المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

2-. حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ:

عن عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ الحارِثَ بنَ هِشامٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأتِيكَ الوَحْيُ؟ فقالَ [1] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحيانًا يَأتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ [2] عَنِّي وقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ ما قالَ، وأَحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا [3] ، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي [/ج1ص6/] ما يَقُولُ». قالتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: ولَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ [4] عليهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ [5] عَنْهُ وإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قال».
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«فَيُفْصَمُ»، وكتب فوقها «معًا»، وبالمثبت ضبطت رواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا.
[3] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أي علىَ مِثالِ رَجُلٍ».
[4] صحَّحَ عليها في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر والأصيلي: «يُنْزَلُ» بالبناء للمفعول.
[5] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فيُفصَمُ» بضم الياء وفتح الصاد، وضبطت روايتاهما في (ب، ص): «فيُفصِمُ» بكسر الصاد.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

2- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ المَنْزل، الدِّمشقيُّ الأصل، المُتوفَّى سنة ثمان عشرة ومئتين، وفي (يوسف)؛ تثليث السِّين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانيَّة: جميل الوجه، (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ)؛ هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ إمام دار الهجرة، بل إمام الأئمَّة، المُتوفَّى سنة تسعٍ وسبعين ومئةٍ، (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام القرشيِّ التَّابعيِّ، المتوفَّى سنة خمسٍ وأربعين ومئةٍ ببغداد، (عَنْ أَبِيهِ) أبي عبد الله عروة المدنيِّ، أحد الفقهاء السَّبعة، المتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين، (عَنْ عَائِشَةَ) _بالهمز_، وعوامُّ المحدِّثين يبدلونها ياءً (أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها) قال الله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] ؛ أي: في الاحترام والإكرام، والتَّوقير والإعظام، وتحريم نكاحهنَّ، لا في جواز الخلوة والمُسافَرة، وتحريم نكاح بناتهنَّ، وكذا النَّظر في الأصحِّ. وبه جزم الرَّافعيُّ، وإن سمَّى بعض العلماء بناتهنَّ أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشَّافعيِّ في «المُختصَر». فهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، قال في «الفتح»: وإنَّما قِيلَ للواحدة منهنَّ: أمُّ المؤمنين للتَّغليب، وإلَّا؛ فلا مانع من أن يُقال لها: أمُّ المؤمنات [1] على الرَّاجح، وحاصله: أنَّ النِّساء يدخلن في جمع المذكَّر السَّالم تغليبًا، لكن صحَّ عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: أنا أمُّ رجالكم لا أمُّ نسائكم، قال ابن كثيرٍ: وهذا أصحُّ الوجهين، والله أعلم، وتوفِّيت عائشة بنت أبي بكر الصِّدِّيق بعد الخمسين، إمَّا سنة خمسٍ أو ستٍّ أو سبعٍ أو ثمانٍ في رمضان، وعاشت خمسًا وستِّين سنةً، وتوفِّي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثماني عشرة، وأقامت في صحبته تسع، وقِيلَ: ثمانِ سنين وخمسة أشهرٍ، ولعائشة في البخاريِّ مئتان واثنان وأربعون حديثًا.

(أَنَّ الْحَرِثَ بْنَ هِشَامٍ)؛ بغير ألفٍ بعد الحاء في الكتابة تخفيفًا، المخزوميَّ أحد فضلاء الصَّحابة، ممَّن أسلم يوم الفتح، المستشهد في فتح الشَّأم سنة خمس عشْرة (رضي الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ يحتمل [/ج1ص57/] أن تكون عائشة حضرت ذلك، فيكون من مسندها، وأن يكون الحارث أخبرها بذلك، فيكون من مُرسَل الصَّحابة، وهو محكومٌ بوصله عند الجمهور، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟)؛ أي: صفة الوحي نفسه أو صفة حامله، أو ما هو أعمُّ من ذلك، وعلى كل تقديرٍ، فإسناد الإتيان إلى الوحي مجازٌ؛ لأنَّ الإتيان حقيقةٌ من وصف حامله، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ بالفاء قبل القاف، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)): (أَحْيَانًا)؛ أي: أوقاتًا، وهو نصبٌ على الظَّرفيَّة، وعامله: (يَأْتِينِي) مؤخَّرٌ عنه؛ أي: يأتيني الوحي أحيانًا (مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ) أو حالًا؛ أي: يأتيني مشابهًا صوته صلصلة الجرس، وهو بمُهملَتين مفتوحتين، بينهما لامٌ ساكنةٌ، والجرس؛ بالجيم والمُهملَة الجلجل الذي يُعلَّق في رؤوس الدَّواب، قِيلَ: والصَّلصلة المذكورة صوت الملَك بالوحي، وقِيلَ: صوت حفيف أجنحة الملَك، والحكمة في تقدُّمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى فيه متَّسعٌ لغيره، (وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ)، وفائدة هذه الشِّدَّة ما يترتَّب على المشقَّة من زيادة الزُّلفى ورفع الدَّرجات، (فَيَفْصِمُ عَنِّي) الوحي أو الملَك؛ بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة، وسكون الفاء، وكسر المُهملَة، كذا لأبي الوقت؛ من فَصَمَ يفصِم من باب «ضرَب» «يضرِب»، والمراد: قطع الشِّدَّة؛ أي: يقلع وينجلي ما يغشاني من الكرب والشِّدَّة، ويُروَى: ((فيُفصِم))؛ بضمِّ الياء، وكسر الصَّاد، من أفصم المطر؛ إذا أقلع، رباعيٌّ، قال في «المصابيح»: وهي لغةٌ قليلةٌ، وفي روايةٍ أخرى في «اليونينيَّة»: ((فيُفصَم))؛ بضمِّ أوَّله، وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول، والفاء عاطفةٌ، والفصم: القطع من غير بينونةٍ، فكأنَّه قال: إنَّ الملَك يفارقني؛ ليعود إليَّ (وَقَدْ وَعَيْتُ)؛ بفتح العين؛ أي: فهمت وجمعت وحفظت (عَنْهُ) عن الملك (ما قَالَ)؛ أي: القول الذي قاله، فحُذِفَ العائد، وكلٌّ من الضميرين المجرور والمرفوع يعود على الملك المفهوم ممَّا تقدَّم، فإن قلت: صوت الجرس مذمومٌ لصحَّة النَّهي عنه، كما في «مسلم» و«أبي داود» وغيرهما، فكيف يُشبِّه به ما يفعله الملَك به مع أنَّ الملائكة تنفر عنه؟ أجِيب: بأنَّه لا يلزم من التَّشبيه تساوي المشبَّه بالمشبَّه به في الصِّفات كلِّها، بل يكفي اشتراكهما في صفةٍ ما، والمقصود هنا بيان الجنس، فذكر ما أَلِفَ السَّامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم، والحاصل: أنَّ الصَّوت له جهتان: جهة قوَّةٍ، وجهة طنينٍ، فمن حيث القوَّة وقع التَّشبيه به، ومن حيث الطَّنين وقع التَّنفير عنه، وقال الإمام فضل الله التُّوْرِبِشْتِيُّ _بضمِّ الفوقية، وسكون الواو، بعدها راءٌ فمُوحَّدةٌ مكسورتان، ثمَّ شينٌ مُعجمَةٌ ساكنةٌ، ففوقيَّةٌ مكسورةٌ_: لمَّا سُئِلَ عليه الصلاة والسلام عن كيفيَّة الوحي، وكان من المسائل العويصة التي لا يُماط نقاب التَّعزُّز عن وجهها لكل أحدٍ؛ ضرب لها في الشَّاهد مثلًا بالصَّوت المتدارك [2] ، الذي يُسمَع ولا يُفهَم منه شيءٌ؛ تنبيهًا على أنَّ إتيانها يرد على القلب في هيئة الجلال وأبَّهة الكبرياء، فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب، ويلاقي من ثقل القول [3] ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك، فإذا سُرِّي عنه؛ وجد القول المُنزَّل بيِّنًا ملقىً في الرُّوع، واقعًا موقع المسموع، وهذا معنى: «فيُفصَم عنِّي وقد وعيت».

