المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

274-. حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَىَ، قالَ: أخبَرَنا [1] الفَضْلُ بنُ مُوسَىَ، قالَ: أخبَرَنا الأَعْمَشُ، عن سالِمٍ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ:

عن مَيْمُونَةَ، قالتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءًا [2] لِجَنابَةٍ [3] ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ علىَ شِمالِهِ [4] مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ _أَوِ الحائِطِ [5] _ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ [6] واسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِراعَيْهِ، ثُمَّ أَفاضَ علىَ رَأسِهِ الماءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّىَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، قالتْ [7] : فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ، فَلَمْ يُرِدْها، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ [8] .

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثنا».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وهي هكذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «وُضِع لِرسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءٌ».
[3] قوله: «وَضوءًا لجنابةٍ» هكذا في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: «وَضوءَ الجنابةِ»؛ بالإضافة.
[4] في رواية الأصيلي وحاشية رواية ابن عساكر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «علىَ يساره». كتبت بالحمرة.
[5] هكذا في رواية ابن عساكر والأصيلي أيضًا (ص) وهو موافق لنسخة الزاهدي والسلطانية، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بيده الأرضَ أو الحائِطَ».
[6] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «تمضمض».
[7] في رواية الأصيلي زيادة: «عائشة»، قال في الفتح: وهو غلط واضح.
[8] في رواية أبي ذر: «ينفض الماءَ بيده»، وفي رواية الأصيلي: «فجعلَ يَنفضُ يَدَهُ» كتبت بالحمرة.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

274- وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) بن يعقوب المروزيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وللهرويِّ وأبي الوقت: ((حدَّثنا)) (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيُّ [1] (قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن أبي الجعد، رافعٌ الأشجعيُّ مولاهم، الكوفيُّ، (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنْ مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها (قَالَتْ: وَضَعَ)؛ بفتح الواو، مبنيًّا للفاعل (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) بالرَّفع، فاعلٌ (وَضُوءًا لِلجَنَابَةِ)؛ بفتح الواوِ والتَّنوين، والنَّصب على المفعوليَّة، و((للجنابة)) في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ بلامين، ولكريمة وأبوي ذَرٍّ والوقت: ((وَضوءًا))؛ بالتَّنوين أيضًا، ((لجنابةٍ)) بلامٍ واحدةٍ، وللأكثر: ((وضوء الجنابة))؛ بالإضافة، وإنَّما أُضيف مع أنَّ الوَضوء _بالفتح_ هو [2] : الماء المُعَدُّ للوضوء؛ لأنَّه صار اسمًا له، ولوِ استُعمِل في غير الوضوء فهو من إطلاق المُقيَّد وإرادة المُطلَق، قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ، وقال ابن فرحون: قوله: «وضوء الجنابة» يقع على الماء وعلى الإناء، فإن [3] كان المُراد الماء؛ كان التَّقدير وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء المُعدَّ للجنابة، ولا بدَّ من تقدير ٍفي تَوْرٍ أو طستٍ، وإن كان المُراد الإناء؛ كان هو الموضوع، وأُضيف إلى الجنابة بمعنى: أنَّه مُعَدٌّ لغسل الجنابة إضافة تخصيصٍ، وفي رواية الحَمُّوييِّ والمُستملي: ((وُضِع))؛ بضمِّ الواوِ، مبنيًّا للمفعول، ((لرسول الله صلى الله عليه وسلم))؛ بزيادة اللَّام؛ أي: لأجله وضوءٌ؛ بالرَّفع والتَّنوين، (فأَكْفَأَ)، ولأبي ذَرٍّ: ((فكفأ [4] ))؛ أي: قلب (بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ)، وللمُستملي وكريمة: ((على شماله)) (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوِ الْحَائِطِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) جعل الأرض أو الحائط آلة الضَّرب، [/ج1ص328/] والشَّكُّ مِنَ الرَّاوي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ضرب بيده الأرض))، فيحتمل أن تكون الأولى من باب القلب؛ كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي؛ أي: أدخلت رأسي في القلنسوة، ويحتمل أن يكون الفعل مضمَّنًا [5] غير معناه؛ لأنَّ المُراد: تعفير اليد بالتُّراب، فكأنَّه قال: فعفَّر يده بالأرض، (ثُمَّ مَضْمَضَ)، وللهرويِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: ((تمضمض))، (وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ)؛ أي: ساعديه مع مرفقيه؛ (ثُمَّ أَفَاضَ)؛ أي: أفرغ (عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ)؛ أي: ما بقي منه بعد ما تقَّدم، قال ابن المُنَيِّر: قرينة الحال والعرف من سياق الكلام تخصُّ أعضاء الوضوء، وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المُعيَّنة، يفهم منه عرفًا بقيَّة الجسد لا جملته؛ لأنَّ الأصل عدم التِّكرار [6] (ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ قَالَتْ)؛ أي: ميمونة، وللأَصيليِّ: ((عائشة))، ولا يخفى غلطه: (فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ)، أي: ليتنشَّف بها، (فَلَمْ يُرِدْهَا)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكسر الرَّاء، وسكون الدَّال، مِنَ الإرادة، وعند ابن السَّكن: مِنَ الرَّدِّ؛ بالتَّشديد، وهو وهمٌ، كما قاله صاحب «المطالع»، ويدلُّ له الرِّواية الآتية _إن شاء الله تعالى_ فلم يأخذها، (فَجَعَلَ يَنْفُضُ)، زاد الهرويُّ: ((الماء)) (بِيَدِهِ)؛ بباء [7] الجرِّ، وللأَصيليِّ: ((يده)).

