المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

313-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ، عن حَفْصَةَ _ قالَ أبو عبد الله [1] : أو هِشامِ بنِ حَسَّانَ، عن حَفْصَةَ_:

عن أُمِّ عَطِيَّةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [2] ، قالتْ: كُنَّا نُنْهَىَ أَنْ نُحِدَّ علىَ مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلَّا علىَ زَوْجٍ [3] أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلا نَكْتَحِلَ، وَلا نَتَطَيَّبَ، وَلا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنا عِنْدَ الطُّهْرِ إذا اغْتَسَلَتْ إِحْدانا مِنْ مَحِيضِها في نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفارٍ، وَكُنَّا نُنْهَىَ عن اتِّباعِ الجَنائِزِ.

قالَ [4] : رَواهُ [5] هِشامُ بنُ حَسَّانٍ، عن حَفْصَةَ، [/ج1ص69/] عن أُمِّ عَطِيَّةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الأطراف



[1] قوله: «قال أبو عَبْدِ اللَّهِ» ثابت في رواية أبي ذر والمُستملي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا، وبهامش اليونينية: ليس «قال أبو عبد الله» عند الأصيلي ولا عند ابن عساكر، وهو مُعلَّمٌ بسين عند أبي ذر وعند السَّمعاني عن أبي الوقت ا ه. (مُعلمٌ بسين: يعني علامة المُستملي).
[2] قوله: «عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وزاد في (ن، و، ق) نسبة عدم وجوده إلىَ رواية [عط] ، خلافًا لما في (ب، ص) إذ رمزوا لثبوتها فيها.
[3] في رواية أبي ذر: «زوجِها».
[4] في رواية ابن عساكر والأصيلي زيادة: «أبو عبد الله»، وقيَّد في (ن، و) بحاشية رواية ابن عساكر.
[5] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ورَوَىَ»، وفي رواية ابن عساكر: «رَوَىَ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

313- ( أَنْ نُحِدَّ ) بضم أوله وكسر ثانيه، وبفتح أوله وضم ثانيه.

( العَصْب ) بفتح العين وإسكان الصاد المهملة: نوع من البُرود يُعصب غزله ثم يصبغ.

( كُسْتِ أَظْفَارٍ ) [1] قَالَ ابْن بَطَّال: كَذَا رُوِيَ، وَصَوَابُهُ: «ظِفَار» ساحل من عدن، والكست والقسط لغتان.

( روى هشام بن حسان ) فيه الصرف وعدمه.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: الصواب: «كستٍ وأَظْفارٍ» بزيادة واو، وكذا في مسلم وغيره من الوجه الذي أخرجه منه المصنف.





313# (أَنْ نُحِدَّ) بضم أوله وكسر ثانيه، وبفتح الأول وضم [1] الثاني.

(وَلاَ نكتَحِلُ) بالرفع، وليس معطوفًا على المنصوب المتقدِّم؛ لفساد المعنى.

(ثَوْبَ عَصْبٍ) بعين مفتوحة وصاد ساكنة، وكلاهما مهمل: نوع من البرود يُعْصَبُ غزلُه، ثم يُصبغ.

(كُسْتِ أَظْفَارٍ) قال ابن بطَّال: كذا روي، والصواب: ((ظفار)) ساحل من عدن، والكست والقسط [2] لغتان.

@%ج1ص160%

(ابْنُ حَسَّانَ) بالصرف من الحُسْن، وعدمِه من الحِسِّ [3] .

[1] في (ق): ((وكسر)).
[2] في (د): ((القسط والكست)).
[3] في (ق): ((الحسن)).





313- [/ج1ص128/] قوله: (عن أَيُّوبَ): هو ابن أبي تميمة السَّختيانيُّ [1] ، واسم أبي تميمة كيسان، وكنية أيُّوب أبو بكر، الإمَام، تقدَّم، قال شُعْبَة: ما رأيت مثله كان سيِّد الفقهاء.

قوله: (عن حَفْصَةَ): هي بنت سيرين، أخت محمَّد بن سيرين وإخوته، كنيتها أمُّ الهذيل، بصريَّة فقيهة، روت عن مولاها أنس بن مالك، وأمِّ عطية، وعنها: أيُّوب، وخالد الحذَّاء، قال إياس بن معاوية: ما أدركت أحدًا أفضِّله عليها، توفِّيت في حدود المئة.

فائدة: اعلم أنَّ أفضل التَّابعيَّات كما روى ابن أبي داود بإسناد [2] إلى إياس بن معاوية قال: (ما أدركت أحدًا أفضِّله على حفصة -يعني: بنت سيرين- فقيل له: الحسن وابن سيرين؟ فقال: أمَّا أنا؛ فما أفضِّل عليها أحدًا) ، وقال أبو بكر بن أبي داود: (سيِّدتا التَّابعين من النِّساء: حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عَبْد الرَّحمن، وثَالِثتهما وليست كهما: أمُّ الدَّرداء -يريد الصُّغرى- هُجَيمة أو جُهَيمة بنت حُييٍّ الأوصابيَّة، فأمَّا أم الدَّرداء الكبرى؛ فهي صحابيَّة، واسمها خَيْرَة، والله أعلم.

قوله: (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ): تقدَّم أنَّ اسمها [3] نُسيبة؛ بضمِّ النُّون على الأصحِّ، وتقدَّم بعض ترجمتها رَضِيَ اللهُ عنها.

قوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الله أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عن حَفْصَةَ): (هشام): بالجرِّ معطوفًا على (أيُّوب) ، وهو مجرور، كذا في أصلنا القاهريِّ والدمشقيِّ، ولم أر أحدًا تكلَّم على هذا، والذي ظهر لي أنَّ البخاريَّ شكَّ: هل هذا الحديث عن أيُّوب عن حفصة أو عن هشام بن حسَّان عنها، وترجَّح عنده أنَّه أيُّوب، وقد أخرجه البخاريُّ في (الجنائز): عن محمَّد بن عَبْد الله الوهاب الثَّقفيِّ، وعن حامد بن عُمر عن حمَّاد بن زيد؛ كلاهما عن أيُّوب، عن حفصة، عن أمِّ عطيَّة، وحديث الثَّقفيِّ أتمُّ، وأخرجه مُسْلِم والنَّسائيُّ عن قتيبة عن حمَّاد بن زيد به، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر ابن أبي شيبة عنِ الثَّقفيِّ به، وأخرج البخاريُّ أيضًا هذا الحديث من طريق هشام بن حسَّان عن حفصة في (الطَّلاق) ، عن أبي نعيم، عن عَبْد السَّلام بن حرب قال: وقال الأنصاريُّ، وأخرجه مُسْلِم فيه عنِ الحسن بن الرَّبيع عن عَبْد الله بن إدريس، وعن أبي بكر ابن أبي شيبة عن عَبْد الله بن [4] نمير، وعن عَمرو النَّاقد عن يزيد بن هارون، وأخرجه أبو داود فيه عن هارون بن عَبْد الله ومالك بن عَبْد الواحد المسمعيِّ؛ كلاهما عن يزيد بن هارون، وعن عَبْد الله بن الجراح عن عَبْد الله بن بكر، وعن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن طهمان، وأخرجه النَّسائيُّ فيه عنِ الحسين بن محمَّد، عن خالد -وهو ابن الحارث-؛ ثمانيتهم عن هشام بن حسَّان به، وأخرجه ابن ماجه فيه [5] عن أبي بكر ابن أبي شيبة به [6] .

