المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

249-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، عن الأَعْمَشِ، عن سالِمِ بنِ أَبِي الجَعْدِ، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ:

عن مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَما أَصابَهُ مِنَ الأَذَىَ، ثُمَّ أَفاضَ عَلَيْهِ الماءَ، ثُمَّ نَحَّىَ رِجْلَيْهِ، فَغَسَلَهُما، هَذِهِ [1] غُسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ.

الأطراف



[1] لفظة: «هذه» مُضبَّب عليها في رواية ابن عساكر، وفي رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «هذا».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

249- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ)، الفريابيُّ لا البيكنديُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثِّوريُّ لا ابن عُيَيْنَةَ، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العَيْن المُهمَلَة (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) هو كالذي قبله، احترازًا عن الوضوء اللُّغويِّ الذي هو: غسل اليدين فقط، (غَيْرَ رِجْلَيْهِ)، فأخَّرهما، قال القرطبيُّ: ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، والأرجح عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة تكميل الوضوء. نعم؛ نُقِلَ في «الفتح» عن مالكٍ: إن كان المكان غير نظيفٍ؛ فالمُستحَبُّ تأخيرهما، وكذا نُقِلَ عن الشَّافعيَّة أيضًا، وأجاب القائل بالتَّأخير: بأنَّ الاستثناء زائدٌ على حديث عائشة، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وأُجِيب: بأنَّ حديث عائشة هو الذي فيه زيادة الثِّقة؛ لاقتضائه غسل الرِّجلين فيُقدَّم، وحمل القائل بالتَّأخير أيضًا إطلاقها على فعل أكثر الوضوء؛ حملًا للمُطلَق على المُقيَّد، وأُجِيب: بأنَّه ليس من المُطلَق والمُقيَّد؛ لأنَّ ذلك في الصِّفات لا في غسل جزءٍ وتركه، وحمله الحنفيَّة على أنَّه كان في مستنقعٍ، كما تقدَّم قريبًا أنَّ [1] مذهبهم: إن كان في [2] مستنقعٍ؛ أخَّر، وإِلَّا؛ فلا، قالوا: وكلُّ ما جاء من الرِّوايات التي فيها تأخير الرِّجلين؛ فهو محمولٌ عليه؛ جمعًا بين الرِّوايات.

(وَغَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (فَرْجَهُ)؛ أي: ذَكَره المُقدَّس، وأخَّره؛ لعدم وجوب التَّقديم، وهذا مذهب الشَّافعيَّة. نعم؛ قال النَّوويُّ في «زيادة الرَّوضة»: ينبغي [3] أن يستنجيَ قبل الوضوء والتَّيمُّم، فإن قدَّمهما؛ صحَّ الوضوء لا التَّيمُّم. انتهى. أو لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، فيكون قدَّمه والمُراد: أنَّه جمع بين الوضوء وغسل الفرج وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التَّعيين؛ فقد بيَّن ذلك فيما رواه المؤلِّف في «باب السَّتر في الغسل»، من طريق ابن المُبارك عنِ الثَّوريِّ: «فذكر أوَّلًا غسل اليدين، ثمَّ غسل الفرج، ثمَّ مسح يده [4] بالحائط، ثمَّ الوضوء غير رجليه»، وأتى بـ: «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّرتيب في جميع ذلك، (وَ) غسل عليه الصلاة والسلام (مَا)؛ أي: الذي (أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى) الطَّاهر، كالمنيِّ على الذَّكَر والمخاط، ولو كان على جسد المغتسل نجاسةٌ؛ كفاه لها، وللجنابة واحدةٌ على ما صحَّحه النَّوويُّ، والسُّنَّة: البدء بغسلها؛ ليقع الغسل على أعضاءٍ طاهرةٍ، (ثُمَّ أَفَاضَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذِهِ) الأفعالُ المذكورةُ (غُسْلُهُ) عليه الصَّلاة السَّلام أو صفةُ غُسْلِه، وضبَّب عليها ابن عساكر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((هذا غُسْلُه)) (مِنَ الْجَنَابَةِ).

وفي هذا الحديث: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيَّان [5] ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في مواضع، ومسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه في «الطَّهارة».

[1] في (د): «إذْ».
[2] «في»: سقط من (د).
[3] في (م): «فينبغي».
[4] في (د): «بيده».
[5] في (د): «وصحابيٌّ عن صحابيٍّ».





