المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(19) بابُ إِقْبالِ المَحِيضِ وَإِدْبارِهِ

وَكُنَّ نِساءٌ يَبْعَثْنَ إلىَ عائِشَةَ بِالدِّرَجَةِ فيها الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: لا تَعْجَلْنَ حَتَّىَ تَرَيْنَ القصَّةَ [1] البَيْضاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ.

وَبَلَغَ ابْنَةَ [2] زَيْدِ بنِ ثابِتٍ أَنَّ نِساءً يَدْعُونَ بِالْمَصابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، يَنْظُرْنَ إلى الطُّهْرِ، فقالتْ: ما كان النِّساءُ يَصْنَعْنَ هَذا! وَعابَتْ عَلَيْهِنَّ.

[1] أهمل ضبط القاف في (ن)، وضبطها بالفتح في (و، ص)، وضبطها بفتح القاف وكسرها معًا في (ب).
[2] في رواية ابن عساكر: «بنتَ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

( كُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ ) كَذَا رَوَاهُ غَير مُسند، وقد أسنده مالك في «الموطأ».

( الدُّرْجَةِ ) بضم أوله وإسكان ثانيه، وروي بكسر أوله وفتح ثانيه: جمع درجة، هي قطنة تدخلها المرأة فرجها ثم تخرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الحيض أم لا.

( الْقَصَّةَ ) بقاف مفتوحة وصاد مهملة مشدَّدة: ماء أبيض يكون آخر الحيض به يتبين نقاء الرحم؛ سمِّي به تشبيهًا بالقصة وهي الجير.

وقال أبو عبيد الهروي: معناه أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًا لا تخالطه صفرة كأنه قَصة، وكأنَّه ذهب إلى النقاء والجُفوف.

قال القاضي: وبينها وبين القصة عند النساء وأهل المعرفة فرق بيِّن.


(19) [باب: إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارهِ]

(وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ) على لغة: ((يَتَعاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ))، فأورده [1] هكذا غير مسندٍ، وقد أسنده الإمام مالكٌ في «الموطأ».

(بِالدُّرْجَةِ) بضم أوله وإسكان ثانيه: هي قطنةٌ تُدخلها المرأةُ فرجَها؛ لاختبار الطهر.

وروي: بكسر أوله وفتح ثانيه، جمع دُرَجَة.

(الْقَصَّةَ [2] ) بقاف مفتوحة

@%ج1ص162%

وصاد مهملة مشددة [3] : ماء أبيض يخرج آخر الحيض، فيتبين نقاءُ الرحم، شُبه بالقَصَّة، وهي الجيرُ.

وقال [4] أبو عبيد الهروي: معناه: أن يخرج ما تحشي به الحائض نقيًّا كالقَصَّة، كأنه ذهب إلى الجفوف [5] .

قال القاضي: وبينهما [6] عند النساء وأهل [7] المعرفة فرق بيِّن [8] . انتهى.

وسببه أن الجفوف عَدَم، والقَصَّة وجود، والوجودُ أبلغُ دلالةً، وكيف لا والرحمُ قد يجف في أثناء الحيض؟ وقد تنتظف [9] الحائض فيجف رحمُها [10] ساعة، والقَصَّة لا تكون إلا طهرًا.

[1] في (ق): ((وأورده)).
[2] في (ق) زيادة: ((البيضاء)).
[3] في (ج): ((تشدد)).
[4] في (د) و(ج): ((قال)).
[5] في (ج): ((الجرف)).
[6] في (ج): ((وبينهما فرق)).
[7] في (ق) زيادة: ((اللغة)).
[8] في (د): ((وأهل اللغة والمعرفة بين)).
[9] في (ق): ((تنظف)).
[10] في (د): ((فرجها)).





(باب إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ) ... إلى (بَاب الصَّلاة على النُّفَسَاءِ)

قوله: (وَكُنَّ نِسَاءٌ): (نساءٌ): مرفوع منوَّن، وكذا في أصلنا، ورأيت في نسخة صحيحة: منصوبًا منوَّنًا بالقلم، ولم يتعرَّض للرفع بالكليَّة.