ورواة هذا الحديث سبعةٌ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة.

[1] في (د): «الشَّيبانيُّ»، وهو تحريفٌ، وفي هامش (ص): «السِّينانيُّ: نسبةً إلى قريةٍ من قرى مرو خراسان؛ كما في «الكرمانيِّ» و«اللُّبِّ»».
[2] «هو»: ليست في (م).
[3] في (ص): «فإذا».
[4] في (ص): «فكفى».
[5] في (ب) و(س): «متضمِّنًا».
[6] قوله: «قال ابن المُنَيِّر: قرينة... لأنَّ الأصل عدم التِّكرار»، سقط من (م).
[7] في (س): «بياء»، وهو تصحيفٌ، وفي (م): «بالجِّر».





لا تتوفر معاينة

274- قوله: (أَخْبَرَنَا [1] الأَعْمَشُ): تقدَّم مرارًا أنَّه سُلَيْمَان بْنُ مِهْرَانَ أبو محمَّد الكاهليُّ القارئ.

قوله: (وَضُوء الجنَابَة): هو بفتح الواو: الماء، وتقدَّم أنَّه يجوز الضَّمُّ، [وفي نسخة: (وُضِع لرسول [2] الله صلَّى الله عليه وسلَّم وضوءه للجنابة) ، قال شيخنا: قال الإِسْمَاعِيليُّ: بيَّن زائدة أنَّ قوله: (للجنابة) من قول سالم الرَّاوي عن كريب لا من قول ابن عَبَّاس ولا من قول ميمونة، وفي حديث زائدة ذكرُ سترته حتَّى اغتسل، انتهى] [3]

قوله: (فَأَكْفَأَ): تقدَّم أنَّه مهموز الآخر، وهو هنا رباعيٌّ، وتقدَّم أنَّ الثُّلاثيَّ [4] أفصح، وقال الدِّمياطيُّ: قال الجوهريُّ: كفأت الإناء: كببته وقلبته؛ فهو مكفوء، وزعم ابن الأعرابيِّ أنَّ أكفأته لغة، وحَكى عنِ الكسائيِّ: كفأت الإناء: قلبته، وأكفأته: أملته، انتهى، وقد رأيت ما نقله الدِّمياطيُّ في «الصِّحاح».

[1] في النسخ: (ثنا) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] في (ب): (رسول) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[4] في (ب): (الثاني) .





274- ( قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوء الِجَنَابَةٍ ) كذا بالإضافة، وروي: «وضوءًا» بالتنوين «ولِجَنَابَةٍ» بلام مجرورة.

( فَأَكْفَأَ ) أي: قلب.

واعلم أن الحديث السابق في الباب قبل هذا: ( ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ) أمسُّ [/ج1ص114/] بهذه الترجمة؛ لأنَّه بوَّب هنا: ( ثم غسل سائر جسده ) وهو مفسِّر لرواية: ( ثم أفاض على جسده الماء )؛ وأن المراد: الغسل لما بقي من الجسد دون إعادة أعضاء الوضوء.


274- ( حدَّثنَا الْفَضْلُ ) لغير أبي ذرٍّ: «أخبرنا».

( وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَضُوء الجَنابةِ ) بالإضافة، ولكريمة: «وضوءًا» بالتَّنوين، [/ج1ص378/] «لجنابة» بلام الجرِّ، وللكُشْمِيهنيِّ: «للجنابة» بلامين، / ولغيره «وضع لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»، أي: لأجله، «وضوءٌ» بالرَّفع والتَّنوين.

