المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

224-. حدَّثنا آدَمُ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وائلٍ:

عن حُذَيْفَةَ قالَ: أَتَى النَّبِيُّ [/ج1ص54/] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبالَ قائِمًا، ثُمَّ دَعا بِماءٍ، فَجِئْتُهُ بِماءٍ فَتَوَضَّأَ.

الأطراف



الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

224- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ الكوفيِّ، (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، واسم «اليمان»: حُسَيْلٌ؛ بمُهمَلتين، مُصغَّرٌ، أو [1] يُقال: حِسْلٌ؛ بكسرٍ ثمَّ سكونٍ، العبسيِّ؛ بالمُوَحَّدة [2] ، حليف الأنصار، صحابيٌّ جليلٌ من السَّابقين، صحَّ في «مسلمٍ» عنه: أنَّ رسول الله [3] صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان وما [4] يكون إلى أن تقوم السَّاعة، وأبوه صحابيٌّ أيضًا استُشهِد بأُحُدٍ، ومات حذيفة رضي الله عنه في أوَّل خلافة عليٍّ سنة ست وثلاثين، له في «البخاريِّ» اثنان وعشرون حديثًا (قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ)؛ بضمِّ المُهمَلة وتخفيف المُوَحَّدة: مرمى ترابٍ، وكناسة [5] (قَوْمٍ) من الأنصار، تكون بفناء الدُّور مرتفقًا لأهلها، أو «السُّباطة» الكناسة نفسها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتدُّ فيها [6] البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاصٍ لا [7] ملك؛ لأنَّها لا تخلو عن النَّجاسة، وفي رواية أحمد: «أتى سباطة قومٍ [8] فتباعدتُ منه، فأدناني حتَّى صرت قريبًا من عقبيه» (فَبَالَ) صلى الله عليه وسلم في الكناسة لدمثها [9] حال كونه (قَائِمًا) بيانًا للجواز، أو لأنَّه لم يجد للقعود مكانًا، فاضطر للقيام، أو كان بمأبضه _بالهمزة السَّاكنة والمُوَحَّدة المكسورة والضَّاد المُعجَمَة: وهو باطن ركبته الشَّريفة_ جرحٌ، أو استشفاءٌ من وجع صلبه على عادة العرب في ذلك، أو أنَّ [10] البول قائمًا أَحصن للفرج، فلعلَّه خشي من البول قاعدًا مع قربه من الناس خروج صوت منه، فإن قلت: لِمَ بال عليه الصلاة والسلام في السُّباطة من غير أن يبعد عن النَّاس أو يبعدهم عنه؟ أُجيب: بأنَّه لعلَّه كان مشغولًا بأمور المسلمين والنَّظر في مصالحهم، وطال عليه المجلس حتَّى لم يمكنه التباعد خشية التَّضرُّر [11] ، وقد أباح البول قائمًا جماعة، كعمر وابنه وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيَّب، وابن سيرين والنَّخعي والشَّعبي وأحمد، وقال مالكٌ: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء؛ فلا بأس به، وإِلَّا: فمكروهٌ، وكرهه للتَّنزيه عامَّة العلماء، فإن قلت: في التَّرجمة: البول قائمًا وقاعدًا، وليس في الحديث إلَّا القيام؟ [/ج1ص293/] أُجيب: بأنَّ وجه أخذه من الحديث أنَّه إذا جاز قائمًا؛ فقاعدًا أجوز؛ لأنَّه أمكن، (ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ) به، وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش ما [12] أخرجه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» بسندٍ صحيحٍ: أنَّ ذلك كان بالمدينة.

واستُنبِط من الحديث جواز البول بالقرب من الدِّيار، وأنَّ مدافعة البول مكروهةٌ.

ورواته الخمسة ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّهارة» [خ¦226] ، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] في (د) و(ص): «ويقال».
[2] في (م): «بمُوحَّدةٍ».
[3] «رسول الله»: ليس في (د)، وفيها: «أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم».
[4] في (م): «بما».
[5] في (د) و(س): «كناسة».
[6] في (ب) و(س): «منها».
[7] زيد في (م): «إضافة».
[8] «أتى سباطة قومٍ»: سقط من (م).
[9] في (د): «لدمسها»، وهو بمعناه.
[10] في (د) «وأنَّ».
[11] في غير (ص) و(م): «الضَّرر».
[12] في (م): «بما».