وهذا الضَّرب من الوحي شبيهٌ بما يُوحَى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا قضى الله في السَّماء أمرًا؛ ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله؛ كأنَّها سلسلةٌ على صفوانٍ، فإذا فُزِّع عن قلوبهم؛ قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الحقَّ، وهو العليُّ الكبير» ا ه، وقد روى الطَّبرانيُّ وابن أبي عاصمٍ من حديث النَّوَّاس بن سمعان مرفوعًا: «إذا تكلَّم الله بالوحي؛ أخذت السَّماء رجفةً أو رعدةً شديدةً من خوف الله تعالى، فإذا سمع أهل السَّماء؛ صعقوا وخرُّوا سجَّدًا، فيكون أوَّلهم يرفع رأسه جبريل، فيكلِّمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، كلَّما مرَّ بسماءٍ؛ سأله أهلها: ماذا قال ربُّنا؟ قال: الحقَّ. فينتهي به حيث أمره الله من السَّماء والأرض»، وروى ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعًا: «إذا تكلَّم الله بالوحي؛ يسمع أهل السَّماء صلصلةً كصلصلة السّلسلة على الصَّفوان فيفزعون»، وعند ابن أبي حاتمٍ عن العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ وقتادة أنَّهما فسَّرا آية {إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} [سبأ: 23] [/ج1ص58/] بابتداء إيحاء الله إلى محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى، وفي كتاب «العظمة» لأبي الشَّيخ عن وُهيب بن الورد قال: «بلغني أنَّ أقرب الخلق من الله تعالى إسرافيل، العرش على كاهله، فإذا نزل الوحي؛ دُلِّي لوحٌ من تحت العرش، فيقرع جبهة إسرافيل، فينظر فيه، فيدعو جبريل، فيرسله، فإذا كان يوم القيامة؛ أُتِيَ به ترعد فرائصه، فيُقال: ما صنعت فيما أدَّى إليك اللَّوح؟ فيقول: بلَّغت جبريل، فيُدعَى جبريل ترعد فرائصه، فيُقال: ما صنعت فيما بلَّغك إسرافيل؟ فيقول: بلَّغت الرُّسل...» الأثر إلى آخره، على أنَّ العلم بكيفيَّة الوحي سرٌّ من الأسرار التي لا يدركها العقل، وسماع الملَك وغيره من الله تعالى ليس بحرفٍ أو صوتٍ، بل يخلق الله تعالى للسَّامع علمًا ضروريًّا، فكما أنَّ كلامه تعالى ليس من جنس كلام البشر، فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات، وإنَّما كان هذا الضَّرب من الوحي أشدَّ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من غيره؛ لأنَّه كان يُرَدُّ فيه من الطَّبائع البشريَّة إلى الأوضاع الملكيَّة، فيُوحَى إليه كما يُوحَى إلى الملائكة، كما ذُكِرَ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره، بخلاف الضَّرب الآخر الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ)؛ أي: يتصوَّر (لِيَ)؛ أي: لأجلي، فاللَّام تعليليَّةٌ، (الْمَلَكُ) جبريل عليه السلام (رَجُلًا)؛ أي: مثل رجلٍ كدحية الكلبيِّ أو غيره، فالنَّصب على المصدريَّة؛ أي: يتمثَّل مثلَ رجلٍ، أو هيئة رجلٍ، فيكون حالًا، قال البدر الدَّمامينيُّ: وقد صرَّح بعضهم بأنَّه حالٌ، ولم يؤوِّله بمُشتَقٍّ، وهو متَّجهٌ؛ لدلالة «رجلٍ» هنا على الهيئة بدون تأويلٍ ا ه، وتُعقِّب: بأنَّ الحال في المعنى خبرٌ عن صاحبه [4] ، فيلزم أن يصدق عليه، والرَّجل لا يصدق على الملك، وقول الكرمانيِّ وغيره: إنَّه تمييزٌ. قال في «المصابيح»: الظَّاهر أنَّهم أرادوا تمييز النِّسبة، لا تمييز المفرد؛ إذ الملك لا إبهام فيه، ثمَّ قال: فإن قلت: تمييز النِّسبة لابدَّ أن يكون محوَّلًا عن الفاعل؛ كتصبَّب زيد عرقًا؛ أي: عرق زيدٍ، أو المفعول نحو: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} [القمر: 12] ؛ أي: عيون الأرض، وذلك هنا غير مُتأَتٍّ. وأجاب: بأنَّ هذا أمرٌ غالبٌ لا دائمٌ؛ بدليل: امتلأ الإناء ماءً، قال: ولو قِيلَ: بأنَّ «يتمثَّل» هنا أُجرِي مجرى يصير؛ لدلالته على التَّحوُّل والانتقال من حالةٍ إلى أخرى، فيكون «رجلًا» خبرًا؛ كما ذهب إليه ابن مالكٍ في «تحوَّل» وأخواته؛ لكان وجهًا، لكن قد يُقال: إنَّ معنى «يتمثَّل»: يصير مثال رجلٍ، ومع التَّصريح بذلك يمتنع أن يكون «رجلًا» خبرًا له، فتأمَّله ا ه، وقِيلَ: النَّصب على المفعوليَّة على تضمين «يتمثَّل» معنى: يتَّخذ؛ أي: الملك رجلًا مثالًا، لكن قال العينيُّ: إنَّه بعيدٌ من جهة المعنى، والملائكة كما قال المتكلِّمون: أجسامٌ علويَّةٌ لطيفةٌ، تتشكَّل في أيِّ شيءٍ أرادوا، وزعم بعض الفلاسفة: أنَّها جواهر روحانيَّةٌ، والحقُّ: أنَّ تمثُّل الملك رجلًا ليس معناه أنَّ ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه: أنَّه ظهر بتلك الصُّورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظَّاهر أنَّ القدر الزَّائد لا يفنى، بل يخفى على الرَّائي فقط، ولأبي الوقت: ((يتمثَّل لي _أي: الملك_ على مثال رجلٍ)) (فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ)؛ أي: الذي يقوله، فالعائد محذوفٌ، والفاء في الكلمتين للعطف المشير للتَّعقيب، وقد وقع التَّغاير بين قوله: «وقد وعيت» بلفظ الماضي، و«فأعي» بلفظ المضارع؛ لأنَّ الوعيَ في الأوَّل حصل قبل الفصم، ولا يُتصوَّر بعده، وفي الثَّاني في حالة المُكالمَة، ولا يُتصوَّر قبلها. أو أنَّه في الأوَّل قد تلبَّس بالصِّفات الملكيَّة، فإذا عاد إلى حالته الجبليَّة؛ كان حافظًا لما قِيل له، فأخبر عن الماضي، بخلاف الثَّاني، فإنَّه على حالته المعهودة.

