المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

240-. حدَّثنا عَبْدانُ، قالَ: أخبَرَني أَبِي، عن شُعْبَةَ، عن أَبِي إِسْحاقَ، عن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ:

عن عَبْدِ اللّهِ، قالَ [1] : بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ساجِدٌ.

(خ): وَحدَّثني [2] أَحْمَدُ بنُ عُثْمانَ، قالَ: حدَّثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ، قالَ: حدَّثنا إِبْراهِيمُ بنُ يُوسُفَ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي إِسْحاقَ، قالَ: حدَّثني عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ:

أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ [3] حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذ [4] قالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَىَ جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ علىَ ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إذا سَجَدَ؟ فانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ [5] فَجاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّىَ [6] سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَعَهُ علىَ ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنا أَنْظُرُ لَا أُغَيِّرُ [7] شَيْئًا، لَوْ كانَتْ [8] لِي مَنَعَةٌ [9] ، قالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ علىَ بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ساجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأسَهُ، حَتَّىَ جاءَتْهُ [10] فاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عن ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ ثُمَّ قالَ [11] : «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعا عَلَيْهِمْ، قالَ: وَكانُوا يَرَوْنَ [12] أَنَّ الدَّعْوَةَ في ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجابَةٌ [13] ، ثُمَّ سَمَّىَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، والْوَلِيدِ بنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ» _وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْهُ_ قالَ: فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ [14] ، لقد رَأَيْتُ الَّذِينَ [15] عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرْعَىَ في القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.

الأطراف



[1] في رواية الحَمُّويي: «عن عمرو بن ميمون قال: عبدُ اللهِ قال»، وعزاها في (و، ب، ص) إلىَ نسخة مطلقًا.
[2] في رواية الأصيلي: «وحدَّثنا»، وفي رواية ابن عساكر: «قال: وحدَّثني».
[3] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويي: «عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ».
[4] لفظة: «إذْ» ليست في رواية ابن عساكر.
[5] في رواية الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «أشقىَ قومٍ».
[6] في رواية الحَمُّويي والمُستملي زيادة: «إذا».
[7] في رواية الحَمُّويي: «لا أُغْنِي».
[8] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«كانَ»، وكتب فوقها «معًا»، ورواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «لو كانت».
[9] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«مَنْعَةٌ»، وكتب فوقها «معًا»، وكتب بالهامش: «قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىَ: للنسفي والحَمُّويي: وأنا لا أغني شيئًا لو كانت مَنَعةٌ، وعند غيرهم: لا أُغيِّر شيئًا، والأوَّل أَوجهُ، وإن كان معناهما يَصحُّ؛ أي: لو كان معي مَن يمنَعني لأَغنَيتُ، وكَفَفتُ شَرَّهم، أو غَيَّرتُ فعلَهم».اهـ.
[10] في رواية أبي ذر و [عط] : «جاءت».
[11] في رواية ابن عساكر: «فَرَفَع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسَهُ وقال».
[12] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«يُرَوْنَ».
[13] في رواية ابن عساكر: «يَرَوْنَ الدعوةَ في ذلك البلد مستجابةً»، وفي رواية كريمة: «يَرَوْنَ أنَّ الدعوةَ ... مستجابةً».
[14] في رواية ابن عساكر والحَمُّويي: «في يده».
[15] في رواية أبي ذر وابن عساكر عن المُستملي والحَمُّويي: «الذي».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

240- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بن عثمانَ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (أَبِي) عثمان بن جَبَلة؛ بفتح الجيم والمُوَحَّدة (عَن شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله، السَّبِيعيِّ؛ بفتح المُهمَلة وكسر المُوَحَّدة، الكوفيِّ التَّابعيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الكوفيِّ الأوديِّ؛ بفتح الهمزة وبالدَّال المُهمَلة، أدرك النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ولم يرَه، وحجَّ مئة حجَّةٍ وعمرةٍ، وتُوفِّي سنة خمسٍ وسبعين (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ، وفي روايةٍ: ((قال عبد الله)): (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ، وأصله: «بين»، أُشبِعت فتحة النُّون، فصارت ألفًا، وعاملُه «قال» في قوله بعد ذلك: «إذ قال بعضهم لبعضٍ» (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ) بقيَّته من رواية عبدان المذكورة [خ¦3185] : وحوله ناسٌ من قريشٍ من المشركين، ثمَّ ساق الحديث مُختصَرًا (ح) مُهمَلةٌ؛ لتحويل الإسناد _كما مرَّ_ ولابن عساكر: ((قال))؛ أي: البخاريَّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((وحدَّثنا)) (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) بن حَكِيمٍ؛ بفتح الحاء وكسر الكاف، الأوديُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بضمِّ الشِّين المُعجَمَة [1] وفتح الرَّاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره مُهمَلةٌ، وابن مَسْلَمة؛ بفتح الميم واللَّام وسكون المُهمَلة، التَّنُّوخيُّ؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة والنُّون المُشدَّدة والخاء المُعجَمَة، كذا ضبطه الكرمانيُّ _فالله أعلم_ المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) السَّبيعيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ [2] (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّابق قريبًا (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: [/ج1ص305/] ((عن عبد الله بن مسعود)) أنَّه [3] (حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ) العتيق (وَأَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشامٍ، المخزوميُّ، عدوُّ الله (وَأَصْحَابٌ) كائنون (لَهُ)؛ أي: لأبي جهلٍ؛ وهم السَّبعة المدعوُّ عليهم بعد [4] ، كما بيَّنه البزَّار (جُلُوسٌ) خبر المُبتدَأ الذي هو: «أبو جهلٍ»، وما عُطِف عليه، والجملة في موضع نصبٍ على الحال (إِذْ قَالَ) ولابن عساكر: ((جلوسٌ قال)) (بَعْضُهُمْ)؛ أي: أبو جهلٍ، كما في «مسلمٍ» (لِبَعْضٍ) زاد مسلمٌ في روايته: «وقد نُحِرت جزورٌ بالأمس»: (أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ) بفتح السِّين المُهمَلة، مقصورًا؛ وهو الجلدة التي يكون فيها ولد البهائم كالمشيمة للآدميَّات، أو يُقال فيهنَّ أيضًا، و«جَزُورٌ»؛ بفتح الجيم وضمِّ الزَّاي، يقع على الذَّكر والأُنثى، وجمعه: جُزُرٌ، وهو [5] بمعنى: المجزور من الإبل؛ أي: المنحور، وزاد في رواية إسرائيل هنا [خ¦520] : فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، (فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ) عُقبة بن أبي مُعَيطٍ؛ بمُهمَلتين، مُصغَّرًا؛ أي: بعثته نفسه الخبيثة من دونهم فأسرع السَّير، وإنَّما كان أشقاهم مع أنَّ فيهم أبا جهلٍ [6] ، وهو أشدُّ كفرًا منه وإيذاءً للرَّسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّهم اشتركوا في الكفر والرِّضا، وانفرد عقبة بالمُباشَرة فكان أشقاهم، ولذا قُتِلوا في الحرب وقُتِل هو صبرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والسَّرخسيِّ: ((فانبعث أشقى قومٍ))؛ بالتَّنكير، وفيه مُبالَغةٌ؛ يعني: أشقى كلِّ قومٍ من أقوام الدُّنيا، ففيه مُبالَغةٌ ليست في المعرفة، لكنَّ المقام يقتضي التَّعريف؛ لأنَّ الشَّقاء هنا بالنِّسبة إلى أولئك القوم فقط، قاله ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ التَّنكير أَوْلى؛ لِمَا فيه من المُبالَغة؛ لأنَّه يدخل بها [7] هنا دخولًا ثانيًا بعد الأوَّل، قال: وهذا القائل _يعني: ابن حجرٍ_ ما أدرك هذه النُّكتة (فَجَاءَ بِهِ فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ) المُقدَّس (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) قال عبد الله بن مسعودٍ: (وَأَنَا أَنْظُرُ)؛ أي: أشاهد تلك الحالة (لَا أُغني) في كفِّ شرِّهم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: ((لا أغيِّر))؛ أي: لا أغيِّر من فعلهم (شَيْئًا، لَوْ كَانَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((لو كانت)) (لِي مَنعَةٌ) بفتح النُّون وسكونها؛ أي: لو كانت لي قوَّةٌ أو جمعٌ مانعٌ؛ لطرحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لم يكن له بمكَّة عشيرةٌ؛ لكونه هذليًّا حليفًا، وكان حلفاؤه إذ ذاك كفَّارًا (قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ) استهزاءً _قاتلهم الله_ (وَيُحِيلُ) بالحاء المُهمَلة (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)؛ أي: ينسب بعضهم فعل ذلك إلى بعضٍ بالإشارة تهكُّمًا، ولـ: «مسلم»: ويميل بعضهم على بعضٍ؛ بالميم [8] ؛ أي: من كثرة الضَّحك (وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْهُ) عليه الصلاة والسلام، ولأبي ذَرٍّ: ((جاءت)) (فَاطِمَةُ) ابنته عليه السلام ورضي الله عنها، سيِّدة نساء هذه الأمَّة، ومناقبها جمَّةٌ، وتُوفِّيت _فيما حكاه ابن عبد البرِّ_ بعده صلى الله عليه وسلم بستَّة أشهرٍ إلَّا ليلتين، وذلك يوم الثُّلاثاء لثلاث ليالٍ [9] خلت من شهر رمضان، وغسَّلها عليٌّ على الصَّحيح ودفنها ليلًا بوصِّيتها له في ذلك، لها في «البخاريِّ» حديثٌ واحدٌ، زاد إسرائيل [خ¦520] : وهي جويريَّة، فأقبلت تسعى وثبت النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ساجدًا، (فَطَرَحَتْ) ما وضعه أشقى القوم (عَنْ ظَهْرِهِ) المقدَّس [10] ، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فطرحته))؛ بالضَّمير المنصوب، زاد إسرائيل: فأقبلت عليهم تسبُّهم، وزاد البزَّار: فلم يردُّوا عليها شيئًا (فَرَفَعَ) عليه الصلاة والسلام (رَأْسَهُ) من السُّجود، واستُدِلَّ به: على أنَّ من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداءً، لا تبطل صلاته ولو تمادى، وعلى هذا ينزل كلام المؤلِّف: فلو كانت نجاسةٌ وأزالها في الحال ولا أثر لها؛ صحَّت اتِّفاقًا، وأجاب الخطَّابيُّ: بأنَّه لم يكن إذ ذاك حكمٌ بنجاسة ما أُلقِي عليه؛ كالخمر، فإنَّهم كانوا يلاقون بثيابهم وأبدانهم الخمر قبل نزول التَّحريم، انتهى. ودلالته على طهارة فرث ما أُكِلَ لحمه ضعيفةٌ؛ لأنَّه لا ينفكُّ عن دمٍ، بل صرَّح به في رواية إسرائيل، ولأنَّه ذبيحة عبدة الأوثان، وأجاب النَّوويُّ: بأنَّه عليه الصلاة والسلام لم يعلم ما وُضِع على ظهره فاستمرَّ مستصحبًا للطَّهارة، وما ندري [11] هل كانت الصَّلاة [12] واجبةً حتَّى تُعاد على الصَّحيح أو لا؟ فلا تُعاد، ولو وجبت الإعادة [13] ؛ فالوقت مُوسَّعٌ، وتُعقِّب: بأنَّه عليه الصلاة والسلام أحسَّ [/ج1ص306/]

