المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

190-. حدَّثنا [1] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ يُونُسَ، قالَ: حدَّثنا حاتِمُ بنُ إِسْماعِيلَ، عن الجَعْدِ، قالَ:

سَمِعْتُ السَّائِبَ بنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خالَتِي إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ [2] . فَمَسَحَ رَأسِي، وَدَعا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إلىَ خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ [3] زِرِّ الحَجَلَةِ.

الأطراف



[1] في رواية المُستملي وأبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بابٌ: حدَّثنا»، وهي مثبتة في متن (ب، ص).
[2] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «وَقِعٌ»؛ بكسر القاف، وفي رواية أبي ذر ونسخة السميساطي: «وَقَعَ» بفتح القاف.
[3] بالنصب؛ مفعولُ «نَظَرتُ»، وفي رواية الأصيلي: «مِثْلِ» بالجر؛ بدلًا من «خاتَم».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

190- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ) البغداديُّ، المُستملي لسفيان بن عُيَيْنَةَ وغيره، وهو أحد الحفَّاظ، المُتوفَّى فجأةً سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ)؛ بالحاء المُهمَلة، والمُثنَّاة الفوقيَّة، الكوفيُّ، نزيل المدينة، المُتوفَّى بها سنة ستٍّ وثمانين ومئةٍ في خلافة هارون، (عَنِ الْجَعْدِ)؛ بفتح الجيم، وسكون العَيْن المُهمَلة، وللأكثر [1] : ((الْجُعيد))؛ بالتَّصغير، وهو المشهور، ابن عبد الرَّحمن [/ج1ص270/] ابن أوسٍ، المدنيُّ الكنديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ)؛ بالسِّين المُهمَلة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره مُوحَّدةٌ، والثَّاني: مِنَ الزِّيادة، الكنديَّ، من صغار الصَّحابة، كان مع أبيه في حجَّة الوداع وهو ابن سبع سنين، ووُلِد في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وخرج مع الصِّبيان إلى ثنيَّة الوداع لتلقِّي [2] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مقدمه من تبوك، وتُوفِّي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، له في «البخاريِّ» ستَّة أحاديث رضي الله عنه، (يَقُولُ: ذَهَبَتْ)؛ أي: مضت (بِي خَالَتِي) لم تُسمَّ (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عُلْبة [3] ؛ بالعين المُهمَلة [4] المضمومة، واللَّام السَّاكنة، والمُوحَّدة، بنت شُرَيْحٍ، (وَقِعٌ)، بفتح الواو، كسر القاف، والتَّنوين؛ أي: أصابه وجعٌ في قدميه، أو يشتكي لحم رجليه من الحفاء؛ لغلظ الأرض والحجارة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وَقْعَ))؛ بفتح القاف، بلفظ الماضي؛ أي: وقع في المرض، وفي «الفرع» لأبي ذَرٍّ وكريمة وأبي الوقت: ((وَجِعٌ))؛ بفتح الواو، وكسر الجيم، والتَّنوين، وعليه الأكثرون، والعرب تسمِّي كلَّ مرضٍ وجعًا، قال السَّائب: (فَمَسَحَ) عليه الصلاة والسلام (رَأْسِي) بيده الشَّريفة، (وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ)؛ بفتح الواو؛ أي: مِنَ الماء المتقاطر من أعضائه الشَّريفة، وبهذا التَّفسير تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث؛ إذ فيه: دلالةٌ على طهارة الماء المُستعمَل، (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) عليه الصلاة والسلام، (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ)؛ بكسر تاء «خاتم»؛ أي: فاعل الختم؛ وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها بمعنى: الطَّابع، ومعناه: الشَّيء الذي هو دليلٌ على أنَّه لا نبيَّ بعده، وفيه: صيانةٌ لنبوَّته عليه الصلاة والسلام عن تطرُّق القدح إليها، صيانة الشَّيء المستوثق بالختم، وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سَرْجِس [5] : في نغْض كتفه اليسرى؛ بضمِّ النُّون وفتحها، وسكون الغَيْن المُعجَمة، آخره ضادٌ مُعجَمةٌ، أعلى الكتف أو العظم [6] الدَّقيق [7] الذي على طرفه (مِثْلَ)؛ بكسر الميم، وفتح اللَّام، مفعول «نظرت»، وللأَصيليِّ: ((مثلِ)) بكسرها بدلٌ من المجرور، (زِرِّ الْحَجَلَةِ)؛ بكسر الزَّاي، وتشديد الرَّاء، واحد: الأزرار، و«الحَجَلة»: بفتح المُهمَلَة والجيم، واحدة الحجال؛ وهي بيوتٌ تُزيَّن بالثِّياب والسُّتور والأسِرَّة، لها عُرًى وأزرارٌ، وفي رواية أحمد من حديث أبي رمثة [8] التَّيميِّ قال: خرجت مع أبي حتَّى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت على كتفه مثل التُّفَّاحة، فقال أبي: إنِّي طبيبٌ، ألا أبُطُّها [9] لك؟ قال: «طبيبُها [10] الذي خلقها»، فإن قلت: هل وضع الخاتم بعد مولده عليه الصلاة والسلام أو وُلِدَ وهو به؟ أُجيب: بأنَّ في «الدَّلائل» لأبي نُعيمٍ: «أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا وُلِدَ ذكرت أمُّه أنَّ الملَك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمساتٍ، ثمَّ أخرج صرَّةً من حريرٍ أبيض فإذا فيها خاتمٌ، فضرب به على كتفه؛ كالبيضة المكنونة تضيء كالزَّهرة»، فهذا صريحٌ في وضعه بعد مولده، وقِيلَ: وُلِدَ به، والله أعلم، وفي كتابي [11] «المواهب» مزيدٌ لذلك، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ في «صفته عليه الصلاة والسلام» مزيدُ بحثٍ لذلك.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف في «صفته عليه الصلاة والسلام» [خ¦3541] ، وفي «الطِّبِّ» [خ ¦5670] ، و«الدَّعوات» [خ¦6352] ، ومسلمٌ في «صفته عليه الصلاة والسلام»، والتِّرمذيُّ في «المناقب» وقال: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ».

