المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

278-. 279-. حدَّثنا إِسْحاقُ بنُ نَصْرٍ، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: «كانَتْ بَنُو إِسْرائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُراةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلىَ بَعْضٍ، وَكانَ مُوسَىَ [1] يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فقالوا: واللَّهِ ما يَمْنَعُ مُوسَىَ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ [2] . فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ علىَ حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ [3] بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ [4] مُوسَىَ في أَثَرِهِ [5] ، يَقُولُ: ثَوْبِي يا حَجَرُ [6] . حَتَّىَ نَظَرَتْ بَنُو إِسْرائِيلَ إلىَ مُوسَىَ، فقالوا [7] : واللَّهِ ما بِمُوسَىَ مِنْ بأسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ [8] بِالْحَجَرِ ضَرْبًا». فقالَ [9] أبو هُرَيْرَةَ: واللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ، سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبًا بِالْحَجَرِ.

- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: «بَيْنا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ [10] جَرادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ [11] يَحْتَثِي [12] في ثَوْبِهِ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَىَ؟ قالَ: بَلَىَ وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَىَ بِي عن بَرَكَتِكَ».

وَرَواهُ [13] إِبْراهِيمُ، عن مُوسَىَ بنِ عُقْبَةَ، عن صَفْوانَ [14] ، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: «بَيْنا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا». [15]

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي زيادة: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[3] لفظة: «الحجر» ثابتةٌ في رواية أبي ذر أيضًا (ب، ص).
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي والكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فَجَمَحَ».
[5] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«إِثْرِهِ».
[6] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «ثوبي يا حجر».
[7] في رواية ابن عساكر والأصيلي و [عط] : «وقالوا».
[8] في رواية ابن عساكر والأصيلي: «وطفق».
[9] في رواية ابن عساكر وأبي ذر و [عط] : «قال»، وعزاها في (و، ب، ص) إلىَ رواية الأصيلي بدل أبي ذر.
[10] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[11] في اليونينية بين الأسطر: «عليه السلام».
[12] في رواية ابن عساكر: «يَحْتَثِنُ» بالنون بدل الياء في آخره، هكذا ضبطت في أكثر الأصول وهكذا ضبطها ابنُ حجر، وقال العَيْني: «أمعنتُ النظرَ في كتب اللغة فما وجدتُ لها وجهًا في هذا» ا ه. وضُبطتْ رواية ابن عساكر في (ن): «يَخْتَبِنُ» بياء ثم خاء ثم تاء ثم باء ثم نون، وهو من خَبَنَ الطعامَ إذا غيَّبه وخبَّأه وأعدَّه للشدَّة، والخُبْنة بالضم ما يَحمِله الإنسانُ في حضنه، كما في تاج العروس «مادة: خبن»، وهي أقرب للمعنىَ.
[13] هكذا في رواية الأصيلي أيضًا، وفي رواية غيره: «وروىَ».
[14] في رواية الأصيلي زيادة: «بن سُلَيْمٍ».
[15] قوله: «وَرَواهُ إِبْراهِيمُ... » إلخ، ليس في رواية [عط] .





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

278- 279- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) نسبه هنا: إلى جدِّه، وفي غيره: إلى أبيه إبراهيم، وقد مرَّ ذكره في باب «فضل من تعلَّم وعلَّم» [خ¦79] (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ [1] الصَّنعانيُّ، (عَنْ مَعْمَرٍ)؛ أي: ابن راشدٍ، (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوحَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصَّلاة والسَّلام، وأُنِّثَ «كانت» على رأي من يؤنِّث الجموع مُطلقًا ولو كان الجمع سالمًا لمُذكَّرٍ كما هنا، وإنَّ ((بنو)) جمع سلامةٍ أصله: بنون، لكنَّه على خلاف القياس، لتغيُّر مُفرَده، وأمَّا على قول من يقول: كلُّ جمعٍ مُؤنَّثٌ إلَّا جمع السَّلامة المُذكَّر؛ فإمَّا لتأويله بالقبيلة، وإمَّا لأنَّه جاء على خلاف القياس؛ لتغيُّر مُفردِه، (يَغْتَسِلُونَ) حال كونهم (عُرَاةً) [2] حال [3] كونهم (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)، لكونه كان جائزًا في شرعهم، وإلَّا؛ لَمَا أقرَّهم موسى على ذلك، أو كان حرامًا عندهم، لكنَّهم كانوا يتساهلون في ذلك، وهذا الثَّاني هو الظَّاهر؛ لأنَّ الأوَّل لا ينهض أن يكون دليلًا، لجواز مُخالَفتهم له في ذلك، ويؤيِّده قول القرطبيِّ: كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندًة للشَّرع ومخالفًة لموسى عليه الصلاة والسلام، وهذا من جملة عتوِّهم وقلَّة مبالاتهم باتِّباع شرعه [4] (وَكَانَ مُوسَى)، زاد الأَصيليُّ: ((صلى الله عليه وسلم)) (يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) يختار الخلوة سرًّا تنزُّهًا واستحبابًا وحياءً ومروءًة، أو لحرمة التَّعرِّي، (فَقَالُوا)؛ أي: بنو إسرائيل [/ج1ص331/] (وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ) بالمدِّ وتخفيف الرَّاء؛ كآدم، أو على وزن «فَعَلٍ» [5] أي: عظيم الخصيتين؛ أي [6] : منتفخهما، (فَذَهَبَ مَرَّةً) حال كونه (يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) قال سعيد بن جبيرٍ: هو الحجر الذي كان يحمله معه في الأسفار، فيتفجَّر منه الماء، (فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ فَخَرَجَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت [7] وابن عساكر: ((فجمح)) [8] (مُوسَى)؛ أي: ذهب يجري جريًا عاليًا (فِي إِثْرِهِ)؛ بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، وفي بعض الأصول: بفتحهما، قال في «القاموس»: خرج في أثره وإثره؛ بعده؛ حال كونه (يَقُولُ) ردَّ أو أعطني (ثَوْبِي يَا حَجَرُ ثَوْبِي يَا حَجَرُ) مرَّتين، ونُصِب «ثوبي» [9] بفعلٍ محذوفٍ كما قرَّرناه [10] ، ويحتمل أن يكون مرفوعًا بمُبتدأٍ محذوفٍ تقديره: هذا ثوبي، وعلى هذا الثَّاني: المعنى استعظام كونه يأخذ ثوبه، فعامله مُعامَلة من لا يعلم كونه ثوبه؛ كي يرجع عن فعله ويردَّ له ثوبه [11] ، وقوله: ((ثوبي يا حجر)) الثَّانية ثابتةٌ للأربعة، و [12] إنَّما خاطبه؛ لأنَّه أجراه مجرى من يعقل لفعله فعله؛ إذِ المتحرِّك يمكن أن يسمع ويجيب، ولغير الأربعة: ((ثوبي حجر)) [13] (حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى) عليه الصلاة والسلام، وفيه ردٌّ على القول: بأنَّ ستر العورة كان واجبًا، وفيه إباحة النَّظر إلى العورة عند الضَّرورة الدَّاعية إلى ذلك، من مداواةٍ أو براءةٍ ممَّا رُمِيَ به من العيوب كالبرص وغيره، لكنَّ الأوَّل أظهر، ومُجرَّد تستُّر موسى لا يدلُّ على وجوبه؛ لمَا تقرَّر في الأصول أنَّ الفعل لا يدلُّ بمُجرَّده على الوجوب، وليس في الحديث أنَّ موسى صلوات الله وسلامه عليه أمرهم بالتَّستُّر، ولا أنكر عليهم التَّكشُّف، وأمَّا إباحة النَّظر إلى العورة للبراءة ممَّا رُمِيَ به من العيوب؛ فإنَّما هو حيث يترتَّب على الفعل [14] حكمٌ؛ كفسخ النِّكاح، وأمَّا قصَّة [15] موسى عليه الصلاة والسلام؛ فليس فيها أمرٌ شرعيٌّ ملزمٌ يترتَّب على ذلك، فلولا إباحة النَّظر إلى العورة، لَمَا أمكنهم موسى عليه الصلاة والسلام من ذلك، ولا خرج مارًّا على مجالسهم وهو كذلك، وأمَّا اغتساله خاليًا، فكان يأخذ في حقِّ نفسه بالأكمل والأفضل، ويدلُّ على الإباحة ما وقع لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفه بإشارة العبَّاس عليه [16] بذلك؛ ليكون أرفق به في نقل الحجارة، ولولا إباحته؛ لمَا فعله، لكنَّه ألزم بالأكمل والأفضل لعلوِّ مرتبته صلى الله عليه وسلم [17] ، (فَقَالُوا)، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((و [18] قالوا)): (وَاللهِ مَا)؛ أي: ليس (بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ) اسم «ما»، وحرف الجرِّ زائدٌ، (وَأَخَذَ) عليه الصلاة والسلام (ثَوْبَهُ فَطَفِقَ)؛ بكسر الفاء الثَّانية وفتحها، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((وطفق))؛ أي: شرع يضربُ (الْحَجَرَ ضَرْبًا)، كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّوييِّ، وللأكثر: ((فطفق بالحجر))؛ بزيادة المُوحَّدة، أي: جعل يضربه ضربًا لمَّا ناداه ولم يطعه، (فَقَالَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((قال)) (أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه ممَّا هو من تتمَّة مقول هَمَّامٍ، فيكون مُسنَدًا، أو مقول أبي هريرة، فيكون تعليقًا، وبالأوَّل جزم في «فتح الباري»: (وَاللهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ)؛ بالنُّون والدَّال المُهمَلة [19] المفتوحتين، آخره مُوحَّدةٌ؛ أي: أثرٌ (بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ)؛ بالرَّفع على البدليَّة؛ أي: ستَّة آثارٍ، أو بتقدير هي، أو بالنَّصب على الحال [20] مِنَ الضَّمير المستكن في قوله: «بالحجر»، فإنَّه ظرفٌ مستقرٌّ لـ: «نَدَبٌ»، أي: إنَّه لَنَدَبٌ [21] استقرَّ بالحجر، حال كونه ستَّة آثارٍ (أَوْ سَبْعَةٌ) شَكٌّ [22] مِنَ الرَّاوي (ضَرْبًا بِالْحَجَرِ)؛ بنصب «ضربًا» على التَّمييز، أراد عليه الصلاة والسلام إظهار المعجزة لقومه بأثر الضَّرب في الحجر، ولعلَّه كان [23] أُوحِي إليه أن يضربه، ومشيُ الحجر بالثَّوب معجزةٌ أخرى، ودلالة الحديث على التَّرجمة من حيث اغتسال موسى عليه الصلاة والسلام عريانًا وحده خاليًا عنِ [24] النَّاس، وهو مبنيٌّ على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا.

ورواة هذا الحديث خمسة، وأخرجه مسلمٌ في «أحاديث الأنبياء» وفي موضع آخر [25] .

وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف (قَالَ) حال كونه عاطفًا على هذا السَّند السَّابق قوله: (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: بَيْنَا) بألفٍ من غير ميمٍ (أَيُّوبُ) النَّبيُّ، ابن العيص بن رزاح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم أو ابن رزاح بن روم بن عيص، وأمُّه بنت لوطٍ، وكان أعبدَ أهل زمانه، وعاش ثلاثًا وستيِّن أو تسعين سنًة [26] ، ومدَّة [/ج1ص332/] بلائه سبع سنين، واسمه أعجميٌّ، مبتدأٌ خبره: (يَغْتَسِلُ) حال كونه (عُرْيَانًا) والجملة أُضيف إليها الظَّرف وهو: «بينا»، وإنَّما لم يُؤتَ في جواب «بينا» بـ: «إذ» أو [27] بـ: «إذا» الفجائيَّة؛ لأنَّ الفاء تقوم مقامها في جزاء الشَّرط، كعكسه في قوله تعالى: {إذا هم يقنطون} [الروم: 36] ، أو العامل في «بينا» [28] قوله: (فَخَرَّ عَلَيْهِ) وما قِيلَ: إنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها [29] ؛ لأنَّ فيه معنى الجزائيَّة؛ إذ بينا متضمِّنةٌ للشَّرط، فجوابه لا نسلِّم عدم عمله لا [30] سيَّما في الظَّرف؛ إذ فيه توسُّعٌ، وفاعل «خرَّ» قوله: (جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ) سُمِّي به؛ لأنَّه يَجْرُد الأرض فيأكل ما عليها، وهل كان جرادًا حقيقًة ذا روحٍ إلَّا أنَّ جسمه [31] ذهبٌ، أو كان على شكل الجراد، وليس فيه روحٌ؟ قال في «شرح التَّقريب»: الأظهر الثَّاني وليس الجراد مُذكَّر الجرادة، وإنَّما هو اسم جنسٍ؛ كالبقرة والبقر، فحقُّ مُذكَّره ألَّا يكون مُؤنَّثه من لفظه؛ لئلَّا يلتبس الواحد المُذكَّر بالجمع [32] ، (فَجَعَلَ أَيُّوبُ) عليه الصلاة والسلام (يَحْتَثِي)؛ بإسكان المُهمَلة، وفتح المُثنَّاة، بعدها مُثلَّثةٌ على وزن «يَفْتَعِل» من حثى؛ أي [33] : يأخذ بيده ويرمي (فِي ثَوْبِهِ)، وفي رواية ابن عساكر [34] والقابسيِّ عن أبي زيدٍ: ((يَحْتَثِنُ)) [35] ؛ بنونٍ في آخره بدل الياء، لكن قال العينيُّ: إنَّه أمعن النَّظر في كتب اللُّغة، فلم يجد لهذه الرِّواية الأخيرة معنًى، (فَنَادَاهُ رَبُّهُ) تعالى (يَا أَيُّوبُ)؛ بأن كلَّمه كموسى أو بواسطة الملك (أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ) بفتح الهمزة (عَمَّا تَرَى) من جراد الذَّهب؟ (قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ) أغنيتني، ولم يقل: «نعم»، كآية {ألست بربِّكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] ؛ لعدم جوازه، بل يكون كفرًا؛ لأنَّ «بلى»: مُختَصَّةٌ بإيجاب النَّفي، و«نعم»: مُقرِّرةٌ لِمَا سبقها، قال في «القاموس»: «بلى»: جواب استفهامٍ، معقودٌ بالجحد يوجب ما يُقال لك، و«نَعَم» _بفتحتين وقد تُكسَر العين_ كلمةٌ كـ: «بلى»، إلَّا أنَّه في جواب الواجب، انتهى. وإنَّما لم يفرِّق الفقهاء بينهما في الأقارير؛ لأنَّها مبنيَّةٌ على العرف، ولا فرق بينهما فيه، ولا يُحمَل هذا على المُعاتَبة كما فهمه بعضهم، وإنَّما هو استنطاقٌ بالحجَّة (وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ)؛ أي: خيرك، و«غِنى»؛ بكسر الغَيْن والقصر من غير تنوينٍ، على أنَّ «لا» لنفيِ الجنس، ورويناه بالتَّنوين والرَّفع على أنَّ «لا» بمعنى: ليس، ومعناهما واحدٌ؛ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تفيد العموم، وخبر «لا» يحتمل أن يكون: «بي» [36] أو «عن بركتك»، فالمعنى صحيحٌ على التَّقديرين، واستُنبِط منه فضل الغنى؛ لأنَّه سمَّاه بركةً، ومحالٌ أن يكون أيُّوب صلوات الله عليه وسلامه أخذ هذا المال حبًّا للدُّنيا، وإنَّما أخذه كما أخبر هو عن نفسه؛ لأنَّه بركةٌ من ربِّه تعالى؛ لأنَّه قريب العهد بتكوين الله عزَّ وجلَّ، أو أنَّه نعمةٌ جديدةٌ خارقةٌ للعادة، فينبغي تلقّيها بالقبول ففي ذلك شكرٌ لها وتعظيمٌ لشأنها، وفي الإعراض عنها كفرٌ بها [37] ، وفيه [38] جواز الاغتسال عريانًا، لأنَّ الله تعالى عاتبه على جمع الجراد ولم يعاتبه على الاغتسال عريانًا.

(وَرَوَاهُ)؛ أي: هذا الحديث المذكور (إِبْرَاهِيمُ) بن طَهمان؛ بفتح الطَّاء المُهمَلة، أبو سعيدِ الخراسانيُّ، المُتوفَّى بمكَّة سنة ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ، فيما وصله النَّسائيُّ بهذا الإسناد (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ)؛ بضمِّ العين، وسكون القاف، وفتح المُوحَّدة، التَّابعيِّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنُ سُلَيم)؛ بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام، التَّابعيِّ المدنيِّ [39] ، قِيلَ: إنَّه لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنًة، وقال أحمد: يستنـزل بذكره القطر، وتُوفِّي بالمدينة سنة اثنتين أو ثلاثٍ ومئةٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ [40] (أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا...) الحديث إلى آخره، وأخَّر الإسناد عن المتن؛ ليفيدَ أنَّ له طريقًا آخر غير هذا، وتركه وذكره تعليقًا لغرضٍ من أغراض التَّعليقات، ثمَّ قال: ورواه إبراهيم؛ إشعارًا بهذا الطَّريق الآخر، وهو تعليقٌ أيضًا؛ لأنَّ البخاريَّ لم يدرك إبراهيم، وسقط هذا التَّعليق للأَصيليِّ [41] .

وفي هذا الحديث العنعنة، ورواية [42] تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ.

[1] زيد في (م): «ابن اسحاق»، وليس بصحيحٍ.
[2] «حال كونهم عراةً»: سقط من (ص).
[3] في هامش (ص): «قوله: «حال»: يحتمل أن تكون متداخلةً أو مترادفةً، انتهى. تقريره عجمي».
[4] قوله: «لموسى عليه الصلاة والسلام، وهذا من جملة عتوِّهم وقلَّة مبالاتهم باتِّباع شرعه»، سقط من (د).
[5] في غير (ص) و(م): «أفعل»، وهو تكرارٌ.
[6] «أي»: مثبت من (ب) و(س).
[7] «وأبي الوقت»: ليس في (د).
[8] في هامش (ص): «من باب منع. انتهى».
[9] في غير (م): «ثوب».
[10] في (ب): «قدرناه».
[11] «له ثوبه»: سقط من (س).
[12] قوله: «مرَّتين، ونُصِب «ثوبي» بفعلٍ محذوفٍ... الثَّانية ثابتةٌ للأربعة، و»، سقط من (ص).
[13] «ولغير الأربعة: ثوبي حجر»: سقط من (م).
[14] في (م): «العيب».
[15] في (م): «قضيَّة».
[16] في (م): «علمه».
[17] قوله: «وفيه ردٌّ على القول: بأنَّ ستر العورة... والأفضل لعلوِّ مرتبته صلى الله عليه وسلم»، سقط من (د) و(ص).
[18] «و»: سقط من (د)
[19] «المُهمَلة»: سقط من (ب).
[20] في هامش (ص): «قوله: «أو بالنَّصب على الحال»: صوابه على التَّمييز، وقوله: مستقرٌّ لـ: «نَدَبٌ»؛ أي: متعلِّقٌ بمحذوفٍ وصفةٌ لـ: «نَدَبٌ»، انتهى. تقريره عجمي».
[21] «أي: إنَّه لَنَدَبٌ»: سقط من (ص).
[22] في (ب) و(س): «بالشَّكِّ».
[23] «كان»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[24] في (د): «من».
[25] في (ص): «مواضع أخر».
[26] «سنةً»: سقط من (د) و(م).
[27] «بإذ أو»: سقط من (د).
[28] في النُّسخ جميعها: «بين»، وكذا في الموضع اللَّاحق، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[29] في غير (ب) و(س): «قبله».
[30] «لا»: سقط من غير (ب) و(س).
[31] في غير (م): «اسمه».
[32] قوله: «وهل كان جرادًا حقيقًة ذا روحٍ... لئلَّا يلتبس الواحد المُذكَّر بالجمع»، سقط من (د).
[33] «أي»: ليست في (م).
[34] «ابن عساكر»: مُثبَتٌ من (م).
[35] في (د): «يحتني»، وهو تحريفٌ.
[36] في (د): «لي».
[37] قوله: «ومحالٌ أن يكون أيُّوب... وفي الإعراض عنها كفرٌ بها»، سقط من (د) و(ص).
[38] «وفيه»: سقط من (د).
[39] «المدنيِّ»: سقط من (م).
[40] «بغير ميمٍ»: سقط من (د).
[41] «وسقط هذا التَّعليق للأصيليِّ»: مثبتٌ من (م).
[42] في (م): «رواته».





278- 279- (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ): إنْ قلتَ: لِمَ أنَّثَ الفعلَ المسندَ إليه؟

قلتُ: عندَ مَن قال: حُكْمُ ظاهرِ الجمعِ مطلقًا حكمُ ظاهرِ غيرِ الحقيقيِّ؛ فلا إشكالَ، وأمَّا مَن قال: كلُّ جمعٍ مؤنَّثٌ إلَّا جمعَ السَّلامةِ المذكَّر [1] ؛ فتأنيثُه أيضًا عندَه على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة.

وقال ابن الملقِّن: (كانتْ بنو إسرائيلَ؛ أي: جماعتُهم؛ ولذلك أدخل عليهمُ التَّأنيث؛ مثل قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ} [الحجرات: 14] ).

(إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ): استثناءٌ مفرَّغٌ، والمستثنى منه مقدَّرٌ؛ وهو: لأمرٍ من الأمور، و (آدَرُ): لا ينصرفُ؛ لأنَّه لا مؤنَّثَ له.

(ثَوْبِي يَا حَجَرُ): (ثَوْبِي) مفعولُ فعلٍ محذوفٍ؛ نحو: (رُدَّ) أو (أعطني).

وقال ابن الملقِّن: (أو «اُترك»، فحُذفَ الفعلُ؛ لدلالة الحال عليه).

(مِنْ بَأْسِ): اسم (مَا) [2] ، و (مِنْ) زائدة.

(بِالْحَجَرِ): معناه: جعل مُلتزمًا بذلك يضربُه ضربًا، وفي بعضها: (الحَجَرَ)، وهو منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، وهو (يضربُ) ؛ أي: طَفِقَ يضربُ الحجرَ[/ص38/] ضربًا.