بما أُلقِي على ظهره من كون فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه، وأُجيب: بأنَّه لا يلزم من إزالة فاطمة إيَّاه عن ظهره إحساسه عليه الصلاة والسلام به [14] ؛ لأنَّه كان إذا دخل في الصَّلاة؛ استغرق باشتغاله بالله عزَّ وجلَّ، ولئن سلَّمنا [15] إحساسه به؛ فقد يحتمل أنَّه لم يتحقَّق نجاسته؛ لأنَّ شأنه أعظم من أن يمضيَ في صلاته وبه نجاسةٌ، انتهى. ولابن عساكر: ((فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه)) (ثُمَّ قَالَ) ولابن عساكر: ((وقال))، ووقع عند البزَّار من حديث الأجلح: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم [16] رأسه كما كان يرفعه [17] عند تمام سجوده، فلمَّا قضى صلاته؛ قال: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)؛ أي: بإهلاك كفَّارهم، أو من سمَّى منهم بَعْد، فهو عامٌّ أُرِيد به الخصوص (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) كرَّره إسرائيل في روايته لفظًا لا عددًا، وزاد مسلمٌ في رواية زكريَّا: وكان إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، وإذا سأل؛ سأل ثلاثًا، (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ) في «مسلمٍ»: فلمَّا سمعوا صوته صلى الله عليه وسلم؛ ذهب عنهم الضَّحك وخافوا دعوته، (قَالَ)؛ أي: ابن مسعودٍ: (وَكَانُوا يُرَوْنَ) بضمِّ أوَّله، على المشهور، وبفتحه، قاله البرماويُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بالفتح في روايتنا: من الرَّأي؛ أي: يعتقدون، وفي غيرها: بالضَّمِّ؛ أي: يظنُّون (أَنَّ الدَّعْوَةَ) ولابن عساكر: ((يرون الدَّعوة)) (فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ) الحرام (مُسْتَجَابَةٌ)؛ أي: مُجابةٌ، يُقال: «استجاب» و«أجاب» بمعنىً واحدٍ، وما كان اعتقادهم إجابة الدَّعوة إلَّا من جهة المكان، لا من خصوص دعوة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولعلَّ ذلك يكون ممَّا بقي عندهم من شريعة الخليل عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ سَمَّى) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ أي: عيَّن في دعائه، وفصَّل ما أجمل قبل، فقال: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ) اسمه عمرو بن هشامٍ، ويُعرَف: بابن الحنظليَّة، فرعون هذه الأمَّة، وكان أحول مأبونًا، (وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح الرَّاء في الثَّاني، وضمِّ العين المُهمَلة وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة في الأوَّل، (وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) أخي عتبة، (وَالْوَلِيدِ) هو ولد المذكور بعد أبي جهلٍ [18] (بْنِ عُتْبَةَ) بفتح الواو وكسر اللَّام، و«عُتْبة»؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وفي «مسلمٍ»: عقبة [19] ؛ بالقاف، واتَّفقوا على أنَّه وهمٌ من ابن سفيان راوي مسلمٍ، (وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ) في رواية شعبة: «أو أُبيَّ بن خلفٍ»، شكَّ شعبة، (وَعُقْبَةَ) بالقاف (ابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ) بضمِّ الميم وفتح المُهمَلة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة (وَعَدَّ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أو عبد الله بن مسعودٍ أو عمرو بن ميمونٍ (السَّابِعَ فَلَمْ نحْفَظْه [20] ) بنونٍ؛ أي: نحن، أو بياءٍ، فاعله: ابن مسعودٍ أو عمرو بن ميمونٍ. نعم؛ ذكره المؤلِّف في موضعٍ آخر: عمارة بن الوليد بن المغيرة، وذكره البرقانيُّ وغيره، ووقع في رواية الطَّيالسيِّ عن شعبة في هذا الحديث: أنَّ ابن مسعودٍ قال: ولم أرَه دعا عليهم إلَّا يومئذٍ، وإنَّما استحقُّوا الدُّعاء حينئذٍ لِمَا أقدموا [21] عليه من التَّهكُّم حال عبادته لربِّه تعالى، وإلَّا؛ فحلمه عمَّن آذاه لا يخفى، (قَالَ) ابن مسعودٍ: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) ولابن عساكر: ((في يده))؛ أي: قدرته (لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((الذي)) (عَدَّ) بحذف المفعول؛ أي: عدَّهم (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَرْعَى) جمع: صريعٍ، بمعنى: مصروعٍ، مفعولٌ ثانٍ لـ: «رأيت» (فِي الْقَلِيبِ) بفتح القاف وكسر اللَّام: البئر قبل أن تُطوَى، أوِ العاديَّة القديمة (قَلِيبِ بَدْرٍ) بالجرِّ، بدلٌ من قوله: «في القليب»، ويجوز الرَّفع بتقدير «هو»، والنَّصب بـ: «أعني»، لكنَّ الرِّواية بالجرِّ، وإنَّما أُلقوا في القليب؛ تحقيرًا لشأنهم، ولئلَّا يتأذَّى النَّاس برائحتهم، لا أنَّه دَفْنٌ؛ لأنَّ الحربيَّ لا يجب دفنه، وكان القاتل لأبي جهلٍ: «معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء»، كما في «الصَّحيحين»، ومرَّ عليه ابن مسعودٍ وهو صريعٌ، فاحتزَّ رأسه وأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمَّا عتبة بن ربيعة؛ فقتله حمزة أو عليٌّ، وأمَّا شيبة بن ربيعة؛ فقتله حمزة أيضًا، وأمَّا الوليد بن [22] عتبة _بالتَّاء_؛ فقتله عُبيدة _بضمِّ العين_ ابن الحارث، أو عليٌّ، أو حمزة، أو اشتركا، وأمَّا أميَّة بن خلفٍ؛ فعند ابن عقبة: قتله رجلٌ من الأنصار من بني مازنٍ، وعند ابن إسحاق: معاذ بن عفراء وخارجة بن زيدٍ وخُبَيْب بن إسافٍ، اشتركوا في قتله، وفي «السِّيَر» من حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ: أنَّ بلالًا خرج إليه ومعه نفرٌ من الأنصار فقتلوه، وكان بدينًا فانتفخ [23] ، فألقوا عليه التُّراب حتَّى غيَّبه، وأمَّا عقبة بن أبي معيطٍ فقتله عليٌّ أو عاصم بن ثابتٍ، والصَّحيح: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله بعرق الظَّبية، وأمَّا عمارة بن الوليد؛ فتعرَّض لامرأة النَّجاشيِّ، فأمر ساحرًا فنفخ في إحليله؛ عقوبةً له [/ج1ص307/] فتوحَّش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر بأرض الحبشة.

ورواة هذا الحديث العشرة كوفيُّون سوى عبدان وأبيه، فإنَّهما مروزيَّان، وفيه التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد والعنعنة، وقرن رواية عبدان برواية أحمد بن عثمان مع أنَّ اللَّفظ لرواية أحمد؛ تقويةً لروايته [24] برواية [25] عبدان؛ لأنَّ في رواية إبراهيم بن يوسف مقالاً، وفي رواية أحمد التَّصريح بالتَّحديث لأبي إسحاق من [26] عمرو بن ميمونٍ، ولعمرٍو من [27] عبد الله بن مسعودٍ، وأخرجه المؤلِّف في «الجزية» [خ¦3185] أيضًا، وفي «الشُّعب» [خ¦520] ، وفي «الصَّلاة» [خ¦520] وفي «الجهاد» [خ¦2934] و«المغازي» [خ¦3960] ، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و«السِّير».

[1] «المُعجَمة»: سقط من (س).
[2] في (م): «مئتين»، وهو خطأٌ ظاهر.
[3] «أنَّه»: سقط من (د) و(م).
[4] «بعد»: ليس في (م).
[5] في (م): «هي».
[6] في (د): «جمل»، وهو تحريفٌ.
[7] «بها»: مثبتٌ من (م)، وفي (د): «ههنا».
[8] «بالميم»: سقط من (م).
[9] «ليالٍ»: سقط من (م).
[10] في (م): «الكريم».
[11] في (د): «يدري».
[12] «الصَّلاة»: سقط من (س).
[13] «الإعادة»: سقط من (د).
[14] «به»: سقط من (م).
[15] في (م): «سُلِّم».
[16] «رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»: مثبتٌ من (م).
[17] في (م): «يرفع».
[18] «هو ولد المذكور بعد أبي جهلٍ»: مثبتٌ من (م).
[19] «عقبة»: مثبتٌ من (م).
[20] في (د): «يحفظه».
[21] في غير (م): «قدموا».
[22] «الوليد بن»: سقط من (د) و(م).
[23] في (م): «فانتفح».
[24] «لروايته»: سقط من (م).
[25] في (م): «لرواية».
[26] في (د) و(م): «ابن» وهو تحريفٌ.
[27] في (د): «بن»، وهو تحريفٌ.





240- (بَيْنَا): تقدَّم الكلامُ على هذا، والعاملُ فيه: (إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ) الَّذي يجيءُ في الحديثِ بعد التَّحويلِ إلى الإسنادِ الثَّاني.

(جُلُوسٌ): هو خبرُ (أَصْحَابٌ)، وخبرُ (أَبُو [1] جَهْلٍ) محذوفٌ؛ أي: جالسٌ؛ كقولِه: [من المنسرح]

~ نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ أو هو خبرٌ لأَبِي جَهْلٍ وأصحابِه جميعًا.

(فَيَضَعهُ): بنصبِ (يَضَع)، ويجوزُ رفعُه.

(لَوْ): جزاؤُها محذوفٌ؛ أي: لَأَغنيتُ وكففتُ شرَّهم، أو غيَّرتُ فِعْلَهم، أو (لو) هو للتَّمنِّي، فلا يحتاجُ إلى الجزاءِ.

و (يرَوْنَ): بضمِّ أوَّله على المشهورِ، وبفتحِها؛ قاله البِرْماويُّ.

(الَّذِينَ عَدَّ): حذف العائد إليه؛ أي: عدَّهم، وفي بعضها: (الَّذِي) مفردًا، ويجوزُ ذلك؛ كقوله: {وخُضْتُمْ كَالَّذي خَاضُوا} [التوبة: 69] .

[1] في النسختين: (أبي).





240- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ): تقدَّم مرارًا أنَّه عَبْد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (أَخْبَرَنِي أَبِي): تقدَّم أعلاه أنَّه عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد، وهو عتكيٌّ مروزيٌّ، يروي عن قرَّة، وشُعْبَة، وعنه: ابناه عبدان، وعبد العزيز شاذان، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، والنَّسائيُّ، وثَّقه أبو حاتم.

قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ): هذا هو السَّبيعيُّ، وهو المذكور في الطَّريق الثَّاني من رواية ابن ابن ابنه إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، عن أبيه [1] يوسف، عن أبي إسحاق، وهو عَمرو بن عَبْد الله أبو إسحاق الهمْدانيُّ السَّبيعيُّ الكوفيُّ، أحد الأعلام، عن جرير، وعديٍّ بن حاتم، وزيد بن أرقم، وابن عَبَّاس، وعدَّة من الصَّحابة، وأمم من التَّابعين، وعنه: ابنه يونس، وإسرائيل حفيده، وشُعْبَة، والسُّفيانان، وأبو بكر بن عيَّاش، وخلائق، وله نحو ثلاث مئة شيخ، وهو يشبه الزُّهْرِيَّ في الكثرة، وقد غزا عشر مرَّاتٍ، وكان صوَّامًا قوَّامًا، مات سنة (127 هـ ) وله خمس وتسعون سنة، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان»، وقد تقدَّم الكلام عليه قبل هذا، لكن طال الفصل، والله أعلم.

قوله: (عن عَبْدِ الله): هذا هو ابن مسعود الهذليُّ رضي الله عنه.

قوله: («ح»: [قَالَ] : وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ): أمَّا (ح) ؛ فقد تقدَّم الكلام عليها في أوَّل هذا التَّعليق.

