المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

3-. 4-. حدَّثنا [1] يَحْيَىَ بنُ بُكَيْرٍ، قالَ: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ:

عن عائِشَةَ [2] أُمِّ المُؤْمِنِينَ، أَنَّها قالتْ: أَوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فكانَ [3] لا يَرَىَ رُؤْيا إلَّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاءُ، وكانَ يَخْلُو بِغارِ حِراءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فيه _وهو التَّعَبُّدُ_ اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ [4] إِلىَ أَهْلِهِ، ويَتَزَوَّدُ [5] لذلك [6] ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلىَ خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها، حتَّىَ جاءَهُ الحَقُّ وهو فِي غارِ حِراءٍ، فَجاءَهُ المَلَكُ، فقالَ: اقْرَأْ. قالَ [7] : «ما أَنا بِقارِي [8] ». قالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حتَّىَ بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ [9] ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فقالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ [10] : «ما أَنا بِقارِي». فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتَّىَ بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ [11] ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فقالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: «ما أَنا بِقارِي». فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فقالَ: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. } [العلق: 1-3] ». فَرَجَعَ بها رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤادُهُ، فَدَخَلَ عَلَىَ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فقالَ: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي [12] ». فَزَمَّلُوهُ حتَّىَ ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فقالَ لِخَدِيجَةَ وأَخْبَرَها الخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَىَ نَفْسِي». فقالَت [13] خَدِيجَةُ: كَلَّا، واللَّهِ ما يُخْزِيكَ [14] اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ [15] المَعْدُومَ، وتُقْرِي [16] الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلَىَ نَوائِبِ الحَقِّ.

فانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حتَّىَ أَتَتْ بِهِ ورَقَةَ بنَ نَوْفَلِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّىَ، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وكانَ امْرَأً قَدْ [17] تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وكانَ يَكْتُبُ الكِتابَ العِبْرانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرانِيَّةِ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فقالَت لَهُ خَدِيجَةُ: يا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِن ابْنِ أَخِيكَ. فقالَ لَهُ ورَقَةُ: يا ابْنَ أَخِي ماذا تَرَىَ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ [18] ما رَأَىَ، فقالَ لَهُ ورَقَةُ: هَذا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ [19] اللَّهُ عَلَىَ مُوسَىَ [20] يا لَيْتَنِي فيها جَذَعًا [21] ، لَيْتَنِي [22] أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟!». قالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ ما جِئْتَ [23] بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ ورَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ.

قالَ ابْنُ شِهابٍ: وأخبَرَني أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ:

أَنَّ جابِرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصارِيَّ قالَ وهو يُحَدِّثُ عن فَتْرَةِ الوَحْيِ، فقالَ فِي حَدِيثِهِ: «بَيْنا أَنا أَمْشِي إِذْ سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالِسٌ عَلَىَ كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي [24] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعالَىَ [25] : { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ } إلىَ [/ج1ص7/] قَوْلِهِ: { وَالرُّجْزَ [26] فَاهْجُرْ } [المدثر: 1 - 5] [27] . فَحَمِيَ الوَحْيُ وتَتابَعَ [28] ».

تابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ وأَبُو صالِحٍ.

وتابَعَهُ هِلالُ بنُ رَدَّادٍ [29] عن الزُّهْرِيِّ.

وقالَ يُونُسُ ومَعْمَرٌ: «بَوادِرُهُ [30] ».

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر: «وحدَّثنا».
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«عائِشَةَ».
[3] هكذا في روايةٍ للأصيلي أيضًا، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر وأخرىَ عن الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وكان».
[4] في هامش (ب، ص): «أي: يحنُّ ويشتاقُ ويرجِع إلىَ أهله وعياله [في ص: إلى أهله: أي عياله] ».
[5] هكذا في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت، وهو موافق لما في الإرشاد. (ب، ص)
[6] لفظة: «لذلك» ثابتة في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا.
[7] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قلت»، وزاد في (ب، ص) نسبتها إلىَ رواية الأصيلي أيضًا.
[8] ضبطت في (و، ب، ص): «بقارئٍ» في المواضع الثلاث.
[9] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«الجُهْدُ»، وكتب بهامش اليونينية: قوله: «حتّىَ بَلَغَ مِنِّي الجهد» بفتح الجيم، وقال بعضهم بضمها. وبالفتح: الغاية والمشقة، ومن قال بالضم فإما أن يكون لغتين، أو يكون وُسْعُ الملَكِ وطاقته مِن غطِّه. ويكون علىَ هذا التأويل منصوبًا _أي الجهدَ_ مفعولًا_أي بلغ الغطُّ مني الجهدَ_ وعلى التأويل الآخر يكون مرفوعًا فاعلًا_أي بلغ مني الجهدُ مبلغه_.اهـ.
[10] هكذا في رواية ابن عساكر أيضًا، وفي رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فقلتُ».
[11] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«الجُهْدُ».
[12] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[13] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والمُستملي: «قالت».
[14] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَحْزُنك» من الحزن.
[15] في رواية ابن عساكر وأبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «وتُكسِبُ» بضم التاء.
[16] ضبطت في (ص) بفتح التاء، وهكذا ضبطها في الإرشاد.
[17] لفظة: «قد» ليست في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[18] هكذا في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا (و)، وفي رواية الأصيلي ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بخبرِ».
[19] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَنزَلَ».
[20] في رواية الأصيلي زيادة: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
[21] في رواية الأصيلي ورواية أبي ذر عن الحَمُّويِي: «جَذَعٌ».
[22] في رواية الأصيلي: «يا ليتني».
[23] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«جِئْتَ ».
[24] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «زَمِّلوني زَمِّلوني» مرتين.
[25] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عزَّ وَجَلَّ».
[26] بكسر الراء المشددة على قراءة الجمهور غير حفص وأبي جعفر ويعقوب (ن، ب)، وضبطها في (ص) بالكسر والضمِّ، وأهمل ضبطها في (و).
[27] بهامش اليونينية: «الآية ثابتة عند أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت» ا ه.
[28] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «وتواتر».
[29] صحَّح على هذا اللفظ في اليونينيَّة قبله وبعده.
[30] هكذا في رواية الأصيلي وروايةٍ للسَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا، وفي رواية كريمة والكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي ذر وابن عساكر ورواية أخرى للسَّمعاني عن أبي الوقت: «تواتر». قلنا: وكلاهما محتملٌ؛ فمن روىَ: «تواتر» أراد الاختلاف في ضبط رواية: «فَحَمِيَ الوَحْيُ وتَتابَعَ»، ومن علي روىَ: «بوادره» أراد الاختلاف في ضبط رواية: «يَرْجُفُ فُؤادُهُ» (ل) .





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

3- 4- وبه قال: (حَدَّثَنَا)، ولأبي ذَرٍّ: ((وحدَّثنا)) بواو العطف (يَحْيَى) أبو زكريَّا (ابْنُ بُكَيْرٍ)؛ بضمِّ الموحَّدة، تصغير بكرٍ، القرشيُّ المخزوميُّ المصريُّ، المتوفَّى سنة إحدى وثلاثين ومئتين، ونسبه المؤلِّف لجدِّه؛ لشهرته به، واسم أبيه عبد الله، (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بالمثلَّثة، ابن سعد بن عبد الرَّحمن الفهميُّ، عالم أهل مصر، من تابعي التَّابعين، قال أبو نعيمٍ: أدرك نيِّفًا وخمسين من التَّابعين، القلقشنديُّ المولود سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وتسعين، المتوفَّى في شعبان سنة خمسٍ وسبعين ومئةٍ، وكان حنفيَّ المذهب _فيما قاله ابن خَلِّكان_ لكنَّ المشهور أنَّه مجتهدٌ، وقد رُوِينا عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: اللَّيث أفقه من مالكٍ، إلَّا أنَّ أصحابه لم يقوموا به، وفي روايةٍ عنه: ضيَّعه قومه، وقال يحيى ابن بكيرٍ: اللَّيث أفقه من مالكٍ، ولكن كانت الحظوة لمالكٍ، (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين المُهملَة، وفتح القاف مُصغَّرًا، ابن خالد بن عَقيلٍ _بفتح العين_ الأَيْليِّ؛ بفتح الهمزة، وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، القرشيِّ الأمويِّ، المتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أبي بكرٍ محمَّدِ بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ الزُّهريِّ المدنيِّ، تابعيٌّ صغيرٌ، ونسبه المؤلِّف كغيره إلى جدِّه الأعلى؛ لشهرته به، (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بالتَّصغير، (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رضي الله عنها (أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ) بضمِّ الموحَّدة وكسر الدَّال (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْي) إليه (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ)، وهذا الحديث يُحتَمل أن يكون من مراسيل الصَّحابة؛ فإنَّ عائشة لم تدرك هذه القصَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّها سمعت ذلك منه صلى الله عليه وسلم؛ لقولها: قال: «فأخذني فغطَّني»، فيكون قولها: «أوَّل ما بُدِئَ به» حكايةَ ما تلفَّظ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ فلا يكون من المراسيل، وقوله: «من الوحي»؛ أي: من أقسام الوحي، فـ: «من» للتَّبعيض، وقال أبو عبد الله القزَّاز: ليست الرُّؤيا من الوحي، و«من»: لبيان الجنس، وقال الأُبِّيُّ: نعم؛ هي كالوحي في الصِّحَّة؛ إذ لا مدخل للشَّيطان فيها، وفي رواية مسلمٍ كالمصنِّف في رواية معمر ويونس: «الصَّادقة»، وهي التي ليس فيها ضغثٌ، وذكر «النَّوم» بعد «الرُّؤيا» المخصوصة به؛ لزيادة الإيضاح والبيان، أو لدفع وهم من يتوهَّم أنَّ الرُّؤيا تُطلَق على رؤية العين، فهي [1] صفةٌ موضِّحةٌ، وأهل المعاني يسمونها صفةً فارقةً، أو لأنَّ غيرها يُسمَّى حلمًا، أو تخصيصٌ دون السَّيِّئة والكاذبة المسمَّاة بأضغاث الأحلام [2] ، وكانت مدَّة الرُّؤيا ستَّة أشهرٍ _فيما حكاه البيهقيُّ_ وحينئذٍ فيكون ابتداء النُّبوَّة بالرُّؤيا حصل في شهر ربيعٍ، وهو شهر مولده، واحترز بقوله: «من الوحي» عمَّا رآه من دلائل نبوَّته من غير وحيٍ؛ كتسليم الحجر عليه؛ كما في «مسلمٍ»، وأوَّله مُطلَقًا ما سمعه من بَحيرا الرَّاهب؛ كما في «التِّرمذيِّ» بسندٍ صحيحٍ. (فَكَانَ)؛ بالفاء للأَصيليِّ، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر وفي نسخةٍ للأَصيليِّ ((وكان))؛ أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (لَا يَرَى رُؤْيَا) بلا تنوينٍ (إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ)؛ كرؤياه دخول المسجد الحرام، و«مثل»: نُصِبَ بمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إِلَّا جاءت مجيئًا مثل فلق الصُّبح، والمعنى: أنَّها شبيهةٌ له في الضِّياء والوضوح، أو التَّقدير: مشبهةً ضياء الصُّبح، فيكون النَّصب على الحال، وعبَّر بـ: «فلق الصُّبح»؛ لأنَّ شمس النُّبوَّة قد كانت مبادئ أنوارها الرُّؤيا إلى أن ظهرت أشعَّتها وتمَّ نورها، والفلق: الصُّبح، لكنَّه لمَّا كان مُستعمَلًا في هذا المعنى وغيره؛ أُضِيف إليه للتَّخصيص والبيان إضافة العامِّ إلى الخاصِّ. وعن «أمالي الرَّافعيِّ» حكاية خلافٍ: أنَّه أُوحِيَ إليه صلى الله عليه وسلم شيءٌ من القرآن في النَّوم أوَّلًا، وقال: الأشبه أنَّ القرآن نزل كلُّه يقظةً، ووقع في مُرسَل عبد الله بن أبي بكر بن حزمٍ عند الدَّولابيِّ: ما يدلُّ على أنَّ الذي كان يراه عليه الصلاة والسلام هو جبريل، ولفظه: أنَّه قال لخديجة بعد أن أقرأه جبريل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}: «أرأيتك الذي كنت أحدِّثك أنِّي رأيته في المنام هو جبريل استعلن»، وإنَّما ابتُدِئ عليه الصلاة والسلام بالرُّؤيا؛ لئلَّا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النُّبوَّة بغتةً، فلا تحتمل القوى البشريَّة، فبُدِئَ [/ج1ص61/]

بأوائل خصال النُّبوَّة، (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ)؛ بالمدِّ، مصدرٌ بمعنى: الخلوة؛ أي: الاختلاء، وهو بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، وعبَّر بـ: «حُبِّب» المبنيِّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ لعدم تحقُّق الباعث على ذلك وإن كان كلٌّ من عند الله، أو تنبيهًا على أنَّه لم يكن من باعث البشر، وإنَّما حُبِّب إليه الخلوة؛ لأنَّ معها فراغ القلب، والانقطاع عن الخلق؛ ليجد الوحي منه متمكَّنًا؛ كما قِيَل: [من الطَّويل]

~ ...................... فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا

وفيه تنبيهٌ على فضل العزلة؛ لأنَّها تريح القلب من أشغال الدُّنيا، وتفرُّغه لله تعالى، فتنفجر منه ينابيع الحكمة، و«الخلوة»: أن يخلو عن غيره، بل وعن نفسه بربِّه، وعند ذلك يصير خَلِيقًا بأن يكون قالبُه ممرًّا لواردات علوم الغيب، وقلبُه مَقَرًّا لها، وخلوته عليه الصلاة والسلام إنَّما كانت لأجل التَّقرُّب، لا على أنَّ النُّبوَّة مُكتَسَبَةٌ.

(وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ)؛ بكسر الحاء المُهملَة، وتخفيف الرَّاء، وبالمدِّ، وحكى الأَصيليُّ: فتحها والقصر، وعَزَاها في «القاموس» للقاضي عياضٍ، قال: وهي لُغَيَّةٌ، وهو مصروفٌ؛ إن أُرِيد المكان، وممنوعٌ؛ إن أُرِيدَ البقعة، فهي أربعةٌ: التَّذكير والتَّأنيث، والمدُّ والقصر، وكذا حكم قباء، وقد نظم بعضهم أحكامهما في بيتٍ، فقال: [من الطَّويل]

~ حِرَا وقُبَا ذكِّر وأنِّثْهما معًا ومُدَّ أو اقصـر واصرفن وامنع الصَّـرفا

و«حراء»: جبلٌ بينه وبين مكَّة نحو ثلاثة أميالٍ، على يسار الذَّاهب إلى مِنىً، والغار نقبٌ [3] فيه، (فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ)؛ بالحاء المُهملَة، وآخره مُثلَّثة، والضَّمير المنفصل عائدٌ إلى مصدر «يتحنَّث»، وهو من الأفعال التي معناها السَّلب؛ أي: اجتناب فاعلها لمصدرها؛ مثل: تأثَّم وتحوَّب؛ إذا اجتنب الإثم والحوب، أو هي بمعنى: يتحنَّف _بالفاء_ أي: يتَّبع الحنيفيَّة دين إبراهيم، والفاء تُبدَل ثاءً؛ (وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ) مع أيَّامهنَّ، واقتصر عليهنَّ للتَّغليب؛ لأنَّهنَّ أنسب للخلوة. ووصف اللَّيالي بذوات العدد لإرادة التَّقليل؛ كما في قوله تعالى: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] ، أو للكثرة لاحتياجها إلى العدد، وهو المناسب للمقام، وهذا التَّفسير للزُّهريِّ أدرجه في الخبر، كما جزم به الطِّيبيُّ. ورواية المصنِّف من طريق يونس عنه في التَّفسير تدلُّ على الإدراج [خ¦4953] ، و«اللَّيالي»: نُصِبَ على الظَّرفيَّة، متعلِّقٌ بقوله: «يتحنَّث»، لا بالتَّعبُّد؛ لأنَّ التَّعبُّد [4] لا يُشتَرط فيه اللَّيالي، بل مُطلَق [5] التَّعبُّد. و«ذوات»: نُصِبَ بالكسرة في صفة «الليالي»، وأُبهِم العدد؛ لاختلافه بالنِّسبة إلى المدد التي يتخلَّلها مجيئه إلى أهله، وأقلُّ الخلوة ثلاثة أيَّامٍ. وتأمَّل ما للثَّلاثة في كلِّ مثلَّثٍ من التَّكفير والتَّطهير والتَّنوير، ثمَّ سبعة أيَّامٍ، ثمَّ شهرٍ؛ لما عند المؤلِّف و«مسلمٍ»: «جاورت بحراء شهرًا» [خ¦4922] ، وعند ابن إسحاق أنَّه شهر رمضان، قال في «قوت الأحياء»: ولم يصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أكثر منه، نعم؛ روى الأربعين سوار بن مصعبٍ، وهو متروك الحديث، قاله الحاكم وغيره، وأمَّا قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142] ؛ فحجَّةٌ للشَّهر، والزِّيادة إتمامًا للثَّلاثين، حيث استاك أو أكل فيها كسجود السَّهو، فقوي تقييدها بالشَّهر وأنَّها سُنَّةٌ. نعم؛ الأربعون ثمرة [6] نتاج النُّطفة علقةً، فمضغةً، فصورةً، والدُّرُّ في صدفه، فإن قلت: أمر الغار قبل الرِّسالة، فلا حكم له، أُجِيب: بأنَّه أوَّل ما بُدِئَ به عليه الصلاة والسلام من الوحي الرُّؤيا الصَّالحة، ثمَّ حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حِرَاء [7] كما مرَّ، فدلَّ على أنَّ الخلوة حكمٌ مرتَّبٌ على الوحي؛ لأنَّ كلمة «ثمَّ» للتَّرتيب، وأيضًا لو لم تكن من الدِّين؛ لنَهى عنها، بل هي ذريعةٌ لمجيء الحقِّ، وظهوره مُبارَكٌ عليه وعلى أمَّته تأسِّيًّا، وسلامةٌ من المناكير وضررها، ولها شروطٌ مذكورةٌ في محلِّها من كتب القوم، فإن قلت: لِمَ خصَّ حِرَاءَ بالتَّعبُّد فيه دون غيره؟ قال ابن أبي جمرَة: لمزيد فضله على غيره؛ لأنَّه منزوٍ مجموعٍ لتحنُّثه، ويَنظر منه الكعبة المعظَّمة، والنَّظر إليها عبادةٌ، فكان له عليه الصلاة والسلام فيه ثلاث عباداتٍ: الخلوة، والتَّحنُّث، والنَّظر إلى الكعبة، وعند ابن إسحاق: أنَّه كان يعتكف شهر رمضان، ولم يأتِ التَّصريح بصفة تعبُّده عليه الصلاة والسلام، فيحتمل أنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها أطلقت على الخلوة بمُجرَّدها تعبُّدًا، فإنَّ الانعزال عن النَّاس _ولا سيَّما من كان على باطلٍ_ من جملة العبادة، وقِيلَ: كان يتعبَّد بالتَّفكُّر، (قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ)؛ بفتح أوَّله وكسر الزَّاي، قِيلَ؛ أي: يحنُّ ويشتاق ويرجع [/ج1ص62/]

(إِلَى أَهْلِهِ): عياله، (وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ)؛ برفع الدَّال في «اليونينيَّة» لأبوَي ذَرٍّ والوقت، عطفًا على يتحنَّث [8] ؛ أي: يتَّخذ الزَّاد للخلوة أو التَّعبُّد. (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ) رضي الله عنها (فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا)؛ أي: لمثل اللَّيالي، وتخصيص خديجة بالذِّكر بعد أن عبَّر بالأهل يحتمل أنَّه تفسيرٌ بعد الإبهام، أو إشارةٌ إلى اختصاص التَّزوُّد بكونه من عندها دون غيرها، وفيه: أنَّ الانقطاع الدَّائم عن الأهل ليس من السُّنَّة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم ينقطع في الغار بالكليَّة، بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم، ثمَّ يخرج لتحنُّثه. (حَتَّى جَاءَهُ) الأمر (الْحَقُّ) وهو الوحي، (وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ) جبريل يوم الاثنين لسبع عشْرة خلت من رمضان، وهو ابن أربعين سنةً، كما رواه ابن سعدٍ. وفاء: «فجاءه» تفسيريَّةٌ؛ كهي [9] في قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] ، وتفصيليَّةٌ أيضًا؛ لأنَّ المجيءَ تفصيلٌ للمُجمَل الذي هو مجيء الحقِّ. (فَقَالَ) له: (اقْرَأْ)، يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرَّد التَّنبيه والتَّيقُّظ لما سيُلقَى إليه، وأن يكون على بابه من الطَّلب، فيستدلُّ به على تكليف ما لا يُطاق في الحال وإن قدر عليه بعد، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام [10] ، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: ((قلت [11] )): (مَا أَنَا بِقَارِئٍ)، وفي روايةٍ ((ما أُحْسِنُ أن أقرأ))، فـ: «ما»: نافيةٌ، واسمها: «أنا»، وخبرها: «بقارئٍ»، وضَعُف كونها استفهاميَّةٌ بدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل على «ما» الاستفهاميَّة، وأُجِيب: بأنَّها استفهاميَّةٌ؛ بدليل رواية أبي الأسود في «مغازيه» عن عروة أنَّه قال: كيف أقرأ؟ وفي رواية عبيد بن عمير عن ابن إسحاق: ماذا أقرأ؟ وبأنَّ الأخفش جوَّز دخول «الباء» على الخبر المُثبَت، قال ابن مالكٍ في بحسبك زيدٌ: إنَّ «زيدًا» مبتدأٌ مؤخَّرٌ؛ لأنَّه معرفةٌ، و«حسبك»: خبرٌ مقدَّمٌ؛ لأنَّه نكرةٌ، و«الباء» زائدةٌ فيه، وفي «مُرسَل عبيد بن عميرٍ»: أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «أتاني جبريل بنمطٍ من ديباجٍ فيه كتابٌ، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئٍ»، قال السُّهيليُّ: وقال بعض المفسِّرين: إنَّ قوله تعالى: {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 1 ـ 2] إشارةٌ إلى الكتاب الذي جاء به جبريل عليه السلام حين قال له: اقرأ، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَأَخَذَنِي) جبريل، (فَغَطَّنِي)؛ بالغين المُعجَمة ثُمَّ المُهملَة؛ أي: ضمَّني وعصرني، وعند الطَّبريِّ [12] : «فغتَّني»؛ بالمثنَّاة الفوقيَّة بدل الطَّاء؛ وهو حبس النَّفس. (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ)؛ بفتح الجيم ونصب الدَّال؛ أي: بلغ الغطُّ مني الجهد؛ أي: غاية وُسْعي، فهو مفعولٌ حُذِفَ فاعله، وفي «شرح المشكاة»: أنَّ المعنى على النَّصب أنَّ جبريل بلغ في الجهد غايته، وتعقَّبه التُّوربشتيُّ: بأنَّه يعود المعنى إلى أنَّ جبريل، غطَّه حتَّى استفرغ قوَّته، وجهد جهده؛ بحيث لم تبق فيه بقيَّةٌ، قال: وهذا قولٌ غير سديدٍ، فإنَّ البنية البشريَّة لا تستدعي استنفاد القوَّة الملكيَّة، لا سيَّما في مبدأ الأمر، وقد دلَّت القصَّة على أنَّه اشمأزَّ من ذلك وداخله الرُّعب، وحينئذٍ فمن رواه بالنَّصب؛ فقد وهم، وأجاب الطِّيبيُّ: بأنَّ جبريل عليه الصلاة والسلام في حال الغطِّ لم يكن على صورته الحقيقيَّة التي تجلَّى له بها عند سدرة المنتهى، فيكون استفراغ جهده بحسب الصُّورة التي تجلَّى له بها وغطَّه، وحينئذٍ فيضمحلُّ الاستبعاد، انتهى. ويُروَى: ((الجُهْدُ))؛ بالضَّمِّ والرَّفع؛ أي: بلغ منِّي الجهد مبلغه، فهو فاعل «بلغ»، (ثُمَّ أَرْسَلَنِي)؛ أي: أطلقني (فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فقلت)): (مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) بالفتح والنَّصب، وبالضَّمِّ والرَّفع كسابقه، (ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ) وهذا الغطُّ ليفرِّغه عن النَّظر إلى أمر [13] الدُّنيا، ويقبل بكلِّيته إلى ما يُلقَى إليه، وكرَّره للمبالغة، واستدلَّ به على أنَّ المؤدِّب لا يضرب صبيًّا أكثر من ثلاث ضرباتٍ، وقِيلَ: الغطَّة الأولى؛ ليتخلَّى عن الدُّنيا، والثَّانية: ليتفرَّغ لما يُوحَى إليه، والثَّالثة: للمؤانسة، ولم يذكر الجهد هنا، نعم؛ هو ثابتٌ عنده في التَّفسير [خ¦4953] _كما سيأتي إن شاء الله تعالى_ وعدَّ بعضهم هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام؛ إذ لم ينقل عن أحدٍ من الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام أنَّه جرى له عند ابتداء الوحي إليه [14] مثله، (ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ})، قال الطِّيبيُّ: هذا أمرٌ بإيجاد القراءة مُطلَقًا، وهو لا يختصُّ بمقروءٍ دون مقروءٍ، فقوله: «{باسم ربِّك}» حالٌ؛ أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربِّك؛ أي: قل: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة [/ج1ص63/] مأمورٌ بها في ابتداء كلِّ قراءةٍ، وقوله: {ربِّك الذي خلق} وصفٌ مناسبٌ مُشعِرٌ بعليَّة الحكم بالقراءة، والإطلاق في قوله: {خَلَقَ} أوَّلًا على منوال: يعطي ويمنع، وجعله توطئةً لقوله: ({خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}) الزَّائد في الكرم على كلِّ كريمٍ، وفيه دليلٌ للجمهور أنَّه أوَّل ما نزل، وروى الحافظ أبو عمرٍو الدَّاني من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: أوَّل شيءٍ نزل من القرآن خمسُ آياتٍ إلى: {مَا لَمْ يَعْلَمْ}، وفي «المرشد»: أوَّل ما نزل من القرآن هذه السُّورة في نمطٍ، فلمَّا بلغ جبريل هذا الموضع: {مَا لَمْ يَعْلَمْ}؛ طوى النَّمط، ومن ثمَّ قال القرَّاء: إنَّه وقفٌ تامٌّ، وقال: {من علقٍ} فَجَمَعَ، ولم يقل: من علقةٍ؛ لأنَّ الإنسان في معنى الجمع، وخَصَّ الإنسان بالذِّكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه.

