المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

185-. حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا [1] مالِكٌ، عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى المازِنِيِّ، عن أبِيهِ:

أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ _وَهْوَ جَدُّ عَمْرِو بنِ يَحْيَىَ_: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ؟ فقالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ علىَ يَدَيْهِ [2] فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ [3] ، ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ [4] ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ [5] إلى المِرْفَقَيْنِ [6] ، ثُمَّ مَسَحَ رَأسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِما وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ حَتَّىَ ذَهَبَ بِهِما إلىَ قَفاهُ، ثُمَّ رَدَّهُما إلى المَكانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عَلَىَ يَدِهِ» بالإفراد.
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فَغَسَل يَدَهُ مرتين».
[4] في رواية ابن عساكر: «واستنشقَ».
[5] اختُلف في ضبط رواية الأصيلي: ففي (ن، و، ق) أن روايته: «ثم غسل يديه إلى المرفقين»؛ بسقوط ذكر العدد، وفي (ب، ص) أنها: «ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين»؛ بتأخير العدد عن المرفقين، وأشار في (ب، ص) إلىَ أنَّ روايته قد ضبطت في بعض النسخ: «ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين».
[6] هكذا بتثنية المرفق في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت وروايةٍ لأبي ذر أيضًا، وهي روايته عن الحَمُّويي والمُستملي كما في (ك)، وفي روايةٍ أخرىَ لأبي ذر: «إلى المرفق» بالإفراد، كتبت بالحمرة، وهي روايته عن الكُشْمِيْهَنِيِّ كما في (ك)، قارن بما في الإرشاد.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

185- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وفي رواية الأَصيليِّ [1] : ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) إمام الأئمَّة، (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمَارة؛ بضمِّ العَيْن وتخفيف الميم (الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة بن أبي حسن، (أَنَّ رَجُلًا) هو عمرو بن أبي حسنٍ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في الحديث الآتي من طريق وُهَيبٍ [خ¦186] ، (قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ، (وَهُوَ)؛ أي: الرَّجل المُفسَّر بعمرو بن أبي حسنٍ، (جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) المازنيِّ المذكور مجازًا لا حقيقةً؛ لأنَّه عمُّ أبيه، وإنَّما أطلق عليه الجدودة؛ لكونه في منزلته: (أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي)؛ أي: هل تستطيع الإراءة إيَّايَ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ)؟ كأنَّه أراد أن يريَه بالفعل؛ ليكون أبلغ في التَّعليم، (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: الأنصاريُّ: (نَعَمْ) أستطيع أن أُرِيَك، (فَدَعَا بِمَاءٍ) عقب قوله ذلك، (فَأَفْرَغَ)؛ أي: صبَّ من الماء (عَلَى [/ج1ص266/] يَدَيْهِ)؛ بالتَّثنية، وفي رواية الأربعة: ((على يده))؛ بالإفراد على إرادة الجنس، (فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ)، وفي رواية الأربعة: ((فغسل يده [2] مرَّتين))، كذا في رواية مالكٍ، وعند غيره من الحفَّاظ: ((ثلاثًا))، فهي مُقدَّمةٌ على رواية الحافظ الواحد، لا يُقال: إنَّهما واقعتان لاتِّحاد مخرجهما، والأصل عدم التَّعدُّد؛ لأنَّ في رواية مسلمٍ من طريق حَبَّان بن واسعٍ عن عبد الله بن زيدٍ: أنَّه رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم توضَّأ، وفيه: «وغسل يده اليُمنى ثلاثًا [3] ، ثمَّ الأخرى ثلاثًا»، فيُحمَل على أنَّه وضوءٌ آخرُ؛ لكون [4] مخرج الحديثين غير متَّحدٍ، (ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا)؛ أي: بثلاث غرفاتٍ، كما في رواية وُهَيبٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((واستنشق ثلاثًا))، والرِّواية الأولى تستلزم الثَّانية من غير عكسٍ، قاله ابن حجرٍ، وعُورِض: بأنَّ ابن [5] الأعرابيِّ وابن قتيبة جعلاهما واحدًا، وقد مرَّ في «المضمضة والاستنشاق» [خ¦164] ، (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالتَّكرار (إِلَى)؛ أي: معَ (الْمَرْفِقَيْنِ)؛ بالتَّثنية مع فتح الميم وكسر الفاء، وفي رواية الأَصيليِّ: بكسر الميم وفتح الفاء [6] ، وفي رواية المُستملي والحَمُّوييِّ: ((إلى المرفق))؛ بالإفراد كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»: ((إلى المرفقين))؛ بالتَّثنية للأربعة، وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو [7] على إرادة الجنس، وهو مفصل الذِّراع والعضد، وسُمِّي به؛ لأنَّه يرتفق به في الاتِّكاء، ويدخل في غسل اليدين؛ خلافًا لزُفَرَ؛ لأنَّ {إلى} في قوله تعالى: {إلى المرافق} [8] بمعنى: مع، كالحديث [9] ؛ كقوله تعالى: {ويزدكم قوَّةً إلى قوَّتكم} [هود: 52] ، أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: وأيديَكم مُضافَةً إلى المرافق، قال البيضاويُّ: ولو كان كذلك؛ لم يبقَ معنًى للتَّحديد [10] ، ولا لذكره مزيد فائدةٍ؛ لأنَّ مُطلَق اليد يشتمل عليها، وقِيلَ: {إلى} تفيد الغاية مُطلقًا، وأمَّا دخولها في الحكم أو خروجها منه؛ فلا دلالة لها عليه، وإنَّما يُعلَم من خارجٍ، ولم يكن في الآية، وكأنَّ الأيديَ متناولةٌ لها، فحُكِم بدخولها احتياطًا، وقِيلَ: {إلى} من حيث إنَّها تفيد الغاية تقتضي خروجها، وإلَّا؛ لم تكن [11] غاية؛ كقوله: {فنظرةٌ إلى ميسرةٍ} [البقرة: 280] ، وقوله: {ثمَّ أتمُّوا الصِّيام إلى اللَّيل} [البقرة: 187] ، لكن لمَّا لم تتميَّز الغاية ههنا من ذي الغاية؛ وجب دخولها احتياطًا، انتهى. ووقف زُفَرُ مع المُتيَّقن، وقال إسحاق بن راهويه: يحتمل أن تكون [12] بمعنى: الغاية، وبمعنى «مع»، فبيَّنت السُّنَّة أنَّها بمعنى: «مع»، وقال الإمام الشَّافعيُّ في «الأُمِّ»: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجرٍ: فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع، (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) زاد ابن الطَّبَّاع في روايته: «كلَّه»؛ كما في حديثه المرويِّ عند ابن خزيمة في «صحيحه» (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) بهما، ولـ: «مسلمٍ»: مسح رأسه كلَّه وما أقبل وما أدبر وصدغيه، (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ)؛ بفتح الدَّال المُشدَّدة من «بمُقدَّم»؛ بأن وضع يديه عليه، وألصق مسبحته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه (حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) ليستوعب جهتيِ الشَّعر بالمسح، وعلى هذا يختصُّ ذلك بمن له شعرٌ ينقلب إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه؛ لظاهر قوله: «أقبل بهما وأدبر»، ويدلُّ عليه أنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وسيأتي عند المصنِّف قريبًا في رواية سليمان بن بلالٍ: «بيديه فأدبر وأقبل» [خ¦199] ، فلم يكن في ظاهره حجَّةً؛ لأنَّ الإقبال والإدبار من الأمور الإضافيَّة، ولم يعيِّن ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطَّريقين متَّحدٌ، فهما بمعنًى واحدٍ، وعَيَّنت رواية مالكٍ البُداءة بالمُقدَّم، فيُحمَل قوله: «أقبل» على أنَّه من تسمية الفعل بابتدائه؛ أي: بدأ به قبل الرَّأس [13] ؛ وإِلَّا؛ فلا حاجة إلى الرَّدِّ، فلو ردَّ؛ لم يُحسَب [14] ثانيةً؛ لأنَّ الماء صار مُستعمَلًا، وهذا التَّعليل يقتضي أنَّه لو ردَّ ماء المرَّة الثَّانية؛ حُسِب ثالثةً [15] ؛ بناءً على الأصحِّ من أنَّ المُستعمَل في النَّفل طهورٌ، إلَّا أن يقال: السُّنَّة كون كلِّ مرَّةٍ بماءٍ جديدٍ، والجملة من قوله: «بدأ» عطف بيانٍ لقوله: «فأقبل بهما وأدبر»، ومن ثمَّ لم تدخلِ الواو على قوله: «بدأ»، والظَّاهر أنَّه ليس مُدرَجًا من كلام مالكٍ، بل هو من الحديث، وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر [16] ، ولا يُقال: هو بيانٌ للمسح الواجب، كما قال به مالكٌ وابن عيينة [17] وأحمد في روايةٍ وأصحاب مالكٍ غير أشهب، فبيانه واجبٌ؛ لأنَّه يلزم منه وجوب الرَّدِّ إلى المكان الذي بدأ منه، ولا قائلَ بوجوبه، ويلزم أن يكون تثليث الغَسل وتثنيته واجبين؛ لأنَّهما بيانٌ أيضًا، فالحديث ورد في الكمال، ولا نزاعَ فيه؛ بدليل أنَّ الإقبال والإدبار لم يُذكَرا في غير هذا الحديث، وقد وقع في رواية خالد بن عبد الله الآتية قريبًا في باب: «من مضمض» [18] واستنشق من غَرْفةٍ واحدةٍ، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر [خ¦191] ؛ كآية «المائدة» بالباء، واختُلِف فيها؛ فقِيلَ: زائدةٌ؛ للتَّعدية، وتمسَّك به من أوجب الاستيعاب، وقِيلَ: للتَّبعيض، وعُورِض: بأنَّ بعض أهل العربيَّة أنكر كونها للتَّبعيض، قال ابن برهانٍ [19] : من زعم أنَّ الباء تفيد التَّبعيض؛ فقد جاء عن [20] أهل اللَّغة بما لا يعرفونه، وأُجيب: بأنَّ ابن هشامٍ نقل التَّبعيض عنِ الأصمعيِّ والفارسيِّ والقتيبيِّ [21] وابن مالكٍ والكوفيِّين وجعلوا منه: {عينًا يشرب بها عباد الله} [الإنسان: 6] ، انتهى. وقال [/ج1ص267/] بعضهم: الحكم في الآية مُجمَلٌ في حقِّ المقدار فقط؛ لأنَّ «الباء» للإلصاق؛ باعتبار أصل الوضع، فإذا قُرِنت بآلة المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى محلِّ المسح، فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي [22] ، فيتناول مسح الحائط [23] كلِّه، وإذا قُرِنت بمحلِّ المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى الآلة، فلا تقتضي الاستيعاب، وإنَّما تقتضي التصاق الآلة بالمحلِّ، وذلك لا يستوعب الكلَّ عادةً، فمعنى التَّبعيض إنَّما ثبت بهذا الطَّريق، وقال الشَّافعيُّ: احتمل قوله: {وامسحوا برؤوسكم} جميع الرَّأس أو بعضه، فدلَّتِ السُّنَّة أنَّ بعضه يجزئ، وروى الشَّافعيُّ أيضًا من حديث عطاءٍ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضَّأ فحسر العمامة عن رأسه، قال ابن حجرٍ: وهو مُرسَلٌ، لكنَّه اعتُضِد من وجهٍ آخرَ موصولًا أخرجه أبو داود من حديث أنسٍ، وفي إسناده [24] أبو معقلٍ لا يُعرَف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المُرسَل والموصول بالآخر، وحصلت القوَّة من الصُّورة [25] المجموعة، وهذا مثالٌ لِما ذكره الشَّافعيُّ: من أنَّ المُرسِل يعتضد بمرسلٍ آخرَ أو مُسنَدٍ، وصحَّ عنِ ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرَّأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصحَّ عن أحدٍ مِنَ الصَّحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزمٍ، وهذا كلُّه ممَّا يُقوَّى به المُرسَل، انتهى. وقد روى مسلمٌ من حديث [26] المغيرة بن شعبة: أنَّه صلى الله عليه وسلم توضَّأ فمسح بناصيته وعلى العمامة [27] ، فلو وجب الكلُّ؛ لمَا اقتصر على النَّاصية، وأمَّا استدلال الحنفيَّة على إيجاب مسح ربع الرَّأس بمسحه عليه الصلاة والسلام بالنَّاصية، وأنَّه بيانٌ للإجمال في الآية؛ لأنَّ النَّاصية ربع الرَّأس؛ فأُجِيب عنه: بأنَّه لا يكون بيانًا إلَّا إذا كان أوَّل مسحه كذلك بعد الآية، وبأنَّ قوله: «بناصيته» يحتمل بعضها، كما سبق نظيره في «برؤوسكم»، وقد ثبت وجوب أصل المسح، فجاحده كافرٌ؛ لأنَّه قطعيٌّ، واختُلِف في مقداره، فجاحده لا يُكفَّر؛ لأنَّه ظنِّيٌّ، (ثُمَّ غَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (رِجْلَيْهِ)، أطلق الغَسل فيهما، ولم يذكر فيه تثليثًا ولا تثنيةً، كما سبق في بعض الأعضاء؛ إشعارًا بأنَّ الوضوء الواحد يكون بعضه [28] بمرَّةٍ، وبعضه بمرَّتين، وبعضه بثلاثٍ وإن كان الأكمل التَّثليث في الكلِّ ففعله بيانًا للجواز، والبيان بالفعل أوقع في النُّفوس منه بالقول، وأبعد من التَّأويل.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ البخاريِّ، وقد دخلها، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦191] ، ومسلمٌ فيها، والتِّرمذيُّ مُختصَرًا، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.