[1] في (ب) و(س): «وللأكثرين»، وفي (م): «والأكثر».
[2] في (م): «ليلقى».
[3] في (د): «علية»، وهو تصحيفٌ.
[4] «المُهمَلَة»: سقط من غير (ب) و(س).
[5] في (د): «جرجس»، وليس بصحيحٍ.
[6] «أو العظم»: سقط من (م).
[7] في (ص) و(م): «الرقيق».
[8] في (م): «رمية»، وفي سائر النُّسخ: «رميمة»، والتَّصحيح من «مسند أحمد» وكتب التَّراجم.
[9] في (ص): «أطيِّبها»، وفي غير (م): «أطبُّها».
[10] في (م): «طيَّبها».
[11] في (ص): «كتاب».





190- (مِثْل زِرِّ): بجرِّ (مِثْلِ) على النَّعت لـ (خَاتَمِ)، وبنصبِه على الحال؛ أي: مُشْبِهًا زِرَّ الحَجَلَةِ [1] .

[1] رواية الأصيلي: (مِثْلِ) بالجرِّ، ورواية غيرِه: (مِثْلَ) بالنصب.





190- قوله: (عَنِ الجَعْدِ): هو ابن عَبْد الرَّحمن، ويقال له: الجُعَيْد؛ بالتَّصغير، عنِ السَّائب بن يزيد وجماعة، وعنه: يحيى القطَّان ومكِّيٌّ، وهو ثقةٌ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

قوله: (السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ): هو السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ بن سعيد أبو يزيد، المعروف بابن أخت نمر، قيل: إنَّه ليثيٌّ كنانيٌّ، وقيل: أزديٌّ، وقيل: كنديٌّ، وقيل: هذليٌّ، حليف بني أميَّة، ولد في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وخرج في الصبيان إلى ثنيَّة الوداع يتلقَّى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مقدمه من تبوك، وشهد حجَّة الوداع، وذهبت به خالته -و لا أعرف اسمها، [ورأيت في كلام بعض حفَّاظ العصر: أنَّ اسمها فاطمة، انتهى، قد رأيت في «تجريد» الذَّهبيِّ: (فاطمة بنت شريح) ، قال: ذكرها أبو عبيدة في الزوجات، كذا قال ابن [1] بشكوال، انتهى] [2] ، وأمُّه اسمها عليَّة بنت شريح- إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فدعا له ومسح برأسه، وقال: (نظرت إلى خاتم النُّبوَّة) ، أخرج له الجماعة، وأحمد في «المُسند»، توفِّي سنة (91 هـ ) ، وقيل: سنة (86 هـ ) .

قوله: (ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي): تقدَّم أعلاه أنِّي لا أعرف اسمها، [وتقدَّم ما رأيته عن بعض حفَّاظ العصر من أنَّ اسمها فاطمة] [3] وهي مذكورة في الصَّحابيَّات بخالة السَّائب [4] ، وتقدَّم أعلاه أنَّ أمَّه اسمها عليَّة بنت شريح، وهي صحابيَّة مشهورة رضي الله عنها وعن خالته وعنه [5] .