لا تتوفر معاينة

249- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ): تقدَّم مرارًا أنَّه الفريابيُّ لا البيكنديُّ، وقدَّمت الأماكن التي روى فيها البخاريُّ عنِ البيكنديِّ مُحَمَّدِ بن يُوسُفَ، والله أعلم، وكذا قال شيخنا: هو الفريابيُّ؛ كما صرَّح به أبو نعيم، انتهى.

قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو الثَّوريُّ، العالم المشهور، تقدَّم، وكذا قال شيخنا: إنَّه الثَّوريُّ.

قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ): تقدَّم مرارًا أنَّه سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ أبو محمَّد الكاهليُّ، العلم المشهور.

قوله: (وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ): تقدَّم مرارًا أنَّه بضمِّ الواو: الفعل، وأنَّه يجوز فيه الفتح.

[قوله: (هَذِا غَسْلُهُ مِن الجَنَابَةِ): (غَسْلُهُ): بفتح الغين: الفعل، وقد تقدَّم أعلاه أنَّه يجوز فيه الفتح والضَّمُّ] [1] ، والله أعلم.

[1] ما بين معقوفين سقط من (ج) .





لا تتوفر معاينة

249- ( هَذِهِ غُسْلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ ): الإشارة إلى الأفعال المذكورة، أي: هذه صفة غسله، وللكُشْمِيهنيِّ: «هذا».

قيل: وهذه الجملة مدرجة من قوله سالم بن أبي الجعد، بيَّن ذلك زائدة بن قدامة في روايته عن الأعمش.


249- وبه قال: ((حدثنا محمَّد بن يوسف)) ؛ هو الفِريابي؛ بكسر الفاء؛ لكثرة ملازمته للثوري بخلاف البيكندي ((قال: حدثنا سفيان)) ؛ هو الثوري، وجزم الكرماني: بأن الأول البيكندي، والثاني ابن عيينة، وقال في «عمدة القاري»: وفيه سفيان غير منسوب، وقالت جماعة من الشراح وغيرهم: إنه سفيان الثوري، وقال الحافظ المزي في «الأطراف»: حديث غسل النبيِّ عليه السلام من الجنابة منهم من طوله، ومنهم من اختصره، ثم وضع صورة (خ) بالأحمر؛ يعني: أخرجه البخاري في (الطهارة) عن محمَّد بن يوسف، وعن عبدان عن ابن المبارك؛ كلاهما عن سفيان الثوري، وعن الحميدي، عن سفيان بن عيينة في روايته عن عبدان، عن ابن المبارك، ولم يميز الكرماني ذلك، فخلط، انتهى.

وأما محمَّد بن يوسف؛ فإنه [/ص257/] فهو الفريابي؛ لأنَّه كثير الملازمة للثوري، فدل على أنه هو؛ فافهم، ((عن الأعمش)) هو سليمان بن مهران، ((عن سالم بن أبي الجَعْد)) ؛ بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، رافع، ((عن كُريب)) بضمِّ الكاف بالتصغير، مولى ابن عباس، ((عن ابن عباس)) ؛ عبد الله رضي الله عنهما، ((عن مَيمُونة)) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بنت الحارث ((زوج النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) وخالة ابن عباس رضي الله عنهم ((قالت: توضأ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وضوءه للصلاة)) ؛ أي: مثل وضوء الصَّلاة في سننه وآدابه، فيسن الابتداء بالنية؛ وهي أن ينوي رفع الحدث واستباحة الصَّلاة، أو ما لا يحل إلا بالطهارة، وتسن التسمية في ابتدائه، فلو نسيها فتذكرها في خلاله؛ لا يأتي بها، لما في «مراقي الفلاح»، ويكره الدعاء؛ لأنَّه في مصبِّ الأقذار، انتهى.

قلت: والتسمية أولى بذلك، كذا في «منهل الطلاب» إلا أنه لا يستقبل القبلة؛ لأنَّه يكون مع كشف العورة غالبًا، فالمراد بهذا الوضوء: الشرعي؛ احترازًا عن اللغوي الذي هو غسل اليدين فقط، ((غير رجليه)) ؛ أي: إلا رجليه، فأخرهما عن الغسل في وضوء الغسل؛ ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، كما قاله القرطبي، ففيه عدم وجوب الموالاة في الوضوء، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور.