[1] «الأصيليِّ»: سقط من (د).
[2] في (د) و(س): «يديه».
[3] في (د): «يده؛ أي: وغسل يده».
[4] في (ص): «لكن».
[5] «ابن»: سقط من (د).
[6] قوله: «وفي رواية الأَصيليِّ: بكسر الميم وفتح الفاء»، سقط من (م).
[7] قوله: «كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»... وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو»، مثبت من (م).
[8] في غير (ب): «المرفقين»، وهو خطأٌ.
[9] «كالحديث»: سقط من (د).
[10] في (ص): «لمعنى التجديد»، وفي (م): «معنى التجديد».
[11] في (د): «يكن».
[12] في (د): «يكون».
[13] قوله: «إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه... الفعل بابتدائه؛ أي: بدأ به قبل الرَّأس»، مثبتٌ من (م).
[14] في غير (ص) و(م): «تحسب».
[15] في (د): «له».
[16] قوله: «وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر»، مثبتٌ من (م).
[17] في غير (د) و(م): «عليَّة»، وهو تحريفٌ.
[18] في غير (م): «من باب تمضمض».
[19] في (د): «ابن خروفٍ»، وليس بصحيحٍ.
[20] «عن»: سقط من غير (ب) و(س).
[21] في (د): «القعبنيِّ»، وهو تحريفٌ.
[22] «بيدي»: سقط من (ب) و(د).
[23] «مسح الحائط»: سقط من غير (ب) و(س).
[24] في (م): «سنده».
[25] في (ص): «الصور».
[26] في (م): «طريق».
[27] في (م): «عمامته».
[28] «بعضه»: سقط من (د).





لا تتوفر معاينة

185- قوله: (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ الله بن زَيْدٍ): قال الدِّمياطيذُ: (هذا الرَّجل السَّائل هو عَمرو بن أبي حسن تميم بن عَبْد عَمرو، وأبو حسن له صحبة، وليس بجدٍّ لعمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن، وإنَّما هو عمُّ أبيه يحيى بن عُمارة، وقد جاء مبيَّنًا في الباب بعده، وجاء أيضًا في الباب الثَّامن من هذا الباب، وهو باب «الوضوء من التَّور»: «حَدَّثَنَا خالد عن سُلَيْمَان [1] ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: كان عمِّي يكثر الوضوء...) ، وعُمارة، وعمرو، وعمر أولاد أبي حسن تميم بن عَبْد عَمرو) انتهى.

قوله: (وهو جَدُّ عَمْرِو بنْ يَحيَى): الضَّمير يعود على عَبْد الله بن زيد، و (عبد الله بن زيد): هو جدُّ عَمرو بن يحيى المازنيِّ، أبو أمِّه، ويجوز أنَّ يعود على المبهم -السَّائل الذي قدَّمت اسمه- ويكون مجازًا، والله أعلم.

قوله: (وَاسْتَنْثَرَ): تقدَّم أنَّه إخراج الماء من الأنف بالنفس، وأنَّه غير الاستنشاق؛ ذاك [2] عكس ما فسَّرته، وقد تقدَّم قول من قال: هما واحد.

قوله: (إلى المِرْفَقَيْنِ): تقدَّم أنَّ المِرفَق؛ بكسر الميم، وفتح الفاء، وبالعكس، لغتان مشهورتان.

قوله: (بَدَأَ): هو بالهمز من الابتداء، وكذا الثَّانية.

[1] في (ج): (سلمان) ، وليس بصحيح.
[2] في (ب): (وذاك) .





لا تتوفر معاينة

185- ( أَنَّ رَجُلًا ): هو عمرو بن أبي حسن.

( وهو ) أي: الرَّجل القائل لعبد الله لا عبد الله.

( جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ) فيه تجوُّز؛ لأنَّه عمُّ أبيه.

( وَاسْتَنْثَرَ ) للكُشْمِيهنيِّ بدله «واستنشق».

( ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) مكرَّر، ولمسلم من طريق آخر عن عبد الله بن زيد: «أنَّه رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم توضأ وغسل يديه ثلاثًا»، فيُحمَل على أنَّه وضوء آخر لتعدُّد المخرج.

( إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ) للمُسْتملي: «المرفق».

( رَأْسَهُ ) في رواية: «برأسه»، وفي أخرى: «كلَّه». [/ج1ص328/]


185- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) أي: التِّنِّيسي ((قال: أخبرنا)) ، وفي رواية: (حدثنا) ((مالك)) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، ((عن عَمرو بن يحيى)) ؛ بفتح العين المهملة، ابن عُمَارة؛ بضمها وتخفيف الميم ((المازني)) الأنصاري، ((عن أبيه)) : يحيى المذكور بن عمارة بن أبي حسن واسمه تميم، وله صحبة، وكذا لعمارة ولده فيما جزم به ابن عبد البر، قال أبو نعيم فيه نظر، وقال الذهبي: عمارة بن أبي حسن المازني له صحبة، وقيل: أبوه بدري وعقبي، كذا في «عمدة القاري»: ((أن رجلًا)) : هو عمرو بن أبي حسن، كما سيأتي في الحديث الآتي من طريق وهيب ((قال لعبد الله بن زيد)) ؛ أي: ابن عاصم الأنصاري المازني، ووقع في رواية مسلم: (عن عبد الله بن زيد قال: قيل له: توضأ لنا) ...؛ فذكر الحديث، ((وهو)) ؛ أي: الرجل المفسَّر بعمرو بن أبي حسن ((جدُّ عمرو بن يحيى)) ؛ أي: المذكور، لكن مجازًا لا حقيقة؛ لأنَّه عم أبيه، وأطلق عليه (جدًّا) ؛ لكونه في منزلته، قال في «عمدة القاري»: ووهم من زعم أنَّ المراد بقوله: (وهو) عبد الله بن زيد؛ لأنَّه ليس جدًّا لعمرو بن يحيى لا حقيقة ولا مجازًا، وأما قول صاحب «الكمال»: (إن عمرو بن يحيى ابن بنت عبد الله بن زيد) ، فغلط توهَّمه من هذه الرواية، وذكر ابن سعد: (أن أمَّ عمرو بن يحيى هي حميدة بنت محمد بن إياس بن بكير) ، وقال غيره: (هي أم النعمان بنت أبي حبة) ، واختلف رواة «الموطأ» في تعيين السائل، فأبهمه أكثرهم، وقال معن بن عيسى، عن عمرو، عن أبيه يحيى: أنه سمع أبا حسن، وهو جد عمرو بن يحيى قال لعبد الله بن زيد وكان من الصحابة...؛ فذكر الحديث، وقال محمد بن الحسن الشيباني، عن مالك: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه يحيى: أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه سحنون في «المدونة»، وقال الشافعي في «الأم»: (عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، قال لعبد الله بن زيد) ، قال في «عمدة القاري» أيضًا: فإن قلت: هل يمكن أن يجمع هذا الاختلاف؟قلت: يمكن أن يقال: اجتمع عند عبدِ الله بن زيد ابنُ أبي حسن الأنصاري وابنُه عمرو وابنُ ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن، [فسألوه عن صفة وضوء النبي، وتولى السؤال منهم له عمرو [1] بن أبي حسن] [2] ، فحيث نُسِب إليه السؤال؛ كان على الحقيقة، ويؤيِّده رواية سليمان بن بلال عند المؤلف في باب (الوضوء من التور) قال: (حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي _يعني: عمرو بن أبي حسن_ يُكْثِرُ الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني...) ؛ فذكره، وحيث نُسِب السؤال إلى أبي حسن، فعلى المجاز؛ لكونه كان الأكبر، وكان حاضرًا، وحيث نُسِب السؤال ليحيى بن عمارة، فعلى المجاز أيضًا؛ لكونه ناقل الحديث، وقد حضر السؤال أيضًا، ويؤيِّد هذا الجمع ما في رواية الإسماعيلي من طريق وهب بن بقية عن خالد الواسطي بلفظ: (قلنا له) بلفظ الجمع الدَّال على أنَّهم كلهم اتفقوا على السؤال، غير أن السائل منهم كان عمرو بن أبي حسن، ويؤيده أيضًا ويوضِّحه ما رواه أبو نعيم في «المستخرج» من حديث الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد...؛ فذكر الحديث، انتهى.

ومثله ذكره ابن حجر وتبعهما العجلوني، وأمَّا القسطلاني؛ فاقتصر، فلم يوضِّح هذا الإيضاح، فلله درُّ صاحب «عمدة القاري» ما أغزر

[/ص155/] علمه، وأوفر فهمه، والله يختصُّ برحمته من يشاء.

((أتستطيع)) ؛ الهمزة للاستفهام؛ أي: هل تستطيع ((أن تريني)) ؛ كلمة (أن) : مصدرية، والجملة محلها نصب على أنها مفعول (تستطيع) ، والتقدير: هل تستطيع الإراءة إياي ((كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟)) ، فجملة (يتوضأ) : محلها النصب على أنها خبر (كان) ، ويجوز أن تكون تامة، وتكون جملة (يتوضأ) : محلها نصب على الحال، وسبب استفهامه تجويزه أن يكون الصحابي نسي ذلك؛ لبعد عهده، وفيه ملاطفة الطالب للمعلم، وكأنَّه أراد أن يريه ذلك بالفعل؛ ليكون أبلغ في التعليم.

((فقال عبد الله بن زيد)) ؛ أي: الأنصاري المازني المتقدم: ((نعم)) : مقول القول، وهو يكون جملة، والتقدير: نعم أستطيع أن أريك كيفية وضوء النبي الأعظم عليه السلام؛ لأنَّي أحفظ ذلك، كما شاهدته، ((فدعا)) أي: عبد الله بن زيد ((بماء)) ؛ الفاء للتعقيب، وفي رواية وهيب الآتية في الباب بعده: (فدعا بتور من ماء) ، وسيأتي الخلاف في تفسير (التور) ، وللمؤلف في باب (الغسل) في أول هذا الحديث: (أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجنا له ماء في تور من صفر) والتور المذكور يحتمل أن يكون هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد لمَّا سئل عن صفة وضوئه عليه السلام، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها، ويحتمل غيره لكن ما قلناه؛ فافهم.

((فأفرغ)) ؛ الفاء للتعقيب أيضًا؛ أي: صبَّ من الماء ((على يديه)) ؛ بالتثنية، وفي رواية: (على يده) ؛ بالإفراد على إرادة الجنس، وفي رواية موسى عن وهيب: (فأكفأ) ؛ بهمزتين، وفي رواية سليمان بن حرب في باب (مسح الرأس) عن وهيب: (فكفأ) ؛ بهمز آخره فقط، وهما لغتان بمعنًى، يقال: كفأ الإناء وأكفأه؛ إذا أماله، وقال الكسائي: (كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته، والمراد في الموضعين: إفراغ الماء من الإناء على اليد) ، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((فغسل يده)) ؛ بالإفراد، وللأربعة: بالتثنية، والفاء للتعقيب، ((مرتين)) كذا في رواية مالك، لكن لغيره من الحفاظ: (ثلاثًا) ، كما عند مسلم وغيره، فهي مقدمة على رواية الحافظ الواحد، وإنما لم يُحْمَلْ هذا على واقعتين؛ لأنَّ المخرج واحد، والأصل عدم التعدد، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: (وغسل اليدين قبل شروعه في الوضوء فيه أقوال:

الأول: أنَّه سنة، وهو المشهور عندنا، كما في «المحيط» و«المبسوط»، ويدل عليه أنه عليه السلام لم يتوضأ قطٌّ إلا غَسَلَ يديه، وذكر في «النافع»تقديم غسلهما إلى الرسغين سنة تنوب عن الفرض؛ كالفاتحة تنوب عن الواجب وفرض القراءة، واختاره في «الكافي»، وقال شمس الأئمة السرخسي: «إنه سنة لا تنوب عن الفرض، فيعيد غَسْلهما ظاهرهما وباطنهما»، قال: «وهو الأصح»، والذي اختاره الجمهور: أنه فرض وتقديمه سنة، واختاره في «فتح القدير»، وفي الحواشي: تقديم غسل اليدين للمستيقظ؛ لأجل التبرِّك بالحديث، وإلا فسببه شامل له ولغيره، قال في «النهر»: «والأصح الذي عليه الأكثر: أنه سنة مطلقًا للمستيقظ وغيره، لكنه عند تَوَهِّم النجاسة سنة مؤكدة، كما إذا نام لا عن استنجاء، أو كان على بدنه نجاسة، وغير مؤكدة عند عدم توهمهما، كما إذا نام لا عن شيء من ذلك، أو لم يكن مستيقظًا عن نوم» انتهى.