قوله: (وَجِعٌ): هو بفتح الواو، وكسر الجيم، كذا في النُّسخة التي سمعت منها على شيخنا العراقيِّ، قال ابن قُرقُول: («وجع»: كذا لأكثرهم، وعند ابن السَّكن في باب «استعمال وضوء النَّاس»: «وَقِعٌ»، وهو بمعنى: وجع؛ أي: مشتكٍ مريضٌ) ، وقال شيخنا الشَّارح: (كذا رواه ابن السَّكن، وقال الإِسْمَاعِيليُّ: كذا هو في «البخاريِّ»، والأكثرون يقولون: «وجِع»، وفي رواية أبي ذرٍّ: «وقع» على لفظ الماضي، وقال ابن بطَّال: «وقع»: معناه في المرض) ، قال: (وإنْ كان روي بكسر القاف؛ فأهل اللُّغة يقولون: وقِعَ الرَّجلُ؛ إذا اشتكى لحم قدمه...) إلى أنْ قال: (والمعروف عندنا: «وقَعَ»؛ بفتح القاف والعين، وقوَّاه شيخنا الشَّارح بما هو مذكور في «ابن سيده»؛ فذكره [6] ) انتهى.

قوله: (مِثْل زِرِّ الحَجَلَةِ [7] ): هو بجرِّ (مثل) صفة لـ (خاتم) ، ونصبها على الحال؛ أي: مشبهًا زرَّ الحجلة.

قوله: (زِرِّ الحَجَلَةِ): هو ما يدخل في عراها، قال ابن قُرقُول: (كذا في «مسلم»، وفي «البخاريِّ» مثله في «باب خاتم النُّبوَّة»، وجاء للقابسيِّ في موضع [8] آخر: بسكون الجيم، فقال البخاريُّ في تفسيره: «الحُجْلة: من حُجَل الفرس الذي بين عينيه»، كذا قيَّده بعضهم بضمِّ الحاء وسكون الجيم في الأوَّل، وبضَمِّها وفتح الجيم من الثَّاني، وبعضهم: بكسر الحاء، وبفتح الجيم أيضًا، فإنْ كان البخاريُّ سمَّى البياض بين عيني الفرس: حُجْلة؛ لكونه بياضًا، كما سُمِّي بياض القوائم [تحجيلًا] ؛ فما معنى ذكر (الزر) مع هذا؟ لا يتَّجه لي فيه وجه، وفسَّر التِّرمذيُّ في كتابه (الزرَّ) بالبيض، فقال: (زرُّ [9] الحُجْلة: بيضها) ، فـ(الحُجْلة) عنده: الطائر الذي يُسمَّى القَبْج، وقال الخطَّابيُّ بتقديم الرَّاء على الزاي، كأنَّه [10] أخذه من رَزِّ الجراد؛ وهو بيضها، فاستعاره للطَّائر، وأمَّا تسمية البيض بـ«زرٍّ»؛ فلا أعرف له وجهًا، وإنَّما الزِّرُّ واحدُ الأزرار التي تدخل في العُرى؛ كأزرار القميص، و«الحَجَلَة»: إحدى الحجال؛ وهي سُتُور، وهذا أولى ما قيل، وكأنَّ من فسَّر الزرَّ بالبيض؛ نظر إلى ما ورد في بعض طرق هذا الحديث: «مثل بيضة الحمامة»، ثُمَّ رأى: «زِرَّ الحجلة»؛ ففسَّره ببيضها؛ اعتمادًا على ما وجد من ذكر بيضة الحمامة) [11] انتهى، وسيأتي الكلام فيه أيضًا إنْ شاء الله تَعَالَى مع زيادة إبراهيم بن حمزة كيف النُّطق بها في (باب خاتم النُّبوَّة) إنْ شاء الله تَعَالَى وقدَّره.

مسألة: سئلت عن خاتم النُّبوَّة: هل هو من خصائصه أو أنَّ كلَّ نبيٍّ مختوم بخاتم النُّبوَّة؟

فأجبت: بأنِّي لا أستحضر في ذلك شيئًا، ولكن الذي يظهر لي أنَّه من خواصِّه؛ لأنَّه خُتِم به لمعانٍ؛ أحدها: أنَّه إشارة إلى أنَّه خاتم النَّبيِّين، وليس كذلك غيره، ولأنَّ باب النُّبوَّة قد خُتِم به، فلا يُفتَح بعده.