( فَأَكْفَأَ ) لأبي ذرٍّ: «فكفأ».

( عَلَى يَسَارِهِ ) لكريمة والمُسْتملي: «شماله».

( ضَرَبَ بيَدَهُ بِالأَرْضِ ) للكُشْمِيهنيِّ: «الأرض».

( قَالَتْ ): يعني ميمونة، وللأَصِيلي: «قالت عائشة» وهو غلط.

( يَنْفُضُ ) زاد أبو ذرٍّ والأَصِيلي: «الماء».


274- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا يوسف بن عيسى)) : هو ابن يعقوب المروزي المتوفى سنة تسع وأربعين ومئتين ((قال: حدثنا)) وفي رواية: (أخبرنا) ((الفَضْل)) ؛ بفتح الفاء، وسكون الضاد المعجمة ((بن موسى)) : هو أبو عبد الله السيناني نسبة إلى سِيْنان _بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وبنونين بينهما ألف-: قرية من قرى مرو خراسان، المتوفى سنة إحدى وتسعين ومئة ((قال: أخبرنا الأعمش)) : هو سليمان بن مهران، ((عن سالم)) : هو ابن أبي الجعد رافع الكوفي، ((عن كُريْب مولى ابن عباس)) ؛ بضمِّ الكاف، وسكون التحتية، ((عن ابن عباس)) : هو عبد الله رضي الله عنهما، ((عن)) خالته ((ميمونة)) : أم المؤمنين بنت الحارث رضي الله عنها ((قالت: وَضع)) ؛ بفتح الواو على البناء للمعلوم ((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ بالرفع فاعله ((وَضوءَالجنابة)) ؛ بالإضافة للأكثرين، والنصب على المفعولية، وبلام واحدة، وفي رواية: (وَضوءًا للجنابة) ؛ بلامين، بفتح الواو، والتنوين، والنصب على المفعولية، وفي رواية أخرى: (وضوءًالجنابة) ؛ بلام واحدة، والنصب، والتنوين، وفي رواية أخرى: (وُضِعَ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ بضمِّ الواو على البناء للمجهول؛ أي: لأجله، و (وضوءٌ) بالرفع والتنوين نائب عن الفاعل.

قال الكرماني: (الوَضوء؛ بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به لا الذي يغتسل به، فكيف قال: وَضوء الجنابة؟

وأجاب: بأنَّه أراد مطلق الماء الذي يتطهر به مجازًا مرسلًا من إطلاق المقيد على المطلق؛ كضده، وهو تقييد المطلق؛ كإطلاق الرسن على أنف الإنسان) انتهى.

وقال البرماوي: أضافه إلى (الجنابة) ؛ لأنَّه صار اسمًا له ولو استعمل في غير الوضوء.

وقال ابن فرحون: (وَضوء الجنابة) يقع على الماء والإناء، فإن كان الموضوع الماء؛ فهو على تقدير وضع الماء في تورٍ أو نحوه، وإن كان الإناء؛ فهو موضوع حقيقة، وأضيف إلى (الجنابة) إضافة تخصيص؛ لأنَّه معدٌّ لغسلها) انتهى.

قلت: ولما كان الـ (وَضوء) ؛ بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به، وغُسل الجنابة مشتمل على الوضوء والاغتسال؛ فأطلق عليه (وَضوء الجنابة) من إطلاق البعض وإرادة الكل، وأضافه إليها؛ لأنَّه يفعل لأجلها؛ فتأمل.