وأمَّا (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) ؛ فهو أحمد بن عثمان بن حَكيم بن ذُبيان الأوديُّ، أبو عَبْد الله الكوفيُّ، عن أبيه، وجعفر بن عون، وأبي نعيم، وعبيد [2] الله بن موسى، وخالد بن مَخْلَد، وطبقتهم، وعنه: البخاريُّ، ومسلم، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، وعبد الرَّحمن بن يوسف بن خراش، ومطين، وأبو عوانة، وخلق، وثَّقه النَّسائيُّ، وابن خراش، مات يوم عاشوراء سنة (261 هـ ) [3] ، أخرج له من الأئمَّة مَن أخذ عنه.

قوله: (حَدَّثَنَا [4] شُرَيْحُ): هو بالشِّين المعجمة، وفي آخره حاء مهملة.

قوله: (وَأَبُو جَهْلٍ): اسم أبي جهل: عَمرو بن هشام بن المغيرة، ترجمته معروفة، فرعون هذه الأمَّة، قُتِل ببدر كافرًا.

قوله: (وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ): الظَّاهر [5] -والله أعلم- أنَّهم المذكورون في آخر الحديث المدعوُّ عليهم، وسيأتي الكلام عليهم.

قوله: (إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ): القائل هو أبو جهل، كما هو مصرَّح به في «مسلم» في (كتاب الجهاد) بعد (غزوة أحُد) .

قوله: (بِسَلَى): هو -بفتح السِّين المهملة، مقصور- الجلدة الرَّقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي، إنْ نُزعت عن وجه الفصيل ساعة يولد، وإلَّا؛ قتلته، وكذلك إذا انقطع السَّلَى في البطن، فإذا خرج السَّلى؛ سلمت النَّاقة، وإن انقطع في بطنها؛ هلكت وهلك الولد، قاله في «الصِّحاح»، وقال الدِّمياطيُّ في «حواشيه»: (السَّلى: الجلدة التي يكون فيها الولد، وقيل: السَّلى: في الماشية، والمشيمة: في النَّاس، وهي ههنا نجسة؛ لأنَّ ذبح المشركين كالميتة، ولو ذبحها مُسْلِم أو كتابيٌّ؛ لكانت لا تخلو من دم أو فرث، قال بعض المالكيَّة: وفيه من الفقه: أنَّ غسل النجاسة في الصَّلاة سُنَّة، ولو كان واجبًا؛ لقطع الصَّلاة) انتهى، فقوله: (إنَّ ذبح المشركين ميتة): أمَّا الآن؛ فنعم، وأمَّا إذ ذاك؛ فكان [6] قبل تحريم ذبائح أهل الأوثان كما كانت تجوز مناكحتهم، وهذا ظاهر لا خفاء به، وأمَّا مسألة (غسل النجاسة في الصَّلاة سنَّة) ؛ فمحلُّه كتب الفقه، وكذا [7] الرَّدُّ عليهم.

قوله: (فَيَضَعَهُ): هو بنصب (يَضَعَ) ، ويجوز رفعه.

قوله: (فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ): أمَّا (انْبَعَثَ) ؛ فقام بسرعة، وأمَّا (أَشْقَاهم) ؛ فهو عقبة بن أبي معيط، كما صرَّح به في «مسلم»، وكذا هو في «صحيح البخاريِّ» في (باب ما لقي النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه من المشركين بمكَّة) ، وقال شيخنا الشَّارح عنِ الدَّاوديِّ: (إنَّه أبو جهل) . [/ج1ص108/]

قوله: (لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا): كذا في أصلنا، وفي الهامش: (لَا أُغْنِي) نسخة، أمَّا [8] (أغني) ؛ فكذا للنسفيِّ [9] والحمُّوي، وعند غيرهم: (لا أغيِّر) ، قال ابن قُرقُول: (قال القاضي: والأوَّل أوجه وإنْ كان معناهما يصحُّ) .

قوله: (لَوْ كَانَت لِي مَنَعَةٌ): قال ابن قُرقُول: («مَنَعة»؛ بفتح الميم والنُّون؛ أي: جماعة يمنعونه، وهو جمع مانع، وهو أكثر الضَّبط فيه، ويقال: بسكون النُّون أيضًا، عزَّة امتناع يمتنع بها، اسم الفعلة من منع، أو الحال بتلك الصِّفة، أو مكان تلك الصِّفة، وبفتح النُّون ضبطه الأصيليُّ، وكذا «في عزٍّ ومنعة»، وأنكر أَبُو حاتم الإسكان) [10] .

وقال شيخنا الشَّارح: (في «المحكم» [11] : فيها ثلاث لغات، منَعة ومنْعة ومِنعة) .

قوله: (وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ): قال الدِّمياطيُّ: (أَيْ: يميل، وكذا جاء في «مسلم» يُميل بعضُهم إلى بعض من كثرة الضَّحك) انتهى.

وقال شيخنا الشَّارح: (كذا هو بالحاء في نسخ «البخاريِّ»، قال ابن بطَّال: ينسب ذلك بعضُهم إلى بعض من قولكَ: أحلتُ الغريم؛ إذا جعلتَ له أنْ يتقاضى ماله عليك من غيرك) ، قال: (ويُحتمل أنْ يكون من قول العرب: حال الرَّجل على ظهر الدابَّة حولًا وأحال: وثب) .

وقال ابن الأثير: («ويحيل بعضهم على بعض»؛ أي: يقبل عليه ويحيل إليه، وجاء في بعض الرِّوايات: «وجعل بعضُهم يميل إلى بعض»، وكذا أورده شيخنا في كتاب «الصَّلاة» في باب «المَرْأَةِ تَطْرَحُ عنِ المُصَلِّي شَيْئًا مِن الأَذَى»، ولفظه: «حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ») انتهى، وقد راجعت كلام ابن الأثير؛ فوجدته كما ذكره عنه.

قوله: (وَكَانُوا يُرَوْنَ): (يُرون) ؛ بضمِّ أوَّله؛ بمعنى: يظنُّون ويعتقدون [12] ، وبفتح أوَّله أيضًا، ومعناه معروف.

قوله: (اللهمَّ؛ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ): تقدَّم بظاهرها.

قوله: (وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ): هذا كافر معروف، قُتِل ببدر كافرًا.

قوله: (وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ): هذا كان [13] من سادات قريش، قُتِل يوم بدر كافرًا.

قوله: (وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ): هو بالمثنَّاة فوق، ووقع في بعض نسخ «مُسْلِم»: بالقاف، وهو خطأ، والصَّواب ما هنا، والوليد قُتِل يوم بدر كافرًا.

قوله: (وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ): هذا كافر معروف، قُتِل ببدر على كفره، وفي «صحيح البخاريِّ» من حديث ابن مسعود: أنَّ سعد بن معاذ قال [14] له: (إنِّي سمعت محمَّدًا يزعم أنَّه قاتلك) وذكر الخبر... إلى أنْ ذكر: أنَّه قُتِل ببدر، وعن ابن الجوزيِّ: (أنَّ ظاهر الحديث أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام هو الذي قتله، وفيه أيضًا في [15] «الوكالة»، وفي «السِّير» من حديث عَبْد الرَّحمن بن عوف: «أنَّ بلالًا خرج إليه ومعه نفر من الأنصار فقتلوه»، وقيل: قتله غير من ذُكِر، فقيل: معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد، وحبيب بن إساف اشتركوا فيه، وقيل: قتله بلال، وقيل: رجل من الأنصار من بني مازن) انتهى، وسيأتي في (الوكالة) الاختلاف في قاتله، وأذكر فيها خمسة أقوال، ولعلَّهم اشتركوا فيه، والله أعلم.

قوله: (وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ): هو بالقاف [16] ، واسم أبي معيط أبان بن أبي عَمرو ذكوانَ بن أميَّة بن عَبْد شمس، قتل كافرًا، وسيأتي في أيِّ مكان قتله عليه الصَّلاة والسَّلام، وذكر شيخنا في (باب طرح جيف المشركين في البئر): (قال الدَّاوديُّ: إنَّه لَمْ يكن من أنفس قريش، وإنَّما كان ملصقًا فيهم، وتعقَّبه ابن التِّين، فقال: ظاهر قوله: «اللَّهمَّ؛ عليك الملأَ من قريش» أنَّه من أشرافهم؛ لأنَّ الملأ: الأشرافُ إلَّا أنْ يريد أكثر من ذكر) انتهى، (وللنَّاس كلام في نسب ذكوان لا أحبُّ أن أذكره، وفي حفظي: أنَّ السهيليَّ وغيره ذكره أيضًا وأنَّ ذكوان عبد أميَّة أو ابنه، وظهر لي من كلامه الآن في حفظي أنَّه عبده لا ابنه) [17] ، والله أعلم.

قوله: (وَعَدَّ السَّابِعَ [18] ، فَلَمْ يَحْفَظْه): هذا من قول أبي إسحاق، وهو عمرو بن عَبْد الله السَّبيعيُّ، كما في «مسلم»، وقد ذكره البخاريُّ في (باب المَرْأَةِ تَطْرَحُ عنِ المُصَلِّي شَيْئًا مِن الأَذَى) في (كتاب الصَّلاة) أنَّه عُمارة بن الوليد، وسيأتي بُعيد هذا ما جرى لعمارة [19] .

قوله: (فَوَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرْعَى [20] فِي القَلِيبِ): أي: رأيت أكثرهم، وذلك لأنَّ عقبة بن أبي معيط لَمْ يُقتَل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، وقُتِل بعرق الظُّبية.

وأمَّا عُمارة؛ فقصَّته مع النَّجاشيِّ مشهورة، وأنَّه سحر فصار متوحِّشًا، وهلك بأرض الحبشة زمن عُمر.

وأمَّا أميَّة بن خلف؛ فإنَّه لَمْ يُلقَ في البئر، وسيأتي في هذا «الصَّحيح»: (وأميَّة بن خلف أو أُبيُّ بن [21] خلف -شُعْبَة الشَّاكُّ-؛ فرأيتهم قُتِلوا يوم بدر، فأُلقوا في البئر غير أميَّة أو أُبيٍّ، تقطَّعت أوصاله، فلم يُلق في البئر) ، ذكر ذلك في (باب مَا لَقِيَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وَأَصْحَابُهُ مِن المُشْرِكِينَ بِمكَّة في المبعث) ، والصَّواب: من أحد الشَّكَّين أنَّه أميَّة، وأمَّا أُبَيٌّ؛ فإنَّه هلك بعد ذلك عقيب أحُد بسبب ضربة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم له بأحُد، فحمل وهلك بسرف في رجوعهم إلى مكَّة، وقال ابن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة: (أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لمَّا أمر بالقتلى أنْ يُطرَحوا في القليب؛ طُرِحوا فيه إلَّا ما كان من أميَّة بن خلف، فإنَّه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحرِّكوه [22] فتزايل، فأقرُّوه، وألقوا عليه ما غيَّبه من التُّراب والحجارة) ، وهذا موافق لما في «البخاريِّ»، وفي أواخر [23] «مسلم»، وقد بوَّب عليه مبوَّب (باب كلام النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لقتلى بدر بعد موتهم) ما ظاهره أنَّ أميَّة أُلقي في القليب، ولكنَّ تأويله ممكن؛ بأنَّه [24] كان ذلك بقرب القليب جدًّا بحيث إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لمَّا وقف على القليب؛ بقي أميَّة بقربه جمعًا بين الرِّوايتين، والله أعلم، أو أنَّه بعد أنْ رضخوه بالحجارة والتُّراب؛ أُخرج وأُلقي في البئر، والله أعلم.

قوله: (في القَلِيبِ): هو -بفتح القاف، وكسر اللَّام، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ موحَّدة- بئر غير مطويَّة.

