المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

304-. حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أَبِي مَرْيَمَ، قالَ: أخبَرَنا [1] مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قالَ: أخبَرَني زَيْدٌ _هو ابْنُ أَسْلَمَ [2] _ عن عِياضِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ:

عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أَضْحَىَ _أَوْ فِطْرٍ_ إلى المُصَلَّىَ، فَمَرَّ على النِّساءِ، فقالَ: «يا مَعْشَرَ النِّساءِ تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقُلْنَ [3] : وَبِمَ [4] يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ما رَأَيْتُ مِنْ ناقِصاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحازِمِ مِنْ إِحْداكُنَّ». قُلْنَ: وَما نُقْصانُ دِينِنا وَعَقْلِنا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «أَلَيْسَ شَهادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهادَةِ الرَّجُلِ؟». قُلْنَ: بَلَىَ. قالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصانِ عَقْلِها، أَلَيْسَ إذا حاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» قُلْنَ: بَلَىَ. قالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصانِ دِينِها».

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثنا».
[2] في رواية ابن عساكر والأصيلي: «زيدُ بنُ أسلمَ».
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي ذر عن الحَمُّويي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قلن».
[4] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

304- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالمٍ، المصريُّ الجمحيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقت وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ، أخو إسماعيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ) المدنيُّ، وسقط: ((هو ابن أسلم)) عند ابن عساكر والأَصيليِّ (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) هو ابن أبي سرحٍ، العامريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) من بيته أو مسجده (فِي) يوم (أَضْحى) بفتح الهمزة وسكون الضَّاد، جمع: أَضْحَاةٍ، إحدى أربع لغاتٍ في اسمها، وأُضْحِيَةٌ؛ بضمِّ الهمزة وكسرها، وضَحيَّةٌ؛ بفتح الضَّاد وتشديد الياء، والأضحى تُذَكَّر وتُؤنَّث، وهو منصرفٌ، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تُفعَل في الضُّحى؛ وهو: ارتفاع النَّهار (أَوْ) في يوم (فِطْرٍ) شكٌ مِنَ الرَّاوي، أو من أبي سعيدٍ (إِلَى الْمُصَلَّى) فوعظ النَّاس وأمرهم بالصَّدقة فقال: «يا أيَّها النَّاس؛ تصدَّقوا» (فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) المعشر: كلُّ جماعةٍ أمرَهم واحدٌ، وهو يَرُدُّ على ثعلبٍ حيث خصَّه بالرِّجال، إلَّا إن كان مراده بالتَّخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث (تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ)؛ بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء؛ أي: في ليلة الإسراء (أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) نعم؛ وقع في حديث ابن عبَّاسٍ الآتي _إن شاء الله تعالى_ في «صلاة الكسوف» [خ¦1052] : «أنَّ الرُّؤية المذكورة وقعت في صلاة الكسوف»، و«الفاء» في قوله: «فإنِّي»؛ للتَّعليل، و«أكثرَ» بالنَّصب مفعول: «أُرِيتُكُنَّ» الثَّالث، أو على الحال إذا قلنا: بأنَّ «أفعل» لا يتعرَّف [1] بالإضافة كما صار [2] إليه الفارسيُّ وغيره، (فَقُلْنَ) ولأبي ذَرٍّ عنِ الحَمُّوييِّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((قلن)) [3] (وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) [/ج1ص346/]

قال ابن حجرٍ: «الواو» استئنافيَّةٌ، و«الباء» تعليليَّةٌ، و«الميم» أصلها «ما» الاستفهاميَّة، فحُذِفت منها الألف تخفيفًا، وقال العينيُّ: الواو للعطف على مُقدَّرٍ تقديره: ما ذنبنا؟ و«بِمَ»: «الباء» سببيَّةٌ [4] ، وكلمة «ما» استفهاميَّةٌ، فإذا جُرَّت «ما» الاستفهاميَّة، وجب حذف ألفها وإبقاء الفتحة دليلًا عليها، نحو: إلامَ وعلامَ، وعلَّة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر نحو: {فيمَ أنت من ذكراها} [النازعات: 43] ، وأمَّا قراءة عكرمة نحو: ((عمَّا يتساءلون))؛ فنادرٌ، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: «لأنَّكنَّ» (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) المُتَّفَق على تحريم الدعاء به على من لا تعرف خاتمةَ أمرِه بالقطع، أمَّا من عُرِف خاتمة أمره بنصٍّ، فيجوز كأبي جهلٍ. نعم؛ لعن صاحب وصفٍ بلا تعيينٍ؛ كالظَّالمين والكافرين، جائزٌ [5] (وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ)؛ أي: تجحدن نعمة الزَّوج وتستقللن ما كان منه، والخطاب عامٌّ غلبت فيه الحاضرات على الغُيَّب [6] ، واستُنبِط من التَّوعُّد بالنَّار على كفران العشير وكثرة اللَّعن أنَّهما من الكبائر، ثمَّ قال عليه الصلاة والسلام: (مَا رَأَيْتُ) أحدًا (مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) «أذهب»: من «الإذهاب» على مذهب سيبويه، حيث جوَّز بناء «أفعل» التَّفضيل مِنَ الثُّلاثيِّ المزيد فيه، وكان القياس فيه «أشدَّ إذهابًا»، و«اللُّبُّ»_ بضمِّ اللَّام وتشديد المُوحَّدة_: العقل الخالص من الشَّوائب، فهو خالص ما في الإنسان من قواه، فكلُّ لبٍّ عقلٌ، وليس كلُّ عقلٍ لبًّا، و«الحازم» _بالحاء المُهمَلة والزَّاي_ أي: الضَّابط لأمره، وهو على سبيل المُبالَغة في وصفهنَّ بذلك؛ لأنَّه إذا كان الضَّابط لأمره [7] ينقاد لهنَّ، فغيره أَوْلى (قُلْنَ) مستفهماتٍ [8] عن وجه نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ؛ لخفائه عليهنَّ: (وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم مجيبًا لهن بلطفٍ وإرشادٍ من غير تعنيفٍ ولا لوم: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكِ [9] مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا) بكسر الكاف؛ خطابًا للواحدة التي تولَّت خطابه عليه السلام، فإن قلت: إنَّما هو خطابٌ للإناث والمعهود فيه: فذلكنَّ، أُجيب: بأنَّه قد عُهِدَ في خطاب المُذكَّر الاستغناء بـ: «ذلك» عن «ذلكم» قال تعالى: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم} [البقرة: 85] ، فهذا مثله في المُؤنَّث، على أنَّ بعض النُّحاة نقل لغةً بأنَّه يُكتفَى بكافٍ مكسورةٍ مُفرَدةٍ لكلِّ مُؤنَّثٍ، أو الخطاب لغير مُعيَّنٍ مِنَ النِّساء؛ ليعمَّ الخطاب كلًّا منهنَّ على سبيل البدل، إشارةً إلى أن حالتهنَّ في النَّقص تناهت في الظُّهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا تختص [10] به واحدةٌ دون أخرى، فلا تختصُّ حينئذٍ بهذا الخطاب مُخاطَبةٌ دون مُخاطَبةٍ، قاله في «المصابيح»، ويجوز فتح الكاف على أنَّه للخطاب العامِّ. واستُنبِط من ذلك: ألَّا يواجه بذلك الشَّخص المُعيَّن، فإنَّ في الشُّمول تسليةً وتسهيلًا، وأشار بقوله: «مثل نصف شهادة الرَّجل» إلى قوله تعالى: {فرجلٌ وامرأتان ممَّن ترضون من الشُّهداء} [البقرة: 282] ؛ لأنَّ الاستظهار بأخرى يُؤذِن [11] بقلَّة ضبطها، وهو يشعر بنقص عقلها.