قال في «عمدة القاري»: (فيه: التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل، وبه احتج أصحابنا على أن المغتسل إذا كان توضأ أولًا؛ يؤخر غسل رجليه، لكن أكثر أصحابنا حملوه على أنهما إن كانتا في مستجمع الماء؛ يؤخرهما، وإن لم يكونا فيه؛ لا يؤخرهما، وكل ما جاء من الروايات التي فيها تأخير الرجلين؛ فمحمول على ما قلنا، وهذا هو التوفيق بين الروايات التي في بعضها تأخير الرجلين صريحًا لا مثل ما قاله بعضهم، ويمكن الجمع بأن تحمل رواية عائشة على المجاز، وإما على حالة أخرى) ، قلت: هذا خباط؛ لأنَّ المجاز لا يصار إليه إلا عند الضرورة، وما الداعي لها في رواية عائشة حتى يحمل كلامها على المجاز؟ وما الصواب الذي يرجع إليه إلا ما قلنا، انتهى؛ أي: من أنه إن كان في مستنقع الماء؛ يؤخر غسلهما، وإلا؛ فلا، وبه جزم في «الهداية»، و«المبسوط»، و«الكافي»، وقال في «المجتبى»: (إنه الصحيح) ، ومراده بقوله: (بعضهم) : هو ابن حجر العسقلاني، فإنه قد ذكر هذا الخباط، وقد بينه صاحب «إيضاح المرام»؛ فافهم.

وزعم الكرماني أن التوفيق بين ما هنا وبين رواية عائشة، وهي زيادة ثقة مقبولة، فيحمل المطلق على المقيد، فرواية عائشة محمولة على أن المراد بوضوء الصَّلاة: أكثره؛ وهو ما سوى الرجلين، ويحتمل أن يقال: إنهما كانا في وقتين مختلفين، فلا منافاة بينهما.

ورده في «عمدة القاري»: بأنا قد ذكرنا وجه التوفيق بين الروايات، وأن ما ذكره هو الحقيقة، حاصل ما ذكرنا: من أنه إن كانتا في مستجمع الماء؛ يؤخرهما، وإلا؛ فلا.

قلت: على أن قوله: (إن المراد بوضوء الصَّلاة أكثره) منقوض، فإن الوضوء لا يقال: إن له أكثر أو أقل، فإن ميمونة رضي الله عنها قد سمته وضوء الصَّلاة، ولا ريب أن وضوء الصَّلاة هو الوضوء الكامل، وقد أتى به غير أنه أخَّر الرجلين عن محلهما، فكل منهما وضوء كامل، فليس فيه حمل المطلق على المقيد.

وقوله: (ويحتمل...) إلخ هو محل وجه التوفيق، لكن ما ذكره صاحب «عمدة القاري» في وجه التوفيق هو الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب، وفي الأفضل عند الشافعي قولان، قال النووي: أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه؛ لأنَّ أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك.

قلت: وهذا ليس بشيء، فإن رواية عائشة صريحة في أنه كان يكمل الوضوء، أما رواية ميمونة؛ فإنها صريحة بأنه يؤخِّر غسل الرجلين، وكذا رواية أبي معاوية السابقة، وفي رواية أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، ولفظه: (كان إذا اغتسل من الجنابة؛ يبدأ فيغسل يديه...) ؛ الحديث، وفي آخره: (يتنحى فيغسل رجليه) ، فقد اختلفت الروايات عنهما، والتوفيق بينهما: بأن يحمل على أنه إن كان في مستجمع الماء؛ يؤخِّر، وإن كان على مكان مرتفع؛ لا يؤخر؛ جمعًا بين الروايات، وهذا هو الصواب، ((وغسل)) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((فرجه)) ؛ أي: ذكره، فدل هذا على صحة إطلاق الفرج على الذكر، وذلك بأن يفيض الماء عليه بيده اليمنى، ويغسله باليسرى حتى ينقِّيه وإن لم يكن به نجاسة؛ ليطمئن قلبه بزوالها، والمراد به: قُبُل الرجل والمرأة، وقد يطلق على الدبر أيضًا كما في «المغرب» للمطرزي، لكن قال البرجندي: والمراد به هنا: القبل والدبر وإن اختص لغة بالقبل، وإنما وسطه بين الوضوء غير رجليه وبين غسل الأذى؛ أي: النجس؛ لأنَّه مظنة النجاسة؛ لخروجها منه، فيلحق باللاحق في صورة، وبالسابق في أخرى، ومن هنا ظهر نكتة الإتيان بـ (الواو) والعدول عن (ثم) ؛ فافهم.

