المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

(67) بابُ [1] ما يَقَعُ مِنَ النَّجاساتِ في السَّمْنِ والْماءِ

وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأسَ بِالْماءِ ما لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ.

وقالَ حَمَّادٌ: لَا بَأسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ في عِظامِ المَوْتَىَ نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ ناسًا مِنْ سَلَفِ العُلَماءِ يَمْتَشِطُونَ بِها، وَيَدَّهِنُونَ فِيها، لَا يَرَوْنَ بِهِ [2] بَأسًا.

وقالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْراهِيمُ [3] : وَلَا [4] بَأسَ بِتِجارَةِ العاجِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] لفظة: «به» ليست في رواية ابن عساكر و [عط] .
[3] قوله: «وإبراهيم» صحَّح عليه في اليونينيَّة، وهو ثابت في رواية أبي ذر والمُستملي أيضًا (ن، و، ق).
[4] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي و [عط] : «لا» بإسقاط الواو.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

67- (باب) حكم (مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ)؛ أي: وقوع النَّجاسات (فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ).

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ ممَّا وصله ابن وهبٍ في «جامعه» عن يونس عنه: (لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ)؛ أي: لا حرج في استعماله في كلِّ حالةٍ، فهو محكومٌ بطهارته (مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ) بكسر الياء، فعلٌ ومفعولٌ، والفاعل قوله [1] : (طَعْمٌ)؛ أي: من شيءٍ نجسٍ (أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ) منه، فإن قلت: كيف ساغ جعل [2] أحد الأوصاف الثَّلاثة مُغيِّراً، على صيغة الفاعل، والمُغيِّر [3] إنَّما هو الشَّيء النَّجس المخالط للماء، أجيب: بأنَّ المُغيَّر في الحقيقة هو الماء، ولكن تغييره لمَّا كان لم يُعلَم إلَّا من جهة أحد أوصافه الثَّلاثة؛ صار هو المُغيِّر [4] ، فهو من باب ذكر السَّبب وإرادة المُسبَّب، ومُقتضى قول الزُّهريِّ: أنَّه لا فرق بين القليل والكثير، وإليه ذهب جماعةٌ من العلماء، وتعقَّبه أبو عُبَيْدٍ في كتاب «الطَّهور» له: بأنَّه يلزم منه أنَّ من بال في إبريقٍ ولم يغيِّر للماء وصفًا؛ أنَّه يجوز له التَّطهير به، وهو مُستبشَعٌ [5] ، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد التَّفريق [6] بالقلَّتين، فما [7] كان دونهما تنجَّس بملاقاة النَّجاسة، وإن لم يظهر فيه [8] تغيُّرٌ لمفهوم حديث القلَّتين «إذا بلغ الماء قلَّتين؛ لم يحمل الخبث»، صحَّحه ابن حبَّان وغيره، وفي روايةٍ لأبي داود [9] وغيره بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس»، وهو المُراد بقوله: «لم يحمل الخبث»؛ أي: يدفع النَّجس ولا يقبله، وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث [10] : «الماء لا ينجِّسه شيءٌ»، وإنَّما لم يخرِّج المؤلِّف حديث القلَّتين؛ للاختلاف الواقع في إسناده، لكن رواته ثقاتٌ، وصحَّحه جماعةٌ من الأئمَّة إلَّا أنَّ مقدار القلَّتين من الحديث لم يثبت، وحينئذٍ فيكون مُجمَلًا، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الشارع إنَّما ترك تحديدهما توسُّعًا، وإلَّا؛ فليس بخافٍ أنَّه [11] عليه الصلاة والسلام ما خاطب أصحابه إلَّا بما يفهمون، وحينئذٍ فينتفي الإجمال لكن لعدم التَّحديد وقع بين [12] السَّلف في مقدارهما خلفٌ، واعتبره الشَّافعيُّ رحمه الله بخمس قُرَبٍ من قرب الحجاز احتياطًا، وقالت [13] الحنفيَّة: إذا اختلطت النَّجاسة بالماء تنجَّس إلَّا أن يكون كثيرًا، وهو الذي إذا حرَّك أحد [14] جانبيه؛ لم يتحرك الآخر، وقال المالكيَّة: ليس للماء الذي تحلُّه النَّجاسة قدرٌ معلومٌ، ولكنَّه متى تغيَّر أحد أوصافه الثَّلاثة؛ تنجَّس، قليلًا كان أو كثيرًا، فلو تغيَّر الماء كثيراً بحيث يسلبه الاسم بطاهرٍ يُستغنى عنه؛ ضرَّ، وإلَّا؛ فلا.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) بتشديد الميم، ابن أبي سليمان الكوفيُّ شيخ أبي حنيفة ممَّا [15] وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»: (لَا بَأْسَ)؛ أي: لا حرج (بِرِيشِ الْمَيْتَةِ) من مأكولٍ وغيره إذا لاقى الماء؛ لأنَّه لا يغيِّره، أو أنَّه طاهرٌ مُطلَقًا، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة، وقال الشَّافعيَّة [16] : نجسٌ.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (فِي عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ) مما [17] لم يُؤكَل: (أَدْرَكْتُ نَاسًا) كثيرين (مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ [18] بِهَا)؛ أي: بعظام الموتى؛ بأن يصنعوا منها مشطًا ويستعملوها، (وَيَدَّهِنُونَ) بتشديد الدَّال (فِيهَا)؛ أي: في عظام الموتى؛ بأن يصنعوا منها آنية [19] يجعلون فيها الدُّهن، (لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا)؛ أي: حرجًا، فلو كان عندهم نجسًا؛ ما استعملوه امتشاطًا وادِّهانًا، وحينئذٍ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجِّسه؛ [/ج1ص301/] بناءً على عدم القول بنجاسته، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّه لا تحلُّه الحياة عنده، ومذهب الشَّافعيِّ: أنَّه نجسٌ؛ لأنَّه تحلُّه الحياة، قال تعالى: {قال [20] من يحيي العظام وهي رميمٌ، قل يحييها الذي أنشأها أوَّل مرَّةٍ} [يس: 78 ـ 79] ، وعند مالكٍ: أنَّه يطهر إذا ذُكِّي، كغيره ممَّا لا [21] يُؤكَل إذا ذُكِّي، فإنَّه يطهر.