ثم قال عليه السلام: (أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ)؛ أي: لما قام بها من مانع الحيض (قُلْنَ: بَلَى، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) بكسر الكاف وفتحها كالسَّابق، قِيلَ: وهذا العموم فيهنَّ يعارضه حديث: «كمل من الرِّجال كثيرٌ ولم يكمل مِنَ النِّساء إلَّا مريم بنة عمران وآسية بنت مزاحمٍ»، وفي رواية التِّرمذيِّ وأحمد: «أربعٌ: مريم بنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلدٍ، وفاطمة بنت محمَّدٍ»، وأُجِيب: بأنَّ الحكم على الكلِّ بشيءٍ لا يستلزم الحكم على كلِّ فردٍ من أفراده بذلك الشيء، فإن قلت: لِمَ خصَّ بالذِّكر في التَّرجمة الصَّوم دون الصَّلاة وهما مذكوران في الحديث؟ أُجيب: بأنَّ تركها للصَّلاة واضحٌ؛ لافتقارها إلى الطَّهارة؛ بخلاف الصَّوم، فتركها له مع الحيض تعبُّدٌ محضٌ، فاحتيِج إلى التَّنصيص عليه؛ بخلاف الصَّلاة، وليس المُراد بذكر نقص العقل والدِّين في النِّساء لومَهنَّ عليه؛ لأنَّه من أصل الخلقة، ولكن التَّنبيه على ذلك؛ تحذيرًا من الافتتان بهنَّ، ولهذا رتَّب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره، لا على النَّقص؛ وليس نقص الدِّين منحصرًا فيما يحصل من الإثم، بل في أعمَّ من ذلك، قاله النَّوويُّ؛ لأنَّه أمرٌ نسبيٌّ، فالكامل مثلًا ناقصٌ عن الأكمل، ومن ذلك: الحائض لا تأثم بترك الصَّلاة زمن الحيض، لكنَّها ناقصةٌ عنِ المصلِّي [/ج1ص347/] وهل تُثاب على هذا التَّرك؛ لكونها مُكلَّفةٌ به كما يُثاب المريض على ترك [12] النَّوافل التي كان يفعلها في صحَّته وشُغِل عنها بمرضه؟ قال النَّوويُّ: الظَّاهر لا؛ لأنَّ ظاهر الحديث أنَّها لا تُثاب؛ لأنَّه ينوي أنَّه يفعل لو كان سالمًا مع أهليَّته وهي ليست بأهلٍ، ولا يمكن أن تنويَ؛ لأنَّها حراملٌ عليها.

ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم مدنيُّون إلَّا ابن أبي مريم فمصري [13] ، وفيه التَّحديث بصيغة الجمع والإخبار بالإفراد وبالجمع أيضًا [14] والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة»، و«الصَّوم» [15] [خ¦1951] ، و«الزَّكاة» [خ¦1462] مُقطعًا، وفي «العيدين» [خ¦964] بطوله [16] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وابن ماجه، والله أعلم.

