المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

(34) بابُ [1] مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ: مِنَ [2] القُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَىَ [3] : { أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ } [المائدة: 6]

وقالَ عَطاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ: يُعِيدُ الوُضُوءَ [4] .

وقالَ جابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ [5] : إذا ضَحِكَ في الصَّلاةِ أَعادَ الصَّلاةَ وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ.

وقالَ الحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفارِهِ [6] ، أَوْ خَلَعَ [7] خُفَّيْهِ فَلا وُضُوءَ عَلَيْهِ.

وقالَ أبو هُرَيْرَةَ: لا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ.

وَيُذْكَرُ عن جابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَىَ في صَلاتِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: ما زالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ في جِراحاتِهِمْ.

وقالَ طاوُوسٌ وَمُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ وَعَطاءٌ وَأَهْلُ الحِجازِ: لَيْسَ في الدَّمِ وُضُوءٌ.

وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً، فَخَرَجَ منها الدَّمُ وَلَمْ [8] يَتَوَضَّأْ.

وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَىَ دَمًا فَمَضَىَ في صَلاتِهِ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ والْحَسَنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ [9] : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا [10] غَسْلُ مَحاجِمِهِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] لفظة: «مِنَ» ليست في رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي ذر و [عط] ، وضبَّب عليها في (ب، ص).
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «لقوله عَزَّ وَجلَّ». كتبت بالحمرة (ن، و) وهو موافق لما في نسخة البقاعي، وفي (ب، ص) أنَّ روايتهم: «لقوله تعالىَ».
[4] بهامش اليونينية بدون رقم: «يعيد الصلاةَ» كتبت بالحمرة.
[5] قوله: «بن عبد الله» ليس في رواية الأصيلي.
[6] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أو أظفاره».
[7] في رواية ابن عساكر: «وخلع».
[8] في روايةٍ عن أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «الدَّمُ فلم», وفي رواية عنهم: «دَمٌ فلم», وفي رواية ابن عساكر: «دَمٌ ولم»
[9] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «احتَجَمَ».
[10] لفظة: «إلَّا» ثابتة في رواية أبي ذر والمُستملي أيضًا (ن، و)، وبهامش (ن): عند الأصيلي في الأصل: فليس غسل محاجمه [كذا، ولعل الصواب: فليس عليه... ] . وقال في الهامش: صح ثبوت «إلَّا» للمُستملي وحده.اهـ.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

34- هذا (باب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ) واجبًا من مخرجٍ من مخارج البدن (إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ)؛ بالجرِّ فيهما، عطفُ بيانٍ أو بدلٌ؛ أي: لا من مخرجٍ آخرَ؛ كالفصد والحجامة والقيء وغيرها، و«القُبُل» يتناول ذَكَر الرَّجل وفرج المرأة، وزاد في روايةٍ [1] : ((من)) قبل [2] : «القُبل والدُّبر»؛ (لقَوْلِه تَعَالَى)، وفي رواية غير الهَرَوِيِّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((وقول الله تعالى)): ({أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}) [المائدة: 6] ؛ أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السَّبيلين؛ القُبل والدُّبر، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض تُقضَى فيه الحاجة، سُمِّيَ [3] باسم الخارج؛ للمُجاوَرَة، لكن ليس في هذه الآية ما يدلُّ على الحصر الذي ذكره المؤلِّف، غاية ما فيها: أنَّ الله تعالى أخبر أنَّ الوضوء أوِ [4] التَّيمُّم عند فقد الماء يجب بالخارج من السَّبيلين، وبمُلامَسَة النِّساء المُفسَّرة [5] بجسِّ اليد، كما فسَّرها به ابن عمر رضي الله عنهما، واستدلَّ بذلك الإمام الشَّافعيُّ رضي الله عنه على نقض الوضوء به، والمعنى في النَّقض به: أنَّه مظنَّة الالتذاذ المثير للشَّهوة، وقال الحنفيَّة: المُلامَسَة كنايةٌ عن الجماع، فيكون دليلًا للغُسْل لا للوضوء، وأُجِيب: بأنَّ اللَّفظ لا يختصُّ بالجماع، قال تعالى: {فلمسوه بأيديهم} [الأنعام: 7] ، وقال عليه الصلاة والسلام لماعزٍ: «لعلَّك لمست». (وَقَالَ عَطَاءٌ)؛ أي: ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ، (فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ)، وغير ذلك من النَّادر، قال [6] : (يُعِيدُ الْوُضُوءَ) وهذا [7] مذهب الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق وأبي ثورٍ وسفيان الثَّوريِّ والأوزاعيِّ، وقال قتادة ومالكٌ: لا وضوء فيه، وفي نسخة بـ: «اليونينيَّة»: ((يعيد الصَّلاة)) بدل «الوضوء». (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنه ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ والدَّارقُطنيُّ: (إِذَا ضَحِكَ)، فظهر منه حرفان أو حرفٌ مفهمٌ، (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ لا الوضوء)، والذي في «اليونينيَّة»: ((ولم يُعِدِ الوضوءَ))، وقال أبو حنيفة: إذا قهقه في الصَّلاة ذات الرُّكوع والسُّجود بصوتٍ يسمعه جيرانه؛ بطلتِ الصَّلاة [8] وانتقض الوضوء، وإن لم يسمعه جيرانه؛ فلا؛ لحديث: «من ضحك في الصَّلاة قهقهةً؛ فليعدِ الوضوء والصَّلاة» [9] . أخرجه ابن عديٍّ في «كامله»، سواءٌ كان بصوتٍ يُسمَع أو تبسُّمٌ، والخلاف إنَّما هو في نقض الوضوء، لا في إبطال الصَّلاة. (وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ ممَّا أخرجه سعيد بن منصورٍ وابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ موصولًا: (إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ)؛ أي: شعر [10] رأسه أو شاربه، (أو) من (أَظْفَارِهِ)، ولابن عساكر: ((وأظفاره))؛ فلا وضوء عليه؛ خلافًا لمجاهدٍ والحكم بن عُتَيبة [11] وحمَّادٍ، (أَوْ خَلَعَ)، وفي رواية ابن عساكر: ((وخلع)) (خُفَّيْهِ)، أو أحدهما بعد المسح عليهما؛ (فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ)، وهذا ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن هشيمٍ عن يونس عنِ الحسن البصريِّ، وإليه ذهب قتادة وعطاءٌ وطاووسٌ وإبراهيم النَّخعيُّ وسلمان وداود، واختاره النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» كابن المنذر، وفي قولٍ [12] : يتوضَّأ؛ لبطلان [13] كلِّ الطَّهارة ببطلان بعضها كالصَّلاة، والأظهر: أنَّه يغسل قدميه فقط؛ لبطلان طهرهما بالخَلْع أوِ الانتهاء. [/ج1ص258/] (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ممَّا وصله القاضي إسماعيل في «الأحكام» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق مجاهدٍ عنه: (لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ)؛ هو في اللُّغة: الشَّيء الحادث، ثمَّ نُقِلَ إلى الأسباب النَّاقضة للطَّهارة [14] ، وإلى المنع المترتِّب [15] عليها مجازًا، من باب: قصر العامِّ على الخاصِّ، والأوَّل هو المُراد هنا، (وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه، ممَّا وصله ابن إسحاق في «المغازي»، وأخرجه أحمد وأبو داود والدَّارقطنيُّ، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، كلُّهم من طريق ابن إسحاق، (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ)؛ وهو عبَّاد بن بشرٍ، (بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ)؛ بفتح الزَّاي والفاء؛ أي: خرج منه دمٌ كثيرٌ، (فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ)، فلم يقطعها؛ لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرح، وفيه: ردٌّ على الحنفيَّة حيث قالوا: ينتقض [16] الوضوء إذا سال الدَّم [17] ، لكن يشكل عليه: الصَّلاة مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه المستلزم لبطلان الصَّلاة للنَّجاسة، وأُجِيب: باحتمال عدم إصابة الدَّم لهما، أو إصابة الثَّوب فقط ونزعه عنه [18] في الحال، ولم يَسِلْ على جسده إلَّا مقدار ما يُعفَى عنه، كذا قرَّره الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ وغيرهم، وهو مبنيٌّ على عدم العفوِ عن كثيرِ دمِ نفسِه، فيكون كدم الأجنبيِّ، فلا يُعفَى إلَّا عن قليله فقط، وهو الذي صحَّحه النَّوويُّ في «المجموع» و«التَّحقيق»، وصحَّح في «المنهاج» و«الرَّوضة»: أنَّه كدم البَثْرة، وقضيَّته العفوُ عن قليله وكثيره، وقد صحَّ أنَّ عمر رضي الله عنه صلَّى وجرحه ينزف دمًا.