وممَّا يسأل عنه أيضًا: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام ولد من بطن أمِّه مختومًا بخاتم النُّبوَّة، أو جُعِل الخاتم بين كتفيه بعدما ولد عندما شُقَّ صدره عند ظئره حليمة أو حين نبِّئ؟

وجوابه: أنَّه روى ابن أبي الدُّنيا وغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: (قلت: يا نبيَّ الله؛ كيف علمت أنَّك نبيٌّ وبِم علمت حتَّى استيقنت؟ قال: «يا أبا ذرٍّ؛ أتاني مَلَكان وأنا ببطحاء مكَّة، فوقع أحدهما بالأرض»؛ فذكر قصَّة، وأنَّه وُزِن برجل، ثُمَّ بعشرة، ثُمَّ بمئة، ثُمَّ بألف... إلى أنْ قال: «وجُعِل الخاتم بين كتفيَّ كما هُوَ الآن، ووَلَّيا عنِّي، فكأَنِّي أعاين الأمر معاينة»، وفي «سيرة مغلطاي الصُّغرى»: (وقيل: وُلد وهو به) ، وسيأتي في (باب خاتم النُّبوَّة) الرِّوايات في صفة هذا الخاتم والمسألة والسُّؤال [12] إنْ شاء الله تَعَالَى وقدَّره. [/ج1ص92/]

[1] (ابن): ليس في (ب) .
[2] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[4] زيد في (ج): (وليتثبت من اسمها) ، وضرب عليها في (أ) .
[5] (وعن خالته وعنه): ليس في (ب) .
[6] (فذكره): ليس في (ج) .
[7] في هامش (ق): (الحجلة: طائر معروف، والزر: موضع الأزرار؛ وهو طوقه) .
[8] في (ج): (مواضع) .
[9] في (ب): (زرا) ، وفي (ج): (وزر) .
[10] في (ج): (فكأنَّه) .
[11] «مطالع الأنوار» (*) .
[12] (والمسألة والسؤال): ليس في (ج) .





190- ( وَجِعٌ ) كذا لأكثر الرواة، وفي رواية ابن السكن: «وقع» بالقاف، وذكرها البخاري في المناقب، أي: به وجع في القدمين.

( مِثْلِ زِرِّ ) بجر ( مثل ) على النعت لـ( خاتم )، وبنصبه على الحال، أي: مشبهًا زر الحَجَلة، وهي التي تُشدُّ على حجال العرائس من الكلل والستور، ووَهِم من ظنها بيضة حجل الطائر.


190- ( وَقِعٌ ): بكسر القاف والتَّنوين، وللكُشْمِيهنيِّ بلفظ الماضي، ولكريمة: «وَجِع» بالجيم والتَّنوين، والوقع: وجع في القدمين.

( مِثْلِ ): بالجرِّ نعتًا، والنَّصب حالًا.

( زِرِّ الْحَجَلَةِ ): بكسر الزَّاي وتشديد الرَّاء، والحَجلة بفتح المهملة والجيم: البشخاناه، وزِرُّها واحد أزرارها، وقيل: المراد بها الطَّير المعروف، وزِرُّها: بيضها. [/ج1ص330/]


190- وبه قال: ((حدثنا عبد الرحمن بن يونس بن هاشم)) ؛ هو أبو مسلم البغدادي، المستملي لسفيان بن عيينة وغيره، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين فجأة ((قال: حدثنا حاتِم)) بالحاء المهملة وكسر المثناة الفوقية ((بن إسماعيل)) الكوفي، نزيل المدينة، المتوفى بها سنة ست وثمانين ومئة في خلافة هارون، ((عن الجَعْد)) ؛ بفتح الجيم وسكون العين المهملة، وللأكثر وهو المشهور: (الجعيد) ؛ بالتصغير، ابن عبد الرحمن بن أوس، الكندي المدني الثقة ((قال: سمعت السائب)) اسم فاعل _بالمهملة والهمز_ من السيب؛ بالمهملة والتحتية والموحدة، ((بن يزيد)) من الزيادة، الكندي، ويقال: الهذلي، أو الليثي، أو الأسدي، وأبوه صحابي، قال: (حجَّ بي أبي مع النبي عيه السلام حجة الوداع، وأنا ابن سبع سنين) ، ولد في السنة الثانية من الهجرة، فهو ندب ابن الزبير والنعمان بن بشير في قول بعضهم، وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع؛ لتلقِّي النبي عليه السلام مَقْدمه من تبوك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين أو ثمانين أو ست وثمانين، قيل: هو الصحيح، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وهو ابن أربع أو ست وتسعين سنة، قال جعيد: (رأيت السائب ابن أربع وتسعين جلدًا معتدلًا، قال: قد علمت ما مُتِّعْتُ به من سمعي وبصري إلا بدعاء النبي الأعظم عليه السلام) ، وكان عاملًا لعمر على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة بن مسعود، روي له خمسة أحاديث؛ ذكرها كلها المؤلف، لا ستة، كما زعمه القسطلاني؛ فافهم.