(وَقَالَ) محمَّد (بْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ) ناب الفيل أو عظمه مُطلَقًا، وأسقط السَّرخسيُّ ذكر: ((إبراهيم النَّخعيُّ))، كأكثر الرُّواة عن الفربريِّ [22] ، ثمَّ إنَّ أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرَّزَّاق بلفظ: أنَّه كان لا يرى بالتِّجارة في العاج [23] بأسًا، وهو يدلُّ على أنَّه كان يراه طاهرًا؛ لأنَّه كان لا يجيز بيع النَّجس ولا المتنجِّس الذي لا يمكن تطهيره، كما يدلُّ له قصَّته المشهورة في الزَّيت، وإيراد المؤلِّف لهذا كلِّه يدلُّ على أنَّ عنده: أنَّ الماء قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجس إلَّا بالتَّغيُّر، كما هو مذهب مالكٍ.

[1] «قوله»: سقط من (د).
[2] في (م): «كون».
[3] في (ص): «والمُعتبَر».
[4] في (م): «صار كالمغيِّر».
[5] في (م): «مستشنع».
[6] في (ص): «بالتَّفريق».
[7] في (ص): «ممَّا».
[8] «فيه»: سقط من (د).
[9] في (م): «ذَرٍّ»، وليس بصحيحٍ.
[10] قوله: «بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس»... وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث»، سقط من (ص).
[11] في (ص) و(م): «خافٍ أنَّه».
[12] في (ص): «من».
[13] في (ب) و(م): «وقال».
[14] في (ص) و(م): «إحدى».
[15] في (د) و(ص): «كما».
[16] في (د): «الشَّافعيُّ».
[17] في (ص): «ما».
[18] في (ص): «يمشِّطون».
[19] في (د): «آلة».
[20] «قال»: سقط من (د).
[21] في غير (م): «لم»، وسقط من (ص).
[22] في (ص): «كالفربريِّ».
[23] «بالتِّجارة في العاج»: ليس في (م).





(نَحْو الْفِيْلِ): بالجرِّ والنَّصبِ.


(بَاب مَا يَقَعُ مِن النَّجَاسَاتِ في السَّمْنِ وَالمَاءِ) ... إلى (بَاب السِّوَاكِ)

ذكر ابن المُنَيِّر الآثار والأحاديث التي ذكرها البخاريُّ، ثُمَّ قال: (مقصود التَّرجمة أنَّ المعتبر في النَّجاسات الصِّفات، فلمَّا كان ريش الميتة لا يتغيَّر بتغيرها؛ لأنَّه لا تحُلُّه الحياة، وكذلك العظام، وكذلك الماء؛ إذا خالطته [1] نجاسة ولم تغيِّره [2] ، وكذلك السَّمن البعيد عن موقع الفأرة إذا لم يتغيَّر، ووجه الاستدلال بحديث دم الشَّهداء: أنَّه لمَّا تغيَّرت صفته إلى صفة طاهر وهو المسك بطل حكم النَّجاسة فيه، على أنَّ القيامة ليست دار أعمال ولا أحكام، وإنَّما لما عُظِّم الدَّمُ بحيلولة صفته إلى صفة ما هو مستطاب معظَّم في العادة؛ علمنا أنَّ المعتبر الصِّفات لا الذَّوات) انتهى.

قوله: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ): تقدَّم مرارًا أنَّه [3] العالم الفرد محمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن [4] شهاب.

قوله: (وَقَالَ حمَّاد [5] ): هو ابن أبي سُلَيْمَان مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعريِّ، الكوفيُّ الفقيه أبو إِسْمَاعِيل، عن أنس، وابن المُسَيّب، وإبراهيم، وعنه: ابنه [6] إِسْمَاعِيل، ومسعر، وأبو حنيفة، وشُعْبَة، وكان ثقة إمامًا مجتهدًا كريمًا جوادًا، قال أبو إسحاق الشَّيبانيُّ: (هو أفقه من الشَّعبيِّ) انتهى، لكن الشَّعبيَّ أثبتُ مِنْهُ، توفِّي سنة (120 هـ ) ، أخرج له مُسْلِم والأربعة، وقد تقدَّم مرَّة قبل هذه، وأنَّ له ترجمة في «الميزان».

قوله: (نَحْوِ الفيلِ): هو بجرِّ (نحوِ) ، ويجوز نصبه.