قوله: (بِالدُّرَجَةِ): قال ابن قُرقُول: بكسر الدَّال _ يعني: المهملة-، وفتح الرَّاء؛ يعني: وبالجيم، جمع دُرْج؛ وهي كالسَّفط الصَّغير، تضع فيه المرأة طيبها، وحُلِّيها، وخِفَّ متاعها، ورواه أبو عُمر: «بالدُّرْجة»، قال: وهو تأنيث دُرْج، وقال أبو عبيد: الدُّرْجة: الخرقة التي تلفُّ وتُدخَل في حَياء النَّاقة إِذَا [1] عطفت على ولد ناقة أخرى، وإذا كان هذا مع هذه الرِّواية؛ فهي أشبه، كما ضبط أبو عُمر، وشبَّهوا الخرق التي تحشي بها المرأة أيَّام حيضها محشوَّة بالكرسف [2] بتلك الدُّرْجة، ورواه الباجيُّ: بفتح الدَّال والرَّاء، وهي بعيدة من الصَّواب، انتهى.

قوله: (الكُرْسُفُ): هو -بِضَمِّ الكاف، ثُمَّ راء ساكنة، ثُمَّ سين مهملة مضمومة، ثُمَّ فاء- القطن، وهو العُطبُ والبِرْس؛ أعني [3] : من أسمائه.

قوله: (القَصَّةَ البَيْضَاءَ): (القَصَّة) ؛ بفتح القاف، وحُكِي كسرها، وتشديد الصَّاد المهملة، كناية عنِ النَّقاء؛ وهو ماء أبيض يرخيه الرَّحم آخر الحيض عند ارتفاعه؛ كالخيط الأبيض، قال الحربيُّ: القَصَّة: القطعة من القطن؛ لأنَّها بيضاء، يقول: تخرج نقيَّة بيضاء غير مغيَّرة، ويدلُّ عليه قوله في الحديث الآخر: «حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّة البَيْضَاء»، وقيل: هو خروج ما تحشي به أبيض؛ كالقصة؛ وهو الجِيْر.

تنبيه: ممَّا ينبغي أنْ يعتنى به معرفة علامة انقطاع الحيض، وقلَّ [4] من أوضحه، وحاصله: أنَّ علامة انقطاع الحيض، والحصول في الطُّهر: أنْ ينقطع خروج الدَّم والصُّفرة والكدرة، وسواء خرجت رطوبة بيضاء أم لَمْ تخرج أصلًا، والله أعلم.

قوله: (وَبَلَغَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ): قال شيخنا المؤلِّف: (يشبه أن تكون أمَّ سعد، وهي صحابيَّة) ، قال الدِّمياطيُّ: (إنَّ له من البنات: أمَّ إسحاق، وحسنة، وعمرة، وأمَّ كلثوم، وأمَّ حسن، وقريبة، وأمَّ محمَّد) ، وهذا رأيته في كلام شيخنا المؤلف، ولم أره في الحواشي التي للدمياطيِّ، وفي «التَّذهيب»: (بنت زيد بن ثابت، استشهد بها البخاريُّ في «الحيض») انتهى، ولم يزِد، ونحوُه في «الكاشف».

[1] في (ب): (وإذا) .
[2] في (ج): (بأكرفس) ، وليس بصحيح.
[3] في (ج): (يعني) .
[4] في (ب) و (ج): (وقيل) .





(وَكُنَّ نِسَاء): بالرفعِ؛ أي: على أنَّ (كَانَ) تامَّةٌ، وعلامةُ الجمعِ في الإسنادِ ضعيفٌ، لَكِنَّ (نِسَاءٌ) بدلٌ مِنَ الضَّمير، وهوَ نحوُ: (أكلوني البراغيثُ).

وبالنَّصبِ؛ أي: على أنَّها تامَّةٌ أيضًا، لكنْ على الاختصاصِ؛ أي: أخصُّ نساءً، و (يَبْعَثْنَ): خبرُه.

إنْ قلتَ: أليسَ مِنْ حقِّ المنتصبِ على الاختصاصِ أنْ يكونَ معرفةً؟

قلتُ: جاءَ نكرةً كما جاءَ معرفةً ؛ قال الهذليُّ: [من المتقارب]

~ وَيَأْوِي إِلَى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وَشُعْثًا مَرَاضِيعَ مِثْل السَّعَالِي