(سِتَّةٌ): مرفوعٌ [3] بالبدليَّةِ، أو منصوبٌ على التَّمييزِ، وكذلك (ضَرْبًا) تمييزٌ.

(أَيُّوبُ): مبتدأٌ، و (يَغْتَسِلُ) خبرُه، والجملةُ في محلِّ الجرِّ بإضافة (بَيْنَ) إليه [4] .

وأصل (بَيْنَا): (بَيْنَ) زيدت الألفُ؛ لإشباع الفتحة، والعامل فيه (خَرَّ).

فإنْ قلتَ: ما بعدَ الفاء لا يعملُ فيما قبلَه؛ لأنَّ فيه معنى الجزائيَّة؛ إذ (بَيْنَ) متضمِّن للشَّرط؟

قلتُ: لا نُسلِّم عدمَ عملِه، سيَّما في الظَّرف؛ إذْ فيه توسُّعٌ، أو العاملُ (خَرَّ) مقدَّرٌ، والمذكورُ مفسِّرٌ له.

فإنْ قلتَ: المشهورُ دخولُ (إذ) و (إذا) في جوابه؟

قلتُ: كما أنَّ (إذا) تقوم مَقام الفاء في جزاء الشَّرط؛ نحو قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُون} [الروم: 36] ؛ تقوم الفاء مَقام (إذا) في جواب (بين)، فبينهما مقارضة.

وقال الطِّيبيُّ: (الفاء في «فخَرَّ» مثلُها في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «بَيْنَا [5] أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ؛ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ»)، قال المالكيُّ: (الفاءُ في قوله: «فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ» زائدةٌ؛ كالأُولى مِن قوله تعالى: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا})، قال جارُ [6] [الله] : (أصلُ الكلامِ: قل: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، فبذلك فليفرحوا)، قال الطِّيبيُّ: (أقولُ: قد وقع ثلاثُ فاءاتٍ؛ فالْأُوْلى: لربط الكلام بما قبلَه، والثَّالثة: جوابٌ للشَّرط المقدَّر، والثَّانية: زائدةٌ؛ لأنَّ الباء في {بِذَلِكَ} متعلِّقةٌ بما بعدَه، قُدِّم للاختصاص).

(عُرْيَانًا): مصروفٌ؛ لأنَّه (فُعلان) بالضَّمِّ، بخلاف (فَعلان)، إذا كانت الألف والنُّون زائدتين؛ مثل: (حُمرانٌ) و (سَكرانُ)، وهو حالٌ.

(لَا غِنَى): إنْ قلتَ: أهو بالتَّنوين، أو بدونه؟ أو هو مرفوعٌ تقديرًا، أو منصوبٌ؟

قلتُ: جازَ فيه الأمران نظرًا إلى أنَّ (لَا) لنفي الجنس، أو بمعنى: (ليس) ؛ فعلى الأوَّل: هو مبنيٌّ على ما يُنصبُ به، ولا تنوينَ، وعلى الثَّاني: هو مرفوعٌ منوَّنٌ.

فإنْ قلتَ: هل فُرِّقَ في المعنى بين الوجهين؟

قلتُ: قال الأصوليُّونَ: النَّكرةُ في سياقِ النَّفيِ تُفيدُ العمومَ، فلا فرقَ بينهما.

وقال الزَّمخشريُّ في أوَّلِ (البقرة): (قُرِئَ: {لَا رَيْبٌ}؛ بالرَّفعِ، والفرقُ بينها [7] وبين القراءة المشهورة: أنَّ المشهورةَ تُوجِبُ الاستغراقَ، وهذه تُجَوِّزُه).

فإنْ [8] قلتَ: خبرُ (لَا) هو لفظ (بِي)، أو (عَنْ بَرَكَتِكَ) ؟

قلتُ: المعنى صحيحٌ على التَّقديرينِ، وسيأتي في (كتاب الأنبياء) [خ¦3391] .

[1] في النسختين: (المؤنث)، والتصحيح من «الكواكب الدراري» (3/141)، «اللامع الصبيح» (2/418).
[2] في النسختين: (اسم «كان»)، وهو خطأ تبعًا للكرماني (3/141)، والتصحيح من «اللامع الصبيح» (2/419).
[3] في (ب): (بالرفع).
[4] في النسختين و«الكواكب»: (إليه).
[5] في النسختين: (بين).
[6] في النسختين: (صار)، وهو تحريفٌ.
[7] في (ب): (بينهما).
[8] في النسختين: (إن).





278- 279-.قوله: (عَنْ مَعْمَرٍ): هو بفتح الميم، وإسكان العين، تقدَّم أنَّه ابن راشد، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ): هو اسم فاعل، مشهور التَّرجمة.

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عَبْد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً): يحتمل أنَّ هذا كان جائزًا في شرعهم، وكان موسى صلَّى الله عليه وسلَّم يتركه تنزُّهًا وحياءً واستحبابًا، ويحتمل أنَّه كان حرامًا كما هو حرام عندنا، وكانوا يتساهلون فيه كما يتساهل فيه بعض النَّاس اليوم، والله أعلم.

قوله: (إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ): هو بفتح الهمزة الممدودة، وبالدَّال المهملة المفتوحة أيضًا، وبالرَّاء على وزن: آدم، والأُدرة؛ بالضَّمِّ: نفخة في الخصية، يقال: رجل آدر بيِّن الأَدَر، وهي التي يسمِّيها النَّاس: القيلة.

قوله: (فَخَرَجَ مُوسَى في إِثْرِهِ): وفي نسخة: (فجمح) ، ومعنى جمح: ذهب يجري.

قوله: (في إِثْرِهِ): حكى شيخنا الشَّارح تثليث [1] الهمزة، وقال غيره: بفتح الهمزة والثَّاء، وكسر الهمزة وسكون الثَّاء.

قوله: (يَا حَجَرُ): ناداه مناداة من يعقل؛ لفعله فعلَهم.

قوله: (فَطَفِقَ): هو بكسر الفاء، ويجوز فتحها؛ أي: جعل، وقد تقدَّم.

فائدة: يحتمل أنْ يكون موسى أراد بضرب الحجر إظهار معجزة لقومه بأثر الضَّرب في الحجر، ويحتمل أنَّه [2] أوحي إليه بأنْ يضربه؛ لإظهار المعجزة، والله أعلم، قاله النَّوويُّ.

قوله: (لَنَدَبٌ): قال ابن قُرقُول: (لندْب): كذا رُوِّيناه بسكون الدَّال، وكذا يقوله المحدِّثون، ورُوِّيناه عنِ الأسدي والصَّدَفَيِّ وغيرهما: بفتحها [3] ، وهو الصَّواب، انتهى، ولم يذكر ابن الأثير وكذا النَّوويُّ في «شرح مسلم» سواه، قال ابن قُرقُول: (وهو الأثر من الجرح والضَّرب إِذَا لَمْ يرتفع عن [4] الجلد، والجمع ندوب [5] وأنداب، وقيل: النَّدَب: جمع ندَبة؛ مفتوح الدَّال، فأمَّا إِذَا سكِّنت؛ فهو الحضُّ والدعاء إلى الشيء) انتهى، وقال النوويُّ: (الندَب: الأثر) .

قوله: (سِتَّة أَوْ سَبْعَة): هما مرفوعان منوَّنان، ويجوز نصبهما، ورأيته [6] في بعض النُّسخ الصَّحيحة مضبوط بهما، وكذا هو في أصلنا الآن.

قوله: (وَعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه [7] عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا...) ؛ الحديث إلى أنْ قال: (وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَا أَيُّوبُ...) ؛ الحديث: اعلم أنَّ المِزِّيَّ قد علَّم عليه (خت) ؛ يعني: أنَّ البخاريَّ أخرجه تعليقًا، ثُمَّ قال: (البخاريُّ [8] في «الطَّهارة» رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بن طهمان، عن مُوسَى بْنِ عُقْبَة، عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ به، وأخرجه النَّسائيُّ فيه، عن أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم به؛ يعني: عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ؛ يعني: عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه) انتهى.

وإبراهيم بن طهمان ليس هو من مشايخه، فالحديث معلَّق كما رقم عليه المِزِّيُّ، وقال شيخنا الشَّارح: حديث أبي هريرة هذا معطوف على سند حديث أبي هريرة الأوَّل، وقد صرَّح به أبو مسعود الدِّمشقيُّ وخلف، فقالا: إنَّ البخاري رواه هنا عن إسحاق ابن نصر، وفي (أحاديث الأنبياء): عن عَبْد الله بن محمَّد الجعفيِّ؛ كلاهما عن عَبْد الرَّزَّاق، وذكر عن أبي نعيم أنَّ البخاريَّ لَمْ يذكر اسم شيخه وأرسله، ثُمَّ ذكر وصله من عند الإِسْمَاعيليِّ.

فحاصل كلام شيخنا: أنَّه ذكر فيه قولين؛ أحدهما: أنَّه معطوف على السَّند قبله، والثَّاني: أنَّه تعليق، ولا شكَّ أنَّه تعليق، لكن عكَّر [9] عليَّ قولُه فيه: (ورواه) ؛ بالواو، وعلى: (ورواه) بجملتها علامة نسخة، ولو حُذِفتِ الواو؛ كان ظاهرًا في التَّعليق، والله أعلم، ولكنَّ إبقاء الواو دليل على أنَّه [10] معطوف على الحديث قبله، ومن قوله: (وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ...) إلى (عُرْيَانًا): هو مُخرَّج في أصلنا الدِّمشقيِّ في الهامش، وعليه ما صورته ( هـ ) .

و (إبراهيم): تقدَّم أنَّه ابن طهمان، و (صَفْوَان بْنِ سُلَيْم) ؛ بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، و (عَطَاء بْن يَسَار) ؛ بالمثنَّاة تحتُ والسِّين المهملة، وكلُّ هذا ظاهر، والله أعلم.

[1] في (ب): (وثلث) .
[2] في (ج): (بأنَّه) .
[3] في (ج): (يفتحهما) .
[4] في (ج): (من) .
[5] في (ب): (ندب) .
[6] في (ج): (وروايته) .
[7] الترضية: ليست في «اليونينيَّة» و (ق) .
[8] (البخاري): ليس في (ب) .
[9] في (ب): (عسر) .
[10] (أنه): سقطت من (ج) .





278- 279- ( هَمَّامِ ) بفتح أوله.

( ابْنِ مُنَبِّهٍ ) بضم أوله وكسر ثالثه.

( آدَرُ ) بالمد: عظيم الخصيتين.

( فجَمَحَ ) بجيم وميم وحاء مهملة مفتوحات: جرى أشدَّ الجري.

( ثَوْبِي يَا حَجَرُ ) ناداه مناداة العقلاء لفعله فعل من يعقل؛ إِذ الْمُتَحَرِّكُ يُمْكِنُ أَنْ يسمع ويجيب.

( كَيْنُونَة ) مصدر كان يكون كينونًا وكينونة، شبهوه بالحيدودة والديمومة، وأصله كيَّنونة بتشديد الياء ثم خفف كـ: هيِّن. [/ج1ص115/] ( الَنَّدَب ) بفتحتين: أثر الضرب.

( جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ ) جمع جرادة.