((فأكفأ)) ؛ بالهمزة أوله وآخره رواية الأكثرين، ولأبي ذر: (فكفأ) ؛ بالهمزة آخره؛ ومعناه: قلب الإناء ((بيمينه على يساره)) كذا هو للأكثرين، ولكريمة (على شماله) بدل (على يساره) ، ((مرتين أو ثلاثًا)) الظاهر: أنَّ الشك من ميمونة، ويحتمل غيرها، ((ثم غسل فرجه)) المراد به: القبل والدبر، ((ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط)) أي: بأن جعل الأرض أو الحائط آلة للضرب، وفي رواية الكشميهني: (ضرب بيده الأرض) ، قال الكرماني: (والمعنى فيهما واحد، فيحتمل أنَّ الأولى من باب القلب؛ كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، ويحتمل أنَّه ضمن الفعل بمعنى: فعفَّر يده بالأرض) ((مرتين أو ثلاثًا)) الشك من ميمونة على الأظهر، وإنَّما ضرب يده الأرض؛ لأنَّه ربما بقي على يده شيء من المني وغيره، وهو للزاجته ورائحته لا يخرج إلا بالضرب على الأرض أو الحائط، ((ثم مضمض)) وفي رواية: (تمضمض) ؛ بزيادة فوقية، ((واستنشق)) فإنَّهما من سنن الوضوء، وينوبان عن فرض الاغتسال، ((وغسل وجهه)) أي: ولحيته، ((وذراعيه)) ؛ أي: ساعديه مع مرفقيه، والذِّراع -بكسر الذال المعجمة- يذكر ويؤنث، وسمي ذراعًا؛ لأنَّهم في الصدر الأول كانوا يذرعون به في بيوعهم وشرائهم، ((ثم أفاض)) من الإفاضة؛ وهي الإسالة؛ أي: أسال ((على رأسه الماء)) وعلى شعره، ((ثم غسل جسده)) ؛ أي: ما بقي من جسده، ((ثم تَنَحَّى)) ؛ بالفوقية، والنون، والحاء المهملة المفتوحات؛ أي: تباعد عن مكانه إلى مكان آخر، ((فغسل رجليه)) تحرُّزًا عن الماء المستعمل؛ لأنَّهما في مجتمع الماء، وهو مستعمل، ((قالت)) ؛ أي: ميمونة، ووقع في رواية الأَصيلي: (عائشة) ، قال في «عمدة القاري»: (وهو غلط ظاهر) ، وتبعه جميع الشراح إلا أن العجلوني زعم أنَّه لا مانع من كون عائشة كانت حاضرة الاغتسال، فأتته بخرقة، فردها.

قلت: بل المانع ظاهر، فإنَّ هذا الاغتسال كان في بيت ميمونة؛ لأنَّ ذاك الوقت كان نوبتها، واحتمال حضور عائشة عندها بعيد؛ لأنَّ أحد الزوجات لا تأتي إلى عند الأخرى يوم نوبتها على أنَّه عليه السلام كان كثير الحياء، فلا يمكن أن يغتسل عند ميمونة بحضور عائشة خوفًا من الغيرة؛ فليحفظ.

((فأتيته بخِرقة)) ؛ بكسر الخاء المعجمة؛ أي: ليتنشف بها، ((فلم يُرِدْها)) ؛ بضمِّ التحتية، وكسر الراء، وسكون الدال المهملة، من الإرادة، وما وقع لأبي السكن من تشديد الدال من الرد، فوهَّمه فيه صاحب «المطالع» وغيره، كما قدمناه، ويدل له الرواية الآتية: (فلم يأخذها) ، ((فجعل)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((ينفض بيده)) ، وفي رواية للأَصيلي: بحذف الباء الموحدة، وفي رواية أبي ذر: (فجعل لينفض الماء بيده) ؛ ففيه: دليل على أنَّ نفض اليد بعد الوضوء والغسل لا بأس به، قال في «منهل الطلاب»: واختلفوا فيه، ففي «معراج الدراية»: أنَّه لا بأس به، ومثله في «التاترخانية»، وفيها: أنَّه مكروه، والمعتمد إن كان من التضجر؛ فمكروه، وإن كان لأجل سرعة نزول الماء عنه؛ فلا بأس به؛ لأنَّه لم يثبت في النهي عنه شيء أصلًا، ومشى في «الدر المختار»: على أنَّه مكروه؛ أي: لأنَّ فيه إظهار التضجر من العبادة، وفيه: دليل على كراهية التمسح بالخرقة، وقد سبق أنَّه عليه السلام كانت له خرقة للوضوء، فلعله رأى هنا في الخرقة وسخًا أو غبارًا أو غير ذلك؛ لأنَّ الصحيح أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل للمتوضئ والمغتسل إلا أنه لا يبالغ ويستقصي، فيبقى أثر الماء على أعضائه؛ لأنَّه أثر العبادة؛ فافهم.[/ص285/] وفي الحديث: دليل على أنَّ المغتسل إذا توضأ أولًا ثم اغتسل؛ لم يجب عليه إعادة المضمضة والاستنشاق؛ لأنَّ فعلهما في الوضوء كافٍ عن فعلهما في الغسل، فالسنة نابت مناب الفرض، وهو ظاهر، وقال ابن بطال: (أجمعوا على أنَّ الوضوء ليس بواجب في الغسل من الجنابة، ولمَّا ناب غسل مواضع الوضوء وهو سنة في الجنابة عن غسلها وهو فريضة في الجنابة؛ صح بذلك ما روي عن مالك: (أنَّ غسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة) ، وفي الحديث حجة؛ لقول مالك في رجل توضأ للظهر وصلى، ثم جدد الوضوء للعصر، فلما صلى العصر؛ تذكر أنَّ الوضوء الأول انتقض؛ قال: (إنَّ صلاته تجزئه؛ لأنَّ الوضوء للسنة تجزئ به صلاة الفرض) ، وكان الحديث السابق وهو ما فيه: (ثم غسل سائر جسده) أولى بهذه الترجمة، وهو مبين لرواية من روى: (ثم أفاض على جسده) أنَّ المراد بذلك ما بقي من الجسد دون أعضاء الوضوء) انتهى.

