المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

233-. حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ:

عن أَنَسٍ [1] ، قالَ: قَدِمَ أُناسٌ [2] مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ [3] النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوالِها وَأَلْبانِها، فانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا راعِيَ النَّبِيِّ [4] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واسْتاقُوا إبِلَهم [5] ، فَجاءَ الخَبَرُ في أَوَّلِ النَّهارِ، فَبَعَثَ في آثارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ [6] ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا في الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قالَ أبو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا [7] ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ، وَحارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي زيادة: «بن مالك».
[2] في رواية ابن عساكر والأصيلي ورواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «قَدِمَ ناسٌ»، وعزاها في (ب، ص) إلىَ رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ بَدَل المُستملي.
[3] هكذا ضُبطت في اليونينيَّة، وكتب فوقها: (كذا).
[4] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «رسولِ الله».
[5] بهامش اليونينية دون رقم: «النَّعَمَ» وهو المثبت في متن (ب، ص)، وأُثبت اللفظان معًا في متن (و).
[6] في رواية أبي ذر والأصيلي والحَمُّويي والمُستملي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فأمر بِقَطْعِ أيديهم وأرجلِهم».
[7] في رواية الأصيلي: «قَتَلوا وسَرَقوا».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

233- وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشحيُّ؛ بمُعجَمَةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ، البصريُّ، قاضي مكَّة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين، وله ثمانون سنة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهم، الأزديُّ الجهضميُّ [1] البصري، (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ البصريِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله، (عَنْ أَنَسٍ)، وللأَصيليِّ: ((ابن مالكٍ)) (قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ) بهمزةٍ مضمومةٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والسَّرخسيِّ والأَصيليِّ: ((ناسٌ))؛ بغير همزٍ [2] ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم (مِنْ عُكْلٍ) بضمِّ العين وسكون الكاف؛ قبيلةٌ من تَيْم الرَّباب (أَوْ) من (عُرَيْنَةَ) بالعين [3] والرَّاء المُهمَلتَين، مصغَّرًا؛ حيٌّ من بجيلة لا من قضاعة، وليس عرينة عكلًا؛ لأنَّهما قبيلتان مُتغايرتَان؛ [/ج1ص298/] لأنَّ عُكْلًا من عدنانٍ، وعرينةَ من قحطانٍ، والشَّكُّ من حمَّادٍ، وقال الكرمانيُّ: ترديدٌ من أنسٍ، وقال الدَّاوديُّ: شكٌّ من الرَّاوي، وللمؤلِّف في «الجهاد» [خ¦3018] : عن وُهيبٍ [4] عن أيُّوب: أنَّ رهطًا من عكل، ولم يشكَّ، وله في «الزكاة» [خ¦1501] عن شعبةَ عن قَتَادة عن أنسٍ [5] : أنَّ أُناسًا [6] من [7] عُرَيْنَة...، ولم يشكَّ أيضًا، وكذا لـ: «مسلمٍ»، وفي «المغازي» [خ¦4192] : عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة: أنَّ ناسًا [8] من عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ...؛ بالواو العاطفة أيضًا [9] ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الصَّوابُ، ويؤيِّده ما رواه أبو عَوانة والطَّبريُّ من طريق سعيد بن بشيرٍ عن قتادة عن أنسٍ قال: كانوا أربعةً من عُرَيْنَةَ، وثلاثةً من عُكْلٍ، فإن قلت: هذا مخالفٌ لما عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦3018] و«الدِّيات» [خ¦6899] : أنَّ رهطًا من عكلٍ ثمانيةً، أُجيب: باحتمال أن يكون الثَّامن من غير القبيلتين، وإنَّما كان من أتباعهم، وقد [10] كان قدومهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم _فيما قاله ابن إسحاق_ بعد قَرَد، وكانت في جمادى الآخرة [11] سنة ستٍّ، وذكرها المؤلِّف بعد «الحديبية»، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقديُّ: أنَّها كانت في شوَّال منها، وتبعه ابن حبَّان وابن سعدٍ وغيرهما، وللمؤلِّف في «المحاربين» [خ¦6804] : أنَّهم كانوا في الصُّفَّة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل، (فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ) بالجيم وواوين؛ أي: أصابهُم الجوى، وهو: داء الجوف إذا تطاول أو [12] كرهوا الإقامة بها، لِمَا أصابهم [13] فيها من الوخم، أو [14] لم يوافقهم طعامها، وللمؤلِّف [خ¦4192] من رواية سعيد عن قتادة في هذه القصَّة: فقالوا: يا نبيَّ الله؛ إنَّا كنَّا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، وله في «الطِّبِّ» [خ¦5685] من رواية ثابتٍ عن أنسٍ: أنَّ ناسًا كان بهم سقمٌ، قالوا: يا رسول الله؛ آوِنا وأطعمنا، فلَمَّا صحُّوا؛ قالوا: إنَّ المدينة وخمةٌ، والظَّاهر أنَّهم قدموا سقامًا من الهزال الشَّديد والجهد من الجوع مصفرةً ألوانُهم، فلَمَّا صحُّوا من السُّقم؛ أصابهم من حمَّى المدينة، فكرهوا الإقامة بها، ولـ: «مسلمٍ» عن أنسٍ: وقع بالمدينة المُوْم؛ بضمِّ الميم وسكون الواو، وهو: ورم الصَّدر، فعظُمَت بطونهم، فقالوا: يا رسول الله؛ إن المدينة وخمةٌ [15] (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلِقَاحٍ)؛ بلامٍ مكسورةٍ، جمع: لَقُوْح وهي [16] : النَّاقة الحَلُوْب؛ كقَلُوْصٍ وقِلَاْصٍ؛ أي: أمرهم أن يلحقوا بها، وعند المُصنِّف في رواية همَّامٍ عن قتادة: «فأمرهم أن يلحقوا براعيه». وعند أبي عَوَانة: أنَّهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللِّقاح، فقالوا: يا رسول الله، قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل، وللمؤلِّف من رواية وُهَيْب: أنَّهم قالوا: يا رسول الله، أبغنا رِسْلًا؛ أي: اطلب لنا لبنًا، قال: «ما أجد لكم إلَّا أنْ تلحقوا بالذَّود»، وعند ابن سعد [17] : أنَّ عدد لقاحه صلى الله عليه وسلم كان خمس عشرة، وعند أبي عَوانة: كانت ترعى بذي الجَدْر؛ بالجيم وسكون الدَّال المُهمَلة: ناحية قباء قريبًا من عين على ستَّة أميال من المدينة، (وَ) أمرهم عليه الصلاة والسلام (أَنْ يَشْرَبُوا)؛ أي: بالشُّرب (مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا) فشربوا منهما [18] (فَلَمَّا صَحُّوا) من ذلك الداء وسمنوا ورجعت إليهم ألوانهم (قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ)، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((راعي [19] رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم) يسارًا النُّوبيَّ، وذلك أنَّهم لمَّا عدوا على اللِّقاح؛ أدركهم ومعه نفرٌ، فقاتلهم، فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشَّوك في لسانه وعينيه [20] حتَّى مات، كذا في «طبقات ابن سعد»، (وَاسْتَاقُوا) من الاستياق؛ أي: ساقوا النَّعم سوقًا عنيفًا و(النَّعَمَ)؛ بفتح النُّون والعين، واحد: الأنعام؛ وهي: الأموال الرَّاعية، وأكثر ما يقع على الإبل، وفي بعض النُّسخ: ((واستاقوا إبلهم)) (فَجَاءَ الْخَبَرُ) عنهم (فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (فِي آثَارِهِمْ)؛ أي: وراءهم الطَّلب؛ وهم سريَّةٌ وكانوا عشرين، وأميرهم: كُرْز [21] بن جابرٍ، وعند ابن عقبة: سعيد بن زيدٍ، فأُدرِكوا في [22] ذلك اليوم فأُخِذوا (فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ؛ جِيءَ بِهِمْ) إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهم أسارى (فَقَطَعَ) عليه الصلاة والسلام (أَيْدِيَهُمْ) جمع: يدٍ، فإمَّا أن يُراد بها أقلَّ الجمع؛ وهو: اثنان كما هو [23] عند بعضهم؛ لأنَّ لكلٍّ منهم يدين، وإمَّا أن يراد التَّوزيع عليهم: بأن يقطع من كلِّ واحدٍ منهم يدًا [24] واحدةً، والجمع في مُقابَلة الجمع يفيد التَّوزيع، وإسناد الفعل فيه إلى النَّبيِّ [25] صلى الله عليه وسلم مجاز، ويشهد له ما ثبت في رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت والحَمُّوييِّ والمُستملي والسَّرخسيِّ: ((فأمر بقطع [26] ))، وفي «فرع اليونينيَّة»: [/ج1ص299/] ((فأمر فقطع))؛ أي: أمر بالقطع فقطع أيديهم (وَأَرْجُلَهُمْ)؛ أي: من خلافٍ، كما في آية «المائدة» المُنزَلة في «القضيَّة»، كما رواه ابنا جريرٍ وحاتمٍ وغيرهما (وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ) [27] بضمِّ السِّين، قال المنذريُّ: وتخفيف [28] الميم؛ أي: كُحِلَتْ بالمسامير المُحمَّاة [29] ، قال: وشدَّدها بعضهم، والأوَّل أشهر وأوجه، وقيل: سمرت؛ أي: فقئت؛ أي: كرواية مسلم: «سُمِل» [30] ؛ باللَّام، مبنيًّا للمفعول؛ أي: فُقِئَت أعينهم فيكونان بمعنًى؛ لقرب مخرج الرَّاء واللَّام. وعند المؤلِّف من رواية وهيب عن أيُّوب، ومن رواية الأوزاعيِّ عن يحيى؛ كلاهما، عن أبي قِلابة: «ثمَّ أمر بمسامير فأُحمِيت فكحَّلهم بها»، وإنَّما فعل ذلك بهم قصاصًا؛ لأنَّهم سملوا [31] عيني [32] الرَّاعي، وليس هو [33] من المُثلة المنهيِّ عنها (وَأُلْقُوا) بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول (فِي الْحَرَّةِ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد الرَّاء: في [34] أرضٍ ذات حجارةٍ سودٍ بظاهر المدينة النَّبويَّة، كأنَّها أُحرِقت [35] بالنَّار، وكان بها الواقعة [36] المشهورة أيَّام يزيد بن معاوية (يَسْتَسْقُونَ) بفتح أوَّله؛ أي: يطلبون السَّقي (فَلَا يُسْقَوْنَ) بضمِّ المُثنَّاة وفتح القاف، زاد وهيبٌ والأوزاعيُّ: حتَّى ماتوا، وفي «الطِّبِّ» [خ¦5685] من رواية أنسٍ: فرأيت رجلًا منهم يكدم الأرض بلسانه حتَّى يموت، ولأبي عَوانة: يكدم الأرض؛ ليجد بردها ممَّا يجد من الحرِّ والشِّدَّة، والمنع من السَّقي مع كون الإجماع على سقيِ من وجب قتله إذا استسقى؛ إمَّا لأنَّه [37] ليس بأمره صلى الله عليه وسلم، وإمَّا لأنَّه نهى عن سقيهم لارتدادهم، ففي «مسلمٍ» و«التِّرمذيِّ»: أنَّهم ارتدُّوا عن الإسلام، وحينئذٍ فلا حرمة لهم كالكلب العقور، واحتجَّ بشربهم البول مَنْ قال بطهارته نصًّا في بول الإبل، وقياسًا [38] في سائر مأكول اللَّحم، وهو قول مالكٍ وأحمد ومحمَّد بن الحسن من [39] الحنفيَّة وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبَّان والإصطخريِّ والرَّويانيِّ من الشَّافعيَّة، وهو قول الشَّعبيِّ وعطاءٍ والنَّخعيِّ والزُّهريِّ وابن سيرين والثَّوريِّ، واحتجَّ له ابن المنذر: بأنَّ ترك أهل العلم بيع النَّاس أبعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا من غير نكيرٍ دليلٌ على طهارتهما، وأُجيب: بأنَّ المُختلَف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدلُّ ترك إنكاره على جوازه فضلًا عن طهارته، وذهب الشَّافعيُّ وأبو حنيفة والجمهور: إلى أنَّ الأبوال كلَّها نجسةٌ إلَّا ما عُفِيَ عنه، وحملوا ما في الحديث على التَّداوي، فليس فيه دليلٌ على الإباحة في غير حال الضَّرورة، وحديث أمِّ سُليمٍ المرويُّ عند أبي داود: «إنَّ الله لم يجعل شفاء أمَّتي فيما حُرِّم عليها» محمولٌ على حالة الاختيار، وأمَّا حالة الاضطرار؛ فلا حرمة؛ كالميتة للمضطَّر، لا يُقال يردُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الخمر: «إنَّها ليست بدواءٍ، إنَّها داءٌ» في جواب من سأله [40] عن التَّداوي بها، كما رواه مسلمٌ؛ لأنَّا نقول: ذلك خاصٌّ بالخمر، ويلتحق به غيره من المسكر، والفرق بين الخمر وغيره من النَّجاسات: أنَّ الحدَّ ثبت باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأنَّ شربه يجرُّ إلى مفاسدَ كثيرةٍ، وأمَّا أبوالِ الإبل؛ فقد روى ابن المنذر عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «إنَّ في أبوال الإبل شفاءً للذَّرِبة بطونهم»، والذَّرب: فساد المعدة، فلا يُقاس ما ثبت أنَّ فيه دواءً على ما ثبت نفيُ الدَّواء عنه، وظاهرُ قول المؤلِّف في التَّرجمة: «أبوال الإبل والدَّوابِّ» جعل الحديث حجَّةً لطهارة الأرواث والأبوال مُطلَقًا كالظَّاهريَّة [41] ، إلَّا أنَّهم استثنَوا بول الآدميِّ وروثه [42] ، وتُعقِّب: بأنَّ القصَّة في أبوال المأكول، ولا يسوغ قياس غير المأكول على المأكول؛ لظهور الفرق وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى.