وظاهره كعبارة القدوري وغيره: أن غسل فرجه هو الاستنجاء، فلا يسن أن يأتي به قبل الوضوء، كذا في «منهل الطلاب».

وزعم الكرماني فقال: (إن قلت: غسل الفرج مقدم على التوضؤ، فلِمَ أخَّره؟قلت: لا يجب التقديم، أو الواو ليست للترتيب، أو أنه للحال) .

ورده في «عمدة القاري» فقال: (قلت: كيف يقول لا يجب التقديم، وهذا ليس بشيء؟) .

وقوله: (أو الواو ليست للترتيب) حجة عليه؛ لأنَّهم يدعون أن الواو في الأصل للترتيب، ولم يقل به أحد ممن يعتمد عليه.

وقوله: (أو أنه للحال) غير سديد، ولا موجه؛ لأنَّه كيف يتوضأ في حالة غسل فرجه؟ انتهى.

قلت: وعلى هذا فقوله: (وغسل) مصدر قطعًا، لا فعل، كما زعمه العجلوني تبعًا للكرماني؛ حيث جعل (الواو) للحال، وهذا ليس بشيء كما علمت؛ فليحفظ.

وزعم ابن حجر قال: (فيه تقديم وتأخير؛ لأنَّ غسل الفرج كان قبل الوضوء؛ إذ (الواو) لا تقتضي الترتيب) .

ورده صاحب «عمدة القاري»: بأن هذا تعسف وهو أيضًا حجة عليه، وهو أن ما ذكره خلاف الأصل الذي استدلوا به، واعتمدوا عليه، والصواب: أن (الواو) للجمع في أصل الوضع؛ والمعنى: أنه جمع بين الوضوء وغسل الفرج، وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التعيين؛ لكن ظاهره أنه غسل فرجه بعدما توضأ، وما رواه المؤلف من طريق ابن المبارك عن الثوري من أنه ذكر أولًا غسل اليدين، ثم غسل الفرج، ثم مسح يده على الحائط، ثم الوضوء غير رجليه، وذكره بـ (ثم) الدالة على الترتيب؛ محمول على أنهما كانا في وقتين مختلفين، فتارة كان يقدم غسل الفرج على الوضوء، وتارة كان يؤخره على الوضوء، على أنه أكثر الروايات تقديم الوضوء على غسل الفرج، كما هو ظاهر حديث ميمونة، ففيه: دليل على أن مس الفرج ليس بناقض للوضوء، وعلى أن الترتيب في الوضوء ليس بفرض، كما لا يخفى.

((و)) غسل عليه السلام ((ما)) أي: الذي ((أصابه من الأَذَى)) ؛ بفتح الهمزة، وتخفيف الذال المعجمة المفتوحة؛ أي: النجس فهو ضد النظافة لغة، يقال: تأذيت من الشيء؛ إذا استقذرته لنجاسته، فالمراد به النجس، ولهذا ترجم المؤلف في (الصَّلاة) : (باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى) والمطروح: هو سلاجزور بني فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها، ولا ريب أن الدم نجس بالإجماع، فالذي أصابه عليه السلام هو المني ورطوبة الفرج، فلا ريب في كونهما نجسان؛ لأنَّه لو لم يكونا نجسين لم يغسلهما، فالغسل دليل النجاسة، كما لا يخفى، وذلك حتى لاتشيع على بدنه عند صب الماء عليه، فيتنجس.

وزعم ابن حجر فقال: (قوله: «وما أصابه من الأذى» ليس بظاهر في النجاسة) ، ورده في «عمدة القاري»، فقال: (قلت: هذه مكابرة) انتهى.

قلت: أي: وتعصب، وإنما قاله ترويجًا لما ذهب إليه إمامه.

واعترض العجلوني فزعم: أن الأذى لغة: المكروه، وهو صادق بالطاهر، والنجس من غير ظهور في النجس، انتهى.