وليس المراد حصر الوحي في هاتين الحالتين، بل الغالب مجيئه عليهما، وأقسام الوحي: الرُّؤيا الصَّادقة، ونزول إسرافيل أوَّل البعثة [5] ، كما ثبت في الطُّرق الصِّحاح: أنَّه عليه الصلاة والسلام وكِّل به إسرافيل، فكان يتراءى له ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشَّيء، ثمَّ وكِّل به جبريل وكان يأتيه في صورة رجلٍ، وفي صورة دحية، وفي صورته التي خُلِقَ عليها مرَّتين، وفي صورة رجلٍ شديد بياض الثِّياب، شديد سواد الشَّعر، وعُورِض: بأنَّ ظاهره أنَّه إنَّما جاء سائلًا عن شرائع الإسلام، ولم يبلِّغ فيه وحيًا ا ه. وفي مثل صلصلة الجرس والوحي إليه فوق السَّماوات من فرض الصَّلاة وغيرها بلا واسطةٍ، وإلقاء الملك في روعه من غير أن يراه، واجتهاده عليه [/ج1ص59/] السَّلام، فإنَّه صوابٌ قطعًا، وهو قريبٌ من سابقه، إلَّا أنَّ هذا مُسبَّبٌ عن النَّظر والاجتهاد، لكن يعكِّر عليه أنَّ ظاهر كلام الأصوليِّين: أنَّ اجتهاده عليه الصلاة والسلام والوحي قسمان، ومجيء ملك الجبال مبلِّغًا له عن الله تعالى أنَّه أمره أن يطيعه، وفي «تفسير ابن عادلٍ»: إنَّ جبريل نزل على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أربعةً وعشرين ألف مرَّةٍ، وعلى آدم اثنتي عشرة مرَّةٍ، وعلى إدريس أربعًا، وعلى نوحٍ خمسين، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرَّةً، وعلى موسى أربعمئةٍ، وعلى عيسى عشرًا، كذا قاله [6] ، والعهدة عليه.

(قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها)؛ أي: وبالإسناد السَّابق، بحذف حرف العطف؛ كما هو مذهب بعض النُّحاة، وصرَّح به ابن مالكٍ، وهو عادة المصنِّف في المُسنَد المعطوف، وبإثباته في التَّعليق، وحينئذٍ فيكون مُسنَدًا، ويُحتَمل أن يكون من تعاليقه، وتكون النُّكتة في قول عائشة هذا اختلاف التَّحمُّل؛ لأنَّها في الأوَّل أخبرت عن مسألة الحارث، وفي الثَّاني: عمَّا شاهدته تأييدًا للخبر الأوَّل. ونفى بعضهم أن يكون هذا من التَّعاليق، ولم يقم عليه دليلًا، وتُعقِّب الحذف: بأنَّ الأصل في العطف [7] أن يكون بالأداة، وما نصَّ عليه ابن مالكٍ غير مشهورٍ، وخلاف ما عليه الجمهور، ومَقُول عائشة: (وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) صلى الله عليه وسلم، والواو للقسم، واللَّام للتَّأكيد؛ أي: والله لقد أبصرته (يَنْزِلُ)؛ بفتح أوَّله وكسر ثالثه، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((يُنزَل)) بالضَّمِّ والفتح (عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ) «الشَّديد»: صفةٌ جرت على غير من هي له؛ لأنَّه صفة «البرد»، لا «اليوم»، (فَيَفْصِمُ)؛ بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الصَّاد، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((فيُفصِم))؛ بضمِّها وكسر الصَّاد؛ من «أفصم» الرُّباعيِّ، وهي لغةٌ قليلةٌ، وقال في «الفتح»: ويُروَى: بضمِّ أوَّله وفتح الصَّاد على البناء للمجهول، وهي في «اليونينيَّة» أيضًا؛ أي: يقلع (عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ)؛ بالفاء والصَّاد المُهملَة المشدَّدة؛ أي: ليسيل (عَرَقًا)؛ بفتح الرَّاء، من كثرة معاناة التَّعب والكرب عند نزول الوحي؛ إذ إنَّه أمرٌ طارئٌ زائدٌ على الطِّباع البشريَّة، وإنَّما كان ذلك [8] كذلك؛ ليبلو صبره، فيرتاض لاحتمال ما كُلِّفه من أعباء النُّبوَّة، وأمَّا ما ذُكِرَ من أنَّ «يتقصَّد» بالقاف؛ فتصحيفٌ لم يُروَ، و«الجبين» غير الجبهة، وهو فوق الصُّدغ، والصُّدغ: ما بين العين والأُذن، فللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، والمراد _والله أعلم_ أنَّ جبينيه معًا يتفصدَّان، فإن قلت: فَلِمَ أفرده؟ أُجِيب: بأنَّ الإفراد يجوز أن يعاقِب التَّثنية في كلِّ اثنين يغني أحدهما عن الآخر؛ كالعينين والأُذنين، تقول: عينه [9] حسنةٌ، وأنت تريد أنَّ عينيه جميعًا حسنتان، قاله في «المصابيح»، و«العَرَق»: رشح الجلد.

وقال في «الإمتاع»: جعل الله تعالى لأنبيائه ‰ الانسلاخ من حالة البشريَّة إلى حالة الملكيَّة في حالة الوحي، فطرةً فطرهم الله عليها، وجبلَّةً صوَّرهم فيها، ونزهَّهم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها؛ بما ركَّب في غرائزهم من العصمة والاستقامة، فإذا انسلخوا عن بشريَّتهم وتلقَّوا في ذلك ما يتلقَّونه؛ عاجوا على [10] المدارك البشريَّة؛ لحكمة التَّبليغ للعباد، فتارةً يكون الوحي؛ كسماع دويٍّ، كأنَّه رمزٌ من الكلام يأخذ منه المعنى الذي أُلقِي إليه، فلا ينقضي الدَّويُّ إلَّا وقد وعاه وفهمه، وتارةً يتمثَّل له الملك الذي يلقي إليه رجلًا، فيكلِّمه ويعي ما يقوله. والتَّلقِّي من الملك، والرُّجوع إلى البشريَّة، وفهمه ما أُلقِي إليه؛ كلُّه كأنَّه في لحظةٍ واحدةٍ، بل أقرب من لمح البصر؛ ولذا سُمِّي وحيًا؛ لأنَّ الوحي في اللُّغة: الإسراع، _كما مرّ_. وفي التَّعبير عن «الوحي» في الأولى: بصيغة الماضي، وفي الثَّانية: بالمضارع، لطيفةٌ من البلاغة، وهي: أنَّ الكلام جاء مجيء التَّمثيل لحالتَي الوحي، فتمثَّلت حالته الأولى بالدَّويِّ الذي هو غير كلامٍ، وإخبارٌ أنَّ الفهم والوعيَ يتبعه عقب انقضائه عند تصوير انفصال العبارة عن الوحي بالماضي المطابق للانقضاء [11] والانقطاع. وتمثَّل الملك في الحالة الثَّانية برجلٍ يخاطبه ويتكلَّم، فناسب التَّعبير بالمضارع المقتضي للتجدُّد، وفي حالتي الوحي على الجبلَّة صعوبةٌ وشدَّةٌ؛ ولذا كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروفٌ؛ لأنَّ الوحي مفارقة البشريَّة إلى الملكيَّة، فيحدث عنه شدَّةٌ من مفارقة الذَّات ذاتها، وقد يفضي بالتَّدريج شيئًا فشيئًا إلى بعض السُّهولة بالنَّظر إلى ما قبله [/ج1ص60/] ولذلك كانت تنزل نجوم القرآن وسوره وآياته حين كان بمكَّة أقصر منها وهو بالمدينة [12] .