(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ: (مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ)، بكسر الجيم، قال العينيُّ منتصرًا لمذهبه: أي: يصلُّون في جراحاتهم من غير سيلان الدَّم، والدَّليل عليه: ما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» عن هُشَيمٍ [19] عن يونس عن الحسن البصريِّ [20] : أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدَّم إلَّا ما كان سائلًا، هذا الذي رُوِيَ عنِ الحسن بإسنادٍ صحيحٍ، وهو مذهب الحنفيَّة وحجَّةٌ لهم على الخصم. انتهى. وليس كما قال؛ لأنَّ الأثر الذي رواه البخاريُّ ليس هو الذي ذكره هو، فإنَّ الأوَّل: هو [21] روايته عنِ الصَّحابة وغيرهم، والثَّاني: مذهبٌ للحسن، فافهم.

(وَقَالَ طَاوُوسٌ) اسمه: ذكوان بن كيسان، اليمانيُّ الحِمْيريُّ، أحد الأعلام، فيما وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عبيد [22] الله بن موسى بن حنظلة عنه، (وَ) قال (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ)؛ أي: ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، الهاشميُّ، المدنيُّ التَّابعيُّ، أبو جعفرٍ المعروف بالباقر؛ لأنَّه بَقَرَ العلمَ؛ أي: شَقَّه بحيث علم [23] حقائقه، ممَّا وصله أبو بشرٍ سَمُّويه في «فوائده» من طريق الأعمش، رضي الله عنهم أجمعين، (وَ) قال (عَطَاءٌ)؛ أي [24] : ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه، (وَ) قال (أَهْلُ الْحِجَازِ)؛ كسعيد بن المُسَيَّب، وسعيد بن جبيرٍ، والفقهاء السَّبعة، ومالكٍ، والشَّافعيِّ وغيرهم، وهو من باب: عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّلاثة السَّابقة: طاووساً ومحمَّدَ بنَ عليٍّ وعطاءً حجازيُّون: (لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ)؛ سواءٌ سال أو لم يَسِلْ؛ خلافًا لأبي حنيفة حيث أوجبه مع الإسالة، مستدلًّا بحديث الدَّارقُطنيِّ: «إلَّا أن يكون دمًا سائلًا»، وأُجِيب.... [25]

(وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله [26] رضي الله عنهما (بَثْرَةً)؛ بسكون المُثلَّثة، وقد تُفتَح: خُرَّاجًا [27] صغيرًا في وجهه، (فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ)، فحكَّه بين أصبعيه وصلَّى، (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)، وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فخرج منها دمٌ))، وفي أخرى لهم: ((الدَّم فلم))، وفي أخرى لابن عساكر: ((دمٌ ولم))، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ. (وَبَزَقَ)؛ بالزَّاي، ويجوز بالسِّين، كالصَّاد، (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) عبدُ الله، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، وهو آخر من مات مِنَ الصَّحابة بالكوفة سنة سبعٍ وثمانين، وقد كُفَّ بصره قبل [28] ، وقد رآه أبو حنيفة رضي الله عنه وعمره سبع سنين، (دَمًا)، وهو يصلِّي، (فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ)، وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عطاءِ بن السَّائب بإسنادٍ صحيحٍ؛ لأنَّ سفيان سمع من عطاءٍ قبل اختلاطه.

(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، (وَالْحَسَنُ) البصريُّ (فِيمَنْ يَحْتَجِمُ)، وفي رواية الأربعة: ((فيمنِ احتجم)): (لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ) لا الوضوء، و«المحاجم»: جمع مَحجمةٍ؛ بفتح الميم، موضع الحجامة، وقد وصل أثرَ ابن عمر الشَّافعيُّ وابن أبي شيبة بلفظ: «كان إذا احتجم؛ غسل محاجمه»، وأمَّا أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة [29] أيضًا بلفظ: إنَّه سُئِلَ عنِ الرَّجل يحتجم ماذا عليه؟ [/ج1ص259/] قال: «يغسل أثر محاجمه»، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ليس عليه غسل محاجمه))؛ بإسقاط ((إِلَّا))، وهو الذي ذكره الإسماعيليُّ، وقال ابن بطَّالٍ: ثبتت في رواية المُستملي دون رفيقيه. انتهى. وكذا هي ثابتةٌ في «فرع اليونينيَّة» عنه وعنِ الهرويِّ، وقال ابن حجرٍ: وهي في نسختي ثابتةٌ من رواية أبي ذَرٍّ عنِ الثَّلاثة.

[1] في غير (ب) و(س): «في قوله».
[2] «قبل»: سقط من (ص) و(م).
[3] في (م) (يسمى».
[4] في (ص): «و».
[5] في غير (ب) و(س): «المُفسَّر».
[6] «قال»: سقط من (ص) و(م).
[7] في (د): «وهو»
[8] في (ص): «صلاته».
[9] في (د): «الصَّلاة والوضوء».
[10] أي: شعر»: سقط من (م).
[11] في غير (ب) و(س): «عيينة»، وهو تحريفٌ.
[12] في (ص): «قوله».
[13] في (ص): «بطلان».
[14] «للطَّهارة»: سقط من (م).
[15] في (م): «المرتَّب».
[16] في (ص): «بنقض»، وفي (م): «ينقض».
[17] «الدَّم»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[18] في (ص): «منه».
[19] في (ص): «هشام» وهو تحريفٌ.
[20] «البصريِّ»: مثبتٌ من (ص).
[21] «هو»: سقط من (ب).
[22] في (ب) و(د) و(ص): «عبد»، وهو تحريفٌ.
[23] في (د) و(ص): «عرف».
[24] (أي): سقط من (د).
[25] بياض بعدها في الأصول.
[26] «عبد الله»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[27] في (ص) و(م): «جراحًا»، وهو تصحيفٌ.
[28] «قبل»: سقط من (د).
[29] قوله: «بلفظ: «كان إذا احتجم؛ غسل محاجمه»، وأمَّا أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة»، سقط من (م).






قوله: (القُبُلِ وَالدُّبُرِ): (القُبُل) وَ (الدُّبُر): مجروران؛ بدل من (المَخْرَجين) .

قوله: (وَقَوْلُ اللهِ): هو مجرور معطوف على (مَن) .

قوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ): هو ابن أبي رباح أَبُو محمَّد القرشيُّ مولاهم المكِّيُّ، أحد الأعلام، عن عائشة، وأبي هريرة، وغيرهما، وعنه: الأوزاعيُّ، وابن جريج، وأبو حنيفة، واللَّيث، وأمم، مات سنة (114 هـ ) ، وقيل: سنة (115 هـ ) ، وله ثمانون سنة، تقدَّم، أخرج له الجماعة.

قوله: (دُبُرِهِ): هو بضمِّ الدَّال والباء، ويجوز تسكينها؛ معروف.

قوله: (الوُضُوءَ): هو بضمِّ الواو: الفعل، ويجوز فتح الواو، وقد تقدَّم مرارًا.

قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ): هو ابن أبي الحسن البصريُّ، الإمام، واسم أبي الحسن: يسار؛ بالمثنَّاة تحتُ في أوَّله، ثُمَّ سين مهملة، وكنية الحسن: أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت، وقيل: مولى جميل بن قطبة، وقيل غير ذلك، وأبوه -يسار- مِن سبي ميسان، أعتقته الرُّبيِّع بنت [1] النضر، وُلِد الحسن زمن عمر رضي الله عنه، وسمع عثمان رضي الله عنه، وشهد الدار وهو ابن أربعَ عشرةَ سنة، وروى عن عمران بن الحصين، وأبي موسى، وابن عَبَّاس، وخلق، وعنه: ابن عون، ويونس، وأمم، وكان إمامًا كبير الشَّأن، رفيع الذكر، رأسًا في العلم والعمل، مات في رجب سنة عشر ومئة، أخرج له الأئمَّة السِّتَّة، ذكره في «الميزان» لشيءٍ [2] بدا مِنْهُ، لَمْ يَقْصِده في القدر، وقد صحَّح عليه.

قوله: (أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ [3] ؛ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ): اعلم أنَّه إذا خلع خفَّيه وهو بطهر المسح؛ ففيه أربعة أقوال للعلماء؛ أحدها: استئناف الوضوء من أوَّله، وبه قال مكحول، وابن أبي ليلى، والزُّهْرِيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمد، وإسحاق، والشَّافعيًّ في القديم.

ثانيها: يغسل رجليه مكانه، فإنْ لَمْ يفعل؛ استأنف الوضوء، وبه قال مالك واللَّيث.

ثَالِثها: يغسلهما إذا أراد الوضوء، وبه قال الثَّوريُّ، وأبو حنيفة، والشَّافعيُّ في الجديد، والمزنيُّ، وأبو ثور.

