المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

314-. حدَّثنا يَحْيَىَ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ، عن أُمِّهِ:

عن عائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ، فَأَمَرَها كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قالَ: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مسْكٍ [1] ، فَتَطَهَّرِي بِها». قالتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ [2] ؟ قالَ: «تَطَهَّرِي بِها». قالتْ: كَيْفَ؟ [3] قالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي [4] ». فاجْتَذَبْتُها [5] إِلَيَّ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بها أَثَرَ الدَّمِ.

الأطراف



[1] ضُبطت الميم بالكسر والفتح معاً في (ب، ص)، ونسبت فيهما إلى رواية الأصيلي وابن عساكر، وأهمل ضبطها في متن (ن، و) وضبط في (ن) روايتيهما بكسر الميم فقط، وضبطها في (و) بفتحها فقط.
[2] في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] زيادة: «بها».
[3] قوله: «قال: تطهري بها، قالت: كيف» ليس في رواية الأصيلي وابن عساكر.
[4] في رواية ابن عساكر زيادة: «بها، قالت: كيف؟ قال: سبحانَ اللهِ تطهري بها». قارن بالسلطانية.
[5] في متن (ب، ص): «فاجْتَبَذْتُها» وأشارا إلى المثبت نقلًا عن الإرشاد.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

314- ( أَنَّ امْرَأَةً ) هِيَ أَسْمَاءُ [بنت شَكَل] [1] فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاود وغيره. [2]

( فِرْصَةً ) [3] بفاء مكسورة وصاد مهملة: قطعة، وقيل: بفتح القاف والصاد المهملة [4] ؛ أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين، وقال ابن قتيبة: إنَّما هو بالقاف والضاد المعجمة، أي: قطعة.

( مِنْ مِسْكٍ ) بميم مكسورة في المشهور، وقيل بفتحها: قطعة من جلد، وقال ابن قتيبة: ليس المراد المسك؛ لأن العرب لم يكن في وسعهم استعماله، وإنَّما معناه الإمساك، فإن قيل: إنَّما سُمع رباعيًا ومصدره إمساك، قيل: وقد سُمع ثلاثيًا فيكون مصدره مِسكًا.

[1] زيادة من [ق] .
[2] قال محب الدين البغدادي: وقوله: ( إنَّ امْرَأةً سَأَلَت ). قيل: هي أسماء بنت شكل، رواه مسلم، وقيل: بنت يزيد بن السكن.
[3] قال محب الدين البغدادي: وقوله: ( خُذِي- فِرْصَةً ). لما كان الغسل معلومًا لم يحتج إلى ذكره، فأجاب بما هو زائد عليه وهو من تمامه.
[4] قال ابن حجر رحمه الله: قوله: «وقيل» لم أر هذا القول في شيء من الروايات، ولا ذكره صاحب «المشارق»، نعم ذكره المنذري عن رواية لأبي داود من غير الوجه الذي أخرجه البخاري. [/ج1ص121/]





314# (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) وفي الباب الذي بعده: ((من الأنصار))، قيل [1] : هي أسماء بنت شَكَل.

وقال الخطيب في «مبهماته»: إنها أسماءُ بنتُ يزيدَ بنِ السَّكَنِ خطيبةُ النساء، وصوَّبه بعض المتأخرين؛ لأنه ليس في الأنصار مَنِ اسمُه شَكَل، وتُعُقب بجواز تعدُّد الواقعة.

(فِرْصَةً) بفاء مكسورة وصاد مهملة: قطعة، وقيل: بفتح القاف [2] والصاد المهملة؛ أي: شيئًا يسيرًا مثل [3] القرصة بطرف الإصبعين، وقال ابن قتيبة: إنما هو بالقاف والضاد المعجمة؛ أي: قطعة.

قلت: لا مجال للرأي في مثله، والرواية ثابتة بالفاء والصاد المهملة، والمعنى صحيحٌ بنقل أئمة اللغة.

(مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم في المشهور، وقيل: بفتحها: قطعة من جلد.

وقال ابن قتيبة: ليس المرادُ المِسْكَ؛ لأن العرب لم يكن في وُسعهم استعمالهُ، وإنما معناه: الإمساك، وقد سُمع: مَسَكه مَسْكًا.

[1] في (ق): ((وقيل)).
[2] في (د): ((بفتح الكاف)).
[3] ((مثل)): ليست في (ق).





314- قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى [قَالَ] : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ): كذا هو في أصلنا غير منسوب، بل (يحيى) فقط، قال [1] أبو عليٍّ الغسَّانيُّ: (وقال -يعني: البخاريُّ- في [2] «الحيض» و«الاعتصام»: حَدَّثَنَا يَحْيَى: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، [نَسَب ابنُ السَّكن الذي في «الحيض»: يحيى بن موسى، وأهمل الذي في «الاعتصام»، وذكر أبو نصر: أنَّ يحيى بن جعفر يروي عنِ ابن عيينة] [3] ، فالله أعلم) انتهى.