لا تتوفر معاينة

224- قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ): تقدَّم مرَّاتٍ أنَّه ابن أبي إياس، وتقدَّم الكلام على [1] صرف (آدم) وعدم صرفه فيما مضى.

قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ): تقدَّم أنَّه سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ أبو محمَّد الكاهليُّ، الحافظ أحد الأعلام.

قوله: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ): هو شقيق بن سلَمة -بفتح اللَّام- الأسديُّ، مخضرم، سمع عمر ومعاذًا، وعنه: منصور، والأعمش، قال: (أدركت سبع سنين [2] من سني الجاهليَّة) ، توفِّي سنة (82 هـ ) ، وكان من العلماء العاملين، أخرج له الجماعة، وقد ذكرت المخضرمين في مؤلَّف مفرد، فإنْ أردتهم؛ فانظر المؤلَّف المشار إليه.

قوله: (عَنْ حُذَيْفَةَ): هذا هو ابن اليماني حِسْل -ويقال: حُسيل- ابن جَابِر بن عمرو بن ربيعة بن [3] جروة، وجروة حالفَ بني عَبْد الأشهل حين أصاب دمًا في قومه، فقيل: اليماني؛ لأنَّ الأنصار من اليمن، وياء (اليماني) وكذا [4] (العاصي) وكذا (ابن أبي الموالي) وكذا (ابن الهادي) ، قال النوويُّ: (الصَّحيح إثباتها) ، شهد حذيفة وأخوه صفوان وأبوهما أحُدًا، فقتل المسلمون أباه خطأ، وسيأتي من قتل أباه خطأ إنْ شاء الله تعالى وقدَّره، وقد منع حذيفةَ وأباه شهودَ بدر استحلافُ الجاهليَّة لهما، روى عنه: الأسود، وربعيُّ بن حراش، وأبو إدريس، وطائفة، وهو صاحب السِّرِّ الذي لا يعلمه غيره، توفِّي سنة (36 هـ ) ، أخرج له الجماعة رضي الله عنه.

قوله: (سُبَاطَةَ قوم): هي بضمِّ السِّين، ثُمَّ موحَّدة مخفَّفة، وبعد الألف طاء مهملتين، ثُمَّ تاء التَّأنيث؛ وهي المزبلة، وأصلها الكناسة التي يُلقى فيها، وكانت هذه السُّباطة بالمدينة، كما ذكره محمَّد بن طلحة بن مُصرِّف عنِ الأعمش.

فائدة: في سبب بوله صلَّى الله عليه وسلَّم قائمًا اختلاف:

فقيل: إنَّ العرب كانت تستشفي لوجع الصُّلب به [5] ، فلعلَّ ذلك كان به.

ثانيها: أنَّه فعل ذلك لجرح بمأبضه، وهو باطن الرُّكبة، ورواه [6] الحاكم في «مستدركه»، وقال: (رواته [7] كلُّهم ثقات) ، وقد ضعَّفه البيهقيُّ وغيره، وقد تعقَّب الذَّهبيُّ الحديث في «تلخيصه» بأنْ قال: (حمَّاد -يعني: ابن غسَّان المذكور في سنده- ضعَّفه الدَّارقطنيُّ) انتهى.

ثَالِثها: أنَّه لم يجد مكانًا للقعود فاضطر إلى القيام؛ لكون الطَّرف الذي يليه من السُّباطة كان عاليًا مرتفعًا.

رابعها: أنَّه فعل ذلك؛ لأنَّها حالة يؤمن فيها [8] خروج الحدث من السَّبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر رضي الله عنه: [/ج1ص103/] (البول قائمًا أحصن للدُّبر) .

قال النوويُّ: (ويجوز [9] وجه خامس: أنَّه فعله بيانًا للجواز، وعادته المستمرَّة القعود، دليله حديث عائشة رضي الله عنها: «من حدَّثكم أنَّه عليه السَّلام كان يبول قائمًا؛ فلا تصدِّقوه، ما كان يبول إلَّا قاعدًا»، رواه أحمد، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه بإسناد جيِّد، لا جرم صحَّحه ابن حبَّان والحاكم) .