رابعها: أنَّه لا شيء عليه ويصلِّي كما هو، وهو قول الحسن وقتادة، وروي مثله عنِ النَّخعيِّ، وقد اختاره النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»، وهو وجه حكاه شيخنا المؤلِّف فيما قرأته عليه في «شرح المنهاج العُجَالة» عن حكاية الأستاذ أبي إسحاق الإسفراينيِّ في «مصنَّف» له في أصول الفقه، قال: (وهو غريب نقلًا، مختار دليلًا) انتهى، وقد رأيتُ أنا حديثًا في «أحكام عَبْد الحق» يشهد لهذا الحكم، عن عَبْد الرزاق في «مصنَّفه»: (حَدَّثَنَا معمر عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظبيان الجنبيِّ قال: رأيت عليًّا رضي الله عنه بال قائمًا [/ج1ص86/] حتَّى أرغى، ثُمَّ توضَّأ، ومسح على نعليه، ثُمَّ دخل المسجد فخلع نعليه وجعلهما في كمِّه، ثُمَّ صلَّى، قال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنِ ابن عَبَّاس رضي الله عنهمَا، عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمثل صنيع هذا) .

قوله: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عَبْد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (ويُذْكر عَن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ [4] ): (يُذكر): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وهذه صيغة تمريض؛ لأنَّه لَمْ يصحَّ عنده على شرطه، وإذا أتى به مجزومًا به؛ كـ(قال) ، أو (روى) ، ونحو ذلك؛ فإنَّه يكون صحيحًا عنِ الذي نقله عنه، ويبقى الشأن منه إلى من فوقه، فتارة يكون على شرطه، وتارة لا يكون، وقد قدَّمت مثل ذلك، فإنَّه لا يَجزِم بذلك عنه إلَّا وقد صحَّ عنده عنه ذلك، ثُمَّ صحَّة الحديث أو الأثر مطلقًا تتوقَّف على ثقة رجاله، واتِّصاله من موضع التَّعليق، فإنْ كان فيمن أبرزه من لا يحتج به؛ فليس فيه إلَّا الحكم بصحَّته عمَّن أسند إليه؛ كقول البخاريِّ: وقال بهز، عن أبيه، عن جدِّه، عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الله أحقُّ أنْ يُستحيا منه»، قال ابن الصَّلاح: (فليس هذا من شرطه قطعًا، ولذلك [5] لم يورده الحميديُّ في «جمعه بين الصَّحيحين») ، وإنْ ورد ممرَّضًا -كالذي نحن فيه-؛ كقوله: (يروى) ، و (يُذكر) ، و (ذكر) [6] ، و (رُوي) ، ونحو ذلك، كما قال فيما يأتي: ويروى عنِ ابن عَبَّاس، وجرهد، ومحمَّد بن جحش عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الفخذ عورة»؛ لأنَّ هذه الألفاظ استعمالها في الضَّعيف أكثر وإن استُعمِلت في الصَّحيح، وكذا قوله: (وفي الباب) ؛ فإنَّه يستعمل في الأمرين معًا، قال ابن الصَّلاح: (ومع ذلك فإيراده له في أثناء «الصَّحيح» مُشعِر بصحَّة أصله، إشعارًا يُؤنس به، ويُركن إليه) ، وحمل ابن الصَّلاح قول البخاريِّ: (ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلَّا ما صحَّ، وقول الأئمَّة في الحكم بصحَّته) ، على أنَّ المراد مقاصد الكتاب، وموضوعه، ومتون الأبواب دون التراجم ونحوها، والله أعلم.

وتعليق جَابر هذا أسنده أبو داود، وصحَّحه ابن حبَّان من حديث ابن إسحاق، أخرجه أبو داود في (الطَّهارة): عن أبي توبة، عنِ ابن المبارك، عن محمَّد [7] بن إسحاق، عن صدقة بن يسار، عن عَقيل بن جَابر بن عَبْد الله الأنصاريِّ، عن أبيه به.

قوله: (كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقاع): اعلم أنَّ ذات الرِّقاع كانت في السَّنة الرَّابعة، وقد ذكرها البخاريُّ قبل (خيبر) ، وسيأتي في ذلك كلام في مكانه، فإنَّه متعَّقب لا شكَّ في تعقُّبه وإن قاله بعضهم، وسُمِّيت ذات الرِّقاع؛ لأنَّهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال: ذات الرِّقاع [8] : شجرة بذلك الموضع، وقيل: لأنَّ أقدامهم نقبت [9] فكانوا يلفُّون عليها الخرق، وهذا هو الصَّحيح [10] ، وقيل: بل الجبل الذي نزلوا عليه، كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرِّقاع، وقيل: لأنَّ صلاة الخوف كانت بها [11] ، فسُمِّيت بذلك؛ لترقيع الصَّلاة فيها.

قوله: (فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ): (رُمي) [12] : مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (رجلٌ): مرفوع منوَّن نائب مناب الفاعل، والرجل هو عبَّاد بن بشر؛ بالموحَّدة، وبالشِّين المعجمة، والحديث في «أبي داود»، وصحَّحه ابن حبَّان، والنائم المذكور في أصل الحديث في «أبي داود» [13] : هو عمَّار بن ياسر، والسورة التي قال فيه: (لَمْ أقطعها): (الكهف) ، ذكر ذلك ابن بشكوال في «مبهماته»، وقيل: المرميُّ عمارة بن حزم، والمشهور أنَّه عبَّاد، حكى ذلك المنذريُّ بزيادة المهاجريِّ والسورة عنِ البيهقيِّ.

قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ): هو ابن أبي الحسن البصريُّ، واسم أبي الحسن: يسار، تقدَّم قريبًا مع بعض ترجمته.

قوله: (وَقَال طَاوُوسٌ): هو ابن كيسان الإمام أبو عَبْد الرَّحمن اليماني، من أبناء الفرس، وقيل: اسمه: ذكوان فلُقِّب، فقال ابن معين: (لأنَّه كان طاووس القرَّاء) ، روى عن أبي هريرة، وابن عَبَّاس، وعائشة، وغيرهم، وعنه: الزُّهْرِيُّ، وسُلَيْمَان التيميُّ، وابنه عَبْد الله بن طاووس، قال عمرو بن دينار: (ما رأيت أحدًا مثله قطُّ) انتهى، كان رأسًا في العلم والعمل، توفِّي بمكَّة سنة (106 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ): يحتمل أنْ يكون هذا [14] الباقر، ويحتمل أنْ يكون ابن الحنفيَّة، ولم يتعرَّض شيخنا لعزو أثره، [وقد عزاه بعض حفَّاظ العصر إلى «فوائد سمُّويه» [15] ] [16] ، فإنْ كان الباقر؛ فهو أبو جعفر محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ الباقر، أمُّه أمُّ عَبْد الله بنت السيِّد الحسن رضي الله عنه، يروي عن أبويه، وجَابر، وابن عمر، وغيرهم، وعنه: ابنه جعفر الصَّادق، والزُّهْرِيُّ، وابن جريج، والأوزاعيُّ، وغيرهم، ولد سنة (56 هـ ) ، ومات سنة (118 هـ ) على الأصحِّ، أخرج له الأئمَّة السِّتَّة [17] ، [وهذا أرجح الاحتمالين فيما ظهر لي، وذلك لأنَّ الباقر من فقهاء أهل المدينة وأئمَّتهم، ولأنَّ وفاته [18] قريبة من وفاة طاووس، بخلاف ابن الحنفيَّة، فإنَّه متقدَّم الوفاة عليهما، ولأنَّ [19] البخاريَّ لو أراد ابن الحنفيَّة؛ قدَّمه على طاووس لِقِدَمه، والله أعلم، (وجزم به بعض حفَّاظ العصر) [20] ] [21] ، وإنْ كان ابن الحنفيَّة؛ فهو ابن عليِّ بن أبي طالب، وقد تقدَّم بعض ترجمته، توفِّي سنة ثمانين، أخرج له الجماعة.

قوله: (وَعَطَاءٌ): تقدَّم أنَّه ابن أبي رباح، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (بَثرَةً): هي بإسكان الثَّاء المثلَّثة؛ وهي خُراج صغير.

قوله: (فَلَم يَتَوَضَّأْ): تقدَّم أنَّه يجوز فيه: يتوضَّ، ويتوضَّأ، ويتوضَّا، من حيث العربيَّة.

قوله: (وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى): هو عَبْد الله بن أبي أوفى، واسم أبي [22] أوفى: علقمة [23] بن خالد، صحابيّ -عبد الله- بن صحابيٍّ رضي الله عنهما، الأسلميُّ، عنه: عمرو بن مُرَّة، وابن أبي خالد، توفِّي سنة (86 هـ ) بالكوفة، أخرج له الجماعة، وهو مشهور التَّرجمة والمناقب رَضِيَ الله عنه، [وقد عزا أثره بعض حفَّاظ العصر إلى ابن أبي شيبة، قال: (ورواه عبد الرزَّاق) ؛ فذكره] [24] .