فالحاصل: أنَّ الحديث رواه أيُّوب وهشام بن حسَّان؛ كلاهما عن حفصة، فرواية أيُّوب أخرجها البخاريُّ ومسلم، ورواية هشام أخرجها البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، وأنَّ ثمانية أشخاص روَوه عن هشام عن حفصة، وأنَّ واحدًا -وهو حمَّاد بن زيد- رواه عن أيُّوب، فبقي الشأن مَن أحفظُ الرَّجلين أحمَّادُ بن زيد أو أيُّوب؟ والله أعلم.

ورأيت في هامش أصلنا نسخة بعد الفراغ من الحديث صورتها: (رواه هشام بن حسَّان عن حفصة، عن أمِّ عطيَّة، عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم) ، (وكذا هي في أصلنا الدِّمشقيِّ في الأصل عقيب [7] الحديث) [8] ، وهذه حسنة لا كلام عليها، وفيها فائدة أخرى، وهو [9] أنَّ أمَّ عطيَّة صرَّحت برفعه، وإنْ كان قول الصَّحابيِّ: (أُمِرْنا بكذا) و (نُهِينا [10] عن كذا) مرفوعًا على الصَّحيح عند أكثر أهل العلم، قاله ابن الصَّلاح؛ لأنَّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره [11] إلى مَن إليه الأمر والنَّهي، وقد خالف في ذلك فريق؛ منهم: أبو بكر الإِسْمَاعِيليُّ، وعن أبي بكر الصَّيرفيِّ الجزم به في «الدلائل»، وقد رأيت بعض العلماء قال: إنَّ الخلاف [12] في غير الصِّدِّيق، أمَّا إذا قال أبو بكرٍ الصِّدِّيق ذلك؛ فإنَّه يكون مرفوعًا بلا خِلاف، ومَا قاله حسنٌ صحيح متعيَّن، والله أعلم.

ومَا رواه هشام بن حسَّان به أخرجه البخاريُّ، ومُسلم، والتِّرمذيُّ [13] ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، قال المِزِّيُّ [14] عقيب تطريف [15] حديث هِشام هذا: (وقد ذكرنا أنَّه وقع في بعض النُّسخ مِن كتاب أبي مسعود: «عن عيسى بن يونس عن عاصم» بدل «هشام»، وهو [16] وهم) انتهى، وقال في ترجمة عاصم بن سُلَيْمَان عن حفصة، عن أمِّ عطيَّة: («خ م د»، البخاريُّ في «العيدين» عن عُمَر بْنِ حَفْصٍ بْنِ غِيَاثٍ [17] ، عن أَبِيهِ، ومسلم فيه [18] عن يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، عن أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بنِ مُعَاوِيَةَ؛ كِلَاهُمَا عن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ به؛ يعني: عن حفصة، عن أمِّ عطيَّة، وأبو داود في «الصلاة» عنِ النفيليِّ [19] ، عن زهير به، زاد المِزِّيُّ في بعض النُّسخ [من كتاب أبي مسعود: عن محمَّد بن عَمرو بن حفص، وكذلك في بعض النُّسخ من «البخاريِّ»، وفي بعض النُّسخ] [20] من كتابه في طرق هذا الحَدِيْث: «وعن عَمرو النَّاقد، عن عيسى بن يونس، عن عاصم»، وهو وهم، وفي بعض النُّسخ: «عن النَّاقد، عن عيسى، عن هشام»، وهو الصَّواب، وسيأتي) انتهى، وقد ذكرتُه قبل هذا.

قوله: (أَنْ نُحِدَّ على مَيِّتٍ): (نُحِدَّ): هو بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، رباعيٌّ، ويجوز فتح النُّون وضمُّ الحاء، ثلاثيٌ، يقال: حِدتُ وأحدتُ حِدادًا وإحدادًا؛ إِذَا امتنعت من الطِّيب والزينة، وأصله المنع، قال شيخنا الشَّارح: (وأغرَبَ بعضهم، فحكاه بالجيم، من جددت الشَّيءَ؛ إِذَا قطعته، وكأنَّها قد انقطعت عنِ الزينة وعمَّا كانت عليه قبل ذلك) .

قوله: (إِلَّا على زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا): (أربعةَ): منصوب على الظَّرف، والعامل فيه (نُحِدَّ) ، و (عشرًا): معطوف عليه، وخصَّ بهذا؛ لأنَّ الغالبَ تَبَيُّنُ [21] حركةِ الحملِ تلك المدَّة، وأنَّثتِ العشر؛ لأنَّه أراد الأيَّام بلياليها، والله أعلم.

قوله: (إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ [22] ): هو بفتح العين، وإسكان الصَّاد المهملتين، ثُمَّ موحَّدة، قال الدِّمياطيُّ: (العَصْب: الذِي صُبِغ غزلُه قبل نسجه) انتهى، وفي «النِّهاية»: (العَصْب: برود يمنيَّة يُعصَب غزلُها؛ أي: يُجمَع ويُشَدُّ، ثُمَّ يُصبَغ ويُنسَج، فيأتي مُوشَيًا؛ لبقاء ما عُصِب أبيض لم يأخذه صبغٌ، يقال: بُردٌ عَصْبٌ، وبُرُودُ عَصْبٍ؛ بالتَّنوين والإضافة، وقيل: هي برود مُخطَّطة، والعَصْب: [الفتل] [23] ، والعَصَّاب: الغَزَّال، فيكون [النهي] [24] للمعتدَّة عمَّا صُبِغ بعد النَّسج) [25] انتهى، وقال ابن قيِّم الجوزيَّة في «الهدي»: (وأمَّا العصب؛ فالصَّحيح أنَّه نَبْتٌ تُصبَغ به الثِّياب، قال السُّهيليُّ: الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلَّا به) انتهى.

تنبيه: وقع في رواية البيهقيِّ: (ولا ثوب عصب) ، لكن قال: (إنَّها غير محفوظة) انتهى، وقد رأيتها في «النَّسائيِّ الصَّغير» في (الإحداد) .