قوله: (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ): هو محمَّد بن سيرين، الإمام أحد الأعلام، أبو بكر، عن أبي هريرة، وعمران بن حصين، وطائفة، وعنه: ابن عون، وهشام بن حسَّان، وداود بن أبي هند، وجرير، وقرَّة، وخلائق، وكان ثقةً حجةً كثير العلم ورعًا بعيد الصِّيت، توفِّي في شوَّال سنة (110 هـ ) ، وكان يصوم يومًا ويومًا، وله سبعة أوراد في اللَّيلة، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم مرَّة قبل هذه أو أكثر.

قوله: (وَإِبْرَاهِيمُ): الظَّاهر أنَّه ابن يزيد النَّخعيُّ الفقيه الكوفيُّ، أحد الأعلام، تقدَّم.

قوله: (بِتِجَارَةِ العَاج): قال الجوهريُّ: (والعاج: عظم الفيل، الواحدة: عاجة) ، وفي «النهاية»: (العاج: الذَّبْل، وقيل: شيء يُتَّخذ من ظَهْر السُّلَحْفاة البَحْرِيَّة، فأمَّا العاجُ الذّي هو عَظْم الفيل؛ فنَجِس عند الشَّافعيِّ، وطاهِرٌ عند أبي حنيفة) ، وفي «القاموس» لشيخنا مجد الدِّين: (والعاج: الذَّبل...) إلى أنْ قال: (وعظم الفيل، وفي العاج الذي هُوَ عظم الفيل مذاهب؛ النَّجاسة مذهب الشَّافعيِّ، الطَّهارة مذهب أبي حنيفة، إنْ أُخِذ من مذكًّى؛ كان طاهرًا، وإلَّا؛ فلا، وهذا مذهب مالك، وهو بناء على أنَّه مأكول، والرَّابع: إنْ خرط؛ طهر) ، وفي حفظي: أنَّ النَّوويَّ حكاه في «شرح المهذَّب» عنِ النَّخعيِّ [7] ، والله أعلم.

[1] في (ج): (خالطه) .
[2] في (ب) و (ج): (يغيره) .
[3] (أنَّه): مثبت من (ج) .
[4] زيد في (ب): (محمد بن) ، وليس بصحيح.
[5] في هامش (ق): (شيخ أبي حنيفة رضي الله عنهما) .
[6] (ابنه): ليس في (ج) .
[7] في (ب): (النَّووي) ، وهو سبق نظر.






( الْعَاجِ ): ناب الفيل، ولا يُسمَّى غيره عاجًا. قاله ابن سيده والقزَّاز، وقال ابن فارس والجوهريُّ: عظم الفيل، فلم يخصَّاه بالنَّاب، وقال ابن قتيبة والخطَّابيُّ: الذَّبْلُ، وهو ظهر السُّلحفاة البحريَّة، وقال بعضهم: العرب تُسمِّي كلَّ عظم عاجًا.


((باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء)) ؛ فـ (ما) موصول اسمي، أو حرفي، أو نكرة موصوفة، واقتصر في «عمدة القاري» على جعلها مصدرية، وجعل (من) بيانية، فقال: هذا باب في بيان حكم وقوع النجاسة في السمن والماء، واعترض تقدير ابن حجر هل ينجسها أم لا؟ أو لا ينجس الماء إلا إذا تغيَّر دون غيره، انتهى، فقال: (لا حاجة إلى هذا التفسير، فكأنه لما خفي عليه المعنى الذي ذكرناه؛ قدر ما قدره) انتهى كلام «عمدة القاري»، وابن حجر.

قلت: ولا يخفى على المنصف حسن كلام «عمدة القاري» وما قدرناه، كما لا يخفى على أولي الألباب.

وأشار المؤلف بـ (السمن) إلى كل جامد رطب؛ كالدبس، والعسل، وغيرهما، وبـ (الماء) إلى سائر المائعات، وأن الجامد الرطب لا يتنجس منه إلا ما لاقى النجس فقط، وأما المائع؛ فإن كان ماء؛ ينظر، فإن كان جاريًا؛ فلا ينجس إلا بالتغيير، وإن كان غيره؛ فيتنجَّس مطلقًا بمجرد الملاقاة له، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

((وقال)) محمَّد بن مسلم ابن شهاب ((الزُّهري)) ؛ الفقيه المدني نزيل ديارنا الشريفة الشامية، وهذا تعليق من المؤلف، ولكنه قد وصله عبد الله بن وهب في «مسنده» عن يونس عنه قال: (كل ماء فضل مما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه، ولا لونه، ولا ريحه؛ فلا بأس أن يتوضَّأ به) ، وروي في هذا المعنى حديث عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله عليه السلام: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه، وطعمه، ولونه»، رواه ابن ماجه، وقال الدارقطني: (إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد، ولم يرفعه غير رشيد بن سعد) .

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ أبا أحمد بن عديٍّ رواه في «الكامل» من طريق أحمد بن عمر، عن حفص بن عمر: حدثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة؛ فرفعه، وقال: لم يروه عن ثور إلا حفص.

قلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّ البيهقي رواه من حديث أبي الوليد، عن الساماني، عن عطية بن بقية بن الوليد، عن أبيه، عن ثور، وقال البيهقي: والحديث غير قوي إلا أنا لا نعلم في[/ص220/] نجاسة الماء إذا تغير بالنَّجاسة خلافًا، كذا في «عمدة القاري».