قوله: (وَالحَسَنُ): هو ابن أبي الحسن البصريِّ يسار، تقدَّم بعض ترجمته قريبًا.

[1] في (ج): (سبي شيبان، أعتقه الربيع بن) .
[2] في (ب) و (ج): (بشيء) .
[3] في (ج): (خفه) .
[4] (بن عبد الله): ليس في «اليونينيَّة» و (ق) ، وكتب فوقها في (ق): (زائد... إلى) .
[5] في (ب): (وكذلك) .
[6] (وذكر): ليس في (ج) .
[7] (محمد): ليس في (ب) .
[8] زيد في (ج): (الرِّقاع) .
[9] في (ج): (تعبت) .
[10] زيد في (ج): (إن شاء الله) ، وضرب عليها في (أ) .
[11] في (ج): (فيها) .
[12] في (ب): (فرُمي) .
[13] (في «أبي داود»): ليس في (ب) .
[14] في (ج): (هو) .
[15] في (ب): (طوائف حمويه) .
[16] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[17] (السِّتة): ليس في (ب) .
[18] في (ج): (وفاتهم) .
[19] في (ج): (ولو أنَّ) .
[20] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[21] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: («فرائد سمويه») .
[22] (أبي): ليس في (ب) .
[23] في (ب): (علية) ، وزيد فيها: (بن أبي أوفى) .
[24] ما بين معقوفين ليس في (ب) و (ج) .





( نَزَفَهُ ) بنون وزاي وفاء، أي: سَالَ واستخرج قوته وأفناها حتَّى صَدَعه. [/ج1ص96/]


( وَقَالَ جَابِرٌ ) وصله سعيد ابن منصور في «سننه»، وأخرجه الدَّارقطنيُّ مرفوعًا.

( وَقَالَ أَبُوْ هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوْءَ إِلاَّ مِنْ حَدَثٍ ) وصله إسماعيل القاضي في «الأحكام»، وأخرجه: أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ من حديثه مرفوعًا.

( وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ ) وصله أحمد وأبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم وغيرهم، ولم يجزم به المصنِّف إمَّا لكونه اختصره أو للخلاف في ابن إسحاق راويه، أو لكون عقيل بن جابر راويه عن أبيه لا راوي له غير صدقة بن يسار.

( فَرُمِي ): بضمِّ الرَّاء. [/ج1ص321/]

( رَجُلٌ ): هو عَبَّاد بن بِشْر.

( فَنَزَفَهُ ): بفتح النُّون والزَّاي والفاء، أي: سال منه دمٌ كثيرٌ أضعفه.

( بَثْرَةً ): بفتح الموحَّدة وسكون المثلَّثة: خرَّاج صغير.

( إِلاَّ غَسْلُ مَحَاجِمِهِ ) سقطت: «إلَّا» من رواية الأَصِيلي وغيره.


هذا ((باب من لم ير الوضوء)) أي: واجبًا ((إلا من المخرجَين)) ، وهو تثنية مخرج _بفتح الجيم_ وبيَّن ذلك بطريق عطف البيان بقوله: ((القبل والدبر)) ويجوز أن يكون جرُّهما بطريق البدل، و (القبل) يتناول الذكر، والفرج، والخنثى، وزاد في رواية: (من القبل) ، وسقط (من القبل والدبر) للأصيلي، والحصر لبيان الغالب المعتاد، فالخارج من المخرجين يشمل الدم، والقيح، ويلحق به الفصد والحجامة، والقيء، والنوم، وغيرها، فحكم الخارج منهما وغيرهما سواء في الحكم، فلا يتفاوت، وزعم الكرماني رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((لقوله تعالى)) وفي رواية: (وقول الله تعالى) : (({أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم})) يشمل المذكَّر والمؤنث (({مِنَ الغَائِطِ} [النساء: 43] )) هو كناية عن قضاء حاجة الإنسان، وهذا لا يصلح دليلًا لما ادَّعاه الشافعية من الحصر على الخارج من المخرجَين؛ لأنَّ عندهم ينتقض الوضوء من لمس النساء ومس الفرج، فإذًا الحصر باطل؛ لأنَّ الملامسة كناية عن الجماع، وقد قال ابن عباس: (المس، واللمس، والغشيان، والقربان، والإتيان، والمباشرة؛ الجماع، لكنه عزَّ وجلَّ حيي كريم يعفو ويكنِّي، فكنَّى باللمس عن الجماع كما كنى بالغائط عن قضاء الحاجة) ، ومذهب علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري وعَبيدة السلماني - بفتح العين المهملة-، وعُبيدة الضبي - بضم العين المهملة-، وعطاء، وطاووس، والحسن البصري، والثوري، والأوزاعي: أنَّ اللمس والملامسة كناية عن الجماع، وهو الذي صحَّ عن عمر بن الخطاب كما نقله ابن العربي وابن الجوزي، فحينئذٍ قولهم: ملامسة النساء تبطل الوضوء؛ باطل لا دليل عليه، وكذا مسُّ الذكر، واستدلوا بحديث وهو ضعيف؛ لأنَّه ليس على شرط الشيخين، وإذا كانت[/ص141/] الملامسة بمعنى الجماع كيف يكون مس الذكر مثله؟! فيلزم من ذلك أن يجب الغسل، ولنا أحاديث كثيرة وأخبار شهيرة على أنَّ مسَّ الذكر غير ناقض؛ منها: أنَّه سئل عليه السلام عن مسِّ الذكر، فقال: «هل هو إلا بضعة منك؟!» فكان الذكر كاليد والرجل، والإجماع منعقد على أنَّ الشخص إذا مسَّ يده أو رجله لا ينتقض وضوءُه، فكذا هذا بنصِّ الشارع عليه السلام، وأما قوله تعالى: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] ، وقوله عليه السلام لماعز: «لعلَّك لمست»؛ فالقرينة الحالية وكذا المقالية عيَّنت أنَّه مسُّ اليد، وكلامنا عند عدم القرينة، وهو لا يكون إلا كناية عن الجماع، وتفسير ابن عمر الملامسة بجسِّ اليد قد ثبت أنَّه رجع عنها إلى معنى الجماع، فاللفظ مخصوص به؛ فافهم.

وإذا عُلِم أن المراد من الغائط الكناية عن قضاء الحاجة؛ عُلِم أن الناقض كل خارج من البدن، فيشمل البول، والغائط، والدم، والقيح، والقيء، والحجامة، وغيرها، فالبول والغائط ثبت بالنصِّ وما ألحق بهما ثبت بدلالته وبالأحاديث المشهورة؛ فافهم.

((وقال عطاء)) هو ابن أبي رباح، مما وصله ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناد صحيح ((فيمن يخرج من دبره الدود أو من ذكره نحو القملة)) واحدة القمل، وهو معروف، وفي معنى الذكر قُبُل المرأة قال: ((يعيد الوضوء)) ؛ لانتقاضه بذلك، فيلزم قطعًا إعادة الصلاة، وفي رواية: (يعيد الصلاة) بدل (الوضوء) ، قيَّد بالدودة من الدبر؛ لأنَّه لو خرجت الدودة من الأذن، أو الفم، أو الأنف، أو الجراحة؛ لا ينتقض الوضوء بها، وهذا مذهب الإمام الأعظم، وابن مسعود، وابن عباس، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، واحتجُّوا بحديث علي بن أبي طالب الآتي في الباب في المذي، وقِيْس عليه نحو القملة، والحصى، وغيرهما، وخالف في ذلك قتادة ومالك فقالا: بإعادة الصلاة دون الوضوء، وهو مرويُّ عن النخعي.

وقال داود: النادر لا ينقض الوضوء وإن دام إلا المذي؛ لقوله عليه السلام: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، وأجيب: بأنه إذا أوجب الوضوء بالمعتاد الذي تعمُّ به البلوى، فغيره من باب أولى، والإجماع قائم على أنَّه ليس المراد حصر الناقض للوضوء بالصوت أو الريح الذي في الحديث، بل المراد نفي وجوب الوضوء بالشكِّ، وأما حديث صفوان: (لكن من غائط، وبول، ونوم) ، فإنَّه بيَّن فيه جواز المسح وبعض ما يمسح بسبب، ولم يقصد بيان جميع النواقض، ألا تراه لم يذكر فيه الريح وزوال العقل وهما مما ينقض بالإجماع، ودم الاستحاضة ناقض في قول عامَّة العلماء.

وقال ابن حزم: المذي، والبول، والغائط من أي موضع خرج من الدبر، والإحليل، أو المثانة، أو البطن، وغير ذلك من الجسد، أو الفم ناقض للوضوء؛ لعموم أمره عليه السلام بالوضوء عنها، ولم يخص موضعًا من موضع، وبه قال إمامنا رضي الله عنه.