قلت: وهذا فاسد، فإن الأذى لغة: ضد النظافة، وهو النجس، ولا ريب أنه مكروه شرعًا وطبعًا، ويدل لهذا قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] ، والمراد بـ{المَحِيضِ}: الحيض؛ وهو اللوث الخارج من الرحم، فإنه أذًى مستقذر مؤذٍ، من يقربه؛ نفر منه، فقد سمى الله تعالى دم الحيض {أَذًى}، وهو نجس بالإجماع، وكذلك ما نحن فيه، فإنه نجس، فسماه عليه السلام كما سماه ربه تعالى {أَذًى}؛ فافهم.

وقوله: (وهو صادق...) إلخ؛ أي: من حيث اللغة، أما من حيث الشرع؛ فالمكروه هو الذي تستقذره النفس [/ص258/]

وتعافه، ولا يوصف بذلك إلا النجس.

وقوله: (من غير ظهور في النجس) هذا قيد من عنده، فأي دليل دله على ظهوره فيه؟ وما هي إلا دعوى باطلة. على أن البخاري سمَّى الدم (أذًى) فيما يأتي، وهو أعلم باللغة من غيره بلا ريب، ويدل لهذا ما في «مسلم»: (فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح يده بالحائط أو الأرض) ، فإنه لو لم يكن نجسًا؛ لما مسح يده بالحائط أو الأرض، وذلك حتى يزول أثر النجس المستقذر، وفي لفظ: (ثم غسل فرجه، ثم مال بيده إلى الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها) ، وهذا كله يدل على أن المراد بالأذى: النجس؛ كالمني ورطوبة الفرج، فإنهما نجسان، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا لمن خالف؛ منهم: ابن حجر، فزعم وقال: وأبعد من استدل به على نجاسة المني، أو على نجاسة رطوبة الفرج.

ورده في «عمدة القاري»، فقال: (قلت: هذا القائل هو الذي أبعد؛ لأنَّ من استدل بنجاسة المني ما اكتفى بهذا في احتجاجه، وقد ذكرناه فيما مضى مستقصًى) انتهى.

على أن هذه الروايات هنا تدل ظاهرًا على نجاستهما، لا سيما الأحاديث السابقة في غسل المني؛ فإنها صريحة في النجاسة، كما لا يخفى على أولي الألباب، وقدمنا الكلام على هذا بما يشفي العليل، ويقمع المتعصب الغليل، والله أعلم.

ففيه: استحباب مسح اليد بالتراب من الحائط أو الأرض حتى يزول أثر النجاسة وكراهتها، وهذا بالنسبة إلينا، أما في حقه عليه السلام؛ ففضلاته كلها طاهرة أطيب من المسك عندنا، وهو قول العلماء خلافًا لمن شذ وزعم من الشافعية فخبط وقال، ولا يدري ما يقول.

((ثم أفاض)) أي: صب النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((عليه الماء)) فالإفاضة: بمعنى الصب؛ سنة، فلو لم يصبَّ؛ لم يكن الغسل مسنونًا وإن زال به الحدث، كما صرح به في «الدرر»، وأتى بـ (ثَمَّ) ؛ للإشارة إلى الترتيب، وإنما لم يقل: ثم تمضمض واستنشق، للإشارة إلى أن فعلهما في الوضوء كاف عن فعلهما في الغسل، فالسنة نابت مناب الفرض، ولو انغمس المغتسل في الماء الجاري أو الحوض الكبير، أو مكث تحت المطر بعد المضمضة والاستنشاق قدر الوضوء والغسل؛ فقد أكمل السنة، لكن يشترط في الحوض والمطر التحريك، وكذا لو للوضوء فقط؛ فيحصل كمال السُّنَّة، كما في «الإمداد»، و«الدر»؛ أي: من التثليث، والترتيب، والدلك، والوضوء، وأما الماء الجاري؛ فيحصل ذلك من دون مكث ولا تحرك؛ لأنَّ الجريان قائم مقام الصبِّ، وأما إذا انغمس في الماء الراكد؛ فلا بد من التحريك أو الانتقال؛ لأنَّه قائم مقام الصبِّ، وقدمنا أنه لو لم يصبَّ؛ لم يكن الغسل مسنونًا، كذا في «منهل الطلاب»، ((ثم)) بعد أن عمم جميع بشرته، وشعره، ومعاطف بدنه بحيث لم يبق منه شيء لم يصبه الماء حتى تحت خاتمه الضيق، وكذا سرته؛ ((نحَّى)) ؛ بالحاء المهملة المشددة، قبلها نون؛ أي: باعد ((رجليه)) عن ذلك المكان الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر؛ لاجتماع الماء المستعمل فيه، ((فغسلهما)) ؛ أي: الرجلين في المكان الآخر.