ورواته الخمسة بصريُّون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا وفي «المحاربين» [خ¦6804] و«الجهاد» [خ¦3018] و«التَّفسير» [خ¦4610] و«المغازي» [خ¦4192] و«الدِّيات» [خ¦6899] ، ومسلمٌ في «الحدود»، وأبو داود في «الطَّهارة»، والنَّسائيُّ في «المُحارَبة».

(قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله: (فَهَؤُلَاءِ) العرنيُّون والعكليُّون (سَرَقُوا)؛ لأنَّهم أخذوا اللِّقاح من حرز مثلها، ولفظ: «السَّرقة» قاله [43] أبو قلابة استنباطًا، (وَقَتَلُوا) الرَّاعي (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أطلق عليهم: «محاربين»؛ لما ثبت عند أحمد من رواية حُميدٍ عن أنسٍ في أصل الحديث: «وهربوا محاربين»، وقوله: «وكفروا» هو من روايته [44] عن قتادة [45] عن أنسٍ في «المغازي»، وكذا في رواية وهيب [46] عن أيُّوب في «الجهاد» في أصل الحديث، فليس [/ج1ص300/] قوله: «وكفروا وحاربوا» موقوفًا على [47] أبي قِلابة، ثمَّ إنَّ قول أبي قِلابة [48] هذا إن كان من [49] مقول أيُّوب؛ فهو مُسنَدٌ، وإن كان من مقول المؤلِّف؛ فهو من تعاليقه.

[1] في (د): «الجهنيُّ»، وهو تحريف.
[2] في (م): «همزة».
[3] في (ص): «بضمِّ العين».
[4] في (د): «وهب»، وهو تحريفٌ.
[5] «عن أنس»: سقط من (م).
[6] في غير (م): «ناسًا».
[7] زيد في (م): «عكل و».
[8] في (د): «أناسًا».
[9] «أيضًا»: مثبتٌ من (م).
[10] «قد»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[11] في غير (م): «الأولى»، والمثبت موافق لأكثر المصادر.
[12] في (ص): «وكرهوا».
[13] «أصابهم»: مثبتٌ من (م).
[14] في (م): «ولم».
[15] في (د): «وحمةٌ»، وهو تصحيفٌ.
[16] في (ص): «هو».
[17] في (د): «أبي سعيد»، وهو تحريفٌ.
[18] في (د): «منها».
[19] «راعي»: سقط من (م).
[20] في غير (ب) و(س): «عينه».
[21] في (ص): «كوز»، وهو تحريفٌ.
[22] «في»: سقط من (د).
[23] «هو»: ليس في (م).
[24] في (ص): «يد».
[25] في (م): «إليه».
[26] «فأمر بقطع»: سقط من (د).
[27] «وسُمِرت أعينهم»: سقط من (م).
[28] في (د): «بتخفيف».
[29] في (د) و(ص): «المحميَّة».
[30] في (ب) و(د): «سُمِلت».
[31] في (ص): «ثملوا»، وهو تحريفٌ.
[32] في (ص): «أعين»، وفي (م): «عين».
[33] «هو»: مثبتٌ من (م).
[34] «في»: سقط من (ص).
[35] في (م): «حرقت».
[36] في (د) و(ص): «الوقعة».
[37] في (م): «أنَّه».
[38] في (م): «قياسنا».
[39] في (ص): «ابن»، وهو تحريفٌ.
[40] في غير (ص) و(م): «سأل».
[41] في (م): «كالطَّاهر»، وهو تحريفٌ.
[42] «وروثه»: سقط من (ص).
[43] في غير (ب) و(س): «قالها».
[44] في (د) و(ص): «رواية».
[45] في (د): «حميد»، وليس بصحيحٍ.
[46] في (د): «وهب»، وهو تحريفٌ.
[47] في (ص) و(م): «مرفوعاً عن».
[48] في غير (م): «قول قتادة»، وليس بصحيحٍ.
[49] «من»: سقط من (ص) و(م).





233- (وَأَنْ يَشْرَبُوا): عطفٌ على (لِقَاحٍ) ؛ نحو: «أعجبني زيدٌ وكرمُه».


233- قوله: (عَنْ أَيُّوبَ): هو ابن أبي تميمة السَّختيانيُّ فيما يظهر، واسم أبي تميمة كيسان، وأيُّوب كنيته أبو بكر الإمام، روى عن عَمرو بن سلمة الجرميِّ، ومعاذة، ومحمَّد بن سيرين، وخلق، وعنه: شُعْبَة، وابن عليَّة، وأمم، قال ابن عُليَّة: (كنَّا نقول عنده ألفا حديث) ، وقال شُعْبَة: (ما رأيت مثله كان سيِّد الفقهاء) ، توفِّي سنة (131 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وهو ثقةٌ حجَّةٌ ثبت، وقد تقدَّم.

قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ): هو بكسر القاف، وبعد اللَّام ألف موحَّدة، واسمه عَبْد الله بن زيد الجَرْمِيُّ، تقدَّم.

قوله: (قَدِمَ نَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ): (عُكْلٍ) ؛ بضمِّ العين المهملة، وإسكان الكاف، ثُمَّ لام: قبيلة معروفة، و (عُرَيْنَةَ) ؛ بضمِّ العين المهملة، ثُمَّ راء مفتوحة، ثُمَّ مثنَّاة تحتُ ساكنة، ثُمَّ نون مفتوحة، ثُمَّ تاء التَّأنيث: بطن من بَجِيلَةَ، وعن السَّفاقسيِّ -وهو ابن التِّين-: (أنَّ عكلًا وعرينة واحد) ، وقال شيخنا المؤلِّف في «تخريج أحاديث الوسيط»: (وقع في «مصنَّف عَبْد الرَّزَّاق»: أنَّهم من بني فزارة، قد ماتوا هزلًا) ، وفي «أحكام ابن الطلَّاع»: (من بني سليم) انتهى.