قوله: (وَقَدْ رُخِّصَ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (في نُبْذَةٍ): بضمِّ النُّون، ثُمَّ موحَّدة ساكنة، ثُمَّ ذال معجمة مفتوحة، ثُمَّ تاء؛ وهي القطعة والشَّيء اليسير، وفي بعض النُّسخ: بفتح النُّون بالقلم، وعليه تصحيح، قَالَ الجوهريُّ: (ذهب ماله وبقي نبذ منه، وبأرض كذا نبذٌ من مال ومن كلأ، وفي رأسه نبذٌ من شيب، وأصاب الأرض نبذٌ من مطر؛ أي: شيء يسير) انتهى، وفي «النِّهاية» لما ذكر [26] حديث أنس: (إنَّما كان البياض في عنفقته وفي الرَّأس نبذٌ؛ أي: يسير من شيب) ، فذكر نحو كلام الجوهريِّ، ثُمَّ قال: (وذهب ماله وبقي منه نبذٌ ونبذةٌ؛ أي: شيء يسير) ، و (نبذةٌ) في كلامه ما أدري هل هي بضمِّ النُّون أو فتحها؟ والله أعلم.

قوله: (مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ): الكست: بَخُور معروف، وكذا القُسْط مثله، و (كُسْط) حكاها البخاريُّ في هذا «الصَّحيح» وابن الأثير في «نهايته»، وقال: (والكاف والقاف يُبدَل أحدهما من الآخر) ، فهذه ثلاث لغات: كُست، وقُسط، وكُسط، وحَكى شيخنا الشَّارح رابعة، ولفظه: (وحكاها -يعني: قسطًا- ابن الجوزيِّ في «غريبه») ، قال: ومن خطِّه نقلت، لكنَّه قال بدل (كُست): (كُشط) ، وأعجم الشِّين، وصحَّح على الطَّاء، انتهى، فتحصل [27] أربع لغات، وفي ثبوت الأخيرة وقفة، والله أعلم، فإنَّه يحتمل أنَّها سبق قلم إلى الإعجام.

قوله: (أَظْفَارٍ): كذا في أصل سماعنا على العراقيِّ بالألف مضافًا إليه، والآن أُصلِحت على (كستٍ أظفارٍ) ؛ بتنوينهما، وكذا رأيتهما منوَّنتين [28] بخطِّ شيخنا أبي جعفر الأندلسيِّ، ووقع في غيرها: (ظفارِ) ؛ بحذفها مكسور [29] الرَّاء، و (ظفار): مكان من سواحل عدن، وعن ابن بطَّال أنَّه الصَّواب، وقال ابن قُرقُول: («من قسط وأظفار»، وكذا في رواية بعضهم، وكذا في حديث الحادَّة عند جميعهم، وعند بعض الرُّواة: «أو أظفار»: على التَّخيير أو الشَّكِّ، ورواه أكثر رواة «الصَّحيح» في أكثر الأبواب: «من قسط أظفار»، والأوَّل هو الصَّحيح، وهما نوعان من البَخُور) انتهى.

قوله: (وَكُنَّا نُنْهَى): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله. [/ج1ص129/]

[1] في (ج): (السجستاني) ، وليس بصحيح.
[2] في (ج): (بإسناده) .
[3] (اسمها): مثبت من (ج) .
[4] (بن): سقط من (ب) .
[5] (فيه): سقط من (ب) .
[6] (به): ليس في (ب) .
[7] في (ب): (عقب) .
[8] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[9] في (ب): (وهي) .
[10] في (ج): (أو نهينا) .
[11] في (ج): (لظاهره) .
[12] في (ب): (المشهور) .
[13] (والترمذي): ليس في (ب) .
[14] في (ج): (وقال المزني) ، وهو تحريفٌ.
[15] (تطريف): ليس في (ب) .
[16] في (ب): (وقد) .
[17] في (ب): (عتاب) ، وهو تصحيف.
[18] في (ج): (منه) .
[19] في (ب): (المتيع) ، وليس بصحيح.
[20] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[21] في (ج): (يتبين) .
[22] في هامش (ق): (العصب: برود اليمن يعصب غزلها) .
[23] (الفتل): مثبت من مصدره.
[24] (النهي): مثبت من مصدره.
[25] «النهاية» مادة (عصب) .
[26] في (ج): (دخل) .
[27] في (ب): (فيحصل) .
[28] في (ج): (بتنوينين) .
[29] في (ب): (مكسورة) .





313- (أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ): بالجرِّ معطوفٌ على (أَيُّوبَ)، وهو مجرورٌ.

(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ): منصوبٌ على الظَّرفِ، والعاملُ فيه (نُحِدَّ) [1] .

(وَعَشْرًا): معطوفٌ على (أَرْبَعَةَ) ؛ أي: عشرَ ليالٍ؛ إذْ لو أُريدَ الأيامُ؛ لَقِيلَ: عَشَرَةً؛ بالتَّاءِ.

قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] : (لو قلتَ في مثلِه: وعشرةً؛ لخرجتَ من كلام العربِ، لا تَراهم قطُّ يستعملونَ التَّذكيرَ فيه)، وقال بعضهم: (الفرقُ بين المذكَّرِ والمؤنَّثِ في الأعدادِ إنَّما هو عندَ ذِكْرِ المميِّزِ، أمَّا لو لم يُذْكَر؛ جاز فيه التَّاءُ وعدمه مطلقًا).

(وَلَا نَكْتَحِل) [2] : بالرَّفعِ، وفي بعضها[/ص41/] بالنَّصبِ، فتوجيهُه أنْ تكونَ (لَا) زائدةً وتأكيدًا.

إنْ قلتَ: (لَا) لا تُؤكِّدُ إلَّا إذا تقدَّمَ النَّفيُ عليه؟

قلتُ: تقدَّمَ معنى النَّفيِ؛ وهو النَّهيُ.

[1] في (ب): (تُحِدَّ) بالتاء، قال الكرماني في «الكواكب الدراري» (3/178): («تُحِدَّ» أي: المرأة، وفي بعضها: «نُحِدَّ» بالنون؛ أي: نحن، وكذا «لا تكتحل»)، وكذا ما بعده (لا تتطيب) و(لا تلبس)، قال ابن الملقن في «التوضيح» (5/70): («نحدَّ» بضمِّ أوَّلِه وكسرِ ثانيه، وبفتح أوَّلِه وضمِّ ثانيه، رباعيًّا وثلاثيًّا، يقال: «أَحدَّت» و«حدَّت»، والثاني أكثرُ في كلام العرب، والأوَّلُ كانَ الأَوَّلون مِنَ النَّحْويِّين يؤثرونَه).
[2] في (ب): (وَلَا تَكْتَحِل) بالتاء، وتقدم مفاده.





313- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيُّ (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين، زاد في رواية المُستملي وكريمة: ((قال أبو عبد الله))؛ أي: البخاريُّ: ((أو هشام بن حسَّانٍ))؛ بالصَّرف، وتركه: من الحسن أو الحسِّ، ((عن حفصة))، فكأنَّه شكَّ في شيخ حمَّادٍ أهو: أيُّوب السَّختيانيُّ أو هشام بن حسَّان، وليس ذلك عند بقيَّة الرُّواة ولا عند أصحاب «الأطراف»، (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيبة _بضمِّ النُّون وفتح السِّين مُصغَّرًا_ بنت الحارث، كانت تمرِّض المرضى وتداوي الجرحى وتغسل الموتى، لها في «البخاريِّ» خمسة أحاديث رضي الله عنها (قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى)؛ بضمِّ النُّون، الأولى [1] ، وفاعل النَّهيِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (أَنْ تحِدَّ) [2] ؛ أي: المرأة، وفي «الفرع»: ((أن نُحِدَّ [3] )) بضمِّ الأوَّل مع كسر المُهمَلة فيهما، من الإحداد؛ أي: تمنع من الزِّينة (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) يعني به: اللَّيالي مع أيَّامها (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) دخل بها أو لم يدخل، صغيرةً كانت [4] أو كبيرةً، حرَّةً أو أَمَةً. نعم؛ عند أبي حنيفة: لا إحداد على صغيرةٍ ولا أمةٍ، وفي رواية المُستملي والحَمُّوييِّ: ((إلَّا على زوجها))، فالأولى موافقةٌ للفظ: «نُحِدَّ»؛ بالنُّون، والثَّانية موافقةٌ لرواية: «تُحِدَّ»؛ بالغَيبة، أو تُوجَّه الثَّانية _أيضًا على رواية النُّون_ بأنَّ الضَّمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها: «كنَّا نُنْهَى»؛ أي: كلُّ واحدةٍ منهنَّ تُنهَى أن تحدَّ فوق ثلاثٍ إلَّا على زوجها [5] (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)؛ يعني: عشر ليالٍ؛ إذ لو أُريد به الأيَّام؛ لقِيلَ عشرةٌ؛ بالتَّاء، قال البيضاويُّ في تفسير {أربعة أشهر وعشرًا}: وتأنيث العشر باعتبار اللَّيالي؛ لأنَّها غرر الشُّهور والأيَّام، ولذلك لا يستعملون التَّذكير في مثله قطُّ، ذهابًا إلى الأيَّام حتَّى إنَّهم يقولون: صمتُ عشرًا، ويشهد له قوله: {إن لبثتم إلَّاعشرًا} [طه: 103] ثمَّ «إن لبثتم إلَّا يومًا» [طه: 104] ، ولعلَّ المقتضي لهذا التَّقدير: أنَّ الجنين في غالب الأمر يتحرَّك لثلاثة أشهرٍ إن كان ذكرًا، ولأربعةٍ إن كان أنثى، واعتُبِر أقصى الأجلين، وزِيد عليه العشر استظهارًا؛ إذ ربَّما تضعف حركته في المبادىء فلا تحسُّ بها، (وَلَا نَكْتَحِلَ) بالنَّصب، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة» فقط، عطفًا على المنصوب السَّابق، كذا قرَّروه [6] ، ولكن ردَّه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّه يلزم من عطفه عليه فساد المعنى؛ لأنَّ تقديره: كنَّا نُنهَى ألَّا [7] نكتحل، نعم؛ يصحُّ العطف عليه على تقدير أنَّ «لا» زائدةٌ، أكَّد بها؛ لأنَّ في النَّهيَ معنى النَّفي، ورواية [/ج1ص352/] الرَّفع هي الأحسن على ما لا يخفى، (وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ) بفتح العين، وسكون الصَّاد المُهمَلتين، في آخره مُوحَّدةٌ: برودٌ يمنيَّةٌ [8] يُعصَب غزلها؛ أي: يُجمَع ثمَّ يصبَغ ثمَّ يُنسَج (وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا) التَّطيُّب [9] بالتَّبخُّر (عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا) لدفع رائحة الدَّم لما تستقبله من الصَّلاة (فِي نُبْذَةٍ) بضمِّ النُّون وفتحها، وسكون المُوحَّدة، وبالذَّال المُعجَمة؛ أي: في قطعةٍ يسيرةٍ (مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ) كذا في هذه الرِّواية؛ بضمِّ الكاف وسكون المُهمَلة، وفي كتاب «الطِّبِّ» للمُفضَّل بن سلمة: القُسْط والكُسْط والكُسْت ثلاث لغاتٍ؛ وهو [10] من طيب الأعراب، وسمَّاه ابن البيطار: راسِنًا [11] ، والأظفار ضربٌ من العطر على شكل ظفر الإنسان يُوضع في البخور، وقال ابن التِّين: صوابه: «قُسْط ظِفَار»؛ أي: بغير همزٍ؛ نسبةً إلى ظِفَار، مدينةٌ بساحل اليمن [12] يُجلَب إليها القسط الهنديُّ، وحُكِيَ في ضبط «ظَفَارِ»: عدم الصَّرف والبناء كقَطَامِ؛ وهو العود الذي يُتبخَّر به، (وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) ويأتي البحث فيه في محلِّه [13] إن شاء الله تعالى.

ورواة هذا الحديث بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا وكذا في «الطَّلاق» [خ¦5341] ، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(قَالَ: رَوَاهُ)؛ أي: الحديث المذكور، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((قال أبو عبد الله))؛ أي: المؤلِّف، وفي روايةٍ لابن عساكر: ((روى))، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: ((وروى)) (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) المذكور ممَّا سيأتي موصولًا عند المؤلِّف في كتاب «الطَّلاق» [خ¦5341] _إن شاء الله تعالى_ (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) رضي الله عنها (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ولم يكن [14] هذا التَّعليق في رواية المُستملي، وفائدة ذكره الدَّلالة على أنَّ الحديث السَّابق من قبيل المرفوع.

[1] في (ص): «الأوَّل».
[2] في (ص): «نحدَّ».
[3] في (ص): «تحدَّ»، وهو خطأٌ.
[4] «كانت»: سقط من (د).
[5] في (ص): «زوج».
[6] في (ص): «قدَّره».
[7] «لا»: سقط من (ص).
[8] في (ب) و(س): «يمانية».
[9] في (د): «الطِّيب».
[10] في (م): «هي».
[11] في هامش (ص): «قوله: «راسنًا»: الرَّاسِن كقاسمٍ: القندس، فارسيَّةٌ، والنَّقنس؛ بالتَّحريك: طيب الرَّائحة، فارسيَّة الرَّاسن انتهى. ق».
[12] في غير (م): «البحر».
[13] «في محلِّه»: سقط من (د).
[14] في (ب) و(س): «يقع».





313- ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَوْ هِشَامِ ): شكٌّ من شيخ حمَّاد أهو أيُّوب أو هشام، ولم يقع هذا في رواية غير كريمة والمُسْتملي.

( نُنْهَى ): بالبناء للمفعول.

( نُحِدَّ ): بضمِّ النُّون وكسر الحاء المهملة من الإحداد: وهو الامتناع من الزينة.

( عَلَى زَوْجٍ ) للحَمُّويي والمُسْتملي: «على زوجها».

( وَلاَ نَكْتَحِل ): بالرَّفع استئنافًا، والنَّصب عطفًا.

( عَصْبٍ ): بفتح العين وسكون الصَّاد [المهملين] : ضرب من برود اليمن يعصب غزله، أي: يجمع ثمَّ يصبغ ثمَّ ينسج.

( نُبْذَةٍ ): بالمعجمة: قطعة.

( مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ ) قال ابن التِّين وغيره: صوابه: قسط ظفار، وظفار بلدة بساحل اليمن، يُجلب إليها القسط الهنديُّ، وفي ظائه الكسر والفتح، ولمسلم: «من قسط أو أظفار»؛ بإثبات ( أو ) وهي للتَّخيير.

قال في «المشارق»: القسط بخور معروف، وكذلك الأظفار.

وقال غيره: الأظفار ضرب من العطر يشبه الظِّفر. [/ج1ص399/]

قال صاحب «العين»: ولا واحد له.

وقال في «المحكم»: الظفر ضرب من العطر أسود مغلف على أصله على شكل ظفر الإنسان يوضع في البخور، والجمع أظفار.

( والكُسْتُ ): بضمِّ الكاف وسكون المهملة بعدها مثنَّاة: وهو القسط، ويقال: بالكاف [والطَّاء] [1] أيضًا.

( وَرَوَى هِشَامُ ) لغير أبي ذرٍّ: «ورواه»، أي الحديث المذكور، وسقط هذا التَّعليق للمُسْتملي.

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (والفاء)





81/313# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ، عن حَفْصَةَ:

عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالتْ: رُخِّصَ لَنا عِنْدَ الطُّهْرِ إذا اغْتَسَلَتْ إِحْدانا مِنْ مَحِيضِها في نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفارٍ.

(النُبذة): القطعة اليسيرة.

و (الكُست): هو القُسط، والقاف قد تُبدل بالكاف، والطاء بالتاء [1] ، يريدُ [2] : أنَّها تُطَهَّرُ بذلك وتُطَّيبُ به.

[1] في (م): (والطلا بالباء) محرفاً ومصحفاً.
[2] في (أ): (يريد عليه السلام).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

313# قوله: (نُحِدَّ): وجوب الإحداد على كلِّ من هي ذات زوج، وسواء فيه المدخول بها وغيرها، والصَّغيرة والكبيرة، والبكر والثَّيب، والحرَّة والأمة، فلها أن تمتنع من الزِّينة والطِّيب.

قوله: (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [1] ): لأنَّ الغالب تبين فيه حركة الحمل في تلك المدَّة وأنَّها تحلُّ في اليوم العاشر، وعند الجمهور: لا تحلُّ حتَّى تدخل ليلة الحادي عشر.

(وَلَا نَكْتَحِلَ): دلالة على تحريمه سواء احتاجت له أم لا، وجاء في «الموطَّأ»: «اجعليه في اللَّيل وامسحيه بالنَّهار»، والنَّهي عن الكحل الأسود والأصفر؛ أمَّا الأبيض كالتوتياء ونحوه؛ فلا تحريم فيه.

(وَلَا نَتَطَيَّبَ، وَلَا نَلْبَسَ [ثَوْبًا] مَصْبُوغًا).

و(الكُسْت): طيب، نسبه إلى ظفار؛ ساحل من سواحل [2] عدن، وقيل: ظفار [3] ؛ مدينة باليمن.

[1] في (أ): (عشرًا).
[2] زيد في (ب): (البحر).
[3] في (ب): (أظفار).





313- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب)) هو أبو محمَّد الحجبي البصري،بالحاء المهملة، بعدها جيم، ثم موحدة ((قال: حدثنا حمَّاد بن زيد)) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم، ((عن أيُّوب)) : هو السختياني، ((عن حفصة)) هي بنت سيرين الأنصارية أم الهذيل، زاد في رواية المستمليوكريمة: (قال أبو عبد الله أو هشام بن حسان، عن حفصة) ، و (أبو عبد الله) هو المؤلف، و (حسان) بالصرف وعدمه؛ من الحس أو الحسن، فكأن المؤلف شك في شيخ حمَّاد أهو أيُّوب أو هشام؟ وليس ذلك عند بقية الرواة، ولا عند أصحاب الأطراف، وقد أورد المؤلف هذا الحديث في كتاب «الطلاق» بهذا الإسناد؛ فلم يذكر ذلك، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، ((عن أم عطية)) هي نُسَيبة -بضمِّ النون، وفتح السين المهملة- بالتصغير، بنت الحارث، كانت تمرض المرضى، وتداوي الجرحى، وتغسل الموتى رضي الله عنها ((قالت: كنا نُنهى)) ؛ بضمِّ النون الأولى على صيغة المفعول، والناهي هو: النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، كما دلت عليه رواية هشام المعلقة المذكورة في آخر الحديث، وهذه الصيغة في حكم المرفوع، وكذلك كنا وكانوا، ونحو ذلك؛ لأنَّه وقع في زمن النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وقرَّرهم عليه، فهو مرفوعٌ معنًى، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري» ((أن نُحِد)) بضمِّ النون، وكسر الحاء المهملة، وفي رواية: (تحد) بمثناة فوقية؛ أي: المرأة، من الإحداد؛ وهو الامتناع من الزينة، قال الجوهري: أحدَّت المرأة؛ أي: امتنعت من الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها، وكذلك حدَّت تحُدُّ بالضم، وتحِدُّ بالكسر حدادًا، أو هي حاد، ولم يعرف الأصمعي إلا أحدت، فهي محدة، كذا في «المحكم»، وأصل هذه المادة: المنع، ومنه قيل للبواب: حدَّاد؛ لأنَّه يمنع الدخول والخروج، وأغرب بعضهم؛ فحكاه بالجيم، من جددت الشيء، فكأنها قد انقطعت عن الزينة، وعما كانت قبل ذلك، كذا في «عمدة القاري»، وكلمة «أن» مصدرية، والتقدير: كنا ننهى عن الإحداد ((على ميْت)) ؛ بتخفيف التحتية: مَن حلَّ به الموت، وبتشديدها: من سيموت، قال الله عز وجل: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] ، وهذه التفرقة لجمهور العلماء، وبعضهم لم يفرق بينهما، فيقال لمن حل به الموت: بالتشديد، ((فوق ثلاث)) تعني به: الليالي مع أيامها، ولذلك أنث العدد ((إلا على زوج)) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية المستملي، والحموي: (إلا على زوجها) ، والأول موافق للفظ «نحد» بالنون، والثاني موافق للفظ «تحد» بالغيبة، وقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: ويقال في توجيه الثاني: إن الضمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها: (كنا ننهى) أي: كل واحدة منهن، انتهى، وقد خبط وخلط الكرماني هنا؛ فاجتنبه، ((أربعة أشهر وعشرًا)) أي: عشر ليال، إذ لو أريد به الأيام؛ لقيل: عشرة بالتاء، قال إمام الصنعة العلامة الزمخشري في قوله تعالى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] : (لو قلت في مثله: «عشرة»؛ لخرجت عن كلام العرب، لا نراهم قط يستعملون التذكير فيه) ، وقيل: الفرق بين المذكر والمؤنث في الأعداد إنَّما هو عند ذكر المميز، أما ما لم يذكر؛ جاز فيه التاء وعدمه مطلقًا، فإن قلت: و (عشرًا) منصوب بماذا؟قلت: هو عطف على