(فَرَجَعَ بِهَا)؛ أي: بالآيات (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) إلى أهله حال كونه (يَرْجُفُ) _بضمِّ الجيم_ يخفِق ويضطرب، (فُؤَادُهُ) قلبه أو باطنه أو غشاؤه؛ لما فجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفر طبعه البشريُّ وهاله ذلك، ولم يتمكَّن من التأمُّل في تلك الحالة؛ لأنَّ النُّبوَّة لا تزيل طباع البشريَّة كلِّها، (فَدَخَلَ) عليه الصلاة والسلام (عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ) أمِّ المؤمنين (رضي الله عنها) التي أَلِفَ تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)؛ بكسر الميم مع التَّكرار مرَّتين، من التَّزميل؛ وهو: التَّلفيف، وقال ذلك لشدَّة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جاريةٌ بسكون الرَّعدة بالتَّلفُّف، (فَزَمَّلُوهُ) _بفتح الميم_ (حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) بفتح الرَّاء؛ أي: الفزع، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (لِخَدِيجَةَ) رضي الله عنها (وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ)؛ جملة حاليَّةٌ: (لَقَدْ)؛ أي: والله لقد (خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) الموت من شدَّة الرُّعب [15] ، أو المرض، كما جزم به في «بهجة النَّفوس»، أو إنِّي لا أطيق حمل أعباء الوحي لما لقيته أوَّلًا عند لقاء الملَك، وليس معناه الشَّكَّ في أنَّ ما أتى به من الله، وأكَّد بـ: «اللَّام وقد»؛ تنبيهًا على تمكُّن الخشية من قلبه المقدَّس، وخوفه على نفسه الشَّريفة، (فَقَالَتْ) له عليه الصلاة والسلام (خَدِيجَةُ) رضي الله عنها، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمستملي: ((قالت)) بإسقاط الفاء: (كَلَّا): نفيٌ وإبعادٌ؛ أي: لا تَقُلْ ذلك، أو لا خوف عليك، (وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا)؛ بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة، وبالخاء المعجمة السَّاكنة، والزَّاي المكسورة وبالمثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة، من الخزي؛ أي: ما يفضحك الله، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((ما يَحْزُنك الله))؛ بفتح أوَّله وبالحاء المُهملَة السَّاكنة، والزَّاي المضمومة، أو بضمِّ أوَّله مع كسر الزَّاي وبالنُّون، من الحزن، يُقال: حزنه وأحزنه. (إِنَّكَ)؛ بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: وفُصِلَت هذه الجملة عن الأولى؛ لكونها جوابًا عن سؤالٍ اقتضته، وهو سؤالٌ عن سببٍ خاصٍّ، فَحَسُنَ التَّأكيد؛ وذلك أنَّها لمَّا أثبتت القول بانتفاء الخزي عنه وأقسمت عليه؛ انطوى ذلك على اعتقادها أنَّ ذلك لسببٍ عظيمٍ، فيُقدَّر السُّؤال عن خصوصه، حتَّى كأنَّه قِيلَ: هل سبب ذلك هو الاتّصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف كما يشير إليه كلامك؟ فقالت: إنَّك (لَتَصِلُ الرَّحِمَ)؛ أي: القرابة، (وَتَحْمِلُ الْكَلَّ)؛ بفتح الكاف وتشديد اللَّام، وهو الذي لا يستقلُّ بأمره، أو الثِّقْل؛ بكسر المُثلَّثة وإسكان القاف، (وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ)؛ بفتح المثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك. و«كَسَبَ» يتعدَّى بنفسه إلى واحدٍ؛ نحو: كسبت المال، وإلى اثنين؛ نحو: كسبت غيري المال، وهذا منه، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((وتُكسِب))؛ بضمِّ أوَّله من «أَكْسَب»، أي: تُكْسِب غيرك المال المعدوم؛ أي: تتبرَّع له به، فحذف الموصوف، وأقام الصِّفة مقامه، أو تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق، أو: تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثمَّ تجود به وتنفقه في وجوه المكارم. والرِّواية الأولى أصحُّ، كما قاله عيَّاضٌ، وعلى الرِّواية الثَّانية قال الخطَّابيُّ: الصَّواب: المُعدَم؛ بلا واوٍ؛ أي: الفقير؛ لأنَّ المعدوم لا يكسب، وأُجِيب: بأنَّه لا يمتنع أن يُطلَق على المُعدَم المعدومُ؛ لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصرُّف له، وفي «تهذيب الأزهريِّ» عن ابن الأعرابيِّ: رجلٌ عديمٌ: لا عقل له، ومعدومٌ: لا مال له، قال في «المصابيح»: كأنَّهم نزَّلوا وجود من لا مال له [/ج1ص64/] منزلةَ العدم، (وَتَقْرِي الضَّيْفَ)؛ بفتح أوَّله بلا همزٍ ثلاثيًّا. قال الأُبِّيُّ: وسُمِعَ بضمِّها رباعيًّا؛ أي: تهيِّئ له طعامه ونُزُلَه، (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ)؛ أي: حوادثه، وإنَّما قالت: على نوائب الحقِّ؛ لأنَّها تكون في الحقِّ والباطل، قال لبيد: [من الطَّويل]

~ نوائبُ من خيرٍ وشرٍّ كلاهما فلا الخير ممدودٌ ولا الشَّـرُّ لازبُ

ولذلك أضافتها إلى «الحقِّ»، وفيه إشارةٌ إلى فضل خديجة وجزالة رأيها، وهذه الخصلة جامعةٌ لأفراد ما سبق وغيره، وإنَّما أجابته بكلامٍ فيه قَسَمٌ وتأكيدٌ بإنَّ واللَّام؛ لتزيل حيرته ودهشته، واستدلَّت على ما أقسمت عليه بأمرٍ استقرائيٍّ؛ جامعٍ لأصول مكارم الأخلاق. وفيه دليلٌ على أنَّ من طُبِعَ على أفعال الخير؛ لا يصيبه ضيرٌ.

(فَانْطَلَقَتْ)؛ أي: مضت (بِهِ خَدِيجَةُ) رضي الله عنها مصاحبةً له؛ لأنَّها تلزم الفعل اللَّازم المعدَّى بالباء، بخلاف المعدَّى بالهمزة كأذهبته، (حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ)؛ بنصب «ابن» الأخير بدلًا من «ورقة» أو صفةً، ولا يجوز جرُّه؛ لأنَّه يصير صفةً لـ: «عبد العزَّى»، وليس كذلك، ويُكتَب بالألف ولا تُحذَف؛ لأنَّه لم يقع بين علمين، وراء «ورَقة» مفتوحةٌ، وتجتمع معه خديجة في أسدٍ؛ لأنَّها بنت خويلد بن أسدٍ، (وَكَانَ) ورقة (إمْرَأً قد) ترك عبادة الأوثان و(تَنَصَّرَ)، وللأربعة ((وكان امرأً تنصَّر)) (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) بإسقاط: «قد»، وذلك أنَّه خرج هو وزيدُ بن عمرو بن نفيلٍ لمَّا كرها طريق الجاهليَّة إلى الشَّام وغيرها يسألون عن الدِّين، فأعجب ورقة النَّصرانية؛ للقُيِّه من لم يبدِّل شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام، (وَكَانَ) ورقة أيضًا (يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ)؛ أي: الكتابة العبرانيَّة، وفي «مسلمٍ» كـ: «البخاريِّ» في «الرُّؤيا»: الكتاب العربيَّ [خ¦6982] ، وصحَّحه الزَّركشيُّ باتِّفاقهما، (فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ)؛ أي: الذي شاء الله كتابته، فحذف العائد، والعِبرانيَّة؛ بكسر العين فيهما: نسبةً إلى العِبْر؛ بكسر العين وإسكان الموحَّدة، زيدت الألف والنُّون في النِّسبة على غير قياسٍ، قِيلَ: سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ الخليل عليه السلام تكلَّم بها لمَّا عبر الفرات فارًّا من نمروذ [16] ، وِقيلَ: إنَّ التَّوراة عبرانيَّةٌ، والإنجيل سريانيٌّ، وعن سفيان: ما نزل من السَّماء وحيٌ إلَّا بالعربيَّة، وكانت الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام تترجمه لقومها، و«الباء» في: «بالعبرانيَّة» تتعلَّق بقوله: «فيكتب»؛ أي: فيكتب [17] باللُّغة العبرانيَّة من الإنجيل؛ وذلك لتمكُّنه في دين النَّصارى، ومعرفته بكتابهم، (وَكَانَ) ورقة (شَيْخًا كَبِيرًا) حال كونه (قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ) رضي الله تعالى عنها: (يَا بْنَ عَمِّ، اسْمَعْ) بهمزة وصلٍ (مِنَ ابْنِ أَخِيكَ)؛ تعني: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الأب الثَّالث لورقة هو الأخ للأب الرَّابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قالته على سبيل الاحترام، (فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا بْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا)، وللأصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ ((بخبر ما)) (رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ) بالنُّون والسِّين المُهملَة، وهو صاحب السرِّ؛ كما عند المؤلِّف في أحاديث الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، وقال ابن دريدٍ: هو صاحب سرِّ الوحي، والمُرَاد به: جبريل عليه الصلاة والسلام، وأهل الكتاب يسمُّونه النَّاموس الأكبر (الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى)، زاد الأَصيليُّ: ((صلى الله عليه وسلم))، و«نزل» بحذف الهمزة يُستعمَل فيما نزل نجومًا، وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((أنزل الله تعالى))، ويُستَعمَل فيما نزل جملةً، وفي التَّفسير: «أُنزِل»؛ مبنيًّا للمفعول، فإن قلت: لِمَ قال: موسى؟ ولم يَقُلْ: عيسى، مع كونه؛ أي: ورقة نصرانيًّا؟ أجيب: بأنَّ كتاب موسى مشتملٌ على أكثر الأحكام، وكذلك كتاب نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، بخلاف كتاب عيسى؛ فإنَّ كتابه أمثالٌ ومواعظُ، أو قاله تحقيقًا للرِّسالة؛ لأنَّ نزول جبريل على موسى متَّفَقٌ عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى، فإنَّ كثيرًا من اليهود ينكرون نبوَّته، وفي رواية الزُّبير بن بكَّارٍ بلفظ: «عيسى»، (يَا لَيْتَنِي فِيهَا)؛ أي: في مدَّة النُّبوَّة أو الدَّعوة، وجعل أبو البقاء المُنادَى محذوفًا؛ أي: يا محمَّد. وتُعقِّب: بأنَّ قائلَ: «ليتني» قد يكون وحده، فلا يكون معه مُنادَى، كقول مريم: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ} [مريم: 23] ، وأجيب: بأنَّه قد يجوز أن يجرِّد من نفسه نفسًا فيخاطبها، كأنَّ مريم قالت: يا نفسي ليتني متُّ، وتقديره هنا: ليتني أكون في أيَّام الدَّعوة (جَذَعًا)؛ بفتح الجيم [/ج1ص65/] والمُعجَمة، وبالنَّصب، خبر «كان» مقدَّرة عند الكوفيِّين، أو على الحال من الضَّمير المستكن في خبر «ليت»، وخبر «ليت» قوله: «فيها»؛ أي: ليتني كائنٌ فيها حال الشَّبيبة والقوَّة لأنصرنَّك، أو على أنَّ «ليت» تنصب الجزأين، أو بفعلٍ محذوفٍ، أي: جُعِلتُ فيها جزعًا، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: ((جذعٌ))؛ بالرَّفع، خبر «ليت»، وحينئذٍ؛ فالجارُّ يتعلَّق بما فيه من معنى الفعل، كأنَّه قال: يا ليتني شابٌّ فيها، والرِّواية الأولى أكثر وأشهر، والجذع: هو الصَّغير من البهائم، واستُعير للإنسان؛ أي: يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوَّتك حتَّى أقوى على المُبالَغة في نصرتك. (لَيْتَنِي) وللأَصيليِّ: ((يا ليتني)) (أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) من مكَّة، واستعمل «إذ» في المُستقبَل كـ: «إذا»، على حدِّ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} [مريم: 39] . قال ابن مالكٍ: وهو صحيحٌ [18] ، وتعقَّبه البلقينيُّ: بأنَّ النُّحاة منعوا وروده، وأوَّلوا ما ظاهره ذلك، فقالوا في مثل هذا: استعمل الصِّيغة الدَّالة على المضيِّ؛ لتحقُّق وقوعه، فأنزلوه منزلته. ويقوِّي ذلك هنا: أنَّ في رواية البخاريِّ في «التَّعبير»: «حين يخرجك قومك» [خ¦6982] ، وهو على سبيل المجاز كالأوَّل. وعُورِض: بأنَّ المؤوِّلين ليسوا [19] النَّحويين، بل البيانيُّون، وبأنَّه كيف يمنع وروده مع وجوده في أفصح الكلام؟ وأُجِيب: بأنَّه لعلَّه أراد بمنع الورود ورودًا محمولًا على حقيقة الحال، لا على تأويل الاستقبال، فإن قلت: كيف تمنَّى ورقة مستحيلًا، وهو عود الشَّباب؟ أُجِيب: بأنَّه يسوغ تمنِّي المستحيل [20] إذا كان في فعل خيرٍ، أو بأنَّ التَّمنِّي ليس مقصودًا على بابه، بل المُرَاد به: التَّنبيه على صحَّة ما أخبره به، والتَّنويه بقوَّة تصديقه فيما يجيء به، أو قاله على سبيل التَّحسُّر؛ لتحقُّقه عدم عود الشَّباب.

(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَوَ) بفتح الواو (مُخْرِجِيَّ هُمْ؟!) بتشديد الياء مفتوحةً؛ لأنَّ أصله: مخرجوني، جمع: مُخرِجٍ، من الإخراج، فحُذِفت نون الجمع؛ للإضافة إلى ياء المتكلِّم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرَّفع، وسُبِقت إحداهما بالسُّكون، فأُبدِلت الواوُ ياءً وأُدغِمت، ثمَّ أُبدِلت الضَّمة التي كانت سابقة الواو كسرةً، وفُتِحَت ياء «مخرجيَّ» تخفيفًا، و«هم»: مبتدأٌ، خبره: «مخرجيَّ» مقدَّمًا، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النَّكرة؛ لأنَّ إضافة «مخرجيَّ» غير محضةٍ؛ لأنَّها لفظيَّةٌ؛ لأنَّه اسم فاعلٍ بمعنى: الاستقبال، والهمزة للاستفهام الإنكاريِّ؛ لأنَّه استبعد إخراجه من الوطن، لا سيمَّا حَرَمُ الله وبلد أبيه إسماعيل من غير سببٍ يقتضي ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه، وإنزاله منهم محلَّ الرُّوح من الجسد، فإن قلت: الأصل أن يُجاء بالهمزة بعد العاطف؛ نحو: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] ، و{فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26] ، وحينئذٍ ينبغي أن يقول هنا: وأمخرجيَّ؟! لأنَّ العاطف لا يتقدَّم عليه جزءٌ ممَّا عطف. أُجِيب: بأنَّ الهمزة خُصَّت بتقديمها على العاطف؛ تنبيهًا على أصالتها في أدوات الاستفهام، وهو له الصَّدر؛ نحو: {أَوَلم ينظروا} [الأعراف: 185] ؟! {أفلم يسيروا} [يوسف: 109] ؟! هذا مذهب سيبويه والجمهور. وقال جار الله وجماعةٌ: إنَّ الهمزة في محلِّها الأصليِّ، وإنَّ العطف على جملةٍ مقدَّرةٍ بينها وبين العاطف، والتَّقدير: أمعاديَّ هم ومخرجيَّ هم؟! وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التَّقدير؛ فلا يُستنكَر، فإن قلت: كيف عطف قوله: «أو مخرجيَّ هم؟!» _وهو إنشاءٌ_ على قول ورقة: «إذ يخرجك قومك» وهو خبرٌ وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، وأيضًا فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، والمتكلِّم مختلفٌ؟ أُجِيب: بأنَّ القول بأنَّ عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز إنَّما هو رأي أهل البيان، والأصحُّ عند أهل العربيَّة جوازه، وأمَّا أهل البيان؛ فيقدِّرون في مثل ذلك جملةً بين الهمزة والواو، وهي المعطوف عليها، فالتَّركيب سائغٌ عند الفريقين، أمَّا المجوِّزون لعطف الإنشاء على الخبر؛ فواضحٌ، وأمَّا المانعون؛ فعلى التَّقدير المذكور. وقال بعضهم: يصحُّ أن تكون جملة الاستفهام معطوفةً على جملة التَّمنِّي في قوله: «ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك»، بل هذا هو الظَّاهر، فيكون المعطوف عليه أوَّل الجملة لا آخرها الذي هو ظرفٌ متعلِّقٌ بها، والتَّمنِّي إنشاءٌ، فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء، وأمَّا العطف على جملةٍ في كلام الغير؛ فسائغٌ معروفٌ في القرآن العظيم والكلام الفصيح، قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة: 124] .

(قَالَ) [/ج1ص66/] ورقة: (نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ) من الوحي (إِلَّا عُودِيَ)؛ لأنَّ الإخراج عن المألوف موجبٌ لذلك، (وَإِنْ يُدْرِكْنِي) بالجزم بـ: «إنِ» الشَّرطيَّة (يَوْمُكَ) بالرَّفع فاعل «يدركني»؛ أي: يوم انتشار نبوَّتك، (أَنْصُرْكَ) بالجزم جواب الشَّرط، (نَصْرًا) بالنَّصب على المصدريَّة (مُؤَزَّرًا)؛ بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المشدَّدة، آخره راءٌ مهملَةٌ مهموزًا؛ أي: قويًّا بليغًا، وهو صفةٌ لـ: «نصرًا»، ولمَّا كان ورقة سابقًا واليوم متأخِّرًا؛ أسند الإدراك لليوم؛ لأنَّ المتأخِّر هو الذي يدرك السَّابق، وهذا ظاهره أنَّه أقرَّ بنبوَّته، ولكنَّه مات قبل الدَّعوة إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا، وفي إثبات الصُّحبة له نظرٌ، لكن في «زيادات المغازي» من رواية يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق: «فقال له ورقة: أبشر، ثمَّ أبشر، فأنا أشهد أنَّك الذي بشَّر به [21] ابن مريم، وأنَّك على مثل ناموس موسى، وأنَّك نبيُّ مُرسَلٌ...» الحديث. وفي آخره: «فلمَّا تُوفِّي؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت القسَّ في الجنَّة عليه ثياب الحرير؛ لأنَّه آمن بي وصدَّقني». وأخرجه البيهقيُّ من هذا الوجه في «الدَّلائل» وقال: إنَّه منقطعٌ، ومال البلقينيُّ إلى أنَّه يكون بذلك أوَّل من أسلم من الرِّجال، وبه قال العراقيُّ في «نكته على ابن الصَّلاح»، وذكره ابن منده في «الصَّحابة».

(ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ)؛ بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة والمُعجَمة، أي: لم يلبث (وَرَقَةُ) _بالرَّفع_ فاعل «ينشب» (أَنْ تُوُفِّي)؛ بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، وهو بدل اشتمالٍ من «ورقة»؛ أي: لم تتأخَّر وفاته عن هذه القصَّة، واختلف في وقت موت ورقة، فقال الواقديُّ: إنَّه خرج إلى الشَّأم، فلمَّا بلغه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بالقتال بعد الهجرة؛ أقبل يريده، حتَّى إذا كان ببلاد لخمٍ وجذام؛ قتلوه وأخذوا ما معه، وهذا غلطٌ بيِّن؛ فإنَّه مات بمكَّة بعد المبعث [22] بقليلٍ جدًا، ودُفِنَ بمكَّة؛ كما نقله البلاذُريُّ وغيره، ويعضده قوله هنا، وكذا في «مسلمٍ»: ثمَّ لم ينشب [23] ورقة أن تُوفِّي، (وَفَتَرَ الْوَحْيُ)؛ أي: احتبس ثلاث سنين؛ كما في «تاريخ أحمد»، وجزم به ابن إسحاق، وفي بعض الأحاديث: أنَّه قدر سنتين ونصف، وزاد معمر عن الزُّهريِّ في «التَّعبير»: حتَّى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم _فيما بلغنا_ حزنًا غدا [24] منه مرارًا كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال [خ¦6982] ، ويأتي إن شاء الله تعالى ما في الكلام على ذلك من جهة الإسناد والمتن والمعنى في سورة «اقرأ» من «التَّفسير» [خ¦4953] ، فإن قلت: إنَّ قوله: «ثمَّ لم ينشب ورقة أن تُوفِّي» مُعارَضٌ بما عند ابن إسحاق في «السِّيرة»: أنَّ ورقة كان يمرُّ ببلال وهو يُعذَّب لمَّا أسلم، فإنَّه يقتضي تأخُّره إلى [25] زمن الدَّعوة، ودخول بعض النَّاس في الإسلام. أُجِيب: بأنَّا لا نسلِّم المُعارَضة؛ لأنَّ شرطها المُساوَاة. وما روي في السِّيرة لا يقاوم [26] ما في الصَّحيح، ولئن سلَّمنا؛ فلعلَّ راوي ما في الصَّحيح لم يحفظ لورقة بعد ذلك شيئًا، ومن ثمَّ جعل هذه القصَّة انتهاء أمره بالنِّسبة إلى ما علمه منه [27] ، لا بالنِّسبة إلى ما في نفس الأمر، وحينئذٍ: فتكون الواو في قوله: «وفتر الوحي» ليست للتَّرتيب. ورواة هذا الحديث ما بين مصريٍّ [28] ومدنيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعي، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4953] ، و«التَّعبير» [خ¦6982] ، و«الإيمان» [خ¦4] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ: أخبرني عروة بكذا، (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بفتحتين، واسمه: عبد الله (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وتسعين، وأتى المؤلِّف بواو العطف؛ لغرض بيان الإخبار عن عروة وأبي سلمة، وإلَّا؛ فمقول القول لا يكون بالواو، وحينئذٍ: فليس هذا من التَّعاليق، ولو كانت صورته صورته، خلافًا للكرمانيِّ؛ حيث أثبته منها، وقد خطَّأه في «الفتح» (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرٍو (الأَنْصَارِيَّ) الخزرجيَّ، المتوفَّى بعد أن عَمِيَ سنة ثمانٍ أو أربعٍ أو ثلاثٍ أو تسعٍ وسبعين، وهو آخر الصَّحابة موتًا بالمدينة، وله في البخاريِّ تسعون حديثًا، وهمزة أَن مفتوحةٌ؛ لأنَّها في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة. (قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ) أي: في حال التَّحديث عن احتباس الوحي عن النُّزول: (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا) أصله: بينَ، فأُشبِعت فتحة النُّون، فصارت ألفًا، وهي ظرف زمانٍ مكفوفٌ بالألف عن الإضافة إلى المُفرَد، والتَّقدير بحسب الأصل: [/ج1ص67/]

بين أوقاتٍ (أَنَا أَمْشِي)، وجواب «بينا» قوله: (إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ)؛ أي: في أثناء أوقات المشي فاجأني السَّماع، (فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ) جبريل (الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ)، خبرٌ عن «الملَك» الذي هو مبتدأٌ، و«الذي جاءني بحراء» صفته، والفاء في «فإذا» فجائيَّةٌ؛ نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب، ويجوز نصب «جالسٌ» على الحال، وحينئذٍ: يكون خبرًا لمبتدأٍ محذوفًا؛ أي: فإذا الملك الذي جاءني بحراءَ شاهدٌ أو حاضرٌ حال كونه جالسًا (عَلَى كُرْسِيٍّ) _بضمِّ الكاف، وقد تُكسَر_ (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) ظرفٌ في محلِّ جرٍّ صفةٌ لـ: «كرسيٍّ» (فَرُعِبْتُ مِنْهُ)؛ بضمِّ الرَّاء وكسر العين المُهملَة، مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، وللأَصيليِّ: ((فرَعُبت منه))؛ بفتح الرَّاء وضمِّ العين؛ أي: فزعت، (فَرَجَعْتُ) إلى أهلي بسبب الرُّعب، (فَقُلْتُ) لهم: (زَمِّلُونِي زمِّلوني)، كذا لأبوَي ذَرٍّ والوقت بالتَّكرار مرَّتين، ولكريمة: ((مرَّةً واحدةً))، ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «التَّفسير» من رواية يونس: «دثِّروني» [خ¦4924] ، قال الزَّركشيُّ: وهو أنسب؛ لقوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى)، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: (( عزَّ وجلَّ )) بدل قوله «تعالى»: ({يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ})؛ إيناسًا له وتلطُّفًا، والتَّدثير والتَّزميل بمعنًى واحدٍ، والمعنى: يا أيُّها المدَّثِّر بثيابه، وعن عكرمة؛ أي: المدَّثِّر بالنُّبوَّة وأعبائها. ({قُمْ فَأَنْذِرْ...}) حَذِّرْ من العذاب مَنْ لم يؤمن بك، وفيه دلالةٌ على أنَّه أُمِرَ بالإنذار عقب نزول الوحي؛ للإتيان بفاء التَّعقيب، واقتصر على الإنذار؛ لأنَّ التَّبشير إنَّما يكون لمن دخل في الإسلام، ولم يكن إذ ذاك مَنْ دخل فيه. (إِلَى قَوْلِهِ: {وَالرُّجْزَ})؛ أي: الأوثان، ({فَاهْجُرْ})، زاد الأربعة: ((الآية))، (فَحَمِيَ)؛ بفتح الحاء المُهملَة وكسر الميم؛ أي: فبعد نزول هذه الآية كَثُرَ (الْوَحْيُ)؛ أي: نزوله (وَتَتَابَعَ)، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((وتواتر)) بالمثنَّاتين بدل «وتتابع»، وهما بمعنىً. وإنَّما لم يكتف بـ: «حمي»؛ لأنَّه لا يستلزم الاستمرار والدَّوام والتَّواتر.

ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وأخرجه في «الأدب» [خ¦6214] ، و«التَّفسير» [خ¦4926] ، ومسلمٌ أيضًا فيه. (تَابَعَهُ)؛ أي: تابع يحيى بن بُكيرٍ شيخ المؤلِّف في رواية هذا الحديث عن اللَّيث بن سعدٍ، (عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، وحديثه عند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4926] و«الأدب» [خ¦3238] . (وَ) كذا تابعه (أَبُو صَالِحٍ)، كلاهما عن اللَّيث، وأبو صالحٍ: هو عبد الله كاتب اللَّيث، أو هو عبد الغفَّار بن داود البكريُّ الحرَّانيُّ الإفريقيُّ المولد، المُتوفَّى بمصر سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، وكلاهما روى عنه المؤلِّف، ووهَّم في «فتح الباري» القائل بالثَّاني، وقد أكثر المؤلِّف عن الأوَّل من المعلَّقات، وروايته لهذا الحديث عن اللَّيث أخرجها يعقوب بن سفيان في «تاريخه» مقرونًا بيحيى بن بُكيرٍ، فيكون رواه عن اللَّيث ثلاثةٌ: يحيى، وعبد الله بن يوسف، وأبو صالحٍ، (وَتَابَعَهُ)؛ أي: وتابع عُقيل بن خالدٍ شيخ اللَّيث في هذا الحديث أيضًا (هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ)؛ بدالين مُهملَتين، الأولى مشدَّدة، الطَّائيُّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الموضع، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، وحديثه في «الزُّهريَّات» للذُّهليِّ، (وَقَالَ يُونُسُ) ابن يزيد بن مُشكان الأَيْليُّ _بفتح الهمزة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة_ التابعيُّ، المتوفَّى بمصر سنة تسعٍ وخمسين ومئةٍ، ممَّا وصله في التَّفسير [خ¦4953] ، (وَمَعْمَرٌ) _بفتح الميمين وسكون العين_، أبو عروة بن أبي عمرو بن راشدٍ الأزديُّ الحرانيُّ مولاهم، عالم اليمن، المُتوفَّى سنة أربعٍ أو ثلاثٍ أو اثنتين وخمسين ومئةٍ، فيما وصله المؤلِّف في «تعبير الرُّؤيا» [خ¦6982] في روايتهما عن الزُّهريِّ: (بَوَادِرُهُ) كذا في رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت _بفتح المُوحَّدة_ جمع بادرةٍ، وهي اللَّحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب [29] عند فزع الإنسان، فوافقا عُقيلًا عليه، إلَّا أنَّهما قالا بدل قوله: «يرجف فؤاده» «ترجف بوادره»، وهما مستويان في أصل المعنى؛ لأنَّ كلًّا منهما دالٌّ على الفزع، ولأبي ذَرٍّ وكريمة عن الكُشْمِيهَنِيِّ وأبي الوقت في نسخةٍ وابن عساكر ((وقال يونس ومعمر: تواتر [30] ))، وهذا أوَّل موضعٍ جاء فيه ذكر المُتابَعة؛ وهي أن يختبر الحديث وينظر في [31] الدَّواوين المُبوَّبة والمُسنَدة وغيرها؛ كالمعاجم والمشيخات والفوائد، هل شارك راويه [32] الذي يظنُّ تفرُّده به راوٍ آخرَ فيما رواه عن شيخه؟ فإن شاركه راوٍ معتبرٌ؛ فهي متابعةٌ حقيقيةٌ، وتُسمَّى المتابعة التَّامَّة إن اتَّفقا في رجال السَّند كلِّهم؛ كمتابعة عبد الله وأبي صالحٍ؛ إذ وافقا ابن بُكيرٍ في شيخه اللَّيث إلى آخره، وإن شُورِك [/ج1ص68/] شيخه في روايته له عن شيخه فما فوقه إلى آخر السَّند واحدًا واحدًا حتَّى الصَّحابيَّ؛ فمتابعٌ [33] أيضًا، لكنَّه في ذلك قاصرٌ عن مشاركته هو؛ كمتابعته هلال؛ إذ وافقه في شيخ شيخه، وكلَّما بَعُدَ؛ فيه المتابع كان أنقص، وفائدتها: التَّقوية، ولا اقتصار فيها على اللَّفظ، بل لو جاءت بالمعنى؛ كفى؛ كقول يونس ومعمرٍ في روايتهما عن الزُّهريِّ: «بوادره»؛ خلافًا لظاهر «ألفيَّة العراقيِّ» في التَّخصيص باللَّفظ، وحُكِيَ عن قومٍ كالبيهقيِّ، نعم؛ هي مخصوصةٌ بكونها من رواية ذلك الصَّحابيِّ، وقد يُسمَّى كلُّ واحدٍ من المتابع لشيخه فمن فوقه شاهدًا، ولكنَّ تسميته تابعًا أكثر.

[1] في (د) و(ص): «فهو».
[2] قوله: «موضِّحةٌ، وأهل المعاني يسمونها... بأضغاث الأحلام»، سقط من (م).
[3] في (م): «ثقب».
[4] في (د): «التَّحنُّث».
[5] في غير (د) و(س): «مطلب».
[6] في (ب): «مدَّة».
[7] في (ص) و(م): «بالغار».
[8] قوله: «برفع الدَّال في «اليونينيَّة» لأبوَي ذَرٍّ والوقت، عطفًا على يتحنَّث»، سقط من (م)، وفيها: «التَّحنُّث».
[9] في (ص): «كما هي».
[10] زيد في (د): «فقلت».
[11] في (م): «فقلت»، وفي هامشها: «ولا فاء في الرِّوايتين منه».
[12] في (د): «الطَّبرانيِّ»، وليس بصحيحٍ.
[13] في (ب) و(س): «أمور».
[14] «إليه»: ليس في (ص) و(م).
[15] في (د): «الرَّوع».
[16] في (د) و(ص): «نمرود».
[17] في غير (د) و(ص): «يكتب».
[18] في (د): «الصَّحيح».
[19] في (ص) و(م): «ليس».
[20] في (ص): «المحال».
[21] في (ب) و(ص): «بك».
[22] في (د): (البعث).
[23] في (ص): «لم يلبث».
[24] وقع في (ص): «عدي».
[25] في غير (د) و(س): «على».
[26] في (ص): «لا يعارض».
[27] «منه»: ليس في (ص).
[28] في (م): «بصريٍّ»، وهو تحريفٌ.
[29] في (ص) و(م): «تضرب».
[30] في (د): «بواتره».
[31] في غير (د): «من».
[32] في (د): «رواية».
[33] في (د) و(س) و(ص): «فتابع».





3- 4- (مِنَ الْوَحْيِ): (مِن): فيها قولان؛ أحدهما: لبيان الجنس، الثاني: للتبعيض، قال القزَّاز بالأوَّل، كأنَّها قالت: من جنس الوحي، وليست الرؤيا من الوحي حتى تكون (من) للتبعيض، وردَّه عياض، وقال: (بل يجوز أن تكون للتبعيض؛ لأنَّها من الوحي؛ كما في الحديث: «أنَّها جزء من النبوَّة» ).

(الرُّؤْيَا): قال العلَّامة سراج الدين البُلقينيُّ: ألف (الرؤيا) ليست للاستغراق، وإنَّما هي لتعريف الحقيقة، وعلى مذهب أبي الحجَّاج بن معزوز: أنَّها لا تكون إلَّا للعهد، يكون المراد بها هنا: ما عُهِدَ مِنَ الرؤيا النوميَّة، ولكنَّ المشهور انقسامها إلى عهدية وغيرها.

و (الصَّالِحَةُ): إمَّا صفة موضِّحة لـ (الرؤيا) ؛ لأنَّ غير الصالحة تُسمَّى بالحُلم؛ كما ورد: «الرؤيا من الله، والحُلم من الشيطان»، وإمَّا مخصِّصة؛ أي: الرؤيا الصالحة لا الرؤيا السَّيِّئة، أو لا الكاذبة المسمَّاة بأضغاث أحلام.

و (رُؤْيَا): بغير تنوينٍ مثلُ: (حُبلى).

فائدة: (مِن): تأتي على خمسةَ عشرَ وجهًا؛ منها: بيانُ الجنس، وكثيرًا ما تقع بعدَ (ما) و (مهما)، وهما بها أَولى؛ لإفراطِ إبهامهما؛ نحو: {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ} [فاطر: 2] ، {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] ، {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} [الأعراف: 132] ، وهي ومخفوضها في ذلك في موضع نصبٍ على الحال، ومِن وقوعِها بعدَ غيرهما نحو: {يُحَلَّونَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} [الكهف: 31] ، الشاهدُ في غيرِ الأولى، فإنَّ تلك للابتداء، وقيل: زائدةٌ؛ ونحوه: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30] .

وأَنكر مجيءَ (مِن) لبيان الجنس قومٌ، وقالوا: هي في {مِنْ ذَهَبٍ} {مِنْ سُنْدُسٍ}، الأُولى للتبعيض، وفي الثانية: {مِنَ الْأَوْثَانِ}: للابتداء؛ والمعنى: فاجتنبوا من الأوثان الرجس؛ وهو عبادتُها، وهذا تكلُّفٌ.

وفي كتاب «المصاحف» لابن الأنباريِّ: أنَّ بعض الزنادقة تمسَّكَ بقوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةٍ} [الفتح: 29] في الطعن على بعض الصحابة، والحقُّ أنَّ (مِن) فيها للتبيين، لا للتبعيض؛ أي: الذين هم هؤلاء، ومثلُه: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172] ، وكلُّهم محسنٌ ومتَّقٍ، {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73] ، فالمقولُ فيهم ذلك كانوا كفَّارًا، والله أعلم.

(مِثْلَ): منصوبٌ على الحال؛ أي: جاءتِ الرؤيا مُشبهةً فَلَقَ الصبحِ، وقال شيخُنا: نصبٌ على الحال؛ أي: مُشبهةً ضياءَ الصبحِ، أو على أنَّه صفةٌ لمحذوفٍ؛ أي: جاءتْ مجيئًا مثلَ فَلَقِ الصُّبح.

[ (فَلَقِ الصُّبْحِ): بالتحريك، وحكى الزمخشريُّ التسكين] .

(حِرَاءٍ): يُصرف، ولا يُصرف.

(وَهُوَ التَّعَبُّدُ): الضميرُ راجعٌ للمصدر الذي تضمَّنه (يتحنَّث)، على حدِّ: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .

(اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ): متعلِّقٌ بـ (يتحنَّث) ؛ أي: يتحنَّث الليالي، لا بالتعبُّد؛ لأنَّه يَفسُدُ المعنى حينئذٍ، فإنَّ التحنُّث لا يُشترط فيه الليالي؛ بل يُطلق على القليل والكثير.

و (الليالي): منصوبٌ على الظرف، و (ذواتِ): بكسر التاء علامة النصب.

و (يَتَزَوَّدُ): بالرفع عطفًا على (يتحنَّث).

(وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ): جملةٌ في موضع الحال.

(فَجَاءَهُ الْمَلَكُ): إن قلتَ: مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي، بل هو نفسه؛ إذِ [1] المراد بمجيء الوحي: مجيء حامل الوحي؛ أي: الملك؛ فما معنى الفاء التعقيبية؟ قلتُ: هذه الفاء تسمَّى التفسيريَّة؛ نحو قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] ؛ إذِ القتلُ نفسُ التوبة على أحدِ التفاسير، وتسمَّى: التفصيليَّة أيضًا؛ لأنَّ مجيءَ الملَك... إلى آخره تفصيلٌ للمُجمَل الذي هو مجيءُ الحقِّ، ولا شكَّ أنَّ المفصَّل نفس المُجمَل، قاله الكَرمانيُّ.

وقال شيخنا العلَّامةُ ابنُ حَجَرٍ في «الفتح»: (هل الفاء للتفسير، أو التعقيب، أو السبب؟ ومال إلى الثالث؛ ومعناه: أي: حتى قُضِيَ بمجيء الوحي، فبسبب ذلك جاءه الملَك، ثمَّ قال: والثالث [2] أقرب من الثاني).

وقال شيخُ الإسلام سراج الدين البُلقينيُّ: الفاء هنا [3] يَحتمل أن تكون للتعقيب؛ والمعنى بمجيء الحقِّ على هذا: انكشف الأمرُ عن أمرٍ مهمٍّ، فجاءه الملك عقب ذلك.

فإن قيل: مجيءُ الملَك هو نفسُ مجيء الحقِّ، فكيف جعلتَه يعقُبُه؟ قلنا: إنَّما بنينا التعقيبَ على أنَّ مجيءَ الحقِّ عبارةٌ عن الذي انكشف ووقع في القلب، فأعقبه ظهورُ الملك.

ويَحتمل أن تكون الفاءُ للسبب، ولو جُعلت الفاءُ لمجرَّدِ العطفِ؛ لم يَبْعُد.

(مَا أَنَا بِقَارِئٍ): قيل: (ما) استفهاميَّةٌ، واحتجَّ مَن قال بهذا بأنَّه جاء في روايةٍ: (ما أقرأ)، وقال [4] النوويُّ: لا دلالةَ فيه؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ (ما) هنا أيضًا نافية.

وقيل: نافيةٌ، وهذا هو الصوابُ؛ لأنَّ الباء تَمنعُ مِن كونها استفهامًا.

وقيل: الباءُ زائدةٌ.

وعلى الصواب: فاسمُها: (أَنَا)، و (بِقَارِئٍ): الخبرُ.

تنبيه: قال الشيخ سراجُ الدين: اللام في (الملك) لتعريف الماهيَّة لا للعهد إلَّا أنْ يكونَ يريد به: الملَك الذي عهده عليه السلام في بلاد طيِّئ، ونحو ذلك، أو تكونَ قصدت عائشة بذلك ما عهده مِنْ تجرِبتِه، والجملةُ التي هي: (جاءه الملَك) ـ على أنَّ الفاء للتعقيب، أو للسبب ـ لا محلَّ لها من الإعراب، وعلى أنَّ الفاء لمجرَّد العطف تكون في محلِّ جرٍّ تفريعًا على أنَّ (حتى) في قوله: (حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ ): جارَّةٌ.

(الْجَهْد): بنصبِ الدال وضمِّها، قاله النوويُّ عن صاحب «التحرير»، فعلى الرفع معناه: بلغ مني الجهدُ مبلغَه، فحذف (مبلغه)، وهو المفعول، وعلى النصب معناه: بلغ الملَك مني الجهدَ.

قال شيخ الإسلام سراج الدين البُلقينيُّ: وعندي [5] أنَّ فاعلَ (بَلَغَ): (الغطُّ)، لا (جبريلُ) ؛ لأنَّ الغطَّ هو الذي بلغ حقيقةً إلى هذا الحدِّ، لا جبريلَ عليه السلام.

وقال التوربشتيُّ: (لا أرى الذي يَروي بنصب الدال إلَّا وقد [6] وَهِمَ فيه، أو جوَّزه بطريق الاحتمال؛ فإنَّه إذا نصب الدال؛ عاد المعنى إلى أنَّه غطَّه حتى استفرغ قوَّته في ضغطته، وجهد جهده بحيث لم يَبقَ فيه مزيدٌ، وهذا قولٌ غيرُ سديدٍ؛ فإنَّ البُنيةَ البشريَّةَ لا تشتدُّ على استفراغ القوَّة الملكيَّة، لا سيَّما في مبدأ الأمر، وقد دلَّتِ القضيَّة على أنَّه اشمأزَّ من ذلك، وتَداخَلَه الرُّعب).

وقال الطِّيبيُّ: (لا شكَّ أنَّ جبريل في حال الغطِّ لم يكن على صورته الحقيقيَّة التي تجلَّى بها عند سِدرة المنتهى، وعندما رآه مستويًا على الكرسي، فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي تجلَّى له وغطَّه، وإذا صحَّتِ الرواية؛ اضمحلَّ الاستبعاد).

وقال شيخُنا في «الفتح»: (وما المانع أن يكون قوَّاه الله تعالى على ذلك، ويكون من جملة معجزاته؟) انتهى.

({اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}): يجوز فيه أوجه:

أحدها: أن تكون الباء للحال؛ أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربِّك؛ أي: قُلْ: باسم الله، ثمَّ اقرأ، قاله الزَّمَخْشَرِيُّ.

الثاني: أنَّ الباء مزيدة؛ والتقدير: اقرأ اسمَ ربك، وقيل: الاسم صلة؛ أي: اذكر ربك.

الثالث: أنَّ الباء للاستعانة، والمفعول محذوف؛ تقديره: اقرأ ما يوحى إليك مستعينًا باسم الله.

الرابع: أنَّها بمعنى: (على) ؛ أي: اقرأ على اسم ربك.

وقدَّم الفعل؛ لأنَّه أوقع؛ لأنَّها أوَّل سورة نزلت، فكان الأمر بالقراءة أهمَّ، والعامَّةُ: على سكون الهمزة أمرًا من القراءة، وعاصم في رواية الأعشى: براءٍ مفتوحة. [/ص7/]

({الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ}): يجوزُ أنْ يكونَ {خَلَقَ} الثاني تفسيرًا لـ{خَلَقَ} الأوَّل؛ يعني: أنَّه أبهمه أوَّلًا، ثمَّ فسَّره ثانيًا بـ{خَلَقَ الْإِنْسَانَ}؛ تفخيمًا لخَلْق الإنسان [7] .

ويجوزُ أنْ يكونَ حذف المفعول من الأوَّل؛ تقديره: خلق كلَّ شيء؛ لأنَّه مطلق، فيتناول كلَّ مخلوق، وقوله: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} تخصيصٌ له بالذِّكر من بين ما يتناوله الخَلْق؛ لأنَّ التنزيل إليه.

ويجوزُ أنْ يكونَ تأكيدًا لفظيًّا، فيكون قد أكَّدَ الصلةَ وحدَها؛ كقولك: الذي قام قامَ زيدٌ.

والمرادُ بـ{الْإِنْسَانِ}: الجنسُ؛ ولذلك قال: {مِنْ عَلَقٍ} جمع: عَلَقَة؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مخلوقٌ مِنْ علقةٍ؛ كما في الآية الأخرى.

(لَقَدْ خَشِيْتُ): (اللام): جواب القسم المحذوف؛ أي: والله لقد خشيت.

(أَبَدًا): منصوب على الظرف.

(إِنَّكَ لَتَصِلُ): بالكسر على الابتداء.

(فَانْطَلَقَتْ بِهِ): عدَّاه بالباء؛ لأنَّها انطلقت معه، بخلاف ما لو عُدِّي اللازم بالهمز [8] ؛ نحو: أذهبتُه؛ فإنَّه لا يلزم ذلك.

(ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ): قال الأستاذ العلامة النوويُّ: (بنصب «ابن»، ويكتب بالألف؛ لأنَّه بدل من «ورقة»، ولا يجوز جرُّ «ابن»، ولا كتابته بغير ألف؛ لأنَّه يصير صفةً لـ«عبد العزى»، فيكون عبد العزى ابن عم خديجة، وهو باطل).

قال الكرمانيُّ: (كتابة الألف وعدمها لا يتعلَّق بكونه متعلِّقًا بـ«ورقة»، أو بـ«عبد العزى»؛ بل عِلَّة إثبات الألف عدمُ وقوعِه بين عَلَمين؛ لأنَّ العمَّ ليس عَلَمًا، ثمَّ الحكمُ بكونه بدلًا غيرُ لازم؛ لجواز أن يكون صفةً، أو بيانًا له) انتهى.

ووردَ في روايةٍ: (وهو ابن عم خديجة)، فيجوزُ الرفعُ.

(يَا ابْنَ عَمِّ): يجوزُ فيه الأوجهُ المشهورةُ في المنادى المضاف، قاله بعضُهم.

(اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ): حذفت مفعول (اسمع) ؛ وهو (ما يقول)، أو (كلامَه)، ولم أقف على رواية فيها ذكر المفعول، قاله البُلقينيُّ.

قوله: (يَا ابْنَ أَخِي) اعلم أنَّه إذا كان المنادى مضافًا إلى مضاف إلى الياء؛ فالياء ثابتة لا غير؛ كقولك: (يا ابن أخي)، و (يا ابن خالي)، إلَّا إنْ كان (ابنَ أُمٍّ)، أو (ابنَ عمٍّ) ؛ فالأكثر الاجتزاء بالكسرة عنِ الياء، وأن يُفتحا؛ للتركيب المزجيِّ، وقد قرأ الأخوان، وأبو بكر، وابنُ عامرٍ في (الأعراف) و (طه): بكسر الميم من {يَا ابْنَ أُمِّ}، والباقون: بفتحها، وقرئ [9] بإثبات الياء ساكنة، وقرئ أيضًا: بكسر الهمزة والميم، وهو إتباعٌ.

(يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا): قال الحَمْزيُّ: (كذا لأكثرِهم [10] ، وللأصيليِّ وابنِ ماهان: «جَذَعٌ»؛ خبرُ «ليت»، والنصبُ على الحال، والخبرُ مضمرٌ؛ أي: فأنصره، وأعينه) انتهى.

أو منصوبٌ على أنَّه خبرُ (كان) المقدَّرة؛ تقديرُه: يا ليتني أكون جَذَعًا، قاله الخطَّابيُّ، والمازريُّ، وابنُ الجوزيِّ.

أو منصوبٌ على الحالِ، والخبرُ (فيها) ؛ والتقديرُ: ليتني كائنٌ فيها، ورجَّحَه عياضٌ، وقال: (إنَّه الظاهرُ)، وصحَّحه النوويُّ، وقال: (إنَّه الذي اختاره المحقِّقون).

أو تكون [11] (ليت) عملتْ عملَ (تمنَّيتُ)، فنصبتِ الاسمين، كما قال الكوفيُّون، وأنشدوا: [من الرجز]

يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا

وقال القاضي: وقع للأصيليِّ الرفعُ، وهو خلافُ المشهور [12] ، وقال ابن بَرِّي: المشهورُ عند أهل اللُّغة والحديثِ في هذا ـ كأبي عُبيدٍ وغيرِه ـ: بسكونِ العين، ومنهم مَنْ يرفعُه على أنَّه خبرُ (ليت)، ورُوي بالنصبِ بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: جُعِلْتُ فيه جَذَعًا.

تنبيه: الذي قاله الخطَّابيُّ ومَنْ تقدَّم يجيءُ على مذهب الكوفيِّينَ؛ كما قالوا في قوله تعالى: {انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 171] ؛ أي: يكن الانتهاءُ خيرًا لكم، ومذهبُ البصريِّينَ أنَّ {خَيْرًا} في الآية منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يدُلُّ عليه {انْتَهُوا}؛ تقديرُه: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم.

وقال الفرَّاءُ: (انتهوا انتهاءً خيرًا لكم).

وضُعِّفَ هذا الوجه بأنَّ (كان) الناصبة لا تُضمر إلَّا إذا كان في الكلام لفظ ظاهر يقتضيها؛ كقولهم: (إنْ خيرًا؛ فخير).

قال ابنُ مالكٍ: ظنَّ أكثرُ الناسِ أنَّ (يا) التي تليها (ليت) حرفُ نِداءٍ، والمنادى محذوفٌ؛ فتقديرُه: يا محمَّدُ؛ ليتني كنتُ [13] حيًّا؛ نحو: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ} [النساء: 73] ؛ أي: يا قوم ليتني، وهو عندي ضعيفٌ؛ لأنَّ قائل: (ليتني) قد يكونُ وحدَه، فلا يكونُ معه منادًى ثابتٌ ولا محذوفٌ؛ كقول مريمَ: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} [مريم: 23] ، ولأنَّ الشيءَ إنَّما يجوزُ [14] حذفُه مع صحَّة المعنى بدونه إذا كان الموضعُ الذي ادُّعِيَ حذفُه فيه مستعملًا فيه ثُبوتُه؛ كحذفِ المنادى قبلَ أمرٍ أو دعاءٍ؛ فإنَّه يجوزُ حذفُه؛ لكثرةِ ثُبوتِه، فإنَّ الآمرَ والدَّاعيَ يحتاجان إلى توكيدِ اسمِ المأمورِ والمدعوِّ بتقديمِه على الأمرِ والدعاءِ، واستُعمِلَ ذلك كثيرًا حتى صار موضعُه منبَّهًا عليه إذا حُذِفَ، فحَسُن حذفُه لذلك.

فمِنْ ثُبوتِه قبلَ الأمر: {يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ} [مريم: 12] ، وقبلَ الدعاء: {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الأعراف: 137] ، ومِن حذفِه [/ص8/] قبلَ الأمرِ: {أَلَا يَا اسْجُدُوا} [النمل: 25] في قراءة الكِسائيِّ، أراد: أَلَا يا هؤلاء اسجُدوا، ومثالُ ذلك قولُ الشاعر: [من الطويل]

~ أَلَا يَا اسْلَمِي............ ........................

البيت.

فحَسَّنَ حذفَ المنادى قبلَهما اعتيادُ ثُبوتِه في محلِّ ادِّعاء الحذفِ، بخلافِ (ليت) ؛ فإنَّ المنادى لم تستعملْه العربُ قبلَها ثابتًا، فادِّعاءُ حذفِهِ باطلٌ؛ لخُلُوِّه مِنْ دليلٍ، فتعيَّنَ كونُ (يا) هذه لمجرَّد التنبيه؛ مثل (ألا) في نحو: [من الطويل]

~ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ..... ... ... ... ... ... ... .

إشارةٌ:

قال الزمخشريُّ: («يا»: حرفٌ وُضِعَ في أصله لنداء البعيد، وأمَّا نداء القريب؛ فله «أي» والهمزة، ثمَّ استُعمِلَ في مناداة مَنْ سها وغفل وإنْ قَرُبَ؛ تنزيلًا له منزلة مَنْ بَعُدَ، فإذا نودي به القريب الفاطن؛ فذلك للتأكيد المؤذِن بأنَّ الخطاب الذي يتلوه مَعْنِيٌّ به جِدًّا.

إن قلتَ: ما بال الداعي يقول في جُؤاره: يا رب، يا ألله، وهو أقرب إليه من حبل الوريد؟

قلتُ: هو استقصارٌ منه لنفسه، واستبعادٌ لها مما يقرِّبه إلى رضوان الله تعالى، مَعَ فَرْط التهالك على استجابة دعوته، والإذن لندائه)، وفي «الانتصاف» وهو إقناعي: (فإنَّ الداعي يقول في دعائه: يا قريبًا غيرَ بعيد، يا من هو أقربُ إلينا من حبل الوريد، فأين هذا الكلام من الانتصاب في مقام البُعد؟) انتهى.