واعترضه الكرماني فقال: (ليس في الحديث ما يدل على أنَّ السنة نابت عن الفرض؛ إذ ليس فيه أن غسل الوجه والذراعين كان للوضوء أو للسنة، بل كان لغسل الجنابة، فلا يصح قول مالك في نيابة غسل الجمعة عن غسل الجنابة، ولا يكون له حجة في إجزاء الصَّلاة بالوضوء التجديدي، بل ليس فيه أنه لم يعد غسل مواضع الوضوء؛ إذ لفظ (جسده) في (ثم غسل جسده) شامل لتمام البدن؛ أعضاء الوضوء وغيرها، وكذا حكم الحديث السابق إذ المراد بـ (سائر جسده) ؛ أي: باقي جسده غير الرأس لا غير أعضاء الوضوء) انتهى.

قلت: وهذا مردود، فإن قوله: (ليس في الحديث...) إلخ ممنوع، بل فيه دليل على أنَّ السنة نابت عن الفرض؛ لأنَّ غسل الوجه والذراعين ومسح الرأس إنَّما هذا هو الوضوء المسنون، فغسل هؤلاء الأعضاء سنة، وهي نابت عن غسلها المفروض في الجنابة، ألا ترى لو انغمس الجنب بعد أن تمضمض واستنشق في الماء ومكث فيه مقدار الوضوء والغسل؛ فقد ارتفع عنه الحدثان، وأكمل السنة، وكذا لو انغمس في الماء الجاري ولم يمكث؛ فإنَّه قد ارتفع الحدثان عنه، وأكمل السنة، فإنَّه في هذه الصورة لم يتوضأ، فلو كان الوضوء في الجنابة غير سنة؛ لم يصح هذا الغسل مع أنَّه لم يسع أحد أن يقول بعدم صحته، فثبت أنَّ هذا الوضوء المسنون ناب عن الفرض، كما لا يخفى، وصح قول من يقول: إنَّ غسل الجمعة ناب عن غسل الجنابة، ويحصل به السنة.

وقوله: (ولا يكون له حجة...) إلخ؛ ممنوع أيضًا، فإنَّ وضوءه المجدد للعصر قد وقع قصدًا لصلاة العصر، وقد ارتفع الحدث عنه: أن لو كان محدثًا قبل تذكره فبعد تذكره؛ لا يبطل ما فعله؛ لأنَّ الوضوء الأول قد أدى به صلاة الظهر، وعلى زعمه أنَّه متوضئ فتوضأ لأجل صلاة العصر؛ فلا يسع أحد أن يقول بعدم صحة صلاته هذه؛ لأنَّ الوضوء نفسه فرض، والفعل وهو التجديد سنة، فهي نابت عن الفرض، كما لا يخفى.

وقوله: (بل ليس فيه...) إلخ ممنوع أيضًا؛ فإنَّ صريح قوله: (ثم غسل سائر جسده) أنَّه لم يعد غسل مواضع الوضوء؛ لأنَّ (سائر) بمعنى: باقي، والجسد اسم لجميع البدن؛ الرأس وما نزل عنه، فلما غسل أعضاء الوضوء؛ اكتفى بها، ثم غسل باقي جسده، وترك اليدين، والوجه، والرأس فلم يغسلهما، فإنه لو غسلها؛ يصير إسرافًا، وقد نهى عنه عليه السلام، ولأنَّه قد ارتفع الحدث عنها؛ فصار غسلها ثابتًا عبثًا محضًا.