((يقول: ذهبَتْ)) أي: مضتْ ((بي خالتي)) ؛ لم أقف على اسمها، قال في «عمدة القاري»: (والفرق بين «ذهب به» و«أذهبه»: أن معنى: «أذهبه» أزاله وجعله ذاهبًا، ومعنى: «ذهب به»: استصحبه، ومضى به معه) انتهى، قلت: هذا مذهب المبرد، ولعلَّه الأصح، وقال سيبويه: (الباء في مثله كالهمزة والتضعيف، فمتى ذهبتَ به؛ أذهبته، وتجوز المصاحبة وعدمها) ؛ كذا نصَّ عليه سعد الدين في «شرح التقريب»، وعلى مذهب المبرد؛ فيحتاج أن يقال: هو أغلبي، وإلا؛ فقد ورد في التنزيل: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ، وقد يقال: هذا محله فيمن له اختيار؛ نحو: ذهبت بزيد، وقيل: على تضمين (أذهب) ، فلا ترد الآية؛ فتأمل ((إلى النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ إن ابن أختي)) ؛ أي: عُلبَة -بضم العين المهملة، وسكون اللام وفتح الموحدة- بنت شريح ((وَقِعٌ)) ؛ بفتح الواو وكسر القاف وبالتنوين، وفي رواية: بفتح القاف على لفظ الماضي، وفي أخرى: (وَجِعٌ) ؛ بفتح الواو وكسر الجيم، وعليه الأكثر، ومعنى: (وَقِعٌ) ؛ بكسر القاف: أصابه وجع في قدميه، وزعم ابن سيده: أنه يقال: وقع الرجل والفرس وقعًا؛ فهو وَقِعٌ: إذا حَفِيَ من الحجارة والشوك، وقد وقعه الحجر، وحافرٌ وقيعٌ: وقعته الحجارة فقصت منه، ثم استعير للمشتكي المريض، يبينه قولها: (وجع) ، والعرب تسمي كل مرضٍ وجعًا، وفي «الجامع»: (وقع الرجل موقع: إذا حفي من مَشْيِهِ على الحجارة، وقيل: هو أن يشتكي لحم رجليه من الحفى) ، وقال ابن بطال: (ومعناه: أنه وقع في المرض) ، وقال الجوهري: (وقع؛ أي: سقط، والوقع أيضًا: الحفى) ، كذا في «عمدة القاري».

((فمسح)) أي: النبي الأعظم عليه السلام ((رأسي)) ؛ أي: بيده الشريفة المباركة، ((ودعا لي بالبركة)) ؛ أي: بأن قال: اللهم بارك فيه، أو اللهم اجعل فيه البركة، وهي شاملة لصحة حواسه، وحسن ماله، ووجود أولاده، وطول عمره؛ لقول جعيد: (رأيت السائب ابن أربع وتسعين جلدًا معتدلًا، قال: قد علمت ما مُتِّعْتُ به من سمعي وبصري إلا بدعائه عليه السلام) ، ففيه أنه يطلب الدعاء بالبركة للصغير ومسح رأسه.

((ثم)) دعا بماء و ((توضأ)) وضوءه للصلاة؛ أي: الوضوء الشرعي يدل عليه قوله: (قمت خلف ظهره) ؛ فافهم، ((فشربت من وَضوئه)) ؛ بفتح الواو؛ أي: بأن النبي الأعظم عليه السلام أمره بشربه؛ لأجل الشفاء من المرض، أو هو شرب وقصد الشفاء من غير أن يأمره؛ يحتمل الأمرين، لكن الظاهر الثاني، يدل عليه إسناده الشرب لنفسه، ولو كان الأول؛ لقال: وأمرني أن أشرب من وضوئه، فقوله: (من وضوئه) يحتمل أن المراد به: الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، فيدل على طهارة الماء المستعمل، ويحتمل أن المراد به: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، فيدل على نجاسة الماء المستعمل، وزاد في الطنبور نغمة ابن حجر حيث قال: (هذه الأحاديث[/ص163/] التي في هذا الباب ترد على أبي حنيفة؛ لأنَّ النجس لا يُتَبَرَّكُ به) ، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: قصد هذا القائل التشنيع على الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وسيدهم بهذا الرد البعيد؛ لأنَّه ليس في الأحاديث المذكورة ما يدل صريحًا على أنَّ المراد من فضل وضوئه: هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، وكذا في قوله: «كانوا يقتتلون على وضوئه»، وكذا في قوله: «فشربت من وضوئه»، بل اللفظ يدل على أنَّه الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، والمعنيان محتملان، لكن يتعين الثاني بكون ظاهر اللفظ يدل عليه، وهي القرينة، والأول لا دليل يدل عليه، ولئن سلَّمنا أن المراد: هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة؛ فإمامنا المعظم الإمام الأعظم لا يُنْكِرُ هذا، ولا يقول بنجاسة ذلك حاشاه رضي الله تعالى عنه، وكيف يتصور أن يقول بهذا، وهو يقول بطهارة بوله الشريف، وسائر فضلاته الشريفة؟! ومع هذا قد قلنا: لم يصح عن الإمام الأعظم تنجيس الماء المستعمل، ولا فتوى الأئمة الحنفية عليه، فانقطع شغب المعاند) انتهى بزيادة من العبد الضعيف.