[1] في هامش (ص): «قوله: «لا يتعرَّف» هذا والأصحُّ خلافه، قال في «الهمع»: والأصحُّ أنَّها _أي: إضافة اسم التَّفضيل_ تُخصِّص؛ إذ لا يُحفَظ وروده حالًا ولا تمييزًا ولا بعد «رُبَّ»، وقد قال سيبويه: العرب لا تقول: هذا زيدٌ أسودَ النَّاس؛ لأنَّ الحال لا يكون إلَّا نكرةً. انتهى. عجميم».
[2] في (ص): «أشار».
[3] في هامش (ص): «قوله: «قلن»: ظاهره أنَّ الجواب وقع من الجميع، وليس مرادًا، بل المراد: أنَّ القائل واحدةٌ منهنَّ، وهي أسماء بنت شكلٍ. انتهى».
[4] في (م): «للسَّببيَّة».
[5] في هامش (ص): «قوله: «جائزٌ»: تبع في ذلك الإمام النَّوويَّ، وقال ابن قاسم في «حواشي الزَّواجر»: وهو يفيد أنَّه إذا جهل موته _هل هو على الكفر أو على الإسلام_ لا يجوز لعنه، لكن أفتى الشِّهاب الرَّمليُّ بجواز لعنه حينئذٍ؛ لأنَّ الظَّاهر موته على الكفر، والأحكام مبنيَّةٌ على الظَّاهر، كذا أخبر به ولده مُشافهةً، انتهى».
[6] في هامش (ص): «قوله: «على الغُيَّب»: الأولى: الغائبات، جمع غائبةٍ؛ إذ الغُيَّب جمع غائبٍ؛ كما في «المصباح». انتهى».
[7] قوله: «وهو على سبيل المُبالَغة في وصفهنَّ بذلك؛ لأنَّه إذا كان الضَّابط لأمره»، سقط من (ص) و(م).
[8] في غير (ب) و(س): «مستفهمين»، وفي هامش (ص): «قوله: «مستفهمين»: كذا في النسخ، والأَوْلى: مستفهمات. انتهى. عجمي».
[9] في (د): «ذلك».
[10] في (م): «يختصُّ».
[11] في (ص): «يؤدِّي»، وفي هامشها: «قوله: «يؤدِّي»؛ كذا في النُّسخ، والأَوْلى: يؤذن. انتهى».
[12] «ترك»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[13] في (د): «فبصريٌّ»، وهو تحريفٌ.
[14] «وبالجمع أيضًا»: مثبتٌ من (ص).
[15] زيد في (ب) و(د): «والصَّلاة»، ولم أقف عليه فيه.
[16] هو في «الزَّكاة» بطوله، وفي «العيدين» مقطَّعٌ.





304- (أَضْحًى): منصرفٌ [1] .

(أُرِيْتُكُنَّ): بمعنى: أُخبرتُ، متعدٍّ إلى ثلاثةِ مفاعيل؛ أحدها: التَّاء مقام الفاعل، والثَّاني: (كنَّ)، والثَّالث: (أَكْثَرَ).

وفي رواية: (رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ) [خ¦1462] ، فـ (أَكْثَرَ) إمَّا منصوب على الحال على مذهبِ ابنِ السَّرَّاج، والفارسي، وغيرهما ممَّن قال: إنَّ (أفعل) لا يتعرَّف بالإضافة، وقيل: هو بدلٌ من الكاف في (رَأَيْتُكُنَّ)، وإمَّا على أنَّ رؤيةَ العينِ تتعدَّى إلى مفعولين، قاله النَّوويُّ.

(مِنْ نَاقِصَاتِ): صفة موصوفٍ محذوفٍ؛ أي: ما رأيت أحدًا من ناقصات.

وقال السَّخوميُّ: («مِنْ» زائدةٌ داخلةٌ على المفعول الأوَّل لـ«رَأَيْتُ»، والمفعول الثاني: «أَذْهَبَ»، هذا إذا كان «رَأَيْتُ» بمعنى: أبصرتُ، و«مِنْ نَاقِصَاتِ» و«أذْهَبَ» صفتا مفعولٍ محذوفٍ).

وقال الطِّيبيُّ: (و«مِنْ» في قوله: «مِنْ نَاقِصَاتِ» مزيدةٌ استغراقيَّةٌ؛ لمجيئها بعد النَّفي، ومِنْ ثَمَّ قيل: «مِنْ إحْدَاكُنَّ»، و«مِنْ» فيه متعلِّقٌ بـ«أَذْهَبَ»، والمفضَّلُ عليه مفروضٌ مقدَّرٌ، ويَحتمل أنْ يكونَ «مِنْ» بيان «النَاقِصَات» على سبيل التَّجريد؛ كقولك: رأيتُ منك أسدًا، جرَّدَ مِنْ إِحْدَاكُنَّ نَاقِصَاتٍ، ووصفَها بالجمعِ على طريقة: {شِهَابًا رَصَدًا} [الجن: 9] ، و«أَذْهَبَ» لمطلق الزِّيادة، صفةُ موصوفٍ محذوف؛ أي: ما رأيت أحدًا أذهب، صفة «أحد»، و«ذلك» إشارة إلى الحكم المذكور، فالكاف فيه للخطاب العامِّ، وإلَّا لقال: ذلِكُنَّ؛ لأنَّ الخطاب مع النساء).

(فَذَلِكِ) بكسر الكاف [2] .

[1] في النسختين: (غير منصرف)، ولا يصح.
[2] هو خلافُ ما ساقَه آنفًا عن الطِّيبيِّ في «الكاشف عن حقائق السنن» (2/465) (19): من أنَّ («ذلك» إشارة إلى الحكم المذكور، فالكاف فيه للخطاب العام، وإلَّا لقال: ذلِكُنَّ؛ لأنَّ الخطاب مع النساء)؛ فليُتنبَّه.





304- قوله: (أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، ويأتي عليه سؤال وجوابه في (باب صلاة الكسوف جماعة) إنْ شاء الله تَعَالَى؛ فانظره، وفي رواية: (رأيتكنَّ أكثر أهل النَّار) ، قال النَّوويُّ: (أكثرَ): منصوب إمَّا على الحال على [مذهب ابن السَّرَّاج والفارسيِّ وغيرهما ممَّن قال: إنَّ (أفعل) لا يتعرَّف بالإضافة، وقيل: هو بدل من الكاف في (رأيتكنَّ)] [1] انتهى، وإمَّا على أنَّ رؤية العين تتعدَّى إلى مفعولين.

قوله: (وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ): أي: تجحدن إحسان الزَّوج، وكذا فسَّره البخاريُّ في (النِّكاح) ، فقال: (باب كفران العشير وهو الزَّوج، وهو الخليط من المعاشرة) انتهى، وقيل: كلُّ مخالط.

قوله: (لِلُبِّ): اللُّبُّ: العقل.

قوله: (الحَازِمِ): هو -بالحاء المهملة وبالزاي- المحترز في الأمور المستظهر فيها.

قوله: (وَعَقْلِنَا): العَقْل معروف، واختلف في محلِّه على قولين؛ القلب أو الرَّأس، وقيل: أراد الدِّية، فإنَّها على نصف الرَّجل، وهذا خلاف الظَّاهر، والله أعلم.