سادسها: لعلَّه كان في السُّباطة نجاسات رطبة، وهي رخوة، فخشي أنْ يتطاير عليه، أبداه المنذريُّ، وقد يقال: القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد.

[1] (على): مثبت من (ج) .
[2] في (ج): (وستين) ، وهو تحريفٌ.
[3] (ربيعة بن): ليس في (ب) و (ج) .
[4] (كذا): ليس في (ج) .
[5] (به): ليس في (ب) .
[6] في (ب): (رواه) .
[7] في (ج): (رواتهم) .
[8] (فيها): ليس في (ج) .
[9] (ويجوز): ليس في (ب) .





لا تتوفر معاينة

224- ( سُبَاطَةَ ) بضمِّ المهملة بعدها موحَّدة: المزبلة والكناسة تكون بفِناء الدُّور مرفقًا لأهلها.

( فَبَالَ قَائِمًا ) في بعض الرِّوايات عند الحاكم وغيره: «من [وجع] [1] كان بمأْبضه» وهو بهمزة ساكنة وموحَّدة ومعجمة: عِرْق في باطن الرُّكبة.

وفي «المصنَّف» لابن أبي شيبة عن مجاهد قال: «ما بال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قائمًا إلَّا مرَّة في كثيب أعجبه».

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (جرح)





224- وبه قال: ((حدثنا آدم)) ؛ بمد الهمزة، هو ابن أبي إياس ((قال: حدثنا شعبة)) ؛ هو ابن الحجاج، ((عن الأعمش)) ؛ هو سليمان بن مهران، ((عن أبي وائل)) ؛ هو شقيق الكوفي، ولأبي داود الطيالسي: (عن شعبة، عن الأعمش: أنه سمع أبا وائل) ، ولأحمد: (عن يحيى القطان، عن الأعمش قال: حدثني أبو وائل) ((عن حذيفة)) ؛ بضمِّ الحاء المهملة على التصغير، هو ابن اليمان، واسمه حُسَيل؛ بمهملتين مصغرًا، أو حِسْل؛ بكسر فسكون، العبسي _بالموحدة_ حليف الأنصار صحابي جليل، صح في «مسلم» عنه أنَّ النبي الأعظم عليه السلام أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابي أيضًا، استشهد بأُحد، وتوفي حذيفة في أول خلافة علي رضي الله عنه سنة ست وثلاثين ((قال: أتى)) بفتح الهمزة ((النبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم سُبَاطة)) ؛ بضمِّ المهملة، وتخفيف الموحدة بعدها، على وزن (فُعالة) بالضم؛ وهي الموضع الذي يرمى فيه التراب؛ أي: تراب الكناسة، وقيل: هي الكناسة نفسها، وقال في «القاموس»: (السباطة: الكناسة تطرح بأفنية البيوت) انتهى؛ أي: مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد منها البول على البائل، وكانت بالمدينة كما ذكره محمَّد بن طلحة بن مصرف [1] عن الأعمش، وكذا ذكره عيسى بن يونس، عن الأعمش، كما أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» ((قوم)) ؛ أي: من الأنصار، وإضافة السباطة إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنَّها كانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيف إليهم لقربها منهم، ولهذا بال عليه السلام عليها، وبهذا يندفع إشكال من قال: إن البول يوهي الجدار وفيه ضرر، فكيف هذا من النبي عليه السلام؟ وقد يقال: إنَّما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وقد صرح به في رواية أبي عوانة في «صحيحه»، وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه عليه السلام بإيثارهم إياه بذلك؛ لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره؛ لأنَّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا كله على تقدير أن تكون السباطة ملكًا لأحد، أو لجماعة معينين، وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه، بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله؛ جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه، وهذا أيضًا على تقدير أن تكون ملكًا لقوم.