وزعم العجلوني: أن قوله: (نحَّى) ؛ أي: أخَّر.

قلت: وهو فاسد، وليس المعنى عليه؛ لأنَّ التنحِّي: التباعد عن المكان الأول إلى مكان آخر، على أن [1] غسل الرجلين مؤخر في الفعل؛ لأنَّه لم يبق عليه إلا غسلهما؛ فافهم.

وكيفية غسلهما: أن يأخذ الماء بيمينه، ويفيض على مقدم رجله اليمنى، ويدلكها بيساره فيغسلها ثلاثًا، ثم يفيض الماء على مقدم رجله اليسرى، ويدلكها بيساره، ويغسلها ثلاثًا، وهذا الغسل مستحب؛ ليكون البداءة والختم بأعضاء الوضوء، ((هذا)) أي: ما ذكر ((غُسله)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: غسل النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((من الجنابة)) هكذا في رواية الكشميهني، وهي على الأصل، وعند غيره: (هذه) ؛ بالتأنيث، فتكون الإشارة إلى الأفعال المذكورة صفة (غُسله) عليه السلام؛ بضمِّ الغين.

قال في «عمدة القاري»: قال الإسماعيلي: قد تبين أن قوله: (من الجنابة) ليس من قول ميمونة، ولا من قول ابن عباس، وإنما هو من قول سالم بن أبي الجعد، ومما ذكره البخاري في حديث ميمونة على ما يأتي: (ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه) ، وفي أخرى: (ثم أُتِيَ بالمنديل فرده) ، وفي رواية: (وجعل يقول بالماء هكذا ينفضه) ، وفي لفظ: (فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثًا) ، وفي لفظ: (ثم أفرغ بيمينه على شماله، فغسل مذاكيره) ، وفيه: (ثم غسل رأسه ثلاثًا) ، وفي لفظ: (فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا) ، وعند ابن خزيمة: (ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه، فأُتِي بمنديل، فأبى أن يقبله) ، وعند أبي عليٍّ الطوسي مصححًا: (فأتيته بثوب، فقال بيده هكذا) ، وعند الدارقطني: (ثم غسل سائر جسده قبل كفيه) ، وعند أبي محمَّد الدارمي: (فأعطيته ملحفة، فأبى) ، قال أبو محمَّد: (هذا أحب إلي من حديث عائشة) ، وعند ابن ماجه: (فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم أفاض على فرجه، ثم دلك يده بالأرض، ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم أفاض على سائر جسده، ثم تنحَّى، فغسل رجليه) .

قال صاحب «عمدة القاري»: (وفي هذه الروايات استحباب الإفراغ باليمين على الشمال للمغترف من الماء، وفيها: مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة) انتهى.

قلت: فإن المضمضة والاستنشاق فرضان في الغسل، سنتان في الوضوء، وهو ظاهر من الحديث.

وزعم ابن حجر فقال: (وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما، وتعقب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا إذا كان بيانًا لمجمل تعلَّق به الوجوب) .

ورده صاحب «عمدة القاري»: (بأنه ليس الأمر هنا كذلك؛ لأنَّهم إنَّما أوجبوهما في الغسل بالنص، وهو قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ؛ أي: طهروا أبدانكم، وهذا يشملهما وحققناه فيما مضى) انتهى.

قلت: وتطهير البدن يشمل كل شيء لا حرج في تطهيره من البدن؛ كالمضمضة والاستنشاق، وكذا غسل السرة، وتحت الخاتم الضيق، والأُذُنِ، والقرط، وأما غسل داخل القلفة؛ فإن أمكن فسخها بلا مشقة؛ يجب، وإلا؛ فلا للحرج، كذا في «منهل الطلاب».