قوله: (فَذَلِكِ): هو بكسر الكاف؛ لأنَّه خطاب لمؤنَّث، وكذا الثَّانية.

[1] ما بين معقوفين جاء في (ب) و (ج) بعد قوله: (تتعدى إلى مفعولين) .





304- ( قال: فذلكِ من نقصان عقلها ) بكسر الكاف، وكذا ( فذلكِ من نقصان دينها )، وقيل: أراد بالعقل الدية، فإنها على نصف الرجل، وهو خلاف الظاهر.


304- ( أُرِيتُكُنَّ ): بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء.

( وَبِمَ ): الواو استئنافية والباء تعليليَّة، دخلت على ( ما ) الاستفهاميَّة فحذفت ألفها.

( اللُبِّ ): أخصُّ من العقل فإنَّه الخالص منه.

( الحازم ) الضَّابط لأمره.

( فَذَلِكَ ): بكسر الكاف.

( مِنْ نُقْصَانِ [عقلها] [1] ): وجهه أنَّ الاستظهار بضمِّ أخرى إلى المرأة في الشَّهادة ليصيرا كرجل واحد مؤذن بقلَّة ضبطها، وهو مشعر بنقص عقلها. [/ج1ص394/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (دينها) وهو غلط





304- وبالسَّند إليه قال: ((حدثنا سَعِيد بن أبي مريم)) : هو سَعِيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم، المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري، ((قال: حدثنا)) : وفي رواية: (أخبرنا) ((محمَّد بن جعفر)) : هو ابن أبي كثير _بفتح الكاف، وبالمثلثة_ الأنصاري ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((زيد هو ابن أسلم)) ؛ بلفظ الماضي، أبو أسامة المدني، وسقط (هو ابن أسلم) للأصيلي وابن عساكر، وهي ثابتة لغيرهما، وأشار إلى أنه تعريف له من تلقاء نفسه، وليس من كلام شيخه، ((عن عِياض)) بكسر العين المهملة ((بن عبد الله)) : هو ابن أبي سرح العامري، ولأبيه صحبة، ((عن أبي سَعِيد الخدري)) : واسمه سعد بن مالك رضي الله عنه ((قال: خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ يعني: خرج إما من بيته، أو من مسجده، كذا قاله في «عمدة القاري»، قلت: والظاهر الثاني؛ لأنَّه عليه السلام كان يصلي الفجر في مسجده وقت الإسفار كما قال: «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر»، وهذه عادته، وكان يقعد في مصلَّاه حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحين، ثم يخرج من المسجد يريد صلاة العيد في المصلى، وهذا من عادته عليه السلام؛ فليحفظ، فتأمل، ((في)) يوم عيد ((أَضْحى)) ؛ بفتح الهمزة، وسكون الضاد المعجمة، جمع أضحاة، والأضحية: شاة تذبح يوم الأضحى، وفيها أربع لغات: ضم الهمزة وكسرها، وأضحية كما ذكرناها ضبطًا، وضَحيَّة؛ بفتح الضاد المعجمة، وتشديد التحتية، والجمع أضحاة وأضحى، وبها سمي يوم الأضحى، والأضحى يذكر ويؤنث، وقيل: سميت بذلك؛ لأنَّها تفعل في الأضحى؛ وهو ارتفاع النهار، كذا في «عمدة القاري»، ((أو)) في يوم عيد ((فطر)) ؛ أي: عقب رمضان، والشك من الراوي، وزعم الكرماني أن الشك من أبي سَعِيد، ورده صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: لا يتعين ذلك) انتهى، أي: بل الشك من الراوي أي كان، وهو الظاهر؛ فافهم، ((إلى المصلى)) : متعلق بقوله: (خرج) وهو موضع صلاة العيدين وصلاة الجنازة قرب الجبانة، وإنما أعده عليه السلام لذلك؛ لتنزيه المسجد عن الكلام المباح فيه حال الاجتماع فيه من المعايدة حين لقاء الناس بعضهم بعضًا، ولتنزيهه أيضًا عن الجنازة؛ لاحتمال خروج شيء من الميت إلى المسجد، ولهذا قال الإمام الأعظم رأس المجتهدين: إن صلاة الجنازة بالمسجد مكروهة؛ لأنَّ النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قد أعد لها المصلَّى، وقال: «من صلى على جنازة في مسجد؛ فلا أجر له»، وفي رواية: «فلا ثواب له»، وهذا حجة على من منع الكراهة في المسجد، وسيأتي تمامه في (الجنائز) إن شاء الله تعالى؛ فافهم، والله أعلم.

((فمر)) عليه السلام ((على النساء)) ؛ لأنَّه يجوز خروجهن أيام العيد إلى المصلى للصلاة مع الناس كما يأتي، ((فقال)) : يحتمل أنه عليه السلام قال ذلك لهن حال مروره إلى المصلى للصلاة؛ لأنَّهن لمَّا رأين النبي عليه السلام خارجًا إلى المصلى؛ وقفن حتى يمر عليه السلام، فلما رآهنَّ؛ قال لهن ذلك، فيكون الوعظ لهنَّ فقط، ويحتمل التعميم، ويحتمل أنَّه عليه السلام وعظ الناس وأمرهم بالصدقة بعد الصَّلاة، ثمَّ التفت إلى النساء، والظاهر الأول؛ يدل عليه قوله: (فمر) ؛ بالفاء التعقيبية، فإنه يفيد أن قوله ذلك كان بعد خروجه قبل الصَّلاة؛ فتأمل: ((يا معشر النساء)) : المعشر: الجماعة متخالطين كانوا أو غير ذلك، وقال الأزهري: أخبرني المُنْذِر عن أحمد بن يحيى قال: (المعشر، والنفر، والقوم، والرهط؛ هؤلاء معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء) ، وقال الليث: (المعشر: كل جماعة أمرهم واحد) ، وهذا هو الظاهر، وقول [1] أحمد بن يحيى مردود [2] بالحديث وجمع على معاشر، انتهىكذا في «عمدة القاري».

