المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

18-. حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ، قالَ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ قالَ: أخبَرَني أَبُو إِدْرِيسَ عايذُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ:

أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ رَضيَ اللهُ عَنْهُ _وكان شَهِدَ بَدْرًا، وهو أَحَدُ النُّقَباءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ_ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ وَحَوْلَهُ عِصابَةٌ مِنْ أَصْحابِهِ: «بايِعُونِي عَلَىَ أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، [/ج1ص12/] وَلا تَأْتُونَ [1] بِبُهْتانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَىَ [2] مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ [3] فِي الدُّنْيا فهو كَفَّارَةٌ لَهُ [4] ، وَمَنْ أَصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ [5] فهو إِلى اللَّهِ، إِنْ شاءَ عَفا عَنْهُ، وَإِنْ شاءَ عاقَبَهُ». فَبايَعْناهُ عَلَىَ ذَلِكَ.

الأطراف



[1] في رواية كريمة وأبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ولا تأتوا».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر: «وفَّىَ» بالتثقيل.
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[4] لفظة: «له» ليست في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[5] في رواية ابن عساكر زيادة: «عليه».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

18- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشيُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائذُ اللهِ)؛ بالمُعجَمَة، وهو اسم عَلَم؛ أي: ذو عياذةٍ بالله، فهو عطف بيانٍ لقوله: أبو إدريس (ابْنُ عَبْدِ اللهِ) الصَّحابيِّ، ابن عمرٍ الخولانيُّ، الدِّمشقيُّ الصَّحابيُّ؛ لأنَّ مولده كان عام حُنينٍ، التَّابعيُّ الكبير من حيث الرِّواية، المُتوفَّى سنة ثمانين، (أَنَّ عُبَادَةَ) بضمِّ العين (ابْنَ الصَّامِتِ) ابن قيسٍ الأنصاريَّ الخزرجيَّ، المُتوفَّى بالرَّملة سنة أربعٍ وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً، وقِيلَ [1] : في خلافة معاوية سنة خمسٍ وأربعين، وله في «البخاريِّ» تسعةُ أحاديثَ (رضي الله عنه، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا)؛ أي: وقعتها، فالنَّصب بقوله: شهد، وليس مفعولًا فيه، (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ) جمع نقيبٍ؛ وهو النَّاظر على القوم وضمينهم وعريفهم، وكانوا اثني عشر رجلًا (لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ) بمنًى؛ أي: فيها، والواو في «وهو» كواو «وكان»؛ هي الدَّاخلة على الجملة الموصوف بها؛ لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف، وإفادة أنَّ اتِّصافه بها أمرٌ ثابتٌ، ولا ريبَ أنَّ كون شهود عُبَادةَ بدرًا وكونه من النُّقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال، ولا للعطف، قاله العينيُّ، وهذا ذكره ابن هشامٍ في «مُغْنيه» حاكيًا له عن الزَّمخشريِّ في «كشَّافه»، وعبارته في تفسير قوله تعالى في سورة الحجر: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر: 4] : جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ: {قريةٍ}، والقياس أنَّه لا تتوسَّط الواو بينهما؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208] ، وإنَّما توسَّطت الواو [2] لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يُقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ، انتهى. وتعقَّبه ابن مالكٍ في «شرح تسهيله»: بأنَّ ما ذَهَبَ إليه من توسُّط الواو بين الصِّفة والموصوف فاسدٌ؛ لأنَّ مذهبه في هذه المسألة لا يُعرَف من البصريِّين ولا من الكوفيِّين معوِّلٌ عليه، فوجب ألَّا يُلتفَت إليه، وأيضًا: فلأنَّه [3] مُعلَّلٌ بما لا يُناسب؛ [/ج1ص99/] وذلك لأنَّ الواو تدلُّ على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مُستلزِمٌ لتغايرهما، وهو ضدٌّ لِمَا يُرَاد من التَّأكيد، فلا يصحُّ أن يُقَال للعاطف: مُؤكِّدٌ، وأيضًا: لو صلحت الواو لتأكيد لصوق الموصوف بالصِّفة؛ لَكَان أَوْلَى المواضع بها موضعًا لا يصلح للحال؛ نحو: إنَّ رجلًا رأيُهُ سديدٌ لَسعيدٌ، فـ: «رأيُهُ سديدٌ» جملةٌ نُعِتَ بها، ولا يجوز اقترانها بالواو؛ لعدم صلاحيَّتها للحال؛ بخلاف: {وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ}؛ فإنَّها جملةٌ يصلح في موضعها الحال؛ لأنَّها بعد نفيٍ، وتعقَّبه نجم الدِّين سعيدٌ على [4] الوجه