[1] (عن أبيه): سقطت من (ج) .
[2] في (ج): (وعبد) ، وهو تحريفٌ.
[3] في (ب): (161 هـ ) ، وليس بصحيح.
[4] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[5] زيد في (ب): (وسيأتي) .
[6] (فكان): سقطت من (ب) .
[7] (كذا): ليس في (ب) .
[8] في (ب): (وأمَّا) .
[9] في (ب): (الدمشقي) .
[10] «المطالع» (*) .
[11] في (ج): (العلم) .
[12] (ويعتقدون): ليس في (ج) .
[13] في (ج): (كافر) .
[14] في (ج): (قاله) .
[15] في (ج): (وفي) .
[16] (هو بالقاف): ليس في (ب) .
[17] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[18] في هامش (ق): (أي: الراوي الأول، السابع: هو عُمارة بن الوليد) .
[19] في (ب): (بعمارة) .
[20] (صرعى): سقطت من (ج) .
[21] (بن): سقطت من (ب) .
[22] في (ب): (ليحربوه) ، وفي (ج): (ليجردوه) .
[23] في (ب): (آخر) .
[24] في (ج): (بأن) .





240- ( سَلَا جَزُوْرِ ) بفتح السين: الوعاء الذي يخرج منه الجنين إذا ولد. [/ج1ص107/]

( فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ ) هو عقبة ابن أبي مُعَيط.

( وأنا أنظر لا أُغني شيئًا ) كذا للنسفي والحموي، وعند غيرهما: «لا أُغير شيئًا». قال القاضي: والأول أوجه وإن كان معناهما يصحُّ، أي: لو كان معي من يمنعني لأغنيت وكففت شرهم أو غيرت فعلهم.

( مَنَعَةٌ ) حركاته مفتوحة، وقد تسكن النون.

( وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) بالحاء أي: ينسب ذلك بعضهم إلى بعض من قولك: أحلتُ الغريمَ، ويحتمل أن يكون من قولهم: حال على ظهر دابته وأحال، أي: وثب، ورواه مسلم: «يَميل» بالميم، أي: يميل بعضهم على بعض من كثرة الضحك [1] .

( وَكَانُوا يرَوْنَ ) بضم الياء وفتحها، وقد نُوزِع البخاري في الاستدلال بهذا الحديث؛ لأنَّه لم يكن إذ ذاك تُعبِّد بتحريمه كالخمر.

( وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ نَحْفَظْهُ ) هو عمارة بن الوليد.

( قَلِيبِ بَدْرٍ ) بالجر على البدل مما قبله.

[1] جاء في [ب] شرح (ويحيل بعضهم) بعد (فانبعث أشقى القوم).





240- ( وَأَصْحَابٌ لهُ ) هم السَّبعة المدعو عليهم بعد، بيَّنه البزَّار.

( إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ ): هو أبو جهل كما صرَّح به في رواية مسلم.

( سَلَا ) بفتح المهملة والقصر: الجلدة التي يكون فيها الولد، ويختصُّ بالبهائم، يقال لها من الآدميَّات: مشيمة.


( أَشْقَى الْقَوْمِ ) للكُشْمِيهنيِّ والسَّرخسيِّ: «قوم» بالتَّنكير.

( لاَ أُغْنِي ) للكُشْمِيهنيِّ والمُسْتملي: «لا أغير».

( مَنَعَةٌ ) بفتح الميم والنُّون والمهملة: قوَّة، ويجوز إسكان النُّون، وقيل: المفتوح جمع مانع [ككَتَبَة وكاتب] [1] .

( وَيُحِيلُ ) بالمهملة: من الإحالة، أي: ينسب بعضهم فعل ذلك إلى بعض بالإشارة تهكُّمًا، ويحتمل أن يكون من حال يحيل إذا وثب على ظهر دابته، أي: يثب بعضهم على بعض من المرح والبطر، ويؤيِّده رواية مسلم بدله: «ويميل» بالميم، أي: من كثرة الضَّحك.

( فَرَفَعَ رَأْسَهُ ) زاد البزَّار: «فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أمَّا بعد، اللَّهم...» إلى آخره.

( عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ): بالكفَّار أو بمن سُمِّيَ منهم فهو عامٌّ أريد به الخصوص.

( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) زاد مسلم: «وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا».

( فَشَقَّ ذلك عَلَيْهِمْ ) لمسلم: «فلمَّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضَّحك وخافوا دعوته».

( يَرَوْنَ ) بفتح أوَّله أي: يعتقدون، وبضمِّه أي: يظنُّون.

( فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ ) لأبي نعيم في «المستخرج» بدله «في الثَّالثة»، ويناسب قوله ثلاث مرات.

( ثمَّ سَمَّى ) أي: فصَّل من أجمل.

( وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ): هو [ابن] [2] عتبة بن ربيعة، ولمسلم: «ابن عقبة» بالقاف، وهو وهمٌ قديم نبَّه عليه ابن سفيان الرَّاوي عن مسلم. [/ج1ص357/]

( وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ نحْفَظْهُ ) بالنُّون وبالياء، أي: فلم يحفظه أبو إسحاق الرَّاوي عن عمرو بن ميمون، وقد تذكَّره مرَّة أخرى فسمَّاه: عمارة بن الوليد، أخرجه المصنِّف في الصَّلاة. [خ:520]

( صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ ) هو البئر التي لم تُطْوَ، وقيل: العادية / القديمة، والمراد أكثرهم؛ لأنَّ عقبة بن أبي معيط لم يطرح فيها؛ بل قتل صبرًا بعد أن رحل عن بدر بمرحلة، وأميَّة بن خلف لم يطرح فيها أيضًا، وعمارة بن الوليد مات بأرض الحبشة.

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (لكتبة وكتاب) والمثبت من غيرها
[2] ما بين معقوفين زيادة نوضيحية.





240- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عَبْدان)) ؛ بفتح العين، وسكون الموحدة، مثنَّى: عبد: هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((أبي)) : هو عثمان بن جَبَلة؛ بفتح الجيم، والموحدة، المروزي، ((عن شُعْبة)) ؛ بضمِّ المعجمة، وسكون المهملة: هو ابن الحجاج، ((عن أبي إسحاق)) : السَّبِيعي؛ بفتح السين المهملة، وكسر الموحدة، واسمه عمرو بن عبد الله الكوفي التابعي، ((عن عَمرو)) ؛ بفتح العين المهملة ((بن مَيمُون)) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: أبو عبد الله الكوفي الأَودي؛ بفتح الهمزة، وبالدَّال المهملة، أدرك زمن النبيِّ عليه السَّلام، ولم يَلْقَه، وحج مئة حجة وعمرة، وأدَّى صدقته إلى عمال النبيِّ عليه السَّلام، وهو الذي رأى قردة زنت في الجاهلية، فاجتمعت عليها القردة ورجموها، مات سنة خمس وسبعين، كذا في «عمدة القاري».

قلت: فهو تابعي مخضرم، وهو غير عمرو بن ميمون المخزومي؛ فافهم.

((عن عبد الله)) ؛ أي: ابن مسعود رضي الله عنه؛ لأنَّه المراد حيث أطلق، كما أنه إذا أطلق الإمام الأعظم؛ فالمراد به: أبو حنيفة النعمان إمام الأئمَّة، ورئيس المجتهدين رضي الله تعالى عنه ((قال)) وفي رواية: (قال عبد الله) : ((بينا)) بغير ميم، فإن أصله: (بين) ؛ بلا ألف زيدت؛ لإشباع الفتحة، قال في «عمدة القاري»: (وهو مضاف إلى الجملة التي بعده، والعامل فيه: «إذ قال بعضهم لبعض» الآتي بعد التحويل إلى الإسناد الثاني) انتهى.

قلت: وقد تبعه الشراح؛ لأنَّه إمامهم، وهذا هو الصحيح من أن (بينا) ؛ بالألف؛ كـ (بينما) ؛ بالميم مكفوفان عن الإضافة إلى المفرد، ومضافان للجملة، وهو مذهب الجمهور، وذهب قوم: إلى أنَّ (ما) والألف كافتان عن الإضافة، والجملة بعدهما لا محل لها من الإعراب، وذهب بعضهم: إلى أنَّ الألف لا تكفُّ عن الإضافة إلى الجملة بخلاف (ما) ، واختاره المغاربة، كذا في «همع الهوامع»، وتمامه فيه؛ فافهم.

((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) : فـ (رسول) مبتدأ، خبره قوله: ((ساجد)) ؛ أي: في صلاته، والذي يظهر أنه كان يصلي حينئذ منفردًا، قال في «عمدة القاري»: (وبقية الحديث من رواية عبدان المذكورة: «وحوله ناس من قريش من المشركين...»، ثم ساق الحديث مختصرًا) انتهى؛ فافهم.

((ح)) مهملة: إشارة للتحويل من سند إلى آخر، هذا هو الأصح من أقوال سبق ذكرها، ولابن عساكر: (قال) ؛ أي: المؤلف: ((وحدثني)) ؛ بالإفراد، وللأصيلي: (وحدثنا) ((أحمد بن عثمان)) ؛ أي: ابن حَكِيم؛ بفتح الحاء المهملة، وكسر الكاف، الأَودي؛ بفتح الهمزة، وبالدَّال المهملة، الكوفي، المتوفى سنة ستين ومئتين ((قال: حدثنا شُرَيْح)) ؛ بضمِّ الشين المعجمة، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة؛ مصغرًا ((بن مَسْلَمَة)) ؛ بفتح الميم، وسكون السين المهملة، وفتح اللام، والميم الثانية، الكوفي التنوخي، زعم الكرماني أنه بالمثناة الفوقية، وبالنُّون المشددة، وبالخاء المعجمة.

وردَّه في «عمدة القاري» أن نوخ وتنوخ: حي من اليمن، ولا تشدد النُّون، انتهى.

قلت: ويدلُّ لهذا أن أهل اللغة والتاريخ قالوا: بتخفيف النُّون، وعبارة السيوطي في «لبِّ الألباب»: (التَّنُوخي؛ بالفتح، وضم النُّون الخفيفة، ومعجمة: نسبة إلى تنوخ قبائل أقاموا بالبحرين) انتهى؛ فافهم، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، وهو غير شريح القاضي؛ لأنَّه كان في عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.[/ص233/] ((قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف)) ؛ أي: السبيعي، المتوفى سنة ثمان وتسعين ومئة، ((عن أبيه)) : يوسف بن إسحاق، ((عن أبي إسحاق)) : عمرو بن عبد الله الكوفي السبيعي، الذي سبق ذكره قريبًا، قال في «عمدة القاري»: وهنا إسنادان، ومن لطائف إسناد هذا الحديث: أنه قرن رواية عبدان برواية أحمد بن عثمان مع أن اللفظ لرواية أحمد؛ تقويةً لرواية عبدان؛ لأنَّ في إبراهيم بن يوسف مقالًا، فقال: عباس عن ابن معين ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الزوجاني: ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه.

ومن لطائفه: أن رواية أحمد خرجت بالتحديث لأبي إسحاق من عمرو بن ميمون، ولعمرو بن عبد الله بن مسعود.

ومنها: أن روايته عيَّنت أن عبد الله المذكور في رواية عبدان هو عبد الله بن مسعود.

ومنها: أن المذكور في رواية عبدان: (رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وفي رواية أحمد: (نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم) انتهى.