وقد زاد في الشطرنج جملًا ابن المنذر حيث قال: (وفي إجماع أهل العلم على أنَّ البلل الباقي على أعضاء المتوضِّئ وما قطر منه على ثيابه دليل قوي على طهارة الماء المستعمل) ، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: المثل: «حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء»، والماء الباقي على أعضاء المتوضئ لا خلاف لأحد في طهارته؛ لأنَّ من يقول بعدم طهارته إنَّما يقول بالانفصال عن العضو، بل عند بعضهم: الانفصال والاستقرار في مكان، وأمَّا الذي قطر منه على ثيابه؛ فإنما سقط حكمه؛ للضرورة؛ لتعذر الاحتراز عنه) ؛ فافهم، والله أعلم.

ثم قال ابن حجر في «الانتقاض» معترضًا على اعتراض صاحب «عمدة القاري» عليه حيث قال: (الرجوع إلى الحقِّ خير من التمادي في الباطل، والبخاري لم يُعيِّنْ من قال بذلك، فردُّهُ متوجهٌ على من قال به كائنًا من كان) انتهى.

قلت: انظروا وتعجبوا من كلام هذا القائل، فإن قوله: (الرجوع إلى الحق...) إلخ؛ دليل على أنه قد تمادى في الباطل، ولم يرجع إلى الحقِّ، وقد قال في التنزيل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] ، وقوله: (والبخاري...) إلخ، نعم؛ بل هذا القائل قد عين من قال بذلك، ولم يُعْهَد سوء أدب من البخاريِّ على أحد فضلًا على الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل الذي هو أفضل من مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، وقد عهدنا سوء الأدب من هذا القائل كثيرًا حتى مع النبي عليه السلام، حيث قالت الشافعية: (إن شعره عليه السلام نجس) حاشاه عليه السلام من ذلك الافتراء والجرأة على الله ورسوله، ولا ريب أنهم قد دخلوا في عموم الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ}...؛ الآية [الأحزاب: 57] ، ولا ريب أن النقي لا يغيره مقل الذباب، وأن البحر لا يفسده ولوغ الكلاب، ولله درُّ القائل:

~يَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيكْلِمَهُ أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ

والمرء لا يرجع عن طبعه ولو طرش الدم من حلقه، وإنما منشأ هذا التعصب، والتعنت، وعدم الحياء، وعدم الأدب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

((ثم قمت خلف ظهره)) عليه السلام؛ أي: في الصلاة، ولعلها كانت صلاة الوضوء النافلة، وإنما تَرَكَهُ عليه السلام خلف ظهره، ولم يجذبه إلى يمينه كما فعل في ابن عباس، ولعله إنَّما تركه؛ لبيان الجواز، أولحكمة أخرى، وهي رؤياه الخاتم الشريف، ولذا قال: ((فنظرت إلى خاتِم النبوة)) ؛ بكسر التاء؛ أي: فاعل الختم، وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتح التاء؛ بمعنى: الطابَع؛ أي: آلة الطبع، ومعناه: الشيء الذي هو دليل على أنَّه لا نبي بعده عليه السلام، وقال البيضاوي: (خاتم النبوة: أثر ناتئ بين كتفيه، نُعِت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يُعْلَمُ بها أنَّه النبي عليه السلام، وصيانة لنبوته عن تَطَرُّقِ القدح إليها صيانة الشيء المستوثق بالختم) انتهى، واعترض: بأنَّ ما ذكره أولًا تفسير لحقيقة الخاتم، لكن يحتاج إلى الفرق بين فاعل الختم والطابع من حيث الماصدق، وفرقه المذكور ينافيه قول أهل اللغة: (الفتح والكسر في الخاتم كالطابع لغتان بمعنًى واحد) ؛ فتأمل.