واعلم أنَّه جاء: (أنَّ نفرًا من عرينة) ، وروي: (من عكل أو عرينة) -كما هنا- على الشَّكِّ، ورُوِي: (من عكل وعرينة) بغير شكٍّ، ورُوِي: (أنَّ نفرًا قدموا) ، ولم يذكر من أيِّ قبيلة هم، والكلُّ في «الصَّحيح» من حديث أنس.

فائدة: عددهم ثمانية، كما في هذا «الصَّحيح» في (باب إذا أحرق المشركُ المسلم) ، وفي «مسلم» في (الحدود) ، فقول النَّوويِّ في «مبهماته»: (إنَّهم كانوا [1] ثمانية) وعزاه لأبي يعلى لا يُحتَاج إليه، والله أعلم، وقيل: كانوا سبعة؛ أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل، فقيل [2] : العُرنيُّون؛ لأنَّ أكثرهم من عُرينة.

قوله: (فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ): بالجيم السَّاكنة، ثُمَّ مثنَّاة فوق مفتوحة؛ أي: استوبلوها، ومعناه: استوخموها؛ وَمعناه: كرهوا لمرض أصابهم بها، وفرَّق بعضهم بين الاجتواء والاستوبال، فجعل الاجتواء: كراهة الموضع وإنْ وافق، والاستوبال: إذا لَمْ يوافق وإنْ أحبَّه، ونحوه في «غريب [3] المصنَّف»، قاله ابن قُرقُول.

قوله: (بِلِقَاحٍ): في بعض طرقه أنَّها للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي «مسلم»: «أنْ تخرجوا إلى إبل الصَّدقة»، وكلاهما صحيح، وكأنَّ بعض الإبل للصَّدقة، وبعضها للنَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قاله النَّوويُّ، واللِّقاح -بكسر اللَّام-: ليس غير، جمعُ لقحة؛ بكسرها وفتحها، واللَّقاح: ذوات الدُّر من الإبل، يقال لها ذلك بعد الولادة بشهر وشهرين وثلاثة، ثُمَّ هي لبون، واللَّقحة اسم لها في تلك الحال لا صفة، فلا يقال: ناقة لقحة، ولكن يقال: هذه لقحة، وقد جاء في الحديث: (اللَّقحة) في البقر والغنم كما جاءت في الإبل، قاله ابن قُرقُول.

فائدة: عدد هذه اللَّقاح خمسَ عشرةَ، وقد أخذوها أجمع، ثُمَّ رُدَّت إلى المدينة غير لقحة تدعى: الحَنَّاء، فسأل عنها، فقيل: نحروها.

قوله: (وأَبْوَالِهَا): في هذا الحديث: طهارة بول ما يُؤكَل لحمه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وقول الإصطخريِّ، وابن خزيمة، والرُّويَانِيِّ، وقيَّد ذلك المالكيَّة بما إذا كانت لا تستعمل النَّجاسة، فإنْ كانت تستعملها؛ فإنَّه نجس على المشهور.

وأجاب المخالفون لهم -وهم [4] الحنفيَّة وجمهور الشَّافعيَّة- القائلون بالنجاسة: بأنَّ شربهم للأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكلِّ النَّجاسات سوى الخمر والمسكرات، وعند الشَّافعيَّة بشرطين؛ أحدهما: خبر طبيب مسلم، أو معرفة المتداوي إنْ عرف، ويشترط [5] ألَّا يجد ما يقوم مقامها من الطَّاهرات، ومسألة (التداوي بالأشياء النَّجسة) عقد لها ابن القيِّم بابًا في «الهَدْي» في المنع منها، واعتُرض على الشَّافعيَّة: بأنَّها لو كانت نجسة محرَّمة الشُّرب ما جاز التَّداوي بها؛ لحديث: «إنَّ الله لَمْ يجعل شفاءكم [6] فيما حرَّم عليكم»، رواه البيهقيُّ من رواية أمِّ سلمة، وصحَّحه ابن حبَّان، وهو في «البخاريِّ» موقوفًا على ابن مسعود، وقد يجاب عنه بأنَّ الضَّرورة جوَّزته.

وفي المسألة قول ثَالِث: أنَّ بول [7] كلِّ حيوان وإنْ كان لا يؤكل لحمه طاهرٌ غير بول ابن آدم، وهو قول ابن عليَّة وأهل الظَّاهر، وروي مثله عنِ الشَّعبيِّ، ورواية عنِ الحسن، وظاهر [8] إيراد البخاريِّ يوافقه حيث ذكر الدَّوابَّ مع الإبل والغنم.

تنبيه: حديثا جَابِر والبراء مرفوعان: «ما أُكِل لحمه؛ فلا بأس ببوله»: ضعيفان، كما بيَّنه الدَّارقطنيُّ وغيره.

قوله: (قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): اسم هذا الرَّاعي يسار؛ بمثنَّاة تحت، ثُمَّ سين مهملة، وكان نوبيًّا، فأعتقه عليه الصَّلاة والسَّلام.

قوله: (فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ): بعث عليه الصَّلاة والسَّلام سعيد بن زيد، قاله [9] ابن عقبة، وقيَّده بعضهم عنِ ابن عقبة بأنَّه أحد العشرة، وقال ابن سعد: (وبلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخبر، فبعث في إثرهم عشرين فارسًا، واستعمل كرز بن جَابِر الفهريَّ) انتهى، وكان ذلك سنة ستٍّ في شوَّال، ولعلَّ سعيدًا وابن [10] جَابِر كانا في السريَّة.

تنبيه: وقع عند محمَّد بن جرير الطَّبريِّ هذه القصَّة من حديث جرير، وفيه أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام بعثه في إثرهم، وفيه نظر؛ لأنَّ إسلامه كان في العاشرة على المشهور، وقد قال بعضهم: إنَّه أسلم قديمًا، فعلى هذا: يزول الإشكال، ووقع عند ابن عَبْد [11] البَرِّ عن جرير نفسه أنَّه أسلم قبل موته عليه الصَّلاة والسَّلام بأربعين يومًا، [وهذا لا يصحُّ، وفي «الصَّحيحين»: (في حجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِت النَّاس») ، وهذا يردُّ قول من قال: (إسلامه قبل وفاته عليه السَّلام بأربعين يومًا)] [12] ، وقد ذكرته فيما سلف.

تنبيه: المعروف عَزْو ما تقدَّم لمحمَّد بن جرير الطَّبريِّ، وكذا عزاه شيخنا إليه فيما قرأته عليه، ووقع في «تخريج أحاديث الوسيط» له عزوه لمحمَّد بن الفضل الطَّبرانيِّ [13] ، وفيه نظر، ويُحتمَل أنَّه منقول عنهما، ومحمَّد بن جرير الطبريُّ ليس في آبائه من اسمه الفضل ولا هو طبرانيٌّ؛ بزيادة ألف ونون، ومحمَّد بن الفضل الطَّبرانيُّ لا أستحضر من هو الآن، والله أعلم.

قوله: (وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ): هو بتخفيف الميم، وقد تشدَّد؛ أي: كحلت بمسامير، وفي «البخاريِّ» في موضع آخر: (فأمر بمسامير فأحميت، فكحلهم بها) ، وفعل ذلك بهم؛ لأنَّهم سملوا أعين الرُّعاة كما ثبت في «صحيح مُسْلِم»، وقد غفل أبو الفتح اليعمريًّ في «سيرته» عن عزوه لمسلم، فعزاه لغيره.

قوله: (وَأُلقُوا): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (في الحَرَّةِ): هي بفتح الحاء المهملة، وتشديد الرَّاء، ثُمَّ تاء؛ وهي خارج المدينة، وللمدينة حرَّتان؛ شرقيَّة وغربيَّة، والحرّضة: أرض تركبها حجارة سود.

قوله: (فَلَا يُسْقَوْنَ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

إن قيل: قام الإجماع على أنَّ من وجب عليه القتل فاستسقى؛ فإنَّه لا يمنع مِنْهُ؛لئلَّا يجتمع عليه عذابان؟!

وجوابه: أنَّهم [14] إنَّمَا لَمْ يسقوهم هنا معاقبة بجنايتهم وكفرهم سقيَهم ألبان تلك الإبل، فعوقبوا بذلك [15] فلم يُسقَوا، ولأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام [/ج1ص106/] دعا عليهم، فقال: «عطَّش الله من عطَّش آل محمَّد اللَّيلة» أخرجه النَّسائيُّ، وأجيب دعاؤه، وأيضًا فهؤلاء ارتدُّوا، فلا حرمة لهم.

قوله: (سَرَقُوا): هذا لا يُسمَّى سرقة، وإنَّما هي حرابة، ولكن لما أخذوا الإبل من حِرز مثلها، وهو وجود الرَّاعي معها ويراها أجمعَ [16] ؛ أطلق أبو قلابة عليها: سرقة، والله أعلم.

[1] (كانوا): ليس في (ب) .
[2] في (ب): (وقيل) .
[3] في (ج): (تجريد) ، وهو تحريف.
[4] في النسخ: (وهي) .
[5] في (ج): (وبشرط) .
[6] في (ج): (شفاء) .
[7] في (ب): (يؤكل) ، وهو سبق نظر.
[8] في (ب): (ورواية الظَّاهر) .
[9] في (ب): (قال) .
[10] (ابن): ليس في (ج) .
[11] (عبد): ليس في (ج) .
[12] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[13] في (ج): (الطبري) .
[14] في (ب): (أنَّه) .
[15] (بذلك): ليس في (ب) .
[16] (أجمع): ليس في (ب) .