قلت: وهذا يرد [/ص336/] على ما نقله الأزهري من تخصيصه بالرجال، إلا إن كان مراده بالتخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث؛ فافهم.

وقوله: ((تصدقن)) مقول القول، والفاء في قوله: ((فإني)) للتعليل ((أُرِيتكن)) ؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الراء على صيغة المجهول ((أكثرَ أهل النار)) ؛ أي: أراني الله إياكنَّ أكثر أهل النار، فـ (أكثر) منصوب؛ لأنَّ قوله: (أريتكن) [3] متعد إلى ثلاثة مفاعيل؛ الأول التاء التي هي مفعول ناب عن الفاعل، والثاني قوله: (أكثر أهل النار) ، كذا ارتضاه صاحب «عمدة القاري»، وقال صاحب «التلويح»: (أكثر) بنصب الراء على أن (أريت) [4] يتعدى إلى مفعولين، أو على الحال إذا قلنا: إن (أفعل) لا يتعرف بالإضافة، كما صار إليه الفارسي وغيره، وقيل: إنه بدل من الكاف في (أريتكن) [5] انتهى ومنعه صاحب «عمدة القاري».

فإن قلت: في أين أريهن أكثر أهل النار؟

قلت: في ليلة الإسراء، وفي حديث ابن عباس الآتي في صلاة الكسوف: أن الرواية المذكورة وقعت في صلاة الكسوف، وعن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: «أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء».

فإن قلت: ورد في الحديث قال: «لكل رجل زوجتان من الآدميين»؟

قلت: لعل هذا قبل ورود الشفاعة، كذا في «عمدة القاري».

قلت: وحاصله أنه عليه السلام رأى النار ليلة الإسراء، فرأى أكثر أهلها النساء هذا هو المتعين؛ فافهم.

((قلن)) : وفي رواية: (فقلن) : ((وبم يا رسول الله؟)) : الواو للعطف على مقدر؛ تقديره: ما ذنبنا، والباء للسببية، وكلمة (ما) استفهامية حذفت ألفها وجوبًا؛ لأنَّها مجرورة، وبقيت الفتحة دليلًا عليها؛ مثل: (إلامَ) و (علامَ) ، وعلة الحذف الفرق بين الاستفهام والخبر، فلهذا حذفت في {فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] ، {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ} [النمل: 35] ، وأما قراءة عكرمة وعيسى: (عما يتساءلون) [عمَّ: 1] ؛ فنادر، كذا قاله صاحب «عمدة القاري».

وزعم ابن حجر أن الواو في (وبم) استئنافية، والباء تعليلية، وحذفت الألف من (ما) تخفيفًا، انتهى، قلت: ومنعه صاحب «عمدة القاري»، قلت: لعدم ظهور وجهه، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؛ لأنَّ الواو عاطفة على المقدر المناسب لما قبلها من الأمر، ولأن الباء ذكرت لأجل السببية في كونهن أكثر أهل النار، وقوله: (وحذفت الألف...) إلخ: هذا أبعد بعيد عما قاله؛ لأنَّ (ما) الاستفهامية إذا جُرَّت؛ وجب حذف ألفها،فالحذف واجب، لا لأجل التخفيف كما زعمه هذا القائل، وهذا ما عليه النحويون، فمن أين جاء ما قاله؟ فافهم.

((قال)) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: لإنَّكنَّ ((تكثرن اللعن)) : من الإكثار، واللعن لغة: الطرد والإبعاد من الخير، واللعنة: الاسم؛ ومعناه: أنهنَّ يتلفظنَّ باللعنة، ففيه ذم الدعاء باللعن؛ لأنَّه دعاء بالإبعاد من رحمة الله عزَّ وجلَّ، وقالوا: إنَّه محمول على ما إذا كان في معيَّن؛ لأنَّه لا تعرف خاتمة أمره بالقطع إلى أين مصيره؟ أمَّا من عرف خاتمة أمره ومصيره بالقطع؛ فيجوز كأبي جهل، ومثله لعن صاحب وصف بدون تعيين؛ كالكافرين والظالمين؛ فإنَّه جائز، ((وتكفرن العشير)) : هو الزوج، سمِّي بذلك؛ لمعاشرته إيَّاها، وفي «الموعب»: (عشيرك: الذي يعاشرك، أيديكما وأمركما واحد، لا يكادون يقولون في جمعه: عشراء [6] ، ولكنهم معاشروك [7] وعشرك) ، وقال الفراء: (يجمع على عشراء؛ مثل: جليس وجلساء، وإن العرب لتكرهه كراهة أن يشاكل قولهم: ناقة عشراء، والعشير: الصديق، والزوج، وابن العم) ، كذا في «عمدة القاري».

ثم قال: (وتكفرن) : من الكفر؛ وهو الستر، وكفران النعمة وكفرها: سترها بترك أداء شكرها، والمراد: أنهنَّ يجحدن نعمة الزوج ويستقللن ما كان منه، ففيه أنَّ الكلام القبيح كاللعن والشتم حرام، وأنَّه من المعاصي، فإن داوم عليه؛ صار كبيرة، واستدل النووي على أنَّ اللعن والشتم من الكبائر بالتوعَّد عليهما بالنار، وفيه إطلاق الكفر على الذنوب [8] التي لا تخرج عن الملة تغليظًا على فاعلها، وفيه إطلاق الكفر على غير الكفر بالله عزَّ وجلَّ، وفيه أنَّ جحد النعم حرام وكفران النعمة مذموم، وفيه أنَّ الصدقة تدفع [العذاب] ، وأنها تكفر الذنوب، وفيه الإشارة إلى الإغلاظ في النصح بما يكون سببًا لإزالة الصفة التي تعاب أو الذنب الذي يتصف به الإنسان، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الله تعالى.