أقولُ: إنَّ هذا الكلام من الداعي غير منافٍ لانتصابه في مقام البُعد، ولا بعيد منه؛ لأنَّ المراد: استقصار نفسه، واستبعادها مما يقرِّبه إلى رضوانه تعالى، ثمَّ إنَّه قد يُنَزَّل غيرُ البعيد منزلةَ البعيد؛ لكونه نائمًا، أو ساهيًا حقيقة، أو بالنسبة إلى الأمر الذي له يناديه؛ يعني: أنَّه بلغ من عُلُوِّ الشأن إلى حيث إنَّ المخاطب لا يفي بما هو حقُّه من السعي فيه وإن بذل وسعه، واستفرغ جهده، فكأنَّه غافل عنه بعيد، قاله الشُّمُنِّيُّ.

(إِذْ يُخْرِجُكَ): استعمل (إذ) موافقةً لـ (إذا) في إفادة الاستقبال، وهو استعمالٌ صحيحٌ ـ كما نبَّه عليه ابنُ مالكٍ ـ غَفَلَ عنِ التنبيه عليه أكثرُ النُّحاة [15] ، قال الطِّيبيُّ: (ليس التنبيه عليه من وظيفة النُّحاة، بل هو وظيفة أهل المعاني) انتهى.

ومنه قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} [مريم: 39] ، و{إذ القلوب} [غافر: 18] ، وقوله: {إذ الأغلال في أعناقهم} [غافر: 71] ، وقدِ استُعمِل كلٌّ منهما في موضع الأخرى، ومن الثاني: {إذا ضربوا في الأرض} [آل عمران: 156] ، {وإذا رأوا تجارة} [الجمعة: 11] ، و{إذا ما أتوك لتحملهم} [التوبة: 92] انتهى.

(أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ [16] ): بفتح الواو على الاستفهام، و (أو) [17] إذا جاءت للتقرير، أو التوبيخ، أو الردِّ، أو الإنكار، أو الاستفهام؛ كانت الواو مفتوحةً، وإذا جاءت للشك، أو التقسيم، أو الإبهام، أو التسوية، أو التخيير، أو بمعنى (الواو) على رأي بعضهم، أو بمعنى (بل)، أو بمعنى (حتى)، أو بمعنى (إلى)، وكيف ما كانت عاطفة؛ فهي ساكنة الواو.

والياءُ في (مُخرِجيَّ) مشدَّدة، وهو جمع (مُخرِج)، ويجوزُ تخفيفُها، والصحيحُ: التشديد، وبه جاءتِ الرواية.

ثمَّ على التشديد يجوزُ فتحُها وكسرُها، ومنه قوله تعالى: {بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] ، قُرِئَ بهما في السبع؛ فقرأ حمزة بالكسر، وهي لغةٌ حكاها الفرَّاء وقُطْرُب، وأجازها أبو عمرو، وقرأ الباقون بفتحها [18] .

وقال الإمام السُّهيليُّ: (لا بُدَّ من تشديد الياء في «مُخرِجيَّ»؛ لأنَّه جمع، والأصل: «مخرجوي»، فأُدغِمتِ الواو في الياء، وهو خبرُ ابتداءٍ مقدَّم، ولو كان المبتدأ اسمًا ظاهرًا؛ لجاز تخفيف الياء، ويكون الاسم الظاهر فاعلًا لا مبتدأً؛ كما تقول: «أضاربي قومُك؟»، «أخارجي إخوتُك؟» فتُفرِد؛ لأنَّك رفعت به فاعلًا، وهو حسن في مذهب سيبويه والأخفش، ولولا الاستفهام؛ ما جاز الإفراد إلَّا على مذهب الأخفش؛ فإنَّه يقول: «قائم الزيدون» دون استفهام، فإن كان الاسم المبتدأ من المضمرات؛ نحو: «أخارجٌ أنت؟»، و«أقائمٌ هو؟»؛ لم يصحَّ فيه إلَّا الابتداء؛ لأنَّ الفاعل إذا كان مضمرًا لم يكن منفصلًا، لا تقول: «قام أنا»، ولا «ذهب أنت»، وكذلك لا تقول: «أذاهب أنت؟» على حدِّ الفاعل، ولكن على حدِّ المبتدأ، ولا بُدَّ من جمع الخبر، فعلى هذا تقولُ: «أمخرجيَّ هم؟» تريد: «أمخرجون؟»، ثم أضفت إلى الياء، وحذفت النون، وأدغمت الواو كما يقتضي القياس) [19] انتهى.

وقال الإمام ابنُ الملقِّن: (قال ابنُ مالكٍ: الأصلُ فيه: «أوَمخرجوني هم؟»، سقطت نون الجمع للإضافة، واجتمعت ياء وواو، وسُبقت إحداهما بالسكون، فأُبدلت الواو ياءً وأُدغمت، ثم أُبدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرةً؛ تكميلًا للتخفيف [20] ، وفُتحت الياء في «مخرجيَّ» للتخفيف؛ لئلَّا تجتمع الأمثال: الكسرة، وياءان بعد كسرتين) [21] .

ثمَّ ذكر بعضَ كلامِ السُّهيليِّ؛ وهو أنَّه لا بُدَّ من تشديد الياء في (مخرجيَّ) ؛ لأنَّه جمعٌ، ثمَّ قال: (ههنا أمران:

أحدهما ـ وهو الأصل ـ: تقديمُ حرفِ العطف على الهمزة كغيرها من أدوات الاستفهام، كما نبَّه عليه ابنُ مالكٍ [22] ؛ نحو: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 101] [/ص9/] ، {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ} [النساء: 88] ، {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ} [الأنعام: 81] ، {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] ، والأصل: أن يُجاء بالهمزة بعد العاطف كهذه المُثُل، فيقال: «وَأَمُخرجي» [23] ، مثله: فاء {أَفَتَطْمَعُونَ} [البقرة: 75] ؛ لأنَّ همزة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، وهي معطوفة على ما قبلها من الجمل، والعاطف لا يتقدَّم عليه جزءٌ ممَّا عطف، لكن خُصَّتِ الهمزة بتقديمها على حرف العطف؛ تنبيهًا على أنَّها أصل أدوات الاستفهام؛ لأنَّ الاستفهام له صدرُ الكلام، فقال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} [البقرة: 75] ، {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا} [البقرة: 100] ، {أَثَمَّ إِذَا مَا وَقَعَ} [يونس: 51] ، وقال الزمخشريُّ: «بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوف عليها بالعاطف ما بعده، تقديره: أكفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا؟» [24] ، وكذلك يُقدَّرُ ببقيَّة [25] المُثُل ما يَحسُن فيها، وفيه من التكلُّف ومخالفة الأصول ما لا يخفى، كما نبَّه عليه ابن مالك [26] ) انتهى [27] .

قال الطِّيبيُّ: (أقول: لا يجوز فيما نحن فيه أن يُقدَّر تقديم حرف العطف على الهمزة؛ لأنَّ «أَوَمخرجيَّ هم» جوابٌ وَرَدَ على قوله: «إذ يخرجك» على سبيل الاستبعاد والتعجُّب، فكيف يستقيم العطف؟ ولأنَّ هذه إنشائيَّة وتلك خبريَّة، والحقُّ أنَّ الأصل: «أمخرجيَّ هم»، فأُريد مزيد استبعادٍ وتعجُّبٍ، فجيء بحرف العطف على مقدَّر تقديره: «أَمُعاديَّ هم ومخرجيَّ هم»، وأمَّا إنكار الحذف في مثل هذه المواضع؛ فمستبعدٌ [28] ؛ لأنَّ مثل [29] هذه الحذوف من جملة البلاغة [30] ، لا سيَّما حيث الأمارة [31] قائمة عليها، والدليل عليه ههنا: وجود العاطف، ولا يجوز العطف على المذكور، فيجب أن يُقدَّر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف؛ تقريرًا للاستبعاد) [32] انتهى.

وقال ابنُ الملقِّن: [/ص10/] (الثاني: «مخرجيَّ» خبرٌ مقدَّم، و«هم» مبتدأٌ، ولا يجوزُ العكسُ كما نبَّه عليه ابنُ مالكٍ [33] ؛ لأنَّ «مخرجيَّ» نكرةٌ؛ فإنَّ إضافتَه غيرُ محضةٍ؛ إذْ هو اسمُ فاعلٍ بمعنى الاستقبال، فلا يتعرَّف بالإضافة، وإذا ثبت كونُه نكرةً؛ لم يصحَّ جعلُه مبتدأً؛ لئلَّا يؤدِّيَ إلى الإخبارِ بالمعرفةِ عنِ النكرةِ مِنْ غيرِ مصحِّحٍ، ويجوزُ أن يكون «هم» فاعلًا سدَّ مسدَّ الخبر، و«مخرجيَّ» مبتدأً على لغةِ: «أكلوني البراغيثُ»، ولو رُوي: «مخرجي» بسكون الياء أو فتحها مخفَّفةً على أنَّه مفرد ـ وقد سلف جوازُه ـ لصحَّ جعلُه مبتدأً وما بعدَه فاعلًا سدَّ مسدَّ الخبر، كما تقول: «أوَمخرجي بنو [34] فلان؟»؛ لاعتماده على حرف الاستفهام؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: «أحيٌّ والداك؟» [35] ، والمنفصلُ من الضمائر يجري مَجرى الظاهر، ومنه قولُ الشاعر: [من البسيط]

~ أَمُنْجِزٌ أَنْتُمُ وَعْدًا [36] وَثِقْتُ بِهِ أَمِ اقْتَفَيْتُمْ جَمِيعًا نَهْجَ عُرْقُوبِ

ثمَّ ذَكَرَ جَزْم السُّهيليِّ بأنَّه خبرُ مبتدأٍ مقدَّم، قال: «ولو كان المبتدأ اسمًا ظاهرًا؛ لجاز تخفيف الياء، ويكون الاسم الظاهر فاعلًا، لا مبتدأً» [37] ) [38] .

(وَإِنْ يُدْرِكْنِي): مجزومٌ بـ (إن).

(أَنْ تُوُفِّيَ): بَدَلُ اشتمالٍ من (ورقة) ؛ أي: لم تلبث وفاته.

(وَهُوَ يُحَدِّثُ): جملةٌ حاليَّةٌ من ضمير (جابر) ؛ أي: قال جابر في حالة تحديثه عن فترة الوحي.

(بَيْنَا): أصلُه (بين)، فأُشبعتِ الفتحةُ، فصارتْ ألفًا، وهو من الظروف الزمانيَّة اللازمة للإضافة إلى الجملة الاسميَّة، والعامل فيه: الجواب إذا كان مجرَّدًا من كلمة المفاجأة، وإلَّا؛ فمعنى المفاجأة المتضمنة هي إيَّاها، ويحتاج إلى جواب يتمُّ به المعنى، وقيل: اقتضى جوابًا؛ لأنَّه ظرف متضمِّنٌ لمعنى المجازاة، والأفصح في جوابه أن يكون فيه (إذ) و (إذا) خلافًا للأصمعيِّ، والمعنى: أنَّ في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع [39] .

(جَالِسٌ): بالرفع على الخبريَّة، كذا الرواية في «البخاري»، وفي «مسلم» بالنصب على الحال [40] ، والخبرُ محذوفٌ؛ أي: حاضرٌ [41] .

({الْمُدَّثِّرُ}): العامَّةُ على تشديد الدال وكسر الثاء، وأصلُه: المتدثِّر، فأُدغم، وفي حرف أُبيّ: (المتدثِّر).

({قُمْ}): إمَّا أن يكون من القيام المعهود، وإمَّا مِن (قام) بمعنى الأخذ في القيام؛ كقوله: [من الطويل]

~ فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيفِهِ

وقولِ الآخر: [من الوافر]

~ عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ ..... ... ... ... ... ... ... .

في أحد القولين، والقول الآخر: [42] أنَّ (قام) مزيدةٌ، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظرٌ؛ لأنَّه حينئذٍ يصير من أخوات (عسى)، فلا بُدَّ له من خبرٍ يكون فعلًا مضارعًا مجرَّدًا من (أن).

({فَأَنْذِرْ}): مفعولُه محذوفٌ؛ أي: قومَك عذابَ الله، والأحسنُ ألَّا يقدَّر له مفعولٌ؛ أي: أَوقعِ الإنذار.

({وَرَبَّكَ}): مفعولٌ مقدَّمٌ، وكذا ما بعدَه؛ إيذانًا بالاختصاص عند مَن يرى ذلك، أو للاهتمام به.

والفاء في ({فَكَبِّرْ}) قال الزمخشريُّ: (دخلت لمعنى الشرط، كأنَّه قال: «وما كان؛ فلا تدع تكبيره») [43] .

وقال أبو حيَّان: (وهو قريب ممَّا قدَّره النُّحاة في قولك: «زيدًا فاضرب»، قالوا: تقديره: تنبَّهْ فاضربْ زيدًا، والفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إمَّا مضمَّن معنى الشرط، وإمَّا الشرط محذوفٌ، على الخلاف الذي فيه عند النُّحاة) [44] .

[1] في (أ): (إذا).
[2] في (أ): (الثالث) دون واو.
[3] في (ب): (هذه الفاء).
[4] في (ب): (قال).
[5] في (ب): (عندي).
[6] في (ب): (إلا قد).
[7] قوله: (تفخيمًا لخلق الإنسان) سقط من (ب).
[8] في (ب): (بالهمزة).
[9] في النسخ: (وقرأ)؟.
[10] يعني: بنصب (جذعًا).
[11] في (ب): (يكون).
[12] «مشارق الأنوار» (1/143) (جذع).
[13] كذا في النسختين تبعًا لمصدره.
[14] في هامش (ب): (نسخة: يصح)، وهي مثبتة في هامش (أ).
[15] «شواهد التوضيح» (ص49) (1).
[16] هم: ليس في (ب).
[17] أو: ليست في (ب).
[18] انظر «الحجة للقراء السبعة» (5/28-9).
[19] «الروض الأنف» (1/274).
[20] «شواهد التوضيح» (ص51) (1)، وفيه: (أومخرجوي)، ولم يذكر سقوط نون الجمع.
[21] «التوضيح» (2/293) (1).
[22] «شواهد التوضيح» (ص50) (1).
[23] في النسختين: (وأومخرجي)، وكذا في نسخ «التوضيح» لابن الملقن (2/294) كما أفاده محققه، والمثبت هو المناسب للسياق.
[24] «الكشاف» (1/132).
[25] في (ب): (بقية).
[26] «شواهد التوضيح» (ص50-1) (1).
[27] «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» لابن الملقن (2/294).
[28] رسمت في (ب) بالوجهين: المثبت و(فيستبعد).
[29] في (ب): (قبل)، وهو تحريف.
[30] في (ب): (البلاغية)، وهو تحريف.
[31] في (أ): (الإشارة).
[32] «الكاشف عن حقائق السنن» للطيبي (12/3722) (ح:5843).
[33] «شواهد التوضيح» (ص52) (1).
[34] في النسختين: (بنون)، ولا يستقيم.
[35] «صحيح البخاري» (3004).
[36] في النسختين: (وعد)، ولا يستقيم.
[37] «الروض الأنف» (1/274).
[38] « التوضيح» (2/295)، وانظر «ارتشاف الضرب» (4/1847).
[39] انظر «عمدة القاري» للعيني (1/67)، «شرح الرضي على الكافية» (3/198).
[40] «صحيح مسلم» (161) (255).
[41] في النسختين: (حاضرًا)، ولا يصح.
[42] زيد في (ب): (على).
[43] «الكشاف» (4/486).
[44] «البحر المحيط» (10/325).





3- 4- قوله: (عَنْ عُقَيْلٍ): هو بضمِّ العين وفتح القاف: ابن خالد بن عَقِيل؛ بفتح العين وكسر القاف، وليس في «صحيح البخاريِّ» بضمِّ العين غيرُه، وله في «مسلمٍ» أيضًا [1] ، ومثلُه: (بنو عُقَيل) القبيلةُ المعروفةُ، لهم ذكرٌ في حديث عِمرانَ بنِ حُصينٍ عند مسلمٍ، فذكر حديث العَضْباء، وأنَّها كانت لرجلٍ منْ بني عُقَيل [م (1641)] ، وفي «مسلمٍ» أيضًا: (يحيى بنُ عُقَيلٍ الخزاعيُّ البصريُّ) [م (553) و (720) و (1006) و (2650)] [2] ، والباقي في «الصحيحين»، و«الموطَّأ»: (عَقِيل) ؛ بفتح العين وكسر القاف، والله أعلم.

قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): هو العَلَمُ الفَرْدُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ مسلمِ بنِ عُبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ الزُّهريُّ، ترجمتُه معروفةٌ فلا نطوِّلُ بها، و [هو] مِن ساداتِ التابعين وصغارهم، وسأذكر في (كتاب الجنائز) مَنْ لقي مِنَ الصحابةِ [خ¦1347] ، وبهذا يُعرف أنَّ روايتَه عن غير [3] مَنْ ذكرت هناك من الصحابة مرسلةٌ؛ فإنَّه كثيرُ الإرسال [4] .

قوله: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ): هي بالهمز، وعوامُّ المحدِّثين يقرؤونه بالياء.

وقد حُكي: (عيشة) في لغةٍ فصيحةٍ ذَكَرَها أبو عُمر الزاهد في «شرح الفصيح» عن ثعلب، عنِ ابنِ الأعرابيِّ [5] ، وحكاها أيضًا عليُّ بن حمزة [6] .

ثمَّ اعلم أنَّ هذا الحديثَ في ابتداء الوحي مرسلُ صحابيٍّ؛ لأنَّها لم تُدرك ذلك الوقتَ، فتكونُ سمعتْه منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو مِن صحابيٍّ آخر، ومرسلُ الصحابيِّ حجَّةٌ عند الجمهور، خلافًا لأبي إسحاقَ الإسفراينيِّ [7] ، وطائفةٍ يسيرة.

قوله: (مِنَ الْوَحْيِ): في (مِن) قولان:

أحدهما: أنَّها لبيان الجنس.

ثانيهما: للتبعيض.

قال القزَّاز [8] بالأوَّل [9] ؛ كأنَّها قالت: من جنس الوحي، وليست الرؤيا من الوحي حتى تكون (من) للتبعيض، وردَّه القاضي عياض، وقال: (بل يجوز أن تكون للتبعيض؛ لأنَّها من الوحي؛ كما جاء في الحديث: «أنَّها جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ» [10] ) [11] .

قوله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي الْنَّوْمِ): وفي «مسلمٍ»: «الصادقةُ» [م (160)] ، وفي روايةِ مسلمٍ للمؤيَّد الطوسيِّ: «الصالحةُ»، وكذا رواه البخاريُّ في (كتاب التعبير): «الصادقةُ» [خ¦6982] ، وكذا في (سورة اقرأ) في (التفسير) [خ¦4953] [خ¦4956] ، و (الصادقة) و (الصالحة) [12] بمعنًى؛ وهي تباشير النُّبوَّة؛ لأنَّه لم يقع فيها ضِغْث.

قوله: (فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا): هي بغير تنوينٍ، على وزن (فُعْلى) ، وجمعُها: (رُؤًى) على وزنِ (رُعًى) ، قاله الجوهريُّ [13] .

قوله: (مِثْلَ فَلَقِ [14] ): (مثلَ): منصوبٌ على الحال؛ أي: جاءتِ الرؤيا مُشْبِهَةً فَلَق الصُّبح؛ أي: ضياءَه؛ إذا انفلقَ وانمازَ عن ظلام الليل، وذلك حين يتَّضحُ فلا يُشَكُّ فيه، و (فَلَق الصبح) و (فَرَقه) ؛ بفتح أوَّلهما وثانيهما: ضياؤُه، وإنَّما يُقال هذا في الواضح البيِّن.

تنبيهٌ: قال القاضي عياض، وغيرُه من العلماء: (إنَّما ابتُدِئَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرؤيا؛ لئلَّا يَفْجَأَه الملَكُ، ويأتيه صريحُ النُّبُوَّة بغتةً، فلا تحتمله قُوى البشريَّة، فبُدِئَ بأوائلِ خِصال النُّبُوَّة وتباشيرِ الكرامة من صدق الرؤيا، وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحَجَر والشجر [15] عليه بالنُّبُوَّة) انتهى [16]

قوله: (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ): هو بالمدِّ؛ أي: الخلوة، وهي شأن الصالحين.

قوله: (بِغَارِ): هو الكهف في الجبل.

قوله: (حِرَاءٍ): هو يُمدُّ ويُقْصَر، ويؤنَّث ويُذَكَّر، ويُصْرَف ولا يُصْرَف؛ وهو جبلٌ على ثلاثة أميالٍ من مكَّة، قال الخطَّابيُّ: (أهلُ الحديث يُخطئون فيه في ثلاثة مواضع: يفتحون حاءَه [وهي مكسورةٌ] ، ويكسرون الراء [17] وهي مفتوحةٌ، ويقصرونه وهو ممدودٌ) [18] ، وقوله: (على ثلاثة أميالٍ من مكَّة) يعني: عن يسار الذاهب إلى مِنًى.

قوله: (فَيَتَحَنَّثُ فيه -وَهو التَّعَبُّدُ-): هذا تفسير (التحنُّث) ، قال شيخنا الشَّارح: (يَحتمل أن يكون هذا التفسير من عائشة، وأن يكون ممَّن دونها) انتهى [19]

والذي ظهر لي: أنَّ الذي ينبغي أن يقال: إنَّه يَحتمل أن يكون هذا التفسير من عائشة، أو من عروة الراوي عنها، أو من ابن شهاب وهو الزُّهريُّ، ولا يكون ممَّن دون هؤلاء؛ وذلك لأنَّ مداره على الزُّهريِّ فيما أعلم، وأصحابُ الزُّهريِّ غالبُهم رواه عنه كذلك، وبعضهم اختصر الحديث، فلم يقل منه إلَّا قطعةً يسيرة، والله أعلم.

معناه: يطرح الإثم عن نفسه بفعلِ ما يُخرِجُه عنه مِنَ البِرِّ.

وهو بحاءٍ مهملة، ثمَّ نونٍ مشدَّدة، ثمَّ مثلَّثة.

وعنِ ابن هشام: (التحنُّث: التحنُّف، يُبدلون الفاء من الثاء، يريدون الحنيفيَّة) [20] .

وقال أبو أحمدَ العسكريُّ: (رواه بعضهم: «تتحنَّف» [21] ؛ بالفاء، ثمَّ نقل عن بعض أهل العلم [22] أنَّه قال: سألت أبا عَمرو الشيبانيَّ عن ذلك، فقال: لا أعرف «تتحنَّث»، إنَّما هو «تتحنَّف» من «الحنيفيَّة»؛ أي: تتبع دين إبراهيم عليه السلام) [23] .

قال الدِّمياطيُّ ما لفظه: (ثلاثةُ أفعالٍ مخالفةٌ لسائر الأفعال: «تحنَّث»، و«تحوَّب»، و«تأثَّم»؛ ألقى الحِنْثَ والحُوبةَ والإثمَ [24] عن نفسه، وغيرها يكون بمعنى: تكسَّب، قاله ابن بطَّال [25] ، وزاد غيرُه: «تحرَّج») انتهى.

قال شيخنا الشَّارح: (والحاصل من ذلك ثمانيةُ ألفاظ: تحنَّث، وتأثَّم، وتحرَّج، وتحوَّب، وتهجَّد [26] ، وتنجَّس، وتقذَّر، وتحنَّف) انتهى [27] ، قاله شيخنا الشَّارح، ورأيتُ أنا في كتاب «الأضداد» للإمام الصَّغانيِّ [28] : (تحنَّث؛ إذا أتى الحِنْثَ، وإذا تجنَّبَه) انتهى [29]

قوله: (اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ): هو متعلِّقٌ بـ (يتحنَّث) ؛ أي: يتحنَّث الليالي، لا بالتعبُّد؛ لأنَّه يَفسُدُ المعنى حينئذٍ؛ فإنَّ التحنُّث لا يُشترَط فيه الليالي، بل يُطلق على القليل والكثير.

وأوضح من هذه العبارة: أنَّ التحنُّثَ هو التعبُّدُ مطلقًا، فإذا جعلتَه [30] متعلِّقًا بالليالي؛ بقي [31] أنَّ التحنُّثَ التعبُّدُ بالليالي [32] ، وليس كذلك، بلِ التحنُّثُ التعبُّدُ المطلق لا المقيَّد، والله أعلم [33] .

و (الليالي): منصوبٌ على الظرف، و (ذواتِ) ؛ بكسر التاء علامةُ النصب.

[وهذا التفسيرُ [34] اعتراضٌ بين كلام عائشة رضي الله عنها، وإنَّما كلامها: «فيتحنَّث فيه اللياليَ ذواتِ العدد»] [35] .

قوله: (قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إلى أَهْلِهِ): هو بكسر الزاي، وبالعين المهملة؛ أي: يَرْجِعَ، يقال: (نزع إلى أهله) ؛ إذا حنَّ إليهم، فرجع [إليهم، و«نزعوا إليه»؛ حنُّوا إليه] [36] . [/ج1ص9/] قوله: (فَجَاءَهُ الْمَلَكُ): هو جبريل عليه السلام، وهذا معروف.

قوله: (مَا أَنَا بِقَارِئٍ): قال ابن قُرقُول: (أي: لستُ بقارئ؛ لأنَّه أُمِّيٌّ لا يَقرأ الكتب ولا يكتب، وقيل: «ما» استفهاميَّة، والأوَّلُ أصوبُ؛ لأنَّ الباء تمنع من كونها استفهامًا) [37] ، وكذا قاله القاضي عياض [38] .

قوله: (فَغَطَّنِي): هو بغينٍ معجمة مفتوحة، ثمَّ طاء مشدَّدة مفتوحة مهملة؛ أي: عصرني، وضمَّني.

قال ابن قُرقُول: (أي: غمَّني، ونحوه: «غتَّني»؛ وهو حبس النَفَس مرَّة، وإمساك اليد أو الثوب على الفم والأنف والحلق، يقال في ذلك: غتَّه يغُتُّه، ويقال بالطاء في الخنق وتغييب الرأس في الماء) انتهى.

وقال الدِّمياطيُّ: («غمَّني وخنقني»، وإنَّما فعل ذلك؛ ليبلوَ صبره، ويُحسِن تأديبَهُ، فيرتاض، ويَحتمل ما كُلِّفه من أعباء النُّبُوَّة) انتهى.

وكأنَّ في [39] ذلك إظهارًا للشدَّة والجِدِّ في الأمر، وأن يأخذ الكتاب بقوَّة، ويترك الأناة؛ فإنَّه [40] أمر ليس بالهُوينى.