233- ( مِنْ [ب:18] عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ ) شكٌّ من الراوي، وعكل هم عُرينة، قاله السَّفاقُسِي [1] .

( فَاجْتَوَوُا ) بضم الواو الثانية ضمير يعود على العُرنيين، أي: استوخموها.

( لِقَاحٍ ) بلام مكسورة.

( سُمِّرت أعينهم ) بميم مشددة، قال النووي: كذا ضبطوه في البخاري، أي: كحَّل أعينهم [2] بمسامير محمية، وقال المنذري: هو بتخفيف الميم، أي: كحلها بالمسامير، وشدَّدها بعضهم، والأول أشهر وأوجه، وقيل: سُمِّرت: فُقِئت.

( الْحَرَّةِ ): بحاء مفتوحة حجارة سود.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: السَّفاقُسِي تبع الداوودي، وغلط الداودي في ذلك لأنهما قبيلتان معروفتان، ويدل على ذلك ما في «صحيح أبي عوانة»: أنهم كانوا أربعة من عكل وثلاثة من عرينة فظهرت المغايرة.
[2] قال ابن حجر رحمه الله: قوله: «أي» لا حاجة له؛ فإنه ثابت في البخاري في مواضع أخر.





233- ( قَدِمَ نَاسٌ )، لأبي ذرٍّ: «أناس».

( مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ ): الشَّكُّ من حمَّاد، وجزم بالأوَّل في الجهاد، [خ:3018] وبالثَّاني في الزَّكاة، [خ:1501] وفي المغازي: «من عُكْل وعُرَيْنَةَ» [خ:4192] بواو الجمع العاطفة، وهو الصَّواب، فعند أبي عوانة من طريق عن أنس قال: «كانوا أربعة من عُرَيْنَةَ وثلاثة من عُكْل»، وللمصنِّف في الدِّيات: أنَّهم ثمانية، [خ:6899] فكأنَّ الثَّامن من غير القبيلتين أو كان من أتباعهم فلم [ينسبه] [1] .

( وعُكْلٍ ) بضمِّ المهملة وسكون الكاف: قبيلة من تيم الرُّباب.

( وعُرَيْنَةَ ): بالعين والرَّاء المهملتين والنُّون: مصغَّرًا، حيٌّ من بجيلة، وذكر ابن إسحاق: أنَّ قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الآخر سنة ستٍّ.

( فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ ) أي: اسْتَوخَمُوها، قال الخطَّابيُّ: اجتويت البلد كرهت المقام فيه وتضرَّرت به.

وقال ابن العربيِّ: الجوي داء يصيب الجوف من الوباء. /

وفي رواية عند أبي عوانة: «فعظمت بطونهم» أي: ورمت صدورهم، كما في رواية لمسلم: «وقع بالمدينة المُوْمُ»، أي: البِرْسَام، والمراد: ورم الصُّدور. وللمصنِّف في الطِّبِّ: «أنَّ ناسًا كان بهم سقم، فلمَّا صحُّوا قالوا: إنَّ المدينة وخمة». [خ:5685] فالمراد بالسُّقم الأوَّل: [/ج1ص351/]الهزال الشَّديد من الجوع، كما في رواية لأبي عوانة: «كان لهم هزال شديد».

( فَأَمَرَهُمُ ) في موضع آخر: «فأمر لهم».

( بِلِقَاحٍ ) بلام مكسورة وقاف آخره مهملة: النُّوق ذوات الألبان، واحدها: لِقْحة بكسر اللَّام، قال أبو عمرو: يقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر، ثمَّ هي لبون.

( قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم ) اسمه: يسار.

( وَاسْتَاقُوا ): من السَّوْق، وهو السَّير العنيف.

( فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ ) لمسلم: أنَّ المبعوث عشرون من شباب الأنصار ومعهم قائف يقتصُّ آثارهم، وقد ذكرت من سمِّي منهم في «الدِّيباج».

( فَأَمَرَ فَقَطَعَ ) للأَصِيلي والمُسْتملي والسَّرخسيِّ: «بقطع» بالباء أوَّله.

( أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ) وزاد التِّرمذيُّ: «من خلاف».

( وَسُمِّرَتْ ): بتشديد الميم، وفي رواية أبي رجاء بتخفيفها، ولمسلم: «وسُمِلَتْ» باللَّام مخفَّفًا. قال الخطَّابيُّ: السَّمل فقأ العين بأي شيء كان، والسَّمر: الكحل بميل ومسمار محميٍّ.

( الْحَرَّةِ ): أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة.

تنبيه:

زعم الواقديُّ أنَّهم صلبوا. قال ابن حجر: والرِّوايات الصَّحيحة تردُّه، لكن عند أبي عوانة من طريق: أنَّه صُلب اثنان، وقُطع اثنان، وسُمل اثنان، فإن صحَّ ذلك فهو أوَّل صلب وقع في الإسلام.

ثمَّ المثلَّة الواقعة في الحديث على سبيل القصاص؛ لأنَّهم مثَّلوا بالرَّاعي كما نقله أهل المغازي، ولمسلم عن أنس: «أنَّهم سملوا أعين الرُّعاة»، وأمَّا عدم سقيهم فلأنَّ المحارب المرتدَّ لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره. [/ج1ص352/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (يثبته)





233- وبه قال: ((حدثنا سُليمان)) بضمِّ السين المهملة ((بن حَرْب)) ؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء؛ ضد الصلح، الأزدي الواشحي؛ بمعجمة فمهملة، البصري القاضي بمكة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين عن ثمانين سنة ((قال: حدثنا حمَّاد بن زيد)) ؛ هو ابن درهم الأزدي الجهضمي البصري، وفي نسخة: (عن حمَّاد بن زيد) ، ((عن أيُّوب)) ؛ هو البصري السختياني، ((عن أبي قِلابة)) ؛ بكسر القاف، عبد الله، وتابعه أبو داود، وأبو عوانة، وأبو نعيم في روايتهم عن سليمان بن حرب، وخالفهم مسلم فأخرجه عن هارون بن عبد الله عن سليمان بن حرب، وزاد بين أيُّوب وأبي قِلابة أبا رجاء مولى أبي قلابة، قال الدارقطني وغيره: ثبوت أبي رجاء وحذفه في حديث حمَّاد بن زيد عن أيُّوب صواب؛ لأنَّ أيُّوب حدث به عن أبي قلابة بقصة العرنيين خاصة، وحدث به أيضًا عن أبي رجاء، عن أبي قلابة مولاه، وزاد فيه قصة في (القسامة) مع عمر بن عبد العزيز، والطريقان صحيحان، كذا قاله في «عمدة القاري»، وتمامه فيه، ((عن أنس)) زاد الأصيلي: (ابن مالك رضي الله عنه) ، ورجال السند كلُّهم بصريون ((قال: قدم أُناس)) ؛ بالهمزة المضمومة عند الأكثرين، وفي رواية بدون الهمزة، وعند المؤلف في (الديات) : (قدم أناس على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أو إلى المدينة) ، قال الكرماني: (يحتمل أن تكون «المدينة» متعلقًا به على التنازع في قوله: «اجتووا المدينة») ، وكان قدومهم فيما ذكره ابن إسحاق في «المغازي» في غزوة ذي قرد في جماد الآخرة سنة ستٍّ، وذكر المؤلف: بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي: أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد، وابن حبان، وغيرهما، وذكر الواقدي: أن السرية كانت عشرين ولم يقل من الأنصار، وسمى منهم جماعة من المهاجرين منهم؛ يزيد بن الحصيب، وسَلَمَة ابن الأكوع، وكذا سليمان بن جندب، ورافع ابنا مكيت الجهنيان، وأبو ذر، وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنييان [1] ، وزعم ابن حجر أن الواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟ ورده في «عمدة القاري» بقوله: قلت: ما للواقدي؟ وهو إمام وثقه جماعة منهم الإمام أحمد وغيره، والعجب من هذا القائل أنه يقع فيه وهو أحد مشايخ إمامه، انتهى، ((من عُكْل)) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الكاف، آخره لام، وهي خمس قبائل؛ لأنَّ عوف بن عبد مناة ولد قَيْسًا، فولد قَيْسٌ وائلًا وعوانة، فولد وائلٌ عوفًا وثعلبة، فولد عوفُ بن وائل الحارثَ وجشمًا وسعدًا وعليًّا وقَيْسًا، وأمهم بنت ذي اللحية؛ لأنَّه كان مطائلًا لحيته، فحضنتهم أمة سوداء يقال لها عُكْل، وقيل: عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قَيْس بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة، وزعم السمعاني أنهم بطن من غنم، ورد: بأن عكل امرأة من حِمْيَر يقال لها: بنت ذي اللحية، تزوجها عوف بن قَيْس بن وائل بن عوف بن عبد مناة بن أد، فولدت له سعدًا وجشمًا وعليًّا، ثم ملكت الحميرية، فحضنت عكل ولدها وهم من جملة الرباب الذين تحالفوا على بني تميم، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فافهم، ((أو عُرَيْنَة)) ؛ بضمِّ العين المهملة، وفتح الراء، وسكون التحتية، وفتح النون مصغر عِرنة؛ بضمِّ العين، وعرينة بن نذير [2] بن قيسر بن عبقر بن أنمار بن أراش بن الغوث بن طيِّئ بن أدد، وزعم السكري أن عرينة بن عرين بن نذير، فعرينة: حي من بجيلة لا من قحطان، وليس عرينة عكلًا؛ لأنَّهما قبيلتان متفاوتتان، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان، وزعم ابن حجر أن الشك فيه من حمَّاد، وزعم الكرماني أن الشك من أنس، وزعم الداودي أنه من الراوي، قال: إنه من حمَّاد لا يدري أي شيء وجه تعيينه بذاك، وللمؤلف في (المحاربين) عن قتيبة، عن حمَّاد: (أن رهطًا من عكل، أو قال: عرينة) ، وله في (الجهاد) عن وهيب عن أيُّوب: (أن رهطًا من عكل) ، ولم يشكَّ، وكذا في (المحاربين) عن يحيى بن أبي كثير، وفي (الديات) عن أبي رجاء؛ كلاهما عن أبي قلابة، وله في (الزكاة) عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: (أن ناسًا من عرينة) ، ولم يشكَّ أيضًا، [/ص215/] وكذا لمسلم من رواية معاوية بن قرة، عن أنس، وفي (المغازي) عن سَعِيْد بن أبي عروبة، عن قتادة: (أن ناسًا من عكل وعرينة) ؛ بالواو العاطفة، قيل: هو الصواب، والدليل عليه: ما وقع في رواية أبي عوانة، والطبري من حديث قتادة، عن أنس قال: (كانوا أربعة عن عرينة، وثلاثة من عكل) ، قال: هذا يخالف ما عند المؤلف في (الجهاد) من طريق وهيب عن أيُّوب، وفي (الديات) من طريق حجاج الصواف، عن أبي رجاء؛ كلاهما عن أبي قلابة، عن أنس: (أن رهطًا من عكل ثمانية) ، ووجهه أنه صرح بأن الثمانية من عكل، ولم يذكر عرينة، ويمكن التوفيق بأن أحدًا من الرواة طوى ذكر عرينة؛ لأنَّه روي عن أنس تارة: (من عكل أو عرينة) ، وتارة: (من عرينة) بدون ذكر (عكل) ، وتارة: (من عكل وعرينة) ، كما بيَّنَّا.