قال شيخنا الشَّارح بعد أنْ ذكر كلام الجيَّانيِّ: (ووقع في شرح بعض شيوخنا: حَدَّثَنَا يحيى؛ يعني: ابن معاوية بن أعين، ولا أعلم في «البخاريِّ» من اسمه كذلك) انتهى، وقد نظرت أنا «الأطراف» للمزِّيِّ؛ فلم أره قيَّده بشيء، بل [4] قال: (يحيى عن سفيان) ، ولم أر أحدًا في الكتب السِّتَّة ولا في مصنَّفاتهم يقال له: يحيى بن معاوية بن أعين، ولا يحيى بن معاوية، لكن روى مُسْلِم ليحيى بن محمَّد بن معاوية المروزيِّ اللُّؤلؤيِّ، نزيل بُخارى، عنِ النَّضر بن شميل وغيره، وعنه: مُسْلِم، وعبيد [5] الله بن واصل، وعمر بن محمَّد بن بجير، وجماعة، قال مهديُّ بن سليم: رأيت محمَّد بن إِسْمَاعِيل كلَّما جاء في «كتابه»: حَدَّثَنَا يحيى: حَدَّثَنَا النَّضر؛ يقول: اضرب عليه، وهو يحيى بن محمَّد اللُّؤلؤيُّ المروزيًّ، كان يروي عنِ النَّضر أربعة آلاف حديث، قِيلَ: مات في رجب سنة (257 هـ ) ، انفرد بالإخراج له مسلم، له ترجمة في «الميزان»، وليس في «ثقات ابن حبَّان» يحيى بن معاوية بن أعين [6] ، ولا في «الجرح والتَّعديل» لابن أبي حاتم، ولا في «رجال مسند أحمد»، ولا في «ثقات العجليِّ»، ولا في «الميزان»، والله أعلم.

قوله: (عن مَنْصُورِ ابنِ صَفيَّةَ): تقدَّم أنَّه منصور بن عَبْد الرَّحمن، وتقدَّم بعض ترجمته، [قال الدِّمياطيُّ في منصور: (ابن عَبْد الرَّحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة عَبْد الله بن عَبْد العزَّى بن عثمان بن عَبْد الدَّار بن قصيٍّ، وأمُّه: صفيَّة بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة المذكور) انتهى] [7]

قوله: (عَنْ أُمِّهِ): تقدَّم أنَّها صفيَّة بنت شيبة، وتقدَّم الكلام [8] في أنَّها [9] تابعيَّة أو صحابيَّة، وتقدَّم شيء من ترجمتها، وتقدَّم نسبها.

قوله: (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَت النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ): هذه المرأة السَّائلة هي أسماء بنت يزيد بن السَّكن، خطيبة الأنصار، قاله الخطيب البغداديُّ، وكذا قال غيره، وفي رواية في «مُسْلِم» [10] : (أسماء بنت شَكَل) ، وشَكَل؛ بفتح الشِّين المعجمة، وبالكاف المفتوحة أيضًا، ويقال بإسكانها، فيجوز أنْ تكون القصَّة جرت للمرأتين في مجلس أو مجلسين، قاله النَّوويُّ، وقال ابن بشكوال: (هي أسماء بنت شكل) ، وعن العلَّامة تقيِّ الدِّين عليِّ بن عَبْد الكافي السُّبكيِّ في «شرح المنهاج» عن شيخه الدِّمياطيِّ: أنَّ أسماء بنت شكل نسبة إلى جدِّها، وتُصحِّف في اسمه، والله أعلم، ورأيت في «حواشيه على مُسْلِم»: (قوله: «بنت شكل» وهم، ولعلَّها نُسِبت إلى جدِّها سكن، فصُحِّف؛ لأنَّها أسماء بنت يزيد بن سكن بن رافع، وليس في نسب الأنصار «شكل»؛ بالشِّين المعجمة واللام؛ فلتعلم ذلك) انتهى.

قوله: (عن غَسْلِهَا): تقدَّم مرارًا أنَّه بفتح الغين الفعل، وأنَّه بالضَّمِّ الماء، والمراد هنا: الفعل، وأنَّه يجوز في كلٍّ منهما الضَّمُّ والفتح.

قوله: (فِرْصَةً [11] ): تقدَّم الكلام عليها أعلاه.

قوله: (مِنْ مَسْكٍ [12] ): تقدَّم الكلام عليه أعلاه.

[1] في (ج): (وقال) .
[2] (في): سقطت من (ج) .
[3] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[4] (بل): ليس في (ج) .
[5] في (ب): (وعبد) .
[6] في (ب): (الحسين) .
[7] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[8] (الكلام): ليس في (ج) .
[9] في (أ): (أنَّه) .
[10] في (ب): (لمسلم) .
[11] في هامش (ق): (الفرصة: القطعة من الصوف أو القطن، وفرصت الشيء: قطعته) .
[12] في هامش (ق): (والمَسك؛ بفتح الميم: الجلد من جلد فيه شعر، وبالكسر: قطعة من مسك، وأمَّا ممسَكة؛ فبفتح السين: قيل: مطيَّبة بالمسك، وقيل: ذات مسك؛ أي: جلد؛ أي: قطعة صوف بجلدها؛ لأنَّه أضبط لها) .