الأوَّل: بأنَّ الزَّمخشريَّ أَعْرَفُ باللُّغة، مع أنَّه لا يلزم من عدم العرفان بالمعوَّل عليه عدمُه، وعلى الثَّاني: أنَّ تغاير الشَّيئين لا ينافي تلاصقهما، والجملة التي هي صفةٌ لها التصاقٌ بالموصوف، والواو أكَّدت الالتصاق باعتبار أنَّها في أصلها للجمع المناسب للإلصاق، لا أنَّها عاطفةٌ، وعلى الثَّالث: أنَّ المراد من الالتصاق ليس الالتصاقُ اللَّفظيُّ كما فهمه ابن مالكٍ، بل المعنويُّ، والواو تؤكِّد الثَّاني دون الأوَّل، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ قوله: «أعرف باللُّغة» مجرَّدُ دعوى، مع أنَّها لو سلمت؛ لا تصلح لردِّ أنَّ هذا المذهب غير معروفٍ لبصريٍّ ولا كوفيٍّ، وإنَّما وجه الرَّدِّ أن يُقَال: بل هو معروفٌ، ويبيِّن من قاله منهم. انتهى. وقد تبع الزَّمخشريَّ في ذلك أبو البقاء، وقال في «الدُّرَّ»: إن في محفوظه أنَّ ابن جنِّيٍّ سبق الزَّمخشريَّ بذلك [5] ، وقوَّاه بآية: {إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208] ، وقراءة ابن أبي عبلة: ((إلَّا لها كتابٌ)) [الحجر: 4] ؛ بإسقاط الواو، ويحتمل أن يكون قائلَ: «وكان يشهد...» إلى آخره أبو إدريس [6] ، فيكون متَّصلًا؛ إنْ حُمِلَ على أنَّه سمع ذلك من عُبادةَ، أو الزُّهريُّ؛ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراضٌ بين «إنَّ» وخبرها السَّاقط من أصل الرِّواية هنا، ولعلَّها سقطت من ناسخٍ بعده واستمرَّ؛ بدليل ثبوتها عند المصنِّف في باب «من شهد بدرًا» [خ¦3892] ، والتَّقدير هنا: أنَّ عبادة بن الصَّامت أخبر: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَحَوْلَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) _بكسر العين_: ما بين العشرة إلى الأربعين، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ، و«عصابةٌ»: مبتدأٌ، خبره: «حولَهُ» مقدَّمًا، و«من أصحابه»: صفةٌ لـ: «عصابةٌ»، وأشار الرَّاوي بذلك إلى المُبالَغة في ضبط الحديث، وأنَّه عن تحقيقٍ وإتقانٍ؛ ولذا ذكر أنَّ الرَّاوي شهد بدرًا، وأنَّه أحد النُّقباء، والمُرَاد به: التَّقوية، فإنَّ الرِّواية تترجَّح عند المُعارَضة بفضل الرَّاوي [7] وشرفه، ومقول قوله عليه الصلاة والسلام: (بَايِعُونِي)؛ أي: عاقدوني (عَلَى) التَّوحيد (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا)؛ أي: على ترك الإشراك، وهو عامٌّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّهي كالنَّفي، وقدَّمه على ما بعده؛ لأنَّه الأصل، (وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا)؛ فيه حذف المفعول؛ ليدلَّ على العموم، (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) خصَّهم بالذِّكر؛ لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشيةَ الإملاق، أو لأنَّ قتلهم أكبرُ من قتل غيرهم، وهو الوأد؛ وهو أشنع القتل، أو أنَّه قتلٌ وقطيعةُ رَحِمٍ، فصرفُ العناية إليه أكثرُ، (وَلَا تَأْتُوا)؛ بحذف النُّون، ولغير الأربعة: ((ولا تأتون)) (بِبُهْتَانٍ)؛ أي: بكذبٍ يبهت سامعه؛ أي: يدهشه لفظاعته؛ كالرَّمي بالزِّنا والفضيحة والعار، وقوله: (تَفْتَرُونَهُ)؛ من الافتراء؛ أي: تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ)؛ أي: من قِبَلِ أنفسكم، فكنَّى باليد والرِّجل عن الذَّات؛ لأنَّ مُعظَم الأفعال بهما، والمعنى: لا تأتوا ببهتانٍ من قِبَلِ أنفسكم، أو أنَّ البهتان ناشئٌ عمَّا يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثمَّ يبرزه بلسانه، أو المعنى: لا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحًا مواجهةً، (وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ)؛ وهو ما عُرِفَ من الشَّارع حُسنُه، نهيًا أو أمرًا [8] ، وقُيِّد به؛ تطييبًا لقلوبهم؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلَّا به، وقال البيضاويُّ في الآية: والتَّقييد بالمعروف مع أنَّ الرَّسول لا يأمر إلَّا به؛ للتَّنبيه على أنَّه لا تجوز طاعة مخلوقٍ في معصية الخالق، وخصَّ ما ذكر من المناهي بالذِّكر دون غيره؛ للاهتمام به.

(فَمَنْ وَفَى)؛ بالتَّخفيف، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((وفَّى))؛ بالتَّشديد؛ أي: ثبت على العهد (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا ووعدًا؛ أي: بالجنَّة، كما وقع التَّصريح به في «الصَّحيحين» من حديث عُبادةَ في رواية الصُّنابحيِّ [خ¦3893] ، وعبَّر بلفظ: «على» وبـ: «الأجر»؛ للمُبالغَة في تحقُّق وقوعه، ويتعيَّن حمله على غير ظاهره؛ للأدلَّة [9] القاطعة على أنَّه لا يجب على الله شيءٌ، بل الأجر من فضله عليه، لمَّا ذكر المُبايَعَة المقتضية لوجود العوضين؛ أثبت [/ج1ص100/]