قلت: على أنه قد ورد هذا الحديث في بئر بُِضاعة اسم امرأة، وهي بكسر الموحدة وضمها؛ بئر قديمة بالمدينة يلقى فيها الجِيَف ومحايض النساء، فذكر ذلك للنبيِّ عليه السَّلام حين توضأ منها، فقال: «الماء طهور...»؛ الحديث، وقد كان ماؤها جاريًا في البساتين تسقى منه خمسة بساتين، وفي الماء الجاري لا يتنجس بوقوع النَّجاسة فيه عندنا، فهذا الحديث إن صح؛ فهو محمول على بئر بضاعة، وهو غير مراد إجماعًا؛ لأنَّه إذا تغير الماء بالنَّجاسة؛ تتنجس بالإجماع، وتمامه في «منهل الطلاب».

((لَا بَأْسَ)) ؛ أي: لا حرج ((بِالْمَاءِ)) ؛ أي: في استعمال الماء المطلق؛ لأنَّه باقٍ على طهارته ((مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ)) ؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله وكسر التحتية آخره، وضميره يعود على الماء، و (ما) : ظرفية مصدرية مأولة بمدة، وقوله: ((طَعْمٌ)) ؛ بالرفع فاعله ((أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ)) ؛ أي: كل ماء طاهر في نفسه ولا ينجس بإصابة الأذى؛ أي: النَّجاسة إلا إذا تغير أحد الأشياء الثلاثة منه؛ وهي الطعم واللون والريح، فكل ماء دائم وقعت فيه نجاسة؛ لم يجز الوضوء به قليلًا كان أو كثيرًا، وأمَّا الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة؛ جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر، وهو إمَّا طعم أو لون أو ريح؛ لأنَّ النَّجاسة لا تستقر فيه مع جريان الماء، والمراد بالجاري ما يعده العرف جاريًا على الأظهر، وقيل: هو ما يذهب بقشة واحدة، وهو الأشهر، قال في«عمدة القاري»: (فإن قلت: الطعم أو الريح أو اللون هو المغيَّر _بفتح التحتية المشددة_ لا المغيِّر على صيغة الفاعل، والمغيِّر؛ بالكسر: هو الشيء النجس الذي يخالطه، فكيف يجعل الطعم أو الريح أو اللون مغيرًا على صيغة الفاعل على ما وقع في عبارة البخاري، وأمَّا الذي في عبارة عبد الله بن وهب؛ فهو على الأصل؟

قلت: المغير في الحقيقة هو الماء، ولكن تغيره لما كان لم يعلم إلا من جهة الطعم أو الريح أو اللون؛ فكأنه هو المغير، وهو من قبيل ذكر السبب وإرادة المسبب، وزعم الكرماني، فقال: لا بأس؛ أي: لا يتنجس الماء بوصول النجس إليه قليلًا أو كثيرًا، بل لا بد من تغيير أحد الأوصاف الثلاثة في تنجسه، والمراد من لفظ: (ما لم يتغير) : طعمه، فنقول: لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور في لفظ الزُّهري: طعم الماء أو طعم الشيء المنجس، فعلى الأول معناه: ما لم يغير الماء من حاله التي خلق عليها طعمه له لا بد أن يكون بشيء نجس؛ إذ البحث فيه، وعلى الثاني معناه: ما لم يغير الماء طعم النجس، ويلزم منه تغيير طعم الماء؛ إذ لا شك أن الطعم هو المغير للماء للطعم، واللون للون، والريح للريح؛ إذ الغالب أن الشيء يؤثر في الملاقي بالنسبة، وجعل الشيء متصفًا بصفة نفسه، ولهذا يقال: لا يسخن الحار، ولا يبرد البارد، فكأنه قال: ما لم يغير طعم الماء طعم الملاقي النجس أو لا بأس؛ معناه: لا يزول طهوريته ما لم يغيره طعم من الطعوم الطاهرة أو النجسة، نعم؛ إذا كان المغير طعمًا نجسًا؛ نجسه، وإن كان طاهرًا؛ يزيل طهوريته لا طهارته، ففي الجملة: في [1] اللفظ تعقيد، انتهى.

وردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: تفسيره هكذا هو عين التعقيد؛ لأنَّه قد فسر قوله: «لا بأس» بمعنيين؛ أحدهما: بقوله: «لا يتنجس...» إلى آخره، والآخر: بقوله: «لا تزول طهوريته»، وكلا المعنيين لا يساعد اللفظ، بل هو خارج عنه، وقوله: «المغير للطعم هو الطعم»: غير سديد؛ لأنَّ المغير للطعم غير الطعم، وهو الشيء الملاقي له، وكذلك اللون والريح، وكذلك قوله: «والمراد من لفظ: ما لم يغيره طعمه ما لم يتغير طعمه»: غير موجه؛ لأنَّه تفسير للفعل المتعدي بالفعل اللازم من غير وجه، وكذلك ترديده بقوله: «لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور...» إلى آخره: غير موجه؛ لأنَّ الضمير في «لم يغيره» يرجع إلى الماء، فيكون المعنى على هذا: لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم الماء، وطعم الماء ذاتي، فكيف يغير ذات الماء؟ وإنما يغير طعم الشيء الملاقي، والفرق بين الطعمين ظاهر) انتهى.