( يَحْتَثِي ) بحاء مهملة ثم مثناة ثم مثلثة من الحثية وهي الأخذ باليد، ويُروَى يحتثن بالنون آخره.


278- 279- ( آدَرُ ) بالمدِّ وفتح الدَّال المهملة وتخفيف الرَّاء: من الأَدَرة، بفتحتين: انتفاخ في الخصية.

( فَجَمَحَ ) أي: جرى سريعًا.

( وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ) للحَمُّويي: «وطفق الحجرَ» بالنَّصب أي: يضرب الحجرَ ضربًا.

( لَنَدَبٌ ): بفتحتين والدَّال مهملة: الأثر. [/ج1ص381/]

( يَحْتَثِي ): بسكون المهملة وفتح المثنَّاة الفوقيَّة بعدها مثلَّثة، والحثية: الأخذ باليد.

( لاَ غِنَى ): بالقصر بلا تنوين على أن ( لا ) بمعنى ليس.


278- 279- وبه قال: ((حدثنا إسحاق ابن نصر)) ؛ بفتح النون، وسكون الصاد المهملة، السعدي البخاري، نسبه لجده هنا، وفيما تقدم صرح بأبيه إبراهيم وجده نصر، وما هو إلا لأجل التفنن في الكلام ((قال: حدثنا عبد الرزاق)) ؛ هو ابن هَمَّام الصغاني، ((عن مَعْمَر)) ؛ بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الميم الثانية؛ هو ابن راشد، ((عن هَمَّام)) ؛ بفتح الهاء، وتشديد الميم الأولى ((بن مُنَبِّه)) ؛ بضمِّ الميم، وفتح النون، وكسر الموحدة المشددة، ((عن أبي هريرة)) ؛ هو عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه، ((عن النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) أنه ((قال: كانت بنو إسرائيل)) جمع السلامة، وأصله: بنون، لكنه على خلاف القياس؛ لوقوع التغيير في مفرده، وأما التأنيث في الفعل؛ فعلى قول من يقول: حكم ظاهر الجمع مطلقًا حكم ظاهر غير الحقيقي؛ فلا إشكال، وأمَّا على قول من يقول: كل جمع مؤنث إلا جمع السلامة المذكر؛ فتأنيثه أيضًا

[/ص295/] عنده على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»، ثم قال: (وبنو إسرائيل) اسم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم، وسمي به؛ لأنَّه سافر إلى خاله لأمر تقدم ذكره، وكان خاله في حران، وكان يسري بالليل، ويكمن بالنهار، وكان بنو يعقوب اثني عشر رجلًا؛ وهم: روبيل، وهوذا، وشمعون، ولاوي، وداني، ونقالي، وذبولون، وذاد، وبشاخرة، وأشيرة، ويوسف، وبنيامين، وهم الذين سماهم الله تعالى الأسباط، وسموا بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهم قبيلة، والسبط في كلام العرب: الشجرة الملتفة الكثيرة الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل؛ كالشعوب من العجم والقبائل من العرب) انتهى.

((يغتسلون عُراةً)) ؛ بضمِّ العين المهملة، منصوب على الحال، جمع عارٍ؛ كقضاة جمع قاضٍ؛ أي: متجردين عن الثياب، وعن المئزر ((ينظر بعضهم إلى بعض)) : جملة فعلية وقعت حالًا من (الواو) في (يغتسلون) بعد حال مترادفة أو متداخلة، وهذا يدل على أن كشف العورة كان جائزًا في شرعهم، ويدل عليه: أنهم كانوا يغتسلون عراة وموسى عليه [السلام] يراهم ولا ينكر عليهم ولو كان حرامًا؛ لأنكره عليهم، ويوضحه ما قاله الفقهاء من أن حرمة كشف العورة من خصائص هذه الأمة، واغتسال موسى منفردًا إنَّما كان من باب الحياء والأدب لا أنه واجب عليه، ويحتمل أنه كان عليه مئزر رقيق فظهر ما تحته لمَّا ابتل بالماء، فرأوا أنه أحسن الخلق، فزال عنهم ما كان في نفوسهم.

وزعم ابن بطال أنَّ بني إسرائيل كانت تفعل هذا؛ معاندة للشرع، ومخالفة لنبيهم عليه السلام.

قلت: وارتضاه القرطبي، وتبعهما القسطلاني والعجلوني، ولا يخفى أن هذا مخالف ومصادم للحديث؛ لأنَّ موسى عليه السلام كان يراهم متجردين عن الثياب حال الاغتسال، ولا ينكر عليهم، والأمر المحرَّم في الشرع لا يمكن سكوت النبيِّ عليه السلام عنه؛ لأنَّه بعث؛ لبيان الأحكام والشريعة، فكيف لا ينكر عليهم وهو حرام، هذا ممنوع قطعًا، على أنه نص الفقهاء على أن كشف العورة حرام من خصائص هذه الأمة؛ يعني: فيكون غير حرام عند بني إسرائيل، كما هو صريح نص الحديث، غاية الأمر: أنهم إنَّما كانوا يخالفون موسى في عدم الغسل مفردًا ونسبوه إلى الأدر؛ لاختفائه عنهم في حال الاغتسال وتستره حياءً وأدبًا من ربه عز وجل، ولعدم موافقته لهم من حيث إنه رسول الله عليه السلام، فلا ينبغي له أن يتداخل معهم كل التداخل؛ لأنَّ كثرة المداخلة تذهب البهاء والرئاسة، فربما يقع منه شيء في حقه، فيدعو عليهم، ألا ترى أن الأمير إذا دخل الحمام يدخل وحده وأتباعه كلهم ينتظرونه [1] ، فالرسول من باب أولى، كما لا يخفى؛ فافهم.

((وكان موسى)) زاد الأَصيلي: (صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وفي نسخة: (عليه السلام) ، وهو من ذرية لاوي، فهو موسى بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم وسلامه ((يغتسل)) أي: من الجنابة ((وحده)) ؛ أي: منفردًا، منصوب على الحال إما استحياء، أو أدبًا، أو تنزهًا؛ لأنَّ التجرد ليس بحرام في شرعه، كما قدمنا.

قال في «عمدة القاري»: (ومطابقة الحديث للترجمة في اغتسال موسى عليه السلام عريانًا وحده خاليًا عن الناس، ولكن هذا مبني على أن شرع من قبلنا من الأنبياء عليهم السلام هل يلزمنا أم لا؟ وفيه خلاف، والأصح أنه يلزمنا ما لم يقض الله علينا بالإنكار) انتهى.

قلت: وهو مذهب الأئمَّة الحنفية، وتبعهم الشافعية، وزعم ابن حجر (أن الذي يظهر أن وجه الدلالة من الحديث أن النبيَّ عليه السلام قصَّ قِصتي موسى وأيُّوب عليهما السلام ولم يتعقب شيئًا منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا؛ إذ لو كان فيهما شيء غير موافق؛ لبيَّنه، فعلى هذا: يجمع بين الحديثين بحمل حديث بهز على الأفضل، وإليه أشار في الترجمة) انتهى؛ أي: وهذا على التحريم.

قلت: كلامه غير صحيح، وقد أخذ كلامه من ابن بطال وهو موافق لمسماه، وهذا الظاهر فاسد غير ظاهر؛ لأنَّه لا يلزم من ذكر القصتين وعدم تعقبهما أن يكون موافقًا لشرعنا؛ لأنَّه عليه السلام حين قصهما كان في معرض بيان ما وقع للرسل قبله من غير ملاحظة الحكم، قال تعالى: {كَذَلِكَ [2] نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ [3] } [طه: 99] ، ولهذا سكت عليه عن البيان وقتئذٍ، وإنما ثبت حرمة كشف العورة في الصَّلاة أو للناس بدليل آخر، فإن كان مراد هذا القائل أنه ثبت بهذه القصة؛ فهو غير صحيح؛ لأنَّها لا تدل على الحرمة بل على الإباحة، كما هي في شرع موسى، ويدل لهذا أنه عليه السلام ذكر قصة موسى مع الخضر في قتل الغلام، وخرق السفينة، وبناء الجدار، وسكت عليها، والحال أنه غير موافق لشرعنا، فلو كان سكوته في القصص عن البيان يدل على الموافقة؛ لكان فعل الخضر شرع لنا وهو ممنوع، لا يسع أحدًا القول به، كما لا يخفى.

وقوله: (فهذا يجمع...) إلخ غير صحيح، فإن حديث بهز وهذا الحديث كل منهما ظاهر في الندب ومطابق للترجمة فهو الأفضل، وإنما حاول بكلامه ترويجًا لما ذهب إليه بعض الشافعية من الحرمة، ولا دليل يدل عليها، كما قدمناه، على أنه صرح هو أن المشهور عند متقدمي الشافعية الكراهة؛ يعني: أن الأحاديث الواردة في هذا الباب محمولة على الندب كما حمله عامة الفقهاء، لكن اعترضه العجلوني فزعم أنه يجب سترها مطلقًا في الصَّلاة وفي غيرها مع الخلوة أو لا، ولا نعلم قولًا بالكراهة فقط) انتهى.

لكن قال الكرماني: (كشف العورة في الخلوة إن كان لحاجة؛ جاز، وإن لغيرها؛ ففيه خلاف في كراهته وتحريمه، والأصح أنه حرام) انتهى.

فهذا يدل على أن عندهم في ذلك خلافًا، وقد خبطوا في مذهبهم، فلا يدرون الحكم كما رأيت، وقدمنا ما فيه أيضًا نقلًا عن إمام الشارحين؛ فليحفظ.

((فقالوا)) أي: بنو إسرائيل: ((والله)) قسم ((ما يمنع موسى أن يغتسل معنا)) عريانًا، ننظر إليه وينظر إلينا ((إلا أنه آدر)) استثناء مفرغ، والمستثنى منه مقدر، وهو الأمر من الأمور كما في «عمدة القاري»، فـ (أن) وما بعدها فاعل (يمنع) ، و (أن يغتسل) على تقدير من متعلق بـ (يمنع) ، وهذا دليل ظاهر على أن شرعهم كان إباحة التعرِّي في الاغتسال وعدم حرمة النظر إلى العورة، وهو يرد على من زعم أن شرعهم كشرعنا؛ فافهم.

و (آدر) ؛ بمد الهمزة، وفتح الدال المهملة، وتخفيف الراء، ممنوع من الصرف، قال صاحب «عمدة القاري»: (زعم ثعلب في الفصيح أنه كآدم) .

وقال في «المنتخب»: (الأدرة مثل فعلة؛ فتقٌ يكون في إحدى الخصيتين) ، وقال علي بن حمزة: (يقال: أُدْره وأَدْره، وأد؛ بالضم، والفتح، وإسكان الدال، وبالفتح، والتحريك) ، وفي «المخصص» لابن سيده: (الأدرة: الخصية العظيمة، آدر الرجل إدراء، وقيل: الآدر الذي ينفتق صفاقه فيقع قصبه في صفته، ولا ينفتق إلا من جانبه الأيسر، وقد تأدر الرجل من داء يصيبه والشرج ضده، ولا يقال: امرأة آدر، إما لأنَّه غير مسموع، وإما أن يكون لاختلاف الخِلقة، والاسم الأدرة) ، وفي «الجامع»: (الأدرة، والأدر مصدران واسم النفخة الأدرة) ، وفي «الصحاح»: (الأدرة نفخة في الخصية، يقال: رجل أدر بيِّن الأدرة) ، وفي «الجمهرة»: (هو العظيم الخصيتين) انتهى كلامه رحمه الله ورضي عنه، فالأدرة مختصة بالرجال.