19- (باب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ [1] وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ) بالرَّفع بدلٌ من ضمير «كنَّ» [2] ، أو على لغة: «أكلوني البراغيث»، وفائدة ذكره بعد أن عُلِمَ من لفظ: «كنَّ»، إشارةٌ إلى التَّنويع والتَّنوين، يدلَّ عليه؛ أي: كان ذلك من بعضهنَّ لا من كلِّهنَّ (يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها (بِالدِّرَجَةِ)؛ بكسر الدَّال وفتح الرَّاء والجيم، جمع: دُرْجٍ؛ بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون، وبضمِّ أوَّله وسكون ثانيه في قول ابن قرقول، وبه ضبطه ابن عبد البرِّ في «المُوطَّأ»، وعند الباجيِّ؛ بفتح الأوَّلين، ونُوزِع فيه، وهي [3] وعاءٌ أو خرقةٌ (فِيهَا الْكُرْسُفُ) بضمِّ الكاف، وإسكان الرَّاء، وضمِّ السِّين، آخره فاءٌ؛ أي: القطن (فِيهِ)؛ أي: في القطن (الصُّفْرَةُ) الحاصلة من أثر دم الحيض، بعد وضع ذلك في الفرج لاختبار الطُّهر، وإنَّما اختير القطن، لبياضه، ولأنَّه ينشِّف الرُّطوبة فيظهر فيه من آثار الدَّم ما لم يظهر في غيره، (فَتَقُولُ) عائشة لهنَّ: (لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ) بسكون اللَّام والمُثنَّاة التَّحتيَّة (الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ)؛ بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة: ماءٌ أبيض يكون آخر الحيض يتبيَّن به نقاء الرَّحم تشبيهًا بالجصِّ وهو النُّورة، ومنه قصَّص داره؛ أي: جصَّصها، وقال الهرويُّ: معناه: أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًّا كالقَصَّة [4] ، كأنَّه ذهب إلى الجفوف، قال القاضي عياضٌ: وبينهما عند النَّساء وأهل المعرفة فرقٌ بيِّنٌ، انتهى. قال في «المصابيح»: وسببه أنَّ الجفوف عدمٌ، والقَصَّة وجودٌ، والوجود أبلغ دلالةً [5] ، وكيف لا والرَّحم قد يجفُّ في أثناء الحيض؟ وقد تنظِّف الحائض فيجفُّ رحمها ساعةً، والقَصَّة لا تكون إلَّا طهرًا، انتهى. وفيه دلالةٌ على أنَّ الصُّفرة والكدرة في أيَّام الحيض حيضٌ وهذا الأثر رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» من حديث علقمة بن أبي علقمة المدنيِّ عن أمِّه [6] مرجانة مولاة عائشة، وقد عُلِمَ أنَّ إقبال المحيض يكون بالدَّفقة [7] من الدَّم، وإدباره بالقَصَّة أو بالجفاف.

(وَبَلَغَ ابْنَةَ)، ولابن عساكر: ((بنت)) (زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) هي أمُّ كلثومٍ زوج سالم بن عبد الله بن عمر أو أختها أمُّ سعدٍ، والأوَّل اختاره الحافظ ابن حجرٍ (أَنَّ نِسَاءً) من الصَّحابيَّات (يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ)؛ أي: يطلبنها (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى) ما يدلُّ على (الطُّهْرِ فَقَالَتْ [8] : مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ)؛ ذلك لكون اللَّيل لا يتبيَّن فيه البياض الخالص من غيره، فيحسبن أنَّهنَّ طَهُرن وليس كذلك، فيصلِّين قبل الطُّهر.

[1] في (س): «الحيض».
[2] زيد في (ب): «أو».
[3] في (ص): «هو».
[4] في (د): «كالفضَّة».
[5] «دلالةً»: سقط من (د).
[6] في (د): «ابنة»، وليس يصحيحٍ.
[7] في (س): «بالدَّفعة».
[8] في (د): «قالت».





( وَكُنَّ نِسَاءٌ ): بالرَّفع بدل من ضمير كنَّ على حدِّ: أكلوني البراغيث، وهذا الأثر وصله مالك في «الموطَّأ» عن مرجانة مولاة عائشة رضي الله عنها.

( بِالدِّرْجَةِ ): بكسر الدَّال وفتح الرَّاء والجيم: جمع درج بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون. قال ابن بطَّال: كذا يرويه أصحاب الحديث، وضبطه ابن عبد البرِّ بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون وقال: إنَّه تأنيث درج، والمراد ما تحتشي به المرأة من قطنة وغيرها لتعرف هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا.

( الْكُرْسُفُ ): بضمِّ الكاف والسِّين المهملة بينهما راء ساكنة: القطن.

( الْقَصَّةَ ) بفتح القاف وتشديد المهملة: النَّورة، أي: حتَّى تخرج القطنة بيضاء نقيَّة لا يخالطها صفرة، وقيل: هي ماء أبيض يدفعه الرَّحم عند انقطاع الحيض.

( وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيْد ) وصله في «الموطَّأ».

( يَدْعُونَ ): يطلبن، وللكُشْمِيهنيِّ: «يدعين»، قال في «القاموس»: دعيت لغة في دعوت.

( إِلَى الطُّهْرِ ) أي: إلى ما يدل عليه. [/ج1ص406/]

( مَا كَانَ النِّسَاءُ ): اللَّام للعهد، أي: نساء الصَّحابة رضي الله عنهم.


(19) (باب إقبال الحيض وإدبارِه) [1]

84/ قال أبو عبد الله في غير [2] إسناد ذكره، قال: وكانت [3] نساءٌ يبعثن إلى عائشة بالدُّرْجة فيها الكرْسُفُ [4] فيه الصُّفْرة، فتقول: لا تَعْجَلْنَ حتَّى تَرَيْنَ [5] القَصَّة البيضاء. تُريدُ بذلك الطُّهرَ من الحَيْضة.

قلت: معنى (القَصَّة البيضاء): النقاءُ التامُّ، وذلك أنَّ النساء يرينَ ذلكَ عقب [6] الدَّم، وهي مُشَبَّهَةٌ بالقصَّة، وهي [7] شبه الجِصِّ [8] ، أو قريب منه، وقال ابن وهب في تفسير القصَّة البيضاء: رأيتَ القُطن الأبيضَ، كأنَّه هو. قال: وقال ابن أبي سَلَمة: إذا كان ذلك نَظرت إليها المرأةُ مثل [9] ريقها في اللون، فتطهُر بذلك، هذا فيما بلغنا.

وقال مالك: سألتُ النساء عن القَصَّة البيضاء، فإذا ذاك أمرٌ معروف عند [10] النساء، يَرَينه عند الطُّهر [11] .

[1] ما بين قوسين زيادة من هامش (ر).
[2] في النسخ الفروع: (من غير).
[3] في (ف) و (أ) و (م): (كنَّ) وفي (ر) (عن).
[4] (الكُرسف) هو القطن (التاج_ كرسف_)
[5] في (ر): (لا تعجلي حتى تري).
[6] في النسخ الفروع: (عقيب).
[7] في (ط): (وهو).
[8] في (ر): (الحبس).
[9] في النسخ الفروع: (نظرت المرأة إلى مثل).
[10] في (ط): (بين).
[11] انظر: الموطأ لمالك رقم (99).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((باب)) بيان ((إقبال الحيض وإدباره)) وعلامة ذلك الزمان والعادة، فإذا أقبلت عادتها؛ تحرت، وإن لم يكن لها ظن؛ أخذت بالأقل، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور، وقال مالك: إقبال الحيض: هو الدفعة من الدم، وإدباره: إقبال الطهر، والمناسبة بين البابين من حيث وجود حكم الحيض في كل منهما، ثم أورد الأثر الذي ذكره مالك في «الموطأ» عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((وكن)) ؛ بصيغة جمع المؤنث، وفيه ضمير يرجع إلى النساء، ويسمى هذا الضمير بالضمير المبهم، وجوز ذلك بشرط أن يكون مشعرًا بما بعده، فإذا كان كذلك؛ لا يقال: إنه إضمار قبل الذكر ((نساء)) بالرفع؛ لأنَّه بدل من الضمير الذي في (كن) ، وهذا على لغة (أكلوني البراغيث) ، وفائدة ذكره بعد أن علم من لفظ (كن) إشارة إلى التنويع والتنوين فيه يدل عليه، والمراد: أن ذلك كان من بعضهن لا من كلهن، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أن التنكير في النساء للتنويع، انتهى.

قلت: ورد هذا إمام الشارحين؛ حيث قال: (قلت: إن لم يكن هذا مصحفًا من الناسخ؛ فهو غلط؛ لأنَّه ما ثَمَّ [1] كسر في النساء وإنما فيه الرفع، كما ذكر، أو النصب على الاختصاص، لا يقال: إنه نكرة، وشرط النصب على الاختصاص أن يكون معرفة؛ لأنا نقول: قد جاء نكرة كما جاء في معرفة، وقال الهذلي:

~ويأوي إلى نسوة عطل وشعثًا مراضيع مثل السعالي

انتهى كلامه، رحمه الباري.