والحكمة في فعل ذلك ثلاثًا: إشارة إلى أنَّك تُبتلى بثلاثِ شدائدَ، ثمَّ يأتي الفرج والرَّوح، وكذلك كان؛ لقي عليه الصَّلاة والسَّلام هو وأصحابُه شِدَّةً من الجوع في الشِّعْب حين تعاقدت قريش عليهم، وشِدَّةً أُخرى من الخوف والإيعادِ بالقتل، وشِدَّةً أُخرى من الإجلاء عن أحبِّ الأوطان إليهم، ثمَّ [41] كانت العاقبة للمتَّقين، قاله السُّهيليُّ بمعناه [42] .

قوله: (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجهْد): يجوزُ في الجيم ضمُّها وفتحُها، ونصبُ الدال وضمُّها.

ذَكَرَ فتحَ الدال وضمَّها النوويُّ عن صاحب «التحرير» وغيرِه [43] ؛ ومعناه: الغاية والمشقَّة، فعلى الرفع معناه: بلغ منِّي الجهدُ مبلغَهُ، فحذف (مبلغه) ، وهو المفعول، وعلى النصب معناه: بلغ الملَك منِّي الجهدَ.

قوله: ({اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ): قال الدِّمياطيُّ: (فيه دليلٌ على ترك التسمية، وأنَّها ليست من كلِّ سورة، وهذه أوَّلُ سورةٍ نزلت، وليس ذلك فيها) انتهى.

وقال النوويُّ: (استدلَّ بهذا الحديث بعضُ من يقول: إنَّ «بسم الله الرحمن الرحيم» ليست بقرآن في أوائل السور؛ لكونها لم تُذكَر هنا، وجواب المثبتين لها: أنَّها [44] لم تنزل أوَّلًا، بل نزلت البسملة في وقت آخر؛ كما نزل باقي السورة في وقت آخر) [45] .

فائدة: في قوله: ({اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}) دليلٌ للجمهور سلفًا وخلفًا -وهو الصواب- أنَّه أوَّل ما نزل من القرآن.

وقول مَن قال: إنَّ أوَّل ما نزل: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ؛ فيما يتعلَّق بالإنذار، [أو بعد قوله: {اقْرأْ} إلى قوله: {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5] ؛ عملًا بالرواية الآتية: «فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] » [46] ، أو على أنَّ أوَّل ما نزل بعد فترة الوحي، كما هو ظاهر إيراده] [47] .

قال النوويُّ في أنَّ (المدَّثِّر) أوَّلُ ما نزل: (ليس بشيءٍ) انتهى [48]

وأبعدَ مَن قال: إنَّ أوَّل ما نزل الفاتحةُ، بل هو شاذٌّ، قال النوويُّ: (وبُطلانه أظهرُ من أن يُذكَر) [49] .

غريبة: نقل شيخنا الشَّارح في (تفسير المدَّثِّر) عن عطاء بن أبي مسلم: (أنَّ {يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ} [المزمل: 1] نزلت قبل {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ) انتهى [50]

وفي كلام أبي القاسم الحسن بن محمَّد بن حبيب في كتاب «التنزيل»: (قال قتادة: «سورة المزمل» مدنيَّة، وقال الباقون: مكِّيَّة) [51] ، وهذا الرجل قيل: إنَّ الحاكم تكلَّم فيه [52] .

وذكر أيضًا شيخنا في أوَّل (فضائل القرآن): (أنَّ مجاهدًا زاد {ن وَالْقَلَمِ} [القلم: 1] ) [53] .

فبقي في المسألة خمسة أقوال: {اِقْرَأْ...} إلى: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5] ، أو (المدَّثِّر) ، أو (المزَّمِّل) ، أو (ن) ، أو (الفاتحة) .

فائدة ثانية: أوَّلُ سورة نزلت بالمدينة: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1] ، كما نقله [54] شيخنا في (تفسيرها) [55] .

ثالثة: آخر ما نزل من السُّور (براءة) ، وسيأتي في ذلك تعقُّبٌ للداوديِّ في (سورة براءة) إن شاء الله تعالى [خ¦4654] .

ونقل النَّحَّاس عنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] .

ونقل شيخنا: (أنَّها آخر سورة نزلت، فيما حكاه ابن النقيب عنِ ابن عبَّاس) انتهى [56]

وهذا في «صحيح مسلم» عنِ ابن عبَّاس [م (3024)] .

رابعة: آخر ما نزل من الآيات: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} [البقرة: 281] .

نقل شيخنا الشَّارح في رواية أبي صالح عنِ ابن عبَّاس: (أنَّها نزلت بمكَّة، وتوفِّيَ بعدَها بأَحَدٍ وثمانين يومًا، زاد ابن المُنْكَدِر [57] : هذا مستبعدٌ؛ لما فيه من انقطاع الوحي هذه المدَّةَ.

وقيل: نزلت يوم النَّحْر بمِنًى في حجَّة الوداع.

ورَوى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جُبير، عنِ ابن عبَّاس: عاش بعدَها تسع ليالٍ [58] ، وعند مقاتل: سبع [59] ، وحَكى غيرُه: ثلاث ليال، وقيل: ثلاث ساعات، ذكرهما القرطبيُّ [60] ، وقيل: إنَّه عاش بعدَها أحدًا وعشرين يومًا) انتهى [61]

وقال ابن عبد السلام: (نزلت آية «الكلالة»، فعاش بعدَها خمسين يومًا، ثمَّ نزل: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} [البقرة: 281] ، فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا، وقيل: سبعة) انتهى [62]

وقيل: آخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ} إلى آخر الآية [النساء: 176] .

وقيل: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} إلى آخر الآيتين [التوبة: 128-129] .

وقيل: آية الرِّبا، وسيأتي ذلك عنِ ابن عبَّاس في آخر (سورة البقرة) في (التفسير) [خ¦4544] .

ونقل شيخنا الشَّارح في (كتاب الإيمان) عن أنس: (أنَّ آخرَ آية نزلت: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] ) [63] .

ونقل أيضًا في أوَّل (فضائل القرآن): (أنَّ آية الدين) [64] .

فتَحرَّر في آخر آية نزلت ستَّةُ أقوال، والله أعلم.

قوله: (زَمِّلُونِي): أي: غطُّوني بالثياب، وائتوني بها.

قوله: (الرَّوْعُ) ؛ هو بفتح الراء، وإسكان الواو، وبالعين المهملتين: الفزعُ.

قوله: (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي): ليس معناه الشَّكَّ في أنَّ ما أتاه من الله تعالى، لكنَّه خشيَ ألَّا يَقْوَى على مقاومة هذا الأمر، ولا يُطيق حَمْلَ أعباء الوحي، فتزهقَ نفسُه، وينخلعَ قلبُه؛ لشدَّة ما لَقِيَه أوَّلًا عند لقاء الملَك، وقيل غير ذلك، وقد ذكر القاضي عياض فيه احتمالين -هذا أوَّلهما- في «الشفا»، وفي «شرح مسلم» [65] ، قال الشيخ النوويُّ: (والاحتمال الثاني ضعيف) انتهى [66] ، فلهذا حذفتُه أنا، والله أعلم. [/ج1ص10/]

قوله: (مَا يُخْزِيكَ اللهُ) ؛ هو بضمِّ الياء، وبالخاء المعجمة [67] ؛ من (الخِزْي) ؛ وهو الفضيحة والهَوان، ورواه مسلم كما رواه البخاريُّ [م (160) (252) ، و (160) (254)] ، ورواه أيضًا: (يحزنك) ؛ بالحاء المهملة وبالنون؛ من (الحزن) [م (160) (253)] ، ويجوز على هذا فتحُ الياء وضمُّها، يقال: (حَزنه) و (أحزنه) لغتان فصيحتان، قُرئ بهما في السبع [68] .

قال ابن قُرقُول -في الحاء والزاي: (لا يحزنك الله أبدًا) -: (كذا رواه مَعْمر عنِ الزُّهريِّ، ورواه عنه عُقيل، ويونس: «يخزيك» من «الخِزْي»، وهو أصوب) انتهى [69]

وهذا هنا من [70] رواية عُقَيل عنِ الزُّهريِّ.

قوله: (وَتَحْمِلُ الْكَلَّ): هو بفتح الكاف، وتشديد اللَّام؛ أصله: الشيء الثقيل، ويدخل فيه الإنفاق على الضعيف، واليتيم، والعيال، وغير ذلك، من (الكلال) ؛ وهو الإعياء، وعنِ الداوديِّ: (الكَلَّ): المنقطع.

قوله: (وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ): قال ابن قُرقُول: بفتح التاء أكثرُ الرواية فيه وأصحُّها؛ ومعناه: تَكْسِبُه لنفسك، وقيل: تَكْسِبُه غيرَك وتعطيه إيَّاه، يقال: (كَسَبْتُ مالًا، وكَسَبْتُه غيري) لازمٌ ومتعدٍّ.

وأنكر الفرَّاء [71] ، وغيرُه: (أكسب) في المتعدِّي، وصَوَّبَه ابنُ الأعرابيِّ [72] ، وأنشد: [من الطويل]

(فَأَكْسَبَنِي مَالًا وَأَكْسَبْتُهُ حَمْدًا) [73]

وقد ذكر فيه القاضي والنوويُّ كلامًا طويلًا [74] ، وما قاله ابن قُرقُول ملخَّصٌ، والله أعلم.

قوله: (وَتَقْرِي الضَّيْفَ): هو بفتح أوَّله، تقول: (قَريتُ الضيفَ أَقْرِيهِ قِرًى) ؛ بكسر القاف، والقصر، و (قَراء) ؛ بالفتح والمدِّ: أحسنت إليه.

قوله: (وَتُعِينُ على نَوَائِبِ الْحَقِّ): أي: تُعين بما تقدر عليه، مَنْ أصابته نوائب حقٍّ؛ أعنته فيها، و (النوائب): جمع (نائبة) ؛ وهي الحادثة والنازلة.

قوله: (وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى): وزاد في (التعبير): (ابْنِ قُصَيٍّ) [75] ، يجتمع ورقةُ معه عليه الصَّلاة والسَّلام في قُصَيِّ بنِ كِلاب، وكذا خديجةُ رضي الله عنها، وباقي نسبهما معروف.

ثمَّ اعلم أنَّ ترجمةَ ورقةَ طويلةٌ، منها:

أنَّه لا عقب له.

وقد روى الحاكم في «مستدركه» من حديث عائشة رضي الله عنها: «لا تسبُّوا ورقةَ؛ فإنِّي رأيتُ له جنَّةً أوجنَّتين» [76] ، وكذا أخرجه البزَّار [77] .

وفي كتاب الزُّبير من حديث عبد الله بن معاذ، عنِ الزُّهريِّ، عن عروة قال: سُئِلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ورقةَ -كما [78] بلغنا- فقال: «لقد رأيتُه في المنام وعليه ثيابٌ بيضٌ، فقد أظنُّ أنَّه لو كان من أهل النار؛ لم أَرَ عليه البياض» [79] .

ورواه الترمذيُّ في (كتاب الرؤيا) من «جامعه» من حديث عثمان بن عبد الرحمن، عنِ الزُّهريِّ، عن عروة، عن عائشةَ رضي الله عنها مرفوعًا بنحوه، ثمَّ قال: (حديث غريب، وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقويِّ) [80] ، قال السُّهيليُّ: (في إسناده ضعفٌ؛ لأنَّه يدور على عثمان) انتهى [81]

وذكره الحاكم في «المستدرك» في (الرؤيا) ، وقال: صحيح، وتعقَّبه الذهبيُّ بالوقَّاصيِّ؛ وهو عثمان المذكور، انتهى [82] ، لكن يقوِّيه [83] قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «رأيتُ القَسَّ -يعني: ورقةَ- وعليه ثيابُ حريرٍ؛ لأنَّه أوَّلُ مَنْ آمن بي، وصدَّقَني»، وذكره ابن إسحاق عن أبي ميسرة عَمرو بن شُرحبيل [84] .

وقال المَرْزُبانيُّ [85] : كان ورقةُ من علماء قريش وشعرائهم، وكان يُدعى: القَسَّ، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «رأيتُه وعليه حُلَّةٌ خضراءُ يَرفُلُ في الجَنَّة»، وكان يذكر الله في شِعره، ويسبِّحه.

وقد ذكر شيخنا حافظ العصر العراقيُّ فيما قرأتُه عليه ما [86] لفظه: (وينبغي أن يقال: إنَّ أوَّل مَنْ آمن من الرجال ورقةُ بن نوفل؛ لما ثبت في «الصحيحين» من حديث عائشةَ رضي الله عنها في قِصَّة بَدْء الوحي... إلى أن قال: ففي هذا: أنَّ [87] الوحي تتابع في حياة ورقةَ، وأنَّه آمن به وصدَّقه.

وقد روى أبو يَعْلى المَوصليُّ، وأبو بكرٍ البزَّار في «مسنديهما» من رواية مُجالِد، عنِ الشَّعْبيِّ، عن جابر بن عبد الله: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام سُئِلَ عن ورقةَ بن نوفل، فقال: «أبصرتُه في بطنان الجَنَّة عليه سُنْدُسٌ» لفظ أبي يعلى [88] ، قال البزَّار: «عليه حُلَّةٌ مِن سُنْدُسٍ» [89] ، وروى البزَّار أيضًا...؛ فذكر حديث عائشةَ رضي الله عنها الذي ذكرتُه [90] ، ثمَّ قال: صحيحٌ، رجالُه كلُّهم ثِقات، وقد ذَكَرَ ورقةَ في الصحابة أبو عبد الله بنُ مَنْدَه، وقد اختُلف في إسلامه) انتهى [91]

وقال شيخُنا المشار إليه في «سيرته» النظم [92] :

~فَهْوَ الَّذي آمَنَ بَعْدُ ثَانِيَا وَكان بَرًّا صَادِقًا مُوَاتِيَا

~وَالصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ إِنَّهْ رَأَى لَهُ تَخَضْخُضًا [93] في الْجَنَّةْ

وقوله: (ثانيًا) أي: بعد خديجة، وقد نقل الذهبيُّ في «تجريده» كلام ابن مَنْدَه كما ذكرتُه، ثمَّ قال: (والأظهر: أنَّه مات قبلَ الرسالة وبعدَ النُّبُوَّة) [94] .

قوله: (ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ): (ابنَ) [95] : منصوبٌ تابعٌ لـ(ورقةَ) ؛ لأنَّه ورقةُ بن نوفل بن أسد، وخديجةُ بنتُ خويلد بن أسد، فيُكتبُ بالألف؛ لأنَّه بَدَلٌ مِن (ورقةَ) ، ولا يجوزُ جرُّه؛ لأنَّه يصير صفةً لـ(عبد العُزَّى) ، فيكونُ (عبد العُزَّى) ابنَ عمِّها، وهو باطلٌ.

قوله: (وَكان امْرَأً تَنَصَّرَ في الْجَاهِلِيَّةِ): اعلم أنَّ ورقةَ ذكره [96] أبو عُمر [97] بن عبد البَرِّ في ترجمة زيد بن عَمرو بن نُفيل: (أنَّ ورقةَ كان تهوَّدَ قبل أن يتنصَّر، ثمَّ تنصَّر، وأنَّ زيدًا كان أَبَى ذلك؛ يعني: التهوُّد والتنصُّر) ، والله أعلم [98] ، وقوله: (تَنَصَّرَ) أي: ترك في الجاهليَّة عبادة الأوثان، وقيل فيه بالموحَّدة من (البصيرة) .

قوله: (في الْجَاهِلِيَّةِ): هي ما قبلَ الإسلام، سُمُّوا بذلك؛ لكثرةِ جهالاتهم، وفي «المطالع» ذَكَرَ الجاهليَّة، ثمَّ [99] قال: (كلُّ ذلك كِناية عمَّا كانت عليه العرب قبل الإسلام وبَعْثِ الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام؛ مِنَ الجهل بالله ورسوله [100] ، وبشرائع الدين، والتمسُّكِ بعبادة غير [101] الله عزَّ وجلَّ) انتهى، وكذا قاله غيره، وهذا يؤخذ أيضًا من عمل البخاريِّ؛ فإنَّه ذَكر أيَّامَ الجاهليَّة قبلَ المَبْعَث [102] ، ولم يَذكر بينهما بابًا غيرَ بابٍ يتعلَّقُ بالجاهليَّة؛ وهو (القسامة في الجاهليَّة) [103] .

وقال النوويُّ [104] : («وهذا أبو عثمان النَّهْدِيُّ، وأبو رافع الصائغ، وهما ممَّن أدرك الجاهليَّة»: إنَّ معناه: كانا رجلين قبلَ بعثة النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: والجاهليَّة ما قبلَ بعثة النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، سُمُّوا بذلك؛ لكثرة جهالاتهم) [105] .

وقد نازعه شيخنا الحافظ العراقيُّ في ذلك [/ج1ص11/] فيما قرأتُه عليه، فقال: (وفيما قاله نظرٌ، والظاهرُ: أنَّ المراد بإدراك الجاهليَّة: إدراكُ قومه أو غيرهم على الكفر قبل فتح مكَّة؛ فإنَّ العرب بادروا إلى الإسلام بعد فتح مكَّة، وزال أمر الجاهليَّة، وخطب عليه الصَّلاة والسَّلام في الفتح بإبطال أمور الجاهليَّة إلَّا ما كان من سقاية الحاجِّ وسدانة الكعبة.

وقد ذكر مسلمٌ في المخضرمين: يُسَير بن عَمرو، وإنَّما وُلِدَ بعد زمن الهجرة، وكان له عند موت النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دون العشر سنين، فأدرك بعض زمن الجاهليَّة في قومه) انتهى [106]

وممَّا يدُلُّ لما قاله شيخنا: حديثُ ابن عبَّاس الذي أخرجه البخاريُّ منفردًا به: (سمعت أبي يقول في الجاهليَّة: اسقنا كأسًا دِهاقًا) [107] ، فهذا ابنُ عبَّاس أطلق الجاهليَّة على زمانٍ بعد المبعث بلا خلاف، ومَنْ عرف مولد ابنِ عبَّاس؛ عرف ذلك، والله أعلم.

قوله: (بِالْعِبْرَانِيَّةِ): قال ابن قُرقُول: كذا وقع في (بدء الوحي) ، وصوابُه: (بالعربيَّة) ، كما تكرَّر [108] في غيرِ موضعٍ في (كتاب التعبير) [خ (6982)] ، و (التفسير) [خ (4953)] ، وكما [109] وقع في «مسلمٍ» [م (160) (252)] ، وفي [110] (الأنبياء) [خ¦3392] : (وكان يقرأ الإنجيلَ بالعربيَّة) ، كذا للكافَّة، وعند ابن السكن: (بالعبرانيَّة) .

وقال الداوديُّ: ومعنى قوله: (وكان يكتب من الإنجيل بالعبرانيَّة) أي: الذي يقرأ بالعبرانيَّة ينقله بالعربيَّة، انتهى.

وقال النوويُّ: (كلاهما صحيح، وحاصلهما: أنَّه تمكَّن من معرفة دين النصارى بحيث صار يتصرَّف في الإنجيل، فيكتب أيَّ موضعٍ شاء منه بالعبرانيَّة إن شاء، وبالعربيَّة إن شاء، والله أعلم) [111] .

قوله: (قَدْ عَمِيَ): اعلم أنَّ العميان من الأنبياء: إسحاقُ، ويعقوبُ، وشعيبٌ، وفي عدِّ يعقوبَ نظرٌ؛ لأنَّه أبصر آخرًا.

ومن الأشراف: عبد المطَّلب بن هاشم، وأُمَيَّة بن عبد شمس، وزَهْرة بن كِلاب، ومُطْعِم بن عَدِيٍّ.

ومِنَ الصحابة سواء كان أعمى في عهده، أو حدث له بعد وفاته عليه الصَّلاة والسَّلام: البراءُ بن عازِب، وجابر بن عبد الله، وحسَّان بن ثابت، والحكم بن أبي العاص، وسعد بن أبي وقَّاص، وسعيد بن يربوع، وصخر بن حرب أبو سفيان، والعبَّاس بن عبد المطَّلب، وعبد الله بن الأرقم [112] ، وعبد الله بن عُمر، وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عُمير، وعبد الله بن أبي أوفى، وعِتْبان بن مالك، وعُتبة بن مسعود الهُذليُّ، وعثمان بن عامر أبو قُحافة، وعَقِيل بن أبي طالب، وعَمرو ابن أمِّ مكتوم المؤذِّن، وقَتادة بن النُّعمان، هذا على ما جاء في حديث: أنَّ عينيه أُصيبتا، وهذا قد لا يُعَدُّ؛ لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام رَدَّهما [113] ، ومثله: حبيب بن فُديك أبو فُديك -ويقال: حبيب بن فويك، والأوَّل أصحُّ- أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام دعا له وهو أعمى مبيضَّةٌ عيناه، فأبصر، وكان يُدخل الخيط في الإبرة، مختلفٌ في حديثه، وسبب ما جرى لعينيه [114] قاله له عليه الصلاة السلام: كنتُ أُمَرِّنُ جملًا لي، فوقعتُ على بيضِ حيَّةٍ، فأُصيب بصري، فنفث رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في عينيه، فأبصر [115] .

وكعبُ بن مالك، ومالكُ بن [116] ربيعة أبو أُسيد الساعديُّ، ومَخْرمة بن نوفل، وورقة على القول بأنَّه صحابيٌّ، وهو الظاهر.

تنبيه: وأمَّا حديث عثمان بن حُنيف الأنصاريِّ -وهو أخو سهل بن حُنيف- الذي في «سنن الترمذيِّ»، و«عمل اليوم والليلة» للنَّسائيِّ، و«سنن ابن ماجه»: (أنَّ رجلًا ضريرَ البصر أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ادْعُ اللهَ أن يعافيَني...) ؛ الحديث [117] ؛ يحتملُ أن يكون قد ذُكِر فيمَن تقدَّم، ويحتمل أَنْ لا، والله أعلم.

ونقل [118] القرطبيُّ في «تفسيره»: أنَّ عبد الله بن زيد رائي الأذان عَمِيَ بعد النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [119] ، وسأذكر سبب ذلك في أوَّل (باب بَدْء الأذان) [120] إن شاء الله تعالى [خ¦10/] .

فهؤلاء من الصحابة ثلاثة وعشرون، أو خمسة وعشرون.

ومن التابعين: عطاء بن أبي رَباح، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وقَتادة بن دِعامة، وأبو عبد الرحمن السُّلَميُّ، وأبو هلال الراسبيُّ.

قوله: (ابْنَ عَمِّ): كذا هنا، وفي «مسلم»: (أَيْ عَمِّ) [م (160) (252)] ، وفيه: (ابنَ عَمِّ) أيضًا [م (160) (253) و (160) (254)] ، والأوَّل صحيحٌ؛ لأنَّه ابنُ عمِّها، والثاني صحيحٌ أيضًا، قالته تعظيمًا له؛ لسِنِّه ولعِلْمه.

وقال ابن قُرقُول: («أَيْ عَمِّ»، كذا لمسلمٍ، وفي «البخاريِّ»: «يَا بْنَ عَمِّ»، قال بعضُهم: وهو الصواب، ولا يَبْعُدُ أن تدعوَه بعمِّها؛ لسِنِّه وجلالة قَدْره وإن كان ابنَ عمِّها) .

قوله: (هذا النَّامُوسُ) يعني: جبريل عليه السلام، و (الناموس): صاحب سِرِّ الخير.

قوله: (على مُوسَى) إن قيل: لِمَ لم يقل: عيسى؛ لقُرْبه منه؟!

والجواب: أنَّه جاء في غير«الصحيح»: (نزَّل الله على عيسى) [121] ، وكلاهما صحيح.

وعن الزبير بن بَكَّار أنَّه رواه فقال: (ناموس عيسى ابن مريم) [122] .

أمَّا عيسى؛ فلقُرْب زمنه منه، وأمَّا موسى؛ فأبدى له السُّهيليُّ معنًى آخرَ؛ وهو: (أنَّ ورقةَ قد تنصَّر، والنصارى لا يقولون في عيسى: إنَّه نبيٌّ يأتيه جبريلُ، وإنَّما يقولون: إنَّ أُقْنُومًا مِنَ الأَقانِيم الثلاثة حَلَّ بناسوتِ المسيح، على الاختلاف بينهم في ذلك الحلول، وهو أُقْنُوم الكلمة، والكلمة عندهم عبارةٌ عنِ العلم، فلذلك كان المسيح في زعمهم يعلم الغيب، ويُخبر بما في الغد في زعمهم الكاذب.

فلمَّا كان هذا مذهبَ النصارى؛ عَدَلَ عن ذِكْر عيسى إلى ذِكْر موسى؛ لعلمه ولاعتقاده أنَّ جبريل كان ينزل على موسى، ثمَّ قال: لكنَّ ورقة قد ثبت إيمانُه بمحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ، ثمَّ ساق حديث الترمذيِّ السالف [123] ، انتهى [124]

و (الأُقْنُوم) في كلامه: الأصل، قال في «الصحاح»: (وأحسبها رُومِيَّة) [125] .

قوله: (فيهَا جَذَعًا): الضمير في (فيها) يعود على [126] أيَّام النُّبُوَّة ومدَّتِها.

قوله: (جَذَعًا): هو بالذال المعجمة المفتوحة، وفتح [127] الجيم، ويأتي ما هو.

قال ابن قُرقُول: (كذا لأكثرهم -يعني: بالنصب- وللأصيليِّ، وابن ماهان: «جَذَعٌ» خبر «ليت»، والنصبُ على الحال، والخبرُ مضمرٌ؛ أي: فأَنْصُرُه وأُعِينُه.

وقيل: معناه: يا ليتني أُدرك أَمرَك، فأكون أوَّلَ مَنْ يقوم بنَصْرك؛ كالجَذَع الذي هو أوَّلُ أسنان البهائم.

والقول الأوَّل أبينُ؛ أي: شابًّا قويًّا؛ كالجَذَع من الدوابِّ، حتى أُبالغ في نصرك) [128] .

وقال شيخنا الشَّارح: واختلفوا في وجه النصب على ثلاثة أوجه:

أحدها: نصبه على أنَّه خبر «كان» المقدَّرة؛ تقديره: يا ليتني أكون جَذَعًا، قاله الخطَّابيُّ، والمازريُّ، وابن الجوزيِّ في «مشكله» [129] ، وهو يجيء على مذهب الكوفيِّين، كما قالوا في قوله تعالى: {انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ} [النساء: 171] ؛ أي: يكن الانتهاء خيرًا لكم.

ومذهب البصريِّين: أنَّ {خَيْرًا} في الآية منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يدُلُّ عليه {انتَهُوا}؛ تقديره: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم.

وقال الفرَّاء: «انتهوا انتهاءً خيرًا لكم [130] ».