ورواة هذا الحديث مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه تابعيَّان، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «بدء الخلق» [خ¦3215] ، ومسلمٌ في «الفضائل».

[1] في (م): «يقال لهنَّ: أمَّهات».
[2] في (د) و(ص): «المتداول».
[3] في هامش (م): «القرآن».
[4] في (م): «صاحبها».
[5] في (د): «البعث».
[6] في (م): «قال».
[7] في (ص): «الحذف».
[8] في (ص): «إذ ذاك»، وليس في (م).
[9] في غير(س): «عين»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[10] في (د): «عادوا إلى».
[11] في (د): «للانفصام».
[12] قوله: «وقال في الإمتاع: جعل الله تعالى لأنبيائه... حين كان بمكَّة أقصر منها وهو بالمدينة»، ليس في (ص) و(م).





2- (أَحْيَانًا): انتصبَ على الظرفيَّة، وعاملُه (يَأْتِينِي) مؤخَّرٌ عنه.

(مِثْلَ): هو حالٌ؛ أي: يأتيني مُشابهًا صوتُه صلصلةَ الجرَس، أو نَعْتًا لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إتيانًا مثلَ.

قال البِرْماويُّ: (ويُروى: «في مثلِ» [خ¦3215] ، ورُجِّح بأنَّ الصلصلةَ حينئذٍ للوحي بمنزلةِ القراءة للقرآن في فَهْم الخطاب، بخلاف رواية إسقاط «في»؛ فإنَّ معناها يرجع للمذكور بعده؛ وهو تمثُّل الملك له رجلًا فيكلِّمُه، فتكون القراءة تفسير [1] القرآن) انتهى.

وقال الطِّيبيُّ: (يجوزُ أن يكون مفعولًا مطلقًا، والأحسنُ أن يكون حالًا؛ أي: يأتيني الوحي مُشابهًا صوتُه بصلصلة الجرَس).

(رَجُلًا): منصوبٌ إمَّا بالمصدر؛ أي: يتمثَّلُ تمثُّلَ رجلٍ، فحُذِفَ المضافُ، وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامَهُ.

وإمَّا بالمفعوليَّة إنْ ضُمِّنَ (تمثَّلَ) معنى (اتَّخذ) ؛ [أي: اتَّخذَ] المَلَكُ رجلًا مِثالًا.

وإمَّا بالحاليَّة.

فإن قلتَ: الحالُ لا بُدَّ أن يكون دالًّا على الهيئة، والرجلُ ليس بهيئةٍ؟ قلتُ: معناه: على هيئةِ رجلٍ.

وقال ابن السِّيْد: (حالٌ موطِّئَةٌ على تأويلِ الجامدِ بمشتقٍّ؛ أي: رجلًا مرئيًّا أو محسوسًا).

فإن قلتَ: ليس التمثيلُ[/ص6/] في حال هيئة الرجل، ومن شرط الحال أن يكون حالًا عند صدور الفعل؟ قلتُ: يكون حالًا مقدَّرةً، وذلك [2] كثيرٌ.

وإمَّا بالتمييز، وقال شيخنا في «الفتح»: (منصوبٌ على التمييز؛ أي: مثل رجل).

[قوله: (فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ): رواه البيهقي من جهة القَعْنَبِيِّ عن مالكٍ: (فَيُعَلِّمُنِي) ؛ بالعين المهملة بَدَلَ الكاف ] .

(عَرَقًا): منصوبٌ على التمييز، منقولٌ من الفاعل.

[1] في (ب): (نفس).
[2] في (ب): (وهو).





2- قوله: (أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ): هو أخو أبي جهلٍ عمرِو بنِ هشامٍ لأبويه.

و (هِشام): هو ابنُ المغيرة بن عبد الله بن عمرِو بن مخزومِ بن يقظة بن مُرَّةَ بن كعب بن لُؤيِّ بن غالبٍ القُرشيُّ.

وإِخوةُ أبي جهلٍ: الحارثُ، وسلمةُ، وخالدٌ، والعاصي، والكلُّ أسلموا وصحِبوا، غيرَ أبي جهلٍ، غيرَ أنَّ [1] العاصي قال ابنُ عبد البَرِّ: (إنَّه قُتِلَ ببدرٍ كافرًا) ، وكذا قاله ابنُ إسحاقَ، (وكذا تابعه ابنُ سيِّد الناس في «سيرته الكبرى» في قتلى بدرٍ من المشركين) [2] ، والصحيحُ: أنَّه أسلمَ، وصَحِبَ.

وأُمُّ أبي جهلٍ أسلمت وصحِبَتْ، واسمُها سلمى، وقيل غير ذلك، (وسيأتي الكلام عليها مُطوَّلًا في «الصلاة» قبيل «باب فضل السجود») [3] .

وعياشُ بنُ أبي ربيعةَ أخوهم لأُمِّهِم صحابيٌّ مشهورٌ.

شَهِدَ الحارثُ بدرًا كافرًا وانهزمَ، وله [4] يقول حسانُ رضي الله عنه في جملةِ أبياتٍ:

~إنْ كنتِ كاذبةَ الذي حدَّثتني فنجوت منجى الحارثِ بنِ هشامِ

~تركَ الأحبَّةَ أن يُقاتِلَ دونَهم ونجا برأسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ

و (الطِّمِرَّة) ؛ بكسر الطاء المهملة والميم، وتشديد الراء: الفرسُ المستنفِر للوثب والعَدْوِ.

وقال أبو عُبيدٍ: (هو المشمَّرُ الخلق) .

وقد اعتذرَ الحارثُ عن فِرارِه بأبياتٍ، وهي:

~اللهُ يعلمُ ما تركتُ قِتالَهم حتَّى رَمَوا فرسي بأشقرَ مُزبِدِ [5]

~وعلمتُ أني إنْ أُقاتِلْ واحدًا أُقْتَلْ ولا يَضْرُرْ عدوِّي مشهدي

~ووجدتُ رِيحَ الموتِ مِنْ تِلقائِهِم في مأزقٍ والخيلُ لم تتبدَّد

~فصددتُ عنهم والأحبَّةُ فيهمُ طمعًا لهم بلِقاء [6] يومٍ مفسد

كان [7] الأصمعيُّ يقولُ: (هذا أحسنُ ما قيل في الاعتذار عنِ الفِرار) .

وكان خلفٌ الأحمرُ يقول: (أحسنُ ما قيل في ذلك أبياتُ هُبيرةَ بنِ أبي وهبٍ المخزوميِّ:

~لَعمرُك ما ولَّيتُ ظهري محمَّدًا وأصحابَه جُبنًا ولا خِيفةَ القَتْلِ

~ولكنَّني قلَّبتُ أمري فلم أجدْ لسيفي مجالًا إنْ ضربتُ ولا نَبْلِي

~وقفتُ فلمَّا خِفتُ ضَيعةَ موقفي رجعتُ لعَودٍ كالهِزبرِ أبي الشِّبْلِ

وهذان وإن تقاربا [8] لفظًا؛ فليس ببعيدٍ من أن يكون الثاني أجودَ مِنَ الأوَّل، وهبيرةُ هذا هو [9] زوجُ أُمِّ هانئٍ بنت أبي طالب، وأبو أولادِها، هَلَكَ على كُفْرِه بنجران.