فإن قلت: كان من عادته عليه السلام التباعد في المذهَب، وقد روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة أنه عليه السلام كان إذا ذهب المذهب؛ أبعد، والمذهَب؛ بالفتح: الموضع الذي يتغوط فيه؟

قلت: يحتمل أنه عليه السلام كان مشغولًا في ذلك الوقت بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم، فلعله طال عليه الأمر فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد، وأنه لو أبعد؛ لكان تضرر، ويخالف هذا ما روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: (كنت مع النبي عليه السلام ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدار فبال...) ؛ الحديث، ولا مخالفة؛ لأنَّه يجوز أن يكون الجدار ههنا عاديًّا غير مملوك لأحد، أو يكون قعوده متراخيًا عن جرمه فلا يصيبه البول، كذا قرره في «عمدة القاري».

((فبال)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام في الكناسة ((قائمًا)) ؛ بالنصب على الحال من الضمير الذي في قوله: (فبال) ، واختلف في سبب بوله عليه السلام قائمًا، فقال الحافظ الطحاوي: (لكون ذلك سهلًا ينحدر فيه البول، فلا يرتد على البائل) ، وقال القاضي عياض: (إنما فعله لشغله بأمور المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى حصره البول، ولم يمكنه التباعد كعادته، وأراد السباطة لدمثها، وأقام حذيفة يستره عن الناس) ، وقال المازري: (فعل ذلك؛ لأنَّها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: البول قائمًا أحصن للدبر) .

وقال ابن حجر: (لأنَّه عليه السلام لم يجد مكانًا للقعود، فاضطر إلى القيام؛ لكون الطرف الذي تليه السباطة عاليًا مرتفعًا) ، قلت: وهذا ليس بوجه؛ لأنَّ الأرض واسعة وكون الطرف عاليًا ممنوع؛ لأنَّها لا تكون إلا غير عالية حتى تتسع التراب.

وقال البدري: (لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن يتطاير عليه منها) ، قلت: فيه نظر؛ لأنَّ القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد، واتفق الشراح على أنه عليه السلام فعل ذلك بيانًا للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعدًا، ونقل علماؤنا: أن العرب كانت تستشفي بالبول قائمًا لوجع الصلب فلعله عليه السلام كان به إذ ذاك، وقد أجمع سبعون حكيمًا على أن البول في الحمام قائمًا دواء من سبعين داء، وقيل: لأنَّه كان برجله جرح، ويدل لهذا ما أخرجه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: (أن النبي عليه السلام بال قائمًا من جرح كان بمأْبِضه) ، لكن قال الذهبي: (هذا حديث منكر) ، وضعفه ابن عساكر والبيهقي، والمأْبِض؛ بهمزة ساكنة بعد الميم، ثم موحدة مكسورة، وبالضاد المعجمة: باطن الركبة، كذا في «عمدة القاري» مع زيادة.

((ثم دعا)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((بماء)) ؛ لأجل الوضوء، ((فجئته بماء)) أظهر في محل الإضمار ليعلم أن الجائي هو ومعه الماء؛ لأنَّ قوله: (دعا بماء) يحتمل الدعاء له ولغيره، فلما قال: (فجئته بماء) ؛ عُلِم منه أنه المدعو، وأنه الجائي ومعه الماء؛ فافهم.

وقد خفي هذا على العجلوني، فقال: (وانظر حكمة إعادته «ماء» ظاهرًا) مع كثرة كلامه، وطول لسانه، ((فتوضأ)) زاد مسلم وغيره من طرقٍ عن الأعمش: (فتنحيت، فقال: «ادنه»، فدنوت حتى قمت عند عقبيه) ، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان: (أتى سباطة قوم فتباعدت منه، فأدناني حتى صرت قريبًا من عقبيه، فبال قائمًا، ودعا بماء فتوضأ ومسح على خفيه) ، وروى ابن ماجه من طريق شعبة أن عاصمًا روى له عن أبي وائل، عن المغيرة: (أن النبي عليه السلام أتى سباطة قوم فبال قائمًا) ، ولم يذكر فيه (ومسح على خفيه) ، ولا يقدح في ذلك عدم ذكره لها، فإنها زيادة من ثقة حافظ لكن قال في «عمدة القاري» نقلًا عن الترمذي: حديث أبي وائل عن حذيفة أصح من حديثه عن المغيرة، قال: وأيضًا لا يبعد أن يكون أبا وائل رواه عن رجلين، والرجلان شاهدا ذلك من فعله عليه السلام، وأن أبا وائل أدى الحديثين عنهما فسمعه جماعة، فأدى كلٌّ ما سمع، ودليله أن غيرهما حكى ذلك عنه عليه السلام أيضًا؛ منهم: سهل بن سعد رضي الله عنه وحديثه في «صحيح ابن خزيمة»، وأبو هريرة وحديثه عند الحاكم والبيهقي.