[/ص348/] قوله: (أربعة) وهو منصوب على الظرفية، كذا في «عمدة القاري»، وقال المبرد: (إنما أنث العشر؛ لأنَّ المراد به: المدة المعينة، وعشر: مدة، وكل مدة من يوم وليلة، فالليلة مع يومها مدة معلومة من الدهر، وقيل: لم يقل: عشرة؛ تغليبًا لحكم الليالي؛ لأنَّ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها، و (عشرًا) أخف في اللفظ؛ فتغلب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ؛ لأنَّ ابتداء الشهور بالليل عند الاستهلال، فلما كان أول الشهر الليلة؛ غلب الليلة، تقول: صمنا خمسًا من الشهر، فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار، وقيل: تأنيث العشر بدون التاء؛ اعتبارًا بكون معدودها الليالي، والليالي مؤنث، قال تعالى: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} [الحاقة: 7] ، والوجه في اعتبار الليالي وجعلها مبدأ للتأريخ أن شهور العرب قمرية، وابتداؤها من طلوع الهلال وهو في الليل؛ فيكون الليل في تاريخهم سابقًا على النهار؛ فلهذا خصوا تاريخهم بالليالي دون الأيام حتى قالوا: صمنا عشر ليالٍ، والصوم إنَّما يكون في الأيام، وتذكير المعدود يقتضي زيادة التاء في اسم العدد من الثلاثة إلى العشرة، وإنما قدرت هذه المدة؛ لأنَّ الجنين في غالب الأحوال يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرًا، ولأربعة إن كان أنثى؛ فاعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استعانة بتلك الزيادة على العلم ببراءة الرحم؛ إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا يحس بها، وقيل: إنَّما قدرت بذلك؛ لأنَّ الولد يكون أربعين يومًا نطفة، وأربعين يومًا علقة، ووأربعين يومًا مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشر، فلما كان الأمر كذلك؛ أمرت بتربص أربعة أشهر وعشر؛ ليتبين الحمل إن كان بها؛ فافهم، ((ولا نكتحل)) بالرفع في أكثر الروايات، ويروى بالنصب، فتوجيهه أن تكون «لا» زائدة، أو توكيدًا، فإن قلت: لا يؤكد إلا إذا تقدم النفي عليه؛ قلت: قد تقدم معنى النفي: وهو النهي، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»؛ يعني: أنه على رواية النصب معطوف على المنصوب السابق، وما قاله إمام الشارحين قد ارتضاه الدماميني، وتبعه القسطلاني وغيره.

((ولا نتطيب)) بالنون فيهما، ((ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا)) سواء كان بزعفران أو بعصفر، أو بمفرة ((إلا ثوب عَصْب)) ؛ بفتح العين، وسكون الصاد المهملتين، آخره موحدة، هو من برود اليمن يصبغ غزلها ثم ينسج، وفي «المحكم»: (هو ضرب من برود اليمن يعصب غزله) ؛ أي: يجتمع ثم ينسج، ثم يصبغ، وقيل: هي برود مخططة، وفي «المنتهى»: (العصب في اللغة: إحكام القتل [1] والطي، وشدة الجمع واللي، وكل شيء أحكمته فقد عصبته، ومنه أخذ [2] عصب اليمن؛ وهو المفتول من برودها، والعصب: الخيار) ، وفي «المحكم»: (وليس من برود الرقم ولا يجمع، وإنما يقال: برود عصب، وبرود عصب، وربما اكتفوا بأن يقولوا عليه المعصب، لا البرد عرف بذلك) ، زاد في «المخصص»: (لا يُثنَّى ولا يجمع؛ لأنَّه أضيف إلى الفعل، وإنما العلة فيه الإضافة إلى الجنس) ، قال الجوهري: (ومنه قيل للسحاب كاللطخ: عصب) ، قال القزاز: (وكان الملوك تلبسها) ، وروي عن عمر رضي الله عنه: أنه أراد أن ينهى عن عصب اليمن، وقال: (نبت يصبغ بالبول) ، ثم قال: (نهينا عن التعمق) ، وفي حديث ثوبان: «اشتر لفاطمة قلادة من عصب»، قال الخطابي: (إن لم يكن الثياب اليمانية؛ فلا أدري، وما أدري أن القلادة تكون منها) ، وقال أبو موسى: (ذكر لي بعض أهل اليمن أنه: سن دابة مجرية تسمى: فرس فرعون يتخذ منها الخرز، ويكون أبيض) ، كذا في «عمدة القاري»، ((وقد رخص لنا)) أي: رخص النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم التطيب بالتبخير لهن، فهو في حكم المرفوع، كما سبق ((عند الطهر)) أي: من الحيض والنفاس ((إذا اغتسلت إحدانا من محيضها)) ونفاسها لإزالة الرائحة الكريهة عنها؛ لما يستقبله من الصَّلاة ومجالسة الملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم، ((في نَُبْذة)) ؛ بضمِّ النون وفتحها، وسكون الموحدة، وبالذال المعجمة، وهو الشيء اليسير، والمراد به: القطعة، والجمع أنباذ، كذا في «عمدة القاري»؛ أي: في قطعة يسيرة ((من كُسْت ظفار)) بضمِّ الكاف، وسكون السين المهملة، كذا هو في هذه الرواية، و (ظَفارِ) ؛ بفتح أوله، آخره راء مكسورة، مبني على الكسر، مدينة باليمن وبها قصر الملكة يقال: إن الجن بنتها، وفي أثبت الروايات: (من جزع ظفار) ، وفي رواية أخرى: (ظفارى) ، وقال ابن التين: (صوابه: قسط ظفار، منسوب إلى ظفار؛ وهي بساحل من سواحل عدن) ، وقال القرطبي: هي مدينة باليمن، والذي في «مسلم»: (قسط وظفار) بالواو، وهو الأحسن؛ فإنهما نوعان؛ قيل: هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر، وهو بخور رخص فيه للمغتسلة من الحيض؛ لإزالة الرائحة الكريهة.