وأسلمَ الحارثُ صاحبُ الترجمةِ في «الفتح»، وحَسُن إسلامُه، وأعطاه عليه الصَّلاة والسَّلام [10] يومَ حُنينٍ مئةً مِنَ الإبلِ، وكان مِنْ فُضلاء الصحابة، خرجَ هو وسهيلُ بنُ عمرٍو إلى الشام؛ ليستدركا ما فاتَهُما مِنْ سابقةِ الإسلامِ بالجهاد [11] ، فقاتَلَ الكُفَّارَ حتى قُتل باليرموك سنة خمسَ عشرةَ، أو مات بعَمواس في طاعونِها سنةَ ثمان عشرةَ.

و (عَمواس): قريةٌ بقُربِ الرَّمْلة، يجوزُ فتحُ ميمِها وسكونِه.

قوله: (مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ): الصَّلصَلةُ؛ بفتح الصادين المهملتين: الصوتُ المتدارك الذي لا يُفهم أوَّلَ وَهْلةٍ؛ يريدُ: أنَّه صوتٌ متداركٌ يَسمعُه ولا يثبتُه أوَّلَ ما يَقرَعُ سمعَه حتَّى يفهَمَه مِن بعدُ.

قال ابن قُرقُول: («صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ»؛ يعني: صوتَ الحديد إذا اضطربَ في داخل تلك الآلةِ التي تُسمَّى الجرس؛ وهو شِبْهُ النَّاقوسِ صغيرٌ) انتهى [12]

قيل: الحكمةُ في ذلك أنْ يتفرَّغَ سمعُه، ولا يبقى فيه مكانٌ لغيرِ صوتِ الملَك، ولا في قلبِه.

قوله: (فَيفْصمُ عَنِّي): قال ابن قُرقُول: (بفتح الياء وضمِّها على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ومُسمًّى أيضًا؛ أي: يُقلع ويَنفصِل، قال الشيخ أبو الحسين: فيه سِرٌّ لطيفٌ، وإشارةٌ خفيَّةٌ إلى أنَّها بينونة مِن غير انقطاع، وأنَّ الملَك يُفارقه ليعود إليه، والفصم: القطعُ [/ج1ص7/] من غير بينونةٍ، بخلافِ القَصْمِ -يعني: بالقاف-: الذي هو كسرٌ وبينونةٌ) انتهى [13]

قوله: (أَحْيَانًا): الأحيانُ: الأوقاتُ، جمع: حِينٍ، تقعُ [14] على الكثيرِ والقليلِ [15] .

قوله: (يَتَمَثَّلَ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا): هو جبريلُ عليه السلام، وسيأتي قريبًا الكلامُ على تمثيل الملَك رجلًا، وما قيل فيه [16] .

قوله: (وَإِنَّ جَبِينَهُ): الجبينُ غيرُ الجبهة، وهو فوقَ الصُّدْغِ، والصُّدْغُ: ما بينَ العينِ إلى الأُذُن، وللإنسانِ جبينانِ يكتنفانِ الجبهةَ.

قوله: (لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا): هو بالفاء، والصاد المهملة؛ أي: يسيلُ وينصبُّ، ومنه: الفَصْدُ.

وعن ابن طاهرٍ: أنَّه صحَّفَه بالقاف، وحكاهُ العسكريُّ في كتاب «التصحيف» عن بعض شيوخه، وقال: (إنْ صحَّ؛ فهو مِنْ قولهم: تقصَّدَ الشيءُ؛ إذا تكسَّر وتقطَّع) .

قوله: (عَرَقًا): هو منصوبٌ على التمييزِ.

فائدةٌ: الوحيُ أصلُه: الإعلامُ في خفاءٍ وسُرعةٍ.

ثمَّ الوحيُ في حقِّ الأنبياءِ على ثلاثةِ أَضرُبٍ:

أحدُها: سماعُ الكلامِ القديم؛ كسماعِ موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [17] بنصِّ القرآن، ونبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام بصحيحِ الآثار.

ثانيها: وحيُ رسالةٍ بواسطةِ الملَك.

ثالثها: وحيٌ يُلقى بالقلب، وقيل: كان هذا حال داود عليه السلام، وجاء عن نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مثلُه؛ كقولِه [18] : «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي»، وسيأتي ضبطُه؛ أي: في نفسي، وسيأتي عزوُ هذا الحديث قريبًا.

والوحيُ إلى غيرِ الأنبياء:

بمعنى: الإلهام؛ كالوحيِ إلى النَّحل.

وبمعنى: الإشارة {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 11] ، وقيل في هذا: كَتَبَ.

وبمعنى: الأمر؛ كقولِه: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ} [المائدة: 111] ؛ قيل [19] : أمرتُهم، وقيل: ألهمتُهُم.

ويُقال: (أوحى ووحى) ، وقال الجوهريُّ: (والوحيُ: الكتابُ، والوحيُ: الإشارةُ، والكتابةُ، والرسالةُ، والإلهامُ، والكلامُ الخَفِيُّ، وكلُّ ما ألقيتَه إلى غيرِك...) إلى أن قال: (ووحى أيضًا وأوحى: كَتَبَ) .

ثمَّ اعلم: أنَّ في كيفيَّة نزول الوحيِ على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سبعَ صورٍ، ذَكَرَها السُّهيليُّ في أوَّل (كتاب المبعث) من «روضه» [20] :

الأُولى: المنامُ؛ كما جاء في الحديث الآتي.

ثانيها: أن ينفُثَ في رُوعه الكلامَ؛ كما [21] جاء: «إنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعي»؛ وهو بضمِّ الراء: القلبُ والخَلَد؛ أي: في نفسِي وخَلَدي، و«رُوح القُدُس»: هو جبريلُ عليه السلام، وهذا الحديثُ رواه ابن أبي الدنيا في «القناعة»، والحاكم من حديث ابن مسعودٍ، ولفظُهُما مختلفٌ.

ثالثُها: أنْ يأتيَه الوحيُ في مثلِ صَلْصَلةِ الجَرَس؛ كما في هذا الحديث الذي نحن فيه.

رابعُها: أنْ يتمثَّلَ له الملَك رَجُلًا؛ كما جاء في الحديث الذي نحن فيه، وقد كان يأتيه في صورة دحيةَ غالبًا [22] .

خامسُها: أن يتراءَى له جبريلُ في صورتِه التي خلقَه اللهُ عليها له سِتُّ مئةِ جناحٍ، ينتثر منها اللُّؤْلُؤُ والياقوت، وقد رآه في صورتِه مرَّتين.

سادسُها: أن يكلِّمَه اللهُ مِن وراء حِجاب، إمَّا في اليقظةِ؛ كليلةِ الإسراء، (والصحيحُ في الإسراء: أنَّه يقظةٌ، وسيأتي الاختلافُ فيه) [23] ، وإمَّا في النوم؛ كما في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أتاني ربِّي في أحسنِ صورةٍ، فقال: فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى؟ فقلت: لا أدري، فوضعَ يدَهُ بين كتفيَّ...»، أخرجه الترمذيُّ في تفسير (سورة ص) من طريقين، وقال: حسنٌ، قال: وقد روي هذا الحديثُ عن معاذِ بنِ جبلٍ رضي الله عنه عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بطوله [24] ، وسيأتي الكلامُ على رؤيةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ربَّه ليلةَ الإسراءِ إن شاء الله تعالى في أوَّل (الصلاة).

سابعُها: وحيُ إسرافيلَ؛ كما [25] ثبت عن عامر بن شراحيل الشَّعبيِّ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وُكِّلَ به إسرافيلُ، فكان يتراءى له ثلاثَ سنينَ، ويأتيه بالكلمة والشيء، ثم وُكِّل به جبريلُ.