((ما رأيت من ناقصات)) : صفة موصوف محذوف؛ أي: ما رأيت أحدًا من ناقصات ((عقل)) : العقل في اللغة: ضد الحمق، وعن الأصمعي: (هو مصدر عقل الإنسان يعقل) ، وقال ابن دريد: (هو مشتق من عقال الناقة؛ لأنَّه يعقل صاحبه عن الجهل؛ أي: يحبسه، ولهذا قيل: عقل الدواء بطنه؛ أي: أمسكه) ، وفي «العين»: (عقلت بعد الصبا؛ أي: عرفت بعد الخطأ الذي كنت فيه، واللغة الغالبة عقل، وقالوا: عقل يعقل؛ مثل: حكم يحكم، وهو المعقول) ، وقال ابن الأنباري: (العاقل: الجامع لأمره ورأيه) ، وقال الأزهري: (العاقل: الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذًا من قولهم: اعتقل لسانه؛ إذا حبس ومنع من الكلام) ، وفي «المختصر»: (قال سيبويه: قالوا: العقل كما قالوا: الظرف [9] ، أدخلوه في باب عجز؛ لأنَّه مثله، والعقل من المصادر المجموعة من غير أن تختلف أنواعها) ، وقال الإمام الرئيس أبو علي ابن سينا: (العقل والحجى والنهى؛ كلها متقاربة المعاني) ، وعن الأصمعي: (هو الإمساك عن القبيح، وقصر النفس وحبسها على الحسن، وقالوا: عاقل وعقلاء، وهو الحلم، واللب، والحجر، والطعم، والمحت، والمرجح، والجول، والجنجيب، والذهن، والهرمان [10] ، والحصاة) ، وفي «المحكم»: (وجمعه: عقول) ، وقال القزاز: (مسكنه عند قوم في الدماغ، وعند آخرين في القلب) ، قال صاحب «عمدة القاري»: (الأول قول الإمام الأعظم، والثاني قول الشافعي، وقيل: مسكنه الدماغ، وتدبيره في القلب، وعن هذا قالوا: العقل جوهر خلقه الله في الدماغ، وجعل نوره في القلب، يدرك به المغيبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة) ، وقال بعض المتكلمين: العلم: العقل، وقيل: بعض العلوم الضرورية، وقيل: قوة يميز بها حقائق المعلومات، وقال الإمام الرئيس أبو علي: (هو اسم مشترك لمعان عدة: عقل لصحة الفطرة الأولى في الناس، وهو قوة يميز بها بين الأمور القبيحة والحسنة، وعقل لما يكتسبه بالتجارب من الأحكام يكون مقدمة يحصل بها المصالح، وعقل بمعنى آخر، وهذه هيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه) ، وأما الحكماء؛ فقد فرقوا بينه وبين العلم، وقالوا: العقل الفطري والعملي بالفعل والمبادئ والفعال، وتحقيقه في كتبهم، وإنما سمي العقل عقلًا من قولهم: ظبي عاقل؛ إذا امتنع في أعلى الجبل، فسمي هذا به؛ لأنَّه في أعلى الجسد بمنزلة الذي في أعلى الجبل، وقيل: العاقل: الجامع لأموره برأيه، مأخوذ من قولهم: عقلت الفرس؛ إذا جمعت قوائمه، كذا حققه إمام الشارحين في «عمدة القاري».

وحكى ابن التين عن بعضهم: أن المراد من العقل: الدية؛ لأنَّ ديتها على النصف من دية الرجل، ورده صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ظاهر الحديث يأباه) انتهى.[/ص337/]

قلت: وهو ظاهر يدل عليه قوله: ((ودين)) ... إلخ، فإنه عليه السلام حين سألنه لم يُجِبْهُنَّ بأن المراد من العقل: الدية، وهذا دليل على منع ما حكاه ابن التين؛ فافهم.

وقال في «عمدة القاري»: (وقوله: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» جواب تام، فكأنه من باب الاستتباع، إذالذم بالنقصان؛ استتبع لأمر آخر غريب، وهو كون الرجل الكامل الحازم منقادًا للنساء الناقصات دينًا وعقلًا) انتهى.

((أذهب)) : أفعل التفضيل، من الإذهاب، على مذهب سيبويه حيث جوَّز بناء (أفعل) التفضيل من الثلاثي المزيد فيه، وكان القياس فيه: أشد إذهابًا، كذا في «عمدة القاري»، ((للُبِّ)) ؛ بضمِّ اللام، وتشديد الموحدة: العقل الخالص من الشوائب، فهو خالص ما في الإنسان من قواه، فكلُّ لبِّ عقلٌ، وليس كلُّ عقلٍ لُبًّا [11] ((الرجل الحازم)) ؛ بالحاء المهملة، والزاي المعجمة؛ أي: الضابط لأمره، وهو على سبيل المبالغة في وصفهن بذلك؛ لأنَّه إذا كان الضابط لأمره ينقاد لهن؛ فغيره أولى، ((قلن)) : ويروى: (فقلن) : ((وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟)) : وهذا استفسار منهنَّ عن وجه نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ، وذلك لأنَّه خفي عليهنَّ ذلك حتى استفسرن، وزعم ابن حجر أنَّ هذا السؤال دالٌّ على النقصان؛ لأنَّهنَّ سلمن ما نسب إليهنَّ من الأمور الثلاثة الإكثار، والكفران، والإذهاب، ثم استشكل كونهنَّ ناقصات، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: (قلت: هذا الاستفسار وليس باستشكال؛ لأنَّهنَّ بعد أن سلمن هذه الأمور الثلاثة لا يكون عليه إشكال، ولكن لمَّا خفي سبب نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ؛ سألن عن ذلك بقولهنَّ: (ما نقصان ديننا وعقلنا؟) ، والتسليم بهذه الأمور كيف يدل على النقصان؟ وبين صلَّى الله عليه وسلَّم ما خفي عليهنَّ من ذلك بقوله: ((قال)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟)) : هذا جواب منه عليه السلام بلطف وإرشاد من غير تعنيف ولا لوم، بحيث خاطبهنَّ على قدر فهمهنَّ؛ لأنَّه عليه السلام كان يخاطب الناس على قدر عقولهم، انتهى كلامه، ((قلن: بلى)) يا رسول الله.

