الاستسقاء ونحوه، ((ويعتزلن)) بلفظ الجمع على لغة (أكلوني البراغيث) ، وفي رواية: (يعتزل) ؛ بالإفراد ((الحُيَّض)) بضمِّ المهملة، وتشديد التحتية، جمع حائض ((المصلى)) ؛ أي: مكان الصَّلاة، وهو المساجد؛ فإنهن

[/ص368/] يمنعن من دخولها؛ كالجنب والنفساء، ((قالت حفصة)) ؛ أي: الراوية ((فقلت)) أي: لأم عطية: ((آلحيض؟!)) بهمزة ممدودة على الاستفهام التعجبي من إخبارها بشهود الحيض، ((فقالت)) ؛ أي: أم عطية: ((أليس)) ؛ بهمزة الاستفهام ((تشهد)) أي: الحيض، واسم (ليس) ضمير الشأن، وفي رواية الكشميهني: (أليستْ تشهد) ؛ بالتاء التأنيث في (ليس) ، وفي رواية الأصيلي: (ألسن يشهدن) ؛ بنون الجمع في (ألسن) مع همزة الاستفهام ((عرفة)) فيه الظرف محذوف؛ أي: يوم عرفة في عرفات، ((وكذا)) أي: نحو منًى والمزدلفة، ((وكذا)) ؛ أي: نحو صلاة الاستسقاء وغيرها؟

ففيه دليل: على أن الحائض لا تهجر ذكر الله عز وجل.

وفيه دليل: على جواز استعارة الثياب للخروج إلى طاعة الله عز وجل.

وفيه غزو النساء، ومداواة الجرحى وإن كنَّ غير ذي محارم منها.

وفيه دليل: على قبول خبر المرأة.

وفي قوله: (كنا نداوي) جواز فعل الأعمال التي كانت في زمن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وإن كان لم يجز شيئًا من ذلك.

وفيه دليل: على جواز النقل عمن لا يعرف اسمه من الصحابة خاصة وغيرهم إذا بين مسألة ودل عليه.

وفيه دليل: على امتناع خروج النساء بدون الجلابيب.

وفيه جواز تكرار يأتي في الكلام.

وفيه جواز السؤال بعد رواية العدل عن غيره؛ تقوية لذلك.

وفيه جواز شهود الحائض عرفة.

وفيه دليل على وجوب صلاة العيدين، وزعم القرطبي أنه لا يستدل بذلك على الوجوب؛ لأنَّ هذا إنَّما توجه لمن ليس بمكلف بالصَّلاة باتفاق، وإنما المقصود والندب على الصَّلاة والمشاركة في الخير، وإظهار كمال الإسلام، وزعم القشيري أن أهل الإسلام إذ ذاك كانوا قليلين) انتهى.

قلت: وهذا غير صحيح؛ فإن في الحديث دليل واضح: على وجوب صلاة العيدين؛ لأنَّ قوله: (وليشهدن الخير ودعوة المسلمين) أمر من الشارع، وهو وإن كان محمولًا على الندب بدليل آخر إلا أنه هنا المراد به: الطلب في الشهود، وهو يقتضي الوجوب؛ لأنَّه أمر من الشارع، فإذا كان شهود الحائض التي هي غير مكلفة وقتئذٍ مطلوبًا؛ فكيف بالمكلف الطاهر؟ فيجب عليه ذلك وهو دليل الوجوب؛ لا سيما وقد واظب على صلاة العيدين النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ومن بعده كالخلفاء الراشدين وغيرهم؛ والمواظبة دليل الوجوب قطعًا، فكان كالإجماع على وجوبها، وسوف يأتي تمامه في محله إن شاء الله تعالى.

وقال الخطابي: (فيه دليل على أنهن يشهدن مواطن الخير ومجالس العلم، خلا أنهن لا يدخلن المساجد) .

قلت: فيه نظر؛ فإن مصلى العيدين مسجد، وقد أبيح لهن دخوله؛ فافهم.

وقال ابن بطال: (فيه جواز خروج النساء الطاهرات والحُيض إلى العيدين، وشهود الجماعات، وتعتزل الحُيض المصلى، ولكن فيمن تدعو وتؤمن رجاء بركة المشهد الكريم) ، وقال القاضي عياض: (وقد اختلف السلف في خروجهن؛ فرأى جماعة ذلك حقًّا؛ منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وآخرون [7] رضي الله عنهم، ومنعهن جماعة؛ منهم: عروة، والقاسم، ويحيى بن سَعِيْد الأنصاري، ومالك، والإمام أبو يوسف، وأما الإمام الأعظم؛ فأجازه مرة، ومنعه مرة أخرى، وفي «الترمذي»: (وروي عن ابن المبارك: أكره اليوم خروجهن في العيدين، فإن أبت المرأة إلا تخرج؛ فلتخرج في أطهارها بغير زينة، فإن أبت ذلك؛ فللزوج أن يمنعها) ، ويروى عن الثوري: أنه كره اليوم خروجهن.