((بين كتفيه)) ؛ تثنية كتف، فيه لغات (فخذ) سوى الإِتْباع، وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سرجس: (ورأيت خاتم النبوة في نُغْضِ كتفه اليسرى، كأنه جُمْع، فيه خِيْلان سود، كأنها التآليل)) ، و (النغْض) ؛ بضم النُّون وفتحها، وسكون الغين المعجمة، آخره ضاد معجمة؛ وهو أعلى الكتف، أو هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقوله: (جُمْع) ؛ بضم الجيم وسكون الميم معناه: مثل جمع الكف، وهو أن يجمعَ الأصابع ويضمَّها، و (الخِيْلان) ؛ بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء: جمع خال، و (التآليل) جمع تؤلول، وهو الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها، ولا ينافي هذا ما هنا من أنه بين كتفيه؛ لجواز أنه أقرب إلى الجانب الأيسر، وحكمة جعله على نغضه؛ لأنَّه يقال: هو الموضع الذي يدخل منه الشيطان إلى باطن الإنسان، فكان هذا عصمة له عليه السلام من الشيطان، وقال القاضي عياض: (هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه) ، واعترضه النووي: (بأن هذا باطل؛ لأنَّ شق الملكين إنَّما كان في صدره) ، وأجيب: بأن قوله: (بين كتفيه) ليس متعلقًا بالشق، كما زعمه النووي، بل متعلق بأثر الختم، وعليه فليس ما قاله القاضي بباطل، وذلك لأنَّه لما وقع الشق وخيط حتى التأم، ووقع الختم بين كتفيه؛ كان ذلك أثر الختم؛ فتأمل.

واختلف في الخاتم هل وُلِد به أم لا؟ فقيل: وُلِد به، كما في حديث ... [1] ، وقيل: إنه وُضِع بعد ميلاده، ويدل له ما في «الدلائل» لأبي نعيم: (أنه عليه السلام لما وُلِد؛ ذكرت أمه: أن الملَك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج خرقة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم، فضرب به على كتفه كالبيضة المكنونة تُضيء كالزهرة)) ، فهذا صريح في وضعه بعد ولادته؛ فافهم.

((مِثلَ)) ؛ بكسر الميم وفتح اللام؛ منصوب على الحال، وقول القسطلاني: (مفعول «نظرت») فيه نظر، كما لا يخفى، وفي روايةٍ بالجرِّ على أنَّه نعت أو بدل من المجرور؛ لأنَّه اسم فاعل بحسب الأصل، فلا يتعرف بالإضافة لـ (مِثل) بخلافه على فتحها، فإنه يتعرف، فلا يصح نعته بـ (مثل) ، ولذا اعترض الدماميني على الزركشي، في كون الجر نعتًا لـ (خاتم) ، لكن إطلاقه الاعتراض ليس على ما ينبغي، وفي روايةٍ بالرفع على تقدير مبتدأ؛ أي: هو مثلُ ((زِرٍّ)) ؛ بكسر الزاي المعجمة وتشديد الرَّاء المهملة: واحد أزرار القميص، ويقال للرجل الحسن الرعية للإبل: إنه لزر من أزرارها، كذا في «الصحاح»، وفي «القاموس»: (الزر؛ بالكسر: الذي يوضع في القميص، والجمع: أزرار، وزرور، وعظمٌ تحت القلب وقوامه، والنقرةُتدور [2] فيها وابلة الكتف، وطرفُ الورك في النقرة، وخشبةٌ من أخشاب الخباء، وحدُّ السيف، وزر الدين: قوامه، وبالفتح: شد الأزرار، والطرد، والطعن، والنتف، والعض، وتضييق العينين، والجمع الشديد، ونفض المتاع، وزُرزُر [3] بن صهيب؛ بالضم، مُحَدِّث) انتهى.

قال في «عمدة القاري»كـ«الكرماني»: (روي أيضًا بتقديم الرَّاء على الزاي، ويكون المراد منه: البيض، يقال: أرَزَّت الجرادة؛ بفتح الرَّاء وتشديد الزاي: إذا كبست ذنبها في الأرض؛ فباضت) انتهى؛ فافهم.

((الحَجَلَة)) ؛ بالحاء المهملة والجيم واللام مفتوحات، بعدها تاء، واحدة الحجال؛ وهي بيوت تُزَيَّنُ بالثياب والأسرة والستور، لها عرًى وأزرار، وقال ابن الأثير: (الحجلة؛ بالتحريك: بيت كالقبة يُسْتَر بالثياب، ويكون له أزرار كبار، ويجمع على حجال، وقيل: المراد بالحجلة: الطير، وهي التي تسمى القبجة، وتسمى الأنثى حجلة، والذكر يعقوب، وزرها بيضها، ويؤيد هذا أن في حديث آخر: «مثل بيضة الحمامة»، وجمع الحجلة: حَجَل؛ بفتحتين، وحِجْلى؛ بكسر الحاء وسكون الجيم، ولم يجئ على «فِعلى» _بالكسر_ إلا هذا وظِربى) ، وقال في «عمدة القاري» نقلًا عن محمد بن عبد الله شيخ المؤلف: (إنَّ الحجلة من حجل الفرس الذي بين عينيه، وفي بعض نسخ المغاربة: «الحُجْلة» بضم الحاء المهملة وسكون الجيم) انتهى.