314- (قَالَ: خُذِي): جملةٌ حاليَّةٌ لا بيانيَّةٌ؛ التَّقديرُ: أَمَرَها كيفَ تغتسلُ قائِلًا: (خُذِي).


314- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى)؛ أي: ابن موسى، البلخيُّ الخَتِّيُّ [1] ؛ بفتح الخاء المُعجَمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، فيما جزم به ابن السَّكن في روايته عن الفربريِّ، وتُوفِّي سنة أربعين ومئتين، أو يحيى بن جعفرٍ البيكنديُّ؛ كما وُجِدَ في بعض النُّسخ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) نسبه إليها؛ لشهرتها، واسم أبيه عبد الرَّحمن بن طلحة (عَنْ أُمِّهِ) صفيَّة بنت شيبة بن عثمان بن أبي [2] طلحة العبدريِّ، ووقع التَّصريح بالسَّماع في جميع السَّند في «مُسنَد الحميديِّ» (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها: (أَنَّ امْرَأَةً) من الأنصار، كما في حديث الباب التَّالي لهذا [خ¦315] ، أو هي أسماء بنت شكلٍ كما في «مسلمٍ»، لكن قال الحافظ [3] الدِّمياطيُّ: إنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هو سَكَنٌ؛ بالسِّين المُهمَلة والنُّون؛ نسبةً إلى جدِّها، وجزم _تبعًا للخطيب في «مبهماته»_ أنَّها أسماء بنت يزيد بن السَّكن الأنصاريَّة خطيبة النَّساء، وصوَّبه بعض المتأخِّرين بأنَّه ليس في الأنصار من اسمه شَكْلٌ، وتُعقِّب: بجواز تعدُّد الواقعة، ويؤيِّده تفريق ابن منده بين التَّرجمتين، وبأنَّ ابن طاهرٍ وأبا موسى المدينيَّ وأبا عليٍّ الجيانيَّ جزموا بما في «مسلم»، ورواه ابن أبي شيبة وأبو نعيمٍ كذلك، فَسَلِمَ مسلمٌ من الوهم والتَّصحيف (سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ)؛ أي: الحيض (فَأَمَرَهَا) النَّبيُّ [4] صلى الله عليه وسلم (كَيْفَ تَغْتَسِلُ)؛ أي: بأن قال كما رواه مسلمٌ بمعناه: «تطهَّري فأحسني الطُّهور، ثمَّ صبِّي على رأسك فادلكيه دلكًا شديدًا حتَّى يبلغ شؤون رأسك _أي: أصوله_ ثمَّ صبِّي الماء عليك» (قَالَ: خُذِي فِرْصَةً)؛ بتثليث الفاء: قطعةً، وقِيلَ: بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة؛ أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين، وقال ابن قتيبة: إنَّما هو بالقاف والضَّاد المُعجَمة؛ أي: قطعةً، والرِّواية ثابتةٌ بالفاء والصَّاد المُهمَلة، ولا مجال للرَّأي في مثله، والمعنى صحيحٌ بنقل أئمَّة اللُّغة (مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم؛ دم الغزال، ورُوِي [/ج1ص353/]

بفتحها، قال القاضي عياضٌ: وهي رواية الأكثرين؛ وهو الجلد؛ أي: خذي قطعةً منه وتحمَّلي بها لمسح القبُل، واحتجَّ: بأنَّهم كانوا في ضيقٍ يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، ورجَّح النَّوويُّ: الكسر (فَتَطَهَّرِي)؛ أي: تنظَّفي (بِهَا)؛ أي: بالفرصة، (قَالَتْ) [5] أسماء: (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بها؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (سُبْحَانَ الله!) متعجِّبًا من خفاء ذلك عليها (تَطَهَّرِي) ولابن عساكر: ((تطهَّري بها، قالت: كيف؟ قال: سُبْحَانَ الله! تَطَهَّرِي بِها))، قالت عائشة رضي الله عنها: (فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ)؛ بتقديم المُوحَّدة على الذَّال المُعجَمة، وفي روايةٍ: ((فاجتذبتها))؛ بتأخيرها (فَقُلْتُ) لها: (تَتَبَّعِي بِهَا)؛ أي: بالفرصة (أَثَرَ الدَّمِ)؛ أي: في الفرج، واستُنبِط منه: أنَّ العالم يكنِّي بالجواب في الأمور المستورة، وأنَّ المرأة تسأل عن أمر دينها، وتكرير الجواب لإفهام السَّائل، وأنَّ للطَّالب الحاذق تفهيم السَّائل قول الشَّيخ وهو يسمع، وفيه الدَّلالة على حسن خلق الرَّسول صلى الله عليه وسلم وعظيم حلمه وحيائه، ووجه المُطابَقة بينه وبين [6] التَّرجمة؛ من جهة تضمُّنه طريق مسلمٍ التي سبق ذكرها بالمعنى المُصرِّحة بكيفيَّة الاغتسال، والدَّلك المسكوت عنه في رواية المؤلِّف، ولم يخرِّجها؛ لأنَّها ليست على شرطه؛ لكونها من رواية إبراهيم بن مهاجر عن صفيَّة.