وأمَّا الريح الخارجة من ذكر الرجل وقُبُل المرأة؛ فإنَّها لا تنقض الوضوء؛ لأنَّها ليست بريح حقيقة، وإنما هي اختلاج، وهو يحصل في جميع أعضاء الجسد، كما بيَّنتُ ذلك في رسالة سميتها «احتجاج الإقضاء في بيان اختلاج الأعضاء»، وأما المرأة المفضاة -وهي التي اختلط مسلك بولها ووطئها وصارا واحدًا، أو التي صار مسلك الغائط والوطء منها واحدًا-؛ فالريح الخارج منها ناقض؛ فيجب عليها الوضوء، وهو قول الإمام محمد الشيباني، وبه أخذ الإمام أبو حفص البخاري للاحتياط، وقيل: إنَّ كان الريح مسموعًا أو منتنًا؛ نقض، وإلا؛ فلا، كما في «شرح المنية» للبرهان الحلبي، وقيل: إنَّه يستحب لها الوضوء ولا يجب؛ لأنَّه يحتمل أنَّها خرجت من الدبر، فتنقض، ويحتمل أنَّها خرجت من الفرج؛ فلا تنقض، والأصل: تيقن الطهارة والناقض مشكوك فيه فلا ينتقض وضوءُها بالشك، لكن يستحب لها الوضوء؛ لإزالة الاحتمال، كذا في «الجوهرة» و«شرح الهاملية».

((وقال جابر بن عبد الله)) رضي الله عنهما، مما وصله البيهقي في «المعرفة»، وأبو شيبة في «سننه»: ((إذا ضحك)) أي: المصلي سواء كان رجلًا أو امرأةً ((في الصلاة)) وهو ما كان مسموعًا له، ولمن عن يمينه أو عن يساره فقط دون جيرانه؛ وهم أهل مجلسه؛ ((أعاد الصلاة)) وحكمة الإعادة للزجر؛ لأنَّه واقف في عبادة الله عزَّ وجلَّ، فينبغي أن يكون على أكمل الأوصاف، ((ولم يعد الوضوء)) ؛ لعدم انتقاضه بذلك، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه منهم الليث، وهو قول مالك والشافعي، وأمَّا التبسم؛ وهو ما لا صوت له أصلًا بل تبدو أسنانه فقط؛ فهو غير مبطل للوضوء والصلاة جميعًا، وظاهره أنَّ التبسم في الصلاة غير مكروه، كما في «البحر»، لكن في «شرح الملتقى» للداماد [1] أنَّه قال: (تكره الصلاة به؛ لأنَّه ينافي الخشوع) انتهى.

وأمَّا القهقهة؛ فإنَّها تنقض الوضوء عند الإمام الأعظم، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وهي كما قاله في «البحر»: (أن يقول: قه قه؛ لغة، واصطلاحًا: ما يكون مسموعًا له ولجيرانه بدت أسنانه أو لا) انتهى، وفي «المنية»: (وحد القهقهة: قال بعضهم: ما يظهر القاف والهاء، ويكون مسموعًا له ولجيرانه، وقال بعضهم: إذا بدت نواجذه، ومنعه عن القراءة) انتهى، في «القاموس»: (قهقه: رجَّع _بالتشديد_ في ضحكه، أو اشتد ضحكه؛ كـ«قهَّ» فيهما، أو «قهَّ»: قال في ضحكه: قه) انتهى وهو موافق لما قاله في «البحر».

ويشترط إظهار الهاء والقاف، أو بدل القاف وهو الألف مع الهاء، وهو المستعمل في كلام الناس، والمراد: من بقربه هم أهل مجلسه، فيشترط سماع جميع أهل مجلسه، فلو سمع بعضهم، ولم يسمع البعض الآخر؛ لا تكون قهقهة، بل هو ضحك غير مفسد للوضوء، كذا قاله شيخ شيخنا، واعتمده في «منهل الطلاب»؛ فليحفظ؛ لما رواه الدارقطني، عن أبي المليح، عن أبيه: بينا نحن نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أقبل رجل ضرير البصر فوقع في حفرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ضحك منكم؛ فليعد الوضوء والصلاة»، ورواه أيضًا من حديث أنس، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، والمراد من قوله: من ضحك في الصلاة فقهقه؛ فليعد الوضوء والصلاة، رواه ابن عدي في «الكامل» من حديث بقية عن ابن عمر رضي الله عنهما، والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا، وما زعمه ابن الجوزي: من أنَّ بقية مدلس؛ ممنوع؛ فإنَّ بقية قد صرَّح بالتحديث، وهو صدوق كما وثَّقه الحفَّاظ.

على أنَّ لنا في هذا الباب أحد عشر حديثًا عن النبيِّ الأعظم عليه السلام، منها أربعة مرسلة، وسبعة مسندة:

فأول المراسيل: حديث أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، رواه عنه عبد الرزاق، عن قتادة، عن أبي العالية، وهو عدل ثقة، وثَّقه يحيى، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وروى له الجماعة: (أن أعمًى تردَّى في بئر، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، فضحك بعض من كان يصلي معه عليه السلام، فأمر عليه السلام من كان معهم أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة) ، وأخرجه[/ص142/] الدارقطني من جهة عبد الرزاق في «مسنده»، وعبد الرزاق فمن فوقه من رجال «الصحيحين»، وقال ابن رشد المالكي: (هو مرسل صحيح) ، ولم يعتلَّ الشافعي إلَّا بإرساله، والمرسل حجَّة عندنا وعند مالك وأحمد، كما حكاه ابن العربي وابن الجوزي، وروي ذلك أيضًا من طرق [2] سبعة متصلة [ذكرها جماعة، منهم ابن الجوزي.

والثاني من المراسيل: مرسل الحسن البصري رواه الدارقطني] [3] بإسناده إليه، وهو أيضًا مرسل صحيح.

والثالث: مرسل النخعي، رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن النخعي قال: «جاء رجل ضرير البصر، والنبي عليه السلام يصلي...»؛ الحديث.

والرابع: مرسل معبد الجهني، روي عنه من طرق متعددة.

وأول المسانيد: حديث عبد الله بن عمر، وقد ذكرناه.

والثاني: حديث أنس بن مالك رواه الدارقطني من طرق متعددة.

والثالث: حديث أبي هريرة من رواية أبي أمية، عن الحسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «من ضحك في الصلاة؛ أعاد الوضوء وأعاد الصلاة»، رواه الدارقطني.

والرابع: حديث عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ضحك في الصلاة قرقرة؛ فليعد الوضوء والصلاة».

والخامس: حديث جابر، أخرجه الدارقطني.

والسادس: حديث أبي المليح بن أسامة، أخرجه الدارقطني أيضًا، كما ذكرناه.

والسابع: حديث رجل من الأنصار: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي، فمرَّ رجل في بصره سوءٌ، فتردَّى في بئر، فضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة) ، رواه الدارقطني وغيره.

وزعم ابن حجر حاكيًا عمَّا زعمه ابن المنذر: (أجمعوا أنَّه لا ينقض خارج الصلاة، واختلفوا إذا وقع فيها؛ فخالف من قال بالقياس الجلي، أو تمسكوا بحديثٍ لا يصح، وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم خير القرون أن يضحكوا بين يدي الله تعالى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

قال في «عمدة القاري»: (قلت: هذا الزاعم أعجبه هذا الكلام المشوب بالطعن على التابعين الأئمة الكبار، وفساده ظاهر من وجوه:

الأول: كيف يجوز التمسك بالقياس مع وجود الأخبار المشتملة على المراسيل والمسانيد؟! والمراسيل مع كونها حجة عندهم، فما قاله افتراء وتعصب.

والثاني: أن قوله: «تمسكوا بحديث» لا يصح، وليس كما زعم، بل تمسكوا بالأحاديث الصحيحة المتواترة المكررة، واختلاف طرقها ومتونها ورواتها دليل قوتها وصحتها، فهذا الزعم باطل لا أحد يعرج عليه من الجهال المتعصِّبين فضلًا عن العلماء الموصوفين.

والثالث: قوله: «حاشا من أصحاب رسول الله عليه السلام...» إلى آخره: هذا طعن في الأحاديث الصحيحة، وهو مردود عليه؛ لأنَّه كان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة وغيرهم من المنافقين والأعراب الجهال، وهذا من باب حسن الظن بهم، وإلا فليس الضحك كبيرة، وهم ليسوا من الصغائر بمعصومين، ولا عن الكبائر على تقدير كونه كبيرة، ومع هذا قد وقع من الأحداث في حضرته عليه السلام ما هو أشد وأعظم من هذا، فما زعمه باطل لا يعتد به) .

وزعم ابن حجر بعد نقله عن ابن المنذر الذي ذكرناه على: (أنَّهم لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك، بل خصُّوه بالقهقهة) .