ثم قال في «عمدة القاري»: (وجاءت في صفة خاتم

[/ص164/] النبوة روايات كثيرة، ففي «مسلم» عن جابر بن سمرة: (ورأيت الخاتم عند كتفيه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده) ، وفي رواية لأحمد من حديث أبي رمثة التميمي [4] قال: (خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله عليه السلام، فرأيت برأسه رَدْع حناء، ورأيت على كتفه مثل التفاحة، فقال أبي: إني طبيب، ألا أبطها لك؟ قال: «طيَّبها الذي خلقها») ، وقوله: (رَدْع حناء) ؛ بفتح الرَّاء وسكون الدَّال آخره عين مهملة؛ أي: لطخ حناء، والحِنَّاء؛ بالكسر والتشديد وبالمد معروف، والحناه: أخص منه، وقوله: (ألا أبطها) من البط، وهو شق الدمَّل والخرَّاج، وفي «صحيح الحاكم»: (شعر مجتمع) ، وفي «كتاب البيهقي»: (مثل السلعة) ، وفي «الشامل»: (بَضعة ناشزة) ، والبضعة؛ بفتح الموحدة: هي القطعة من اللحم، و (ناشزة) ؛ بالنُّون والشين والزاي المعجمتين؛ أي: مرتفعة عن الجسم، وفي حديث عمرو بن أحطب: (كشيء يختم به) ، وفي «تاريخ ابن عساكر»: (مثل البندقة) ، وفي «الترمذي»: (كالتفاحة) ، وفي «الروض»: (كأثر المحجم القابض على اللحم) ، وفي «تاريخ ابن أبي خيثمة»: (شامة خضراء محتفرة في اللحم) ؛ أي: غائصة فيه، وأصله من حفر الأرض، وفيه أيضًا: (شامة سوداء تضرب إلى الصفرة، حولها شعرات متراكبات كأنها عُرْفُ الفرس) ، وفي «تاريخ القضاعي»: (ثلاث مجتمعات) ، وفي كتاب «المولد» لابن عابد: (كأن نورًا يتلألأ) ، وفي «سيرة ابن أبي عاصم»: (عذرة كعذرة الحمامة) ، قال أبو أيوب: (يعنى: قرطمة الحمامة) ، وفي «تاريخ نيسابور»: (مثل البندقة من لحم، مكتوب فيه باللحم: محمد رسول الله) ، وعن عائشة رضي الله عنها: (كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكانت مما يلي القفا، قالت: فلمسته حين توفي، فوجدته قد رفع) ، وذكر أبو دحية الحافظ: (كان الخاتم الذي بين كتفي النبي عليه السلام كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها: الله وحده، وفي ظاهرها: توجه حيث شئت؛ فإنك منصور) ، ثم قال: (حديث غريب مستنكر) ، ولا منافاة بين هذه الروايات؛ لاحتمال أنَّه عليه السلام متَّصف بجميعها، قال في «المواهب»: (واختلفت أقوال الرواة في خاتم النبوة، وليس ذلك باختلاف، بل كلٌّ شبَّه بما سنح له، وكلها ألفاظ مرادها واحد) ، وقال القاضي عياض: وهذه الروايات متقاربة متفقة على أنه شاخص في جسده الشريف.

وليس الخاتم مختصًا به عليه السلام، فقد أخرج الحاكم في «المستدرك» عن وهب بن منبه أنه قال: (لم يبعث الله نبيًّا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى إلا نبينا عليه السلام؛ فإن شامات النبوة كانت بين كتفيه بإزاء قلبه) ، وعلى هذا فيكون وَضْعُ الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختصَّ به على سائر الأنبياء عليهم السلام، والله تعالى أعلم.

وفي يوم الأربعاء السابع عشري محرم سنة سبع وسبعين قد أمر فؤاد باشا المحقق بشنق أربعة في كل شارع واحد، فشنقوا بعد الظهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وفي ثاني يومٍ الخميس أمر بإخراج أرباب البيوت التي في زقاق القنوات من البوابة التي عند بيت جعفر آغا إلى قنطرة نهر قنوات، وهي تبلغ مئة ونيف وعشرين بيتًا، فأخرجوا في الحال، والظاهر: لأجل أن يسكن فيها النصارى التي في القلعة، ونسأل الله الحنَّان المنَّان أن يفرج عنَّا وعن المسلمين كلَّ غمٍّ وهمٍّ وكربٍ بجاه النبي الأعظم عليه السلام، وهو أرحم الراحمين.

[1] أخلى بياضًا في الأصل.
[2] في الأصل: (يزرر)، والمثبت من «القاموس».
[3] في الأصل: (وزر)، والمثبت من «القاموس».
[4] في الأصل: (أبي رمية التيمي)، وهو تحريف.