((قال: حدثني)) بالإفراد ((عَمرو)) بفتح العين ((بن مَيمُون)) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: أبو عبد الله السابق قريبًا: ((أن عبد الله بن مسعود)) وللكشميهني: (عن عبد الله) ، ولا فرق بين الروايتين؛ لأنَّه قد صرَّح بالتحديث في قوله: (أي: ابن مسعود) ((حدَّثه)) ؛ أي: حدَّث عمرو بن ميمون: ((أن النبيَّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصلي عند البيت)) العتيق؛ وهو الكعبة، وإفادة (كان) الدوام والاستمرار ((وأبو جَهل)) ؛ بفتح الجيم: عمرو بن هشام المخزومي، وكان يكنَّى في الجاهلية بأبي الحكم، فكنَّاه النبيُّ عليه السَّلام بأبي جهل، ولهذا قال الشاعر:

~الناس كنَّوه أبا حكم والله كنَّاه أبا جهل

وقيل: كان يكنَّى أبا الوليد، وكان يعرف بابن الحنظلة، وكان أحول، وفي «المحبر»: (كان مأبونًا) ، وفي «الوشاح» لابن دريد: (هو أول من حُزَّ رأسه) ، ولما رآه رسول الله عليه السَّلام؛ قال: «هذا فرعون هذه الأمة»، وتمامه في «عمدة القاري» ((وأصحاب له)) ؛ أي: لأبي جهل، قال في «عمدة القاري»: (وهم السبعة المدعوُّ عليهم بعدُ، كما بيَّنه البزار من طريق الأجلح عن أبي إسحاق، ((جلوس)) : جمع: جالس؛ أي: عند البيت أيضًا، قال في «عمدة القاري»: (أبو جهل) : مبتدأ، و (أصحاب له) : عطف عليه، و (جلوس) : خبره، والجملة: نصب على الحال، ومتعلق (له) : محذوف؛ أي: أصحاب كائنون له؛ أي: لأبي جهل، ويجوز أن يكون (جلوس) : خبر (أصحاب) ، وخبر (أبي جهل) : محذوف؛ كقول الشاعر:

~ نحن بما عندنا وأنت بما عندك والرأي مختلف

والتقدير: نحن راضون بما عندنا، انتهى.

واعترض البرماوي: بأنَّ الإخبار في البيت عن الجميع متعذر، بخلاف ما هنا، انتهى.

قلت: وهذا الاعتراض سهل، فإنه اعتراض في المثال لا في الحكم، وغاية الأمر: أنه يقال: إن الإخبار في البيت عن المجموع، وهو كافٍ وغير متعذر؛ فافهم.

((إذ قال)) وسقط (إذ) لابن عساكر ((بعضهم)) : هو أبو جهل، كما سماه مسلم من رواية زكريا ((لبعض)) ؛ أي: لأصحابه، وزاد مسلم فيه: (وقد نحرت جزور بالأمس) ، وجاء في رواية أخرى: (بينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قائم يصلي في ظل الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم؛ إذ قال قائل منهم: ألا تنظروا إلى هذا المرائي؟!) ((أيُّكم)) ؛ بتشديد التحتية، استفهامية ((يجيء بسَلَى)) ؛ بفتح السين المهملة واللام، وبالقصر: هي الجلدة التي تكون فيها الولد، والجمع: أسلاء، وخصَّ الأصمعي: السلى بالماشية، وفي الناس: بالمشيمة، وفي «المحكم»: (السلى: يكون للناس والخيل) ، وقال الجوهري: (هي جلدة رقيقة إن نزعت عن وجه الفصيل بساعة يولد، وإلا؛ قتلته، وكذلك إذا انقطع السلى في البطن، وألف (سلى) منقلبة عن ياء مثناة، ويقوِّيه ما حكاه أبو عبيد من أنَّ بعضهم قال: سليت الشاة: إذا نزعت سلاها، انتهى «عمدة القاري»، وقوله: ((جَزُور)) مضاف إليه؛ بفتح الجيم، وضم الزاي، من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهي تؤنَّث، والجمع: الجزر، يقال: جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، واجتزرتها؛ إذا نحرتها، كذا في «عمدة القاري».

وزعم ابن حجر أن الجزور: ما يُجْزَرُ؛ أي: يُقْطَع.

وردَّه في «عمدة القاري» فقال: (قلت: لا يدرى من أي موضع نقله؟) .

وزعم العجلوني أنه نقله من كتب اللغة؛ كـ«الصحاح»، و«القاموس»، و«المحكم»، قال في «الصحاح»: (جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، وأجزرتها؛ إذا نحرتها) ، وقال في «المحكم»: (الجزور: الناقة المجزورة، والجمع: جزائر) ، وقال في «القاموس»: (الجزور: البعير أو خاصٌّ بالناقة المجزورة) انتهى.

قلت: ولا يخفى أن هذه النقول دليل واضح لما قاله صاحب «عمدة القاري» من أن الجزور بمعنى: المجزور؛ أي: المنحور، فهي دليل له لا عليه، ولم يصرِّح أحد من هذه النقول أن معناه: المقطوع، كما زعمه ابن حجر، فالردُّ ظاهر؛ لأنَّه لم يجئ بمعنى القطع في اللغة أصلًا، والعجلوني نقل ولم يعلم ما نقل، وما نقل إلا الحق، فإن الشخص إذا أعرض عن الحق لا بدَّ أن الله تعالى يجعل له أسبابًا، ثم يعيده إلى الحق، وهو لا يدري، ويكون مراده غيره، فالحق مع صاحب «عمدة القاري»، والذي زعمه ابن حجر تفسير من عنده لا مستند له فيه، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وتمامه في «إيضاح المرام»؛ فيراجع.

((بني فلانٍ)) ؛ بالتنوين: اسم مبهم لقبيلة من قبائل العرب لم تعرف أسماؤهم، ((فيضعه)) أي: السلى المذكور ((على ظهر محمَّد)) ؛ أي: النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((إذا سجد)) ؛ أي: في صلاته، وكأنَّهم لا يتيسَّر لهم ذلك إلا في الصَّلاة، وذلك لما أنَّه يدعو عليهم، فيكون أقرب للإجابة، وهل كانت هذه الصَّلاة فرضًا أو نفلًا؟ فيه احتمال، ويدلُّ للثاني أنه عليه السَّلام كان يصلي إذ ذاك وحده، وقد يقال: إنه عليه السَّلام كان يصلي النافلة في بيته، ولعلَّه كان يصلي تحيَّة المسجد؛ فهي تحية المسجد على ما يظهر، وصلاته منفردًا دليل على أنَّها نفل لا فرض؛ لأنَّها لو كانت فرضًا؛ لأداها بالجماعة كما هي عادته؛ فتأمل، والله أعلم، ((فانبعث)) ؛ أي: أشرع، وهو مطاوع (بعث) ، يقال: بعثه وانبعثه بمعنًى؛ أي: أرسله فانبعث، كذا قاله في «عمدة القاري».

وزعم العجلوني أن معناه: انطلق.

قلت: وهو ممنوع؛ لأنَّ الانطلاق يكون عن غير أمر، بخلاف الإرسال، فإنَّه يكون عن طلب من الغير، فالمعنى الصحيح هنا أن معناه: أرسله، كما لا يخفى؛ فافهم.

((أشقى القوم)) وفي نسخة: (أشقى قومه) ، وللسرخسي والكشميهني: (أشقى قومٍ) ؛ بالتنكير، قال في «عمدة القاري»: ولا خلاف في أن (أفعل) التفضيل إذا فارق كلمة (من) ؛ أنَّه يعرَّف باللام أو بالإضافة.

فإن قلت: أي الفرق في المعنى في إضافته إلى المعرفة والنكرة؟

قلت: بالتعريف والتخصيص ظاهر، وأيضًا النكرة لها شيوع؛ معناه: أشقى قوم أيَّ قوم كان من الأقوام؛ يعني: أشقى كل قوم من أقوام الدنيا، ففيه مبالغة ليست في المعرفة.

وزعم ابن حجر أن المقام يقتضي الأول؛ يعني: أشقى القوم؛ بالتعريف؛ لأنَّ الشقاء هنا بالنسبة إلى أولئك الأقوام فقط.

وردَّه في «عمدة القاري» بأن التنكير أولى؛ لما قلنا من المبالغة؛ لأنَّه يدخل ههنا دخولًا ثانيًا بعد الأول، وهذا القائل ما أدرك هذه النكتة، انتهى.

[/ص234/] وزعم العجلوني، فقال: (قد أدرك هذه النكتة هذا القائل؛ لأنَّه قال: ففيه مبالغة، لكنه داعي المقام، فرجح التعريف لذلك) .

قلت: وترجيحه التعريف دليل على عدم إدراكه هذه النكتة، لأنه قال: (ففيه مبالغة) ، على أنَّ المقام يقتضي التنكير والعموم، وترجيحه التعريف ترجيح بلا مرجح، بدليل قوله عليه السَّلام حين رأى أبا جهل: «هذا فرعون هذه الأمة»، والأمة: جميع المخلوقات، فهي أمة الدعوة، فكأنه عليه السَّلام قال: هذا فرعون جميع المخلوقات، فاقتضى ذلك التنكير لا التعريف، وترجح التنكير على التعريف، كما لا يخفى، وبهذا ظهر فساد ما زعمه العجلوني؛ فافهم.

وأشقى القوم: هو عُقْبَة بن أبي مُعَيط؛ بضمِّ الميم، وفتح العين المهملة، كما سماه شعبة عند مسلم، وكذا الإسماعيلي، ورواه أبو داود في «مسنده» بلفظ: (فجاء عُقْبَة بن أبي معيط فقذفه على ظهره) ، وقال الداودي: (إنه أبو جهل) ، كما نقله عنه صاحب «عمدة القاري» وغيره، وعلى هذا؛ فكونه أشقاهم ظاهر، والصحيح: الأول، ولهذا اقتصر عليه أكثر الشراح، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهل وهو أشدُّ كفرًا منه وإيذاءً لرسول الله عليه السَّلام؛ لأنَّه مع مشاركتهم في الكفر انفرد بالمباشرة فكان أشقاهم، ولهذا قتلوا في الحرب، وقتل هو صبرًا، كما سيأتي؛ فافهم.

((فجاء)) ؛ أي: أتى أشقى القوم ((به)) أي: بسلى الجزور، ((فنظر)) أي: فانتظر ((حتى إذا سجد النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) في صلاته؛ ((وضعه على ظهره)) الشريف ((بين كتفيه)) وكأنَّه وقف خلف ظهره، فلم يدر إلا وهو وضعه، وقوله: ((وأنا أنظر)) : جملة محلها نصب على الحال؛ أي: قال عبد الله: وأنا أشاهد تلك الحالة ((لا أغني)) أي: في كفِّ شرِّهم ((شيئًا)) ، وفي رواية: (لا أغيِّر) ؛ أي: من فعلهم شيئًا، ((لو كان)) وفي رواية: (لو كانت) (لي منَعة) ؛ بفتح النُّون، وحُكي إسكانها.

قال النووي: (وهو شاذٌّ ضعيف) .

وردَّه في «عمدة القاري» فقال: (قلت: يردُّ عليه ما ذكره في كتاب «المحكم»: المَنعة والمُنعة والمِنعة، وقال يعقوب في «الألفاظ»: منعة ومنعة، وقال القزاز: فلان في منعة من قومه، ومنعة؛ أي: عزٍّ، وفي كتاب ابن القوطية وابن طريف: منع الحصن مناعًا، ومنعة: لم يرم، وفي «الغريبين [1] »: فلان في منعة؛ أي: في تمنِّع على من رامه، وفلان في منعة؛ أي: في قوم يمنعونه من الأعداء) انتهى كلامه.

وقال القرطبي: المنْعة؛ بسكون النُّون، وروي بفتحها على أنَّه جمع: مانع، ورجَّح القزاز والهروي الإسكان في المفرد، وعكس ابن السكيت، وحاصل ما حكاه في «المحكم» ثلاث لغات: فتح النُّون، وإسكانها، والثالث: كسر الميم وإسكان النُّون، ولا ريب أن هذا يردُّ على النووي فيما ادَّعاه.