قال في «عمدة القاري»: (لا مخالفة أصلًا؛ لاحتمال أن يكون الناس من غير القبيلتين وكان من أتباعهم فنسب إليهم، وغفل من نسب عدتهم ثمانية لأبي يعلى، وغلط من نسبهم لبني فزارة؛ كعبد الرزاق؛ لأنَّ بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل ولا مع عرينة أصلًا، وهؤلاء المذكورون كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج، كما عند المؤلف في (المحاربين) ، وأسلموا وبايعوا النبيَّ عليه السلام على الإسلام.

((فاجْتَوَوُا)) : الفاء فيه للعطف، وهو بجيم ساكنة، بعدها مثناة فوقية مفتوحة، بعدها واوين أولاهما مفتوحة، وثانيهما مضمومة، وضميره يعود على الأناس المتقدمين؛ أي: استوخموا ((المدينة)) كما عند ابن ماجه في روايته بدل (فاجتووا) ؛ أي: أصابهم الجوى؛ بالجيم وهو داء الجوف؛ إذا تطاول، وقيل: هو كراهة المقام في مكان يقال: اجتويت البلد؛ إذا كرهتها، وإن كانت موافقة لك في بدنك وكنت في نعمة واستوبلتها؛ إذا لم توافقك في بدنك وإن أحببتها، وقيَّده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة، قيل: هو المناسب لهذه القصة، وقيل: معناه: لم توافقهم، وقيل: الجوى: داء قريب من الوباء، وللمؤلف من رواية سَعِيْد عن قتادة في هذه القصة، فقالوا: (يا نبي الله؛ إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف) ، وله في (الطب) عن أنس: (أن ناسًا كان بهم سقم قالوا: يا رسول الله؛ آونا وأطعمنا، فلما صحوا؛ قالوا: إن المدينة وخمة) ، وفي رواية أبي عوانة من رواية غيلان عن أنس: (كان بهم هزال شديد) ، وعنده من رواية ابن سعد عنه: (مصفرًا ألوانهم بعد أن صحت أجسادهم، فهو من حمى المدينة) ، والظاهر: أنهم قدموا سقامى، فلما صحوا منه؛ كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، والسقم الذي كان بهم، فقد كان بهم هزال شديد، وجهد من الجوع جهيد، وكانت ألوانهم مصفرة، وأما الوخم الذي شكَوا منه بعد أن صحت أجسادهم؛ فهو من حمى المدينة، كما عند أحمد، وأبي عوانة، وسيأتي في (الطب) : (أنه عليه السلام دعا الله أن ينقلها إلى الجحفة) ، وعند الإمام مسلم عن أنس: (أنه وقع بالمدينة المُوْم) ، وهو بضمِّ الميم، وسكون الواو: البِرسام؛ بكسر الموحدة، سرياني معرب يطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس، وعلى ورم الصدر، وهو المراد هنا، يدل له ما عند أبي عوانة عن أنس في هذه القصة: (فعظمت بطونهم) ؛ أي: فطلبوا منه الخروج، ففي «مسلم»: (أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: يا رسول الله عليه السلام؛ قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا؛ فخرجنا إلى الإبل) ، وللمؤلف من رواية وهيب أنهم قالوا: (أبغنا رسلًا) ؛ أي: اطلب لنا لبنًا، قال: «ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود»، ((فأمرهم النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم بلِقاح)) أي: فأمرهم أن يلحقوا بها، وهي بكسر اللام؛ وهي الإبل، الواحدة لقوح، وهي الحلوب؛ مثل: قلوص وقلاص، قال أبو عمرو: فإذا نتجت؛ فهي لقوح شهرين أو ثلاثة، ثم هي لبون بعد ذلك، وعند المؤلف من رواية همام عن قتادة: (فأمرهم أن يلحقوا براعيه) ، وعنده من رواية قتيبة عن حمَّاد: (فأمر لهم) ؛ بزيادة اللام، ووجهها أن تكون (اللام) زائدة أو للاختصاص، وليست للتمليك، وعند أبي عوانة من رواية معاوية بن قرة التي أخرج مسلم إسنادها: (أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: يا رسول الله؛ قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا؛ فخرجنا إلى الإبل) ، وللمؤلف من رواية وهيب عن أيُّوب: (أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أبغنا رسلًا) ؛ أي: اطلب لنا لبنًا، قال: «ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود»، وفي رواية أبي رجاء: (هذه نعم لنا تخرج، فاخرجوا فيها) ، وله في (المحاربين) عن موسى، عن وهيب بسنده: (فقالوا: إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وله فيه من رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بسنده: (فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة) ، وكذا في (الزكاة) من طريق شعبة، عن قتادة، وطريق التوفيق بين هذه الأحاديث: أنه عليه السلام كانت له إبل من نصيبه من المغنم، وكان يشرب لبنها، وكانت ترعى مع إبل الصدقة، وأخبره مرة عن إبله، ومرة عن إبل الصدقة؛ لاجتماعهم في موضع واحد، كذا في «عمدة القاري».

وزعم ابن حجر أن الجمع بينها أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبيِّ عليه السلام بلقاحه إلى المرعى، فطلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء؛ لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، انتهى.

قلت: وفيه نظر، وقال القاضي عياض: (اللقاح؛ بكسر اللام، ويقال: بفتحها: وهي ذوات الألبان) ، وذكر ابن سعد والواقدي: أن عدد هذه اللقاح خمس عشرة [3] ، وأنهم نحروا منها واحدة يقال لها: الحناء، وعند أبي عوانة: وكانت اللقاح ترعى بذي الجَدْر؛ بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة؛ ناحية قباء قريبًا من عين، بينها وبين المدينة ستة أميال.

وقوله: ((وأن يشربوا)) عطف على (لقاح) ؛ نحو: أعجبني زيد ولبنه، وكلمة (أن) مصدرية؛ والتقدير: فأمرهم بالشرب ((من ألبانها وأبوالها)) وفي رواية: (من أبوالها وألبانها) ؛ أي: فأمرهم بالشرب من أبوال الإبل وألبان اللقاح؛ لأجل التداوي، وفي رواية المؤلف عن أبي رجاء: (فاخرجوا فاشربوا من ألبانها وأبوالها) ؛ بصيغة الأمر، وفي رواية شعبة عن قتادة: (فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا) ، ((فانطلقوا)) ؛ أي: وشربوا منهما حتى صحُّوا لما أنها كانت ترعى الشيح والفيوم، فتدخل في علاج مرض الاستسقاء، فشرَّبهم لبن الصدقة؛ لكونهم أبناء سبيل، وشربهم لبن اللقاح الذي للنبيِّ الأعظم عليه السلام؛ لكونه بإذن منه عليه السلام، ففيه: دليل على أنه لا يجوز التصرف في مال الغير إلا بالإذن، ولو علم الرضا ولم يستأذن؛ لا يجوز؛ لأنَّ الرضا أمر موهوم والأحكام لا تُبْنَى إلا على اليقين؛ فافهم، ((فلما صحُّوا)) ؛ بتشديد الحاء المهملة المضمومة، فيه حذف؛ تقديره: فشربوا من ألبانها وأبوالها، ويدل عليه رواية أبي رجاء: (فانطلقوا فشربوا من ألبانها وأبوالها) ، وفي رواية وهيب: (وسمنوا) ، وفي رواية الإسماعيلي من رواية ثابت: (ورجعت إليهم ألوانهم) ؛ ((قتلوا)) جواب (لما) ((راعي النبيِّ)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) واسمه يَسار؛ بفتح التحتية أوله، وبالسين المهملة الخفيفة، وكان نونيًّا أصابه النبيُّ الأعظم عليه السلام في غزوة محارب، [/ص216/] فلما رآه يحسن الصَّلاة؛ أعتقه، وبعثه في اللقاح الذي له إلى الحرة، فكان بها إلى أن قتله العرنيون، وفي «طبقات ابن سعد»: (أرسل رسول الله عليه السلام في إثرهم كرز بن جابر الفهري، ومعه عشرون فارسًا، وكان العرنيون ثمانية، وكانت اللقاح أدركهم يسار مولى رسول الله عليه السلام، ومعه نفر، فقاتلهم فقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، ففعل بهم النبيُّ عليه السلام كذلك، وأنزل عليه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ...}؛ الآية [المائدة: 33] ، فلم يسمل بعد ذلك عينًا) ، وقال ابن عيينة: (كان أمير السرية سَعِيْد بن زيد بن عمر بن نفيل، وحمل يسار رضي الله عنه ميتًا، فدفن بقباء) ، وزعم الرشاطي أنهم من غير عرينة التي في قضاعة، وفي «مصنف عبد الرزاق»: (كانوا من بني فزارة) ، وفي «كتاب ابن الطلاع»: (أنهم كانوا من بني سليم) ، وفيه نظر؛ لأنَّ هاتين القبيلتين لا يجتمعان مع العرنيين، وفي «مسند الشاميين» للطبراني عن أنس: (كانوا سبعة؛ أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل) ، فقيل: العرنيين؛ لأنَّ أكثرهم كان من عرينة، وقال الطبري بإسناده إلى جرير بن عبد الله البجلي قال: (قدم قوم من عرينة حفاة، فلما صحُّوا واشتدوا؛ قتلوا رعاة اللقاح، فبعثني رسول الله عليه السلام، فلما أدركناهم بعدما أشرفوا على بلادهم...) ؛ فذكره إلى أن قال: (فجعلوا يقولون: الماء الماء، ورسول الله عليه السلام، يقول: «النار النار») انتهى.