وضُعِّفَ هذا الوجه بأنَّ «كان» الناصبة لا تُضمر إلَّا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها؛ كقولهم: «إنْ خيرًا؛ فخير».

ثانيها: نصبه على الحال، وخبر «ليت» قوله: «فيها»؛ والتقدير: ليتني كائن فيها -أي: في مدَّة الحياة- في هذا الحال شبيبةً وصِحَّةً وقُوَّةً لنُصرتك؛ إذ كان قد أسنَّ وعَمِيَ عند هذا القول، ورجَّح هذا القاضي عياض، وقال: إنَّه الظاهر [131] ، وقال النوويُّ: «إنَّه الصحيح الذي اختاره المحقِّقون» [132] .

ثالثها: أن [133] تكون «ليت» عملت عمل «تمنَّيت»، فنصبتِ الاسمين، كما قال الكوفيُّون، وأنشدوا: [من الرجز]

«يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا» [134]

انتهى [135] .

قوله: (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ): استعمل فيه (إذ) في المستقبل كـ(إذا) ، وهو استعمالٌ صحيح، ومثله قوله تعالى: {إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ} [مريم: 39] ، و{إِذِ القُلُوبُ} [غافر: 18] ، [/ج1ص12/] وقوله: {إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [غافر: 71] ، وقدِ استُعمل كلٌّ منهما في موضع الأخرى، ومن الثاني [136] : قوله تعالى: {إِذَا ضَرَبُوا في الْأَرْضِ} [آل عمرن: 156] ، {وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً} [الجمعة: 11] ، و{إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92] .

قوله: (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟): هو بفتح الواو على الاستفهام.

و (أو) إذا جاءت للتقرير، أو التوبيخ، أو الردِّ، أو الإنكار، أو الاستفهام؛ كانت الواو مفتوحةً، وإذا جاءتْ للشَّكِّ، أو التقسيم [137] ، أو الإبهام، أو التسوية، أو التخيير، أو بمعنى (الواو) على رأي بعضهم، أو بمعنى (بل) ، أو بمعنى (حتَّى) ، أو بمعنى (إلى) ، وكيف ما كانت عاطفة؛ فهي ساكنةُ الواو.

والياء في (مُخرِجيَّ) مشدَّدة، وهو جمع: (مُخرِج) ، ويجوزُ تخفيفها، والصحيح: التشديد، وبه جاءت الرواية.

وقال السُّهيليُّ: (لا بُدَّ من تشديد الياء في «مُخرِجيَّ»؛ لأنَّه جمعٌ) ، ثمَّ ذكر كلامًا حسنًا، فإن أردتَه؛ فانظره في أوائل «روضه» [138] .

ثمّ على التشديد يجوز فتحها وكسرها؛ ومنه قوله تعالى: {بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] ، قرئ بهما في السبع؛ فقرأ حمزة بالكسر، وهي لغة حكاها الفرَّاء وقُطْرُب [139] ، وأجازها أبو عَمرو، وقرأ الباقون بفتحها [140] .

فائدة: ذكر الإمام أبو القاسم السُّهيليُّ: أنَّ في قوله: «أَوَمُخرِجيَّ هم» حُبَّ الوطن، انتهى [141] .

وعنِ الإمام أبي نصر عبد الوهَّاب بن شيخ الإسلام تقيِّ الدين عليِّ بن عبد الكافي السُّبكيِّ الشافعيِّ: (أنَّ أحسن منه أن يقال: تحرَّكت نفسُه لما في الإخراج من فوات ما نُدِب إليه من إيمانهم وهدايتهم؛ فإنَّ ذلك مع التكذيب والإيذاء مترقَّبٌ، ومع الإخراج منقطعٌ، وذلك هو الذي لا شيء عند الأنبياء عليهم السلام أعظمُ منه؛ لأنَّه امتثال أمر الله تعالى، وأمَّا مفارقةُ الوطن؛ فهو أمرٌ جِبِلِّيٌّ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أجلُّ وأعلى مقامًا من الوقوف عنده في هذا الموطن العظيم) انتهى [142]

قوله: (يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ): أي: وقتُ خروجِكَ.

قوله: (مُؤَزَّرًا): هو بضمِّ الميم، ثمَّ همزة مفتوحة، ثمَّ زاي مفتوحة مشدَّدة، ثمَّ راء؛ أي: بالغًا قويًّا.

قوله: (يَنْشَبْ): هو بفتحِ الشَّين؛ أي: يلبث.

قوله: (وَفَتَرَ الْوَحْيُ): إن قيل: ما الحكمة في فُتوره؟

فالجواب: لعلَّه لذهاب ما حصل له من الرَّوع، وليتشوَّفَ لعَودِه.

فائدة: لَمْ يذكر هنا مقدار الفترة، وقد جاء في حديثٍ مسندٍ [143] كما أفاده السُّهيليُّ في «روضه»: (أنَّها كانت سنتين ونصفًا) [144] ، والله أعلم.

قوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ): هو الزُّهريُّ، وقد تقدَّم، ويأتي.

قوله: (وَأَخْبَرَنِي أبو سَلَمَةَ بْنُ عبد الرَّحْمَنِ): اسمُ أبي سلمةَ: عبدُ الله، وقيل: إسماعيل، والصحيح الأوَّل، وقيل: لا يُعرف اسمه، وقال أحمدُ ابنُ حَنبلٍ: (كنيتُه هي اسمُه) [145] .

وهو أحد الفقهاء السبعة عند أكثر علماء [146] الحجاز، كما قاله الحاكم [147] ، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.

والفقهاء السبعة: خارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، وسعيد بن المُسَيّب، وأبو سلمة المذكور.

واعلم أنَّ قول ابن شهاب: (وأخبرني أبو سلمة) هو معطوفٌ على السند المذكور قبلَه؛ أعني: قولَ البخاريِّ: (حَدَّثنا يَحيى ابن بُكير: حَدَّثنا اللَّيث عن عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخبرني أَبو سَلَمَةَ بنُ عَبدِ الرَّحمن: أَنَّ جَابِرَ بنَ عبدِ الله الأنصاريَّ قال...) ؛ الحديث، وليس هذا تعليقًا، فاعلمه.

وقد غلط فيه بعضُ شارحي هذا الكتاب -على ما بلغني من [148] بعض العلماء، ثمَّ رأيتُه في «شرحه للبخاريِّ»- فظنَّه تعليقًا [149] ، وإنَّما هو معطوفٌ على السند المذكور قبلَه، وانظر «أطراف المِزِّيِّ»؛ تجد ذلك [150] ، وهذا ظاهر عند أهل الصناعة، والله أعلم.

قوله: (فَرَعَبْتُ منه): بفتح الراء والعين، قيَّده الأصيليُّ، ولغيره: (فرُعِبت) ، وهما لغتان (رَعَب) و (رُعِب) ،حكاهما يعقوب، قاله ابن قُرقُول، انتهى [151]

قوله: ({وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] ) أي: الشركَ، أو الشيطانَ، أو الظُّلْمَ.

وقيل: العذابَ؛ أي: سببَه، وأصلُه: ما يؤثِّم ويلطِّخ.

وقيل: نفسَك فخالف، أو حُبَّ الدنيا؛ فإنَّه رأس كلِّ خطيئة، والناسُ يوردون: «حبُّ الدنيا...» إلى آخره؛ حديثًا، وإنَّما هو معروف من كلام جُندُبٍ البَجَليِّ موقوفًا عليه، قاله الحافظ أبو العبَّاس ابن تيمية [152] ، وقد عزاه شيخنا العراقيُّ لمالك بن دينار، وقال: كذلك رواه ابن أبي الدنيا في «مكايد الشيطان» بإسناده إليه [153] ، قال: وقد رُوي من كلام عيسى ابن مريم، كما رواه البيهقيُّ في كتاب «الزهد» [154] .

قوله: (فَحَمِيَ الْوَحْيُ): أي: قَوِيَ واشتدَّ.

قوله: (تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ): الضميرُ في (تَابَعَهُ) يعود على (يحيى ابن بُكَير) ؛ أي: تابع عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ وأبو صالحٍ يحيى ابنَ بُكَيرٍ على روايته هذا الحديث عنِ الليث به [155] .

و (يوسف): فيه تثليث السِّين مع الهمز وعدمه؛ سِتُّ لغات.

ومتابعةُ عبد الله بن يوسف أخرجها البخاريُّ في مكانين آخرين [156] عنه عنِ الليث به [157] ، في (أحاديث الأنبياء) بتمامه [خ (3392)] ، وفي (التفسير) مختصرًا [خ (4957)] .

و (أبو صالح): هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، كذا رأيتُ في حاشيةٍ على أصلنا لـ«صحيح [158] البخاريِّ».

وقال شيخنا الشَّارح [159] : (وأمَّا أبو صالح؛ فاسمه عبد الغفَّار بن داود بن مهران... ونسبه البكريُّ الحرَّانيُّ...) ؛ فذكر ترجمته، وهي معروفة، انتهى [160]

وهو شيخ البخاريِّ، وروى له معه: أبو داود، والنسائيُّ، وابن ماجه، ومتابعة كاتب الليث ليست في الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، وكذلك إنْ كان عبدَ الغفَّار لا أعلم متابعتَه في شيءٍ من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا.

فائدة: اعلم أنَّ المتابعة أن يُعتبَر الحديثُ؛ أي: تنظرَه بروايات غيرِ ذلك الشخصِ من الرواة، هل [161] شاركه في ذلك الحديثِ راوٍ غيرُه، فرواه عن شيخه أم لا؟ فإن شاركه أحدٌ ممَّن يُعتبر بحديثه؛ أي: يصلح حديثُه للاعتبار والاستشهاد به _ [ومَن يُعتبر به [162] من المجروحين عبارتُهم في جَرحه معروفة، مثل أن يقال في جَرحه: ضعيفٌ، أو منكَرُ الحديث، أو مضطربُه، أو واهٍ، أو ضعَّفُوه [163] ، أو لا يُحتجُّ به، أو فيه مَقالٌ، أو ضُعِّفَ، أو فيه ضَعْفٌ، أو تُنكِرُ وتَعرفُ، أو ليس بذاك، أو ليس بالمتين، أو ليس بالقويِّ، أو ليس بحُجَّةٍ، أو ليس بعُمدةٍ، أو ليس بالمَرْضيِّ، أو للضَّعْفِ [164] ما هوَ، أو فيه خُلْفٌ، أو طعنوا فيه، أو سيِّئُ الحِفظِ، أو ليِّنٌ، أو تكلَّموا فيه؛ فكلُّ مَنْ قيل فيه واحدٌ مِنْ هذه الألفاظِ؛ فإنَّه يُعتبرُ بحديثِه، ومَن جُرِحَ بغيرِ واحدٍ مِنْ هذه الألفاظِ؛ فلا يُعتبرُ به، والله أعلم] [165] -؛ فيُسمَّى حديث هذا الذي شاركه تابعًا.

وإن لم تَجِدْ أحدًا تابعَه عليه عن شيخه؛ فانظرْ هل تابعَ أحدٌ شيخَ شيخِه فرواه متابعًا له أم لا؟

فإن وجدتَ أحدًا تابع شيخَ شيخِه عليه، فرواه كما رواه؛ فسمِّهِ أيضًا تابعًا، وقد يسمُّونه شاهدًا.

فإن لم تَجِدْ؛ فافعلْ ذلك فيمَن فوقَه إلى آخرِ الإسناد حتَّى في الصحابيِّ، فكلُّ مَنْ وُجِدَ له متابِعٌ؛ فسمِّهِ تابعًا، وقد يسمُّونه شاهدًا، كما تقدَّم.

فإن لم تَجِدْ لأحدٍ ممَّن فوقه متابعًا؛ فانظر هل أتى بمعناه حديثٌ آخر في الباب أم لا؟

فإن أتى بمعناه حديثٌ آخر؛ فسمِّ ذلك الحديثَ شاهدًا.

وإنْ لم تَجِدْ حديثًا يؤدِّي معناه؛ فقد عدمت المتابعات والشواهد، فالحديثُ إذن فَرْدٌ [166] ، وهذا معنى قول المحدِّثين [167] : الاعتبار، والمتابعات، والشواهد، والله أعلم.

تنبيه: وقوله: (تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ): وهما مِنْ شيوخه، فالظاهرُ أنَّه أخذ عنهما هذه المتابعة مذاكرةً، والظاهرُ أنَّها مثلُ قوله: (قال فلان) ، فإذا كان [168] (فلان) شيخَه؛ فإنَّه يكون قد أخذه عنه في المذاكرة، وهو مثل قوله: (حدَّثنا) أو (أخبرنا) ، والله أعلم.

وسيأتي مثل هذا المكان بأطول من هذا وأوضح.

وأمَّا كاتب الليثِ عبدُ الله بن صالح؛ فقد قال الذهبيُّ: (والأصحُّ أنَّه روى عنه البخاريُّ في «الصحيح») ، كذا في «الكاشف» [169] ، وفي «تذهيبه» قال: (وعنه «خت») ؛ يعني: البخاريَّ تعليقًا، قال: (واستشهد به في «الصحيح»، وقيل: إنَّه روى عنه في «الصحيح» كما [170] نذكره في اسم الذي بعدَه) [171] ، وقد ذكر في ترجمة الذي بعده روايةَ البخاريِّ في (تفسير سورة الفتح): (حدَّثنا عبد الله: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمةَ في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} [الأحزاب: 45] ) [172] ، ثمَّ قال: (فزعم الكلاباذيُّ [173] واللَّالكائيُّ أنَّه عبد الله بن صالح العِجْلِيُّ.

وقال أبو عليٍّ ابنُ السَّكَن في روايته عنِ الفِرَبْرِيِّ عنِ البخاريِّ: حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة [174] ؛ يعني: القَعْنبيَّ.

وقال أبو [175] مسعود في «الأطراف»: هو عبد الله بن رجاء، قال: والحديث عن [176] عبد الله بن صالح، وعبد الله بن رجاء.

وقال الغسَّانيُّ: هو عبد الله بن صالح كاتب الليث [177] .

وقال أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام: هو عبد الله بن مسلمةَ، وهو القَعْنَبيُّ) إلى أن قال: (قال شيخنا أبو الحجَّاج: «وأولى [178] الأقوال بالصواب: قولُ مَن قال: إنَّه كاتب الليث» [179] ) ، ثمَّ بَرهن على ذلك؛ فانظره [180] .

هذا في (الفتح) [181] ، وأمَّا هنا؛ فلا أعلمُ آلصحيحُ ما في الحاشية [182] ، أو الذي قاله شيخنا الشَّارح [183] ؟ وقد راجعتُ «الأطراف» للمِزِّيِّ، فلم أَرَهُ [184] عينَه، وإنَّما ذَكَرَه بالكُنيةِ فقط، ولم يوضِّحه، والله أعلم [185] .

قوله: (وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ): الضميرُ [186] في (تَابَعَهُ) يعود على (عُقَيْلٍ) [187] .

و (هِلَالٌ) هذا: والدُه بتقديم الراء على الدالين المهملتين وبينهما ألفٌ، وهو طائيٌّ، ويقال: كِنانيٌّ، روى عنِ الزُّهريِّ، وعنه ابنه محمَّدٌ المعروف بحمَّاد، علَّق له البخاريُّ هنا كما تَرى.

قال الذهبيُّ في «ميزانه»: (هلالُ بنُ ردَّادٍ، عنِ الزُّهريِّ، لا يُدرَى مَنْ هو) [188] ، ونحوه في «المغني»: (روى عنه ولده محمَّد، ويعرف بحمَّاد بن هلال) انتهى [189]

وإنَّما جهَّله؛ لأنَّه لم يرو عنه إلَّا واحدٌ، وليس مشهورًا في غير ذلك.

وقال شيخنا الشَّارح: (قال ابن أبي [190] حاتم: مجهولٌ) انتهى [191]

ولم أَرَ أنا له ترجمةً في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، ومتابعتُه ليست في شيءٍ من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا [192] .

قوله: (وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ) تعليقُ يونس أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ؛ البخاريُّ في (التفسير) [خ (4953)] ، ومسلمٌ في (الإيمان) [م (160) (252)] .

أمَّا (مَعْمَرٌ) ؛ فهو بفتح الميمين وإسكان العين بينهما، وهو مَعْمرُ بنُ راشدٍ، وتعليقُ مَعْمَرٍ أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ؛ البخاريُّ في (التفسير) [خ¦4953] ، وفي (التعبير) [خ¦6982] [193] ، ومسلمٌ في (الإيمان) [م (160) (253)] .

و (يُونُسُ) هو ابنُ يزيدَ الأَيليُّ، لا يونسُ بنُ محمَّدٍ المؤدِّبُ الحافظ، وفيه سِتُّ لغاتٍ تقدَّمتْ [194] : تثليثُ النون، والهمزُ وعدمُه، وكلاهما مِن رواة الزُّهريِّ، وترجمتُهما معروفتان [195] . [/ج1ص13/]

قوله: (بَوَادِرُهُ) [196] : هو بفتح الموحَّدة، وتخفيف الواو بعدَها، وبعدَ الألف دالٌ مهملة، وهو جمعُ: (بادرة) ؛ وهي اللَّحمةُ التي بين المَنْكِب والعُنُق.

[1] انظر «تهذيب الكمال» (20/242) .
[2] انظر «تهذيب الكمال» (31/473) .
[3] غير: سقطت من (ب) .
[4] انظر «تهذيب الكمال» (26/419) .
[5] أبو عمر الزاهد: هو محمَّد بن عبد الواحد المطرز، غلام ثعلب، المتوفَّى سنة (345 هـ ) ، وله «اليواقيت شرح الفصيح» و«فائت الفصيح»، انظر «بغية الوعاة» (1/153) ، و«الفصيح» لأبي العبَّاس أحمد بن يحيى ثعلب، المتوفَّى سنة (291 هـ ) ، وهو كتاب مشهور، وله شروح، انظر «سير أعلام النبلاء» (14/5) ، وابن الأعرابي: هو محمَّد بن زياد بن الأعرابي، أبو عبد الله الهاشميُّ، إمام اللغة، المتوفَّى سنة (231 هـ ) ، انظر «سير أعلام النبلاء» (10/687) .
[6] أي: الكِسائي، شيخ النحو واللغة، وأحد السبعة، المتوفَّى سنة (375 هـ ) ، وله: «معاني القرآن»، و«النوادر الكبير»، و«المتشابه في القرآن»، و«ما يلحن فيه العوام»، وغيرها، انظر «سير أعلام النبلاء» (19/131) .
[7] هو إبراهيم بن محمَّد أبو إسحاق الإسفراييني، الإمام العلَّامة الأوحد الأستاذ الأصولي الشافعي، الملقب بركن الدين، أحد المجتهدين في عصره، له «الجامع في الأصول»، و«رسالة في أصول الفقه»، توفِّي سنة (418 هـ ) بنيسابور، ودفن بإسفرايين، انظر «سير أعلام النبلاء» (17/353) .
[8] هو محمَّد بن جعفر القزاز القيرواني، أبو عبد الله التميميُّ النَّحْويُّ، المتوفَّى سنة (412 هـ ) ، له «الجامع في اللغة»، انظر «سير أعلام النبلاء» (17/326) ، «بغية الوعاة» (1/66) ، وتصحَّف القزاز في (ب) .
[9] في (ب): (فالأول) .
[10] أخرجه البخاري في «صحيحه» (7017) ، ومسلم في «صحيحه» (2263) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي الباب عن غيره.
[11] «إكمال المعلم» (1/479) .
[12] في (ب): (والصالحة والصادقة) .
[13] «الصحاح» (6/2349) مادة (رأي) .
[14] في النسخ: (يا أبا): والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[15] في (ب): (الشجر والحجر) .
[16] «إكمال المعلم» (1/479) .
[17] أي: بالإمالة.
[18] «إصلاح غلط المحدثين» (ص45) ، والعبارة في النسخ: (يفتحون حاءه ويكسرون الراء وهما مفتوحان...) .
[19] «التوضيح» (2/253) .
[20] «سيرة ابن هشام» (1/272) .
[21] يريد حديث: (كان النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقيم بحراء، وكان ذلك ممَّا تتحنَّث به قريش) .
[22] وهو أبو أحمد السكوني.
[23] «تصحيفات المحدثين» (1/296، 298) لأبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، المتوفَّى سنة (382 هـ ) ، انظر «سير أعلام النبلاء» (16/413) .
[24] (والإثم): ليست في (أ) .
[25] «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (1/52) .
[26] في (ب): (وتهجد وتحوب) .
[27] «التوضيح» (2/253) .
[28] هو الإمام العلامة رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن محمَّد بن الحسن القرشيُّ العدويُّ العُمريُّ الصَّغَانيُّ، حامل لواء اللغة في وقته، ولد بلاهور سنة (577 هـ ) ، ونشأ بغزنة، وطاف البلاد، قال الدِّمياطيّ: كان شيخًا صالحًا صدوقًا صموتًا إمامًا في اللغة والفقه والحديث، قرأت عليه كثيرًا، توفي رحمه الله تعالى سنة (650 هـ ) ، انظر «سير أعلام النبلاء» (23/282) ، «الوافي بالوفيات» (12/150) ، «بغية الوعاة» (1/500) (1076) .
[29] «الأضداد» (ص228) (445) الأضداد للصغاني = ثلاثة كتب في الأضداد للأصمعي والسجستاني ولابن السكيت، ويليها ذيل في الأضداد للصغاني: الإمام رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن محمَّد بن الحسن الصغاني (ت650 هـ ) ، تحقيق: د. اوغست هفنر، دار الكتب العلمية، بيروت.
[30] أي: التعبد.
[31] لم تظهر في (أ) ، وتحتمل في (ب): (يبقى) .
[32] في (أ): (الليالي) .
[33] أي: قوله: (الليالي ذوات العدد) ليس قيدًا في تفسير (يتحنَّث) ، فليس المراد: أنَّ التحنُّث هو التعبُّد بقيد الليالي، بل التحنُّث هو التعبُّد المجرَّد، وقوله: (الليالي...) لبيان الواقعة، وعليه: فقوله: (وهو التعبُّد) معترِضٌ بين الفعل (يتحنَّث) ومتعلَّقِه الظرف (الليالي) ؛ أي: يتحنَّث ليالي.
[34] أي: قوله: (وهو التعبُّد) .
[35] ما بين معقوفين سقط من (ب) ، وضرب عليه في (أ) .
[36] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[37] «مطالع الأنوار على صحاح الآثار» لابن قُرقُول (ق 173) (الميم مع الهمزة) .
[38] «إكمال المعلم» (1/482) .
[39] في: سقطت من (ب) .
[40] في (ب): (وإنه) .
[41] ثم: سقطت من (ب) .
[42] «الروض الأنف» (1/271-272) .
[43] «المنهاج شرح مسلم» (2/375) ، وصاحب «التحرير» وهو شرح لـ«صحيح مسلم»، مخطوط: هو الإمام أبو عبد الله محمَّد بن قِوام السُّنَّة إسماعيل بن محمَّد بن الفضل بن علي بن أحمد الأصفهانيُّ التيميُّ الطلحيُّ؛ نسبة إلى سيدنا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، ذكره القِفْطي في «المحمدون من الشعراء» (96) وقال: (كان شابًا، وفاق في الفضل شيوخ أهل زمانه، لكنه استوفى أنفاسه وطوى قرطاسه قبل أوانه! وفجع والده بشبابه) ، ولد نحو سنة (500 هـ ) ، ونشأ فصار إمامًا، بزَّ العلوم كلها، حتى ما كان يتقدَّمُه أحدٌ في وقته في الفصاحة والبيان والذكاء والفهم، ثم اخترمته المنية سنة (526 هـ ) ، وكان والده يروي عنه إجازةً، وكان شديد الفقد عليه، وله شرح على «الصحيحين»، أملى في شرح كلٍّ منهما صدرًا صالحًا، نقل عنه الإمام النوويُّ والحافظ ابن حجر والعيني وابن العجمي وغيرهم، ذكر شرحه السخاوي في «الجواهر والدرر» (2/710) فقال: (ممن علمت شرح «البخاري»: محمَّد بن التيمي، واعتنى بشرح ما لم يذكره الخطَّابيُّ مع التنبيه على أوهام له) ، ونقل عبارته حاجي خليفة في «كشف الظنون» (1/545) ، وقال ابن العماد في «شذرات الذهب» (6/174): (شرح «صحيحي البخاري ومسلم»، فلما مات في حياة أبيه؛ أكملهما أبوه) ، وترجمته في خلال ترجمة أبيه الحافظ الكبير شيخ الإسلام الإما





3- 4- ( عُقَيل ) بضم العين: بن خالد بن عَقيل بفتحها وليس في الكتاب من تضم عينه سواه، ومن عداه بفتحها.

( عَائِشَةَ ): بالهمز، وعوام المحدِّثين يقرؤونه بياء صريحة.

( من الوحي ) ( من ) لبيان الجنس، وقيل: للتبعيض.

( مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ) ( مثل ) نصب على الحال، أي: مشبهة، وفَلَق الصبح وفَرَقُه بالتحريك: ضياؤه، وحكى الزمخشري في «المستقصى»: إسكان اللام.

( الخلاء ) بفتح أوله والمد: الخلوة، وإنَّما حُبِّبَ إليه الخلوة؛ لأن معها فراغ القلب وهي معينة على الفكر، والبشر لا ينتقل عن سجيته إلا بالرياضة، فلَطَفَ الله تعالى به في بدء أمره، فحبَّب إليه الخلوة، وقطعه عن مخالطة البشر؛ ليجد الوحيُ منه مُتمكَّنًا كما قيل:

~ ........... ... . فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا [1]

( الغار ): النقب في الجبل، وجمعه: غيران.

( حِرَاءٍ ) بكسر الحاء وتخفيف الراء ويمد ويقصر، ويذكَّر ويؤنث، [/ج1ص9/] ويصرف ولا يصرف، فمن صرف ذكَّره، ومن أنثه أراد البقعة، وحكى الأصيلي فتح الحاء والقصر.

وهو جبل على ثلاثة أميال من مكة.

قال الخطابي: ويَلحنون فيه ثلاث لحنات: يضمّون [2] حاءه وهي مكسورة، ويقصرون ألفه وهي ممدودة، ويميلونها ولا تسوغ الإمالة؛ لأن الراء سبقت الألف مفتوحة وهي حرف مكرر فقامت مقام الحرف المستعلي، ومثل: رافع وراشد لا يمال.