وقد خبط وخلط العجلوني في هذا المقام وادَّعى أنه التحقيق، وعرج عن عبارة الكرماني وعبارة «عمدة القاري»، ثم اختصر عبارة «عمدة القاري» بعبارة مغلقة ونسبها لنفسه، ونقل أثر الزُّهري بعبارة غير العبارة السابقة التي ذكرناها، واعترض على صاحب «عمدة القاري»: بأنَّه ليس الذي رواه ابن وهب على الأصل كما يتوهم.

قلت: والحال أن الواهم في ذلك هو العجلوني؛ لعدم نقل عبارة الزُّهري بالتحقيق، وإنما نقلها بلفظ مخل محرف حتى يعترض، واعتراضه مردود عليه، كما لا يخفى، وإنما لم يذكر عبارة الكرماني؛ لكونها غير جارية على التحقيق، ولم يذكر عبارة «عمدة القاري»؛ للتعصب والتعنت، بل غيَّرها بعبارة مغلقة غير واضحة، واعتمدها ونسبها لنفسه؛ فافهم واحفظ؛ لكونها في غاية من التحقيق، ونهاية من الدقيق، فلله در صاحب «عمدة القاري» ما أغزر علمه وأوفر فهمه! وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه.

قلت: وحاصله: أن الطعم وأخويه مغير، والماء متغير به، وهو طعم النجس أو لونه أو ريحه؛ فإنه هو الذي غير الماء أو طعم الماء أو لونه أو ريحه الحاصل بمخالطة النَّجاسة، فالمتغير هو الماء، لكنه لمَّا لم يعلم تغيره من جهة طعمه أو ريحه أو لونه؛ كان هو المتغير، فهو من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، والله تعالى أعلم.

وقال في «منهل الطلاب»: المراد من هذه الأوصاف _أعني: الطعم واللون والريح_ أوصاف النَّجاسة لا الشيء المتنجس؛ كماء الورد والخل مثلًا، فلو صب في ماء جار؛ يعتبر أثر النَّجاسة التي فيه لا أثره نفسه؛ لطهارة المائع بالغسل، وكذا الثوب المصبوغ بالصبغ النجس، والمخضوبة بالحناء النجس والعضو ونحوه المتلطخ بالدهن النجس إذا وضع في الماء الجاري فظهر فيه لون الصبغ والحناء وأثر الدهن؛ لا يتنجس ما لم يظهر فيه أثر النَّجاسة لا أثر هذه الأشياء، وتمامه فيه؛ فليحفظ.

قال في «عمدة القاري»: واستنبط منه: أن مذهب الزُّهري في الماء الذي يخالطه شيء نجس الاعتبار بتغييره بذلك من غير فرق بين القليل والكثير، وهو مذهب جماعة، وشنع أبو عبيد في كتاب (الطهور) على من ذهب إلى هذا بأنَّه يلزم منه أن من بال في إبريق ولم يغير للماء وصفًا؛ أنه يجوز له التطهير به، وهو مستبشع.

وزعم ابن حجر أن هذا نصر قول التفريق بالقلتين.

وردَّه في «عمدة القاري» قال: (قلت: كيف ينصر هذا بحديث القلتين، وقد قال ابن العربي: مداره على علقمة أو مضطرب في الرواية أو موقوف؟! وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي، واختلفت روايته؛ فقيل: قلتين، وقيل: قلتين أو ثلاثًا، وروي: أربعون قلة، وروي: أربعون غربًا، ووقف على أبي هريرة وعبيد الله بن عمر، وقال اليعمري: حكم ابن منده بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة، ولكنه أعرض عنه من جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها والاضطراب، ولعل مسلمًا تركه لذلك.

قلت: ولذلك لم يخرِّجه البخاري؛ لاختلاف وقع في إسناده، وقال أبو عمر في «التمهيد»: ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر،غير ثابت في الأثر؛ لأنَّه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل، وقال الدبوسي في كتاب «الأسرار»: وهو خبر ضعيف، ومنهم من لم يقبله؛ لأنَّ الصحابة والتابعين لم يعملوا به، انتهى، وقال في «منهل الطلاب»: وحديث القلتين ضعيف بالاضطراب سندًا ومتنًا، أما الأول؛ فقال أبو دواد: إن في إسناده ضعفًا، وقال ابن المديني شيخ البخاري: حديث القلتين مما لا يثبت، وقال البيهقي: الحديث غير قوي، وقد

[/ص221/] تركه الغزالي والروياني مع شدة اتباعهما للشافعي؛ لشدة ضعفه، وأما الثاني؛ فلأنَّه روي بطريق مختلفة، فتارة روي: (إذا بلغ الماء قلتين) ، وتارة: (ثلاثًا) ، وتارة: (أربعين قلة) ، وتارة: (أربعين دلوًا) ، وقول الشافعي في الحديث: (بقلال هجر) منقطع للجهالة، والقلة في نفسها مجهولة؛ لأنَّها تذكر، ويراد بها: قامة الرجل، وتُذكر ويُراد بها: رأس الجبل، كما روي ذلك عن علي، وتذكر ويُراد بها: الجرة، والتعيين لـ (قلال هجر) : لا يثبت بقول جرير؛ لأنَّه مقلد، فيبقى الاحتمال ويبطل الاستدلال به، والله أعلم.

ومذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه: أن الماء إما جار أو راكد، قليل أو كثير، فالجاري إذا وقعت فيه نجاسة وكانت غير مرئية؛ كالبول، والخمر، ونحوهما؛ فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، وإن كانت مرئية؛ كالجيفة ونحوها، فإن كان يجري عليها جميع الماء؛ لا يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإن كان يجري أكثره عليها؛ فكذلك اعتبارًا للغالب، وإن كان أقله يجري عليها؛ يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإن كان يجري عليها النصف دون النصف؛ فالقياس جواز التوضؤ، وفي الاستحسان لا يجوز احتياطًا، والراكد اختلف فيه؛ فقال الظاهرية: لا ينجس أصلًا، وقال عامة العلماء: إن كان الماء قليلًا؛ ينجس، وإن كان كثيرًا؛ لا ينجس، لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما؛ فعندنا: بالخلوص، فإن كان يخلص بعضه إلى بعض؛ فهو قليل، وإلا؛ فهو كثير، واختلف أئمتنا في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك، وهو أن يكون بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر؛ فهو مما يخلص، وإلا؛ فهو مما لا يخلص، واختلفوا في جهة التحريك؛ فروى الإمام أبو يوسف عن الإمام الأعظم: أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف، وروى الإمام محمَّد: أنه يعتبر بالوضوء، وروي: أنه باليد من غير اغتسال ولا وضوء، وأمَّا اعتبارهم في تفسير الخلوص؛ فروى الإمام أبو حفص الكبير: أنه اعتبره بالصبغ، وروى أبو نصر: أنه اعتبره بالصبغ، وروى أبو نصر: أنه اعتبره بالتكدير، وروى الجوزجاني: أنه اعتبره بالمساحة، فقال: إن كان عشرًا في عشر؛ فهو لا يخلص، وإن كان دونه؛ فهو مما يخلص، وعن ابن المبارك: أنه اعتبره بالعشرة أولًا، ثم بخمسة عشر، وإليه ذهب الإمام أبو مطيع البلخي، فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر؛ أرجو أن يجوز، وإن كان عشرين في عشرين؛ لا أجد في قلبي شيئًا، وعن الإمام محمَّد: أنه قدره بمسجده، وكان ثمانيًا في ثمان، وبه أخذ الإمام محمَّد بن سَلَمَة، وقيل: كان مسجده عشرًا في عشر، وقيل: كان ثمانيًا في ثمان، وخارجه عشرًا في عشر، وعن الإمام الكرخي: أنه لا عبرة للتقدير، وإنما المعتبر هو التحرِّي، فإن كان أكبر، رأيه: أن النَّجاسة خلصت إلى الموضع الذي يتوضأ منه؛ لا يجوز، وإن كان أكبر، رأيه: أنها لم تصل إليه؛ يجوز.

قال في «منهل الطلاب»: (والتحقيق: أن الخلوص مفوض إلى رأي المبتلى غير مقدر بشيء، فإن غلب على ظنه عدم الخلوص؛ أي: وصول النَّجاسة إلى الجانب الآخر؛ جاز منه الوضوء، وإن لم يغلب على ظنه عدم الخلوص أو اشتبه عليه الخلوص؛ لا يجوز) ، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وإليه رجع الإمام محمَّد، وهو الأصح، كما في «غاية البيان» و«الينابيع»، وحقق في «البحر الرائق»: أنه المذهب، وبه يعمل، وهو الأليق بأصل الإمام الأعظم، وقال شمس الأئمَّة: (المذهب التحرِّي والتفويض إلى رأي المبتلى، وهو الأصح) انتهى.

ومثله في «فتح القدير»، لكن قال في شرح «المنية»: (وعامة المتأخرين سهلوا الأمر، واختاروا ما اختاره الإمام أبو سليمان الجوزجاني: أنه يعتبر الخلوص بالمساحة، وهو أن يكون عشرًا في عشر؛ أي: طوله عشرة أذرع، وعرضه كذلك، فيكون وجه الماء مئة ذراع، وجوانبه أربعون ذراعًا إن كان مربعًا، كذا ذكره شيخ الإسلام في «المبسوط»، وبه أخذ مشايخ بلخ، والإمام المعلى، قال الإمام أبو الليث: وهو قول أكثر أصحابنا، وعليه الفتوى، ومشى عليه بعض أصحاب المتون، وفي «الهداية»: (وعليه الفتوى) ، وقواه في «النهر»، ورد ما قاله في «البحر»، وحققه شيخ الإسلام سعد الدين الديري في «رسالته»، ورد على من قال بخلافه، وقد جرى كثير من المتأخرين عليه؛ فليكن هو المذهب، وإلى غيره لا يذهب، والله تعالى أعلم، وتمامه في «منهل الطلاب»؛ فافهم.