[/ص296/] ((فذهب)) ؛ أي: سيدنا موسى عليه السلام ((مرة)) أي: في يوم من الأيام ((يغتسل)) ؛ أي: من الجنابة جملة محلها النصب؛ لأنَّها وقعت حالًا وهي حال منتظرة، ويجوز أن تكون خبر (ذهب) إن جعلت من أفعال المقاربة، والأول أظهر؛ فافهم، ((فوضع ثوبه على حَجَر)) ؛ بفتحتين، فيه حذف؛ تقديره: فخلع ثوبه فوضعه عليه، وهو الذي يحمله معه في الأسفار فيضربه فيتفجر له منه الماء، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: (وأخرج هذا الحديث مسلم، ولفظه: (اغتسل موسى عليه السلام عند مُوَيْه) بضمِّ الميم، وفتح الواو، وإسكان التحتية، تصغير ماء، وأصله موه، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها هكذا هو في بعض نسخ «مسلم»، وروى ذلك العدوي، والباجي.

وفي معظم نسخ «مسلم» (عند مَشْرُبَة) ؛ بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وضم الراء، وفتح الموحدة؛ وهي حفرة في أصل النخل يجمع فيه الماء؛ ليسقيها، وقال القاضي عياض: (وأظن الأول تصحيفًا) انتهى.

قلت: ولا منافاة بين رواية المؤلف ورواية مسلم؛ لإمكان الجمع بينهما بأنه وضع ثوبه على حجر عند المشربة التي فيها الماء؛ فليحفظ، فلما فرغ من غسله؛ أقبل إلى ثوبه ليأخذه كما في رواية الحافظ الطحاوي؛ ((ففر)) أي: فذهب ((الحجر)) يمشي على بطنه مسرعًا، فـ (الفاء) بمعنى (ثم) ؛ فافهم ((بثوبه)) ؛ أي: بثوب موسى عليه السلام، ((فخرج)) ؛ أي: موسى عليه السلام، وفي رواية: (فجمح) ؛ بجيم، فميم مخففة، فحاء مهملة؛ أي: أسرع وجرى أشد الجري، قال ابن سيده: (يقال: جمح الفرس بصاحبه جمحًا وجماحًا؛ ذهب يجري جريًا غالبًا، وكل شيء مضى على وجهه؛ فقد جمح) ، وفي «التهذيب لأبي منصور»: (فرس جموح؛ إذا ركب رأسه، فلم يرده اللِّجام، وهذا ذمٌّ، وفرس جموح؛ أي: سريع، وهذا مدح) ، كذا في «عمدة القاري»؛ فافهم ((في إِثره)) ؛ بكسر الهمزة، وسكون المثلثة، وفي بعض الأصول بفتحهما؛ بمعنى: عقبه، وزعم العجلوني أنه بمعنى: بعده.

قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ البعدية صادقة على وقوع المهلة في الزمان اليسير والكثير، بخلاف العقب، فإنه دال على عدم وقوع المهلة مطلقًا، وهو المراد هنا، كما لا يخفى.

وقال في «المنتخب»: (بوجهه أَثر وأُثر وإِثر؛ يعني بتثليث الهمزة مع إسكان الثاء [4] ، ورابعة بفتحها، حكاها كراع، وفي «الواعي»: (الأثر محرك؛ هو ما يؤثر الرجل بقدمه في الأرض) ، وقال ابن سِيْده: (الأثر بالضم؛ أثر الجرح) ؛ انتهى.

((يقول)) جملة من الفعل والفاعل محلها نصب على الحال؛ أي: موسى عليه السلام: ((ثوبي)) مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: ردَّ ثوبي، أو أعطني ثوبي ((يا حجر)) وإنما خاطبه؛ لأنَّه أجراه مجرى من يعقل؛ لكونه فر بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه فلما لم يعطه؛ ضربه، وقيل: يحتمل أن يكون موسى عليه السلام أراد أن يضربه إظهارًا للمعجزة بتأثير ضربه، ويحتمل أن يكون عن وحي؛ لإظهار الإعجاز ومشي الحجر إلى بني إسرائيل بالثوب أيضًا معجزة أخرى لموسى عليه السلام، كذا قرره صاحب «عمدة القاري».

((ثوبي يا حجر)) ؛ بالتكرار مرتين مع إثبات حرف النداء، ووقع في «مسلم» مكررًا أيضًا، وبإسقاط حرف النداء، ولكنه مراد، كما لا يخفى، ومثله في رواية لغير الأربعة هنا، وهو مفعول لمحذوف كما سبق، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بالعكس وعليهما؛ فهو لاستعظام كونه يأخذ ثوبه، فعامله معاملة من لا يعلم كونه ثوبه، لعله يرده إليه ((حتى)) للغاية أو للتعليل لـ (فرَّ) المتقدم، أو لنحو: استمر على فراره مقدرًا إلى أن ((نظرت بنو إسرائيل إلى موسى)) عليه السلام وهو مكشوف العورة، ففيه: رد على من زعم أنَّ ستر العورة كان واجبًا، وفيه: إباحة النظر إلى العورة عند الضرورة من مداواة أو براءة مما نسب إليه؛ كالبرص وغيره، لكن الأول أظهر؛ لأنَّ مجرد تستر موسى لا يدل على وجوب ستر العورة لما تقدر في الأصول أن الفعل المجرد لا يدل بمجرده على الوجوب، وليس في الحديث أن موسى أمرهم بالتستُّر، ولا أنكر عليهم التكشُّف، ولو كان واجبًا؛ لأمرهم بذلك، وأما إباحة النظر إلى العورة للبراءة مما نسب إليه؛ فإنما هو من حيث يترتب على الفعل حكم؛ كفسخ النكاح، وأما قصة موسى؛ فليس فيها أمر شرعي ملزم يترتب على ذلك، فلولا إباحة النظر إلى العورة؛ لما أمكنهم موسى من ذلك، ولا خرج مارًّا على مجالسهم، وهو كذلك، وأما اغتساله خاليًا؛ فكان يأخذ في حق نفسه بالأكمل والأفضل، ويدل على الإباحة: ما وقع لنبينا عليه السلام وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفه بإشارة العباس عليه بذلك؛ ليكون أرفق به في نقل الحجارة، ولولا إباحته؛ لما فعله، لكنه ألزم نفسه بالأكمل والأفضل؛ لعلوِّ مرتبته عليه السلام، كذا قرره القسطلاني بزيادة؛ فافهم واحفظ، ((فقالوا)) ؛ بالفاء، وفي رواية: بالواو؛ أي: بنو إسرائيل حين رأوا موسى مكشوف العورة، ورأوا عورته: ((والله)) قسم ((ما بموسى من بأس)) كلمة (من) زائدة، وهو اسم (كان) على تقدير: ما كان بموسى [5] بأسٌ، وفي أكثر النسخ: (ما بموسى) ؛ فعلى هذه: (من بأس) اسم (ما) ، كذا في «عمدة القاري»، واعترضه العجلوني بأن (ما) على الصحيح لا تعمل مع تقدم الخبر، ولا داعي إلى تقدير (كان) ، وجازت زيادتها؛ لتقدم وكون المجرور نكرة) انتهى.

قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ قوله: (أن ما على الصحيح...) إلخ غير صحيح؛ لأنَّ هذا التصحيح لم يذكره غيره من النحويين، بل قالوا: (ما) النافية عند الحجازين كـ (ليس) إن تقدم الاسم على الخبر، ولم يُسبَق الاسم بـ (أن) الزائدة، ولا بمعمول الخبر إلا إذا كان ظرفًا أو مجرورًا ولم يسبق الخبر بـ (إلا) ، وبنو تميم لا يعملونها، بل هي عندهم مهملة وهو القياس؛ لأنَّها حرف لا يختص بقبيل، بل تدخل على الأسماء والأفعال، فأصلها ألَّا تعمل قال شاعرهم:

~ومهفهف الإعطاف قلت له: انتسب فأجاب: ما قتل المحب حرام

أي: هو تميمي لا حجازي، وظاهر كلام النحاة أن الصحيح أنها مهملة؛ لتعليلهم أنه القياس، وأنها صرف غير مختص.

وقوله: (ولا داعي إلى تقدير كان...) إلخ غير صحيح، بل الداعي إلى ذلك صحة المعنى؛ لدلالتها على عدم وجود البأس فيه؛ فافهم، والبأس: الشدة؛ أي: لم يوجد بموسى من شدة من العيب؛ فليحفظ.

((وأخذ)) أي: موسى عليه السلام ((ثوبه)) من على الحجر حين وقف في مجلس بني إسرائيل، ولبسه عليه بعد أن رآه بنو إسرائيل مكشوف العورة وتيقنوا أنه ليس به بأس من العيوب، وهذا ظاهر من صريح سياق الحديث، وقال ابن المُنيِّر: (الصحيح أن موسى لم يتعمد تمكينهم من نظر العورة، وإنما ألجأه الله تعالى إلى ذلك بآية أظهرها؛ لبراءته مما ينقص به، وكان الحجر في ذلك كالبشر يفر بثوب الرجل فيلزمه اتباعه، فيجوز ذلك للضرورة) ، وقيل: لم يكن مكشوف العورة، بل نزل الماء مؤتزرًا، فلما خرج يتبع الحجر والمئزر مبتل بالماء؛ علموا عند رؤيته أنه ليس بآدر؛ لأنَّ الأدرة تبين من تحت الثوب المبلول بالماء، نقله ابن الجوزي عن الحسن بن أبي بكر النيسابوري، قال ابن حجر: (وفيه نظر ولم يذكر وجهه) .

قلت: ولعل وجهه في الأول أنه لم يتعمد تمكينهم من النظر إلى العورة؛ لما غلبه من الحياء والأدب، وكأنه تعالى لما لم يوجب عليهم ستر العورة ألجأه إلى إظهارها لحكمتين؛ أحدهما: أن سترها غير واجب، وثانيهما: إظهار براءته مما نسبوه.

وقوله: (وكأن الحجر...) إلخ غير ظاهر؛ لأنَّ الاتِّباع للحجر غير لازم؛ لإمكان التستر بغيره من حشيش، أو ماء كدر، أو طين، أو غير ذلك، فليس فيه جواز ذلك للضرورة؛ لأنَّه لا ضرورة إلى ذلك مع وجود ما يستتر به من الحشيش وغيره، فالحقُّ أن موسى عليه السلام لما علم ما نسبوه إليه، ورأى الحجر قد فر بثوبه؛ بادر إلى نفي ما نسبوه إليه؛ حيث تيسر له ذلك، وإلى أخذ الثوب من الحجر، ولعل وجه النظر في الثاني أن الثوب المبتلَّ الرقيق الذي لا يحجب العورة لا يعد ساترًا لها؛ لأنَّ الستر عدم الظهور، والعورة تحت مثل هذا الثوب تظهر لمن نظر إليها فكأنه مكشوف العورة بلا ساتر، فهذا الثوب وجوده وعدمه سواء، كما لا يخفى، وقال ابن الجوزي: (إن موسى كان في خلوة كما في الحديث، فلما تبع الحجر لم يكن عنده أحد؛ فاتفق [/ص297/] أنه جاز على قوم فرأوه؛ لأنَّ جوانب الأنهار وإن خلت لا يؤمن وجود قوم قريب منها، فبقي الأمر أنه لا يراه أحد، فاتفق من رآه) انتهى.