( يَتَحَنَّثُ ) بمثلثة آخره، أي: يتعبَّد، وَمَعْنَاهُ: إِلقاؤه الحنث عن نفسه، ليس بِمَعْنَى تكسَّب الحنث وتلبَّس به، ومثله: التحوُّب والتأثُّم: إلقاء الحَوب والإثم عن نفسه.

قَالَ الخَطَابِيُّ: وليس في الكلام تَفَعَّل إذا ألقى الشيءَ عن نفسه غير هذه الثلاثة، والباقي بمعنى تكسَّب.

وزاد غيره: تحرَّج وتنجَّس: إذا فعل فعلًا يخرج به عن الحرج والنجاسة.

وروي: «يتحنَّف» بالفاء أي: يتبع دين الحنيفية، أي: دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا فهو على القياس.

( ذَوَاتِ ) بكسر التاء علامة النصب فيه.

( يَنْزِعَ ) بكسر الزاي أي: يرجع. [/ج1ص10/]

( في مِثْلِهَا ) الضمير عائد لليالي.

( حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ ) أي: الأمر الحق.

( فجِيء ) يفجَأ، بكسر الجيم الأول وفتح الثاني، وفجَأ يفجَأ بالفتح فيهما، أي: أتاه الوحي بغتة. [3]

( الْمَلَكُ ) المراد به جبريل عليه السلام.

( مَا أَنَا بِقَارِئٍ ) قيل: ( ما ) استفهامية، والصحيح: نافية، واسمها ( أنا )، و( بقارئ ) الخبر؛ لأنها لو كانت استفهامًا لما حسن دخول الباء في خبرها.

( فَغَطَّنِي ) بغين معجمة وطاء مهملة، ويروى بالتاء [4] ، والغطُّ والغتُّ سواء، كأنه أراد ضمني وعصرني، ويروى: «فسَأَبني» والسَّأَب الخنق.

( الْجَهْدَ ) بفتح الجيم: المشقة، وجُوِّزَ الضم، فإما أن يكونا لغتين، أو الضم بمعنى الطاقة، ويكون بلغ وسعُ الملك وطاقته من غطته، وعلى هذا التأويل يكون بالنصب مفعولًا، أي: بلغ مني الملك الجهد، وعلى الأول يكون مرفوعًا فاعلًا، وحذف المفعول، أي: بلغ مني الجهد مبلغًا.

( يَرْجُفُ فُؤَادُهُ ) بضم الجيم: يخفق ويضطرب.

( زَمِّلُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ: { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } ) كذا هنا، ورواه في تفسير سورة [/ج1ص11/] المدثر: «دثروني، وصبوا عليَّ ماءً باردًا فنزلت: { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ }»، وهذا يدل على أن التدثر والتزمُّل [5] بمعنى واحد، وهو كذلك، فإنه يقال: تدثر بالثوب؛ تغطَّى به والتف، وتزمَّل: اشتمل به.

( الرَّوْعُ ) بفتح الراء: الفزع.

( مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ ) بالخاء المعجمة والزاي من الخزي، أي: لا يهينك، وروي بالحاء المهملة والزاي والنون، وعلى هذا تفتح الياء وتضم، يقال: حزنه وأحزنه لغتان بمعنى.

( إِنَّكَ ) بكسر إنَّ على الابتداء.

( الْكَلَّ ) بفتح الكاف الثِّقل، وهو كل ما يتكلف.

( وَتَكْسِبُ ) قال القاضي: أكثر الرواية وأفصحها فتح التاء المثناة، أي: تكسب لنفسك، ورُوي بضمها، وقيل: تُكسبه غيرك، [وهما لغتان] [6] ، يُقال: كسَّبت زيدًا مالًا، وأكسبت زيدًا مالًا، لازم ومتعد.

وأنكر الفراء: أكسبت في المتعدي.

وقال صاحب « النهاية»: يقال: كسبت مالًا وكسَّبت زيدًا [/ج1ص12/] مالًا وأكسبت زيدًا مالًا، أي: أعنته على كسبه أو جعلته يكسبه، فإن كان من الأول فتريد: أنك تصل إلى كل معدوم وتناله فلا يتعذر عليك، وإن جعلته متعديًا إلى اثنين فتريد: أنك تعطي الناس الشيء المعدوم عندهم، فحذف المفعول الأول، وهذا أولى القولين؛ لأنَّه أشبه بما قبله في باب التفضل والإنعام؛ إذ لا إنعام في أن يكسب هو لنفسه مالًا كان معدومًا عنده، وإنَّما الإنعام أن يوليه غيره، وباب الحظ والسعادة في الاكتساب غير باب التفضل والإنعام.

( الْمَعْدُومَ ) قال الخطابي: كذا الرواية، والصواب: المعدِمَ، أي: الفقير؛ لأنَّ المعدوم لا يكسب، وهذا بناه على اختيار الأفصح في أنَّ الرواية بفتح التاء من تكسب، وأما على الضم فالمراد به معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق.

وفي «تهذيب الأزهري» عن ابن الأعرابي: رجل عديم لا عقل له، ومعدم لا مال له.

وقال غيره: فلان يكسب المعدوم إذا كان مجدودًا ينال ما يُحْرَمُهُ غيره.

( وَتَقْرِي ) بفتح أوله.

( وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ ) [ب:4] ؛ لأنَّها خديجة بنت خويلد بن أسد، فـ( ابن ) الأول منصوب، و( نوفل ) مخفوض بالإضافة، و( ابن أسد ) مجرور، لأنَّه صفة لنوفل، وأما ( ابن عمِّ ) فإنه تابع لورقة لا لعبد العزى؛ فتعيَّن نصبه، ويكتب بالألف لأنَّه بدل من ورقة، ولو جُرَّ وكتب بغير ألف لكان صفة لعبد العزى، فيصير عبد العزى ابنَ عمها وهو باطل.

( تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) أي: صار نصرانيًا وترك عبادة الأوثان، وقيل: إن فيه الموحدة [7] من البصيرة.

( وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ ) كذا هنا، ورواه مسلم: «الكتاب العربي»، وكذا رواه البخاري في الرؤيا، وهو أصح لاتفاقهما عليها. [/ج1ص13/]

(بِالْعِبْرَانِيَّة ) [8] قال القاضي: كذا وقع هنا، وصوابه: بالعربية، وهو وجه الكلام، وكذا ذكره مسلم.

( يَا ابْنَ عَمِّ ) يجوز فيه الأوجه المشهورة في المنادى المضاف، وهذا أصح من رواية مسلم: «أي عم»؛ فإنه ابن عمِّها لا عمَّها، إلا أن تكون قالته توقيرًا.

( اسْمَعْ ) بهمزة وصل.

( هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ) قيل: هذا لا يلائم قوله قبله: ( تَنَصَّر ) وتمحَّل له السهيلي، وقد رواه الزبير بن بكار فقال: «ناموس عيسى ابن مريم»، وبه يزول الإشكال، يريد به جبريل عليه السلام، والناموس: صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر.

( يَا لَيْتَنِي فِيهَا ) الضمير للنبوة أو الدعوة أو الدولة.

( جَذَعًا ) بفتح الجيم والذال المعجمة، أصله في سِنِّ الدواب للشباب ثم استعير هنا، أي: ليتني في انتشار نبوته شابًا أقوى على نُصرته، وقيل: معناه أكون أول من يجيبك ويؤمن بك كالجذع الذي هو أول الأسنان. [/ج1ص14/]

ثم المشهور فيه النصب إما على الحال والخبر مضمر، أي: يا ليتني فيها حي أو موجود في حال فتوة كالجذع، وإما على أن ( ليت ) تنصب الخبرين.

وقال الخطابي: على خبر كان المضمرة، أي: يا ليتني كنت؛ لأن «ليت» شغل بالمكنَّى.

وقال السهيلي: النصب على الحال إذا جعلت ( فيها ) خبر ( ليت )، والعامل في الحال ما يتعلق به الحال من معنى الاستقرار، ومن رَفَعَ فالجار متعلق بما فيه من معنى الفعل، كأنه قال: يا ليتني شاب فيها.

وقال القاضي: وقع للأصيلي بالرفع، وهو خلاف المشهور، وقال ابن بري: المشهور عند أهل اللغة والحديث في هذا كأبي عبيد وغيره: «جذعْ» بسكون العين، ومنهم من يرفعه على أنَّه خبر ( ليت )، وروي بالنصب بفعل محذوف، أي: جُعلت فيها جذَعًا.

( إِذْ يُخْرِجُكَ ) استعمل ( إذ ) في المستقبل كـ«إذا»، ومنه قوله تعالى: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ } [ مريم: 39 ] .

( أَوَ ) بفتح الواو.

( مُخْرِجِيَّ ) بتشديد الياء جمع: مُخرج، وجُوز تخفيفها، ويجوز في الياء المشددة الفتح والكسر، وقد قُرِئَ بهما في قوله تعالى: { بِمُصْرِخِيَّ } [ إبراهيم: 22 ] فالياء الأولى للجمع [/ج1ص15/] والثانية ضمير المتكلم وفتحت للتخفيف، لئلا يجتمع كسرة وياءان بعد كسرة.

قال ابن مالك: الأصل: أو مخرجوني، فسقطت نون الجمع للإضافة، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون، فأُبدلت الواو ياءً وأدغمت، ثم أبدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرة للتخفيف، وفتحت ياء ( مخرجي ) للتخفيف.

وقال السُّهيلي: الأصل: مخرجُوي، فأدغمت الواو في الياء.

ثم قال ابن مالك: ( مخرجي ) خبرٌ مقدَّم، و( هم ) مبتدأ مؤخر، ولا يجوز العكس؛ لئلَّا يلزم الإخبار بالمعرفة عن النكرة؛ لأن إضافة مخرجي غير محضة، وجُوِّز كون ( هم ) فاعلًا سدَّ مسدَّ الخبر، و( مخرجي ) مبتدأ على لغة: «أكلوني البراغيث».

قال: ولو روي بتخفيف الياء على أنَّه مفرد غير مضاف لجاز، وجُعل مبتدأ وما بعده فاعلًا سدَّ مسدَّ الخبر، كما تقول: أيخرجني بنو فلان.

وقال ابن الحاجب: إنه خبر مقدم، قال: ولذلك جاء بتشديد الياء؛ لأنَّه جمع، أي ويمتنع كون ( هم ) فاعلًا؛ لأن ( مخرجيَّ ) جمع، والوصف وما بعده إذا تطابقا في غير الإفراد كان الأول خبرًا مقدَّمًا، والثاني مبتدأ مؤخرًا، ولا يجوز غير ذلك.

وقال السهيلي: ( مخرجيَّ ) خبر مقدَّم، ولو خفَّفت لم يجز؛ لأنَّه لا يكون ( هم ) مبتدأ مخبرًا عنه بـ ( مخرجيَّ )؛ لأنَّه لا يخبر عن الجمع بالمفرد، ولا يكون ( مخرجي ) مبتدأ و(هم ) فاعل؛ لأنَّه لا يجوز للفاعل أن يكون ضميرًا منفصلًا إلى جانب عامله، لا تقول: قام أنا، إنَّما تقول: قمت، فلو كان مكان هذا الضمير ظاهرًا جاز، نحو: أو يخرجني قومي، قال: وهذا فصل بديع.

( وَإِنْ يُدْرِكْنِي ) مجزوم بـ( إن ).

( يَوْمُكَ ) أي: وقت انتشار نبوتك، وفي «السيرة»: «إن أدرك ذلك اليوم». والذي [/ج1ص16/] في البخاري هو الوجه؛ لأن ورقة سابق بالوجود، والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده.

( مُؤَزَّرًا ) يهمز ويسهَّل، أي: بالغًا قويًا، من الأزر وهو: الشدة والقوة.

( يَنْشَبْ ) بفتح الشين أي: يلبث.

( فَتْرَة الْوَحْيِ ): احتباسه بعد تتابعه في النزول، وكانت سنتين ونصفًا، وقال ابن إسحاق: ثلاثًا.

( جَالِسٌ ) بالرفع على الخبرية، ويجوز النصب على الحال، والخبر محذوف، أي: حاضرٌ، أو نفس ( إذا ) إن قلنا أنَّها ظرف مكان، وقد أجازوا في: «خرجت فإذا زيدٌ جالس» الرفعَ والنصب.

( عَلَى كُرْسِيٍّ ) ضَمُّ كافِه أشهر من كسرها.

( فرعبت مِنْهُ ) قيده الأصيلي بفتح الراء وضم العين، وغيره بضم الراء وكسر العين على ما لم يسم فاعله، قال القاضي: وهما صحيحان.

( زَمِّلُونِي ) [9] وفي مسلم: «دثروني» وهو أنسب لقوله: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سبحانه: { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } [المدثر: 1] .

( فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ ) كلاهما بمعنىً، أي: كثر نزوله وقوي أمره، وفي رواية: «وتواتر». [10] [/ج1ص17/]

[1] جاء في هامش [ب] : صدره: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى.
[2] جاء في هامش [ب] : لعله يفتحون، كما نقل الكرماني.
[3] قال ابن حجر رحمه الله: ليس في رواية ( خ ) هنا فَجِيءَ ولا فَجِئَه، وإنَّما فيه: «فَجَاءَهُ المَلَكُ» من المجيء.
[4] زاد في ( ظ ): تقول العرب: غطَّه يغطُّه غطًّا إذا غمره، وأصله: إدخاله في الماء حتى يغيب فيه.
[5] في [ب] : المدثر والمزمل.
[6] ما بين معقوفين زيادة (ظ).
[7] قال محب الدين البغدادي: لعله: وقيل: إن فيه رواية بالموحدة.
[8] في [ب] : (العبرانية).
[9] قال ابن حجر رحمه الله: لم يقع هذا في هذا الموضع وإنَّما هو بعد هذا.
[10] قال محب الدين البغدادي: قوله: ( بَوادِرُهُ ). بوادره جمع بادرة، وهي شحمة بين المنكب والعنق.





3- 4- ( أوَّل مَا ) هي نكرة موصوفة، أي: أوَّل شيءٍ من الوحي.

( مِنَ ) للبيان، وتحتمل التَّبعيض، أي: من أقسام الوحي، وأمَّا أوَّل ما بُدِءَ به من دلائل النُّبوَّة مطلقًا فأشياء مثل: تسليم الحجر وغيره.

( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ ) بالرَّفع [لا غير] [1] .

( فِي النَّوْمِ ) صفة موضِّحة، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لاحتمال أن تطلق مجازًا.

( مثلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ) بالنَّصب على الحال؛ أي مُشْبِهةً، وفَلَقُ الصُّبح وفَرَقُهُ _بالتَّحريك_: ضياؤه. وحكى الزَّمخشريُّ تسكين اللَّام.

( [الْخَلاَءُ] [2] ) بالمدِّ: الخلوة، وإنَّما حُبِّبَ إليه لأنَّ فيها فراغ القلب لما يتوجَّه إليه.

( الِغَارِ ) نَقْبٌ في الجبل، وجمعه: غِيْرَان.

( حِرَاءٍ ) بالكسر في الأفصح ويضمُّ ويفتح، وتخفيف الرَّاء يمدُّ ويقصر، [ويُذكَّر ويؤنَّث فعلى الأوَّل: يُصرف وعلى الثَّاني: لا] [3] .

قال بعضهم:

~ [حِرَا وَقُبَا ذَكِّرْهُمَا مَعًا وَمُدّ أَوِ اقْصُرْ وَاصْرِفَنْ وَامْنَعِ الصَّرْفَا] [4]

وفي رواية الأَصِيلي: فتح الحاء والقصر، وهو جبل على ثلاثة أميال من مكَّة، وخصَّه بخلوته [صلَّى الله عليه وسلَّم] [1] : لأنَّ المقيم فيه يمكنه رؤية الكعبة فيجتمع له الخلوة والتَّعبُّد والنَّظر إلى البيت، قاله ابن أبي جمرة.

( فَيَتَحَنَّثُ ) آخره مثلَّثة، أي: يتعبَّد، ومعناه: [اتِّقاء] [5] الحِنْثِ عن نفسه، كالتَّأثم والتَّحوُّب: إلقاء الإثم والحَوب عن نفسه. [/ج1ص127/]

قال الخطَّابيُّ: وليس في الكلام تفعَّل ألقى الشَّيء عن نفسه غير هذه الثَّلاثة، والباقي بمعنى: تكسَّبَ.

وزاد غيره: تحرَّج وتنجَّس: إذا فعل فعلًا يخرج به عن الحرج والنَّجاسة.

وقيل: هو بمعنى تَحَنَّفَ بالفاء، وقد وقع بها في «سيرة ابن هشام»، أي: يتَّبع الحنفيَّة وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاءً في كثير من كلامهم.

( وَهُوَ التَّعَبُّدُ ) هذا مدرج في الخبر من تفسير الزُّهريِّ.

( اللَّيَالِيَ ) بالنَّصب على الظَّرف.

( ذَوَاتِ [الْعَدَدِ] [1] ) بكسر التَّاء منصوب.

( يَنْزِعَ ) كيرجع وزنًا ومعنى.

( لِمِثْلِهَا ) أي: اللَّيالي.

( جَاءَهُ الْحَقُّ ) أي: الأمر الحقُّ.

( فَجَاءَه ) الفاء تفسيريَّة لا تعقيبيَّة؛ لأنَّ مجيء المَلَكِ ليس بعد مجيء الوحي حتَّى تعقَّب به؛ بل هو نفسه.

( مَا أَنَا بِقَارِئٍ ) ما نافية لا استفهاميَّة لدخول الباء في خبرها، أي: ما أُحسِنُ القراءة.

( فَغَطَّنِي ) بغين معجمة وطاء مهملة، وفي رواية / الطَّبريِّ: بتاء مثنَّاة فوقيَّة بمعناه، أي: ضمَّني وعصرني. وفي «مسند الطَّيالسيِّ»: «فأخذ بحلقي».

( حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ) روي بالفتح والنَّصب، أي: بلغ الغطُّ منِّي غايةَ وسعي، وبالضَّمِّ والرَّفع، أي: بلغ منِّي الجهدُ مبلغَه، والحكمة في [/ج1ص128/] ذلك: شغله عن الالتفات لشيء آخر، أو إظهار الشِّدَّة والجدِّ في الأمر تنبيهًا على ثقل القول الذي سيلقى إليه، وقيل: إبعاد [ظنِّ] [6] التَّخيُّل والوسوسة، لأنَّهما ليسا من صفات الجسم، فلمَّا وقع ذلك بجسمه عَلِمَ أنَّه من أمر الله.

وذكر بعضهم أنَّ هذا يُعدُّ من خصائصه صلَّى الله عليه وسلَّم، إذا لم يُنقل عن أحد من الأنبياء أنَّه جرى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك.

وذكر ابن إسحاق عن عُبَيد بن عُمَير أنَّه وقع له قبل ذلك في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغطِّ والأمر بالقراءة.

( أَرْسَلَنِي ): أطلقني.

( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) أي: لا بحولك ولا بقوَّتك ولا بمعرفتك.

( فَرَجَعَ بِهَا ) أي: بالآيات.

( يَرْجُفُ فُؤَادُهُ ) بضمِّ الجيم: يخفق قلبه ويضطرب.

( فَزَمَّلُوهُ ) أي: لَفُّوهُ.

( الرَّوْعُ ) بالفتح: الفزع.

( لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ) قيل: الموت من شدَّة الرُّعب، وقيل: المرض، وقيل: العجز عن حمل أعباء النُّبوَّة، وقيل: عدم الصَّبر على قومه، وقيل: أن يقتلوه، وقيل: أن يكذِّبوه، وقيل غير ذلك.

( كَلاَّ ): نفي وإبعاد.

( مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا ) بالخاء المعجمة والزَّاي والياء التَّحتيَّة من الخزي، وهو: الوقوع في بليَّةٍ وشُهرَةٍ بذلَّةٍ، ولأبي ذرٍّ: بفتح أوَّله وبالحاء المهملة والزَّاي المضمومة والنُّون.

( إِنَّكَ ) بالكسر على الابتداء.

( الْكَلَّ ) بالفتح وتشديد اللَّام: من لا يستقلُّ بأمره، كما قال تعالى: { وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ } [النحل:76] ، وقيل هو الثِّقْل وكلُّ ما يُتكلَّف.[/ج1ص129/]

( وَتَكْسِبُ ) في رواية الكُشْمِيهنيِّ بضمِّ أوَّله، وعليها قال الخطَّابيُّ: الصَّواب المعدم بلا واو، أي: الفقير، لأنَّ المعدوم لا يكسب، ورُدَّ بأنَّه لا يمتنع إطلاق المعدوم على الفقير لكونه كالمعدوم الميِّت الذي لا تصَرُّف له.

وفي رواية غيره بالفتح، أي: تكسب المال المعدوم وتصيب ما لا يصيب غيرك، وكانت العرب تتمادح بكسب المال لا سيَّما قريش، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم محظوظًا في التِّجارة.

وقيل: معناه تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين، يقال: كسبتُ الرَّجل مالًا وأكسبته بمعنى، قال أعرابيٌّ يمدح إنسانًا: «كان أكسبهم لمعدوم وأعطاهم لمحروم».

( وَتَقْرِي ) بفتح أوَّله بلا همز.

( وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ) هي كلمة جامعة لإفراد ما تقدَّم ولما لم يتقدَّم، وفي التَّفسير من طريق يونس عن الزُّهريِّ زيادة: «وتصدق الحديث»، [خ:4953] وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه: «وتؤدِّي الأمانة».

( وَرَقَةَ ) بفتح الرَّاء.

( ابنَ عمِّ خديجةَ ) بنصب ابن وتُكتب بألف، وهو بدل من ورقة أو صفة أو بيان، ولا يجوز جرُّه، لأنَّه يصير صفة لعبد العزَّى، وليس كذلك، ولا كتبه بغير ألف لأنَّه لم يقع بين علمين.

( تَنَصَّرَ ) بالنُّون، أي: صار نصرانيًّا وترك عبادة الأوثان، وقيل: إنَّ فيه الموحَّدة [7] من البصيرة، حكاه الزَّركشيُّ. [/ج1ص130/]

( وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ ) في التَّفسير: «العربيَّ». [خ:4953]

( بِالْعِبْرَانِيَّةِ ) فيه أيضًا: «بالعربيَّة».

قال النَّوويُّ وابن حجر: والجميع صحيح، لأنَّه كان يعلم العبرانيَّ والعربيَّ من الكتاب واللِّسان معًا.

( يَا ابْنَ عَمِّ ) في مسلم: «يا عمُّ». قال ابن حجر: وهو وهم، لأنَّه وإن صحَّ أن تقوله توقيرًا، لكن القصَّة لم تتعدَّد، ومخرجها متَّحد فلا يحمل على أنَّها قالت ذلك مرَّتين فتعيَّن الحمل على الحقيقة، قال: وإنَّما جوَّزنا ذلك فيما مضى في العبرانيِّ والعربيِّ، لأنَّه من كلام الرَّاوي في وصف ورقة، واختلفت المخارج فأمكن التَّعدُّد، قال: وهذا الحكم يطَّرد في جميع ما أشبهه.

( اسْمَعْ ) بهمزة وصل.

( مِنَ ابْنِ أَخِيكَ ) قيل: قالته توقيرًا لسنِّه، وقيل: لأنَّ والده صلَّى الله عليه وسلَّم ووَرَقَة في عدد النَّسب إلى قصيِّ بن كلاب الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثيَّة في درجة إخوته.

( هذا النَّامُوسُ ): إشارة إلى الَملَك الذي ذكره النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في خبره، ونزَّله منزلة القريب لقرب ذكره، والنَّاموس: صاحب سرِّ الخير، والجاسوس: صاحب سرِّ الشَّرِّ، وقيل: النَّاموس صاحب السِّرِّ مطلقًا.

( الَّذِي نَزَّلَ اللهُ ) للكُشْمِيهنيِّ: «أَنَزَلَ الله»، وفي التَّفسير: «أُنْزِلَ» بالبناء للمفعول. [خ:4953] [/ج1ص131/]

( عَلَى مُوسَى ) لم يقل عيسى مع كونه نصرانيًّا، لأنَّ كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى؛ أو لأنَّه بُعِثَ بالنَّقمة على فرعون ومن معه بخلاف عيسى، أو قاله تحقيقًا [للرِّسالة] [8] ، لأنَّ نزول جبريل على موسى متَّفق عليه بين أهل الكتابين، بخلاف عيسى، فإنَّ كثيرًا من اليهود ينكرون نبوَّته.

وعند الزُّبير بن بَكَّار من طريق عبد الله بن معاذ عن الزُّهريِّ في هذه القصَّة: «ناموس عيسى ابن مريم».

وفي «الدَّلائل» لأبي نعيم بسند حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه: «أنَّ خديجة أتت أوَّلا ابن عمِّها ورقة فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صدقتيني ليأتينَّه ناموس عيسى».

قال ابن حجر: فكأنَّه قال ذلك عند إخبار خديجة له، وقال: ناموس موسى عند إخباره صلَّى الله عليه وسلَّم وكل صحيح.

( يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا ) هو بالنَّصب خبر كان المقدَّرة، أي: كنت، قاله الخطَّابيُّ، وقيل: على الحال، وعاملها: ما يتعلَّق به الخبر من معنى الاستقرار، قاله السُّهيليُّ.

وقيل: بتقدير جُعلت، قاله ابن بَرِّي، وقيل: على أنَّ ليت تنصب الجزأين، وفي رواية الأَصِيلي بالرَّفع خبرها، والجار متعلِّق بـــ«ليت».

وقال ابن برِّي: المشهور عند أهل اللُّغة والحديث «جَذَعْ» بسكون العين، وضمير «فيها» لأيَّام الدَّعوة. والجَذَع: بفتح الجيم والذَّال المعجمة الصَّغير من البهائم، ثمَّ استُعير للشَّباب، تمنَّى أن يكون عند ظهور الدُّعاء إلى الإسلام شابًّا ليكون أمكن لنصره وأقوى.

( إِذْ يُخْرِجُكَ ) قال ابن مالك: فيه استعمال «إذ» في المستقبل، كـ «إذا» وهو صحيح.

( أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ ) / الهمزة للاستفهام والواو بالفتح عاطفة، والياء [/ج1ص132/] مشدَّدة مفتوحة، جمع مخرج.

قال ابن مالك: والأصل مخرجوني، سقطت نون الجمع للإضافة، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسُّكون فأُبدِلَتْ الواو ياءً وأدغمت، ثمَّ أبدلت الضَّمَّة التي أتت قبل الواو كسرة للتَّخفيف وفتحت الياء لذلك.