قلت: هذا مشكل؛ لأنَّ قصة العرنيين كانت في شوال سنة ست، كما ذكرنا، وإسلام جرير في السنة العاشرة، وهذا قول الأكثرين إلا أن الطبراني وابن قانع قالا: أسلم قديمًا، فإن صح ما قالاه؛ فلا إشكال، كذا في «عمدة القاري».

((واستاقوا)) من الاستياق؛ وهو السوق؛ بالسين المهملة ((النَّعَم)) ؛ بفتحتين، واحد الأنعام، وهي الأموال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، كذا في «عمدة القاري»، وفي «القاموس»: (النَّعَم؛ بفتحتين، وقد تسكن عينه: الإبل والشاء، أو خاص بالإبل، والجمع أنعام، وجمع الجمع أناعيم) انتهى.

وبهذا ظهر فساد ما زعمه ابن حجر من أن النعم الإبل والبقر والغنم؛ فتأمل.

وفي القسطلاني وفي بعض النسخ: (واستاقوا إبلهم) انتهى، فهو يعين أن النعم خاص بالإبل؛ فافهم.

((فجاء الخبر في أول النهار)) وفي رواية وهيب عن أيُّوب: (فجاء الصريخ) ؛ بالصاد المهملة، والخاء المعجمة، وهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذا الصارخ هو أحد الراعيَين، كما ثبت في «صحيح أبي عوانة» من رواية معاوية بن قرة عن أنس، وقد أخرج إسناده، ولفظه: (فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: فقتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل) ، كذا في «عمدة القاري»، وقدمنا عنه أن اسم المقتول يسار مولى رسول الله عليه السلام، وأما الآتي بالخبر؛ فقال: لم يُعلَم اسمه، والذي يظهر أنه راعي إبل الصدقة، وذكر مسلم من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس: (ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم بالجمع) ، وكذا ذكره ابن حبَّان، والطبري كما مر قريبًا، فالظاهر: أن إبل الصدقة كان لها رعاة، فقتلوا بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرواة على ذكر راعي النبيِّ الأعظم عليه السلام؛ لأنَّه أشهر وأشرف، ولم يذكروا بقية الرعاة المقتولين، وزعم ابن حجر أن من عبر بالجمع؛ فتسمح وهو الأرجح؛ لأنَّ أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار، انتهى.

قلت: وهذا فاسد، فإن الروايات التي رواها مسلم، وابن حبان، والطبري، وغيرهم بالجمع، وهو يقتضي أن المقتولين جمع لا فرد.

وقوله: (إن من عبر...) إلخ؛ فاسد؛ لأنَّ في مثل هذا لا يقال: إنه تسمح، وأي دليل على ذلك؟ وما هو إلا خبط وتخمين.

وقوله: (لأن أصحاب المغازي...) إلخ؛ مردود وفاسد، فإن عدم ذكرهم غيره لا يستلزم عدم وجوده مطلقًا، بل إنَّما ذكروا يسارًا؛ لشهرته، وتركوا بقية الرعاة؛ لعدم شهرتهم، كما يقال: جاء الأمير، والحال أنه جاء مع حَشَمِه وخَدَمِه.

وقوله: (الأرجح...) إلخ؛ هذا فاسد، فكيف يكون أرجح؟ وأي دليل على أرجحيته؟ ويدل على فساده ما ذكره مسلم، وابن حبان، والطبري من التعبير بالجمع، وهو يقتضي أن المقتولين جمع فذكروا يسارًا؛ لشهرته وشرفه، وتركوا غيره؛ لعدمها؛ فليحفظ.

((فبعث)) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ومفعوله محذوف؛ أي: الطلب، كما جاء في رواية الأوزاعي ((في آثارهم)) ؛ جمع إِثْر؛ بكسر الهمزة، وسكون المثلثة، يقال: خرجت في إثره؛ إذا خرجت وراءه، وفي حديث سَلَمَة ابن الأكوع كما ذكره ابن إسحاق وغيره: (فبعث في آثارهم خيلًا من المسلمين أميرهم كُرْز بن جابر الفهري) ، وكُرْز؛ بضمِّ الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي معجمة، وعند ابن عُقْبَة: (أنه سعد بن زيد) ، وعند «النسائي»: (فبعث في طلبهم قافة) ؛ وهو جمع قائف، وعند «مسلم»: (أنهم شبان من الأنصار قريب من عشرين رجلًا، وبعث معهم قائفًا يَقْتَصُّ آثارهم، ولم يُعْلَم اسم هذا القائف، ولا اسم واحد من العشرين، لكن ذكر الواقدي: أن السرية كانت عشرين، ولم يقل من الأنصار، وسمَّى منهم جماعة من المهاجرين منهم؛ يزيد بن الخطيب وسَلَمَة ابن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع ابنا مكيث الجهنيان، وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، وغيرهم، كذا في «عمدة القاري».

وزعم ابن حجر أن الواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟

ورده في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ما للواقدي وهو إمام وثقه جماعة منهم أحمد؟ والعجب من هذا القائل أنه يقع فيه وهو أحد مشايخ إمامه!) انتهى.

واعترضه العجلوني: بأن الأكثر على تجريحه وهو مقدم على التعديل، وكونه أحد مشايخ إمامه لا يلزم أن يروي عنه، انتهى.

قلت: وهو فاسد، فإن الجمهور على أنه عدل ثقة مقبول، ولا سيما قد وثقه حافظ السنة الإمام أحمد ابن حنبل، والتعديل مقدم على الجَرْح لا كما زعم أنه بالعكس، فإن العدالة أصل مثبت، ونافيها مطالب بالدليل ولم يوجد.

وقوله: (وكونه...) إلخ؛ فاسد أيضًا، فإنه إذا كان من مشايخ إمامه؛ يلزمه التأدب معه، وهو يسلتزم أن يكون قد روى عنه، فإن الشيخ لا يسمَّى شيخًا إلا إذا أخذ عنه وروى عنه، وهذا كذلك، فهذا الاعتراض مردود عليه، وما هو إلا خبط وخلط؛ فافهم ذلك ولا تغترَّ بهذه العصبية الزائدة من العجلوني، فإنه قد أتى بها من عجلون؛ فليحفظ.

((فلما ارتفع النهار)) فيه حذف قبل (الفاء) ، وتسمَّى الفصيحة؛ تقديره: فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا فلما ارتفع النهار؛ ((جيء بهم)) ؛ أي: النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وهم أسارى، فأمر بمعاقبتهم على حسب جنايتهم، ((فقطع أيديهم وأرجلهم)) أي: من خلاف؛ كما في آية (المائدة) المنزلة في القضية، كما رواه ابنا جرير وحاتم، وغيرهما إسناد الفعل فيه إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم مجاز، والدليل عليه ما جاء في رواية أخرى: (فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم) جمع يد، وجمع رجل، فإما أن يُراد بها أقل الجمع الذي هو اثنان عن بعض العلماء؛ لأنَّ لكل منهم يدين ورجلين، وإما أن يراد التوسيع عليهم بأن يقطع من كل واحد [4] منهم يد واحدة، ورجل واحدة، والجمع في مقابلة الجمع يفيد التوزيع، كذا في «عمدة القاري»، وعند المؤلف من رواية الأوزاعي: (ولم يحسمهم) ؛ [/ص217/] بالحاء المهملة، قال الجوهري: (حسمته: قطعته فانحسم، ومنه: حسم العرق) ، وفي الحديث: أتيبسارق [5] فقال: «احسموه»؛ أي: اكووه بالنار؛ لينقطع الدم، ذكره في الحاء، وتبعه في «القاموس»، وهذه الرواية الظاهر أنها تحريف، وأصلها: وحسمهم [6] ، فلفظة (ما [7] ) زائدة، ويدل لذلك ما عند المؤلف في (المحاربين) : «إن عاد؛ فاقطعوه»، وعليه الإجماع، ولأنَّه إذا لم يحسم وتركه ينزف الدم منه؛ لتلف ومات، وهو خلاف المقصود، ولم يبق لقوله: «إن عاد؛ فاقطعوه» معنًى، فالحسم واجب؛ لكي ينقطع الدم، ولعل رواية الأوزاعي كانت من الراوي حين لم يَرَ أنه لم يحسمهم، والحال أن الصحابة حسموهم ولم يَعْلَمْ بذلك الراوي فعبَّرَ بما رأى بدليل أن الأكثر من الروايات لم يذكر أحد الحسم، فدل على التحريف، أو على التأويل، والله تعالى أعلم العليم الجليل.