وقوله: (وكذا الحكم...) إلخ ممنوع أيضًا، فإن الحديث السابق يدل صريحًا على ما قلناه؛ لأنَّ (سائر) بمعنى: باقي، كما اعترف به، وهو قد غسل الوجه والذراعين، ومسح الرأس، فلا ريب أنَّه لم يعد غسلها.

وقوله: (غير الرأس...) إلخ ممنوع، فإن صريح الحديث يعطي أنَّه لم يعد غسل جميع الأعضاء، فتخصيصه الرأس ترجيح بلا مرجح، ومحاولة بادرة؛ لأنَّه لا دليل يدل عليه؛ فافهم.

وأمَّا تأخيره غسل الرجلين؛ فلأنَّها في مستنقع الماء المجتمع من الغسالة، فلو غسلهما أولًا تتميمًا للوضوء؛ يلزمه أن يغسلهما ثانيًا؛ لاجتماع الماء عليهما، ولا فائدة في الغسل الأول؛ لأنَّه إسراف محض، أو إنَّما أخر غسلهما؛ تحرُّزًا عن الماء المستعمل، أو حتى يكون البدء والختم بأعضاء الوضوء، وبما قررناه ظهر وجه مطابقة الحديث للترجمة؛ فتأمل مع ما يأتي.

واعترض ابن حجر على كلام ابن بطال السابق فزعم أنَّ الاستنباط المذكور مبني عنده على أنَّ الوضوء الواقع في غسل الجنابة سنة، وأجزأ مع ذلك عن غسل الأعضاء بعده، وهي دعوى مردودة؛ لأنَّ ذلك يختلف باختلاف النية، فمن نوى غسل الجنابة وقدم أعضاء الوضوء لفضيلته؛ قد تم غسله، وإلا؛ فلا، فلم يصح البناء المذكور.

قلت: واعتراضه مردود عليه، فإنَّ قوله: (إنَّ الاستنباط المذكور...) إلخ مراده: رد ذلك، ولا يسعه ذلك، فإنَّ الإجماع قائم على أنَّ الوضوء في غسل الجنابة سنة، وأنَّها تجزئ مع ذلك عن غسل الأعضاء بعده.

فقوله: (وهي دعوى...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه إذا كان مراده أنَّ الوضوء ليس سنة؛ مردود للإجماع على ذلك، وقد صرح هو نفسه بذلك في باب (المضمضة والاستنشاق) ، فكلامه متناقض، فإنَّ الفرض لا يتكرر، ولما غسل أعضاء الوضوء وإن كان الوضوء سنة؛ لكنه لما لم يُعِد غسلها واقتصر على غسل الباقي من الجسد؛ اتصف غسل هذه الأعضاء بالفرضية.

وقوله: (لأنَّ ذلك...) إلخ ممنوع، فإنَّ محل النية في الوضوء عند غسل الوجه، وفي الاغتسال عند الإفاضة، فمن أراد الاغتسال ينوي أولًا وضوء الجنابة، ثم ينوي بعده الاغتسال من الجنابة، ولا يلزمه أن ينوي من أول الأمر غسل الجنابة، فلو نواها وانغمس في الماء؛ هل يسع أحد أن يقول بعدم صحة اغتساله مع أنَّه لم يتوضأ، ولا يقول ذلك جاهل.

فقوله: (فلم يصح البناء المذكور) ممنوع، بل هو صحيح؛ لأنَّه مبني على الإجماع وهو حجة من حجج الشرع؛ فافهم والله أعلم.

وقال إمام الشارحين في «عمدة القاري»: (اختلف الشراح في وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة، فقال ابن بطال: حديث عائشة الذي في الباب قبله أليق في الترجمة؛ لأنَّ فيه: «ثم غسل سائر جسده»، وأمَّا حديث الباب؛ ففيه: «ثم غسل جسده» فدخل في عمومه مواضع الوضوء، فلا يطابق قوله: «ولم يُعِد غسل مواضع الوضوء») .

وأجاب ابن المُنيِّر: (بأنَّ قرينة الحال والعرف من سياق الكلام تخص أعضاء الوضوء، وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المعينة يفهم عرفًا بقية الجسد لا جملته؛ لأنَّ الأصل عدم التكرار) .

قال في «عمدة القاري»: (قلت: حاصل كلامه استخراج الترجمة بعيد لغة، ومحتمل عرفًا؛ إذ لم يذكر إعادة غسلها) انتهى؛ أي: غسل أعضاء الوضوء، فقد حصلت المطابقة بأنَّه لم يعد غسل مواضع الوضوء.