قلت: هذا كلام من لا ذوق له في دقائق التركيب، وقد زاد في الطنبور نغمة على ابن المنذر، وكيف لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك؟ ولو لم يأخذوا ما قالوا: الضحك يفسد الصلاة، ولا خصُّوه بالقهقهة، وقد ذكر صريحًا، كما جاء في حديث ابن عمر صريحًا، وجاء أيضًا بلفظ: (القرقرة) في حديث عمران بن حصين، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا، فهذا الزعم باطل لا أصل له، بل هو زور وبهتان، كما لا يخفى على من له أدنى بيان.

وإنما تنقض الوضوء القهقهة إذا صدرت من بالغ رجل أو امرأة، أمَّا قهقهة الصبي؛ فلا تنقض وضوءه إجماعًا، وتفسد صلاته، كذا في «المصفى» و«السراج»، ورجحه في «البحر»، ولا بد أن يكون البالغ يقظانًا، أمَّا قهقهة النائم في الصلاة؛ ففيها [4] قولان مصححان، واختار في «فتح القدير»: أنَّها تفسد الصلاة ولا تنقض الوضوء، وبه يفتى، كما في «الدر المختار»، وأمَّا قهقهة الناسي في الصلاة؛ فجزم في «التبيين» بالنقض؛ لأنَّ حالة الصلاة مذكِّرة، ورجحه في «البحر»، ومثل الناسي الساهي، كما في «الدر»، فإنَّه إذا تقهقه في الصلاة ساهيًا؛ انتقض وضوءُه على المختار، ولا بد أن تكون القهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود، فلا تنقض القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، لكن يبطلان، والتيمم كالوضوء، واتفقوا على أنَّ القهقهة لا تبطل الغسل، واختلفوا هل الوضوء الذي في ضمن الغسل ينتقض بها؟ فعلى قول عامة المشايخ: لا ينتقض، وهو الأصح، كما في «شرح الملتقى»، وصحَّح المتأخرون النقض، وهو اختيار الإمام قاضيخان، ورجحه في «البحر»، وقال غير واحد: إنَّه الصحيح، وهو الأحوط، والله أعلم.

واختلف في القهقهة؛ فقيل: إنها من الأحداث، وقيل: إنَّها ليست من الأحداث، وإنما وجب الوضوء بها زجرًا [5] وعقوبة، وهو المعتمد، كما رجحه في «البحر» و«النهر» وغيرهما؛ لأنَّه الموافق للأحاديث المرويَّة فيها؛ لأنَّه ليس فيها إلا الأمر بالإعادة للوضوء والصلاة، ولا يلزم منه كونها حدثًا، وتمامه في «منهل الطلاب».

((وقال الحسن)) ؛ أي: البصري، مما وصله ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح: ((إن أخذ من شعره)) أي: شعر رأسه أو شاربه ((أو)) من ((أظفاره)) ، ولابن عساكر: (وأظفاره) ؛ -بالواو- بعد الوضوء؛ فلا وضوء عليه، وكذا لو قشط خفه بعد مسحه؛ فلا إعادة عليه، والمراد من أخذ الشعر ما هو أعم؛ فيشمل القص والحلق والنتف بالنسبة للإبط، فلا إعادة عليه ولا مسحه في الجميع، خلافًا لأبي العالية، والحكم، وحماد، ومجاهد، وقال عطاء والنخعي والشافعي: (يمسه الماء) ، ((أو خلع)) وفي رواية: بالواو ((خفيه)) أو أحدهما بعد المسح عليهما؛ ((فلا وضوء عليه)) ، بل يغسلهما إذا أراد الوضوء، وبه قال الإمام الأعظم، والثوري، وأبو ثور، والشافعي في الجديد، والمزني، وقال مكحول، والنخعي، وابن أبي ليلى، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: (يستأنف الوضوء) ، وبه قال الشافعي في القديم، وقال مالك والليث: (يغسل رجليه مكانه، فإن لم يفعل؛ استأنف الوضوء) ، وقال الحسن البصري وقتادة وروي عن النخعي: (أنه لا شيء عليه ويصلي) .

((وقال أبو هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، مما وصله إسماعيل القاضي في «الأحكام» بإسناد صحيح من طريق مجاهد عنه موقوفًا: ((لا وضوء إلا من حدث)) وهو لغة: الشيء الحادث، ثم نقل إلى المعاني الناقضة للطهارة، وإلى المنع المترتب عليها مجازًا، من باب قصر العام على الخاص، والأول هو المراد هنا، فالحدث عام في سائر الأحداث لا يختص بحدث دون حدث، فيشمل الخارج من السبيلين، والإغماء، والدم، والنوم، والجنون، والقهقهة وغيرها، ولا معنى لتخصيصه بالخارج من السبيلين؛ لأنَّ اللفظ عامٌّ، ولا دليل على التخصيص، والأصل عدمه، ومدَّعيه مطالَب بالدليل؛ فافهم.

((ويُذكر)) بضم المثناة ((عن جابر)) رضي الله عنه، مما وصله ابن إسحاق في «المغازي»، وأخرجه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» وصحَّحه، وابن حبان في «صحيحه»، والدارقطني في «سننه»؛ كلهم من طريق ابن إسحاق، وإذا كان الحديث صحيحًا؛ فلمَ لم يجزم به المؤلف، وذكره بصيغة التمريض؟! لأجل الاختلاف في ابن إسحاق، كما في «عمدة القاري»، وما أجاب به ابن حجر والكرماني، فلا يعوَّل عليه؛ لأنَّه لا يقوله من له أدنى معرفة في العلم؛ فافهم.

((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة ذات الرِّقاع)) ؛ بكسر الرَّاء، جمع رُقعة؛ بضمها، سميت باسم شجرة هناك، وقيل: باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة يقال له: الرِّقاع، فسميت به، وقيل: سميت به؛ لرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: لأنَّ أقدامهم نقبت، فلفُّوا عليها الخرق، وهذا هو الصحيح؛ لأنَّ أبا موسى حاضر ذلك شاهده، وقد أخبر به، وكانت تلك الغزوة في سنة أربع من الهجرة، وذكر المؤلف:

[/ص143/] أنها كانت بعد خيبر؛ لأنَّ أبا موسى جاء بعد خيبر، كذا في «عمدة القاري».

((فرُمي)) بالبناء للمفعول ((رجل)) هو عباد بن بشر ((بسهم)) من رجل من المشركين، وهو قائم يصلي، ( (فنزَف الدم)) ؛ بفتح الزاي، وفي رواية: (فنزفه الدم) ؛ أي: خرج منه دم كثير حتى يضعف، كذا قاله الجوهري، وقول ابن التين: (كذا رويناه، والذي عند أهل اللغة: «نُزف» على صيغة المجهول؛ أي: سال دمه) فيه نظر؛ فافهم.

((فركع)) أي: الرجل، ((وسجد، ومضى في صلاته)) ؛ أي: لم يقطعها، فاستدلَّ به الشافعي على أنَّ الدم إذا خرج وسال؛ لا ينقض الوضوء، والاستدلال غير ظاهر؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الرجل قد قضى تلك الصلاة بعد أنَّ عصب جراحته، ومضيُّه فيها كان لعدم علمه بخروج الدم؛ بدليل ما في الحديث المذكور، ولمَّا رأى المهاجري بالأنصاري من الدماء؛ قال: سبحان الله! ألا نبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحبَّ أن أقطعها، فنسب عدم القطع للسورة لا للصلاة، وهذا يدلَّ على أن المهاجري أنكر عليه ذلك حيث رآه في الصلاة ودمه سائل على ثيابه وبدنه، وهو يدلَّ على أن الأنصاري كان لا يعلم الحكم؛ لكونه حديث عهد بالإسلام، فعلم بذلك أنَّه لا يدري سيلان الدم منه فمضى في صلاته ثم قضاها، والدليل إذا طرقه الاحتمال؛ لا يصح الاحتجاج به.

على أنَّ احتجاج الشافعي بالحديث مشكل جدًّا؛ لأنَّ الدم إذا سال؛ أصاب بدنه ورجله، وربما أصاب ثوبه وثيابه، ونزل عليه من الدماء، ومع إصابة شيء من ذلك، فإن كان يسيرًا؛ لا تصح الصلاة معه عنده، فكيف بالكثير الفاحش؟

وأجابوا عن ذلك: بأنَّ الدم كان يخرج من الجراحة على سبيل الزَّرَق حتى لا يصيب شيئًا من ظاهر بدنه.

قلت: وهو بعيد جدًّا؛ لأنَّ الإنسان إذا جرحه موسًى أو قلم طراش جرحًا يسيرًا؛ لا بدَّ وأنَّ الدم يبقى على رأس الجرح؛ لأنَّ الدم ليس له قوة السيلان كالماء، بل هو ثقيل، وبمجرد خروجه يتجمَّد ويلطخ بالبدن والثوب، كما هو مشاهد بالعينين.