وفي يوم السبت مات أحد أعدائي المشهورين، وقد استجاب الله تعالى دعائي، ولله الحمد، في خامس ربيع الثاني سنة سبع وسبعين، وفيه سافر شيخنا الشيخ عبد الله أفندي الحلبي، وشيخنا السيد عمر أفندي الغزي، وكذا عبد الهادي العمري، ومحمَّد طاهر أفندي المفتي، وعبد الله بيك، وابنه علي بيك عظم، وأحمد أفندي النقيب العجلاني، وعبد الله بيك ناصيف باشا، وأحمد أفندي الحسيبي، وابنه أبو السعود، وغيرهم، والله تعالى أعلم.

((وسُمرت أعينهم)) ؛ بضمِّ السين المهملة، وتخفيف الميم وتشديدها؛ أي: كحلت بمسامير محمية، وفي رواية: (سملت) ؛ بـ (اللام) بدل (الراء) ، يقال: سُمِلَت عينه بصيغة المجهول ثلاثيًّا؛ إذا فُقِئت بحديدة محماة، وقيل: هما بمعنًى واحد، ولم تختلف روايات البخاري كلُّها بالراء، ووقع لمسلم من رواية عبد العزيز: (وسلمت) ؛ بالتخفيف، واللام، وللبخاري من رواية وهيب عن أيُّوب، ومن رواية الأوزاعي عن يحيى؛ كلاهما عن أبي قلابة: (ثم أمر بمسامير فأحميت، فكحلهم بها) ، ولا يخالف هذا رواية السمل؛ لأنَّه فقأ العين بأي شيء كان، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: وما وجه تعذيبهم بما ذكر، وقد نهى النبيُّ الأعظم عليه السلام عن التعذيب بالنار؟

وأجاب: بأنه كان قبل نزول الحدود، وآية المحاربة، والنهي عن المثلة، فهو منسوخ، وقيل: ليس بمنسوخ، وإنما فعل النبيُّ الأعظم عليه السلام بما فعل قصاصًا؛ لأنَّهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وقد رواه مسلم في بعض طرقه ولم يذكره المؤلف، قال المهلَّب: (وإنما لم يذكره؛ لأنَّه ليس على شرطه، ويقال: فلذلك بوَّب المؤلف في كتابه، فقال: باب إذا حرق المشركون هل يحرق؟ أو وجهه أنه عليه السلام لما سمل أعينهم -وهو تحريق بالنار-؛ استدل به من أنه لو جاز تحريق أعينهم بالنار، ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاة بالنار؛ أنه أولى بالجواز تحريق المشرك إذا أحرق المسلم، وقال ابن المنيِّر: (وكأن البخاري جمع بين حديث: «لا تعذبوا بعذاب الله»، وبين هذا بحمل الأول على غير سبب، والثاني على مقابلة السببية بمثلها من الجهة العامةوإن لم يكن من نوعها الخاص، وإلا؛ فما في هذا الحديث أن العرنيين فعلوا ذلك بالرعاة، وقيل: النهي عن المثلة نهي تنزيه لا نهي تحريم) انتهى كلامه، ((وأُلقوا)) ؛ بضمِّ الهمزة، مبني للمجهول ((في الحَرَّة)) ؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء؛ وهي الأرض ذات الحجارة السود، وتجمع على حر، وحرار، وحرات، وحرين، وأحرين، وهو من الجموع النادرة؛ كتبين وقلين في جمع تبنة وقلة، والمراد من الحرة: هذه الأرض الحرة التي هي بظاهر مدينة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، بها حجارة سود كثيرة، وكانت بها وقعة مشهورة أيام يزيد بن معاوية رضي الله عنه، كذا في «عمدة القاري»، وزعم البرماوي تبعًا للكرماني بأنه يحتمل أن يراد بها حرارة الشمس، وزعم العجلوني أنه ربما يؤيده رواية أبي رجاء: (ثم نبذهم في الشمس) انتهى.

قلت: وهذا فاسد، والاحتمال باطل، فإن المراد من الحرة الأرض ذات الحجارة السود، كما علمت، وهذه الرواية لا تأييد بها لذلك؛ لأنَّ المراد منها أنه نبذهم في الشمس في هذه الأرض المسماة بالحرة، على أنه لو كان المراد بها حرارة الشمس؛ لقال: وألقوا في الشمس، فتصريحه بكونهم في الحرة دليل واضح على أنهم ألقوا في هذه الأرض المعلومة، وكانت عليهم الشمس؛ فافهم واحفظ، والبرماوي كالكرماني والعجلوني لهم احتمالات بعيدة عن العقل، والعادة، والنقول، والرواية؛ فافهم.

((يَستسقون)) ؛ بفتح المثناة التحتية أوله، مبني للفاعل من الاستسقاء؛ وهو طلب السقي، وطلب السقيا أيضًا، وهو المطر؛ ((فلا يُسقَون)) ؛ بضمِّ المثناة التحتية، وفتح القاف، قال في «عمدة القاري»: زاد وهيب والأوزاعي: (حتى ماتوا) ، وفي رواية سَعِيْد: (يعضون الحجارة) ، وفي رواية أبي رجاء: (ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا) ، وفي (الطب) من رواية ثابت قال أنس: (فرأيت رجلًا منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت) ، ولأبي عوانة من هذا الوجه: (يعضُّ الأرض؛ ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة) ، وزعم الواقدي أنهم صلبوا، ولم يثبت ذلك في الروايات الصحيحة، انتهى فافهم، لكن عند أبي عوانة، عن أنس: (فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين) ، فذكر ستة فقط، فإن كان محفوظًا؛ فعقوبتهم موزعة؛ فتأمَّل.

ثم قال: والمنع من السقي مع أن الإجماع قام على من وجب عليه القتل فاستسقى الماء؛ أنه لا يمنع منه؛ لئلا يجتمع عليه عذابان.

وأجاب: بأنه إنَّما لم يسقوا هنا؛ معاقبة لجنايتهم، ولأنَّه عليه السلام دعا عليهم، فقال: «عطَّشَ الله من عطَّشَ آل محمَّد الليلة»، أخرجه النسائي، فأجاب الله تعالى دعاءه، وكان ذلك بسبب أنهم منعوا في تلك الليلة إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبيِّ الأعظم عليه السلام من لقاحه في كل ليلة، كما ذكره ابن سعد، ولأنَّهم ارتدوا، فلا حرمة لهم، وقال القاضي عياض: (لم يقع نهي من النبيِّ عليه السلام عن سقيهم، وفيه نظر؛ لأنَّه عليه السلام اطَّلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم) ، وقال النووي: (المحارب لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته؛ ليس له أن يسقيه المرتد، ويتيمم، بل يستعمله ولو مات المرتد عطشًا) ، وزعم الخطابي: إنَّما فعل النبيُّ عليه السلام لهم ذلك؛ لأنَّه أراد لهم الموت بذلك، وفيه نظر لا يخفى، وقيل: الحكمة في تعطيشهم كونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجزع والوخم، وفيه ضعف، كذا في «عمدة القاري».

ثم قال: إن مالكًا استدل بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وبه قال الإمام محمَّد بن الحسن، وأحمد ابن حنبل، والإصطخري، والرُّوياني من أصحاب الشافعي، وهو قول الشعبي، وعطاء، والنخعي، والزُّهري، وابن سيرين، والحكم، والثوري، وقال داود، وابن علية: بول كل حيوان ونحوه، وإن كان لا يؤكل لحمه؛ طاهر غير بول الآدمي، وقال الإمام الأعظم، وأبو يوسف، وأبو ثور، والشافعي، والجمهور: الأبوال كلها نجسة إلا ما عُفِيَ عنه، وأجابوا عنه: بأن ما في الحديث قد كان للضرورة، فليس فيه دليل على أنه مباح في غير حال الضرورة؛ لأنَّ ثمة أشياء أبيحت للضرورة ولم تُبَحْ في غيرها؛ كما في لبس الحرير، فإنه حرام للرجال، وقد أبيح لبسه في الحرب، وللحكة، أو لشدة إذا لم يجد غيره، وله أمثال كثيرة في الشرع.

والجواب المقنع في ذلك: أنه عليه السلام عرف بطريق الوحي شفاءهم، والاستشفاء بالحرام جائز عند التيقُّن بحصول الشفاء؛ كتناول الميتة للمخمصة، والخمر عند العطش، وإساغة اللقمة، وإنما لا يباح ما لم يَسْتيقن حصول الشفاء به، وقال ابن حزم: (صحَّ يقينًا أن رسول الله عليه السلام إنَّما أمرهم بذلك على سبيل التداوي من السقم الذي أصابهم، وأنهم صحت أجسامهم بذلك، والتداوي منزلة ضرورة، وقد قال عزَّ وجلَّ: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] ، فما اضطر المرء إليه؛ فهو غير محرم عليه من المأكل والشراب) ، وقال شمس الأئمَّة: (حديث أنس رضي الله عنه قد رواه قتادة: أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل، ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكره في رواية حميد الطويل عنه، والحديث حكاية حال، فإذا دار[/ص218/] الأمر بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة؛ سقط الاحتجاج به، ثم نقول: خصهم رسول الله عليه السلام بذلك؛ لأنَّه عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، وهو كما خص الزبير رضي الله عنه بلبس الحرير؛ لحكة كانت به، أو للقمل فإنه كان كثير القمل، أو لأنَّهم كانوا كفارًا في علم الله عز وجل، ورسوله عليه السلام علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس) انتهى.