وقال الصغاني: (ظفار في اليمن أربعة مواضع؛ مدينتان وحصنان؛ أما المدينتان؛ فإحداهما: ظفار الجعل كان ينزلها المتبايعة، وهي على مرحلتين من صنعاء، وإليها ينسب الجزع، والأخرى: ظفار الساحل قرب سرباط، وإليها ينسب القسط يجلب إليها من الهند، والحصنان؛ أحدهما: في يمان صنعاء على مرحلتين، وتسمى: ظفار الواديين، والثاني: في بلاد همدان، وتسمى: ظفار الطاهر) ، وفي «المحكم»: (الظفر: ضرب من العطر أسود مقلب من أصله على شكل ظفر الإنسان، موضع في الدخنة، والجمع أظفار، وأظافير) ، وقال صاحب «المعين»: (لا واحد له، وظفر ثوبه؛ طيبه بالظفر) ، وفي «الجامع»: (الأظفار: شيء من العطر شبيهة بالأظفار يتخذ منها، ولا يفرد واحدها، وإن أظفر؛ فهو إظفارة) ، وفي كتاب «الطيب» للمفضل بن سَلَمَة: (القسط، والكشط، والكست؛ ثلاث لغات) قال: وهو من طيب الأعراب، وسماه ابن البيطار في كتاب «الجامع»: راسنا أيضًا، وقال الأزهري: (واحده ظفر) ، وقال غيره: الأظفار: شيء من العطر، وقال الشيخ إسماعيل: (الأظفار: شيء يتداوى به؛ كأنه عود وكأنه يثقب ويجعل في القلادة) ، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري»؛ فافهم، والله الهادي، ((وكنا نُنهى)) ؛ بضمِّ النون الأولى على صيغة المجهول، والناهي هو النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذه الصيغة في حكم المرفوع، كما قدمناه، ((عن اتباع الجنائز)) والنهي للتحريم،ففي الحديث تحريم اتباع النساء الجنائز، كما يأتي في موضعه مفصلًا إن شاء الله تعالى، وفي الحديث دليل على وجوب الإحداد على المرأة الكبيرة الحرة سواء كانت مدخولًا بها أو غيرها، وسواء كانت بكرًا أو ثيبًا، أما الصغيرة الأمة؛ فلا إحداد عليها؛ وذلك لأنَّ الأحاديث الواردة في هذا الباب مطلقة؛ فتنصرف إلى الكامل، وهي البالغة الحرة، ولأن الصغيرة لا تحسن الإحداد، ولا يلزم أهلها أن يجنبوها ذلك، والأمة خارجة عن الإحداد؛ لأنَّ الأحاديث وقعت في الأحرار، وهي قرينة قوية على أنه لا إحداد عليهما؛ فالخطاب في وجوب الإحداد إنَّما كان لمعين وهو الحرة

[/ص349/] البالغة، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه، والجمهور، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم: أن على الصغيرة والأمة الإحداد أيضًا، وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد والأمة إذا توفي عنها سيدها؛ لأنَّ الأحاديث إنَّما جاءت في الأزواج وهما ليسا بزوجة، ولا على الرجعية، لكن يستحب لها التزين والتطيب؛ ترغيبًا للزوج، كما صرح به في «الدر المنتقى» عن «السراجية».

وفي المطلقة ثلاثًا قولان؛ فمذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، والحكم، وأبو ثور، وأبو عبيد؛ أن عليها الإحداد، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال الحسن بن حي، وسَعِيْد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن سيرين، والثوري، ومذهب مالك، والشافعي: لا إحداد عليها، وبه قال ربيعة، وعطاء، والليث، وابن المُنْذِر، ومذهب الحسن البصري: أنه لا يجب الإحداد على المطلقة ولا على المتوفى عنها زوجها، وهو شاذ، كما قاله أحمد ابن حنبل، وقال ابن عبد البر: (أجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها إلا الحسن، فإنه قال: ليس بواجب، واحتج بما رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر [3] بن أبي طالب؛ قال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «تسلي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت») .

قال ابن المُنْذِر: (كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد على المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها، وقد بينت الأخبار عن النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بالإحداد، وليس الإحداد بلغته إلا التسليم، ولعل الحسن لم تبلغه أو بلغته، وتأولها بحديث أسماء بنت عميس: أنها استأذنت النبي عليه السلام أن تحد على جعفر وهي امرأته؛ فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن: «تطهري واكتحلي»، وقد دفع هذا الحديث أهل العلم بوجوه؛ وكان إسحاق يقول: إن هذا الحديث شاذ، وكذا كان يقول أحمد ابن حنبل، فلا يؤخذ به) انتهى.

وفي قول النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا» دليل على أن الكتابية المتوفى عنها زوجها المسلم لا حداد عليها، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وأبو ثور، وابن كنانة، وابن رافع، وهو رواية أشهب عن مالك، وروى عنه ابن القاسم: أن عليها الإحداد كالمُسْلِمَة، وبه قال الليث، والشافعي، وعامة أصحاب مالك، وصريح الحديث يرده؛ لأنَّه عليه السلام وصف المرأة بالإيمان، كما لا يخفى.

وفي قوله عليه السلام: «فوق ثلاث...» إلخ دليل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، وإباحة الإحداد عليهم ثلاثًا تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها.

وقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: فإن قلت: لم خص الأربعة الأشهر والعشر؟قلت: لأنَّ غالب الحمل تتبين حركته في هذه، وأنث العشر؛ لأنَّه أراد بها الأيام بلياليها، وهو مذهب العلماء كافة إلا ما حكي عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنه أراد أربعة أشهر وعشر ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر، وعند الجمهور: لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر، وهذا خرج على أحوال المعتدات أنها تعتد بالأشهر، أما إذا كانت حاملًا؛ فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع سواء قصرت المدة أم طالت، فإذا وضعت؛ فلا إحداد بعده، وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشرٍ وإن لم تضع الحمل) انتهى.