قال ابنُ عبد البَرِّ في أوَّل «الاستيعاب» وساق سندًا إلى الشَّعبيِّ، قال: (أُنزلتْ عليه النُّبوَّةُ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فقُرِنَ بنبوَّتِه إسرافيلُ عليه السلام ثلاثَ سنينَ، فكان يعلِّمُه الكلمةَ والشيءَ، ولم يَنزلْ عليه القرآنُ على لسانِه، فلمَّا مضتْ ثلاثُ سنين؛ قُرِنَ بنبوَّتِه جبريلُ عليه السلام، فنزلَ القرآنُ على لسانِه عشرَ سنينَ) .

قال شيخُنا الشَّارح في أوَّلِ (فضائل القرآن) بعدَ أنْ ذكر [26] الكلامَ بوكالةِ إسرافيلَ ثلاثَ سنينَ: (يأتيه بالكلمة ونحوِها، ووقعَ في «ابن التين»: «ميكائيل» بدله، والمشهورُ: أنَّ جبريلَ ابتدأَهُ بالوحيِ) انتهى.

وذَكَرَ أيضًا شيخُنا: أنَّ الواقديَّ وغيرَه أنكر كونَه وُكِّل به غيرُ جبريلَ، وقال شيخُنا أيضًا: (قالَ أحمدُ بنُ محمَّدٍ البغداديُّ: أكثرُ ما في الشريعة ممَّا أُوحي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على لسانِ جبريلَ) [27] .

وعن الحَليميِّ- (وهو أحد أئمَّة الدهر، وشيخ الشافعيَّة بما وراء النهر، وآدبُهُم، وأنظرُهم؛ وهو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمَّد بن حَليم؛ باللام، مولدُه سنةَ ثمانٍ وثلاثين وثلاث مئة، وتوفِّي سنةَ ثلاثٍ وأربع مئة) [28] -: (أنَّ الوحيَ كان يأتي النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على سِتَّةٍ وأربعينَ نوعًا) ، وقد حاولَ تعدادَها.

تنبيه: إذا تمثَّل له الملَك رجُلًا، يَحتملُ تمثيلُ جبريلَ له رَجُلًا أنَّ اللهَ أفنى الزائد مِن خلقِه، ثمَّ أعادَه إليه، ويَحتملُ أنَّه يُزيلُه عنه، ثمَّ يعيدُه إليه بعدَ التبليغ، نبَّه على ذلك إمامُ الحرمين، قاله شيخُنا الشَّارح، قال: (وأمَّا التداخلُ؛ فلا يصحُّ على مذهبِ أهلِ الحقِّ) .

قال: (وأبدى الشيخُ عِزُّ الدين ابنُ عبد السلام سؤالًا، فقال: إن قيل: إذا لقي جبريلُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صورة دِحْية؛ فأين تكون [29] روحه؟

فإن كان في الجسد الذي له سِتُّ مئة جناح؛ فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده.

وإن كانت في هذا الذي هو في صورة دحية؛ فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبَّه بجسد دِحْية؟) .

ثمَّ أجاب: (بأنَّه لا يبعُد ألَّا يكون انتقالُها موجِبَ موتِه، فيبقى الجسد حيًّا لا ينقص من معارِفِه [30] شيءٌ، ويكونُ انتقالُ روحِه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خُضْرٍ) .

قال: (وموتُ الأجساد بمفارقةِ الأرواح ليس بواجبٍ عقلًا، بل بعادةٍ أجراها اللهُ تعالى في بني آدمَ، فلا يلزم في غيرِهم) انتهى [31]

ورأيتُ في كلامِ غيرِه ما لفظُه: (قال أهلُ الحقيقةِ: وتمثيلُ الملَك رَجُلًا، وتمثيلُ جبريلَ في صورةِ دحيةَ ليس معناه: أنَّه انقلبتْ ذاتُ الملَك في صورةِ الرُجلِ، بل بمعنى أنَّه ظهرَ بتلك الصورةِ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) انتهى.

[1] في (ب): (وغير أبي) .
[2] ما بين قوسين سقط من (ب) .
[3] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[4] في (ب): (وفيه) .
[5] في (ب): (مزبدي) .
[6] في (ب): (تلقاء) .
[7] في (ب): (وكان) .
[8] في (ب): (يقاربان) .
[9] (هو): ليست في (ب) .
[10] في (أ): (عليه السلام) ، وكذا في كثير من المواضع.
[11] في (ب): (في الجهاد) .
[12] «مطالع الأنوار» (*) .
[13] «مطالع الأنوار» (*) .
[14] في (ب): (يقع) .
[15] في (ب): (القليل والكثير) .
[16] قوله: (وأحيانًا: الأحيان...) إلى هنا جاء في النسختين قبل قوله: (مثل صلصلة الجرس) .
[17] في (ب): (عليه السلام) .
[18] في (ب): (لقوله) .
[19] في (ب): (أي) .
[20] «الروض الأنف» (1/269-270*) .
[21] في (ب): (لما) .
[22] (غالبًا): ليست في (ب) .
[23] ما بين قوسين سقط من (ب) .
[24] «سنن الترمذي» (*) ، وانظر رسالة ابن رجب....
[25] في (ب): (لما) .
[26] في (ب): (دل) .
[27] «التوضيح» (2/223) .
[28] ما بين قوسين سقط من (ب) ، وهو في (أ) بالهامش.
[29] في (ب): (يكون) .
[30] في (ب): (مفارقه) .
[31] «التوضيح» (2/228-229) .





2- ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ) بفتح الفاء؛ غير منصرف.

( أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ) بنصب ( ابن ). [/ج1ص6/]

( أَحْيَانًا يَأْتِينِي ) انتصب ( أَحْيَانًا ) على الظرف.

( مِثْلَ ) منصوب نعت لمصدر محذوف، أي: إتيانًا مثل، ويُروَى: «في مثل» بإثبات «في»، ورجحت لأنَّ الصلصلة _حينئذ_ للوحي بمنزلة القراءة للقرآن في فهم الخطاب، وأما على إسقاط «في» فمعناه يرجع للذي ذكره ثانيًا، وهو تمثل الملك له فيكلمه.

( صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ) يريد أنَّه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يقرع سمعه حتى يفهم من بَعد.

قيل: وفائدة [ قوة ] [1] صوت الملك؛ ليشغَلَه بالوحي على سائر إحساسه؟ قيل: إنَّما كان ينزل كذلك إذا نزلت آية وعيد أو تهديد.

( فيفصم ) بفتح الياء وضمها على ما لم يسم فاعله، أي: ينفصل ويقلع.

وفيه سر لطيف أنَّها بينونة من غير انقطاع، والملك يفارقه ليعود إليه، والفصم _ بالفاء _ القطع من غير بينونة، بخلاف القصم بالقاف الذي هو كسر وبينونة.

( وَعَيْتُ ) بفتح العين، أعيه وعيًا: فهمت، وقيل: حفظت، وأصله من الوعاء، ومنه: { أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } [ الحاقة: 12 ] أي: جمعته كما يُجمَعُ الشيء في الوعاء، وأما المال والمتاع فيقال منه: أوعيت بالألف أوعي فأنا مُوعٍ.