وزعم العجلوني أنَّه لا يردُّ عليه؛ لأنَّ حكايته لغات فيها لا ينافي أنَّ بعضها شاذ.

قلت: وهو فاسد، فإن هؤلاء الأئمَّة من أهل اللغة كلهم صرَّحوا بعدم الشذوذ، فدعوى الشذوذ باطلة، فلو كان فيه شذوذ؛ لصرَّحوا به، وحكايته اللغات فيها من غير تصريح بالشاذِّ من غيره ينافي ذلك قطعًا، فزعم هذا الزاعم فاسد؛ فليحفظ، والله أعلم.

وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لم يكن له بمكة عشيرة؛ لكونه هُذَليًّا حليفًا، وكان حلفاؤه إذ ذاك كفارًا، وجواب (لو) محذوف؛ أي: لطرحته عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وصرَّح به مسلم، أو لكففت شرَّهم، أو (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، وللبزار: (وأنا أرهب منهم) .

((قال)) أي: ابن مسعود: ((فجعلوا)) أي: أبو جهل وأصحابه ((يضحكون)) ؛ أي: استهزاءً قاتلهم الله تعالى، وفي رواية: (حتى مال بعضهم على بعض من الضحك) ، ((ويُحِيل)) ؛ بضمِّ التحتية، وكسر الحاء المهملة ((بعضهم على بعض)) ؛ أي: ينسب فعل ذلك بعضهم إلى بعض باللفظ أو بالإشارة تهكُّمًا واستهزاءً، قال في «عمدة القاري»: من قولك: أحلت الغريم؛ إذا جعلت له أن يتقاضى المال من غيرك، وجاء حال وأحال أيضًا؛ بمعنى: وثب، وفي الحديث: (أن أهل خيبر أحالوا إلى الحصن) ؛ أي: وثبوا إليه، وفي رواية مسلم من رواية زكريا: (ويميل) ؛ بالميم بدل (ويحيل) ؛ أي: من كثرة الضحك، وفي (الصَّلاة) عند المؤلف: (حتى مال بعضهم على بعض) انتهى.

قلت: ومقتضى ما في «عمدة القاري» وتبعه ابن حجر والشرَّاح: أنَّ (ويميل) ليس في روايةٍ للمؤلف.

وزعم العجلوني أنه رأى نسخة صحيحة من «البخاري»: (ويميل) انتهى.

قلت: والله أعلم بصحة هذه النسخة التي رآها، ولعلَّها نسخة طبع الأعجام الشيعة الذين دأبهم التحريف في الكتب الشرعية والحديثية حتى يوقعوا أهل السنة والجماعة في الخطأ والغفلة، والله أعلم.

((ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) : مبتدأ، وقوله: ((ساجد)) خبره، والجملة: محلها نصب على الحال ((لا يرفع رأسه)) الشريف؛ أي: من السجود، بل أبطأ ((حتى جاءته)) ولأبي ذر: (حتى جاءت) ((فاطمة)) ؛ أي: ابنته عليه السَّلام، ورضي عنها، قال في «عمدة القاري»: (أنكحها رسول الله عليه السَّلام علي بن أبي طالب بعد وقعة أحد، وسنُّها يومئذٍ خمسة عشر سنة وخمسة أشهر، روي لها عن رسول الله عليه السَّلام ثمانية عشر حديثًا، وفي «الصحيحين» لها حديث واحد، روت عنها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، توفيت بعد رسول الله عليه السَّلام بستة أشهر بالمدينة، وقيل: بمئة يوم، وقيل غير ذلك، يوم الثُّلاث لثلاث خلت من رمضان، وغسَّلها علي رضي الله عنه، وصلَّى عليها، ودفنت ليلًا، ودفنها بوصيتها له في ذلك، وفضائلها كثيرة لا تحصى، وكفى بها شرفًا كونها بضعة من رسول الله عليه السَّلام) ، ثم قال في «عمدة القاري»: (زاد إسرائيل: وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ساجدًا) ، ((فطرحته)) ؛ أي: ما وضعه أشقى القوم من سلى الجزور، وللكشميهني: (فطرحت) ؛ بحذف الضمير المنصوب ((عن ظهره)) الشريف، زاد إسرائيل: (فأقبلت عليهم تسبهم) ، وزاد البزار: (فلم يردوا عليها شيئًا) .

قلت: ففيه: قوَّة نفس فاطمة الزهراء من صغرها؛ لشرفها في نفسها وقوَّتها؛ لكونها صرَّحت بشتمهم وهم من رؤساء قريش، فلم يردُّوا عليها خوفًا من أن تطرحه عليهم؛ لشدَّة تغيُّظها من هذا الفعل القبيح قاتلهم الله تعالى، وهذا الفعل هو بعض من أفعال جماعة عظمة الكلب العقور المملوءة من المكر والخداع والفجور، كما بيَّنت ذلك في كتابي المسمَّى «إنجاء الغريق المخزون فيما يقوله صاحب الهمِّ والغمِّ المحزون».

((فرفع)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((رأسه)) الشريف؛ أي: من السجود، زاد البزار من رواية زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق: (فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد؛ اللهم عليك...») ؛ الحديث، قال البزار: تفرَّد بقوله: (أما بعد) زيدٌ، قاله في «عمدة القاري»، ((ثم قال)) ولابن عساكر: (وقال) ؛ بإبدال (ثم) بـ (الواو) ، قال في «عمدة القاري»: وكلمة (ثم) تشعر بمهلة بين الرفع والدعاء، وفي رواية الأجلح عند البزار: (فرفع رأسه، كما كان يرفعه عند تمام سجوده، فلما قضى صلاته؛ قال: «اللهم») ، ولمسلم والنسائي نحوه، والظاهر من ذلك: أن دعاءه وقع خارج الصَّلاة، لكنَّه وقع وهو مستقبل القبلة، كما ثبت من رواية زهير عن أبي إسحاق عند البخاري ومسلم، انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم أن قوله: (والظاهر...) إلخ يدلُّ على أنَّه لم يقف على هذه الرواية، بل غفل عنها؛ لذكره لها، انتهى.

قلت: وهو كلام فاسد؛ لأنَّه ظاهر التناقض، فإن [بين] قوله: (لم يقف عليها وغفل عنها) ، وقوله: (لذكره لها) تناقض، والحقُّ أنَّه لم يغفل عنها، وقد وقف عليها كما علمت من سياق كلامه،[/ص235/] وحين كان صاحب «عمدة القاري» يؤلِّف ويدرِّس ويلقي العلوم إلى العلماء كان العجلوني منيًّا في ظهر أجداده خلف البقر في عجلون، فكيف يقول: (لم يقف) و (غفل) ؟! بل قوله: (والظاهر...) إلخ؛ منشأ الاستظهار من أن قوله عليه السَّلام كان بعد تمام الصَّلاة، وخارجها من رواية المؤلف هنا، ثم ساق الرواية الدَّالة على ذلك كما علمت؛ فافهم، والله تعالى أعلم.

((اللهمَّ؛ عليك بقريش)) ؛ أي: بهلاكهم، والمراد: الكفار منهم، أو من سمَّى منهم؛ وهم أبو جهل وأصحابه، فهو عامٌّ أريد به الخصوص بقرينة القصة، كذا أفاده صاحب «عمدة القاري»، فلا يرِدُ ما يقال: كيف جاز الدعاء على كلِّ قريش وبعضهم كانوا يومئذٍ مسلمين كالصديق وغيره؟وأما الجواب: بأنَّه لا عموم للَّفظ، ففيه أن لفظ (قريش) موضوع لهذه القبيلة عمومًا؛ فتأمل ((ثلاث مرات)) متعلق بـ (قال) ؛ أي: قال النبيُّ الأعظم عليه السَّلام: «اللهم؛ عليك بقريش» ثلاثًا، قال في «عمدة القاري»: (كرَّره إسرائيل في روايته لفظًا لا عددًا، وزاد مسلم في رواية زكريا: (وكان إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، وإذا سأل؛ سأل ثلاثًا) انتهى، ثم قال: (وفيه: حلمه عليه السَّلام عمَّن آذاه، ففي رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة في هذا الحديث: أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (لم أره دعا عليهم إلا يومئذٍ، وإنما استحقوا الدعاء حينئذٍ؛ لما قدموا عليه من التهكُّم به حال عبادته لربه سبحانه وتعالى) ، ((فشقَّ ذلك)) أي: الدعاء ((عليهم)) ؛ أي: على أبي جهل وأصحابه، وفي رواية إسقاط لفظ: (ذلك) فقط، وعليها شرح إمام الشارحين بدر الدين العيني، وتبعه القسطلاني، وقوله: ((إذْ دعا عليهم)) ؛ بسكون الذال بمعنى: حين، متعلق بـ (شقَّ) ، وعند مسلم من رواية زكريا: (فلمَّا سمعوا صوته؛ ذهب عنهم الضَّحك، وخافوا دعوته) ، ففيه: معرفة الكفار صدق النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لخوفهم من دعائه، ولكنْ لأجل شقائهم الأزلي حملهم الحسد والعناد على ترك الانقياد له عليه السَّلام، وفيه: جواز الدعاء على الظالم، لكنْ قال بعضهم: محلُّه ما إذا كان كافرًا، فأمَّا المسلم؛ فيستحبُّ الاستغفار له، والدعاء له بالتوبة، كذا في «عمدة القاري».

وزعم ابن حجر أنَّه لو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر لما كان بعيدًا؛ لاحتمال أن يكون عليه السَّلام اطَّلع على أنَّ المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يُدعى لكل حيٍّ بالهداية، انتهى.

قلت: والظاهر: أنه يجوز الدعاء بالهلاك على المسلم الظالم، وكذا الكافر؛ لعموم حديث الباب، ولقوله تعالى حكاية عن قول نوح: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] ، ولعموم قوله تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] ، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] ، وذلك فإنَّ في الدعاء بالهلاك تخليص النَّاس من شرِّه وإيذائه لا سيما من يتظاهر في زماننا في إيذاء المسلمين الذين هم أهل التقوى والشرف، ويتجاسرون عليهم بالفجور والشرور، فلا ريب أن الدَّعاء عليهم جائز، بل واجب، وقد رميت بكلام الأعداء الفجار بالقيل والقال، فدعوت الله تعالى عليهم بالهلاك، فبعد سنة واحدة قد أخذ اثنين منهم أخذ عزيز مقتدر، وقد بيَّنت ذلك في كتابي «إنجاء الغريق المخزون».

((قال)) أي: ابن مسعود: ((وكانوا)) أي: أبو جهل وأصحابه ((يَرون)) ؛ بفتح الياء، ويروى بالضم، قاله صاحب «عمدة القاري»، ومقتضاه: أن الفتح أشهر الروايتين.

وزعم العجلوني تبعًا للبرماوي أن الضم أشهر؛ فتأمل.

ولا يخفى أن الفتح من الرأي، ومعناه: يعتقدون، والضم؛ ومعناه: يظنون، والمعنى الصحيح هنا: الاعتقاد لا الظن، فالفتح هنا أوفق للمعنى وأشهر؛ بدليل أنهم قد شقَّ عليهم إذ دعا عليهم، فهو يدلُّ على أنَّهم كانوا يعتقدون ذلك، فصاحب «عمدة القاري» قد أدرك هذا المعنى بخلاف غيره ممن تصدَّر لشرح هذا الكتاب، فإنه قد خفي عليه هذا المعنى ورئيسهم ابن حجر، فإنَّه قد خفي عليه أيضًا، وتبعوه وكأنَّه عندهم معصوم لا يطرأ عليه خطأ ولا غفلة، بل لو قال غير الحق؛ لاتَّبعوه، ولو قيل: إنَّه إله؛ لعبدوه، وما هذا إلَّا من شدَّة التعصب والعناد والتعنت.