((وقال)) الإمام الكبير ((حمَّاد)) ؛ بتشديد الميم، على وزن (فعَّال) ؛ بالتشديد: هو ابن سليمان، فقيه الكوفة، وشيخ الإمام الأعظم رضي الله عنهما، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في «مصنفه»: حدثنا معمر عن حمَّاد بن سليمان أنَّه قال: ((لا بأس)) أي: لا حرج ((بريش الميتة)) ؛ يعني: ليس بنجس ولا ينجس الماء الذي وقع فيه، سواء كان ريش المأكول لحمه أو غيره، وهذا مذهب الأئمَّة الحنفية والمالكية، وزعم الشافعية أنه نجس، ولا دليل يدل لهم؛ لأنَّه لا تحله الحياة، ولا يتألم الحيوان بقطعه؛ فهو طاهر لا يغير الماء والمائعات عن الطهورية، ((وقال الزُّهري)) : محمَّد بن مسلم ابن شهاب ((في عِظام)) بكسر العين المهملة، جمع عظمة ((الموتى)) : جمع ميت، ويجمع أيضًا على أموات، يشمل العاقل وغيره كما هنا؛ ((نحو)) أي: مثل ((الفيل وغيره)) ؛ أي: غير الفيل مما لا يؤكل لحمه، وكذا جميع أجزاء الميتة التي لا دم فيها؛ كالقرن، والسن، والظلف، والحافر، والوبر، والصوف، والشعر؛ كلها طاهرة لا تنجس بالموت، وهو مذهب الأئمَّة الحنفية، ومحمَّد بن عبد العزيز، والحسن البصري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني، وابن المُنْذِر، لكن قالوا: هؤلاء _العظم، والقرن، والظلف_ نجسة، فخالفونا في هذه الثلاثة، وفي العصب روايتان: الطهارة والنَّجاسة، والأصح: أنه طاهر، وخالف الشافعية، فزعموا أنها كلها نجسة إلا الشعر، فإن فيه خلافًا ضعيفًا، وفي العظم أضعف منه، وأمَّا الفيل؛ ففيه خلاف، فعند الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف: هو كسائر السباع، فيجوز الانتفاع بعظمه وجلده بالدباغ، وعند الإمام محمَّد: هو نجس العين حتى لا يجوز بيع عظمه، ولا يطهر جلده بالدباغ ولا بالذكاة، والمعتمد الأول، وعليه الفتوى؛ فافهم: ((أدركت ناسًا)) ؛ أي: كثيرين، فالتنوين فيه للتكثير ((من سلف العلماء)) : وهم الصحابة والتابعون رضي الله عنهم ((يمتشطون بها)) ؛ أي: بعِظام الموتى؛ يعني: يجعلون منها مشطًا ويستعملونه، فهذا يدل على طهارته، وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، ((ويدَّهنون)) ؛ بتشديد الدَّال ((فيها)) ؛ أي: في عِظام الموتى؛ أي: يجعلون فيها ما يحط فيه الدهن، وأصل (يدَّهنون) : يتدهنون؛ لأنَّه من باب (الافتعال) ، فقلبت الفاء دالًا، وأدغمت الدَّال في الدَّال.

وزعم ابن حجر أنه يجوز ضم أوله، وإسكان الدَّال.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه على هذا يكون من باب الإدهان، فلا يناسب ما قبله، إلا إذا جاءت فيه رواية بذلك، وذلك لأنَّ معناه بالتشديد: هم يدهنون أنفسهم، وإذا كان من باب (الإفعال) ؛ يكون معناه: هم يدهنون غيرهم، فلا مانع من ذلك، إلا أنه موقوف على الرواية، وقال بعض الشراح عن السفاقسي: فيه ثلاثة أوجه؛ اثنان منها ما ذكرناهما الآن، والوجه الثالث:

[/ص222/] هو تشديد الدَّال وتشديد الهاء أيضًا.

قلت: ولا منع من ذلك من حيث قاعدة التصريف، ولكن رعاية السماع أولى مع رعاية المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه، انتهى.

((لا يرون)) أي: من سلف من الصحابة والتابعين ((به)) أي: باستعمال عِظام الموتى ((بأسًا)) ؛ أي: حرجًا، فلو كان نجسًا؛ لما استعملوه امتشاطًا وادهانًا، وعلم منه ضرورة أنه إذا وقع منه شيء في الماء؛ لا يفسده؛ لأنَّه طاهر، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور؛ لأنَّه لا تحله الحياة، ولحديث أم سَلَمَة رضي الله عنها مرفوعًا: «لا بأس بمسك الميتة إذا دُبِغ، ولا بشعرها إذا غُسِل بالماء»، ولحديث ابن عباس: (إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها، وهو اللحم، فأمَّا السن، والجلد، والعظم، والشعر، والصوف؛ فهو حلال) ، رواهما الدارقطني وغيره، وقال البيهقي: وقد روى عبد الجبار بن مسلم عن الزُّهري شيئًا بمعناه.

وزعم ابن بطال أن حديث أم سَلَمَة رواه يوسف بن أبي السفر، وهو متروك.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه لا يؤثر فيه ما قال إلا بعد جهته، والجرح المبهم غير مقبول عند الحذاق من الأصوليين، وكان هو كاتب الأوزاعي، وقال ابن حبيب: أجاز الليث، وابن الماجشون، وابن وهب، ومطرف، وإصبغ: الامتشاط بها، والادهان فيها، وقال الليث وابن وهب: إن غلا العظم في ماء سخن وطبخ؛ جاز الادهان منه، والامتشاط فيه، وقال مالك والشافعي: عظم الفيلة ونحوه نجس؛ لما رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمَّد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عِظام الفيل، وقال ابن المواز: نهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل، ولم يطلق تحريمها؛ لأنَّ عروة، وابن شهاب، وربيعة أجازوا الامتشاط بها، وقال مالك: إذا ذكي الفيل؛ فعظمه طاهر، وقال الشافعي: الذكاة لا تعمل في السباع؛ فهو نجس؛ لأنَّه تحله الحياة، قال تعالى: {قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 78،79] .