( رَجُلًا ) أي: على مثال رجل، وقيل: تمييز، وقال ابن السيد: حال موطئة على تأويل الجامد بمشتق، أي: مرئيًا محسوسًا. [/ج1ص7/]

قال أهل الحقيقة: وتمثيل الملك رجلًا، وكذا تمثيل جبريل في صورة دحية ليس معناه أنَّه انقلبت ذات الملك في صورة الرجل؛ بل بمعنى أنَّه ظهر [ب:3] بتلك الصورة للنبي صلى الله عليه وسلم تأنيسًا.

( فَيُكَلِّمُنِي ) كذا رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ورواه البيهقي من جهة القَعْنبي عن مالك فقال: «فيعلِّمني» بالعين المهملة بدل الكاف.

( وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ ) بفتح أوله والزاي مخففة، وبضمه والزاي مشددة مفتوحة.

( لَيَتَفَصَّدُ ) أي: يسيل كالفصد، وصحَّفه ابن طاهر بالقاف، وحكاه العسكري في كتاب «التصحيف» عن بعض شيوخه وقال: إن صح فهو من قولهم: تقصَّد الشيء إذا تكسر وتقطع.

( عَرَقًا ) بفتحتين، ونصبه على التمييز، وإنَّما كان كذلك ليبلو صبره فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة.

ثم قال الإسماعيلي في «المستخرج»: هذا الحديث الذي صدَّر به البخاري لا يصلح لهذه الترجمة، وإنَّما المناسب لـ( كيف بدء الوحي ) الحديثُ الذي بعده، فأما هذا الحديث فهو لـ( كيف يأتيك الوحي ) وليس ذلك بدء الوحي. [/ج1ص8/]

[1] زيادة من ( ز ).





2- ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ) هو التِّنِّيسي ( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ) هو أخو أبي جهل شقيقه، أسلم يوم الفتح، وظاهره: أنَّ الحديث من مسند عائشة وعليه اعتمد أصحاب الأطراف، فكأنَّها حضرت القصَّة، ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك، فيكون مرسل صحابيٍّ وحكمه الوصل، ويؤيِّده أنَّ في «مسند أحمد» وغيره من طريق عامر بن صالح الزُّبيريِّ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام قال: «سألت»، وعامر فيه ضعف، ولكن له متابع عند ابن منده.

( أَحيَّانا يَأْتِينِي ) بالنَّصب على الظَّرف.

( مِثْلَ ) بالنَّصب نعت لمصدر محذوف، أي: إتيانًا مثلَ، قلت: ويحتمل أن يكون على نزع الخافض، لأنَّ في رواية مسلم: «في مثل صلصلة الجرس».

( الصَلْصَلَةِ ): بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة، في الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثمَّ أُطلق على كلِّ صوت له طنين، وقيل: هو صوت متدارك لا يُفهم في أوَّل وهلة. والجرس: / الجُلْجُل. [/ج1ص121/]

والصَّلصلة المذكورة: صوت المَلَكِ بالوحي، وقيل صوت خَفْقِ أجنحته، والحكمة في تقدُّمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره، وقيل: إنَّما كان يأتيه كذلك إذا نزلت آية وعيد أو تهديد.

( وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ) فائدة هذه الشِّدَّةِ ما يترتَّب على المشقَّة من زيادة الزُّلفى في الدَّرجات.

( فَيَفْصِمُ ) بفتح أوَّله وسكون الفاء وكسر المهملة، أي: يُقلع ويتجلَّى ما تغشَّاني، ويروى بضمِّ أوَّله من الرُّباعيِّ.

وفي رواية لأبي ذرٍّ بضمِّه وفتح الصَّاد على البناء للمفعول.

وأصل الفَصْم: القطع بلا إبانة، [وبالقاف] [1] : القطع بإبانة، وذكرَ الأوَّل للإشارة إلى أنَّ المَلَكَ فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العُلْقَة.

( وَعَيْتُ ) بالفتح: فهمت وحفظت، ويقال في المال والمتاع: أَوْعَيتُ.

( يَتَمَثَّلُ ) يتصوَّر، مشتقٌّ من المثل.

( الْمَلَكُ ) اللَّام للعهد، أي: جبريل، وصرَّح به في رواية عند ابن سعد.

( رَجُلًا ) أي مثل رجل فنصْبُهُ على المصدريَّة، وقيل: تمييز، وقيل: حال على تأويله بمشتقٍّ، أي: مرئيًّا محسوسًا. [/ج1ص122/]

قال المتكلِّمون: الملائكة أجسام علويَّة لطيفة تتشكَّل أي شكل أرادوا، وقال إمام الحرمين: تمثُّلُ جبريل معناه: أنَّ الله أفنى الزَّائد من خلقه أو أزاله عنه ثمَّ يعيده إليه، وجزم ابن عبد السَّلام بالإزالة دون الفناء.

وقال البلقينيُّ: يجوز أن يكون أتى بشكله الأصليِّ من غير فناء ولا إزالة إلَّا أنَّه انضمَّ فصار على قدر هيئة الرَّجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، ومثال ذلك: القطن إذا جُمع بعد أن كان منتفشًا فإنَّه بالنَّفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغيَّر، وهذا على سبيل التَّقريب.

والحقُّ أنَّ تمثُّل الملك رجلًا ليس معناه أنَّ ذاته انقلبت رجلًا؛ بل معناه: أنَّه ظهر بتلك الصُّورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظَّاهر أيضًا أنَّ القدر الزَّائد لا يزول ولا يفنى؛ بل يخفى على الرَّائي فقط.

( فَيُكَلِّمُنِي ) في رواية للبيهقيِّ من طريق القَعْنبيِّ عن مالك: بالعين بدل الكاف، قال ابن حجر: والظَّاهر أنَّه تصحيف، فإنَّه في «الموطَّأ» رواية القَعْنبيِّ بالكاف.

( فَأَعِي مَا يَقُولُ ) زاد أبو عوانة في «صحيحه»: «وهو أهونه عليَّ» وعبَّر في الشِّقِّ الأوَّل بقوله: «وقد وعيت ما قال» بلفظ الماضي وهنا بلفظ المستقبل؛ لأنَّ الوعي حصل في الأوَّل قبل الفصم، وفي الثَّاني عقب المكالمة.

وقد روى ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجَشُون: أنَّه بلغه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقول: «كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه عليَّ كما يلقي الرَّجل على الرَّجل فذاك يتفلَّتُ منِّي، ويأتيني في شيء مثل صَلْصَلَة الجرس حتَّى يخالط قلبي، فذاك الذي لا يتفلَّت منِّي». [/ج1ص123/]

( لَيَتَفَصَّدُ ) بالفاء وتشديد المهملة من الفصد، وهو قطع العِرْق لإسالة الدَّم، أي: يسيل كما يسيل العِرْق المفصود من كثرة العَرَق.

وصحَّفه ابن طاهر بالقاف، فردَّه عليه المؤتمنُ السَّاجيُّ فأصَرَّ، وحكاه العسكريُّ في «التَّصحيف» عن بعض شيوخه، وقال: إن ثبت فهو من قولهم: تقصَّدَ الشَّيء: إذا تكسَّر وتقطَّع، ولا يخفى بعده. انتهى.

( عَرَقًا ) تمييز، زاد ابن أبي الزِّناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقيِّ في «الدَّلائل»: «وإن كان ليُوحَى إليه وهو على ناقته فتَضْرِبُ جِرَانَها [2] من ثِقَلِ ما يُوحَى إليه».