ورواة حديث هذا الباب ما بين بلخيٍّ ومكِّيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦227] و«الاعتصام» [خ¦7357] ، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.

[1] في هامش (ص): «قوله: «الخَتِّيُّ»: لم يتعرَّض الشُّرَّاح للخَتِّيِّ، دلالته على ما وُضِع له، قال شيخنا: منسوبٌ إلى «خت»، أعني: فأخذته انتهى».
[2] «أبي»: ليس في (د).
[3] «الحافظ»: مثبتٌ من (م).
[4] «النَّبيُّ»: مثبتٌ من (م).
[5] في (د): «فقالت».
[6] «بين»: ليس في (د) و(ص).





314- (حَدَّثَنَا يَحْيَى ) زاد ابن السَّكن: «ابن موسى البلخيُّ». [/ج1ص400/]

( عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ ) اسم أبيه: عبد الرَّحمن، وفي «مسند الحميديِّ» التَّصريح بسماع سفيان منه.

( أَنَّ امْرَأَةً ) سُمِّيت عند مسلم: «أسماء بنت شَكَل» بفتح المعجمة والكاف بعدها لام، وفي رواية للخطيب في «المبهمات»: «بنت يزيد بن السَّكن الأنصاريَّة»، وجزم به ابن الجوزيِّ والدُّمياطيُّ، وزاد أنَّ الذي في مسلم تصحيف.

قال ابن حجر: وهو ردٌّ للرِّواية الثَّابتة بغير دليل، قال: ويحتمل أن يكون ( شَكَل ) لقبًا لا اسمًا.

( فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، وقَالَ: خُذِي ): فيه حذف واقتصار من بعض الرُّواة تقدَّم بيانه من رواية مسلم، وبه يسقط سؤال: كيف يكون أخذ الفرصة بيانًا للاغتسال حتَّى احتاج قوم إلى الجواب بأنَّ السُّؤال لم يكن عن نفس الاغتسال، بل لقدر زائد على ذلك ؟

( فِرْصَةً ): بكسر الفاء، وحكى ابن سيده تثليثها وراء ساكنة وصاد مهملة: قطعة من صوف أو قطن أو جلدة عليها / صوف، وفي رواية لأبي داود: «قرصة» بفتح القاف.

قال المنذريُّ: أي شيئًا يسيرًا، مثل القرصة بحرف الإصبعين.

وقال ابن قتيبة: بفتحها، أي: قطعة هي قَرضة، بفتح القاف وبالضَّاد المعجمة.

( مِنْ مِسْكٍ ): بكسر الميم، وقال ابن قتيبة: بفتحها، أي: قطعة جلد ووهَّى رواية الكسر، واحتجَّ بأنَّهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، وتبعه ابن بطَّال.

وفي «المشارق» أنَّ أكثر الرِّوايات بالفتح.

ورجَّح النَّوويُّ الكسر، وقال: إنَّ قوله في الرِّواية الأخرى: «ممسَّكة» يدل عليه. [/ج1ص401/]

قال ابن حجر: وفيه نظر؛ لأنَّ الخطَّابيَّ قال: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ممسَّكه، أي: مأخوذة باليد؛ لكن يبقى الكلام ظاهر الرَّكاكة؛ لأنَّه يصير هكذا: خذي قطعة مأخوذة، ويقوِّي رواية الكسر، وأنَّ المقصود الطِّيب ما في رواية عبد الرَّزاق: «من ذريرة».

وما استبعده ابن قتيبة من امتهان المسك ليس ببعيد، لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطِّيب.

( فَتَطَهَّرِي ) أي: تنظَّفي.

( فَقُلْتُ:... إلى آخره ) زاد الدَّارميُّ: «وهو يسمع فلا ينكر».

( أَثَرَ الدَّمِ ) للإسماعيليِّ: «مواضع الدَّم»، وهو حجَّة لقول المحامليِّ: يستحبُّ لها أن تطيِّب كلَّ موضع أصابه الدَّم من بدنها، والجمهور اقتصروا على الفرج.


82/314# قال أبو عبد الله: حدَّثني يَحْيَىَ بن جعفر البِيْكنديُّ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ، عن أُمِّهِ:

عن عائشة: أَنَّ امْرَأَةً [1] سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عن غُسْلِها مِنَ الحيضِ، فَأَمَرَها كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قالَ: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَـِسْكٍ، فَتَطَهَّرِي بِها [2] ». قالتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بها؟ قالَ: «سُبْحانَ اللهِ! تَطَهَّرِي بها». فأخذتُها [3] إِلَيَّ، فَقُلْتُ: تَـــتَـــبَّعِي بها أَثَرَ الدَّمِ.