ففي الحديث جواز البول قائمًا فقاعدًا أجوز؛ لأنَّه أمكن، ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه رضي الله عنهم: أنه يُكْرَهُ البول قائمًا؛ لتنجيس الشخص به غالبًا إلا لعذر؛ كوجع بصلبه ونحوه، وهو مذهب ابن مسعود، وإبراهيم بن سعد، وكان سعد لا يجيز شهادة من بال قائمًا، وهو قول الجمهور، وقال مالك: إن بال في مكان لا يتطاير عليه منه شيء؛ فلا بأس به، وإلا؛ مكروه، وقال قوم: إنه مباح، وهو مروي عن عمر وابنه، وزيد بن ثابت، وسهل بن ساعد$ فإنهم بالوا قيامًا، وبه قال سَعِيد بن المسيب، وابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وأحمد، وقال الشافعي: يُكْرَهُ قائمًا كراهة تنزيه بدون عذر، وكذلك روي البول قائمًا عن أنس، وعلي، وأبي هريرة رضي الله عنهم، قال في «عمدة القاري»: وكل ذلك ثابت عن النبي عليه السلام.

فإن قلت: رويت أحاديث ظاهرها يعارض حديث الباب؛ منها: حديث المقداد، عن أبيه، عن عائشة قالت: (من حدثك أن رسول الله عليه السلام بال قائمًا؛ فلا تصدقه؛ أنا [/ص201/] رأيته يبول قاعدًا) ، أخرجه البستي في «صحيحه»، ورواه الترمذي في «صحيحه» بلفظ: (ما بال قائمًا منذ أنزل عليه القرآن) ، ومنها: حديث بريدة، رواه البزار بسند صحيح: أن رسول الله عليه السلام قال: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا...»؛ الحديث؛ ومنها: حديث عمر، أخرجه البيهقي من حديث ابن جريج قال عمر: رآني رسول الله عليه السلام أبول قائمًا، فقال: «يا عمر؛ لا تبل قائمًا»، قال: فما بلت قائمًا بعد، ومنها: حديث جابر، أخرجه البيهقي أيضًا من حديث عدي بن الفضل، عن جابر قال: (نهى رسول الله عليه السلام أن يبول الرجل قائمًا) .

قلت: أما الجواب عن حديث عائشة؛ فإنه مسند إلى علمها فيُحْمَلُ على ما وقع منه في البيوت، وأما غير البيوت؛ فلا تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة رضي الله عنه وهو من كبار الصحابة، وأيضًا يمكن أن يكون قول عائشة: (ما بال قائمًا) ؛ يعني: في منزله، ولا اطلاع لها على ما في خارجها، وقول أبي عوانة في «صحيحه»، وابن شاهين: (إن حديث حذيفة منسوخ بحديث عائشة) ممنوع، والصواب أنه لا يقال: إنه منسوخ؛ لأنَّ كلًّا من عائشة وحذيفة أخبر بما شاهده، فدل على أن البول قائمًا وقاعدًا يجوز، ولكن كرهه العلماء قائمًا؛ لوجود أحاديث النهي وإن كان أكثرها غير ثابت، وأما حديث بريدة؛ فقال الترمذي: (إنه غير محفوظ) ، لكن فيه نظر؛ لأنَّ البزار أخرجه بسند صحيح كما ذكرنا، وأما حديث عمر؛ فضعيف؛ لأنَّ ابن جريج رواه عن عبد الكريم بن أبي أمية، وهو ضعيف، وقال الترمذي: إنَّما رفعه عبد الكريم، وقد ضعفه أيِّوب، وتكلم فيه، وروى عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: ما بلت قائمًا منذ أسلمت، وهذا أصح من حديث عبد الكريم، وأما حديث جابر؛ ففي روايته عدي بن الفضل، وهو ضعيف، وقول أبي القاسم عبد الله بن أحمد البلخي: (حديث حذيفة فاحش منكر لا نراه إلا من قبل بعض الزنادقة) ؛ فمردود؛ لأنَّه كلام سوء لا يساوي سماعه وهو في غاية الصحة، كذا قرره في «عمدة القاري».