ثم قال: وأجاب ابن التين: (بأنَّ مراد البخاري أن يبيَّن أنَّ المراد بقوله في هذه الرواية: «ثم غسل جسده»؛ أي: ما بقي من جسده بدليل الرواية الأخرى) .

وقال الكرماني: (إنَّ لفظ «جسده» شامل؛ لتمام البدن أعضاء الوضوء وغيره، وكذا حكم الحديث السابق إذ المراد بـ (سائر جسده) ؛ أي: باقي جسده وهو غير الرأس لا غير أعضاء الوضوء) .

واعترضهم ابن حجر فقال: (في كلام ابن المُنيِّر كلفة، وفي كلام ابن التين نظر؛ لأنَّ هذه القصة غير تلك القصة، وفي كلام الكرماني من لازم هذا التقدير أنَّ الحديث غير مطابق للترجمة) ، ثم قال: (والذي يظهر لي أنَّ البخاري حمل قوله: «ثم غسل جسده» على المجاز؛ أي: ما بقي، ودليل ذلك قوله بعد «فغسل رجليه»؛ إذ لو كان غسل جسده محمولًا على عمومه؛ لم يحتج لغسل رجليه ثانيًا؛ لأنَّ غسلهما كان دخل [/ص286/] في العموم، وهذا أشبه بتصرفات البخاري؛ إذ من شأنه الاعتناء بالأخفى أكثر من الأجلى) .

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: ما ثم في الذي ذكره هؤلاء المذكورون أكثر كلفة من كلام هذا القائل؛ لأنَّه تصرف في كلامهم من غير تحقيق، وأبعد من هذا دعواه: أنَّ البخاري حمل لفظ «الجسد» على المجاز، أفلا يعلم هو أنَّ المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة أو لنكتة أخرى؟ وأي ضرورة ههنا إلى المجاز؟ ومن قال: إنَّ البخاري قصد هذا وأبعد من ذلك أنَّه علل ما ادعاه بغسل النبيِّ عليه السلام رجليه ثانيًا، وما ذاك إلا أنَّ رجليه في مستنقع الماء، وحاصل الكلام: كلام ابن المنير، وهو أقرب في وجه مطابقة الحديث للترجمة) انتهى.

وزعم العجلوني أنَّ رد ابن حجر لكلام ابن التين من جهة المغايرة، وأنهما قصتان، فكيف تحمل إحداهما على الأخرى؟

ورده لكلام الكرماني من جهة أنَّه لا يدفع الإشكال من عدم المطابقة بين الترجمة والحديث، وإنَّما الذي ادعى فيه التكلف هو كلام ابن المنير، ولا شك في تكلفه لابتنائه على شيئين.

وأمَّا جواب ابن حجر؛ فليس فيه إلا تجوز بحذف المضاف أو إطلاق الكل وإرادة الجزء، واستدل عليه بلفظ: (فغسل رجليه) الواقع في نفس الحديث، وحمل البخاري للحديث على هذا التأويل لازم له؛ ليطابق ترجمته، وهذه ضرورة المجاز، فيندفع جميع ما قاله، والعجب من قوله: (لأنَّه تصرف...) إلخ، فما موقعه؟

وأمَّا قوله: (وأبعد من ذلك ما ادعاه...) إلخ؛ فهو وإن كان أقوى اعتراضاته لكن دعواه الحصر في أن الغسل لرجليه لم يكن إلا لأنَّهما في مستنقع الماء ممنوع؛ لجواز أن يكون لتأخيره غسلها حيث لم يغسلهما أولًا تكملة للوضوء؛ فتأمل وأنصف) انتهى.

قلت: أمر بالتأمل والإنصاف ولم يتأمل ولم ينصف، فإن قوله: (في كلام ابن التين من جهة المغايرة...) إلخ ممنوع، فإنه لا مغايرة فيه في المعنى، وإن كان اللفظ يحتمل المغايرة، فإن قوله هناك: (ثم غسل سائر جسده) وهنا (ثم غسل جسده) ؛ أي: ما بقي من جسده؛ لأنَّ الرواية الأولى قد دلت على ذلك؛ لأنَّ (سائر) بمعنى: باقي، كما لا يخفى.

وقوله: (وإنهما...) إلخ ممنوع، فإن ظاهرهما يحتمل أنَّهما قصتان من حيث إن الرواية الأولى عن عائشة وهنا عن ميمونة، لكنه في الحقيقة قصة واحدة؛ حيث إن كل واحدة منهما في الغسل من الجنابة.