الثاني: أنه مستحبٌّ للشاكِّ في طهارة يديه، وهو المروي عن مالك.

الثالث: أنه واجب على المنتبه من نوم الليل دون نوم النهار، قاله أحمد.

الرابع: أنه واجب فيما إذا شكَّ هل أصابته نجاسة أم لا؟ فيجب غسلهما في مشهور قول مالك.

الخامس: أنه واجب على المنتبه من النوم مطلقًا، وبه قال داود وأصحابه) .

((ثم تمضمض، واستنثر)) وفي رواية: (مضمض واستنشق) ((ثلاثًا)) ، ومعنى (استنثر) : إذا استنشق الماء ثم استخرجه بنَفَس الأنف، والنثرة: الخيشوم وما والاه، وتنشَّق واستنشق الماء في أنفه: صبَّه فيه، ويقال: نثر وانتثر واستنشق: إذا حرَّك النثرة، وهي طرف الأنف.

وزعم ابن حجر أن الاستنثار مستلزم للاستنشاق بلا عكس، وردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: لا نسلِّم ذلك، فقد قال ابن الأعرابي وابن قتيبة وغيرهما: «الاستنشاق والاستنثار واحد») انتهى.

قلت: وقد قدَّمنا في باب (الوضوء ثلاثًا) : أن بعض أهل اللغة على عدم اتحادهما لغة، وأما اصطلاحًا؛ فلا خلاف في تغايرهما، فكأن ابن حجر اعتمد قول هذا البعض، وقدمنا أنه شاذٌّ لا يعوَّل عليه، وهذا دأبه في اعتماده على الأقوال الشاذة، ولعلَّه اختلط عليه ما قاله أهل اللغة بما قال أهل الاصطلاح، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام»، وقد تعرَّض لذلك أيضًا في «منهل العليل المطل» فافهم.

فالمضمضة والاستنشاق: سُنَّتان في الوضوء فرضان في الغُسْل، وبه قال الإمام الأعظم، وأصحابه، وسفيان الثوري، وغيرهم، وقال الشافعي: سُنَّتان فيهما، وعنه أنهما واجبتان فيهما، وهو قول ابن أبي ليلى، وحماد، وإسحاق، وقال أبو ثور: (الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة) ، وبه قال أحمد في رواية،وأبو عبيد، وزاد في رواية وهيب بعد (ثلاث) : (بثلاث غَرفات) ، وهي تفيد: أنه تمضمض ثلاثًا بثلاث غَرفات، واستنشق ثلاثًا بثلاث غَرفات، ويدل له ما رواه الترمذي عن علي الصديق الأصغر رضي الله عنه، وفيه: مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وقال: (حديث حسن صحيح) ، ولم يُحْكَ فيه أن كل واحد من المضامض والاستنشاقات بماء واحد، لكن مضمونه ظاهر، وهو أنه أخذ لكل واحدة منهما ماء جديدًا، وكذا روى البويطي عن الشافعي: (أنه يأخذ ثلاث غَرفات للمضمضة، وثلاث غَرفات للاستنشاق) .

((ثم غسل وجهه ثلاثًا)) ؛ أي: ثلاث مرات، ولم تختلف الروايات في ذلك، وكلمة (ثم) في ستة مواضع في الحديث بمعنى: الواو، وليست على معناها الأصلي؛ وهو الإمهال، كذا قاله ابن بطال.

وقال في «عمدة القاري»: («ثم» في هذه المواضع؛ للترتيب؛ لأنَّها تُسْتَعمل لثلاثة معان؛ التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، مع أن في كل واحد منها فيه خلاف، والمراد من الترتيب: هو الترتيب في الإخبار، لا الترتيب في الحكم، مثل ما يقال: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب؛ أي: ثم أخبرك؛ أي: الذي صنعته أمس أعجب) انتهى.

قلت: فلا دلالة في الحديث على وجوب الترتيب؛ لأنَّ المراد به: الإخبار، ويدل عليه الإتيان في الآية بالواو؛ وهي لمطلق الجمع اتفاقًا، لا تفيد الترتيب، فمن أوجب الترتيب؛ فقد زاد على النص، والزيادة عليه لا تجوز، على أنه لو ادَّعى أن الحديث يفيد وجوب الترتيب؛ يقال له: إن الحديث خبر الواحد، وهو يفيد السنية لا الوجوب، فثبت بذلك مذهب الإمام الأعظم والجمهور أنَّ الترتيب سنَّة لا واجب، وهو الحقُّ؛ فليحفظ.

((ثم غسل يديه)) ؛ بالتثنية، ((مرتين مرتين)) ؛ بتكرار (مرتين) ، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين مرتين، وفي رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد: (أنه رأى رسول الله عليه السلام توضأ، فمضمض، ثم استنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويده اليمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا، ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما) ، قال في «عمدة القاري»: (فيحمل على أنه وضوء آخر، لكن مخرج الحديثين غير متحد) انتهى، وتبعه العجلوني، وذكر القسطلاني رواية مسلم المذكورة في شرح قوله: (فغسل يده مرتين) ، وهو غير مناسب؛ لأنَّه يوهم خلاف المراد؛ فافهم.

وهل يغسل يديه هنا من أول الأصابع أو يغسل الذراعين لا غير؛ لتقدم غسل اليدين إلى الرسغ؟ وفي «الذخيرة»: الأصح عندي: أنَّه يعيد غسل اليدين ظاهرهما وباطنهما؛ لأنَّ الأول كان سنة افتتاح الوضوء فلا ينوب عن فرض الوضوء، وهذا ما صحَّحه شمس الأئمة السرخسي، والذي اختاره الجمهور: أنَّ الغسل الأول فرض وتقديمه سنة، وسبق؛ فتأمل.

((إلى المَرفِقين)) ؛ بالتثنية، وبفتح الميم، وكسر الفاء، وفي رواية: (إلى المرفق) ؛ بالإفراد على إرادة الجنس، وهو مفصل الذراع والعضد، سمي بذلك؛ لأنَّه يُرْتَفَقُ به في الاتِّكاء، وهو يدخل في غسل اليدين عند الجمهور، خلافًا للإمام زفر وأبي بكر بن داود، وهو رواية عن مالك.

واستُدِل للجمهور: بأن {إلى} [المائدة: 6] في الآية بمعنى: (مع) كقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] ؛ أي: معها، ورُدَّ بأنه خلاف الظاهر، وأجيب: بأن القرينة دلَّت عليه، وهي كون ما بعدها من جنس ما قبلها، وقال ابن القصار: (اليد: تُطْلَقُ من رؤوس الأصابع إلى الإبط؛ لحديث عمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، ولفظ {إلى} حد للمتروك لا للمغسول، وردَّ بأن السياق ينافيه.