الأجر في موضع أحدهما، (وَمَنْ أَصَابَ) منكم أيُّها المؤمنون (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك؛ بنصب «شيئًا» مفعول «أصاب» الذي هو صلةٌ من الموصول المتضمِّن معنى الشَّرط، والجارُّ للتَّبعيض، (فَعُوقِبَ)؛ أي: به، كما رواه أحمدُ؛ أي: بسببه (فِي الدُّنْيَا)؛ أي: بأن أُقِيَم عليه الحدُّ؛ (فَهُوَ)؛ أي: العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ)، فلا يُعاقَب عليه في الآخرة، وفي رواية الأربعة: ((فهو كفَّارةٌ))؛ بحذف ((له))، وقد قِيلَ: إنَّ قتل القاتل حدٌّ وإرداعٌ لغيره، وأمَّا في الآخرة؛ فالطَّلب للمقتول قائمٌ، وتُعقِّب: بأنَّه لو كان كذلك؛ لم يَجُزِ العفوُ عن القاتل، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء: أنَّ الحدود كفَّاراتٌ؛ لظاهر الحديث، وفي «التِّرمذيِّ» وصحَّحه من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه مرفوعًا نحو هذا الحديث، وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعُوقِبَ به في الدُّنيا؛ فالله أكرمُ من أن يثنِّي العقوبة على عبده في الآخرة» و«شيئًا»: نكرةٌ تفيد العموم؛ لأنَّها في سياق الشَّرط، وقد صرَّح ابن الحاجب بأنَّه كالنَّفي في إفادته، وحينئذٍ فيشمل إصابة الشِّرك وغيره، واستُشكِل: بأنَّ المرتدَّ إذا قُتِلَ على ارتداده؛ لا يكون قتله كفَّارةً، وأُجِيب: بأنَّ عموم الحديث مخصوصٌ بقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] ، أو المُرَاد به: الشِّرك الأصغر؛ وهو الرِّياء، وتُعقِّب: بأنَّ عُرْفَ الشَّارع إذا أَطْلَقَ الشِّركَ؛ إنَّما يريد به ما يقابل التَّوحيد، وأُجِيب: بأنَّ طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فهو محتملٌ وإن كان ضعيفًا، وتُعقِّب: بأنَّه عقَّب الإصابة بالعقوبة في الدُّنيا، والرِّياء لا عقوبةَ فيه، فوضح أنَّ المراد الشِّرك، وأنَّه مخصوصٌ، وقال قومٌ: بالوقف؛ لحديث أبي هريرة المرويِّ عند البزَّار والحاكم وصحَّحه: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لا أدري؛ الحدود كفَّارةٌ لأهلها أم لا؟»، وأُجِيب: بأنَّ حديث الباب أصحَّ إسنادًا، وبأنَّ حديث أبي هريرة ورد أوَّلًا قبل أن يعلم عليه الصلاة والسلام، ثمَّ أعلمه الله تعالى آخرًا، وعُورِضَ: بتأخُّر إسلام أبي هريرة، وتقدَّم حديث الباب؛ إذ كان ليلة العقبة الأولى، وأُجِيب: بأنَّ حديث أبي هريرة صحيحٌ سابقٌ على حديث الباب، وأنَّ المبايعةَ المذكورةَ لم تكن ليلة العقبة، وإنَّما هي بعد فتح مكَّة وآية «الممتحنة»، وذلك بعد إسلام أبي هريرة، وعُورِضَ: بأنَّ الحديث رواه الحاكمُ، ولا يخفى تساهله في التَّصحيح، على أنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّ عبد الرَّزَّاق تفرَّد بوصله، وإنَّ هشام بن يوسف رواه عن معمرٍ فأرسله، وحينئذٍ فلا تساويَ بينهما، وعلى ذلك فلا يحتاج إلى الجمع والتَّوفيق بين الحديثين، وبأنَّ عياضًا وغيره جزموا بأنَّ حديث عُبادةَ هذا كان بمكَّةَ ليلة العقبة عند البيعة الأولى بمِنًى، ويؤيِّده قوله: «عصابةٌ» المفسَّر بـ: «النُّقباء الاثني عشر»، بل صرَّح بذلك في رواية النَّسائيِّ، ولفظه: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في رهطٍ»، والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال فقط، وقال ابن دريدٍ: وربَّما جاوز ذلك قليلًا، وهو ضدُّ الكثير، وأقلُّه ثلاثةٌ، وأكثر القليل اثنان، فتُضَاف للتِّسعة، فالمجموع أحدَ عَشَرَ، فكان المُرَاد من الرَّهط هنا: أحدَ عَشَرَ نقيبًا، ومع عُبَادَةَ اثنا عَشَرَ نقيبًا، وإذا ثبت هذا فقد دلَّ قطعًا: أنَّ هذه المبايعةَ كانت ليلة العقبة الأولى؛ لأنَّ الواقعة بعد الفتح كان فيها الرِّجال والنِّساء معًا، مع العدد الكثير. انتهى.