((أن الدعوة)) ولابن عساكر إسقاط (أن) ((في ذلك البلد)) ؛ أي: مكة المكرمة، كما صرَّح به ابن نعيم في «المستخرج» فقال: (إن الدعوة في مكة) ، كذا في «عمدة القاري» ((مستجابة)) ؛ أي: مجابة، يقال: استجاب وأجاب بمعنًى واحد، فليست السين للطلب؛ كقوله:

~وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب

وما كان اعتقادهم إجابة الدعوة من جهة رسول الله عليه السَّلام، بل من جهة المكان؛ لشرف البلد، ولتعظيمهم له مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم الخليل عليه السَّلام، ((ثم سمَّى)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السَّلام قريشًا بأن فصَّل في دعائه ما أجمله أولًا، ((فقال)) عليه السَّلام: ((اللهم؛ عليك بأبي جَهل)) ؛ بفتح الجيم، وفي رواية إسرائيل: (اللهم؛ عليك بعمرو بن هشام) ، وهو اسم أبي جهل، فلعلَّه عليه السَّلام سمَّاه وكنَّاه معًا، ويعرف أيضًا بابن الحنظلية، وكان أحول مأبونًا؛ لقول عُتْبَة بن ربيعة فيه: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره؛ لأنَّه فرعون هذه الأمة، كما قدمناه، ((وعليك بعُتْبَة)) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، بعدها موحدة ((بن رَبيعة)) ؛ بفتح الرَّاء، ((وشيبة بن ربيعة)) : هو أخ عُتْبَة المذكور، ((والوَلِيد)) ؛ بفتح الواو، وكسر اللام ((بن عُتْبَة)) ؛ أي: المذكور، بضمِّ العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، ثم باء موحدة، قال في «عمدة القاري»: (ولم تختلف الروايات فيه أنه كذا إلا [ما] وقع في رواية مسلم من رواية زكريا بالقاف بدل التاء، وهو وهم نبَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصواب) انتهى؛ فافهم، ((وأُمَيَّة)) بضمِّ الهمزة، وتخفيف الميم، وتشديد التحتية ((بن خلف)) ، وفي رواية شعبة: (أو أُبَي بن خلف) ؛ بالشك من شعبة، والصحيح: أمية؛ لأنَّ المقتول ببدر أمية؛ بإطباق أصحاب المغازي عليه، وأخوه أُبيُّ بن خلف قتل بأحد، قاله في «عمدة القاري»، ((وعُقْبَة)) بضمِّ العين المهملة، وسكون القاف، فموحدة ((بن أبي مُعَيْط)) ؛ بالتصغير، بضمِّ الميم، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، آخره طاء مهملة ((وعدَّ السابع فلم نحفظه)) ؛ بنون المتكلم، ويروى بالياء المثناة التحتية، وفاعل الفعلين: إما عبد الله بن مسعود، أو عمرو بن ميمون، والظاهر أن فاعل (عد) : النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وفاعل (نحفظ) : أحد المذكورين، وهذا على الروايتين، وقال الكرماني: فاعل (عدَّ) : رسول الله عليه السَّلام، أو عبد الله، وفاعل (لم نحفظه) : عبد الله، أو عمرو بن ميمون،.

واعترضه ابن حجر فقال: (لا أدري من أين تهيَّأ له الجزم بذلك مع أن في رواية الثوري عند مسلم ما يدل على أنَّ فاعل «فلم نحفظه»: أبو إسحاق، ولفظه: «قال أبو إسحاق: ونسيت السابع»، وعلى هذا؛ ففاعل «عدَّ» عمرو بن ميمون على أنَّ أبا إسحاق قد تذكَّره مرة أخرى فسمَّاه: «عمارة بن الوليد»، كما أخرجه المصنف في «الصَّلاة») انتهى.

قلت: وهذا كلام فارغ، فقد أخرجه المؤلف في (الجهاد) ، ولفظه: (قال أبو إسحاق: [/ص236/] ونسيت السابع) ، كما في رواية مسلم المذكورة، وعلى هذا؛ ففاعل (عدَّ) رسول الله عليه السَّلام، وفاعل (لم نحفظه) : عمرو بن ميمون، وقوله: (على أنَّ أبا إسحاق...) إلخ يرده رواية المؤلف في (الجهاد) بمثل ما في «مسلم».

واعترضه أيضًا صاحب «عمدة القاري» فقال: (لم يجزم الكرماني بذلك، بل ذكره بالشكِّ، فكيف ينكر عليه بلا وجه؟

وأجابه ابن حجر في «الانتقاض» فقال: (الإنكار عليه؛ لأنَّه حصر الشك في اثنين، وظهر برواية مسلم أن المراد غيرهما) انتهى.

قلت: وهذا الجواب فاسد، فإنَّ الشك استواء الطرفين لا مزية لأحدهما، وهو لا ينفي ما عداهما، فلا حصر في الشك، كما لا يخفى، فإن مراد الكرماني: أنَّه يحتمل أحد الاثنين، ويحتمل غيرهما، فلا حصر في كلامه، كما لا يخفى؛ فافهم.

قال في «عمدة القاري»: (وأما السابع الذي لم يحفظ هنا؛ فهو مذكور عند البخاري في موضع آخر، وهو عمارة بن الوليد بن المغيرة) ، وكذا ذكره اليرقاني وغيره، وقال صاحب «التلويح»: (وهو مشكل؛ لأنَّ عمارة هذا ذكره ابن إسحاق وغيره، وله قصة طويلة مع النَّجاشي، وحاصلها: أنَّه تعرَّض لامرأته، فأمر النَّجاشي ساحرًا فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبة له، فتوحَّش، وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر رضي الله عنه في أرض الحبشة، وقال ابن حجر: (والجواب: أن كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب، محمول على الأكثر) .

واعترضه في «عمدة القاري» بأن هذا الجواب أخذه من كلام الكرماني، انتهى.

وزعم العجلوني أن ابن حجر لم يدَّع أن الجواب له، فلا اعتراض عليه، انتهى.

قلت: ولمَّا أن ابن حجر ذكر الجواب ولم يَعْزُهُ للكرماني؛ فهو ادِّعاء منه أن الجواب له؛ لأنَّه لو لم يدَّع ذلك؛ لكان عزاه للكرماني، فعدم تصريحه بذلك ادِّعاء منه أنه نسبه لنفسه، كما لا يخفى.

وعبارة الكرماني: (وأجيب: بأنَّ المراد رأى أكثرهم بدليل أن ابن أبي معيط لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، فقتله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعد انصرافه من بدر على ثلاثة أميال مما يلي المدينة) ، قال صاحب «عمدة القاري»: (بموضع يسمى عرق الظبية، وهو من الروحاء على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: إنه قال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أتقتلني من بين سائر قريش؟ قال: «نعم»، ثم قال: بينا أنا بفناء الكعبة وأنا ساجد خلف المقام؛ إذ أخذ بمنكبي، فلف ثوبه على عنقي فخنقني خنقًا شديدًا، ثم جاء مرة أخرى بسلى جزور بني فلان، وكان عُقْبَة من المستهزئين أيضًا، وذكر ابن حبيب أنه من زنادقة قريش، واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو) انتهى كلامه

((قال)) أي: ابن مسعود: ((فوالذي نفسي بيده)) وفي رواية مسلم: (والذي بعث محمَّدًا بالحق) ، وفي رواية النسائي: (والذي أنزل عليه الكتاب) ، وفي بعض النسخ: (والذي نفسي في يده) ، كذا في «عمدة القاري»، قلت: والمراد باليد: القدرة؛ أي: بقدرته، ولعلَّ ابن مسعود قال ذلك كله تأكيدًا؛ ((لقد رأيت الذين)) ولابن عساكر: (الذي) ؛ بالإفراد؛ لتقدير الموصوف بالقوم أو الفريق، كما في قوله تعالى: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} [التوبة: 69] ((عدَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: عدهم، فمفعوله محذوف، وهم السبعة المدعوُّ عليهم ((صرعى)) : جمع: صريع؛ كجرحى جمع: جريح، مفعول ثان لـ (رأيت) ، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني.

وادَّعى العجلوني أنه ينبغي أن يكون حالًا، وعلَّله: بأنَّ (رأيت) بصرية وإن أمكن توجيه الأول بمعنى مقتول.

قلت: وفيه نظر، فإن (رأيت) علمية؛ بمعنى: اعتقدت؛ أي: صدق دعاء النبيِّ الأعظم عليه السَّلام حيث إنَّه نفذ فيهم عن قريب، فإعرابه مفعولًا ثانيًا أولى وأحسن؛ فافهم.

((في القَلِيب)) ؛ بفتح القاف، وكسر اللام، وهو البئر قبل أن تطوى، يذكَّر ويؤنَّث، وقال أبو عبيد: هي العادية القديمة من لدن عاد لا يعرف صاحبها، وقال ابن سيده: (هي البئر مطلقًا، وجمع القلة: أقلبة [2] ، والكثرة: قُلُب، كذا في «عمدة القاري» ((قليبِ بدر)) ؛ بالجر بدل من (قليب) ، ويجوز فيه الرفع والنصب من جهة العربية، أمَّا الرفع؛ فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو قليب بدر، وأما النصب؛ فعلى تقدير: أعني قليب بدر، كذا في «عمدة القاري»، فأفاد أن الرواية بالجر فقط، وبه ظهر فساد تعميم العجلوني الأوجه الثلاثة مع عدم بيانه الرواية؛ فافهم.

قال في «عمدة القاري»: (وفي رواية إسرائيل من الزيادة: (لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، ثم قال عليه السَّلام: «واتَّبع أصحاب القليب لعنة») انتهى.

قلت: وهذا يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه علم من أعلام نبوته، ويحتمل أن يكون قاله عليه السَّلام بعد أن ألقوا في القليب.

قلت: والاحتمال الثاني أظهر؛ لأنَّ الدعاء الماضي كان بعد فراغه من الصَّلاة وهم كانوا أحياء، وهذا كان بعد إلقائهم في القليب، كما لا يخفى، وهذا قد خفي على ابن حجر؛ فليحفظ.

وزاد شعبة في روايته: (إلا أميَّة؛ فإنه تقطَّعت أوصاله؛ لأنَّه كان بادنًا؛ أي: سمينًا) ، فعلى هذا؛ يحمل قوله: (لقد رأيت) على رؤيته أكثرهم صرعى في القليب، وقد يقال: إنه رآهم صرعى جميعًا؛ أي: مطروحين في القليب، ولا يدري هل قتلوا جميعًا أم أكثرهم؟ فأخبر عما رآه منهم، فهو على إطلاقه؛ فتدبر، و ((بدر)) : اسم موضع الغزوة العظمى المشهورة، وهو ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة مذكَّرًا ومؤنثًا، وقيل: بدر: بئر كانت لرجل يسمى بدرًا، فسميت باسمه.