وحاول ابن حجر الاستدلال لإمامه، وجعله للمؤلف حيث قال: (والظاهر: أنَّ المؤلف يرى أنَّ خروج الدم في الصلاة لا تبطل بدليل أنه ذكر عقيبه أثر الحسن) .

قلت: وهذه المحاولة لضعف استدلال إمامه فجعله للمؤلف، وهو بعيد غير صحيح أيضًا، فإن المؤلف لم ير ذلك ولا قال به، ونسبته لهذا القول رجمًا بالزعم الباطل، وأثر الحسن لا يدلُّ على شيء من ذلك أصلًا؛ لأنَّه لا يلزم من قوله: (يصلُّون في جراحاتهم) أن يكون الدم خارجًا سائلًا، ومن له جراحة؛ لا يترك الصلاة لأجلها، بل يصلي وجراحته إمَّا معصبة بشيء أو مربوطة بجبيرة، ومع ذلك لو خرج شيء من ذلك؛ لا تفسد صلاته بمجرد الخروج، ولا بدَّ من السيلان وخروجه إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ فافهم.

واحتج أئمتنا الحنفية بأحاديث كثيرة صحيحة منها: ما رواه الإمام المؤلف في هذا الصحيح عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ إني أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنَّما ذلك عرق، وليس بحيضة، فإذا أقبلت الحيضة؛ فدعي الصلاة، وإذا أدبرت؛ فاغسلي عنك الدم» قال هشام: (قال: أي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) ، فهذا دليل واضح على أن سيال الدم ناقض للوضوء، لا يقال: قوله: «توضئي لكل صلاة» من كلام عروة؛ لأنَّ الترمذي لم يجعله من كلام عروة وصحَّحه، ولنا أحاديث غيره ستأتيك إن شاء الله تعالى؛ فافهم.

((وقال الحسن)) أي: البصري: ((ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم)) ؛ جمع جِراحة؛ بكسر الجيم فيهما؛ أي: يصلون في جراحاتهم من غير سيلان الدم بأن تشدَّ بجبيرة أو تعصب بشيء، والدليل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن: (أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلًا) ، هذا الذي روي عن الحسن بإسناد صحيح هو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وهو حجة لهم على الخصم، فبطل بذلك قول القائل: (لكونه يرد ما ذهب إليه ويبطل ما اعتمد عليه) ، وليس هذا شأن المصنفين، وإنَّما هو دأب المعاندين المتعصبين الذين يدقون الحديد البارد على السندان، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فافهم.

واعترض القسطلاني: (بأنَّ الأثر الذي رواه المؤلف ليس هو الذي ذكره ابن أبي شيبة، فإنَّ الأول روايته عن الصحابة وغيرهم والثاني مذهبٌ للحسن) انتهى.

قلت: وهو ممنوع، بل الذي ذكره المؤلف هو عين ما ذكره ابن [أبي] شيبة، وهما في الحقيقة واحد، لكن دأب المؤلف الاختصار، فاقتصر المؤلف بهذه العبارة لبيان غرضه، وأحال على ما ذكره ابن أبي شيبة، وكلُّ ذلك مروي عن الصحابة، وهو مذهب الحسن؛ لأنَّه لو كان الأول روايته عن الصحابة والثاني مذهبٌ له؛ لكان مذهب الحسن مخالفًا لأقوال الصحابة، ويلزم منه القول بالرأي، وإذا وُجِدت أقوال الصحابة؛ لا مساغ للرأي عند وجودها، فثبت بذلك أنَّ الأثر المذكور وإن كان في الظاهر أنَّه أثران؛ لكنهما في الحقيقة أثر واحد مرويٌّ عن الصحابة، وهو مذهب الحسن؛ فافهم، ومنشأ الاعتراض إنَّما هو من التعصب والمحاولة؛ فافهم.

((وقال طاووس)) ؛ هو ابن كيسان اليماني الحميري، واسمه ذكوان، وسمي طاووسًا؛ لأنَّه كان طاووس القراء، ووصل أثره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن عبد الله بن موسى، عن حنظلة، عن طاووس، توفِّي طاووسًا بمكة يوم التَّروية سنة ست ومئة، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، ((و)) قال (محمد بن علي) ؛ أي: ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، الهاشمي، المدني، أبو جعفر المعروف بالباقر، سمي به؛ لأنَّه بقر العلم؛ أي: شقَّه [6] بحيث عرف حقائقه، وتوفي سنة أربع عشرة ومئة، وزعم الكرماني: (أنه يحتمل أن يكون محمد بن علي المشهور بابن الحنفية) ، وهو بعيد؛ لأنَّ عادة المؤلف إذا روى عن ابن الحنفية؛ صرح بقوله: (عن ابن الحنفية) ، ولم يصرح بـ (محمد بن علي) ويطلق، وهو دليل على أنَّه هنا ما ذكرناه؛ فافهم، وهذا الأثر وصله أبو بشر المشهور بسمويه في «فوائده» من طريق الأعمش، ((و)) قال ((عطاء)) ؛ بالمد: هو ابن أبي رباح، وأثره وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، ((و)) قال ((أهل الحجاز)) ؛ من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ طاووسًا ومحمد بن علي وعطاء حجازيون، وغير هؤلاء الثلاثة مثل سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والفقهاء السبعة من أهل المدينة، ومالك، والشافعي، وآخرون: ((ليس في الدم)) السائل ((وضوء)) بل يغسل عنه الدم، وقال الإمام الأعظم، وأصحابه، وجماعة من الصحابة، والتابعين، وأبو عمرو، والثوري، والحسن ابن حيٍّ، وعبيد الله بن الحسن، والأوزاعي، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق ابن راهويه: (إن الدم إذا سال ينقض الوضوء؛ لما رواه الدارقطني: «إلا أن يكون دمًا سائلًا»، وفيه أحاديث أخرى دالَّة على ذلك، فإن كان الدم يسيرًا غير خارج ولا سائل؛ فإنَّه لا ينقض الوضوء عندهم جميعًا، وما أعلم أحدًا [7] أوجب الوضوء من يسير الدم إلا مجاهد وحده، وهذا الأثر ليس بحجة لمن قال: ليس في الدم السائل وضوء؛ لأنَّهم لا يرون العمل بفعل التابعين، ولا هو حجة على السادة الحنفية ومن تابعهم؛ لأنَّه لا يدل على أنَّ طاووسًا ومن معه كانوا يصلُّون والدم سائل؛ لأنَّ ذلك متعذر، ولئن سلَّمنا ذلك؛ فهو اجتهاد منهم، وقد قال الإمام الأعظم التابعي الجليل: «التابعون رجال، ونحن رجال يزاحمون ونزاحمهم»؛ والمعنى: أن أحدًا منهم إذا أدَّاه اجتهاده إلى شيء لا يلزمنا الأخذ به، بل نجتهد كما اجتهدوا، فما أدى اجتهادنا إليه؛ عملنا به وتركنا اجتهادهم، والظاهر: أنَّ هذا الأثر ليس بمروي عن النبي عليه السلام، وإنما هو اجتهاد منهم، فلا يلزمنا اتباعهم، بل نتبع المرويَّ عن النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم صريحًا، فإنَّه صرَّح بلزوم الوضوء من الدم السائل، وهو مذهبنا، وهو الحقُّ، وأدين الله عليه، والله أعلم.

((وعصر)) عبد الله ((ابن عمر)) بن الخطاب رضي الله عنهما، مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ((بَثْرة)) ؛ أي: واحدة في وجهه، كما صرح به[/ص144/] ابن أبي شيبة، وهي بفتح الموحَّدة وسكون المثلَّثة، ويجوز فتحها: الخراج الصغير، كالجدري، ((فخرج منها)) ؛ أي: من البثرة ((دم)) وعند [ابن] أبي شيبة: (فخرج منها شيء من دم فحكَّه بين أصبعيه، ثم صلى) ((ولم يتوضأ)) ؛ لأنَّه غير ناقض للوضوء؛ لعدم سيلانه، ولا فيه قوة السيلان، كما لو تخلل بعود فخرج عليه دم لا ينتقض؛ لأنَّه غير سائل، وقال في «الهداية»: ولو خرج الدم بالعصر وكان بحيث لو لم يعصر؛ لم يسل؛ قالوا: لا ينقض؛ لأنَّه ليس بخارج، وإنما هو مُخرَج، وهو المختار، وهو ظاهر عبارة القدوري، لكن اختار في «فتح القدير» عن «الكافي» النقض قال: (وهو الأصح، واعتمده غير واحد) .