وقوله: (فكيف...) إلخ ممنوع أيضًا، فإن كثيرًا من الأحاديث يحمل بعضها على بعض في الأحكام يفسر بعضها بعضًا، كما لا يخفى.

وقوله: (في كلام الكرماني...) إلخ، قد علمت ما قدمنا، وأنَّه ليس بشيء.

وقوله: (وأمَّا الذي ادعى...) إلخ ممنوع؛ فإن كلام ابن المنير هو الصواب.

وقوله: (لا شك في تكلفه) ممنوع، فأي تكلف فيه؟ بل هو ظاهر.

وقوله: (لابتنائه على شيئين) ممنوع أيضًا؛ لأنَّه مأخوذ من سياق الكلام، فإنه لما ذكر أعضاء الوضوء وذكر بعده الجسد؛ علم ضرورة أنه لم يعد غسل الأعضاء، واستدل بذلك بالقرينة الحالية والعرفية، فأين التكلف الذي زعمه هذا القائل؟ وما هي إلا دعوى أهل التعصب من عدم التأمل وعدم الإنصاف، وقد ارتضى هذا الجواب القسطلاني، واقتصر عليه؛ لكونه في غاية التحقيق والظهور.

وقوله: (وأمَّا جواب ابن حجر...) إلخ هذا هو الذي فيه التكلف ولا شك في تكلفه؛ لأنَّه مبني على المجاز الذي لا يجوز المصير إليه إلا عند تعذر الحقيقة، وهذا المجاز بحذف المضاف، أو إطلاق الكل وإرادة الجزء وهو أشد التكلفات؛ لاحتياجه إلى التقدير، وإذا وجد التقدير وعدمه، فعدم التقدير أولى وأحسن عند أهل التحقيق، وإطلاق الكل وإرادة الجزء كذلك فيه شدة التكلف؛ لأنَّه لا داعي إلى هذا الإطلاق، ولا احتياج إليه.

وقوله: (واستدل...) إلخ هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنَّ تأخير غسل الرجلين إنَّما كان لأنَّهما في مستنقع الماء، وحتى يكون البدء والختم بأعضاء الوضوء، ويدل للأول قوله: (ثم تنحى) ؛ أي: تباعد، والتباعد لا يكون عن المكان إلا لأنَّ الماء مجتمع فيه؛ لأنَّه لو لم يكن ماء مجتمع؛ لغسلهما في مكانه.

وقوله: (وحمل البخاري...) إلخ ممنوع، فإن البخاري لا شك أنَّه لم يرد هذا التأويل؛ لأنَّه من عادته أنَّه لم يحمل الأحاديث إلا على الحقيقة، ولم يسبق له أنَّه حملها على المجاز.

وقوله: (وهذه ضرورة المجاز) ممنوع، فإن مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة مما قاله ابن المنير، كما ارتضاه إمام الشارحين والقسطلاني وغيرهما، وليس ما زعمه بمطابق للترجمة، فأين الضرورة؟ وما هذا إلا مكابرة بالمحسوس وعنف من النفوس.

وقوله: (فيندفع...) إلخ ممنوع، بل جميع ما قاله هو الصواب، ولم يندفع كلامه أصلًا.

وقوله: (والعجب...) إلخ قلت: موقعه أنَّ ابن حجر أخذ كلامه من مجموع ما ذكره الشراح وخبط فيه وخلط، فلا شك أنه يتعجب منه.

وقوله: (وأمَّا قوله...) إلخ، فإن جميع ما قاله قوي؛ كالجبل القاسي على رأس العاصي.

وقوله: (لجواز...) إلخ ممنوع، فأي داع لتأخيره ولا حاجة للتأخير، فعدم ذلك دليل على أن تأخير غسلهما؛ لأنَّهما في مستنقع الماء حتى يجتنب الماء المستعمل، ويحترز عنه، فالحصر غير ممنوع، بل هو صحيح، فلو غسلهما أولًا؛ يلزمه إعادة غسلهما؛ لأنَّهما تلوثان بالغسالة المستعملة، فلو غسلهما ثانيًا؛ يكون إسرافًا، وهو منهيٌّ عنه، فيكون عبثًا.

وقول ابن حجر: (وهذا أشبه بتصرفات البخاري...) إلخ ممنوع، بل هو بعيد جدًّا، فإن تصرفاته مبنية على الحقيقة لا على المجاز، ولا شك أن هذا ليس بمراد له؛ لاحتياجه إلى التكلفات الواهية والتقديرات اللاهية، والله تعالى أعلم.