قال الإسماعيليُّ: هذا الحديث لا يناسب بدء الوحي، بل كيف يأتيك الوحي ؟. [/ج1ص124/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] مكررًا.
[2] قال السِّنديُّ: «قولها: فتضرب بجِرانها، بكسر الجيم: باطن العنق، والبعير إذا استراح، مدَّ عنقه على الأرض».





2- وبالسند إلى المؤلف، قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) التنيسي، المتوفى سنة ثماني [1] عشرة ومئتين، وفي (يوسف) : تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه، ((قال: أخبرنا مالك)) ؛ هو ابن أنس الأصبحي، صاحب «الموطأ»، المتوفى سنة تسع وسبعين ومئة، وهو أحد مشايخ محمد ابن إدريس الشافعي.

((عن هشام بن عروة)) بن الزبير بن العوام القرشي، المتوفى سنة خمس وأربعين ومئة ببغداد، ((عن أبيه)) ؛ أبي عبد الله عروة، المتوفى سنة أربع وتسعين، ((عن عائشة)) بالهمز، وعوام المحدثين يبدلونها ياء ((أم المؤمنين رضي الله عنها)): قال تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] ؛ أي: في الاحترام، والإكرام، وتحريم نكاحهن، والخلوة بهن، والمسافرة معهن، وتحريم نكاح بناتهن، والنظر إليهن، وهل يقال للنبي: أبو المؤمنين؟ فيه خلاف، فالمانع استدل بقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] .

وأجاب المجيز بأن معناه: من رجالكم لصلبه. انتهى.

وهل عائشة أفضل من فاطمة؟ فيه خلاف، والأصح: أن عائشة أفضل، وجمع بأن فاطمة أفضل في الدنيا وعائشة أفضل في الآخرة، {وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ} [البقرة: 105] ، واختلف في وفاتها بعد الخمسين: إما سنة خمس، أو ست، أو سبع في رمضان، وعاشت خمسًا [2] وستين سنة، وتوفي عنها رسول الله وهي بنت ثماني عشرة، وأقامت عنده تسعًا [3] ، وقيل: ثماني سنين، ولها في «البخاري» مئتان واثنان وأربعون حديثًا.

((أن الحرث بن هشام)) بغير ألف بعد الحاء [4] : المخزومي؛ أسلم يوم الفتح، واستشهد بالشام سنة خمس عشرة، ((رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم)) قال القسطلاني: يحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك فيكون من مسندها، وأن يكون الحرث أخبرها بذلك فيكون من مرسل الصحابة؛ وهو محكومٌ بوصله عند الجمهور. انتهى، قلت: والظاهر الأول؛ فليحفظ.

((فقال: يا رسول الله؛ كيف يأتيك الوحي؟)) ؛ أي: صفة الوحي نفسه، أو صفة حامله، أو أعم، فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز.

((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) : ولأبوي ذر والوقت: (قال رسول الله عليه السلام) : ((أحيانًا)) ؛ أي: أوقاتًا؛ بالنصب على الظرفية، وعامله: ((يأتيني)) مؤخر عنه؛ أي: يأتيني الوحي إتيانًا ((مثل)) بالنصب: حال؛ أي: يأتيني مشابهًا صوتُه ((صَلْصَلة الجرس)) ؛ بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة. و (الجرس) ؛ بالجيم والمهملة: الجلجل الذي يعلق في رؤوس الدواب، والصلصلة: صوت حفيف أجنحة الملك؛ لما في الرواية الأخرى: (كأنه سلسلة على صفوان) ، وإنما يقدمه حتى يفرغ من العمل، فيأتيه وهو خال عن الشغل ((وهو أشده علي)) الواو للحال، ((فيَفْصِم عني)) الوحي والملك، بفتح المثناة التحتية، وسكون الفاء، وكسر المهملة، كذا لأبي الوقت، من باب ضرب، والمراد: أنه ينجلي ما يغشاه من الشدة.

((وقد وعَيت)) بفتح العين؛ أي: فهمت ((عنه)) عن الملك ((ما قال)) ؛ أي: القول الذي قاله.

واعلم أن الصوت له جهتان؛ جهة قوة، وجهة طنين، فمن حيث القوة وقع التشبيه به، ومن حيث الطنين وقع التنفير عنه.

وفي «الطبراني» مرفوعًا: إذا تكلم الله بالوحي؛ أخذت السماء رجفة أو رعدة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع أهل السماء؛ صعقوا وخروا سجدًا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، كلما مرَّ بسماء؛ سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمره الله من السماء والأرض.

((وأحيانًا)) ؛ أي: أوقاتًا ((يتمثَّل)) ؛ أي: يتصوَّر ((لي)) لأجلي ((الملك)) جبريل ((رجلًا)) كدحية أو غيره، منصوب بنزع الخافض على الصواب، وقيل: على المصدرية، وقيل: على التمييز، وقيل: على المفعولية، والملائكةُ: أجسامٌ علوية لطيفة تتشكل بأي شكل شاء.

وقالت الفلاسفة: هي جواهر قائمة بنفسها، والحق: أنَّ تمثل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا؛ بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر: أن القدر الزائد لا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط، انتهى.

ولأبي الوقت: (يتمثل لي الملك على مثال رجل) .

((فيكلمني فأعي)) ؛ أي: أفهم ((ما يقول)) ؛ أي: الذي يقوله، فالعائد محذوف، و (الفاء) في الكلمتين: للعطف المشير للتعقيب، ووقع التغاير بين قوله: (وعيت فأعي) ؛ لأنَّ الوعي في الأول: حصل قبل الفصم ولا يتصور بعده، وفي الثاني: في حالة المكالمة ولا يتصور قبلها، ومن الوحي: الرؤيا الصادقة، قيل: إنَّ جبريل نزل على نبينا عليه السلام أربعة وعشرين ألف مرة، وعلى آدم: اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس: أربعًا، وعلى نوح: خمسين، وعلى إبراهيم: اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربع مئة مرة، وعلى عيسى: عشرًا، كذا في القسطلاني عن «تفسير ابن عادل».

وبالإسناد السابق: ((قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته)) صلى الله عليه وسلم، والواو للقسم، واللام للتأكيد؛ أي: والله لقد أبصرته، ((يَنزِل)) : بفتح أوله وكسر ثالثه، ولأبي ذر والأصيلي: (يُنزَل) بالضم والفتح، ((عليه)) عليه السلام، ((الوحي في اليوم الشديد البرد فيَفصِم)) بفتح المثناة التحتية وكسر الصاد، ولأبوي ذر والوقت: (فيُفصِم) ؛ بضمها وكسر الصاد، من أفصم الرباعي؛ وهي لغة قليلة؛ أي: ينجلي ((عنه)) عليه السلام.

((وإن جبينه)) : قيل: الجبين غير الجبهة؛ وهو ما فوق الصدغ، والصدغ: ما بين العين والأذن، والظاهر: أن الجبين هو أعلى الجبهة من جهة الرأس، ((ليتفصد)) بالفاء والصاد المهملة المشددة؛ أي: ليسيل ((عرَقًا)) بفتح الراء: رشح الجلد من كثرة التعب عند نزول الوحي؛ لأنَّه أمر طارئ زائد على الطباع البشرية.

ورواته مدنيون إلَّا شيخ المؤلف، وفيه تابعيان، والتحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلف في (بدء الخلق) ، ومسلم في (الفضائل) .

[1] في الأصل: (ثمان).
[2] في الأصل: (خمس).
[3] في الأصل: (تسع).
[4] كذا قال، وهكذا ترسم ولكن المحدِّثين يلفظونها: «الحارث».