قلت: وهو فاسد، فإن الحديث لا يدل على أنه كان يغتسل في خلوة؛ لأنَّ لفظ الحديث: (وكان موسى يغتسل وحده) لا يدل على أنه كان يغتسل في خلوة، بل شامل لغسله عند عين أو نهر وغير ذلك، غاية الأمر: أنه وحده ليس عنده أحد، ويؤيد ذلك ما في رواية مسلم: (أنه كان يغتسل عند مشربة) ؛ وهي الحفرة في أصل النخلة يجمع فيها الماء ليسقيها، فموسى لما اغتسل عند الماء ولم يكن عنده أحد فرأى [6] ثوبه فرَّ به الحجر؛ تبعه لما قدمنا قريبًا، فمر على القوم من بني إسرائيل فرأوه؛ لأنَّ جوانب الأنهار والعيون لا تخلو من وجود أحد من السياحين، وأصحاب التنزه ولو من أصحاب النخل، فلا بد وأن يراه أحد من هؤلاء.

وقوله: (فبقي الأمر...) إلخ ممنوع، بل بقي الأمر على أنه قد رآه أحد قصدًا؛ لعدم خلوِّ أحد، كما لا يخفى؛ فليحفظ.

((فَطفِق)) ؛ بكسر الفاء، وفي رواية: بفتحها، قيل في بعض النسخ: (وطفق) ؛ بالواو؛ أي: شرع يضرب ((الحجر)) فـ (الحجر) منصوب بفعل مقدر، وهو (يضرب) ، وقوله: ((ضربًا)) مفعول مطلق له، وفي رواية الأكثرين: (فطفق) ؛ بالجر بزيادة موحدة في أوله؛ ومعناه: جعل ملتزمًا بذلك يضربه ضربًا، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، وزعم العجلوني نقلًا عن «المصابيح» (أنه يقدر على هذه الرواية مس بالحجر لا بضرب؛ لئلا يلزم زيادة الباء في غير محلها) انتهى.

قلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّ الباء للمصاحبة، فيلزم على قوله أنه لم يوجد ضرب للحجر، بل مسٌّ وهو خلاف المراد؛ فالمعنى الأول هو المراد؛ يعني: جعل نفسه ملتزمًا بذلك بضرب الحجر ضربًا؛ فافهم.

و (طفق) من أفعال المقاربة وهي ثلاثة أنواع:

الأول: ما وضع للدلالة على قرب الخبر، وهي ثلاثة: كاد، وقرب، وأوشك.

الثاني: ما وضع للدلالة على رجائه، وهي ثلاثة: عسى، واخلولق، وحرى.

والثالث: ما وضع للدلالة على الشروع فيه، وهي كثيرة، ومنه: طفق.

وهذه كلها ملازمة لصيغة الماضي، إلا أربعة فاستعمل لها مضارع: وهو كاد، وأوشك، وطفق، وجعل، واستعمل مصدرًا لاثنين، وهما طفق وكاد، وحكى الأخفش: طفوقًا عمن قال: طفَق؛ بالفتح، وطفِقًا عمن قال: طفِق؛ بالكسر، وقد أوضحت المقام في شرحي على «شرح الأزهرية» للشيخ خالد الذي سميته بـ: «تاج الأُسطوانية شرح شرح الأزهرية»؛ فارجع إليه إن شئت، وقدمنا عن «عمدة القاري» أن موسى نادى [7] الحجر، فلما لم يعطه الثوب؛ ضربه، ويحتمل أن يكون موسى أراد أن يضربه إظهارًا للمعجزة بتأثير ضربه، ويحتمل أن يكون عن وحي؛ لإظهار الإعجاز، ومشي الحجر إلى بني إسرائيل بالثوب أيضًا معجزة أخرى لموسى عليه السلام، انتهى.

((قال)) وفي رواية: (فقال) ((أبو هريرة)) رضي الله عنه هذا إما من قول أبي هريرة؛ فيكون تعليقًا من البخاري، وإما من تتمة قول همام؛ فيكون مسندًا، كذا قاله الكرماني، وزعم ابن حجر أنه من قول همَّام، وليس بمعلق.

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: احتمال الأمرين ظاهر، وقطع البعض بأحد الأمرين غير مقطوع به) انتهى.

وأجاب ابن حجر في «الانتقاض»: (بأن القطع المراد به الحكم بالترجيح، ومن راجع نسخة همام من طريق البخاري عرف الرجحان المذكور) انتهى.

قلت: وهو مردود عليه، فإن القطع المراد به الحكم على أمر لا يحتمل غيره، يقال: قطع القاضي الأمر على فلان؛ يعني: حكم عليه به، وهو لا يحتمل غيره بخلاف الترجيح، فإنه يحتمل غيره واحدًا وأكثر، وهذا القائل لم يفرق بين القطع والترجيح.

وقوله: (ومن راجع...) إلخ ممنوع، فإنه ليس فيها ما يفيد الترجيح المذكور، بل فيها احتمال الأمرين، فكيف قال ابن حجر ما قال؟

والذي يظهر لي أن هذا تعليق من المؤلف، ويحتمل أنه مسند، لكن الأول أقرب؛ لأنَّ الحديث قد تم، وهذا بيان عدد الضرب؛ فليحفظ، والله أعلم، وتمامه في «إيضاح المرام»؛ فليراجع.

((والله)) قسم؛ ((إنه)) ؛ أي: الشأن أو الحجر المذكور ((لنَدَبَ)) ؛ بفتح النون، وفتح الدال المهملة، آخره موحدة، منون؛ أي: أثر، قال أبو المعالي: (الندب: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، وجرح نديب؛ ذو ندب، وقد أندبته؛ أي: جعلت في جسمه ندبًا وأثرًا، والجمع أنداب وندوب) ، وفي «المحكم»: (والجمع ندب، وقيل: الندب واحد، وندب ظهر ندبًا وندوبة وندوبًا، فهو ندب صارت فيه ندوب وأندب بظهره وفي ظهره عادت فيه ندوبًا) ، وفي (الاشتقاق) عن الأصمعي: (هو الجرح إذا بقي منه أثر مشرف، يقال: ضربه حتى أندبه) ، كذا في «عمدة القاري».

وقوله: ((بالحجر)) صفة (لندب) ، أو متعلق به، وهو الأظهر؛ فافهم، وقال في «المصابيح»: (إن حمل على ظاهره؛ ففيه آية لموسى، وإلا؛ فيكون استعارة) انتهى.

قلت: والمراد هنا الحمل على ظاهره؛ لأنَّ المقصود إظهار آية موسى عليه السلام، وإظهار معجزاته، وكونه استعارة بعيد جدًّا، وذلك لأنَّ الحجر قد أثر فيه الضرب حقيقة، فكيف يحمل على المجاز؟ وما هو إلا دعوى بلا دليل؛ لأنَّ مع وجود الحقيقة لا يجوز المصير إلى المجاز، كما لا يخفى.

((ستةٌ)) ؛ بالرفع على البدلية من (ندب) ؛ أي: ستة آثار، ويحتمل أنه خبر لـ (هي) مقدرة، أو منصوب على الحال من الضمير المستكن في قوله: (بالحجر) ، فإنه ظرف مستقر (لندب) ؛ أي: أنه لندب استقر بالحجر حال كونه ستة آثار، أو على التمييز، ((أو سبعةٌ)) بالشك من الراوي ((ضربًا)) منصوب على التمييز ((بالحجر)) متعلق بـ (ضربًا) ، والظاهر أن موسى عليه السلام ضرب الحجر المذكور إمَّا بعصاه المعلومة، وإمَّا بحجر أخذه في مروره من الأرض، أو من عند الماء لا بيده الشريفة؛ لأنَّ الأحجار وغيرها مما له ثقالة لا يضرب إلا بمثله، أو أثقل منه كما هو العادة، فكان الحجر ذا أثر؛ ثم رأيت العجلوني نقل عن الحافظ الطحاوي في روايته لهذا الحديث عن أبي هريرة: أن موسى خلا يومًا وحده فوضع ثوبه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ من غسله؛ أقبل إلى ثوبه ليأخذه وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى بعصاه وطلب الحجر...) ؛ الحديث، فهذا يعين الأول، ويحتمل الثاني؛ فتأمل، والله أعلم.

ويجوز جعل ضمير (إنه) للشأن، ويقدر لهو ندب؛ فليحفظ.

قال صاحب «عمدة القاري»: (ففي الحديث: إباحة التعرِّي في الخلوة للغسل وغيره؛ بحيث يأمن أعين الناس، وفيه: دليل على جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية عليه من مداواة أو براءة من العيوب، أو إثباتها؛ كالبرص وغيره مما يتحاكم الناس فيها مما لا بد فيه من رؤية البصر بها، وفيه: جواز الحلف على الإخبار؛ كحلف أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: دلالة على معجزة موسى عليه السلام وهو مشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل ونداؤه عليه السلام للحجر، وتأثير ضربه فيه حقيقة، وفيه: دليل على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خلقًا وخلقًا ونزَّههم عن المعايب والنقائص، وفيه: ما غلب على موسى عليه السلام من البشرية حتى ضرب الحجر) انتهى.

قيل: المراد بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69] : ما نسبوه إليه من الأدرة المذكورة.

وقال الحافظ الطحاوي فيما رواه عن أبي هريرة في هذه الآية: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إن موسى كان رجلًا حيِّيًا سِتِّيرًا لا يكاد أن يرى من جلده شيء يستحيى منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل وقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة»، هكذا قال لنا [8] بعض [9] رواة هذا الحديث، وأهل اللغة يقولون: أدرة؛ لأنَّها آدر [10] ؛ بمعنى: آدم، وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا، ومما روي عن علي بن أبي طالب في هذه الآية قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حبًّا، فآذوه بذلك، [/ص298/] فأمر الله الملائكة فحملته وتكلمت بموته حتى عرفت بنو إسرائيل أنه قد مات، فدفنوه، فلم يعرف موضع قبره إلا الرخم، فإن الله جعله أبكم أصم، ولا تعارض في ذلك؛ لأنَّه يجوز أن يكونوا آذوه بكل ما ذكر، فبرأه الله تعالى منها، والله تعالى أعلم.

وبالسَّند المتقدم في هذا الحديث قال المؤلف: ((وعن أبي هريرة)) رضي الله تعالى عنه، فهو موصول، قال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: (هذا معطوف على الإسناد الأول، وقد صرح أبو مسعود وخلف في «أطرافهما» أن البخاري رواه هنا: عن إسحاق ابن نصر، وفي (أحاديث الأنبياء) : عن عبد الله بن محمَّد الجعفي؛ كلاهما عن عبد الله، ورواه أبو نُعيم الأصبهاني: عن أبي أحمد بن شيرويه: (حدثنا إسحاق: أنبأنا عبد الرزاق) ؛ فذكره، وأورد الإسماعيلي حديث عبد الرزاق، عن معمر، ثم لما فرغ منه؛ قال: وعن أبي هريرة قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «بينا أيُّوب يغتسل...»؛ الحديث.