(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ) المذكور (شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ الله)، وفي رواية ابن عساكرَ _وعَزَاها الحافظ ابن حجرٍ لكريمةَ_ زيادة: ((عليه))؛ (فَهُوَ) مفوَّضٌ (إِلَى اللهِ) تعالى، (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضله (وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) بعدله. (فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ)، ومفهوم هذا يتناول مَنْ تاب ومَنْ لم يَتُبْ، وأنَّه لم يتحتَّم دخوله النَّار، بل هو إلى مشيئة الله تعالى، وقال الجمهور: إنَّ التَّوبة ترفع المُؤاخَذة. نعم؛ لا يأمن من مكر الله تعالى؛ لأنَّه لا اطِّلاع له على قبول توبته، وقال قومٌ: بالتَّفرقة بين ما يجب فيه الحدُّ وما لا يجب، فإن قلت: ما الحكمة في عطف الجملة المتضمِّنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء، والمتضمِّنة للسَّتر بـ: «ثمَّ»؟ أُجِيب: باحتمال أنَّه للتَّنفير عن مُواقَعَة المعصية، فإنَّ السَّامع إذا علم أنَّ العقوبة مفاجئةٌ لإصابة المعصية غير متراخيةٍ عنها، وأنَّ السَّتر مُتَرَاخٍ؛ بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقِّيها، قاله في «المصابيح».

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم شاميُّون، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه رواية قاضٍ عن قاضٍ أبو إدريس وعبادةُ، ورواية من رآه عليه الصلاة والسلام عمَّن رآه؛ [/ج1ص101/] لأنَّ أبا إدريسَ له رؤيةٌ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في: «المغازي» [خ¦3999] ، و«الأحكام» [خ¦7213] ، وفي «وفود الأنصار» [خ¦3892] ، وفي «الحدود» [خ¦6784] ، ومسلمٌ في «الحدود» أيضًا، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ.

ولمَّا فرغ المصنِّف من تلويحه بمناقب الأنصار؛ مِنْ بذلهم أرواحَهم وأموالهَم في محبَّة الرَّسول عليه الصلاة والسلام؛ فرارًا بدينهم من فِتَنِ الكفر والضَّلال؛ شرع يذكر فضيلة العزلة والفرار من الفتن، فقال:

[1] في (ص): «وقتل»، وهو تصحيفٌ.
[2] في (ص): «جِيءَ بها».
[3] في (م): «فلأنه».
[4] هنا يبدأ السقط من (ص).
[5] في (م): «لذلك».
[6] في (ب) و(س): «يكون قائلُ ذلك أبا إدريس».
[7] في (م): «الرأي»، وهو تحريفٌ.
[8] في (ب) و(س): (وأمرًا).
[9] في (م): «للدلالة».





18- (وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ): (عِصَابَةٌ): مبتدأٌ، و (حَوْلَهُ): خبرُه، وهذه جملةٌ محلُّها نصبٌ على الحال.

(مَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا): (مِنْ) هي التَّبعيضيَّة، و (شَيْئًا) عَامٌّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق الشَّرط، صرَّح ابنُ الحاجب بأنَّه كالنَّفي في إفادةِ العموم؛ كنكرةٍ وقعت في سياقه، و (مِنْ ذَلِكَ): حالٌ مِن (شَيْئًا).


18- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): تقدَّم أنَّه الحكم بن نافع.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه العَلَم الفرد أبو بكر محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.

قوله: (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ...) إلى قوله: (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ): أمَّا العقبةُ؛ فهي معروفةٌ؛ وهي التي عند مِنًى التي تنسب إليها الجمرة، وجمرةُ العقبة ليست من مِنًى، بل هي حدُّ مِنًى من الجانب الغربيِّ من جهة مكَّة.

وقال المحبُّ الطبريُّ: (الظاهرُ أنَّها العقبةُ التي يضاف إليها الجمرة؛ إذ ليس ثَمَّ [1] عقبة أظهر منها، قال: وعن يسار الطريق لقاصد مِنًى من مكَّة شِعبٌ قريب منها فيه مسجدٌ، مشهورٌ عند أهل مكَّة أنَّه مسجد البيعة، وهي [2] على نشز من الأرض، ويجوز أن يكون المراد بـ«العقبة» ذلك، وعلى الأوَّل يكون قد نُسِب إليها؛ لقُربه منها) انتهى.

واعلم أنَّ النقباء كانوا اثني عشر؛ وهم: أسعد بن زُرارة، وسعد بن الرَّبيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن مَعرور، وعبد الله بن عمرو بن حَرَام، وسعد بن عُبادة، والمنذر بن عمرو بن خُنيس، وعُبادة بن الصَّامتْ، فهؤلاءِ مِنَ الخزرج، وثلاثةٌ مِنَ الأوس؛ وهم: أُسَيْد بن الحُضير، وسعد بن خيثمة، ورِفاعة بن عبد المنذر، وقد ذكرهم ابن عبد البرِّ، فأسقط: رِفاعة بن عبد المنذر، وجعل عوضه: أبا الهيثم بن التَّيِّهان، وقال ابن هشام: وأهلُ العلم يعدُّون فيهم أبا الهيثم بن التَّيِّهان بدل رِفاعة.

فكان عُبادةُ نقيب بني عوف مِنَ الخزرج، وكان سعدُ بن عبادة والمنذرُ بن عمرو نقيبي بني ساعدة، وكان أبو الهيثم وأُسيد بن الحُضير نقيبي بني عبد الأشهل، وكان سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة نقيبي بني الحارث من الخزرج، وكان سعدُ بن خيثمة نقيب بني عمرو بن عوف، وكان البراءُ بنُ مَعرور وعبدُ الله بن عمرو نقيبي بني سلِمة، وكان رافع نقيببني زُريق، وكان أسعد بن زُرارة نقيب بني النجار، وقال ابن مَنْدَه وأبو نعيم: إنَّه كان نقيب بني ساعدة ، ذكر ذلك في «الأُسد» في ترجمة أسعد بن زُرارة [3] .