قوله: (خذي فِرْصَةً) فإنَّ الفِرْصَة: القطعةُ من القُطن أو الصُّوف أو نحوهما، وأصلها مأخوذٌ من الفَرص، وهو القطع، ولذلك يُسمَّى المِفراصُ مِفراصاً.

وأمَّا قوله: (من مَسكٍ) فإنَّه إنَّما جاء في سائر الروايات «فِرْصَةٍ مُمَسَّكةٍ» [4] ، وتأوَّلوها [5] على معنيين، أحدهما: مُطيَّبة بالمِسك، والآخر: من الإمسَاك، يقال أمسَكْتُ الشيء ومَسَكته بمعنىً واحدٍ، وإلى هذا [6] ذهب القُتَيبيُّ [7] في تفسير هذا الحرف، وأنكر القول الأوَّل، فقال: متى كان أهلُ ذلك الزمان يتوسَّعون في المعاش حتَّى يمتهِنُوا [8] المِسْكَ في التَّطهُّر [9] به [10] ؟ أو كما قال، وهذا كأنَّه أَشْبَهُ، والله أعلم.

فعلى هذا المعنى تكون الرواية (فرصَة مِنْ مَسكٍ) بفتح الميم أولىَ، أي [11] : من جلد عليه صوف، وأمَّا الفرصَة من المِسْك فلا يَصحُّ

@%ص88%

لها معنى على التفسير الأوَّل؛ لأنَّها في التقدير كأنَّه قال: قِطعة قُطن أو صوف من مِسْك. وهذا لا يستقيم؛ إلَّا أن يُضْمرَ فيه شيء، فيُقال: قطعة من قطن أو صوف مُطيَّبة من مِسْك، وفيه بعد [12] .

[1] في (ر) و (م): (أن المرأة).
[2] (بها) سقطت من (ط).
[3] في (أ) و (م): (فاجتبذتها).
[4] هي رواية أبي داود في سننه رقم (315).
[5] في (ر) و (ف) و (م): (وتؤول)، وفي (أ) (ويتأول)
[6] قوله (يقال أمسكت.. إلى هذا) سقط من (ط). وفي الفروع (وإليه).
[7] هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة صاحب غريب الحديث، انظره ص
[8] في (ر): (يسهتوا) محرفاً.
[9] في (ر): (في التطهير).
[10] قوله: (به) زيادة من (ط).
[11] قوله: (أي) زيادة من (ط).
[12] في النسخ الفروع: (وذلك لا يصح والله أعلم).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

314# وقوله: (سبحان الله!): من التَّعجب كيف يخفى مثل هذا، تأخذ قطعة من صوف ونحوها، وتجعل عليه مسكًا أو نحوه، وتدخله في فرجها بعد الغسل على الصَّواب، والنُّفساء مثلها.


314- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا يحيى)) هو ابن موسى البلخي الخَتِّي،بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الفوقية، كذا جزم به ابن السكن في روايته عن الفربري، وقال الغساني في «تقييد المهمل»: (قال ابن السكن: يحيى المذكور في باب «الحيض» هو يحيى بن موسى) ، وقال في موضع آخر عنه: (كلما كان للبخاري في «صحيحه» «عن يحيى» غير منسوب؛ فهو يحيى بن موسى البلخي المعروف بـ«خت»، كان من خيار المسلمين، مات سنة أربعين ومئتين) ، وبهذا ظهر فساد قول البيهقي: أنه يحيى بن جعفر؛ أي: البيكندي، يروي عن ابن عيينة، وكذا ذكر أبو نصر الكلاباذي، وذكره الكرماني، وأسنده لبعض النسخ، وكله غير ظاهر، ويدل لهذا ما قاله صاحب «التوضيح» أنه قال: (وقع في شرح بعض شيوخنا: «حدثنا يحيى»؛ يعني: ابن معاوية، ولا أعلم في «البخاري» من اسمه كذلك، وفي أسماء رجال «الصحيحين»: (يحيى بن موسى بن غندر بن سالم أبو زكريا السختياني الحذاء) أي: البلخي، يقال له: ختي، روى عنه البخاري في (البيوع) ، و (الحج) ، ومواضع أخر، وذكره ابن ماكولا أيضًا فقال: خت؛ بخاء معجمة، ومثناة من فوق، فهو يحيى بن موسى يعرف بابن خت البلخي، كذا ذكره صاحب «عمدة القاري».