وقال العلَّامة جار الله الزمخشري: («إلى»: لمطلق الغاية، وأمَّا دخولها في الحكم وخروجها عنه؛ فيدوران

[/ص156/] مع الدليل كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] ، فيدل على عدم الدخول للنهي عن صوم الوصال، وقول القائل: «حفظت القرآن من أوله إلى آخره» يدل على الدخول؛ لكون الكلام مَسُوقًا لحفظ القرآن جميعِه، ولا دلالة في الآية على أحد الأمرين بخصوصه، فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن) انتهى.

قال في «عمدة القاري»: (ويمكن أن يُسْتَدَلَّ لدخولها بفعله عليه السلام، ففي «الدارقطني» بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة وضوئه عليه السلام: «فغسل يديه إلى المرفقين حتى مسَّ أطراف العضدين»، وفيه أيضًا من حديث جابر: «كان عليه السلام إذا توضأ؛ أدار الماء على مرفقيه»، وفي «البزار» و«الطبراني» من حديث وائل بن حجر وفيه: «وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق»، وفي «الحافظ الطحاوي» و«الطبراني» من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: «ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه») انتهى.

قلت: فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، وقال ابن راهويه: ({إلى} في الآية تحتمل الغاية ومعنى «مع»، فبيَّنت السنة أنَّها بمعنى «مع») .

وقال الشافعي في «الأم»: (لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء) ، قال ابن حجر: (فعلى هذا؛ فزفر محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحًا، وإنما حكى عنه أشهب كلامًا محتملًا) انتهى.

قلت: وقوله: (لا أعلم مخالفًا) : ليس حكاية منه للإجماع الذي يكون غيره محجوجًا به، ففي دعوى الإجماع نظر، ولذا قال العجلوني بعد كلام ابن حجر: (وأقول قول «الأم» لا ينافي وجود خلاف، فلا إجماع) انتهى، وقد نقل غير واحد عن أشهب عن مالك قولًا واحدًا: أن المِرْفق غير داخل في الوضوء، كما قاله الإمام زفر وداود، فقول ابن حجر: (ولم يثبت عن مالك) فيه نظر، وقد يقال: لم يثبت عن مالك في غير رواية أشهب، وأمَّا في رواية أشهب؛ فإنه يثبت القول بذلك؛ فافهم.

وقال في «شرح المنية»: (إنَّ غسل المرفقين والكعبين في الوضوء ليس بفرض قطعي، بل هو فرض عملي لا يكفر جاحده) ، قال في «النهر»: (فلهذا لا يحتاج إلى دعوى الإجماع؛ لأنَّ الفروض العملية لا يحتاج في إثباتها إلى القاطع، فيحتاج إلى الإجماع) انتهى.

قلت: ولهذا لم يتعرض في «عمدة القاري» إلى دعوى الإجماع، بل استدلَّ بالأحاديث التي أوردناها؛ فافهم.

((ثم مسح رأسه)) زاد ابن الصباغ في روايته: (كله) ، كما في حديثه المروي عند ابن خزيمة في «صحيحه»، وفي رواية خالد بن عبد الله: (مسح برأسه) ؛ بزيادة الباء الموحدة، ((بيديه)) ؛ بالتثنية، فاحتجَّ به مالك وأحمد في رواية على أنَّ مسح جميع الرأس فرض، واختلف أصحاب مالك؛ فقال أشهب: (يجوز مسح بعض الرأس) ، وقال غيره: (والثلث فصاعدًا) ، وعندنا وعند الشافعي: (الفرض مسح بعض الرأس) ، فقال أئمتنا: وذلك البعض هو ربع الرأس؛ لحديث المغيرة بن شعبة: (أنه مسح على ناصيته) ، والناصية: تبلغ ربع الرأس كما قاله أهل اللغة؛ لأنَّ الكتاب مجمل في حق المقدار فقط؛ لأنَّ الباء في {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6] ؛ للإلصاق عند المحققين باعتبار أصل الوضع، وجميع معانيها ترجع إلى الإلصاق، فإذا قُرِنت بآلة المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى مسح المسح، فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي، فيتناول كله، وإذا قُرِنَتْ بمحلِّ المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى الآلة، وهو لا يقتضي الاستيعاب، وإنما يقتضي إلصاق الآلة بالمحل، وذلك لا يستوعب الكل عادة، بل يقتضي استيعاب اليد دون الرأس، واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالبًا سوى ربعه، فتعين الربع مرادًا في الآية، وهو المطلوب، فالآية مجملة محتاجة للبيان، وقد بيَّنتها السنة، ففي «صحيح مسلم» من حديث المغيرة: (أنه عليه السلام توضأ، ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين) .

فإن قلت: إنَّما استدللت بالحديث على أنَّ المقدار في المسح هو قدر الناصية، وتركت بقية الحديث وهو المسح على العمامة.

قلت: لو عملنا بكل الحديث؛ يلزم به الزيادة على النص؛ لأنَّ هذا خبر الواحد، والزيادة به على الكتاب نسخ؛ وهو لا يجوز، وأمَّا المسح على الرأس؛ فقد ثبت بالكتاب، فلا يلزم ذلك، وأمَّا مسحه على العمامة؛ فأوَّله البعض بأن المراد به ما تحتها [3] ، من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وأوَّله البعض: بأن الراوي كان بعيدًا عن النبي الأعظم عليه السلام، فمسح على رأسه ولم يضع العمامة من رأسه، فظنَّ الراوي أنه مسح على العمامة.

وقال القاضي عياض: (وأحسن ما حَمَلَ عليه أصحابنا حديث المسح على العمامة: أنه عليه السلام لعلَّه كان به مرض في رأسه، فمنعه كشف رأسه، فصارت العمامة كالجبيرة التي يمسح عليها للضرورة) .

وقال ابن حجر: (فإن قيل: فلعلَّه اقتصر على مسح الناصية لعذر؛ لأنَّه كان في السفر، وهو مظنَّة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية، كما هو ظاهر سياق مسلم من حديث المغيرة؛ قلنا: قد رُوِيَ عنه مسح مُقَدَّم الرأس من غير مسح العمامة، وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء: «أنه عليه السلام توضأ، فحَسَرَ العمامة عن رأسه، ومسح مقدَّم رأسه»، وهو مرسل، لكنه اعتضد من وجه آخر موصولًا أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة المجموعة) انتهى، وتبعه القسطلاني.