قال في «شرح المشكاة»: (قيل: النهي للتنزيه، وقيل: للتحريم) ، وذكر في «البناية شرح الهداية» عن الحافظ الطحاوي: (أنه لا بأس بالبول قائمًا) انتهى.

والحاصل: أن البول قائمًا مكروه عندنا، والتعبير بـ (لا بأس) يفيد أن تركه أولى، وهو مفاد كراهة التنزيه، وكذا يُكْرَهُ البول في محل التوضؤ، وكذا في محل الاغتسال؛ لقوله عليه السلام: «لا يبولنَّ أحدكم في مستحمه، ثم يغتسل فيه أو يتوضأ، فإن عامة الوسواس منه»، قال ابن الملك: لأنَّ ذلك الموضع يصير نجسًا فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه منه رشاش أم لا؟ حتى لو كان بحيث لا يعود منه رشاش أو كان فيه منفذ بحيث لا يثبت فيه شيء من البول؛ لم يكره البول فيه؛ لأنَّه لا يجره إلى الوسوسة حينئذ؛ لأمنه من عود الرشاش إليه في الأول، ولطهر أرضه في الثاني بأدنى ماء طهور يمر عليها، كذا في «شرح المشكاة».

وكذا يكره أن يبول أو يتغوط في الماء ولو كان جاريًا والكراهة للتنزيه، وكذا يكره أن يبول أو يتغوط في الماء الراكد، والكراهة للتحريم، كذا في «البحر»، وقيل: إنه في الراكد القليل يحرم؛ لأنَّه ينجسه وتنجيس الطاهر حرام، وفي الكثير يكره تحريمًا، والتغوط كالبول، بل هو أقبح، أفاده المحشي، وكذا يُكْرَهُ البول مضطجعًا أو متجردًا من ثوبه بلا عذر، وفي أسفل الأرض إلى أعلاها، كما في «الدر»، وكذا يُكْرَهُ في الماء بالليل مطلقًا؛ خشية أن يؤذيه الجن؛ لما قيل: إن الماء بالليل مأواهم، انتهى.

وكذا يُكْرَهُ البول والتغوط بقرب بئر، أو نهر، أو حوض، أو مصلَّى عيد، أو قافلة، أو خيمة، أو بين الدواب، أو مصلَّى جنازة، والطريق، والظل، والجحر، وتحت شجرة مثمرة، أو مكان معد لنزهة الناس، كذا في «منهل الطلاب»، وهذا إذا كان مباحًا، أما إذا كان مملوكًا؛ فيحرم فيه قضاء الحاجة بغير إذن مالكه، كما في «شرح المشكاة».

وفي الحديث دليل على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة؛ لما فيه من الضرر، كما في «عمدة القاري»، قلت: فإن داء الحصبة يحصل منه غالبًا، وربما يورث داء الاستسقاء؛ لأنَّه لحصره ينفذ البول إلى الجلد فيعفن ويحصل المرض، ويقاس على هذا التغوط، فإنه كذلك يضر البدن، فمدافعته مكروهة؛ لأنَّه يحصل منه وجع الرأس بسبب البخار الصاعد منه إلى الدماغ، ويورث وجع الظهر، وغير ذلك كما بينته في «منهل الطلاب».

وفي الحديث أيضًا جواز البول بالقرب من الديار وجواز طلب البائل من صاحبه الماء للوضوء، وخدمة المفضول للفاضل، والله تعالى أعلم، اللهم فرج عنا وعن المسلمين يا أرحم الراحمين.

[1] في الأصل: (مطرف)، وهو تحريف.