وزعم العجلوني أنه يلزم الحنفية القول بوجوبهما في الوضوء؛ لأنَّه عليه السلام لم يواظب على فعلهما فيه، بل فعلهما تارة، وتركهما أخرى، فدل ذلك على السنيَّة، وأما هما في الغسل؛ فواجبان بالنص، ولأنَّه عليه السلام قد واظب على فعلهما، ولم يُنقَل عنه تركهما، وعند المؤلف من حديث ميمونة، كما يأتي قد صرح بهما، ولفظها: (صببت للنبيِّ عليه السلام...) إلى أن قالت: (ثم مضمض واستنشق) ، فدل على المواظبة، وهي تدل على الوجوب، على أن الروايات السابقة تدل على أنه عليه السلام كان يواظب على الوضوء، ولا ريب أن فيه المضمضة والاستنشاق، فإذا احتمل أنه لم يذكر في غُسله أنه لم يفعلهما؛ يكون قد اكتفى بفعلهما في الوضوء عن فعلهما في الغسل، لا يقال: إن الوضوء سنة وهما من توابعه؛ لأنا نقول: هما سنتان من سنن الوضوء، ولما لم يأت بهما في الغسل _والوضوء من سنن الغسل_؛ فبعد إتيانه بهما في الوضوء اتصفتا بالفرضية للغسل، فإن السنة تنوب عن الفرض كما قدمنا، كما لو قرأ في صلاته القرآن كله، فبعد قراءته اتصف جميعه بالفرضية؛ فافهم، ولا تغتر بهذه العصبية الزائدة التي جاءت [/ص259/] من عسقلان وعجلون؛ فافهم.

وفي هذه الروايات: دليل على استحباب التستُّر في الغسل ولو كان في البيت، فلو تجرَّد وحده للاغتسال؛ يكره، وقيل: إن أمن دخول أحد عليه؛ لا يكره، كما لا يكره تجرده للغسل، وتجرد زوجته للجماع في بيت مقداره خمسة أذرع أو عشرة، وقيل: لا يكره أن يغتسل متجردًا في الماء الجاري أو غيره في الخلوة، وفي «مسائل أبي الفرج»: (لا بأس به) انتهى.

وفيها: جواز الاستعانة بإحضار الماء للغسل أو الوضوء، وفيها: خدمة الزوجات للأزواج، وفيها: الصب باليمين على الشمال.

وفيها: كراهة التنشف بالمنديل ونحوه، قال الإمام الأعظم قدس الله روحه: لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن أعضاء الوضوء والغسل، ولكن هل يكره، فيه خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، قال في «شرح المجمع»: (قيل: يكره حمل المنديل لمسح العرق؛ لأنَّه بدعة، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنَّه يدفع الوسخ، وقيده بعضهم بعدم التكبُّر، فإن فعله للتكبُّر؛ كره، ومن فعله لحاجة؛ لم يكره) ، قال في «البحر»: (والمنقول في «معراج الدراية» وغيرها: أنه لا بأس بالتمسُّح بالمنديل للمتوضئ والمغتسل إلا أنه ينبغي ألَّا يبالغ ويستقصي فيبقى أثر الوضوء على أعضائه) ، ولم أر من صرَّح باستحبابه إلا صاحب «المنية»، فقال: (ويستحب أن يتمسَّح بمنديل بعد الغسل) انتهى، وفي «الفتاوى التاترخانية»: (لا بأس للمتوضئ والمغتسل أن يتمسح بالمنديل، وكره ذلك بعضهم للمتوضئ دون المغتسل) انتهى.