واعترضهما في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: قول هذا القائل من أعجب العجائب؛ لأنَّه يدَّعي أن المرسل غير حجة عند إمامه، ثم يدَّعي أنه اعتضد بحديث موصول ضعيف باعترافه هو، ثم يقول: وحصلت القوة من الصورة المجموعة، فكيف تحصل القوة من شيء ليس بحجة، وشيء ضعيف؟! فإذا كان المرسل غير حجة؛ يكون في حكم العدم، ولا بقي إلا الحديث الضعيف وحده، فكيف تكون الصورة المجموعة قوية؟!) انتهى، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام».

وقول ابن حجر: (فلعلَّه اقتصر على مسح الناصية لعذر؛ لأنَّه كان في سفر) : ممنوع؛ لأنَّ حديث المغيرة صريح في أنه عليه السلام لم يكن في السفر، ولفظه: (أنه عليه السلام أتى سباطة قوم، فبال، وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفَّيه) ، رواه ابن ماجه والنسائي، وروى أبو داود عن أنس قال: (رأيت النبي عليه السلام يتوضَّأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه) ، وروى البيهقي عن عطاء: (أنه عليه السلام توضأ، فحسر العمامة، ومسح مقدَّم رأسه، أو قال: ناصيته) ، وكل هذه الأحاديث تدل على بطلان ما زعمه ابن حجر، على أن دعوى العذر ممنوعة؛ لأنَّ حالة العذر حالة ضرورة، وفي حالة الضرورة تقدَّر بقدرها، فهي دعوى باطلة لا دليل عليها، وهي بعضها متصل وبعضها مرسل، وهو حجَّة عندنا لا سيما وقد اعتضد بالمتصل.

واعترض بأن الباء المتنازعة فيها موجودة في حديث مسلم، فيبقى النزاع، كما في الآية.

قلت: لا نزاع في الحديث أصلًا؛ لأنَّ رواية أبي داود، وابن ماجه، والنسائي، والبيهقي، وغيرهم: بدون الباء، وهي أحاديث متصلة، وحديث مسلم وإن كان في روايته زيادة الباء؛ فهي زيادة من الراوي زادها موافقة للفظ الآية، وإلا فلفظ الحديث بدون الباء كما رواه الجمهور، ولو سُلِّم وجودها؛ فما قيل في معنى الباء التي في الآية؛ يقال فيها أيضًا، وتعداد الرواة في حديث مسح الناصية وتعدُّد طرقه يدلُّ صريحًا على أنه عليه السلام من حين نزول الآية كان يمسح على الناصية، فهو بيان لإجمالٍ في الآية، وهو ما قرَّره المحققون.

وقال الشافعي: (الباء في الآية معناها: التبعيض، فيُطْلَقُ على أدنى ما يُطْلَقُ عليه المسح، وهو يتأدَّى بشعرة أو شعرتين) .

واعترض بأن أهل اللغة قد أنكروا كون الباء للتبعيض، وقال ابن برهان: (من زعم أن الباء تفيد التبعيض، فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه) ، وقد جعل المحقِّق الجرجاني معنى الإلصاق في الباء أصلًا، وإن كانت [4] تجيء لمعان كثيرة، فإنها ترجع إلى الإلصاق؛ لأنَّه

[/ص157/] معناها الأصلي عند المحققين.

وقال ابن هشام: أَثْبَتَ مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، وابن مالك، وجعلوا منه قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ} [الإنسان: 6] ، قيل: ومنه: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}، والظاهر: أن الباء فيهما للإلصاق، ويدل لذلك قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ} [البقرة: 29] ، والطواف لا يصح بالبعض إجماعًا، فكذا هذا، وقيل: الباء في الآية للاستعانة، وأن في الكلام حذفًا وقلبًا، فإنَّ «مسح» يتعدى إلى المزال عنه بنفسه وإلى المزيل بالباء، فالأصل: امسحوا رؤوسكم؛ بالماء [5] .

فإن قلت: أليس في التيمم حكم المسح ثبت بقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6] ، ثم الاستيعاب فيه شرط؟

قلت: عُرِف الاستيعاب فيه إما بإشارة الكتاب؛ وهو أن الله أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذره، والاستيعاب فرض بالنصِّ وكذا فيما قام مقامه، أو عُرشف ذلك بالسنة؛ وهو قوله عليه السلام لعمار رضي الله عنه: «يكفيك ضربتان: ضربة للوجه وضربة للذراعين»، وأما على رواية الحسن عن الإمام الأعظم: أنه لا يُشْتَرَطُ الاستيعاب، فلا يردشيء، وجاحدُ أصل المسحِ كافر؛ لأنَّه قطعي، وجاحدُ المقدار لا يُكفَّر؛ لأنَّه في حق المقدار ظنَّي، وتمامه فيما أوردناه في آية الوضوء؛ فافهم.

((فأقبل بهما)) أي: بيديه ((وأدبر)) ؛ أي: بهما، وقوله: ((بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما)) أي: بيديه ((إلى قفاه ثم ردَّهما)) أي: يديه ((إلى المكان الذي بدأ منه)) ؛ بيان لقوله: (فأقبل وأدبر) ، فلذا لم تدخل الواو عليه، وهذا من الحديث، وليس مُدْرَجًا من كلام مالك، كذا في «عمدة القاري»، ففيه: أنَّ السنة البداءة بمُقَدَّم الرأس حالة المسح، والذهاب بهما إلى القفا، وردهما إلى المقدَّم، وهذه الكيفية المسنونة شاملة لمن كان على رأسه شعر، أو محلوقه، أو غيره؛ لأنَّ لفظ الحديث عام لم يفصل بينهما، لا يقال: إن هذه الكيفية خاصَّة بمن على رأسه [6] شعر دون غيره ينقلب لطوله كما كان له عليه السلام،بخلاف غيره ممن ليس له شعر، فلا يسن ردُّ اليدين إلى المبدأ؛ لأنَّا نقول: لفظ الحديث عام لم يفصِّل بين ما كان على رأسه شعر أو لم يكن، وتخصيص هذه الكيفية بمن كان على رأسه شعر تخصيص بلا مخصِّص؛ لأنَّه لم يرد ذلك في الأحاديث، وكون النبي الأعظم عليه السلام فعل ذلك والحال أن على رأسه الشريف شعر لا يدل على التخصيص؛ لأنَّه عليه السلام قد ورد عنه أنَّه قال: «احلقوه كلَّه أو اتركوه كلَّه»، فخيَّر بين الحلق والترك، فكأنَّه عليه السلام بيَّن هذه الكيفية، وخيَّر في الحلق وعدمه، فدلَّ ذلك على العموم من غير تفصيل، ولا يقال: إن الماء صار مستعملًا حيث إنه ردَّ اليدين إلى المكان الذي بدأ به منه؛ لأنَّ الماء لا يُحْكَم عليه بالاستعمال إلَّا أن ينفصل عن العضو، وهنا لم ينفصل، فبقي على أصل الطهارة والطهورية؛ فافهم.