قال في «عمدة القاري»: فإن قلت: كم كان عدد الذين ألقوا في القليب؟أجيب: بأنَّ قتادة روى عن أنس، عن أبي طلحة قال: (لما كان يوم بدر وظهر عليهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أمر بضعة وعشرين رجلًا) ، وفي رواية: (بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فألقوا في طويٍّمن أطواء بدر) ، فإن قلت: إن إلقاءهم في البئر دفن لهم، والحربي لا يجب دفنه، بل يُتْرَكُ في الصحراء وهم كانوا حربًا؟وأجيب: بأنَّ إلقاءهم في البئر كان تحقيرًا لهم ولئلا يتأذَّى الناس برائحتهم، ولم يكن ذلك دفنًا، فإن قلت: في «سنن الدارقطني»: أن من سننه عليه السَّلام في مغازيه إذا مرَّ بجيفة إنسان؛ أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمنًا كان أو كافرًا؟قلت: إنَّما كان لا يسأل؛ لأنَّه كان يعلم بالوحي أنه إذا كان مؤمنًا؛ كان يستحقُّ الدفن لكرامته، وإن كان كافرًا؛ فلئلا يتأذى الناس برائحته على أنَّ المراد بدفنه ليس دفنًا شرعيًّا، بل صبُّ التراب عليه للمواراة، فإن قلت: صب التراب عليهم كان يقطع رائحتهم؟قلت: كان إلقاؤهم في البئر أيسر عليهم في ذلك الوقت مع زيادة التحقير لهم، كما ذكرنا، فإن قلت: كيف كان إلقاؤهم في البئر والناس ينتفعون بمائها؟وأجيب: بأنَّه لم يكن فيه ماء، وكانت عادته مهجورة، ويقال: إنَّه وافق أنه كان حفرها رجل من بني النار اسمه بدر بن قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة الذي سميت قريش به على أحد الأقوال، فكان فألًا مقدَّمًا لهم، انتهى كلام صاحب «عمدة القاري» رضي الله عنه، ثم قال رحمه الله تعالى: والذين دعا عليهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم سبعة أنفس، كما ذكروا؛ وهم أبو جهل، وعُتْبَة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عُتْبَة، وأمية بن خلف، وعُقْبَة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد بن المغيرة.

أمَّا أبو جهل؛ فقتله معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، ذكره في «الصحيحين»، ومرَّ عليه ابن مسعود وهو صريع فاحتزَّ رأسه، وأتى به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: هذا رأس عدوِّ الله»، ونفله رسول الله عليه السَّلام بسيفه، وقال رسول الله عليه السَّلام: «الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه الأمة، ورأس أئمة الكفر»، وفي رواية البيهقي: (فخرَّ رسول[/ص237/]

الله صلَّى الله عليه وسلَّم ساجدًا) .

قلت: ففيه: دليلٌ على مشروعية سجدة الشكر، وعلى أنَّ الإنسان إذا طلب من ربه تعالى حاجة فقضاها؛ ينبغي له أن يسجد لله عز وجل؛ شكرًا لما أعطاه؛ فليحفظ.

قال رحمه الله تعالى: وأمَّا عُتْبَة بن ربيعة؛ فقتله حمزة رضي الله عنه، وقيل: حمزة وعلي رضي الله عنهما اشتركا في قتله، وأمَّا شيبة بن ربيعة بن عبد شمس أخو عُتْبَة؛ فقتله حمزة رضي الله عنه أيضًا، وأما الوليد بن عُتْبَة؛ بالمثناة الفوقية؛ فقتله عبيدة بن الحارث، وقيل: علي، وقيل: حمزة، وقيل: اشتركا في قتله رضي الله عنهم، وأما أمية بن خلف بن صفوان بن أمية؛ فقد اختلف أهل السير في قتله، فذكر موسى بن عُقْبَة: أنه قتله رجل من الأنصار من بني مازن، وقال ابن إسحاق: أن معاذ ابن عفراء، وخارجة بن زيد، وحبيب بن إساف اشتركوا في قتله، وذكر ابن الجوزي أنه عليه السَّلام قتله، وفي السير من حديث عبد الرحمن بن عوف: أن بلالًا رضي الله عنه خرج إليه ومعه نفر من الأنصار فقتله، وكان بدينًا، فلما قُتِلَ؛ انتفخ؛ فألقوا عليه التراب حتى غيبه، ثم جرَّ إلى القليب، فتقطَّع قبل وصوله إليه، وكان من المستهزئين، وفيه نزل قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1] ، وهو الذي كان يعذِّب بلالًا في مكة، وأما عُقْبَة بن أبي معيط؛ فقتله علي رضي الله عنه، وقيل: عاصم بن ثابت، والأصح: أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قتله بعرق الظبية، كما ذكرناه، وأما عمارة بن الوليد؛ فقد ذكرنا أمره مع النَّجاشي، ومات زمن عمر رضي الله عنه في أرض الحبشة، انتهى.

خاتمة: وجه دلالة الحديث على الترجمة استمراره عليه السَّلام في صلاته مع وجود النَّجاسة على ظهره حتى ألقتها فاطمة، فدلَّ هذا على مدَّعاه من أن مَن عرض له في أثناء صلاته ما يمنع انعقادها ابتداءً؛ لا تفسد صلاته، ولو تمادى بخلاف ما لو عرضت نجاسة فأزالها في الحال ولا أثر لها؛ فإنها لا تفسد اتفاقًا، وأجاب الخطابي عن هذا: بأنَّ أكثر العلماء ذهبوا إلى أنَّ السلى نجس، وتأوَّلوا معنى الحديث: على أنه عليه السَّلام لم يكن تعبد إذ ذاك بتحريمه، كالخمر؛ كانوا يلابسون [3] الصَّلاة، وهي تصيب ثيابهم وأبدانهم قبل نزول التحريم، فلماحرمت؛ لم تجز الصَّلاة فيها.

واعترض عليه ابن بطال بأنَّه لا شكَّ أنها كانت بعد نزول قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] ؛ لأنَّها أول ما نزل عليه من القرآن قبل كل صلاة.

وردَّ عليه بأنَّ الفرث ورطوبة البدن طاهران والسلى من ذلك.

وقال النووي: هذا ضعيف؛ لأنَّ روث ما يؤكل لحمه ليس بطاهر؛ لأنَّه يتضمن النَّجاسة من حيث إنَّه لا ينفكُّ من الدم في العادة، ولأنَّه ذبيحة عبدة الأوثان، فهو نجس.

والجواب: أنه عليه السَّلام لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة، وما يدرى هل كانت هذه الصَّلاة فريضة؛ فتجب إعادتها على الصحيح، أو غيرها؛ فلا تجب وإن وجبت الإعادة؛ فالوقت يوسع لها، فلعله أعاد.

واعترض عليه بأنَّه لو أعاد؛ لنقل، ولم ينقل.

وردَّه في «عمدة القاري» بأنَّه لا يلزم من عدم النقل عدم الإعادة في نفس الأمر.

فإن قلت: كيف لا يعلم بما وضع على ظهره وإن فاطمة رضي الله عنها ذهبت به قبل أن يرفع رأسه؟

قلت: لا يلزم من إزالة فاطمة إيَّاه عن ظهره إحساسه عليه السَّلام بذلك؛ لأنَّه كان إذا دخل في الصَّلاة؛ استغرق باشتغاله بالله عز وجل، ولئن سلمنا إحساسه به؛ فقد يحتمل أنه لم تتحقَّق نجاسته، والدليل عليه أن شأنه أعظم من أن يمضي في صلاته وبه نجاسة، وقد يقال: إن الفرث والدم كانا داخل الصَّلاة وجلدته الظاهرة طاهرة، فكان كحمل القارورة المرصَّعة، انتهى.

وزعم العجلوني أن هذا الجواب غير صحيح؛ لأنَّ حمل النَّجاسة في الصَّلاة ولو في قارورة طاهرة غير جائز؛ فتأمل.

قلت: بل هذا الجواب صحيح، وكلامه غير صحيح؛ لأنَّ النَّجاسة ما دامت في معدنها؛ تجوز معها الصَّلاة، ألا ترى أن الإنسان يصلي والحال أنه حاملٌ في بطنه أرطال من النَّجاسة، ولا يسع أحدًا أن يحكم بعدم صحَّة صلاته، ففي «الفتاوى الظهيرية»: الصبي إذا كان ثوبه نجسًا، أو هو نجس فجلس على حجر المصلي، وهو يستمسك بنفسه، أو الحمام النجس إذا وقع على رأس المصليوهو يصلي؛ جازت صلاته، وكذلك الجنب، أو المحدث إذا حمله المصلي؛ لأنَّ الذي على المصلي مستعملٌ له؛ فلم يصر المصلي حاملًا للنجاسة، كذا في «البحر».

ولو مس نحو حائط نجس بيابس في الصَّلاة؛ لا يضرُّ؛ لأنَّه لا يُعَدُّ حاملًا للنجاسة، كما في «القهستاني».

ولو صلى ومعه جرو كلب، أو كل ما لا يجوز أن يتوضأ بسؤره؛ فإنه إن كان فمه مفتوحًا؛ لم تجز صلاته؛ لأنَّ لعابه يسيل في كمِّه فيصير مبتلًّا بلعابه فيتنجَّس كمُّه؛ فيمنع الجواز إن كان أكثر من قدر الدرهم، وإن كان فمه مشدودًا بحيث لا يصل لعابه إلى ثوبه؛ جاز؛ لأنَّ ظاهر كل حيوان طاهر ولا ينجس إلا بالموت، ونجاسة باطنه في معدته؛ فلم يظهر حكمها كنجاسة باطن المصلي، كذا في «البحر».

ولو صلى وفي كمِّه بيضة قذرة [4] قد صار مخُّها دمًا؛ جازت صلاته؛ لأنَّه في معدته، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النَّجاسة، كذا في «المحيط».

فالحاصل: أن الفرث والدم كانا داخل الصَّلاة وجلدته الظاهرة طاهرة؛ فالنَّجاسة في معدنها، والشيء ما دام في معدنه؛ لا يعطى له حكم النَّجاسة، كما ذكرنا؛ فافهم.

والكاف في قوله: (كحمل القارورة) : للتشبيه في الهيئة والصفة لا في الحكم؛ لأنَّ المصلي لو صلَّى وفي كمه قارورة مرصَّعة فيها بول؛ لم تجز صلاته؛ لأنَّه في غير معدنه ومكانه، كما في «المحيط»، وهذا ليس بمراد هنا، وإنما المراد التشبيه من حيث الصفة والهيئة؛ يعني: أن صفة الجلدة كصفة القارورة من حيث إنَّها مرصعة لا يصل منها إلى المصلي شيءٌ [5] ؛ فافهم ذلك، والله أعلم.

ثم قال صاحب «عمدة القاري»: (واعترض عليه بأنَّه كان ذبيحة وثني، فجميع أجزائها نجسة؛ لأنَّها ميتة.

وأجيب: بأنَّه كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم.

واعترض عليه بأنَّه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال؟

قلت: الاحتمال الناشئ عن دليل كافٍ، ولا شكَّ أن تماديه عليه السَّلام في هذه الحالة قرينة تدل على أنه كان قبل تحريم ذبائحهم؛ لأنَّه عليه السَّلام لا يستقرُّ على أمر غير مشروع، ولا يقرِّر غيره عليه؛ لأنَّ حاله أجلُّ وأعظم من ذلك) انتهى كلامه

وزعم أشهب المالكي أن الحديث حجة على أنَّ إزالة النَّجاسة ليست بواجبة، قاله القرطبي، وردَّه في «عمدة القاري» بأنَّ الدلائل القطعية توجب إزالتها عن ثوب المصلي وبدنه والمكان الذي يصلي فيه، فهي تردُّ عليه.

وقال القرطبي: (ومنهم من فرَّق بين ابتداء الصَّلاة بالنَّجاسة؛ فقال: لا يجوز، وبيَّن طروءها على المصلي في نفس الصَّلاة؛ فيطرحها عنه وتصحُّ صلاته، والمشهور من مذهب مالك: قطع طروئها للصلاة إذا لم يمكن طرحها؛ بناءً على أنَّ إزالتها واجبة) انتهى.

[1] في الأصل: (الغربيين)، ولعله تحريف.
[2] في الأصل: (أقبلة) ، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (بلابسون) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (مذرة)، وهو تحريف.
[5] في الأصل: (شيئًا)، وليس بصحيح.