قال: وهو خبر مقدَّم، و ( هم ) مبتدأ مؤخَّر، ولا يجوز العكس لئلَّا يلزم الإخبار بالمعرفة عن النَّكرة؛ لأنَّ إضافة ( مُخْرِجيَّ ) غير محضة، قال: ويجوز كون ( هم ) فاعلًا سدَّ مسدَّ الخبر، و ( مخرجيَّ ) مبتدأ على لغة: أكلوني البراغيث.

قال: ولو رُوِيَ بتخفيف الياء على أنَّه مفرد غير مضاف [9] لجاز، وجُعل مبتدأ وما بعده فاعل سدَّ مسدَّ الخبر.

( وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ ) ( إن ) شرطيَّة وما بعدها مجزوم، وزاد في التَّفسير: «حيًّا»، [خ:4953] ولابن إسحاق: «إن أدركت ذلك اليوم» يعني يوم الإخراج.

( مُؤَزَّرًا ) بالهمزة، وتسهل، أي: بالغًا قويًّا من الأَزْرِ، وهو: الشِّدَّة والقوَّة.

وأنكر القزَّاز أن يكون في اللُّغة مُؤزَّر من الأزر. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون من الإزار، أشار بذلك إلى تشميره في نصرته.

( يَنْشَبْ ) بفتح المعجمة: يلبث.

( وَفَتَرَ الْوَحْيُ ) روى أحمد بن حنبل في «تاريخه» عن الشَّعبيِّ: أنَّ مدَّة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق.

( كُرْسِيٍّ ): ضمُّ كافِه أشهر من كسرها.

( فَرُعِبْتُ ) بضمِّ الرَّاء وكسر العين، وللأَصِيلي بالفتح وضمِّ العين، أي: فزعت. [/ج1ص133/]

( فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ) في رواية كريمة: «زملوني» مرَّة واحدة، وفي التَّفسير: « دثِّروني». [خ:4953]

( فَحَمِيَ الْوَحْيُ ) أي: كثر نزوله.

( وَتَتَابَعَ ) لأبي الوقت والكُشْمِيهنيِّ: «وتواتر»، والتَّواتر: مجيء الشَّيء يتلو بعضه بعضًا من غير خلل.

( [رَدَّادٍ] [10] ) بدالين مهملتين، الأولى مشدَّدة.

( وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ ) أي: أنَّهما رويا هذا الحديث عن الزُّهريِّ، فوافقا عُقَيلًا عليه، إلَّا أنَّهما قالا بدل قوله: «يرجف فؤاده»: « [ترجف] [11] بوادره». وهي جمع «بادرة»: وهي اللَّحْمَة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان. [/ج1ص134/]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ع] .
[2] ما بين معقوفتين عليه إحالة لحق في [ع] وأثبت على الهامش: (ثمَّ حُبِّب إليه) وعليه علامة صح لكنه بقلم مغاير فلهذا لم أثبته.
[3] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (فعلى الأوَّل: يصرف ويذكر ويؤنث وعلى الثاني: لا.)
[4] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (حِرَا وقُبَا ذَكِّرْ وَأَنِّثْهُمَا مَعًا وَمُدَّ أَوِ اقْصُرْ وَاصْرِفَنْ وَامْنَعِ الصَّرْفَا)
[5] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (إلقاء)
[6] ما بين معقوفتين في [ع] : (الظن) والمثبت من غيرها لأنه أوجه
[7] أي: تبصر.
[8] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (للوصال)
[9] في الأصل: معرَّب مضاف، وفي نسخة [ع] و [ظ] : مفرد مضاف. والتَّصويب من كتاب ابن مالك: شواهد التَّوضيح.
[10] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (تردد) والمثبت من غيرها
[11] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





3- 4- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا)) ، ولأبي ذر بواو العطف ((يحيى)) أبو زكريا بن عبد الله ((ابن بُكير)) بضم الموحدة؛ تصغير (بكر) المخزومي المصري، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومئتين، ونسبه المؤلف لجده لشهرته به.

((قال: حدثنا الليث)) بالمثلثة؛ ابن سعد الفهمي عالم أهل مصر، من تابع التابعين، المتوفى سنة خمس وسبعين ومئة، وكان من أتباع الإمام الأعظم على التحقيق، وما قيل: إنه مجتهد؛ تعصُّب، قال الشافعي: الليث أفقه من مالك. انتهى، إلَّا أنه كان حنفي المذهب؛ فليحفظ.

((عن عُقَيل)) بضم العين المهملة وفتح القاف مصغر، ابن خالد ابن عَقيل؛ بفتح العين، الأَيْلي؛ بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، الأموي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، ((عن ابن شهاب)) أبي بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، تابعي صغير، ونسبه المؤلف لجده الأعلى لشهرته، المتوفى بالشام سنة ست وتسعين ومئة، ((عن عروة بن الزُبير)) بضم الزاي؛ مصغر ابن العوام، ((عن عائشة أم المؤمنين)) رضي الله عنها وعن أبيها: ((أنها قالت: أول ما بُدِئ به)) بضم الموحدة وكسر الدال ((رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي)) أي: من أقسام الوحي، من ربه إليه: ((الرؤيا الصالحة في النوم)) ، قيل: الحديث من المراسيل، والظاهر أنها سمعت ذلك من النبي عليه السلام، وإنما كانت الرؤيا من الوحي؛ لأنَّه لا مدخل للشيطان فيها، وفي رواية: (الصادقة) بدل (الصالحة) ؛ وهي التي ليس فيها ضغث، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر، واحترز بقوله: (من الوحي) عما رآه من دلائل النبوة من غير وحي؛ كتسليم الحجر عليه كما في «مسلم»، وأوله ما سمعه من بحيرا الراهب [/ص5/] كما في «الترمذي».

((فكان)) بالفاء للأصيلي، ولأبوي ذر والوقت: بالواو؛ أي: النبي عليه السلام، ((لا يرى رؤيا)) بدون تنوين، وروي به، ((إلا جاءت)) وقعت ((مثل)) ؛ بالنصب بمصدر محذوف؛ أي: إلا جاءت مجيئًا مثل ((فلق الصبح)) ؛ كرؤياه دخول المسجد الحرام، والمعنى: أنها شبيهة له في الضياء والوضوح، وعبر بـ (فلق الصبح) ؛ لأنَّ مبادئ النبوة الرؤيا، والفلق: الصبح، وهل أوحي إليه شيء من القرآن في النوم أم لا؟ والأشبه أن القرآن كله نزل يقظة، وإنما ابتدئ عليه السلام بالرؤيا؛ لئلا يفاجئه الملك.

((ثم حبب إليه الخلاء)) بالمد؛ مصدر بمعنى الخلوة؛ أي: الاختلاء؛ بالرفع، نائب فاعل، وفيه تنبيه على فضل العزلة؛ لأنَّها تريح القلب من الاشتغال بالدنيا والتفرغ لعبادة الله تعالى، ((وكان)) عليه السلام ((يخلو بغار حِراء)) ؛ بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد، والأصيلي: فتحها والقصر، وهو مصروفِ إنْ أريد المكان، وممنوع منه إن أريد البقعة، فهي أربعة: التذكير، والتأنيث، والمد، والقصر، وحراء: جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، والغار نقب فيه؛ وهو الكهف.

((فيتحنث فيه)) ؛ بالحاء المهملة وآخره مثلثة؛ أي: يتبع دين إبراهيم؛ ((وهو التعبد الليالي ذوات العدد)) مع أيامهن، واقتصر عليهن تغليبًا، و (الليالي) : نصب على الظرفية، وأقل الخلوة: ثلاثة أيام، ثم سبعة، ثم شهر؛ لما عند المؤلف: جاورت بحراء شهرًا، وعند أبي إسحاق: أنه شهر رمضان، وما قيل: إنه أكثر فلم يصح، والخلوة: أمر مرتب على الوحي، وإنما خص حراء بالتعبد؛ لأنَّه له فضلٌ؛ من حيث إنه ينظر منه الكعبة، والنظر إليها عبادة، ولم يأت التصريح بصفة تعبده، وقيل: بالتفكر، والله أعلم.

((قبل أن يَنزِع)) ؛ بفتح أوله وكسر الزاي؛ أي: يشتاق ويرجع ((إلى أهله)) عياله ((ويتزود لذلك)) ؛ برفع الدال؛ أي: يتخذ الزاد للخلوة، ((ثم يرجع إلى خديجة)) رضي الله عنها ((فيتزود لمثلها)) ؛ أي: لمثل الليالي، وخص خديجة؛ لأنَّه كان يتزود من عندها دون غيرها، وفيه: أن الانقطاع عن الأهل ليس من السنة؛ أي: بالكلية.

((حتى جاءه)) الأمر ((الحق)) الوحي ((وهو في غار حراء، فجاءه الملك)) جبريل يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان، وهو ابن أربعين سنة؛ كما رواه ابن سعد، ((فقال)) له: ((اقرأ)) ما أتلوه عليك، ((قال)) عليه السلام، ولأبوي ذر والوقت: (قلت) : ((ما أنا بقارئ)) ، وفي رواية: (ما أحسن أن أقرأ) ، و (ما) : استفهامية على التحقيق؛ فإنَّ الأخفش جوَّز دخول الباء في خبرها، والدليل على أنَّها استفهامية الرواية الأخرى عن أبي الأسود في (المغازي) : (قال: كيف اقرأ؟) ، وقيل: إنَّ (ما) نافية، واسمها (أنا) ، وخبرها (بقارئ) .

((قال)) عليه السلام: ((فأخذني)) جبريل ((فغطني)) ؛ بالغين المعجمة ثم المهملة؛ أي: ضمَّني وعصرني، وفي رواية: (فغتني) ؛ بالمثناة الفوقانية؛ أي: حبسني، ((حتى بلغ مني الجَهدَ)) ؛ بفتح الجيم ونصب الدال؛ أي: غاية الوسع، مفعولٌ حُذف فاعله، وروي: بضم الدال والرفع؛ أي: بلغ مني الجهد مبلغه، فهو فاعل (بلغ) ، وهي الأوجه، ((ثم أرسلني)) ؛ أي: أطلقني.

((فقال: اقرأ، قلت)) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: (فقلت) : ((ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية)) ؛ أي: مرة ثانية، ((حتى بلغ مني الجهد)) ؛ بالفتح والنصب، والضم والرفع؛ كما مر، ((ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة)) ؛ أي: المرة الثالثة، وهذا من خصائصه عليه السلام، واستدل به: على أن المؤدب لا يضرب صبيًا أكثر من ثلاث ضربات.

((ثم أرسلني فقال: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ})) ؛ أي: بكلام ربك الذي أتلوه عليك، (({الَّذِي خَلَقَ})) [العلق: 1] ؛ أي: الذي له الخلق، أو الذي خلق كل شيء، ولا دلالة فيه للشافعي على وجوب قراءة التسمية في ابتداء كل قراءة؛ لأنَّ المراد المقروء؛ وهو كلام الله تعالى، وعن علي: (أن أول ما نزل من القرآن: ({قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] ) ، والجمهور: أن أول ما نزل منه هذه الآيات؛ فليحفظ.

(({خَلَقَ الإِنسَانَ})) : خصه بالذكر؛ لشرفه، (({مِنْ عَلَقٍ})) [العلق: 2] ؛ بتحريك اللام: الدم الغليظ، والقطعة منه علقة، (({اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ})) [العلق: 3] ؛ الزائد في الكرم على كل كريم، ((فرجع بها)) ؛ أي: بالآيات ((رسول الله صلى الله عليه وسلم)) إلى أهله، والظاهر أن (رجع) مخفف؛ أي: أنَّه بمجرد سماعها وقراءتها حفظها، ويحتمل أنه مشدد؛ أي: صار يكررها حتى حفظها، فسار إلى أهله حال كونه ((يرجُف)) ؛ بضم الجيم: يخفق ويضطرب، ((فؤادُه)) : قلبه وحواسه؛ لما ظهر له من الأمر الخارق للعادة، ((فدخل)) عليه السلام ((على خديجة بنت خويلد)) ؛ أم المؤمنين رضي الله عنها، فأعلمها بما وقع له، ((فقال)) عليه السلام: ((زمِّلوني زمِّلوني)) ؛ بكسر الميم مع التكرار مرتين: من التزميل؛ وهو التلفف، ((فزمَّلوه)) ؛ بفتح الميم، ((حتى ذهب عنه الرَّوع)) ؛ بفتح الراء؛ أي: الخوف.

((فقال)) عليه السلام ((لخديجة)) رضي الله عنها ((وأخبرها الخبر)) ؛ جملة حالية: ((لقد)) ؛ أي: والله لقد ((خشيت على نفسي)) الموت من شدة الخوف أو المرض، ((فقالت له)) عليه السلام ((خديجة)) رضي الله عنها، ولأبي ذر: (قالت) ؛ بإسقاط الفاء: ((كلا)) نفي وإبعاد؛ أي: لا تقل ذلك، ((والله ما يُخْزِيْك الله أبدًا)) ؛ بضم المثناة التحتية، وبالخاء المعجمة الساكنة، والزاي المكسورة، وبالمثناة التحتية الساكنة: من الخزي؛ أي: ما يفضحك الله، ولأبي ذر عن الكشميهني: (ما يَحزنك الله) ؛ بفتح أوله وبالحاء المهملة وبالنون: من الحزن؛ ضد الفرح.

((إِنك)) ؛ بكسر الهمزة؛ أي: المتصف بمكارم الأخلاق، ((لتصل الرحم)) ؛ أي: القرابة، ((وتحمل الكَلِّ)) ؛ بفتح الكاف وتشديد اللام: الثِّقْل؛ بكسر المثلثة وإسكان القاف؛ أي: تدفعه عن الضعيف والمنقطع، ((وتَكسب المعدوم)) ؛ بفتح المثناة الفوقية؛ أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، و (كسب) : يتعدى لواحد واثنين، ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: (وتكسب) ؛ بضم أوله من (أكسب) ؛ أي: تكسب غيرك المال المعدوم، و (المعدوم) : الرجل الفقير، وإنَّما سماه معدومًا؛ لكونه كالميت؛ من حيث العجز، والعديم: الذي لا عقل له.

((وتَقري الضيف)) بفتح أوله بلا همز؛ ثلاثيًا، وسمع بضمها؛ رباعيًا؛ أي: تهيئ له طعامًا، ((وتعين على نوائب الحق)) ؛ أي: حوادثه، وإنما قالت: نوائب الحق؛ لأنَّها تكون في الحق والباطل، وفيه إشارة إلى فضل خديجة وحسن رأيها.

((فانطلقت)) ؛ أي: مضت ((به خديجة)) رضي الله عنها؛ مصاحبة له، ((حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة)) ؛ بنصب (ابن) الأخير بدلًا من (ورقة) أو صفة، ولا يجوز جره؛ لأنَّه يصير صفة لعبد العزى، وليس كذلك، وتكتب بالألف ولا تحذف؛ لعدم وقوعه بين علمين، وراء (ورَقة) مفتوحة، وتجتمع معه خديجة في أسد؛ لأنَّها بنت خويلد بن أسد.

((وكان)) ورقة امرأ ((قد)) ترك عبادة الأوثان، و ((تنصر)) ، وللأربعة: (وكان امرأ تنصر) ((في الجاهلية)) ؛ بإسقاط (قد) ، فإنَّه خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين، فأَعجب ورقة النصرانية للُقيه من لم يبدل شريعة عيسى عليه السلام، ((وكان)) ورقة ((يكتب الكتاب العبراني)) ؛ أي: الكتابة العبرانية، وفي رواية: (الكتاب العربي) .

((فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب)) ؛ أي الذي شاء الله كتابته، و (العبراني) ؛ بكسر العين: نسبة إلى (العِبْر) ؛ بكسر العين وإسكان الموحدة، وزيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس، قيل: سميت بذلك؛ لأنَّ إبراهيم تكلم بها لما عبر الفرات فارًا من نمرود، وقيل: إن التوراة عبرانية، والإنجيل سريانية، وقيل: ما نزل من السماء وحي إلَّا عربي، وكانت الأنبياء تترجمه لقومها.

((وكان)) ورقة ((شيخًا كبيرًا)) حال كونه ((قد عمي، فقالت له خديجة)) رضي الله عنها ؛ ((يا بن العم؛ اسمع)) ؛ بهمزة وصل ((من ابن أخيك)) ؛ تعني: النبي عليه السلام؛ لأنَّ الأب الثالث لورقة؛ هو الأخ للأب الرابع لمحمد عليه السلام.

((فقال له)) عليه السلام: ((ورقة يا بن أخي: ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما)) ، وللأصيلي وأبي ذر: (بخبر ما) ((رأى فقال له ورقة: هذا الناموس)) ؛ بالنون والسين المهملة: وهو صاحب السر الوحي، والمراد به جبريل ((الذي نزل الله على موسى)) ، زاد الأصيلي: (صلى الله عليه وسلم) ، و (نزل) ؛ بحذف الهمزة.

وإنَّما خصَّ موسى مع كون ورقة نصرانيًّا؛ لأنَّ توراة موسى مشتمل على الأحكام، بخلاف الإنجيل؛ لأنَّه مشتمل على المواعظ، ولأنَّ نزول جبريل على موسى متفق عليه عند أهل الكتابين، بخلاف عيسى؛ فإنَّ اليهود ينكرون نبوته.

وفي رواية عيسى: ((يا ليتني فيها)) ؛ أي: في مدة النبوة أو الدعوى، ((جَذَعًا)) ؛ بفتح الجيم والمعجمة وبالنصب: خبر كان مقدرة، أو على الحال من ضمير خبر ليت المقدر، وللأصيلي وأبي ذر: (جذع) ؛ بالرفع: خبر ليت، والجذع: هو الصغير من البهائم، ثم استعير للإنسان؛ أي: شابًّا قويًّا، ((ليتني)) ، وللأصيلي: (يا ليتني) ، ((أكون حيًّا)) عند ظهور نبوتك.

((إذ يخرجك قومك)) من مكة، وفي رواية: (حين يخرجك قومك) ، وإنما تمنَّى ورقة عود الشباب مع أنه مستحيل؛ لأنَّ التمني في الخير جائز ولو كان مستحيلًا، أو أنَّ التمني ليس مقصودًا على بابه.

((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوَ)) ؛ بفتح الواو ((مخرجيَّ هم)) ؛ بتشديد الياء مفتوحة؛ لأنَّ أصله: مخرجوني، جمع: مخرج، من الإخراج، فحذفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرفع، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت، ثم أبدلت الضمة كسرة وفتحت ياء (مخرجي) ؛ تخفيفًا، و (هم) : مبتدأ، خبره: (مخرجي) مقدمًا، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة؛ لأنَّ الإضافة غير محضة بل لفظية.

((قال)) ورقة: ((نعم؛ لم يأت رجل قَطُّ)) ؛ بفتح القاف وتشديد المهملة مضمومة، وقد تكسر وقد تخفف، ((بمثل ما جئت به)) : من الوحي ((إلا عودي)) ؛ لأنَّ الإخراج عن المألوف موجب لذلك، ((وإن يدركْني)) ؛ بالجزم بأن الشرطية ((يومُك)) ؛ بالرفع: فاعل (يدركني) ؛ أي: يوم ظهور نبوتك؛ ((أنصرْك)) ؛ بالجزم: جواب الشرط، ((نصرًا)) : بالنصب على المصدرية ((مُؤزَّرًا)) ؛ بضم الميم، وفتح الزاي المشددة، آخره راء مهملة مهموزًا؛ أي: قويًّا بليغًا؛ وهو صفة لـ (نصر) ، وفيه إشارة: إلى أنه أقر بنبوته، ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام؛ فيكون مثل بحيرا، وفي «المغازي»: أنه قال: أشهد أنك نبي مرسل.

وفي آخره: قال عليه السلام: «لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنَّه آمن بي وصدقني»، وأخرجه البيهقي، ففيه إشارة إلى ثبوت صحبته، وقد ذكره ابن منده في «الصحابة»؛ فتأمل.

((ثم لم يَنشب)) ؛ بفتح المثناة التحتية والمعجمة: أي: لم يلبث، ((ورقةُ)) ؛ بالرفع: فاعل ينشب، ((أن توفي)) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف النون: وهو بدل اشتمال من (ورقة) ؛ أي: لم تتأخر وفاته عن هذه القصة، واختلف في وقت موته؛ قيل: بمكة، وقيل: قتل ببلاد لخم.

((وفتر الوحي)) ؛ أي: احتبس ثلاث سنين أو سنتين ونصف، وفي رواية: (حتى حزن عليه السلام حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال) .

((قال ابن شهاب)) الزهري: ((وأخبرني)) بالإفراد ((أبو سَلَمة)) ؛ بفتحتين: عبد الله ((بن عبد الرحمن)) بن عوف المتوفى بالمدينة سنة أربع وتسعين، وأتى بالواو العاطفة؛ لبيان أنه مسند في (الأدب) و (التفسير) مع الإخبار عن عروة، وحينئذٍ؛ فهو من التعاليق حقيقة ومعنًى، كما ذكره الإمام الكرماني، وما قاله في «الفتح»، وتبعه القسطلاني؛ فقد ردَّه الإمام بدر الدين العيني بما يطول؛ فليحفظ: ((أن جابر بن عبد الله)) بن عمرو ((الأنصاري)) [/ص6/] الخزرجي، المتوفى بالمدينة سنة ثمان، أو أربع، أو تسع وسبعين؛ وهو آخرهم موتًا بالمدينة، ((قال وهو يحدث عن فترة الوحي)) ؛ أي: عن حال احتباس الوحي عن النزول: ((فقال)) النبي عليه السلام ((في حديثه: بينا)) أصله: (بين) ، فأشبعت فتحة النون فصارت ألفًا؛ وهي ظرف زمان مقطوع عن الإضافة بالألف، ((أنا أمشي)) ، وجواب (بينا) قوله: ((إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري؛ فإذا الملك)) جبريل ((الذي جاءني بحراء جالس)) ؛ خبر المبتدأ، وهو الملك، ويجوز نصب (جالس) على الحال، ويكون خبر المبتدأ محذوفًا ((على كرسي)) ؛ بضم الكاف وقد تكسر: ما يُجلس عليه من الأعواد، ((بين السماء والأرض)) ظرف محله الجر صفة لـ (كرسي) .

((فرُعِبت)) ؛ بضم الراء وكسر العين المهملة: مبني للمفعول، وللأصيلي: (فرَعُبت) ؛ بفتح الراء وضم العين؛ أي: فزعت ((منه)) ؛ أي: من الملك جبريل، ((فرجعت)) إلى أهلي ((فقلت)) لهم: ((زملوني زملوني)) بالتكرار مرتين، ولكريمة: مرة واحدة، وفي رواية: (دثروني) ، ((فأنزل الله تعالى)) ولأبوي ذر والوقت: (عز وجل) : (({يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ})) [المدثر: 1] ؛ أي: المتدثر وهو لابسُ الدثار؛ وهو الثوب الذي يلبس فوق القميص، قيل: إن التدثير والتزميل؛ بمعنى واحد، والظاهر أن بينهما فرقًا خفيفًا؛ فالتزمل: التلفف بالثوب، والتدثر: بسط الثوب عليه، فالفرق بين اللف والبسط؛ فليحفظ.

(({قُمْ فَأَنذِرْ})) [المدثر: 2] حذِّر من العذاب لمن لا يؤمن، ولا شك أنَّ الإنذار يكون عقب نزول الوحي؛ فليحفظ، ((إلى قوله: {وَالرُّجْزَ})) ؛ أي: الأوثان، (({فَاهْجُرْ})) [المدثر: 5] ، وللأربعة: (الآية) .

((فحَمِي)) ؛ بفتح الحاء المهملة وكسر الميم: أي: فكثر، ((الوحي)) ؛ أي: نزوله، ((وتتابع)) ، ولأبي ذر: (وتواتر) ؛ وهما بمعنى واحد، قاله القسطلاني، قلت: ليس كما قال؛ فإن (التتابع) : ظهور الشيء وبعده الآخر وهكذا، و (التواتر) : ظهور الأشياء بعضها عقب بعض؛ بمهملة بفتح الميم؛ فليحفظ، وإنما لم يقتصر على قوله: فحمي؛ لأنَّه لا يفيد التواتر والتتابع.

((تابعه)) ؛ أي: تابع يحيى بن بكير في رواية الحديث عن الليث ((عبد الله بن يوسف)) التنيسي، ((و)) تابعه ((أبو صالح)) عبد الله كاتب الليث، أو عبد الغفار بن داود البكري الحرَّاني، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين، وكلاهما عن الليث، وروى عنهما المؤلف، قال القسطلاني: ووهم ابن حجر العسقلاني في «فتحه الباري»؛ حيث جعل القائل عبد الغفار، انتهى.

قلت: ....

((وتابعه)) ؛ أي: تابع عقيل بن خالد في هذا الحديث ((هلال بن رداد)) ؛ بدالين مهملتين، الأولى مشددة الطائي، وليس له في الكتاب إلا هذا الموضع، ((عن الزهري)) محمد بن مسلم، ((وقال يونس)) بن يزيد الأَيْلي؛ بفتح الهمزة وسكون التحتية: التابعي، المتوفى سنة تسع وخمسين ومئة، ((ومَعْمَر)) ؛ بفتح الميمين وسكون العين: أبو عروة بن أبي عمرو بن راشد الأزدي الحراني؛ مولاهم، المتوفى سنة أربع وخمسين ومئتين: ((بَوادره)) ؛ بفتح الموحدة: جمع بادرة؛ وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان، فوافقا عقيلًا، إلَّا أنهما قالا بدل (يرجف فؤاده) : (ترجف بوادره) ؛ وهما بمعنى واحد في المعنى؛ من حيث أنَّهما دالان على الفزع، ولأبي ذر وكريمة: (تواتر) ، وهذا أول موضع ذكر المتابعة؛ وهي المشاركة في الرواية، فإن اتفقت رجال السند؛ تسمى: متابعة حقيقية تامة، وإن اختلفت الرجال؛ سميت: ناقصة، وقد تسمى: شاهدًا.

[1] في الأصل: (فضلًا).
[2] في حاشية الأصل: ( هي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أم المؤمنين، تزوجها عليه السلام وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي أم أولاده خلا إبراهيم فمن مارية، ولم يتزوج غيرها قبلها ولا عليها، حتى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح.
قال آدم: مما فضل الله به ابني عليَّ أنْ زوجه خديجة كانت عونًا له على تبليغ أمر الله، وإن زوجتي كانت عونًا لي على المعصية، كذا قال الإمام بدر الدين العيني).