((قال: حدثنا ابن عيينة)) بضمِّ العين المهملة، وفتح التحتية الأولى، وسكون الثانية، وفتح النون، هو سفيان المشهور، ((عن منصور)) بالصاد المهملة ((ابن صفية)) بالصاد المهملة، بعدها فاء، ثم تحتية، نسبه إليها؛ لشهرته بها، وإلا؛ فاسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة، ((عن أمه)) هي صفية المذكورة، وهي بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، قال في «عمدة القاري»: (ووقع في «مسند الحميدي» التصريح بالسماع في جميع السند) ، ((عن عائشة)) الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما: ((أن امرأة)) ؛ أي: من الأنصار، كما زاده وهيب في روايته، وسماها مسلم في رواية الأحوص عن إبراهيم بن مهاجرة: (أسماء بنت شَكَل) بفتح الشين المعجمة والكاف، وفي آخره لام، ولم يسم أباها في رواية غندر، عن شعبة، عن إبراهيم، وقال الخطيب: (هي أسماء بنت يزيد بن السكن، بالمهملة) ، وجزم بأنها الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزي في «التنقيح»، وكذا الدمياطي، وزاد عليه: أن الذي وقع في «مسلم» تصحيف، ويحتمل أن يكون (شكل) لقبًا، لا اسمًا، وإنما هو (سكن) ؛ بالسين المهملة، والنون، نسبة إلى جدها، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث: (أسماء بنت شكل) ، كما في «مسلم»، و (أسماء) بغير نسب كما في «أبي داود»، وكذا في «مستخرج أبي نعيم»، وحكى النووي في «شرح مسلم» الوجهين من غير ترجيح، وتبع رواية مسلم جماعات؛ منهم: ابن طاهر، وأبو موسى في كتابه «معرفة الصحابة»، وصوب بعض المتأخرين أنها أسماء بنت يزيد الأنصارية؛ لأنَّه ليس في الأنصار من اسمه شكل، وقال في «التوضيح»: (ويجوز تعدد الواقعة، ويؤيده تفريق ابن منده بين الترجمتين، وابن سعد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة يزيد، ولم ينفرد بذلك، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده»، وأبو نعيم في «مستخرجه»، كما ذكره مسلم سواء، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري».

قلت: والصواب أنها أسماء بنت شكل الأنصارية، كما ذكره هؤلاء الجماعة، وبه ظهر فساد ما زعمه الدمياطي، وظهر أيضًا فساد ما زعمه الخطيب، كما لا يخفى على اللبيب.

((سألَتِ النبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم عن غَُسلها)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة، وبفتحها، أي: الصفة المختصة بغسلها، أو اغتسالها ((من المحيض)) ؛ بالميم أوله، أي: الحيض، وكلاهما مصدران، ((فأمرها)) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((كيف تغتسل)) أي: من المحيض، وقوله: ((قال)) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((خذي)) ؛ بالخاء المعجمة: هو بيان لأمرها.

قال الكرماني: (فإن قلت: كيف يكون بيانًا للاغتسال وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة؟قلت:

[/ص351/] السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال؛ لأنَّ ذلك معلوم لكل أحد، بل إنَّما كان ذلك مختصًا بغسل الحيض؛ فلذلك أجاب به، أو الجملة حالية، لا بيانية) انتهى.

ورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: هذا الجواب غير كاف؛ لأنَّها سألت عن غسلها من المحيض، وليس هذا إلا سؤال عن ماهية الاغتسال؛ فلذلك قال عليه السلام في جوابه إياها: «فأمرها كيف تغتسل» يعني: قال لها: اغتسلي كذا وكذا، وهذا معناه.

ثم قوله: «خذي...» إلخ: ليس بيانًا للاغتسال المعهود.

وقوله: (لأن ذلك معلوم لكل أحد) فيه نظر؛ لأنَّه يحتمل ألَّا يكون معلومًا لها على ما ينبغي، أو كان في اعتقادها أن الغسل عن المحيض خلاف الغسل من الجنابة؛ فلذلك قالت عائشة رضي الله عنها: (سألَتِ النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم عن غسلها من المحيض) ، قال: والأوجه عندي أن الذي رواه البخاري مختصرًا من لفظ الحديث، وفيه بيان كيفية الغسل وغيره على ما رواه مسلم: أن أسماء سألت عن غسل المحيض، فقال عليه السلام: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرها، فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها»، فقالت أسماء: وكيف تطهر [1] بها؟ فقال: «سبحان الله، تطهري بها؟!»، فقالت عائشة رضي الله عنها -كأنها تخفي ذلك-: تتبعين بها الدم، وسألته عن غسل الجنابة، فقال: «تأخذ ماء، فتطهر، فتحسن الطهور، وتبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء»، فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) انتهى كلامه رضي الله عنه، وتبعه القسطلاني وغيره فكان هو الصواب.