وقال ابن حجر: (وجزم الكرماني بأنه تعليق بصيغة التمريض، فأخطأ، فإن الخبرين ثابتان في نسخة همام بالإسناد) ، ورده صاحب «عمدة القاري».

قلت: (الكرماني لم يجزم بذلك، وإنما قال: تعليق بصيغة التمريض؛ بناء على الظاهر أنه لم يطلع على ما ذكرنا) انتهى.

وزعم ابن حجر في «الانتقاض» فقال: (انظر وتعجب) انتهى.

قلت: لا نظر ولا تعجب في كلام إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»؛ لأنَّه قال الحق ورد الباطل، وإنما النظر والتعجب في كلام ابن حجر، فإنه قد استعجل القول بالخطأ ولم يلتفت إلى قوله تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ..}؛ الآية [الشعراء: 183] فإن كلام الكرماني مبني على الظاهر؛ حيث لم يطلع على ما ذكره صاحب «عمدة القاري»، ولو اطلع عليه؛ لم يقل: إنَّه تعليق قطعًا، ألا ترى أن ابن حجر لو لم يطلع على ما ذكره إمام الشارحين؛ لقال: إنه تعليق بلا ريب، فالأدب ممدوح لا مذموم، والإنسان غير معصوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

((عن النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) أنه زاد في رواية: (قال) : ((بينا)) ؛ بالألف بدون الميم، قال صاحب «عمدة القاري»: (أصله «بين» بدون ألف، زيدت الألف فيه؛ لإشباع الفتحة، والعامل فيه قوله: «فخرَّ» الآتي، وما قيل: إن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها؛ لأنَّ فيه معنى الجزائية؛ لأنَّ «بين» متضمن للشرط؛ فجوابه: لا نسلم عدم عمله سيما في الظرف؛ لأنَّ فيه توسعًا، والعامل «فخرَّ» مقدر، والمذكور مفسر له، وما قيل: إنَّ المشهور دخول «إذ» أو «إذا» في جوابه، فجوابه كما أن «إذا» تقوم مقام الفاء في جزاء الشرط؛ نحو قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] ، كذلك تقوم الفاء مقام «إذا» في جواب «بين»، فبينهما معارضة) انتهى، ((أيُّوب)) اسم أعجمي، وهو ابن أموص بن رزاخ بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام، وهذا هو المشهور، وقيل هو: ابن أموص بن رواح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وأمه بنت لوط عليه السلام، كذا في «عمدة القاري»، وهو النبيُّ المبتلى الصابر على بلائه؛ حيث أذهب الله أمواله وأولاده وكانوا سبعة بنين وسبع بنات، وابتلاه الله في ظاهر جسده بما يجوز على الأنبياء عليهم مدة سبع سنين، وقيل: ثماني عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، والأصح الأول وهو مع ذلك شاكر لله تعالى أوَّاب إليه، فرد الله تعالى عليه جميع ما أذهبه، قيل: بأعيانهم، وقيل: بأمثالهم، وهو الأظهر؛ لأنَّ فضل الله أوسع من ذلك؛ لما روي أن امرأته ولدت بعد البلاء ستة وعشرين ابنًا، قال في «عمدة القاري»: (وكانت منازله الثنية في أرض الشام والجابية من كورة دمشق، وكان الجميع له، ومقامه في حوران بقرية تعرف بدير أيُّوب، وقبره بها مشهور، وهي قرية قرب نوى عليه مشهد، وهناك قدمٌ في حجر يقولون: إنها أثر قدمه، وهناك عين يتبرك بها لما قيل إنها المذكورة في القرآن العظيم، وكان أعبد أهل زمانه) انتهى، وأكثرهم مالًا وكان لا يشبع حتى يشبع الجائع، ولا يكتسى حتى يكسي العاري، وكانت شريعته التوحيد وإصلاح ذات البين، وإذا طلب من الله حاجة؛ خرَّ له تعالى ساجدًا ثم طلب، صلى الله عليه وعلى نبينا النبي الأعظم وسلم.

قال صاحب «عمدة القاري»: (وعاش ثلاثًا وتسعين سنة) انتهى.

وقيل: خمسًا وتسعين، وقيل: مئتين، وقال القسطلاني: (إنه عاش ثلاثًا وستين سنة) انتهى.

قال العجلوني: (إن كان مستنده قول الكرماني وكان عمره ثلاثًا وستين، ومدة بلائه سبع سنين، فقد يقال: لا دليل فيه لاحتمال أنه إخبار عنه حين اغتسل عريانًا أو حين ابتدأ بلاؤه؛ فليتأمل.

قلت: وهذا غير ظاهر؛ لأنَّ قول القسطلاني وكذا الكرماني يدل على أنه عليه السلام عاش بعد الاغتسال عريانًا، وبعد الابتلاء ثلاثًا وستين سنة، فكأنه ابتدأ البلاء فيه حين كان عمره ثلاثًا وعشرين، ومدة البلاء سبع سنين على الأصح فشفي فاغتسل، وبعد ذلك عاش ثلاثًا وستين، فكأن عمره ثلاثًا وتسعين سنة، وهو الأظهر، كما لا يخفى؛ فافهم.

وقوله: ((يغتسل)) ؛ أي: من الجنابة، جملة في محل الرفع؛ لأنَّها خبر المبتدأ وهو قوله: (أيُّوب) ، والمبتدأ وخبره جملة في محل جر بإضافة (بين) إليه، كذا في «عمدة القاري».

قلت: لأنَّ الصحيح أنها تضاف إلى الجمل وإن اتصلت بها الألف؛ لأنَّها إنَّما تكفها عن الإضافة إلى المفرد؛ فافهم.

((عُرْيانًا)) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء، منصوب على الحال، مصروف؛ لأنَّه (فُعلان) بالضم بخلاف (فَعلان) بالفتح، كما عرف في موضعه، قاله في «عمدة القاري»، وجملة ((فخر عليه جرادٌ)) ؛ بالرفع فاعل (خر) ) ((من ذهب)) جواب (بينا) ، و (خر) مضارعه يخر بالكسر والضم؛ أي: سقط عليه من أعلى إلى أسفل، وقيل: هو السقوط مطلقًا، كما في «القاموس»، والجَراد: بفتح الميم، جمع جرادة تقع على الذكر والأنثى، وليس الجراد بذَكَرٍ للجرادة، وإنما هو اسم جنس؛ كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، فحق مذكره ألا يكون مؤنثه من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع، كذا في «الصحاح»، وقال ابن سيده: (الجراد معروف هو سروة، ثم دبًّا، ثم غوغاء، ثم خيفانًا، ثم كتفان، ثم جراد) ، وقال أبو إسحاق: (أول ما يكون الجراد دبًّا، ثم غوغاء؛ إذا ماج بعضه في بعض، ثم يكون كنفانًا، ثم يصير خيفانًا، ثم يكون جرادًا) ، وقيل: الجراد المذكر، والجرادة الأنثى، ومن كلامهم رأيت جرادًا على جرادة؛ كقولهم: رأيت نعامًا على نعامة، وقال ابن دريد: (سمي الجراد جرادًا؛ لأنَّه يجرد الأرض فيأكل ما عليها) ، كذا في «عمدة القاري».

قال القسطلاني: (وهل كان جرادًا حقيقة ذا روح إلا أن اسمه ذهب، أو كان على شكل الجراد، وليس فيه روح) ، قال في «شرح التقريب»: (والأظهر الثاني) انتهى.

قلت: بل هو المتعين؛ لأنَّ السقوط، والذهب،والحثيلا يكون لذي الروح، بل لما لا روح له؛ لأنَّه من الجمادات حينئذٍ؛ فافهم، ولأن ذا الروح لا يحثى للبركة، وإنما كان ينزل آية العذاب، فالقول الثاني هو المتعين؛ فليحفظ.

وعند المؤلف في (أحاديث الأنبياء) : (رِجل من جراد) ، وهي بكسر الراء؛ الجراد الكثير، ((فجعل أيُّوب)) عليه السلام ((يَحْتَثِي)) ؛ بفتح التحتية، وسكون الحاء المهملة، بعد فوقية مفتوحة، وكسر المثلثة؛ يعني: يأخذ بيديه ويرمي ((في ثوبه)) وفي بعض النسخ: (يحثي) ؛ بدون الفوقية؛ يعني: أنه بسط ثوبه وصار يحثي بيديه ويرى فيه، قال في «عمدة القاري»: (يحتثي) من باب (الافتعال) من الحَثْي بفتح المهملة، وسكون المثلثة، قال ابن سيده: (الحثي: ما رفعت به يديك، يقال: حثى يحثي ويحثو، والياء أعلى) ، وفي «الصحاح»: (حثا في وجهه التراب يحثو ويحثي حثوًَّا وحثيًّا وتحثاءً، وحثوت له؛ إذا أعطيته شيئًا يسيرًا، ويقال: الحثية باليدين جميعًا [/ص299/] عند أهل اللغة، وزعم ابن قرقول أنه يكون باليد الواحدة أيضًا) انتهى.

وقال ابن الملقن: (ذكر أهل اللغة أن الحثي باليدين جميعًا) انتهى.

وزعم ابن حجر أن الحثية هي الأخذ باليد الواحدة، انتهى.

قلت: وهو مخالف لما ذكره أهل اللغة.

وقال العجلوني: (هو محمول على ما قاله ابن قرقول، ويحتمل أن اليد للجنس) .

قلت: وهو ممنوع، فإن الحمل على ما قاله ابن قرقول غير صحيح؛ لأنَّه قول شاذ لا يعتمد عليه بعد تصريح أهل اللغة أنه باليدين جميعًا.

وقوله: (ويحتمل...) إلخ هذا الاحتمال غير صحيح أيضًا؛ لأنَّ (أل) في (اليد) للعهد للقرينة الدالة عليه، وهي قوله: (الأخذ باليد) ، فإرادة الجنس في كلام هذا القائل ممنوعة، وتمامه في «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام»؛ فليحفظ.

وزعم ابن حجر أنه وقع في رواية القابسي عن أبي زيد: (يحنى) ؛ بنون في آخره بدل الثاء، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: (قلت: أمعنت النظر في كتب اللغة فما وجدت له وجهًا في هذا) انتهى.

وقال السفاقسي: (لم أجده في اللغة) .

قلت: والظاهر: أنها تحريف من ابن حجر في النقل، ولم يلتفت إلى معناها، بل دأبه النقل من غير تعريض للمعنى؛ فافهم.