وقال النووي: (أما وصفه النساء بنقصان الدين؛ فلتركهنَّ الصَّلاة والصوم، فقد يستشكل معناه، وليس بمشكل، فإنَّ الدين والإيمان والإسلام مشترك في معنى واحد، فإن من كثرت عبادته؛ زاد إيمانه ودينه، ومن نقص عبادته؛ نقص دينه) ، ورده صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: دعواه الاشتراك في هذه الثلاثة غير مسَلَّمَة؛ لأنَّ بينها فرق لغة وشرعًا، وقوله: «زاد إيمانه أو نقص» ليس راجعًا إلى الذات، بل هو راجع إلى الصفة كما تقدر هذا في موضعه) انتهى، قلت: وهذا ظاهر، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب (الإيمان) ؛ فافهم.

وقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (وقوله: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» إشارة إلى قوله عزَّ وجلَّ: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] .

فإن قلت: ما النكتة في تفسيره لهذه العبارة، ولم يقل: أليس شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل؟

قلت: لأنَّ في عبارته تلك تنصيص على النقص صريحًا بخلاف ما ذكرت، فإنه يدلُّ عليه ضمنًا؛ فافهم، فإنه دقيق.

فإن قلت: أليس ذلك ذمًّا لهنَّ؟

قلت: لا، ولكنَّه على معنى التعجب بأنهنَّ مع اتصافهنَّ بهذه الحالة يفعلن بالرجل الحازم كذا وكذا) انتهى كلامه.

ثم قال: (ففيه تنبيه على أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وفيه دليل على أن ملاك الشهادة العقل، وفيه مراجعة المتعلمِ والتابعِ المتبوعَ والمعلِّمَ فيما قالاه إذا لم يظهر له معناه) انتهى.

((قال)) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((فذلكِ)) ؛ بكسر الكاف، خطاب للواحدة التي تولَّت الخطاب، ويجوز فتح الكاف على أنَّه خطاب للعام، والإشارة إلى ما ذكر من قوله: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟»، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» ((من نقصان عقلها)) : فإن قلت: هذا خطاب للإناث والمعهود فيه (فذلكنَّ) ؛ قلت: قد عهد في خطاب المذكر الاستغناء بـ (ذلك) عن (ذلكم) ، قال تعالى: {فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ} [البقرة: 85] ، فهذا مثله في المؤنث على أنَّ بعض النحاة نقل لغة بأنَّه يكتفى بكاف مكسورة مفردة لكلِّ مؤنث، أو الخطاب لغير معيَّن من النساء؛ ليعم الخطاب كلًَا منهن على سبيل البدل، إشارة إلى أنَّ حالتهنَّ في النقص تناهت في الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا تختص به واحدة دون أخرى، كذا في «المصابيح».

ثم قال عليه السلام: ((أليس إذا حاضت)) ؛ أي: المرأة منكنَّ ((لم تصل)) الصَّلاة المفروضة ((ولم تصم)) الصوم المفروض؛ لوجود المانع فيها من الحيض؟ ((قلن: بلى)) يا رسول الله، وهذا محل مطابقة الحديث للترجمة، ((قال)) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((فذلكِ)) ؛ بكسر الكاف، خطابًا للواحدة التي تولَّت الخطاب، ويجوز فتح الكاف على أنَّه للخطاب العام؛ فافهم، ففيه ألَّا يواجه [12] بذلك الشخص المعين، فإن في الشمول تسلية وتسهيلًا؛ فليحفظ، ((من نقصان دينها)) .

فإن قلت: هذا العموم فيهنَّ يعارضه قوله عليه السلام: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم»، وفي رواية: «أربع»، وهو ما رواه الترمذي وأحمد من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد».

قلت: أجاب ابن حجر: بأن بعض الأفراد خرج عن ذلك؛ لأنَّه نادر قليل، وردَّه صاحب «عمدة القاري»، ثم قال: (والجواب السديد في ذلك: هو أنَّ الحكم على الكلِّ بشيء لا يستلزم الحكم على كلِّ فرد من أفراده بذلك الشيء) ، وقال النووي: (ونقص الدين قد يكون على وجه يأثم؛ كمن ترك الصَّلاة بلا عذر، وقد يكون على وجه لا يأثم به؛ كمن ترك الجمعة لعذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به؛ كترك الحائض الصَّلاة والصوم، فإن قيل: إذا كانت معذورة فهل تثاب على ترك الصَّلاة في زمن الحيض وإن كانت لا تقضيها كما يثاب المريض، ويكتب له في مرضه مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته؟قلت: وظاهر هذا الحديث أنَّها لا تثاب، والفرق أنَّ المريض كان يفعلها بنيَّة الدوام عليها مع أهليَّته لها، والحائض ليست كذلك، بل نيَّتها ترك الصَّلاة في زمن الحيض، وكيف لا وهي حرام عليها؟) قال صاحب «عمدة القاري»: (قلت: ينبغي أن تثاب على ترك الحرام) انتهى.

قلت: وقال أئمة المذهب المعظم: يستحب للحائض أن تتوضأ لكل وقت، وتجلس في مصلَّاها تذكر الله تعالى حتى تكون معتادة على إقامة الصَّلوات، ولا ريب أنَّها تثاب على هذا الفعل، وتمامه في «منهل الطلاب».

وقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (وفي الحديث استحباب خروج الإمام مع القوم إلى مصلى العيد في الجبانة لأجل صلاة العيد، ولم يزل الصدر الأول يفعلون ذلك، ثمَّ تركه أكثرهم؛ لكثرة الجوامع، ومع هذا فإنَّ أهل بلاد شتَّى لم يتركوا ذلك، وفيه الحثُّ على الصدقة؛ لأنَّها من أفعال الخيرات والمبرَّات، فإن الحسنات يذهبن السيئات، ولا سيما في مثل يومي العيدين؛ لاجتماع الأغنياء والفقراء، وتحسُّر الفقراء عند رؤيتهم الأغنياء عليهم الثياب الفاخرة، ولا سيما أيتام الفقراء والأرامل الفقراء، فإن الصدقة [/ص338/]

عليهم في مثل هذا اليوم مما يُقِلُّ تحسرهم وهمهم، وأما تخصيصه عليه السلام النساء في ذلك اليوم حيث أمرهنَّ بالصدقة؛ فلغلبة البخل عليهنَّ، وقلة معرفتهنَّ بثواب الصدقة، وما يترتب عليها من الحسن والفضل في الدنيا قبل يوم الآخرة) انتهى.

وزعم الخطابي أنَّ في الحديث دليل على أنَّ النقص من الطاعات نقص من الدين، وردَّه صاحب «عمدة القاري»، فقال: (لا ينقص من الدين شيء، وإنما النقص والزيادة يرجعان إلى الكمال) انتهى.

قلت: ويدلُّ لهذا أنَّه عليه السلام قال في هذا الحديث: «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟...» إلخ، فإنَّه صريح في أنَّ الزيادة أو النقص يرجعان إلى الثمرات، فإنَّ الإيمان هو التصديق، وهو لا يزيد ولا ينقص، وإنما الذي يقبل الزيادة والنقصان ثمراته من الصَّوم والصَّلاة، فإنَّ الحائض حال نزول الدم غير مخاطبة بالفرائض فيه، وتمامه فيما كتبناه في كتاب (الإيمان) .

وقال في «عمدة القاري»: وفي الحديث جواز خروج النساء أيام العيد إلى المصلَّى للصلاة مع الناس، وقال العلماء: هذا في زمنه عليه السلام، وأما اليوم؛ فلا تخرج الشابة ذات الهيئة، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: (لو رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل) ، قال إمام الشارحين: (قلت: هذا الكلام من عائشة بعد زمن يسير جدًّا بعد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا اليوم، فنعوذ بالله من ذلك؛ فلا يرخص في خروجهنَّ مطلقًا للعيد وغيره، ولا سيما نساء مصر على ما لا يخفى) انتهى.

قلت: ولا سيما نساء ديارنا الشريفة الشاميَّة؛ فإنهنَّ أكثرن الفساد، وجئن بالتبزير مع الآثام، وأوقعن الرجال بالهلكات، ولا يبعد أن يقال: يحرم على الزوج أن يأذن لهنَّ بالخروج مطلقًا لعيد وغيره، كما لا يخفى، وتمامه في «منهل الطلاب».

ونقل في «عمدة القاري» عن «التوضيح» رأى جماعة [ذلك] حقًّا عليهن؛ يعني: في خروجهن للعيد وغيره؛ منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم، ومنهم من منعهنَّ ذلك؛ منهم: عروة، والقاسم، ويحيى بن سَعِيد الأنصاري، ومالك، وأبو يوسف، وأجازه الإمام الأعظم مرة ومنعه أخرى، ومنع بعضهم في الشابَّة دون غيرها، وهو مذهب مالك وأبي يوسف، وقال الحافظ الطحاوي: (لأنَّ الأمر بخروجهنَّ أول الإسلام لتكثير المسلمين في أعين العدو) ، قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (قلت: كان ذلك لوجود الأمن أيضًا، واليوم قلَّ الأمن والمسلمون كثير، ومذهب أصحابنا في هذا الباب ما ذكره صاحب «البدائع»: أجمعوا على أنَّه لا يرخص للشابة الخروج للعيدين والجمعة وشيء من الصلوات؛ لقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ} [الأحزاب: 33] ؛ لأنَّ خروجهنَّ سببٌ للفتنة، وأما العجائز؛ فرخص لهن الخروج في العيدين، ولا خلاف أنَّ الأفضل ألَّا يخرجن في صلاة، فإذا خرجن؛ يصلين صلاة العيد في رواية الحسن بن زياد عن الإمام الاعظم، وفي رواية الإمام أبي يوسف عن الإمام الأعظم: لا يصلين، بل يكثرن سواد المسلمين وينتفعن بدعائهم، وفي حديث أم عطية قالت: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخرج العواتق ذات الخدور والحُيَّض، وأمر الحيَّض: «فليعتزلن المصلى، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين»، أخرجه الشيخان، وقال عليه السلام: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، أخرجاه أيضًا، وفي رواية أبي داود: «ليخرجن [وهنَّ] تفلات»: غير عطرات، والعواتق: جمع عاتق؛ وهي البنت التي بلغت، وقيل: التي لم تتزوَّج، والخدور: جمع خدر؛ وهو الستر، وزعم النووي يكره للشابة أو لمن تشتهى الحضور؛ لخوف الفتنة عليهنَّ وبهنَّ) انتهى كلامه.

ثم قال: (ففي الحديث جواز عظة النساء على حدة، وهذا للإمام، فإن لم يكن؛ فلنائبه، وفيه نص على أن الحائض يسقط عنها فرض الصوم والصَّلاة لكن الأول إلى خلف، والثاني لا؛ للحرج، وفيه الشفاعة للمسلمين وغيرهم أن يسأل لهم، وفيه حجة لمن كره السؤال لغيره، وفيه ما يدل على ما كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من الخلق العظيم، والصفح الجميل، والرأفة، والرحمة على أمته عليه أفضل الصلوات وأشرف التحيات) انتهىوالله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (قال)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (مورود)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (رأيتكن)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (رأيت)، ولعل المثبت هو الصواب.
[5] في الأصل: (أرأيتكن)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (عشر)، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (يعاشروك)، ولعل المثبت هو الصواب.
[8] في الأصل: (الذنب)، ولعل المثبت هو الصواب.
[9] في الأصل: (الطرف)، ولعل المثبت هو الصواب.
[10] في الأصل: (والمهرمان)، ولعل المثبت هو الصواب.
[11] في الأصل: (لب).
[12] في الأصل: (يؤاخذ)، ولعل المثبت هو الصواب.