فائدة: روى أبو بكر البيهقيُّ بسنده إلى مالكٍ قال: (فحدَّثني شيخٌ من الأنصار أنَّ جبريل عليه السلام كان يشير له إلى مَن يجعلُه نقيبًا) انتهى.

تنبيه: وقع في «مستدرك الحاكم» في (معرفة الصَّحابة) ما لفظه: (سعد بن خيثمة الأنصاريُّ أحد النقباء) ، ثمَّ ساق سندًا إلى عمر بن زيد بن جارية عن أبيه قال: «استصغرنا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنا وسعد بن خيثمة» صحيح) ، قال الذَّهبيُّ في «تلخيصه»: (قلت: منكر؛ كيف يستصغرُ مَن هو نقيب؟) انتهى.

وصواب هذا الاسم: سعد ابن حَبْتة، وهي أُمُّه، واسمُ أبيه: بحير [4] ، ومعذورٌ الذهبيُّ في استنكاره ذلك، والظاهرُ أنَّه تصحيفٌ إمَّا مِنَ الحاكم أو ممَّن [5] فوقَه، وسعدُ ابن حَبْتة استُصغر في أُحُد، وكذا زيد بن جارية، والله أعلم

وأهل العقبة الثانية كانوا اثني عشر، وفي «الإكليل» [6] ، وفي «المستدرك» في (هجرة الحبشة): أحد عشر، وأمَّا الأولى؛ فكانوا ستَّة؛ وهم أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رِئاب، ومنهم مَن يجعل فيهم عُبادة بن الصامت، ويسقط جابرًا، وتقدَّم أنَّ الثانية كانوا اثني عشر-وقيل: أحد عشر- وهم خمسة من السِّتَّة الذين ذكرتهم، وهمُ الأُوَّل، وبقيَّتُهم: معاذُ بن الحارث بن رِفاعة، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة-ذكروا أنَّه رحل إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى مكَّة فسكنها، فهو مهاجريٌّ أنصاريٌّ، وممَّن قيل: إنَّه مهاجريٌّ أنصاريٌّ جماعةٌ ذكرتهم في تعليقي على«سيرة ابن سيِّد الناس» مع ذكوان-وعبادة بن الصامت، والعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة بن خَزمة-بسكون الزاي وبعضهم يفتحها- وأبو الهيثم مالك بن التَّيِّهان -أهل الحجاز يخفِّفون الياء، وغيرُهم يشدِّدُها- وعويم بن ساعدة، وأمَّا أهل الثالثة: فهم ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان، وقال ابن سعد: (سبعون يزيدون رجلًا أو رجلين، وامرأتان) ، وقال الحاكم: (خمسة وسبعون نفسًا) ،ولعلَّه أراد [7] : وأمَّا أهل الثالثة؛ فهم ثلاثة وسبعون [8] عدا المرأتين معهم.

والمرأتان من بني مازن بن النجار: نَسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف أمُّ عُمارة، والثانية من بني سلِمة: أمُّ منيع بنت عمرو بن عديِّ بن نابي، والله أعلم.

قوله: (عِصَابَةٌ): هي [9] بكسر العين؛ أي: جماعة، وهم من العشرة إلى الأربعين، لاواحد لها من لفظها، وجمعها: عصائب، وكانوا في هذه البيعة اثني عشر رجلًا، وقد تقدَّم الخلاف في عددهم.

قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (إنَّ هذه العِصابة هم أهل العقبة [10] الأولى) انتهى، وهم الذين ذكرتُهم أنَّهم أهل العقبة الثانية، فانظرهم فيما تقدَّم، والبيعةُ وقعت [11] في العقبة الثانية حين كانوا اثني عشر رجلًا [12] ، وبعضُهم يجعل هذه العقبة الأولى، والله أعلم.

قوله: (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ): (البُهتان): هو الباطلُ الذي يُتحيَّرُ منه، وهو مِنَ البهت: التحيُّر، يُقال: بهتَه يبهَتُه، ومعناه: لا يأتينَّ بولدٍ مِن غير أزواجهنَّ فينسبنه إليهم، والبهت: الكذب.

قوله: (وَفَى): هو بتخفيف الفاء وتشديدها.

قوله: (فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا...) إلى آخره: فيه دلالة لمذهب الأكثرين: أنَّ الحدود كفَّاراتٌ لأهلها، ومنهم مَن وقف بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «لا أدري الحدود كفَّارات»،لكنَّ حديث عبادة أصحُّ إسنادًا، وحديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في «المستدرك» في نحو الثلث من (كتاب الإيمان) ، ثمَّ قال: على شرطهما، ولم يتعقَّبه الذَّهبيُّ، وهو سندٌ صحيح، وقد روى أحمد في «المسند» من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: «من أصاب ذنبًا أقيم عليه حدُّ ذلك الذنب؛ فهو كفَّارته»، ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة الأوَّل أولًا [13] قبل أن يعلم ثم أُعلم، كذا قال القاضي عياض وغيره، وفيه وقفة؛ إذ حديث عبادة ليلة العقبة الثانية كما تقدَّم، حين كانوا اثني عشر رجلًا، وأبو هريرة أسلم عام خيبر، والجواب الأوَّل أحسنُ، أو يقال: إنَّ حديث أبي هريرة الأوَّل سمعه من صحابيٍّ آخرَ، وذاك الصحابيُّ متقدِّمُ الصُّحبة.