وفي رواية مالك في «الموطأ»: (كان النساء) ((يبعثن إلى عائشة)) أي: الصديقة زوجة النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ورضي عنها ((بالدُّرْجة)) بضمِّ الدال، وسكون الراء المهملتين، قاله ابن قرقول، قال: (وقيل: بكسر الدال، وفتح الراء) ، وعند الباجي: بفتح الدال والراء، وقال ابن قرقول: (وهي بعيدة عن الصواب) ، وقال أبو المعالي: (والدرْج؛ بالتسكين: حفش النساء، والدرجة: شيء يدرج فيدخل في حياء الناقة، ثم تشمه فيقطعه ولدها قدام أمه) ، وكذا ذكره القزاز، وصاحب «الصحاح»، وابن سيده، وزاد: (والدرجة أيضًا: خرقة توضع فيها دواء، ثم تدخل في حياء الناقة، وذلك إذا اشتكت منه) ، وفي «الباهر»: (الدرجة؛ بالكسر، والإدراج جمع الدرج؛ وهو سقط صغير، والدرجة مثل رطبة) ، وقال ابن دريد: (الدرج: سقط صغير تجعل فيه المرأة طيبها وما أشبهه) ، وقال ابن قرقول: (ومن قال بكسر الدال، وفتح الراء؛ فهو عنده جمع درج؛ وهو سقط صغير؛ نحو: جرح وجرحه، ونحو: ترس وترسه) ، كذا قرره إمام الشارحين، ((فيها الكُرْسُف)) ؛ بضمِّ الكاف، وإسكان الراء، وضم السين المهملة، آخره فاء؛ وهو: القطن، كذا قاله أبو عبيد، وقال الدينوري: وزعم بعض الرواة أنه يقال له: الكرفس، على القلب، ويجمع الكرسف على كراسيف) ((فيه)) أي: في القطن ((الصُفْرَة)) ؛ بضمِّ الصاد المهملة، وسكون الفاء، وفتح الراء، وهي علامة حاصلة من أثر دم الحيض بعد وضع ذلك في الفرج؛ لاختبار الطهر، وقال في «المحكم»: (وإنما اختير القطن لبياضه، ولأنَّه ينشف الرطوبة فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر من غيره) ، كذا في «عمدة القاري».

((فتقول)) ؛ أي: عائشة رضي الله عنها، وفي الكلام حذف دل عليه رواية مالك، ولفظه: (فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصَّلاة، فتقول لهن: ) ((لا تعجلْن)) بسكون اللام، والمثناة التحتية، نهي لجمع المؤنث المخاطبة، ويأتي كذلك للجمع المؤنث الغائبة، ويجوز هنا الوجهان، وكذا في (ترين) ؛ فافهم أفاده إمام الشارحين؛ والمعنى: لا تعجلن بإقدامكنَّ على الصَّلاة بظن الطهر، بل ((حتى ترين)) صيغة جمع المؤنث المخاطبة، وأصلها: (ترييين) على وزن (تفعلين) ؛ لأنَّها من رأى يرأى: رؤية بالعين، وتقول للمرأة: أنت ترين، وللجماعة: أنتن ترين؛ لأنَّ الفعل للواحدة، والجماعة سواء في المواجهة في خبر المرأة من بنات الياء [2] ، إلا أن النون التي في الواحدة علامة الرفع، والتي في الجمع نون الجمع.

فإن قلت: إذا كان أصل (ترين) تريين، كيف فعل به حتى صار ترين؟

قلت: نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم قلبت ألفا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت؛ لالتقاء الساكنين، فصار (ترين) على وزن (تفلن) ؛ لأنَّ المحذوف منه عين الفعل وهو الهمزة فقط، ووزن الواحدة تفين؛ لأنَّ المحذوف منه عين الفعل ولامه، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الكريم الباري.[/ص362/]

((القَصَّة البيضاء)) ؛ بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة، وفي تفسيرها أقوال؛ قال ابن سيده: (القصة والقص: الجص، وقيل: الحجارة من الجص) ، وقال الجوهري: (هي لغة حجازية، يقال: قصص داره؛ أي: جصصها، ويقال: القصة: القطنة أو الخرقة البيضاء التي تحتشي بها المرأة عند الحيض) ، وقال القزاز: (القصة: الجص، هكذا قرأته بالقاف، وحكيت بالكسر) ، وفي «المغرب»، و«الجامع»، و«الغريبين»: (القصة: شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله) ، وقال في «المحيط»: (من كتب الأئمَّة الحنفية: القصة: الطين الذي تغسل به الرأس، وهو أبيض يضرب إلى الصفرة، وجاء في الحديث: «الحائض لا تغتسل حتى ترى القصة البيضاء» أي: التي تخرج القطنة البيضاء التي تحتشي بها كأنها جصة لا تخالطها صفرة) .