وزعم ابن حجر: (وهذه الكيفية حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمُؤَخَّر الرأس إلى أن ينتهي إلى مُقَدَّمِه) .

وردَّه في «عمدة القاري» بأنه لا يقال: إن مثل هذا حجة عليه؛ لأنَّه ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة، فعند النسائي من حديث عبد الله بن زيد: (ثم مسح رأسه بيده، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه) ، وعند ابن أبي شيبة من حديث الربيع: (بدأ بمؤخره ثم ردَّ يديه على ناصيته) ، وعند الطبراني: (بدأ بمؤخر رأسه، ثم جرَّه إلى قفاه، ثم جرَّه إلى مؤخره) ، وعند أبي داود: (يبدأ بمؤخره، ثم بمقدمه، وبأذنيه كليهما) ، وفي لفظ: (مسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته) ، وفي لفظ: (مسح رأسه وما أقبل وما أدبر وصدغيه) ، وعند البزار من حديث أبي بكرة يرفعه: (توضأ ثلاثًا ثلاثًا) ، وفيه: (مسح برأسه يقبل بيده من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه) ، وعند ابن قانع من حديث أبي هريرة: (وضع يده على النصف من رأسه، ثم جرَّهما إلى مقدم رأسه، ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه وجرهما إلى صدغيه) ، وعند أبي داود من حديث أنس: (أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه) ، وفي «كتاب ابن السكن»: (فمسح باطن لحيته وقفاه) ، وفي «معجم البغوي» و«ابن أبي خيثمة»: (مسح رأسه إلى ما سالفته) ، وعند النسائي عن عائشة وصفت وضوءه عليه السلام: (فوضعت يدها في مقدم رأسها، ثم مسحت إلى مؤخره، ثم مدت بيديها بأذنيها، ثم مدت على الخدين) ، فهذه أوجه كثيرة يختار المتوضئ أيها شاء، واختار أئمتنا الأعلام رواية عبد الله بن زيد، فالذي قال: (السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس) اختار الوجه الذي فيه البداءة بمؤخر الرأس، وله أيضًا أن يقول: (هذا الوجه حجة عليك أيها المختار في البداءة بالمقدم) انتهى؛ فافهم.

قال الكرماني: (وفي الاستدلال بذلك على وجوب مسح الجميع نظر؛ إذ ليس كل ما ذكر واجبًا كالمضمضة والاستنشاق، ومن أوجبهما؛ فمحجوج بأمور بعضها سبق وبعضها يأتي، ولئن سلَّمنا؛ فالتثليث والتثنية في البعض مذكورات ولا يجبان اتفاقًا، ولا يقال: هو بيان للآية، وهو واجب، فبيانه واجب؛ لأنَّا نقول: كان يجب الرد إلى المكان الذي بدأ منه، ولا يجب اتفاقًا، ويلزم أن يكون التثنية والتثليث واجبين أيضًا؛ لأنَّهما بيان أيضًا؛ لقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] ، وأيضًا لو كان التعميم واجبًا؛ لما جاز الاكتفاء بمسح الناصية، وقد ثبت في الأحاديث الصحاح: أنه مسح على ناصيته، فالحق: أنه أمر بإيجاد ماهية المسح سواء كان في ضمن الجميع أو الناصية، وهذا الحديث إنَّما ورد في كمال الوضوء بدليل الأحاديث الأخر التي ليس فيها إقبال ولا إدبار) انتهى.

((ثم غسل رجليه)) أطلق الغسل فيهما، ولم يذكر تثليثًا ولا تثنية _كما مر_ إشارة إلى أن الوضوء الواحد يكون بعضه بمرة، وبعضه بمرتين، وبعضه بثلاث، وإن كان الأكمل التثليث في الكل؛ ففعله عليه السلام ذلك في بعض الأحيان دليل للجواز، فهو أفضل في حقه، وإن كان عدم التثليث في حقنا لغير عذر؛ مكروه، والبيان وإن أمكن بالقول لكن الفعل أوقع في النفس وأبعد من التأويل لبيان الحكم.

وفي رواية: (إلى الكعبين) ؛ تثنية كعب، وهو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم، هذا تفسير أهل اللغة، وهو قول الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، والإمام محمد، والإمام الحسن، والإمام زفر، والجمهور.

وروى ابن القاسم عن مالك: (أنَّه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك) ، ونسب جماعة من المتعصبين هذا القول إلى الإمام الأعظم، وهو خطأ ظاهر، وافتراء من مكابر، فإنه لم يقل به الإمام الأعظم ولا أصحابه أصلًا قطعًا، وإنما ذكر الإمام محمد في المُحْرِم: أنه إذا لم يجد النعلين؛ فليقطع الخفين إلى الكعبين، وفسَّر الكعب في ذلك، فأخذ تلميذه هشام ذلك، ونقله إلى الوضوء، وقد أجمع عامة أهل المذهب متونًا، وشروحًا، وفتاوًى على تخطئة هشام، وأن مراد الإمام محمد ذلك في المُحْرِم، كما هو مصرَّح به في كتابه «السير الكبير»، وكذا في «السير الصغير»، و«الجامع الكبير»، و«الجامع الصغير»، وغيرها المسماة بكتب ظاهر الرواية، فهؤلاء المتعصبون يتفقدوا قولًا إما شاذًّا أولا أصل له عن الإمام الأعظم، وينسبونه إليه، ويطيلون ألسنتهم الحداد عليه، ولا غروَ؛ فإنَّ مثل هذا الإمام الذي هو رئيس المجتهدين وسيِّدهم التابعي الجليل، بحر لا يفسده ولوغ الكلاب، ونقيٌّ لا يغيِّره مقل الذباب، وليس مثلهم إلا كمثل الذباب وقع تحت ذنب جواد في حالة كرِّه وفرِّه، ولله درُّ القائل:

~يَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيكْلِمَهُ أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ

وفي الحديث فوائد؛ منها: جواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة، وأن الاغتراف من الماء القليل لا يصيِّر الماء مستعملًا؛ لأنَّ في رواية وهيب وغيره: (ثم أدخل يده) ، وتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم الحليم.

[1] في «عمدة القاري»: (عمارة)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] ما بين معقوفين سقط منالأصل، وهو مستفاد من «عمدة القاري».
[3] في الأصل: (تحته).
[4] في الأصل: (كان) .
[5] في الأصل: (بالباء)، ولعله تحريف عن المثبت.
[6] في الأصل: (رأس).