[1] في (ب): (ثمة) .
[2] في (ب): (وهو) .
[3] «أسد الغابة» (*) .
[4] في (ب): (بجير) ، وكلاهما قيل في اسمه.
[5] في (ب): (من) .
[6] (في «الإكليل»): مثبت في (ج) ، وسقط من (ب) .
[7] قوله: (نفسًا، ولعله أراد): مثبت من (ج) ، وسقطت من (ب) .
[8] قوله: (وأما أهل الثالثة فهم ثلاثة وسبعون): مثبت من (ب) ، وسقطت من (ج) .
[9] (هي): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .
[10] (العقبة): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .
[11] قوله: (والبيعة وقعت): مثبتة في (ج) .
[12] (رجلًا): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .
[13] (أولًا): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .





18- ( عَائِذُ اللَّهِ ) بذال معجمة، وهو اسم علَم معناه: ذو عياذة بالله.

( وَحَوْلَهُ ) بالنصب؛ لأنَّه ظرف، وهو خبر المبتدأ الذي بعده.

( عِصَابَةٌ ) بكسر العين، أي: جماعة وهم من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من [/ج1ص31/] لفظها وجمعها عصائب، وكانوا في هذه البيعة اثني عشر رجلًا، ذكره ابن إسحاق.

( وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ) البهتان مصدر بهت، بمعنى: كذب عليه كذبةً أبهته من شدَّة نكرته، ومعناه هنا: قذف المحصنات، قال الخطابي: واغتيابهم.

قال: ومعنى ذكر الأيدي والأرجل وليس لها صنع في البَهت أن معظم الأفعال إنَّما تضاف إلى الأيدي والأرجل؛ لأن بها المباشرة والسعي؛ فأضيفت الجنايات إليها، وإن شاركها باقي الأعضاء.

ويحتمل أن المعنى: لا تبهتوا الناس كفاحًا وأنتم حضور يشاهد بعضكم بعضًا، وهذا البهت أشدُّ ما يكون، كما يقال: قلتُ هذا، أو فعلتُهُ بين يديه، أي: بحضرته.

( وَفَى ) بالتخفيف، ويجوز التشديد.

ووجه مطابقة حديث عبادة للترجمة التنبيه على المعنى الذي استحق الأنصارُ به هذه المنزلة، وهو ما لهم من السبق إلى الإسلام بالمبايعة، وهي أول بيعة عقدت على الإسلام.


18- ( عِصَابَةٌ ): بكسر العين: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من لفظها.

( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ ) قيل: خصَّ [الأولاد] [1] لأنَّ فيه مع القتل قطيعة الرَّحم، ولأنَّه كان شائعًا فيهم وهو وأد البنات.

( بِبُهْتَانٍ ) هو الكذب الذي يَبهَتُ سامعَه.

( تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ) خصَّها لأنَّ معظم الأفعال بها، قيل: ويحتمل أن يُراد بما بينهما القلب؛ لأنَّه المترجِم عنه اللِّسانِ، فلذلك نُسِبَ إليه الافتراء، فالمعنى: لا ترموا أحدًا بكذب تُزوِّرونه في أنفسكم ثمَّ تبهتون صاحبه بألسنتكم.

وقيل: أصل هذا كان في بيعة النِّساء، وكُنِّيَ به عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثمَّ لما استُعْمِلَ في بيعة الرِّجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه.

( وَلاَ تَعْصُوا )، للإسماعيليِّ: «تعصوني».

( فِي مَعْرُوفٍ ) هو ما عُرِفَ من الشَّارع حسنه نهيًا وأمرًا.

( وَفَى ) أي: ثبت على العهد، مخفَّف ومشدَّد.

( فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) أُطلِقَ على سبيل التَّفخيم، وعبر بـ ( على ) للمبالغة في تحقيق وقوعه.

( فَعُوقِبَ ) زاد أحمد: «به».

( فَهُوَ ) أي: العقاب.

( كفارة)، ظاهره التَّكفير وإن لم يتب وعليه الجمهور. قال النَّوويُّ: وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } [النساء:48] ، فالمرتدُّ إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل كفَّارة له.

وقال غيره: يحتمل أنَّ قوله [من] [2] ذلك خاصٌّ بما بعد الشِّرك بقرينة أنَّ المخاطب به المسلمون، ويؤيِّده أنَّ في رواية مسلم: «ومن أتى منكم حدًّا» والقتل على الشِّرك لا يُسمَّى حدًا. [/ج1ص168/]

قال عياض وغيره: وهذا الحديث صريح في أنَّ الحدود كفَّاراتٌ، وأمَّا حديث أبي هريرة: «لا أدري الحدود كفَّارة لأهلها أم لا» أخرجه أحمد والبزَّار والحاكم في «المستدرك» على شرط الشَّيخين؛ فإنَّه ورد أوَّلًا قبل أن يُعلِمْه اللهُ ثمَّ أعلمه بعد ذلك، وتُعُقِّبَ بأنَّ حديث عبادة كان بمكَّة ليلة العقبة لمـَّا بايع الأنصارُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِمنًى، وأبو هريرة إنَّما أسلم بعد ذلك بسبع سنين، فكيف يكون حديثه متقدِّمًا؟

وأجيب بأنَّه يمكن أنَّه لم يسمعه من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ بل من صحابيٍّ آخر كان سمعه منه قديمًا، ورُدَّ بأنَّ أبا هريرة صرَّح بسماعه، وأنَّ الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك.