قال إمام الشارحين: (قلت: اليوم الفتوى على المنع مطلقًا، ولا سيما في الديار المصرية) انتهى.

قلت: ولا سيما في ديارنا الشامية، بل المنع لهن كان واجبًا، وقوله: (مطلقًا) يعني: في جميع الصلوات ولو كانت عجوزًا ولو كانت غير متزينة، كيف ما كانت؛ لفساد الزمان؛ فإن المعاصي قد تجاهروا بفعلها، والأعمال الصالحات قد تركوا العمل بها، فالفساق في الأسواق كثير، لا سيما بالمساجد العظام، ولا أحد ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف؛ فالمنع واجب، ولا يخفى أن هذا اختلاف زمان لا حجة وبرهان.

وقال النووي: (قال أصحابنا -يعني: الشافعية-: يستحب إخراج النساء في العيدين غير ذوات الهيئات والمستحسنات، وأجابوا عن هذا الحديث: بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة، بخلاف اليوم، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لو رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهنَّ المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل) انتهى.

قلت: فقد اعترف بأنه اختلاف زمان، وعليه؛ فالمنع واجب وهو اتفاق؛ فافهم، وفيه اعتزال الحُيض من المصلى، واختلفوا فيه؛ فقال الجمهور: هو منع تنزيه، وسببه: الصيانة والاحتراز عن مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة، وإنما لم يحرم؛ لأنَّه ليس بمسجد [8] ، كذا قاله إمام الشارحين.

وزعم ابن حجر أنه يحرم المكث في المصلى عليها، كما يحرم مكثها في المسجد؛ لأنَّه موضع الصَّلاة؛ فأشبه المسجد، قال صاحب «عمدة القاري»: (والصواب الأول) .

قلت: ووجهه أن المصلى حكمه حكم الصحراء؛ بدليل: أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصلي العيدين في الصحراء، وأصحابه بعده كذلك، فاتخذ المصلى؛ صيانة لحرمة الصَّلاة.

وقول هذا القائل: (يحرم...) إلخ ممنوع؛ فلا وجه للحرمة في ذلك، ولا دليل يدل عليها، ولا بدَّ لها من دليل قطعي ولم يوجد؛ فلا يحرم عليها المكث في المصلى، ومثلها الجنب والنفساء، وقوله: (لأنَّه موضع الصَّلاة) ممنوع؛ فإن الصحراء موضع الصَّلاة، ولم يسع أحدًا أن يقول بحرمة مكثها فيها، وقوله: (فأشبه المسجد) ممنوع أيضًا، كما لا يخفى؛ فإن المشبه لا يعطى له حكم المشبه به من كل وجه، وكيف خفي هذا على هذا القائل؟ فإن المصلى قد أشبه المسجد في الاجتماع للصلاة، والصَّلاة فيه لا في حرمة دخول الحائض والجنب؛ فإن ذلك مباح لهما، وحديث الباب محمول على المنع التنزيهي [9] بسبب المخالطة، كما قدمناه؛ فافهم.

وقال الكرماني: (فإن قلت: الأمر بالاعتزال للوجوب؛ فهل الشهود والخروج أيضًا واجبان؟قلت: ظاهر الأمر الوجوب، لكن علم من موضع آخر أنه ههنا للندب) انتهى.

واعترضه ابن حجر فزعم أن الكرماني قد أغرب حيث قال: الاعتزال واجب، والخروج مندوب.

ورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: لم يقل الكرماني بوجوب الاعتزال وندبية الخروج من هذا الموضع خاصة حتى يكون مغربًا، وإنما صرح بقوله: إن الأمر بالاعتزال للوجوب، وأما ندبية الخروج؛ فمن موضع آخر) انتهى.

قلت: فإن دأب ابن حجر الاعتراض على الشراح وإن كان غير صواب حتى يقال وقد قيل: ولا ريب أن ذلك من طول اللسان وكثرة الرياء المحبط للأعمال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فافهم.[/ص369/]

[1] في الأصل: (الصباء).
[2] في الأصل: (بيني)، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (بأبات)، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (أول) ، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (ورك)، وهو تحريف.
[6] في الأصل: (محذور ومحدرز)، والمثبت موافق لما في «المحكم».
[7] في الأصل: (وآخرين)، ليس بصحيح.
[8] في الأصل: (مسجد)، وهو تحريف.
[9] في الأصل: (الننزيه)، وليس بصحيح.