قال إمام الشارحين: (قلت: أريد بها: التشبيه بالجصة في البياض والصفاء، وأنث ؛ لأنَّه ذهب إلى المطابقة، كما حكى سيبويه من قولهم: لبنة وعسلة) انتهى.

وقال ابن قرقول: قد بين [ذلك] مالك القصة بقوله: ((تريد)) ؛ أي: عائشة رضي الله عنها ((بذلك)) أي: بقولها حتى ترى القصة البيضاء ((الطهر من الحيضة)) وفسره الخطابي: (بالبياض التام) ، وقال ابن وهب: (رأت القطن الأبيض كأنه هو) ، قال مالك: (سألت النساء عن القصة البيضاء، فإذا ذلك أمر معلوم عندهن يرينه عند الطهر) ، وروى البيهقي من حديث ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن فاطمة بنت محمَّد وكانت في حجر عمرة، فقالت: (أرسلت امرأة من قريش إلى عمرة كرسفة قطن [3] فيها: أظنه أراد الصفرة، تسألها [4] إذا لم ترين الحيضة إلا هذا؛ طهرت، قال: فقالت: لا، حتى ترى البياض خالصًا، وهو مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وبه قال مالك والشافعي؛ فإن رأت صفرة في زمن الحيض ابتداء؛ فهو حيض عندهم، وقال الإمام أبو يوسف: (ليس بحيض حتى يتقدمها دم) ، كذا في «عمدة القاري».

وقال الهروي: (معنى القصة: أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًّا؛ كالقصة، كأنه ذهب إلى الجفوف [5] ) ، وقال القاضي عياض: (وبينهما عند النساء وأهل المعرفة فرق بيِّن) ، وقال في «المصابيح»: (وسببه أن الجفوف عدم، والقصة وجود، والوجود أبلغ دلالة على أن الرحم قد يجف في أثناء الحيض، وقد تنظف الحائض فيجف رحمها ساعة، والقصة لا تكون إلا طهرًا) انتهى.

وفي ذلك دليل على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، ومطابقة هذا الأثر للترجمة في قولها: (حتى ترى القصة البيضاء) فإنها علامة إدبار الحيض، قاله إمام الشارحين، ثم قال: (وهذا الأثر رواه مالك في «الموطأ»، فقال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت...) إلخ.

وقال ابن حزم: (خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها، واسم علقمة مرجانة، سماها ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال العجلي: (مدنية تابعية ثقة) ، وفي «التلويح»: (كذا ذكر البخاري هذا معلقًا مجزومًا به، وبه تعلق النووي، فقال: (هذا تعليق صحيح؛ لأنَّ البخاري ذكره بصيغة الجزم، وما علم أن هذه العبارة قد لا تصح كما سبق في بيانه في كثير من التعاليق المجزوم بها عند البخاري، ولو نظر كتاب «الموطأ» لمالك بن أنس؛ لوجده قد قال: عن علقمة...إلى آخره، ولو وجد ابن حزم؛ لما ذكره، قال: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها.

قال إمام الشارحين: (قلت: حاصل كلامه أنه يرد على النووي في دعواه الجزم به، ولهذا قال ابن الحصار: هذا حديث خرجه البخاري من غير تقييد) انتهى.

وفي ختام جمادى أول سنة ثمان وسبعين جاءت وزارة الصدارة لفؤاد باشا، وصارت زينة في ديارنا ثلاثة أيام، والله الكريم أسأل أن يفرج عنا ما أهمنا برحمته وكرمه وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه.

((وبلغ)) بالغين المعجمة ((بنت)) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية: (ابنة) ((زيد بن ثابت)) وهي أم سعد، بسكون العين المهملة، قال إمام الشارحين: (هكذا وقع هنا ذكر (بنت زيد) مبهمًا، وكذا وقع في «موطأ مالك» فإنه أخرجه في «موطَّئه»: (عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، عن ابنة زيد بن ثابت) ؛ فذكره، وعمة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم، واختلف في بنت زيد المذكورة، وقال الحافظ الدمياطي: (لزيد بن ثابت من البنات أم إسحاق وحسنة، وعمرة، وأم كلثوم، وأم حسن، وأم محمَّد، وفزيبة، وأم سعد) ، وقال في «التوضيح»: (ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم مسعد؛ فقد ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات) انتهى.