قال ابن حجر: والحقُّ عندي أنَّ حديث أبي هريرة صحيح وهو سابق على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصِّفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنَّما نصَّ في بيعة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال لمن حضر من الأنصار: «أبايعكم على أن تمنعوني ممَّا تمنعون / منه نساءكم وأبناءكم» فبايعوه على ذلك وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، فهذه البيعة الأولى.

ثمَّ صدرت مبايعات أُخَرُ منها هذه، وإنَّما وقعت بعد فتح مكَّة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة، بدليل أنَّ في الحدود من «الصَّحيح» أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لمـَّا بايعهم قرأ الآية كلَّها. [خ: 6784]

وعند الطَّبرانيِّ في هذا الحديث التَّصريح بأنَّ هذه المبايعة وقعت يوم فتح مكَّة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدَّة، فزال الإشكال. [/ج1ص169/]

تنبيه: ظاهر الحديث أيضًا أنَّ القاتل إذا قُتل أُسقِطَ عنه المطالبة في الآخرة، وأباه جماعة بأنَّ الطَّلب للمقتول ولم يصل إليه حقٌّ.

( وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثمَّ سَتَرَهُ اللهُ ) زاد في رواية كريمة: «عليه».

( فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ) فيه ردُّ على الخوارج والمعتزلة والمرجئة معًا.

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (القتل بالأوَّلاد)
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (في)





18- وبه قال: ((حدثنا أبو اليمان)) الحكم بن نافع الحمصي ((قال: أخبرنا شعيب)) بن أبي حمزة القرشي ((عن الزهري)) محمد بن مسلم أنه ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((أبو إدريس عائذ الله)) بالمعجمة؛ اسم علم؛ أي: ذو عياذة بالله، فهو عطف بيان لقوله: (أبو إدريس) ((بن عبد الله)) الصحابي، ابن عمر الخولاني، الدمشقي، الصحابي؛ لأنَّ مولده كان عام حنين، التابعي من حيث الرواية، المتوفى بالشام بقرية داريا الكبرى سنة ثمانين: ((أن عُبادة)) بضم العين ((بن الصامت)) بن قيس الأنصاري الخزرجي، المتوفى بالرملة سنة أربع وثلاثين عن اثنتين وسبعين سنة، وقيل: في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين، ((رضي الله عنه وكان شهد بدرًا)) ؛ أي: وقعتها، فالنصب بقوله: (شهد) وليس مفعولًا فيه؛ كذا قيل؛ وهي بئرٌ سميت باسم بانيها؛ بدر من بني النضر، ((وهو أحد النقباء)) جمع نقيب؛ وهو الناظر على القوم، وكانوا اثني عشر رجلًا (ليلة العقبة) ؛ بمنى؛ أي: فيها، و (الواو) في (وهو) كواو (وكان) هي الداخلة على الجملة الموصوف بها؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت ولا ريب أنَّ كون شهودِ عُبادةَ بدرًا وكونه من النقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواو للحال ولا للعطف؛ كذا قاله شيخ الإسلام بدر الدين العيني.

قيل: إن هذا ذكره ابن هشام في «المغني» معزيًا للفاضل الزمخشري، واعترضه ابن مالك في «شرح التسهيل»، وأجاب عنه نجم الدين سعيد، واعترضه الدماميني، وأجاب عنه الإمام العلامة الشُّمُنِّي الحنفي، وقد تبع جار الله الزمخشري في ذلك أبو البقاء الحنفي العكبري وقوَّاه؛ فليحفظ.