ثم قال: وفي الحديث دليل على تحريم الكحل سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في «الموطأ» وغيره عن أم سَلَمَة: «اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار»، ووجه الجمع إذا لم تحتج إليه؛ لا يحل لها فعله، وإن احتاجت إليه؛ لم يجز بالنهار دون الليل، والأولى تركه؛ لحديث: (إن ابنتي اشتكت عينها أفتكحلها؟ قال: «لا») ؛ ولهذا إنَّ سالمًا وسليمان بن يسار قالا: [إنها] إذا خشيت على بصرها،إنها تكتحل وتتداوى به وإن كان مطيبًا، وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه؛ لأنَّ الضرورات تبيح المحظورات، وبه قال مالك في غير مطيب، وقال صاحب «التوضيح»: (والمراد بالكحل: الأسود والأصفر، وأما الأبيض؛ فلا تحريم فيه عند أصحابنا؛ إذ لا زينة فيه، وحرمه بعضهم على الشعثاء حتى تتزين) انتهى، ثم قال: وفي الحديث دليل على تحريم الطيب، وهو ما حرم عليها في حال الإحرام سواء كان في ثوبها أو بدنها، وقال صاحب «التوضيح»: (يحرم عليها كل طعام فيه طيب) انتهى.

قلت: وفيه تحريم الخضاب بالحناء إلا لعذر، قال ابن المُنْذِر: (لا أعلم خلافًا أن الخضاب داخل في جملة الزينة المنهي عنها) .

وقال صاحب «عمدة القاري»: (وفي الحديث دليل على تحريم لبس الثياب المعصفرة) ، وقال ابن المُنْذِر: (أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبوغة إلا ما صبغ بسواد؛ فرخص فيه عروة بن الزبير، والإمام الأعظم، ومالك، والشافعي، وكرهه الزُهْرِي.

قلت: وعلله أئمتنا الأعلام بأن الأسود لا يقصد به الزينة، وكذا الأزرق، وقال في «المحيط»: (والمراد بالثوب: ما كان جديدًا يقع به التزين، أما الثياب الخلقة؛ فلا بأس بلبسها؛ لأنَّه لا يقصد بها إلا ستر العورة، والأحكام تبنى على المقاصد) انتهى.

وفي «الدر المنتقى»: (ويحرم لبس المصبوغ بمفرة أو عصب) انتهى، هذا مذهب إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم، وبه قال الزُهْرِي؛ لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن عصب اليمن، وقال: (نبت يصبغ بالبول) ، وقال مالك: (لا يلبس رقيق عصب اليمن) ، ووسع في غليظه؛ لأنَّ رقيقه بمنزلة المصبغة.

لا يقال: هذا مخالف للحديث؛ لأنا نقول: إن الحديث محمول على ما لم يصبغ بالبول، على أن العصب الموجود في زمان الإمام الأعظم وغيره من التابعين لم يكن زمن النبي الأعظم عليه السلام، فلعله قد نسج بحرير، أو تغيرت ألوانه، أو غير ذلك، كما هو مبين في محله، والله أعلم؛ فافهم.

وقال ابن المُنْذِر: (ورخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض) ، والأصح عند الشافعية: تحريم البرد مطلقًا رقيقًا أو غيره، وهذا الحديث حجة لمن أجازه وعلى من منعه، ومذهب الإمام الأعظم: أنه تحرم الزينة بأنواعها حليًّا كان، أو قصبًا، أو خزًّا، حريرًا غير أسود، قال شارح «الملتقى»: (ومنه الامتشاط بضيِّق الأسنان، فلا يحل؛ وذلك لعموم هذا الحديث، وروى ابن المواز عن مالك: أنها لا تلبس حليًّا وإن كان حديدًا، وكل لباس تلبسه المرأة على وجه التجمل يحرم على الحادِّ لبسه) ، وقال الشافعي: كل صبغ كان زينة؛ فلا تمسه الحادة غليظًا كان أو رقيقًا، وروي عنه: منع جيد البياض والرفيع من السواد، والحديث المذكور حجة عليه؛ لأنَّ البياض مباح، وإذا منعت من المصبغ؛ فلم يبق إلا البياض، ولأن الأسود لا يقصد التزين به؛ فهو ممنوع، كما لا يخفى.

وفي الحديث: دليل على الترخيص للحادة إذا اغتسلت من الحيض، وكذا النفاس التطيب؛ لإزالة الرائحة الكريهة؛ لأنَّ الدم له ريح، فرخص لها في التبخر بالطيب؛ لدفع رائحة الدم عنها؛ لما تستقبله من الصَّلاة ومجالسة الملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم، ولأن ذلك يكون أسرع إلى علوق الولد وتنشط البدن.

وفي الحديث: تحريم اتباع النساء الجنائز، وسيأتي الكلام عليه مفصلًا في بابه إن شاء الله تعالى، والله الكريم أسأل أن يفرج عنا وعن المسلمين.

[/ص350/] ((قال أبو عبد الله: )) أي: المؤلف، كذا في رواية الأصيلي، وابن عساكر، وفي رواية: (قال) فقط، وسقط لفظ: (أبو عبد الله) ((ورواه)) أي: هذا الحديث المذكور، وفي رواية: (روى) ؛ بإسقاط الواو والهاء، وفي أخرى: (وروى) ؛ بالواو ((هشام بن حسان)) ؛ بالصرف وتركه؛ من الحس أو الحسن، كما سبق، وأشار به إلى أن الحديث موصول، ورواه في كتاب «الطلاق» موصولًا من حديث هشام المذكور على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، ((عن حفصة)) هي بنت سيرين، ((عن أم عطية)) كعب الغاسلة رضي الله عنها، ((عن النبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) قال الكرماني: (وهو إما تعليق من البخاري، وإما مقول حمَّاد؛ فيكون مسندًا) .

ورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» فقال: قلت: قوله: (إما تعليق) ؛ فظاهر، وأما قوله: (وإما مقول حمَّاد) ؛ فلا وجه له، وفي نسخة ذكر البخاري حديث هشام أولًا، وفي بعضها ذكره آخرًا، ورواه مسلم في «صحيحه»، وفائدته: أن أم عطية أسندته إلى النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم صريحًا، وكذا هو في «سنن أبي داود»، و«النسائي»، و«ابن ماجه» من حديث هشام مسندًا، وقال البخاري في موضع آخر: توفي ابن لأم عطية، فلما كان يوم الثالث؛ دعت بصفرة فمسحت به، وقالت: (نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا لزوج) ، وعند الطبراني: (وأمرنا ألَّا نلبس في الإحداد الثياب المصبغة إلا العصب، وأمرنا ألَّا نمس طيبًا إلا أدناه للطهرة؛ الكست والأظفار) ، وفي لفظ: (لا تختضب) ، وفي لفظ: (إلا ثوبًا مغسولًا) انتهى، والله أعلم.

[1] في الأصل: (الطفل)، ولعله تحريف.
[2] في الأصل: (الحد)، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (علي)، وليس بصحيح.