وزعم ابن حجر أنه لم ير للواحدة منهن؛ يعني: من بنات زيد رواية إلا لأم كلثوم، وكانت زوج سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فكأنها هي المبهمة ههنا، وزعم بعض الشراح أنها أم سعد، قال: لأنَّ ابن عبد البر ذكرها في الصحابة، ثم قال ابن حجر: (وليس في ذكره لها دليل على المدعى؛ لأنَّه لم يقل: إنها صاحبة هذه القصة، بل لم يأت لها ذكر عنده ولا عند غيره إلا من طريق عنبسة بن عبد الرحمن، وقد كذبوه وكان مع ذلك يضطرب فيها، فتارة يقول: بنت زيد، وتارة يقول: امرأة زيد، ولم يذكر أحد من أهل الحديث بالنسب في أولاد زيد من يقال لها: أم سعد) انتهى.

قلت: وكلام هذا القائل قريب الفساد، وقد رده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: قد ذكره الذهبي فقال: أم سعد بنت زيد بن ثابت، وقيل: امرأته، وأيضًا عدم رؤية هذا القائل رواية لواحدة من بنات زيد إلا لأم كلثوم لا ينافي رواية غيرها من بناته؛ لأنَّه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الروايات.

وقوله: (وزعم بعض الشراح) أراد به: صاحب «التوضيح» فليت شعري؛ ما الفرق بين زعم هذا وزعمه هو؟ حيث قال: (فكأنها هي المبهمة) ؛ أي: أم كلثوم هي المبهمة في هذا الأثر؛ على أن صاحب «التوضيح» ما جزم بما قاله، بل قال: ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد) انتهى.

قلت: والحق أن هذه المبهمة هنا هي أم سعد، فإنها صحابية، ولا يلزم أن تكون صاحبة هذه القصة، كما زعمه ابن حجر ردًّا على صاحب «التوضيح»؛ لأنَّ بنت زيد هذه بلغها هذه القصة، كما هو صريح عبارة البخاري ومالك في «الموطأ»؛ فلا يلزم حضورها، بل بلوغها ذلك كاف على أنه قد جاءت الرواية عنها من طرق متعددة، وإن زعم ابن حجر التكذيب في بعضها؛ لأنَّها قد تقوت باختلافها، وقوله هذا تعصُّب وعناد؛ لأنَّه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الرواة، بل شأنه ينظر لكلام الفحول من الرجال، وليس هو رجلًا يعد، بين هذهالرجال؛ فإنه قد نفى أم سعد من بنات زيد وقد أثبتها الحافظ الذهبي، كما سمعت كلامه، وما هذا إلا لعدم اطِّلاعه على ما ذكره أهل الحديث من الحفاظ، وهذا يدل على فساد من يدعي أن ابن حجر حافظ، بل ليس بشارح كما ينبغي، فكيف يدعى أنه حافظ؟!؛ لأنَّ الحفاظ لا يصدر منهم كذب ونفي واختلال، وهذا قد صدر من هذا القائل؛ فهو ليس [/ص363/]

بشيء يعبأ به؛ فافهم.

((أَن)) بفتح الهمزة ((نساء)) بالتنكير في أكثر الروايات، وفي رواية بالتعريف، والأول أعم، والمراد من التعريف: العهد، وهو نساء الصحابة رضي الله عنهنَّ، أفاده إمام الشارحين ((يدعون)) بلفظ الجمع المؤنث، ويشترك في هذه المادة الجمع المذكر والمؤنث، وفي التقدير يختلف، فوزن الجمع المذكر: يفعون، ووزن الجمع المؤنث: يفعلن، أفاده في «عمدة القاري» ((بالمصابيح)) : جمع مِصباح -بكسر الميم-؛ وهو النور في الوعاء؛ والمعنى: يطلبن المصابيح ((من جوف)) ؛ أي: وسط ((الليل)) أي: في جوفه، فـ (من) بمعنى في؛ لأنَّ حروف الجر يستعار بعضها لبعض ((ينظرن)) أي: بالمصابيح (إلى) ماء الكراسيف حتى يقفن على ما يدل على ((الطهر)) أي: من القطنة، وفي رواية الكشميهني: (يدعين) ، زعم ابن حجر أن في نسبة هذا إليه نظر لا يخفى، وقال صاحب «القاموس»: (تكلم فيه) انتهى.