قيل: ويَحتمل أن يكون قائل ذلك أبا إدريس؛ فيكون متصلًا، وإن حُمل على أنه سمع ذلك من عُبادة أو الزهري؛ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراض بين (أن) وخبرها الساقط من أصل الرواية، ولعلها سقطت من ناسخ بعدَه؛ بدليل ثبوتها عند المؤلف في (باب من شهد بدرًا) ، والتقدير هنا: أنَّ عُبادة أخبر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحولَه)) بالنصب على الظرفية ((عِصابة)) ؛ بكسر العين؛ ما بين العشرة إلى الأربعين، وقوله: ((من أصحابه)) صفة لـ (عصابة) ، والجملة اسمية، و (عصابة) مبتدأ، خبرُه (حولَه) مقدمًا، وإنما قال: (وهو أحد النقباء وإنه شهد بدرًا) ؛ للتقوية والترجيح: ((بايعوني)) ؛ أي: عاقدوني ((على)) التوحيد ((ألَّا تشركوا بالله شيئًا)) ؛ أي: على ترك الإشراك، وهو عام؛ لأنَّه نكرة وهي سياق النهي كالنفي تعم، وقدَّمه؛ لأنَّه الأصل ((و)) على أن ((لا تسرقوا)) فيه حذف المفعول؛ ليدل على العموم ((ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم)) خصهم بالذكر؛ لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشية الإملاق، أو لأنَّ قتلهم؛ أكبر من قتل غيرهم؛ وهو الوأد؛ وهو أشنع القتل، أو إنه قتل وقطيعة رحم، فصرف العناية إليه أكثر، ((ولا تأتوا)) بحذف النون، وفي رواية: بإثباتها، ((ببهتان)) ؛ أي: بكذب يبهت سامعه؛ أي: يدهشه؛ لفظاعته كالرمي بالزنا، وقوله: ((تفترونه)) من الافتراء؛ أي: تختلقونه ((بين أيديكم وأرجلكم)) ؛ أي: من قِبل أنفسكم، فكنى باليد والرجل عن الذات؛ لأنَّ معظم الأفعال بهما ((ولا تعصوا في معروف)) قيَّد به مع أنه عليه السلام لا (يأمر) به؛ للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وخص ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره؛ للاهتمام به، ((فمن وفى)) ؛ أي: ثبت على العهد، و (وفى) بالتخفيف، وفي رواية: بالتشديد ((منكم؛ فأجره على الله)) فضلًا ووعدًا بالجنة؛ كما وقع التصريح به في «الصحيحين»، وفي رواية الصنابحي عن عبادة، وعبر بلفظ (على) وبـ (الأجر) ؛ للمبالغة في تحقق وقوعه؛ لأنَّه لا يجب على الله شيء عندنا، ((ومن أصاب)) منكم أيها المؤمنون ((من ذلك شيئًا)) غير الشرك بنصب (شيئًا) مفعول (أصاب) الذي هو صلة من الموصول المتضمن معنى الشرط، والجار للتبعيض، ((فعوقب)) ؛ أي: به كما رواه أحمد؛ أي: بسببه ((في الدنيا)) ؛ أي: بأن أقيم عليه الحد؛ ((فهو)) ؛ أي: العقاب مع التوبة النصوحة ((كفارة له)) فلا يعاقب عليه في الآخرة، أما إذا لم يتب؛ فإنَّه يعاقب في الآخرة؛ لأنَّ الحدود شرعت لنفع الكافة من صيانة الأنساب، والأعراض، والأموال، وإقامة الحدود مع عدم التوبة؛ لا يفيد المقصود، فلا يكون الحد مطهرًا من الذنب؛ بل المطهر إنَّما هو التوبة عملًا بآية قُطاع الطريق؛ حيث قال الله تعالى بعد ذكر أحكامهم: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 33،34] .

فأخبر تعالى أن آخر فعلهم؛ عقوبة دنيوية وأخروية، إلَّا من تاب؛ فإنَّها تسقط عنه الأخروية بالإجماع؛ للإجماع على أن التوبة لا تُسقط الحد في الدنيا، ويدل لهذا حديث أبي هريرة المروي عند البزار والحاكم وصححه أنه عليه السلام قال: «لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا».

وأما حديث علي وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعوقب فيه في الدنيا؛ فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة»؛ محمول على أنه عند العقوبة قد تاب عن الذنب، على أن قوله: (أن يثني... إلى آخره) ؛ دليل على أنه إذا لم يتب يعاقب في الآخرة؛ فافهم.

و (شيئًا) : نكرةٌ؛ وهي تفيد العموم، فيشمل إصابة الشرك وغيره، وأجيب بأن المراد بالشرك؛ الإشراك بالله؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] ، وما قيل: إنه الشرك الأصغر وهو الرياء؛ فممنوع؛ لأنَّ الشارع إذا أطلق الشرك إنَّما يريد به ما يقابل التوحيد؛ فليحفظ.

((ومن أصاب من ذلك)) المذكور ((شيئًا)) غير الشرك؛ كما مر، ((ثم ستره الله)) وفي رواية: (عليه) ؛ ((فهو)) مفوض ((إلى الله)) عز وجل ((إن شاء عفا عنه)) بفضله ((وإن شاء عاقبه)) بعدله ((فبايعناه)) ؛ أي: عاقدناه ((على ذلك)) المذكور.

قيل: مفهومه يتناول من تاب ومن لم يتب، وإنه لم يتحتم دخوله النار؛ بل هو في مشيئة الله تعالى، قلت: يُعارض هذا المفهوم قولُه تعالى في آية قطاع الطريق: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] ، فالاستثناء راجع إلى عذاب الدنيا والآخرة؛ حتى لو تاب قبل القدرة عليه بعد ما خاف الطريق، ولم يقتل، ولم يأخذ شيئًا، سقط عنه حق[/ص15/] الدنيا والعقاب في الآخرة، وهذا هو التحقيق؛ كذا في «النهر الفائق شرح كنز الدقائق»، قلت: لكن لا يأمن من مكر الله؛ لأنَّه لم يطلع على قبول توبته، ومن كرمه قبولها.

ونقل العلامة البيرمي في «شرحه على الأشباه» عن «الجواهر»: رجل شرب الخمر وزنى ثم تاب ولم يحد في الدنيا، هل يحد له في الآخرة؟ قال: الحدود حقوق الله تعالى إلَّا أنه تعلق بها حق الناس؛ وهو الانزجار، فإذا تاب توبة نصوحة؛ أرجو ألَّا يحد في الآخرة، فإنَّه لا يكون أكثر من الكفر والردة، وإنَّه يزول بالإسلام والتوبة، انتهى؛ أي: فإن المرتد إذا تاب، فإنه لا يعاقب في الدنيا والآخرة، أما إذا قتل على ارتداده؛ فلا يكون قتله كفارة له؛ لعدم توبته ولبقائه على الشرك، وأخبر سبحانه: بأنَّه لا يغفر أن يشرك به، كما قدمناه، والله تعالى أعلم.