((فِرْصة)) : المشهور فيه كسر الفاء، وسكون الراء، كذا في «عمدة القاري»، ويفهم منه أن فاءه مثلثة، وبه صرح القسطلاني، وكان أبو الأحوص وأبو عوانة يقولان: (فرصة) ، وقال ابن سيده: (فرص الجلد فرصًا: قطعه، والمفراص: الحديدة التي يقطع بها، والفرصة والفرصة والفرصة: القطعة من الصوف أو القطن) ، وقال كراع: (هي الفَرصة؛ بالفتح، والفرصة: القطعة من المسك) ، وقال أبو علي: (فرص يفرص لزيد في حقه؛ يعني: قطع له منه شيئًا) ، وقال أبو سليمان: (يفرص وأفرص لزيد فرصة من حقه؛ بجر الفاء لا اختلاف فيها، وأفرص لي من حقي فرصة، والفرصة: الخرقة التي تستعملها الحائض؛ لتعرف التبرئة ونقاءها عند الحيض في آخره) ، وقال أبو عبيدة: (هي القطعة من الصوف، أو القطن، أو غيرها) ، وقال ابن عديس: (الفِرص بالكسر، والصاد المهملة: جمع لـ«فرصة»؛ وهي القطعة من المسك) ، وأنكر ابن قتيبة كونها بالفاء وقال: (إنما هي قرضة؛ بالقاف، والضاد المعجمة؛ وهي القطعة) ، وزعم ابن حجر أنها قرصة؛ بالقاف، والصاد المهملة، قال المُنْذِري: (أي: شيئًا يسيرًا يشمل القرصة بطرف الأصبعين) ، كذا قرره في «عمدة القاري».

قلت: والرواية ثابتة بالفاء والصاد المهملة، ولا مجال للرأي في مثله، والمعنى صحيح بنقل أئمة اللغة، فلا وجه لإنكار ابن قتيبة، وكذا لا وجه لما زعمه ابن حجر؛ فإنه بعيد جدًّا، ولعله لم يطلع على ما قاله أئمة اللغة، فقال ما قال على أنه المعنى على ما ذكره غير صحيح، بل هو فاسد مردود عليه؛ فانظر كلامه؛ تجده لم يقله صغار الطلبة فضلًا عمن تصدر لشرح هذا الكتاب؛ فإنه لم يشم رائحة الصواب، والله ولي الألباب.

((من مَسك)) بفتح الميم في أكثر الروايات، قاله القاضي عياض، وقال ابن قتيبة: (بكسر الميم) ، ورجحه النووي؛ وهو دم الغزال المعروف، وهو جلد عليه شعر، وقال ابن قتيبة: (المسك لم يكن عندهم من السعة بحيث يتمونونه في هذا، والجلد ليس فيه ما يميز غيره فيختص به) ، وإنما أراد: وأقرصة من شيء صوف، أو قطن، أو خرقة، أو نحوه، يدل عليه الرواية الأخرى: (فرصة مُمَسَّكة) ؛ بضمِّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد السين المهملة مع فتحها، أي: قطعة من صوف ونحوها مطيبة بالمسك، وروي: (مُمْسَكة) ؛ بضمِّ الميم الأولى، وسكون الثانية، وسين مهملة مخففة مفتوحة، وقيل: مكسورة، أي: من الإمساك، وفي بعض الروايات: (خذي فرصة ممسكة فتحملي بها) قيل: أراد الخلِق التي أمسكت كثيرًا؛ كأنه [2] أراد ألَّا تستعمل الجديد من القطن وغيره؛ للارتفاق به، ولأن الخلِق أصلح لذلك، ووقع في كتاب عبد الرزاق: (يعني: بالفرصة: المسك وهي الذريرة) ، وفي «الأوسط» للطبراني: (خذي سكيلك) ، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، ((فتطهري)) أي: تنظفي، وفي الرواية الآتية [3] : (توضئي ثلاثًا) ((بها)) أي: بالفرصة المذكورة ((قالت)) أي: أسماء المذكورة: ((كيف أتطهر بها؟)) وإنما أتت بالاستفهام؛ لأنَّ التطهر لم يكن معلومًا لها على ما ينبغي، أو كان في اعتقادها أن التطهر من الحيض خلاف التطهر من الجنابة؛ فلهذا كررت السؤال؛ فافهم هذا، وما عداه ساقط واهٍ؛ فليحفظ، ((قال)) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لها: ((سبحان الله)) وهو في مثل هذا الموضع يراد به التعجب، ومعنى التعجب هنا كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟! وزاد في الرواية الآتية: (ثم إن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم استحى فأعرض بوجهه) ، وفي رواية الإسماعيلي: (فلما رأيته يستحي؛ علَّمتها) ، وزاد الدارمي: (وهو يسمع ولا ينكر) ، كذا قاله في «عمدة القاري»، وعلى الله اعتمادي، ((تطهري)) ولابن عساكر: (تطهري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله، تطهري بها؟!) ، قالت عائشة رضي الله عنها: ((فجذبتها)) بالجيم، بعدها ذال معجمة، ثم موحدة، ثم فوقية، وفي بعض الروايات: (فاجتذبتها) بجيم، ثم فوقية، ثم ذال معجمة، ثم موحدة، ثم فوقية، وفي رواية: (فأجذبتها) بإسقاط الفوقية بين الجيم والذال، يقال: جذب واجتذب واجتبذ، كذا في «عمدة القاري» ((إليَّ)) بتشديد الياء آخر الحروف، وهذا مقول عائشة رضي الله عنها، ((فقلت)) أي: قالت عائشة لأسماء رضي الله عنهما: ((تتبعي)) أمر من التتبع، وهو المراد من (تطهري) ((بها)) أي: بالفرصة المذكورة ((أثر الدم)) بنصب «أثر» على المفعولية لـ«تتبعي»، والمراد به: الفرج، فيستحب لها أن تتطيب في كل موضع أصابه الدم من بدنها، يدل عليه رواية الإسماعيلي: (تتبعي بها مواضع الدم) ، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».