والصحيح: أنه يتمسَّح، ولكن لا يبالغ فيبقى أثر الوضوء، والصحيح: أنه لا يكره استعمال الخرقة؛ لتمسُّح العرق، ولإلقاء النخامة والمخاط، كما في «الكافي»، و«شرح الوقاية»، وغيرهما، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنها: (كان للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم خرقة يتنشف بها بعد الوضوء) ، رواه الترمذي، وضعَّفه، وصحَّحه الحاكم، وحديث معاذ رضي الله عنه: (كان النبيُّ عليه السلام إذا توضأ؛ مسح وجهه بطرف ثوبه) ، رواه الترمذي، وضعفه، وحديث أبي بكر: (كانت للنبيِّ عليه السلام خرقة يتنشف بها بعد الوضوء) ، رواه البيهقي، وقال: إسناده غير قوي، وحديث أبي مريم عن رجل من الصحابة: (أنه عليه السلام كان له منديل أو خرقة يمسح بهما وجهه إذا توضأ) ، رواه النسائي في «الكنى» بسند صحيح، وحديث أم هانئ عند الشيخين: (قام رسول الله عليه السلام إلى غُسله فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه فالتحف به) ، وهذا ظاهر في التنشُّف، فيحمل حديث ميمونة رضي الله عنها في رده عليه السلام بأنه قد رأى شيئًا فيه فكرهه، أو أنه قد حان وقت الصَّلاة، فاستعجل إلى القيام للصلاة، أو فعله عليه [السلام] تواضعًا، ويحتمل أن الثوب كان من حرير؛ لأنَّ الخرقة من الحرير يحرم استعمالها للرجال دون النساء إذا كانت من حرير خالص؛ كالقطن، والكتان المطرز بالحرير، أو بالفضة، أو بالذهب قدر أربعة أصابع، ويحمل حديث عائشة وغيره على الضرورة وشدة البرد؛ ليزيل برد الماء عن أعضائه، هذا وقد أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان، والحسن بن علي، وأنس، وبشير بن أبي مسعود، ورخص فيه الحسن، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك، وكان أهل الكوفة، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق لا يرون به بأسًا، وكرهه ابن أبي ليلى، والنخعي، وابن المسيب، ومُجَاهِد، وأبو العالية.

وقال ابن دقيق العيد: (نفضُ الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشف؛ لأنَّ كلًّا منهما إزالة) ، ورده صاحب «عمدة القاري»: (بأنه ليس فيه دليل على ذلك؛ لأنَّ التنشيف من عادة المتكبرين، ورده عليه السلام الثوب؛ لأجل التواضع مخالفة لهم) انتهى.

قلت: فما يفعله المتعصبون في زماننا من تعليق الخرقة أو المنديل بعد التمسح به في الأواسط أو على كتفه مكروه؛ لأنَّ فيه الزينة، والتكبر، وإظهار أنه قد صلى في المسجد الجامع، وأنه من الورعين الصالحين، فلسان حاله يقول وهو مارٌّ على أرباب الدكاكين: إنهم مقصرون، والحال يحتمل أنه يستحق حبلًا، وطبلًا، وشيحًا، وكبريتًا، وتنحِّيًا إلى القهقرى؛ فافهم.

وزعم ابن حجر واستدل بالحديث على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر، خلافًا لمن غلا من الحنفية، فقال بنجاسته.

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا القائل هو الذي أتى بالغلوِّ حيث لم يدرك حقيقة مذهب الأئمَّة الحنفية؛ لأنَّ الذي عليه الفتوى في مذهبهم: أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه واستعماله في الطبخ والعجن، والذي ذهب إلى نجاسته لم يقل بأنه نجس في حالة التقاطر، وإنما يكون ذلك إذا سال من أعضاء المتطهر، واجتمع في مكان) انتهى.

قلت: على أن القول بالنجاسة ضعيف، والمعتمد الطهارة، وهذا دأب المتعصبين ينظرون الأقوال الشاذة، ويتصدرون للاعتراض عليها، ولم يميزوا بين الضعيف والصحيح، على أن الحديث يدل ظاهرًا على نجاسة المستعمَل؛ لأنَّ نفض الماء من أعضائه عليه السلام يدل على ذلك، وكذا رده المنديل حتى لا ينجس، والأحاديث التي فيها أنه استعمل المنديل كلها فيها مقال، ولو أوضحنا دليل النجاسة؛ لضاق القرطاس، وعمي المتعصب الخناس، لكن الضرورات تقدر بقدرها؛ فافهم.

وحديث: «لا تنفضوا أيديكم في الوضوء، فإنها مراوح الشيطان»، فقد أخرجه ابن حبان في «الضعفاء»، وابن أبي حاتم في «العلل» من حديث أبي هريرة، وقال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي وغيره، ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيصُ على مسح الرأس في هذا الوضوء فتمسك به المالكية، فقالوا: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفى عنه بغسله.

قلت: وعموم لفظ: (توضأ وضوءه للصلاة) يدل على أنه قد مسح رأسه، كما لا يخفى على أولي الألباب، والله أعلم بالصواب.

[1] في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.