قلت: انظر إلى هذا الكلام المتناقض، ونظر هذا القائل مردود عليه، فإن توجيه هذه الرواية ممكن بأن يكون المراد كل فرد من أفراد النساء تدعى المصباح؛ لتنظر إلى الطهر، على أن أصل تدعين تدعون، كما هو مقرر في كتب التصريف؛ فافهم.

((فقالت)) أي: أم سعد بنت زيد لهنَّ: ((ما كان النساء)) أي: الصحابيات ((يضعن هذا)) أي: طلب المصابيح؛ لينظرن إلى الطهر في جوف الليل، ((وعابت)) أي: أم سعد المذكورة ((عليهنَّ)) أي: على النساء المذكورة، وهذا يعين رواية التنكير، وأن المراد: الأعم؛ فافهم، قال إمام الشارحين: (وإنما عابت عليهن؛ لأنَّ ذلك يقتضي الحرج وهو مذموم، وكيف لا وجوف الليل ليس إلا وقت الاستراحة؟! أو لكون ذلك كان في غير وقت الصَّلاة، وهو جوف الليل) انتهى.

وزعم ابن حجر أن فيه نظر؛ لأنَّه وقت العشاء، ورده صاحب «عمدة القاري» إمام الشارحين، حيث قال: (قلت: فيه نظر؛ لأنَّه لم يدل شيء أنه كان وقت العشاء؛ لأنَّ طلب المصابيح لأمر غالبًا لا يكون إلا في شدة الظلمة، وهي لا تكون إلا في جوف الليل) ، وروى البيهقي من حديث عباد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرة عن عائشة: (أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهنَّ ليلًا في الحيض، وتقول: إنها قد تكون الصفرة والكدرة) ، وعن مالك: لا يعجبني ذلك، ولم يكن للناس مصابيح، وعنه: (أنهن كن لا يقمن بالليل) انتهى كلامه

قلت: ونظر ابن حجر غير وارد، وهو مردود عليه؛ لأنَّ المقصود من عيبها عليهن ليلًا؛ لوجود الظلمة التي تؤدي إلى اختلاف ألوان الدم وليس هو؛ لكون الوقت وقت العشاء، يدل لهذا حديث عائشة الذي ذكره إمام الشارحين، فإنه بيَّن فيه أن علة ذلك خوف عدم بيان الصفرة والكدرة، وكأن ابن حجر لم يطلع على حديث عائشة فقال ما قال؛ فافهم.

وفي «عمدة القاري»: (وقال صاحب «التوضيح»: يشبه أن تكون ابنة زيد عابت على النساء كان في أيام الصوم لينظرن الطهر لنية الصوم؛ لأنَّ الصَّلاة لا تحتاج لذلك؛ لأنَّ وجوبها عليهن إنَّما يكون بعد طلوع الفجر.

واختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر، ولا تغتسل حتى يطلع الفجر؛ فقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين رضي الله عنه: إن كانت أيامها أقل من عشرة؛ صامت وقضت، وإن كانت عشرة؛ صامت ولم تقض، وقال مالك، والشافعي، وأحمد: هي بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم، ويجزئها صوم ذلك اليوم، وعن ابن الماجشون: يوم ذلك يوم فطر، وقال الأوزاعي: تصومه وتقضيه، وفي «القواعد» لابن رشد: اختلفوا في علامة الطهر؛ فقال قوم: إن علامته القصة أو الجفوف، وقال ابن حبيب: سواء كانت المرأة من عادتها أن تطهر بهذه أو بهذه، وفرق قوم فقالوا: إن كانت ممن لا تراها؛ فطهرها الجفوف، وقال ابن حبيب: الحيض أوله دم، ثم يصير صفرة، ثم تُربيَّة، ثم كدرة، ثم يكون ريقًا كالقصة؛ ثم ينقطع، فإذا انقطع قبل هذه المنازل وخفي أصلًا؛ فذلك إبراء الرحم، وفي «المنصف»: عن عطاء: الطهر الأبيض: الجفوف الذي ليس معه صفرة ولا ماء، الجفوف الأبيض، وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: وسئلت عن الصفرة اليسيرة، فقالت: اعتزلن الصَّلاة ما رأين ذلك حتى لا ترين إلا لبنًا خالصًا) انتهى.

والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم، إنَّه تواب كريم.

[1] في الأصل: (تم)، وهو تصحيف.
[2] في الأصل: (الهاء)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (قلن) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (تسأله) ، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (الجفوق)، وهو تصحيف.