ثم قال [/ص352/] رضي الله عنه: (ومطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة إلا في الدلك وكيفية الغسل صريحًا؛ لأنَّ الترجمة مشتملة على الدلك أولًا وكيفية الغسل، وأخذ الفرصة الممسكة، والتتبع بها أثر الدم، والحديث أيضًا مشتمل على هذه الأشياء ما خلا الدلك وكيفية الغسل؛ فإنه لا يدل عليهما صريحًا، ويدل على الدلك بطريق الاستلزام؛ لأنَّ تتبع أثر الدم يستلزم الدلك، وهو ظاهر، وأما كيفية الغسل؛ فالمراد بها: الصفة المختصة بغسل المحيض؛ وهي التطيب، لا نفس الاغتسال، ولئن سلمنا أن المراد الكيفية -أي: كيفية نفس الغسل-؛ فهي في أصل الحديث الذي ذكره واكتفى به على عادته أنه يذكر ترجمة، ويذكر فيها ما تضمنه بعض طرق الحديث الذي يذكره؛ إما لكون تلك الطريق على غير شرطه أو باكتفائه بالإشارة إليه أو لغير ذلك من الأغراض، وتمامه عند مسلم؛ فإنه أخرجه من طريق ابن عيينة عن منصور التي أخرجه منها البخاري، فذكر بعد قوله: (كيف تغتسل) : ثم تأخذ، ثم رواه من طريق أخرى عن صفية عن عائشة، وفيها كيفية الاغتسال، ولفظه: فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها -أي: أصوله- ثم تصب عليها، ثم تأخذ فرصة...»؛ فذكر الحديث، وإنما لم يخرجه البخاري من هذا الطريق؛ لكونه من رواية إبراهيم بن مهاجرة عن صفية، وليس هو على شرطه، فقال البخاري عن علي ابن المديني: (لإبراهيم هذا نحو من أربعين حديثًا) ، وقال ابن مهدي: (قال سفيان: لا بأس به) ، وقال أحمد: (لا بأس به) ، وقال يحيى بن سَعِيْد القطان: (لم يكن بقوي، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء) انتهى كلامه

قلت: ابن الجوزي مشهور بالتعصب والعناد والمكابرة؛ فلا عبرة به، وابن القطان كلامه غير ظاهر، فالمراد على كلام ابن مهدي وسفيان وأحمد بن حنبل: أنه لا بأس به، وكفى بذلك شهادة من هؤلاء الأئمَّة والمثبت مقدم على النافي، وإذا وجد التعديل والجرح؛ فالمقدم التعديل، وعلى هذا؛ كان على المؤلف أن يذكر الحديث؛ لكونه أظهر، والإحالة على غير مذكور غير مناسبة مع ما فيه من الركاكة والخفاء، والله أعلم؛ فافهم.

ثم قال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: (وفي الحديث: استحباب التطيب للمغتسلة من الحيض والنفاس على جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها؛ لأنَّه أسرع إلى العلوق وأدفع للرائحة الكريهة، واختلف في وقته؛ فقال جماعة: بعد الغسل، وقال آخرون: قبله، وفيه دليل على أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه، وفيه: استحباب تطييب [4] فرج المرأة بأخذ قطعة من صوف ونحوها، وتدخلها في فرجها بعد الغسل، والنفساء مثلها، وفيه التسبيح عند التعجب، وفيه استحباب الكنايات فيما يتعلق بالعورات، وفيه سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي يختم بها؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في نساء الأنصار: (لم يمنعهنَّ الحياء أن يتفقهن في الدين) ، وفيه الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة، وفيه تكرير الجواب لإفهام السائل، وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي إذا عرف أن ذلك ينجيه، وفيه أن السائل إذا لم يفهم وفهمه بعض من في مجلس العالم والعالم يسمع؛ أن ذلك سماع من العالم؛ لجواز أن يقول فيه: «حدثني» و«أخبرني»، وفيه الأخذ عن المفضول مع وجود الفاضل وحضرته، وفيه صحة العرض على المحدث إذا أقره ولو لم يقل عقيبه: نعم، وفيه أنه لا يشترط فهم السامع لجميع ما يسمعه، وفيه الرفق بالمتعلم وإقامة العذر لمن لا يفهم، وفيه أن المرء مطلوب بستر عيوبه، وفيه دلالة على حسن خلق النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، اللهم؛ إني أسألك بجاهه أن تفرج عنا وعن المسلمين ما أهمنا، اللهم؛ عليك بالظالمين الباغين الفاجرين، فإنهم لا يعجزونك، يا أكرم الأكرمين.

[1] في الأصل: (تطهير) .
[2] في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (الآتي)، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (تطيب) .