((فناداه ربه)) سبحانه وتعالى: ((يا أيُّوب)) يحتمل أن يكون كلَّمه كما كلَّم موسى عليه السلام، وهو أولى بظاهر اللفظ، ويحتمل أن يرسل إليه ملَكًا، فسمي نداء بذلك، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فافهم؛ ((ألم أكن أَغنيتُك)) ؛ بفتح الهمزة، وبتاء المتكلم ((عما ترى)) ؛ أي: من جراد الذهب؛ لأنَّ الله تعالى قد بسط عليه الدنيا وكانت له الثنية من أرض الشام كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والحمير ما لا يكون لأفضل منه في العدة والكثرة، وكان له خمس مئة فدان يتبعها خمس مئة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فدان أتان، لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة، وأعطاه الله أهلًا وولدًا من رجال ونساء، وكان برًّا تقيًّا رحيمًا بالمساكين يطعمهم، ويكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، وتمامه في «البغوي»، ((قال)) أي: أيُّوب عليه السلام: (بلى؛ وعزتك) ؛ أي: بل أغنيتني، قال الكرماني: (ولو قال في مثل هذه المواضع بدل (بلى) (نعم) ؛ لا يجوز، بل يكون كفرًا) ، قال إمام الشارحين: (لأن (بلى) مختصة بإيجاب النفي، و (نعم) مقررة لما سبقها، والمراد في قوله تعالى: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ؛ أي: أنت ربنا، قال المفسرون: لو قالوا: نعم؛ لكفروا، والفقهاء لم يفرقوا بينهما في الأقارير؛ لأنَّ مبناها على العرف، ولا فرق بينهما في العرف) انتهى كلام «عمدة القاري»، قال في «القاموس»: (بلى) جواب استفهام معقود بالجحد يوجب ما يقال لك، و (نَعَم) ؛ بفتحتين، وقد تكسر العين كلمة كـ (بلى) إلا أنه في جواب الواجب) انتهى، ((ولكن لا غِنًى)) ؛ بكسر الغين المعجمة، مقصور منون مرفوع؛ بمعنى: (ليس) ، والقصر بدون تنوين مبني بناء على أن (لا) لنفي الجنس، وزعم ابن حجر أنه بالقصر بلا تنوين على أن (لا) بمعنى: (ليس) .

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا القائل لم يرد الفرق بين (لا) التي بمعنى: (ليس) وبين (لا) التي لنفي الجنس، فإذا كانت بمعنى (ليس) ؛ فهو منون مرفوع، وإن كانت بمعنى: (لا) لنفي الجنس؛ يكون مبنيًّا على ما ينصب به ولا تنوين، ويجوز الوجهان هنا ولا فرق بينهما في المعنى؛ لأنَّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم) .

وقال صاحب «الكشاف»: (في أول البقرة قرئ: (لا ريبٌ) [البقرة: 2] ؛ بالرفع والفرق بينها وبين القراءة المشهورة أنَّ المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه) انتهى كلامه رضي الله عنه.

وقد حاول العجلوني عبارة ابن حجر ورممها على زعمه فقال: وعبارة ابن حجر هكذا (لا غنى) ؛ بالقصر بلا تنوين، ورويناه بالتنوين أيضًا على أن (لا) بمعنى (ليس) ؛ انتهى، فزعم العجلوني أن يكون قوله: على أن (لا) بمعنى (ليس) بناء على أنهما روايتان ومعناهما واحد، لكن العاملة عمل (إن) تفيد الاستغراق نصًّا بخلاف مخبرها؛ فإنها تفيده ظهورًا، انتهى.

قلت: وهذا لا ينفعه؛ لأنَّه غير صحيح؛ لأنَّ قوله: (بناء على أنهما روايتان...) إلخ متوجه عليه الاعتراض المذكور؛ لأنَّه كما لا يخفى إذا كانت الرواية بدون تنوين؛ فتكون (لا) لنفي الجنس، وإن كانت الرواية بالتنوين؛ فتكون (لا) بمعنى (ليس) ، ولم يفرق بينهما ابن حجر، بل جعل (لا) على الروايتين بمعنى: (ليس) ، وهو غير صحيح، كما لا يخفى.

وقوله: (ومعناهما واحد) غير صحيح من حيث الإعراب، وإن كان صحيحًا من حيث المعنى، والكلام الآن في الإعراب، ومفاد كلامه أن ابن حجر بنى كلامه على المعنى لا على الإعراب وهو غير صحيح، فإن هذا حل إعراب لا حل معنى، على أنه فيه خلط المعنى بالإعراب.

وقوله: (لكن...) إلخ هذا وجه إفادة الجنس تارة ينفي استغراقًا، وتارة ظهورًا، وهو حل معنى الجنس ولا كلام فيه، وعلى كلٍّ؛ فقد أكثر العجلوني من المحاولة والمكابرة بالمحسوس، وكأن ابن حجر معصوم لا يطرأ عليه نقص ولا خطأ، فيتصدر إلى بيان ما أخلط وأخبط، وقال ولا يدري ما يقول، وهذا من شدة التعصب والتعنت؛ فافهم، ولا تكن من المتعصبين المتعنتين المطرودين؛ فافهم.

((بي)) بالموحدة، وفي بعض النسخ باللام ((عن بركتك)) ؛ أي: عن خيرك الكثير، فإن البركة كثرة الخير، كذا قاله في «عمدة القاري»، ثم قال: (فإن قلت: خبر «لا» ما هو؟ هل هو لفظ «بي» أو «عن بركتك»؟قلت: يجوز كلاهما، والمعنى صحيح على التقديرين، قال ابن بطال: (في حديث موسى وأيُّوب دليل على إباحة التعري في الخلوة للغسل وغيره بحيث يأمن أعين الناس؛ لأنَّهما من الذين أمرنا الله أن نقتدي بهداهم، ألا ترى أن الله عاتب أيُّوب على جمع الجراد، ولم يعاتبه على اغتساله عريانًا، ولو كلف الله عباده الاستتار في الخلوة؛ لكان في ذلك حرج على العباد إلا أنه من الأدب) انتهى.

قلت: ففيه: المطابقة للترجمة من حيث اغتساله عريانًا، لكن ليس فيه ذكر أنه كان وحده، كما ذكر في حديث موسى، لكنه أليق به للأدب، وفيه: دليل على أن ستر العورة مباح لا واجب، ولو كان واجبًا؛ لما فعله موسى وأيُّوب، ويدل لذلك معاتبة الله لأيُّوب في جمع الجراد، وعدم معاتبته في الاغتسال عريانًا، فلو كان واجبًا؛ لعاتبه، كما لا يخفى، وهو عام يشمل الخلوة، والصحراء، والبساتين عند الأنهار والبحور، كما لا يخفى.

وفيه: دليل على جواز الحرص على المال الحلال، وفيه: فضل الغني؛ لأنَّه سماه بركة، ومحال أن يكون أيُّوب عليه السلام أخذ هذا المال حبًّا للدنيا، وإنما أخذه، كما أخبر هو عن نفسه؛ لأنَّه بركة من ربه تعالى؛ لأنَّه قريب العهد بتكوين الله عز وجل، أو أنه نعمة جديدة خارقة للعادة، فينبغي تلقيها بالقبول، ففي ذلك شكر لها وتعظيم لشأنها، وفي الإعراض عنها كفر بها، وفيه: جواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى، وفيه: فضل الكفاف على الفقر؛ لأنَّ أيُّوب عليه السلام لم يكن ذلك مفاخرة ولا مكاثرة، وإنما أخذه؛ ليستعين به فيما لا بد له منه، ولم يكن الرب عز وجل يعطيه ما ينقص به حظه، والله أعلم.

وهل الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر أفضل؟ فيه خلاف والجمهور: على أن الأول أفضل؛ لأنَّه مؤدٍّ حقَّين لله تعالى؛ حق المال إلى الفقراء بالتصدق، وحق النعمة وهو الشكر لله عز وجل، وسيأتي بيانه.

((ورواه)) أي: روى هذا الحديث المذكور ((إبراهيم)) ؛ هو ابن طَهْمان _بفتح الطاء المهملة، وسكون الهاء_، الخرساني أبو سَعِيْد، مات بمكة سنة ثلاث وستين ومئة، ((عن موسى بن عُقْبَة)) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون القاف، وفتح الموحدة، التابعي، ((عن صَفْوان)) ؛ بفتح الصاد المهملة، وسكون الفاء ((بن سُلَيم)) ؛ بضمِّ السين المهملة، وفتح اللام، التابعي المدني أبو عبد الله، يقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة، وكان لا يقبل جوائز السطان، وقال أحمد: (يستنزل بذكره القطر) ، مات بالمدينة عام اثنين وثلاثين ومئة، ((عن عطاء)) بالمد ((بن يَسَار)) ؛ بفتح التحتية، وتخفيف السين المهملة، ضد اليمين، ((عن أبي هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، ((عن النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) أنه زاد في رواية: (قال) : ((بينا)) ؛ بالألف بدون الميم ((أيُّوب)) عليه السلام اسم أعجمي مبتدأ ((يغتسل)) ؛ أي: من الجنابة، جملة محلها الرفع خبر ((عُرْيانًا)) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء، منصوب على الحال؛ أي: متجردًا عن ثيابه، ومن المئزر كما هو ظاهر اللفظ، وظاهره أنه لم يكن في خلوة؛ لما أن ستر العورة ليس بواجب في عندهم يومئذٍ؛ لأنَّه لو كان واجبًا؛ لما فعله، ولكان عاتبه ربه على تركه...[/ص300/] إلى آخر الحديث السابق.

قال في «عمدة القاري»: وقوله: (بينا أيُّوب...) إلخ بدل من الضمير المنصوب في قوله: (ورواه إبراهيم) ، وهذه الرواية موصولة أخرجها النسائي عن أحمد بن حفص، عن إبراهيم، وأخرجه الإسماعيلي أيضًا، ولما ذكره الحميدي قال عطاء تعليقًا عن أبي هريرة، ثم قال: (لم يزد؛ يعني: البخاري على هذا اللفظ من رواية عطاء، وقد أخرجه ولم يذكر اسم شيخه وأرسله، وقال الكرماني: (وإنما أخر الإسناد عن المتن لعل له طريقًا أخرى غير هذا الطريق تركها، وذكره تعليقًا لغرض من الأغراض التي للتعليق) ، وقوله: (ورواه إبراهيم) إشعار بهذا الطريق الآخر، وهذا أيضًا تعليق؛ لأنَّ البخاري لم يدرك عصر إبراهيم، لكنه نوع آخر منها، فلا يكون فيه تأخير الإسناد، وكذا لو قلنا: (وعن أبي هريرة) من تتمة كلامهما؛ فلا يكون تأخيرًا أيضًا؛ لأنَّه يكون مذكورًا للتقوية والتأكيد، ثم إن المحدثين كثيرًا منهم يذكر الحديث أولًا، ثم يأتي بالإسناد، لكن الغالب عكسه. انتهى، والله أعلم بالصواب، وأستغفر الله تعالى العظيم.

[1] في الأصل: (ينتظروه)، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (وكذلك) ، والمثبت موافق للتلاوة.
[3] في الأصل: (سلف) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (الفاء)، وليس بصحيح.
[5] زيد في الأصل: (من).
[6] في الأصل: (فرا) ، وليس بصحيح.
[7] في الأصل: (ناد) ، وليس بصحيح.
[8] في الأصل: (قالنا) ، وليس بصحيح.
[9] (بعض): تكرر في الأصل.
[10] في الأصل: (آدرة)، ولعل المثبت هو الصواب.