فإن قلت: هل لأبوال الإبل تأثير في الاستشفاء حتى أمرهم عليه السلام بذلك؟

قلت: قد كانت [8] إبله عليه السلام ترعى الشيح والفيوم، وأبوال الإبل الذي ترعى ذلك وألبانها تدخل في علاج نوع من أنواع الاستسقاء، فإذا كان كذلك؛ كان الأمر في هذا أنه عليه السلام عرف بطريق الوحي كون هذه شفاء، وعرف أيضًا من هضم الذي تزيله هذه الأبوال فأمرهم بذلك، ولا يوجد هذا في زماننا حتى إذا فرضنا أن أحدًا عرف مرض شخص بقوة العلم وعرف أنه لا يزيله إلا تناول المحرم؛ يباح له حينئذٍ تناوله كما يباح شرب الخمر عند العطش الشديد، وتناول الميتة عند المخمصة، وأيضًا التمسك بعموم قوله عليه السلام: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه» أولى؛ لأنَّه ظاهر في تناول جميع الأبوال فيجب اجتنابها لهذا الوعيد، والحديث رواه أبو هريرة وصححه ابن خزيمة وغيره مرفوعًا.

فإن قلت: لو كانت أبوال الإبل محرمة الشرب؛ لما جاز التداوي بها؛ لما روى أبو داود من حديث أم سَلَمَة رضي الله عنها: «أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها».

قلت: هذا محمول على حالة الاختيار، وأما حالة الاضطرار؛ فلا يكون حرامًا؛ كالميتة للاضطرار، كما ذكرنا، وقال ابن حزم: (هذا حديث باطل؛ لأنَّ في سنده سلمان الشيباني، وهو مجهول) .

قلت: أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، وصحَّحه.

وقوله: (إن في سنده سلمان) وهم، وإنما هو سليمان؛ بزيادة مثناة تحتية، وهو أحد الثقات، أخرج عنه البخاري ومسلم في «صحيحيهما».

فإن قلت: يردُّ عليه قوله عليه السلام في الخمر: «إنها ليست بدواء، وإنها داء» في جواب من سأله عند التداوي بها؟

قلت: هذا روي عن سويد بن طارق: أنه سأل رسول الله عليه السلام عن الخمر، فنهاه، ثم سأله فيها، فنهاه، فقال: يا نبي الله؛ إنها دواء، فقال: «لا، ولكنها داء»، وأجاب ابن حزم عن ذلك، فقال: (لا حجة فيه؛ لأنَّ في سنده سماك بن حرب، وهو يقبل التلقين شهد عليه بذلك شعبة وغيره، ولو صح؛ لم يكن فيه حجة؛ لأنَّ فيه أن الخمر ليست [9] بدواء، ولا خلاف بيننا في أن ما ليس بدواء لا يحل تناوله) ، وقد أجاب ابن حجر: بأن ذلك خاص بالخمر، ويلتحق به غيره من المسكرات.

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ دعوى الخصوصية بلا دليل لا تسمع، والجواب القاطع: أن هذا محمول على حالة الاختيار، كما ذكرنا، قاله في «عمدة القاري»، واعترضه العجلوني: بأنه إنَّما ذكر النبيُّ عليه السلام الدائية في الخمر، فقيس عليها بقية المسكرات، وأما باقي المسكرات؛ فليس كذلك، فالمثبت لها حكم الخمر هو المحتاج للدليل.

قلت: وهذا خبط فاسد، فإن دليل باقي المسكرات ثابتة بالقياس على الخمر؛ لكمال الجامع بينهما على أنهادِّعاء الخصوصية غير مزال، بل هو باقٍ، ومدعيها مطالب بالدليل، وذكر النبيُّ الأعظم عليه السلام الدائية في الخمر؛ نظرًا إلى حالة الاختيار كما علمت؛ فليحفظ.

ثم قال في «عمدة القاري»: (فإن قلت: روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا) ، وروي عن جابر والبَرَاء رضي الله عنهما مرفوعًا: «ما أكل لحمه؛ فلا بأس ببوله»، وحديث ابن مسعود الآتي ذكره في باب (إذا ألقي على ظهر المصلي قذرًا وجيفة؛ لم تفسد صلاته) ، والحديث الصحيح الذي ورد في غزوة تبوك: (فكان الرجل يجر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي في كبده) ، قلت: أما حديث ابن عمر؛ فغير مسند؛ لأنَّه ليس فيه أنه عليه السلام علم بذلك، وأما حديث جابر والبَرَاء؛ فرواه الدارقطني وضعَّفه، وأما حديث ابن مسعود؛ فلأنَّه كان بمكة قبل ورود الحكم بتحريم النجو والدم، وقال ابن حزم: (هو منسوخ بلا شك) ، وأما حديث غزوة تبوك؛ فقد قيل: إنه كان للتداوي، وقال ابن خزيمة: (لو كان الفرث إذا عصره نجسًا؛ لم يجز للمرء أن يجعله على كبده) انتهى.

((قال أبو قِلابة)) ؛ بكسر القاف، عبد الله: ((فهؤلاء)) ؛ أي: العرنيون والعكليون ((سرقوا)) إنَّما أطلق عليهم سراقًا؛ لأنَّهم أخذوا اللقاح سرقة؛ لكونه من حرز حافظ، كذا في «عمدة القاري».

قلت: الحافظ هو الراعي، فإذا كان مع المواشي راعٍ وهو حافظ لها، وسرق منها شيء؛ قطع، كذا أطلقه شيخ الإسلام خواهر زاده، وقيل: لا بد للقطع من وجود حافظ سوى الراعي، كذا قاله الإمام البقالي، وأفتى به، ووفق في «فتح القدير»: بأن الراعي لم يقصد حفظها من السارق بخلاف غيره، ولو كانت تأوي في الليل إلى بيت بني لها عليه باب مغلق فكسره وسرق منها شاة؛ قطع، ولا يعتبر الغلق إذا كان الباب مردودًا إلا أن يكون بيتًا منفردًا في الصحراء بمأوى المراح، كذا في «النهر الفائق»، وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى.

((وقتلوا)) ؛ أي: قتلوا راعي لقاح النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ورعيان إبل الصدقة كما قدمناه؛ فافهم، ((وكفروا بعد إيمانهم)) قال الكرماني: عُلِم ذلك من الطرق الأُخر، فقد روى مسلم في «صحيحه»، والترمذي: أنهم ارتدوا عن الإسلام، قال القسطلاني: وهو في رواية سَعِيْد عن أنس في (المغازي) ، وفي رواية وهيب في (الجهاد) في أصل الحديث؛ فتأمل، ((وحاربوا)) بالحاء المهملة ((الله ورسوله)) عليه السلام، وإنما أطلق عليهم محاربين؛ لما ثبت عند أحمد من رواية حميد عن أنس رضي الله [عنه] في أصل الحديث، وهربوا محاربين، وقول المؤلف: (قال أبو قلابة...) إلخ إن كان داخلًا [10] في قول أيُّوب مفعولًا له؛ يكون داخلًا تحت الإسناد، وإن كان مقول البخاري؛ يكون تعليقًا منه، كذا قاله في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر: أن هذا قاله أبو قلابة استنباطًا، ثم قال: ليس موقوفًا على أبي قلابة كما توهمه بعضهم، ورده في «عمدة القاري»، فقال: (قلت: كلامه متناقض، كما لا يخفى) انتهى.

قلت: ولم يذكر وجه التناقض، ووجهه ظاهر، فإن قوله: (قاله استنباطًا) يفيد أنه موقوف عليه.

وقوله: (ليس موقوفًا) يفيد أنه مرفوع، وهذا التناقض ظاهر، وزعم العجلوني: أن مراد ابن حجر أنه استنباط من أبي قلابة هو قوله: (سرقوا) ، وأما الذي جعله ليس موقوفًا على أبي قلابة؛ فهو قوله: (وكفروا بعد إيمانهم...) إلخ؛ فتأمل.

قلت: تأملته فرأيته خلطًا وخبطًا، فإن المتبادر من كلام ابن حجر والظاهر منه أن قول أبي قلابة جميعه استنباطًا، وأنه ليس موقوفًا، وهذا التفصيل الذي زعمه العجلوني هو غير مراده؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لصرح به، وما هو إلا كلام بارد، وذهن شارد.

قال في «عمدة القاري»: (وفي الحديث من الأحكام: نظر الإمام في مصالح قدوة القبائل والغرباء إليه وأمره لهم بما يناسب حالهم، وإصلاح أبدانهم، وفيه: جواز التطبُّب وطب كل جسد بما اعتاده، ولهذا أفرد البخاري بابًا لهذا الحديث وترجم عليه: (الدواء بأبوال الإبل وألبانها) ، وفيه: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء، فإنه عليه السلام بعث في طلبهم لما بلغه فعلهم بالرعاء، واختلف [/ص219/] العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار، فنفاه الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وأثبته مالك، والشافعي، وفيه: مشروعية المماثلة في القصاص، وفيه: جواز عقوبة المحاربين، وهو موافق لقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ...}؛ الآية [المائدة: 33] ، وهل كلمة (أو) فيها للتخيير أو للتنويع قولان، وفيه: قتل المرتد من غير استتابة، وفي كونها واجبة أو مستحبة خلاف مشهور، وقيل: هؤلاء حاربوا والمرتد إذا حارب لا يُسْتَتَاب؛ لأنَّه يجب قتله، فلا معنى للاستتابة، انتهى، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (المذنبييان)، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (بدير)، وهو تصحيف، وكذا في الموضع اللاحق.
[3] في الأصل: (خمسة عشر )، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (واحدة)، ولعل المثبت هو الصواب.
[5] في الأصل: (سارق)، ولعله تحريف.
[6] في الأصل: (وحمسهم)، وكذا في الموضع اللاحق: (لم يحمس)، ولعله تحريف.
[7] في الأصل: (لا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[8] في الأصل: (كان).
[9] في الأصل: (ليس)، وكلاهما صحيح.
[10] في الأصل: (دخلًا)، ولعل المثبت هو الصواب.