قلت: ما رواه الشافعي لا يدل على أنه نجس؛ لأنَّه موقوف عليه، والكراهة لا تفيد النَّجاسة، بل يفيد الطهارة مع كراهة التنزيه، فيجوز استعماله، لا سيما وقد روي ذلك مرفوعًا إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فكيف يترك العمل بالحديث المرفوع؟! وأيضًا الآية لا تدل على ما قاله؛ لأنَّ معنى إحياء العظام: ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بَدَنٍ حيٍّ حساس؛ بدليل أن أجزاء الإنسان تفرق في مشارق العالم ومغاربه، ويصير بضعه في أبدان السباع، وبعضه في حواصل الطيور، وبعضه في جدران المنازل، فيجمعها سبحانه وتعالى ويردها كما كانت عليه، وهذا معنى الآية، فالعظم لا تحله الحياة؛ فافهم.

((وقال ابن سيرين)) : هو محمَّد التابعي المشهور ((وإبراهيم)) : هو النخعي، وأسقط أكثر الرواة ذكر إبراهيم النخعي، أمَّا تعليق ابن سيرين؛ فذكره عبد الرزاق عن الفربري، ولفظه: (أنه كان لا يرى بالتجارة في العاج بأسًا) ، وفي بعض الروايات ذكر إبراهيم النخعي، ولم أر من الشراح من ذكر لفظ أثره، ولعله باللفظ الذي ذكره المؤلف بقوله: ((لا بأس)) أي: لا حرج ((بتِّجارة العاج)) ؛ أي: بتجارة في العاج، والتِّجارة؛ بكسر المثناة الفوقية، وفي بعض النسخ: (بنُّجارة) ؛ بالنُّون المضمومة، من النجر؛ وهو القشر والخرط؛ والمعنى: لا بأس باستعمال نشارة [2] العاج؛ لأنَّها طاهرة، والرواية المصححة: أنه بالمثناة، ويحتمل أن النجارة؛ بالنُّون محرفة عنها، أو غلط من الناسخين؛ فافهمو (العاج) ؛ بتخفيف الجيم، جمع عاجة، قال الجوهري: العاج: عظم الفيل، وكذا قال في «العباب»، ثم قال: (والعاج أيضًا: الذَّبل؛ وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، والخاتم، وغيرهما، وقال جرير:

~ترى العبس الحولي جونًا بكوعها [3] لها مسكًا من غير عاج ولا ذبل

فهذا يدل على أنَّ العاج غير الذَّبل، وفي «المحكم»: العاج: أنياب الفيلة، ولا يسمى غير الناب عاجًا، وقد أنكر الخليل أن يسمى سوى أنياب الفيلة، وذكر غيره أن الذَّبل يسمى: عاجًا، وكذا قاله الخطابي، وأنكروا عليه، والذَّبْل؛ بفتح الذال المعجمة، وسكون الموحدة، قال الأزهري: الذَّبل: القرون، فإذا كان من عاج؛ فهو مسك وعاج، ووقف، وإذا كان من ذبل؛ فهو مسك لا غير.

وزعم ابن حجر قال القالي: العرب تسمي كل عظم: عاجًا، فإن ثبت هذا؛ فلا حجة في الأثر المذكور على طهارة عظم الفيل.

وردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: مع وجود النقل عن الخليل لا يعتبر نقل القالي مع ما ذكرنا من الدليل على طهارة عظم الميتة مطلقًا) انتهى؛ أي: سواء كانت من مأكول اللحم أو غيره، والمراد من الدليل: الأحاديث المرفوعة إلى النبيِّ الأعظم عليه السَّلام، كما وقفت عليها؛ فافهم.

فالأحاديث والآثار في هذا الباب تدل صريحًا على أنَّ عظام الميتة طاهرة مطلقًا، وهو مذهب ابن سيرين وإبراهيم النخعي، فإن أثرهما يدل على الطهارة مطلقًا، كما ذكرنا، ويدل لذلك ما ذكره ابن الملقن من أنه روي عن النبيِّ [عليه] السَّلام: (أنه امتشط بمشط من عاج) ، وروى أبو داود: أنه عليه السَّلام قال لثوبان [4] : «اشتر لفاطمة سوارين من عاج»، لكنهما ضعيفان.

قلت: لكنهما قد تعددت طرقهما، وبتعدادها يتقويان؛ فافهم.

وزعم القسطلاني: أن إيراد المؤلف لهذا كله يدل على أنَّ عنده أن الماء قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجس إلا بالتغيير، كما هو مذهب مالك، انتهى.

قلت: ولا يلزم من إيراده لها أن يكون عنده كذلك؛ لأنَّ مراده بيان المذاهب من الصحابة والتابعين لا بيان مذهبه، على أنه لو كان مذهبه هكذا؛ لأورد حديثًا يدل لما عنده مع أنه قد أنكر حديث القلتين هو وأشياخه، وبعضهم ضعفه من حيث السند والمتن، وقد بسطنا الكلام عليه فيما مضى، والله أعلم.

[1] في الأصل: (ففي)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (بشارة) ، وهو تصحيف.
[3] في الأصل: (الفيل يجري وجوه بكعوبها)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (لنوبان) ، وهو تصحيف.