قلت: والمعتبر عين السيلان، ولو بالقوة؛ لما قالوا: لو مسح الدم كلما خرج، ولو تركه لسال؛ نقض، وإلا؛ فلا، وكذا لو وضع عليه قطنة أو شيئًا آخر حتى ينشف، ثم وضعه ثانيًا وثالثًا، فإنه يجمع جميع ما نشف، فإن كان بحيث لو تركه سال؛ نقض، وإلا؛ فلا، وإنما يعرف ذلك بالاجتهاد وغلبة الظن، كذا في أكثر المعتبرات، فإذًا المعتبر السيلان، وفي مسألتنا لم يوجد السيلان ولو بالقوة؛ فلا نَقْضَ للوضوء أصلًا، فهذا حجَّة لمذهب الإمام الأعظم وأصحابه رضي الله عنهم؛ فافهم.

((وبزق)) ؛ بالزاي والسين والصَّاد بمعنًى واحد، كذا قاله في «عمدة القاري»، ((ابن أبي أوفَى)) ؛ بفتح الفاء، هو عبد الله، واسم أبي أوفى: علقمة بن الحارث، الصحابي بن الصحابي، شهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قُبِض النبي الأعظم عليه السلام، وقال في حقِّه عليه السلام: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى»، ثم انتقل إلى الكوفة، وتوفِّي بها سنة سبع وثمانين، وقد كُفَّ بصره، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وهذا عبد الله بن أبي أوفى أحد من رأى الإمامُ الأعظمُ من الصحابة وروى عنه، وكان عمر الإمام الأعظم حينئذ سبع سنين، لأنَّ مولده رضي الله عنه كان سنة ثمانين على الصحيح، وقيل: سنة سبعين، وعليه فيكون حين رآه عمره سبع عشرة سنة.

وقد صح أن الإمام الأعظم قد سمع الحديث من سبعة من الصحابة، كما بسطه في أواخر «منية المفتي»، وذكر شمس الدين بن عربشاه الأنصاري في «منظومته» ثمانية من الصحابة ممن روى عنهم الإمام الأعظم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي أوفى، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن أنيس، وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن بسر، ومحمود بن ربيع رضي الله تعالى عنهم، فهو من التابعين، كما جزم به الحافظ الذهبي، وابن حجر العسقلاني، والبدر العيني وغيرهم من الحفاظ، وأدرك بالسن نحو عشرين صحابيًّا، كما بسطه في أوائل «الضياء المعنوي»، وزاد عليه في «تنوير الصحيفة»، وقد اتَّبعه على مذهبه كثير من الأولياء الكرام؛ كإبراهيم بن أدهم، وشقيق البلخي، ومعروف الكرخي، وأبي يزيد البسطامي، وفضيل بن عياض الخراساني، وداود بن نصر الطائي، وأبي حامد اللفاف، وخلف بن أيوب، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، وأبي بكر الورَّاق، وغيرهم ممن لا يُحصَون، وقال أبو القاسم القشيري: (سمعت أبا علي الدقاق يقول: أخذت هذه الطريقة عن أبي القاسم النصرباذي، وقال: أنا أخذتها من الشبلي، وهو أخذها من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من الإمام الأعظم رضي الله عنهم، وكلٌّ منهم قد أثنى عليه، وأقر بفضله) ، وقال ابن المبارك في حقِّه رضي الله عنه:

~لقد زان البلادَ ومن عليها إمَامُ المسْلِمينَ أبُو حَنِيفةْ

~بأحكامِ وآثارِ وفقهٍ كآيَاتِ الزَّبُورِ عَلَى صَّحِيفَةْ

~فما في المشرقين له نظيرٌ ولا في المغربين ولا بكوفةْ

~يبيت مشمِّرًا سَهَرَ الليالي وصام نهاره لله خيفةْ

~فمن كأبي حنيفة في علاه إمام للخليقة والخليفةْ

~رأيت العائبين له سفاهًا خلاف الحق مع حجج ضعيفةْ

~وكيف يحل أن يؤذى فقيه له في الأرض آثار شريفةْ؟

~وقد قال ابن إدريسٍ مقالًا صحيح النقل في حكمٍ لطيفةْ

~بأنَّ الناس في فقه عيالٌ على فقه الإمام أبي حنيفةْ

~فلعنة ربنا أعداد رمل على من رد قول أبي حنيفةْ

فأشار رضي الله عنه بابن إدريس، وهو الإمام الشافعي حيث قال: (الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه) ، وقد تزوج الإمام محمد الشيباني بأم الشافعي، ففوض إليه كتبه وماله، فبسببه صار الشافعي فقيهًا، ولقد أنصف الشافعي حيث قال: (من أراد الفقه؛ فليلزم أصحاب أبي حنيفة، فإنَّ المعاني قد تيسَّرت لهم، والله ما صرت فقيهًا إلَّا بكتب محمد بن الحسن) ، وقال: (إن من أمنِّ الناس عليَّ في الفقه محمد بن الحسن) ، كذا ذكره غير واحد من الحنفية والشافعية حتى ابن حجر في «التحفة»، ولا يلتفت إلى قول المعاندين المتعصبين، وليس مثلهم إلا كمثل الذباب وقع تحت ذنب جواد في حالة كرِّه وفرِّه، ولا يخفى أن النقي لا يغيره مقل الذباب، كما أن البحر لا يفسده ولوغ الكلاب، ولله درُّ من قال:

~يَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيُكْلِمَهُ أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ

ومنشأ ذلك أنه لما شاعت فضائل الإمام الأعظم، وظهرت رفعته، ولم يظهر لأحد من الأئمة المشهورين مثل ما ظهر له من الأصحاب والتلاميذ، ولم ينتفع الناس والعلماء بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه في تفسير الأحاديث المشتبهة، والمسائل المستنبطة، والنوازل والقضايا والأحكام، وما قال قولًا إلا أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، وقد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام، إلى أن يحكم بمذهبه عيسى عليه السلام، كما في «الدر» و«القهستاني» يدل لذلك ما ذكره أهل الكشف أن مذهبه آخر المذاهب انقطاعًا، كما قاله الشعراني في «الميزان»؛ تكلموا فيه بما يليق بهم، كما تكلموا في مالك والشافعي وأحمد، بل وفي الصدِّيق وعمر وعثمان وعلي،وكل الصحابة، ولله درُّ من قال:

~وَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْجُو مِنِ النَّاسِ سَالِمًا وَلِلنَّاسِ قَالٌ بِالظُّنُونِ وَقِيلُ

وقد انتصر للإمام الأعظم السيوطي في «تبييض الصحيفة»، وابن حجر في «الخيرات الحسان»، وابن عبد الهادي الحنبلي في «تنوير الصحيفة» وغيرهم من الأئمة الأعلام، ولله درُّ القائل:

~حَسْبِي مِنِ الْخَيْرَاتِ مَا أَعْدَدْته يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي رِضَا الرَّحْمَنِ

~دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْوَرَى ثُمَّ اعْتِقَادِي مَذْهَبَ النُّعْمَانِي

وقد نظم بعض الأفاضل تاريخ مولد الإمام الأعظم ووفاته، ومولد الإمام مالك ووفاته، ومولد الإمام الشافعي ووفاته، ومولد الإمام أحمد ووفاته؛ مشيرًا إليه بحروف الجُمَل لكل إمام منهم ثلاث كلمات على هذا الترتيب حيث قال:

~تَارِيخُ نُعْمَانَ يَكُنْ سَيْفٌ سَطَا وَمَالِكٌ فِي قَطْعِ جَوْفٍ ضُبِطَا

~وَالشَّافِعِيُّ صَيِّنٌ بِيْرٌ نَدٍ وَأَحْمَدٌ بِسَبْقِ أَمْرٍ جُعِّدَا

~فَاحْسبْ عَلَى تَرْتِيبِ نَظْمِ الشِّعْرِ مِيلَادَهُمْ فَمَوْتُهُمْ كَالْعُمُرِ

وفيه إشارة إلى أنهم على هذا الترتيب كترتيب الخلفاء الراشدين: الإمام الأعظم، فمالك، فالشافعي، فأحمد رضي الله عنهم.

[/ص145/] وهذا الأثر وصله سفيان الثوري في «جامعه»، عن عطاء بن السائب، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» بسند جيد، عن عبد الوهاب الثقفي، عن عطاء بن السائب قال: رأيت ابن أبي أوفى بزق ((دمًا)) مخلوطًا بالبزاق، وهو يصلي من غير إظهار حروف، ((فمضى في صلاته)) ؛ أي: استمر فيها؛ لعدم انتقاض طهره بذلك؛ لأنَّ الدم الذي يخرج من الفم إن كان من جوفه؛ فغير ناقض للوضوء عند الإمام محمد، كما في «التاترخانية»، وهو الصحيح، كما في «المحيط» و«السراج»، وإن كان من بين أسنانه؛ فالمعتبر للغلبة للبزاق وللدم، فإن غلب البزاق على الدم لا يَنْقُض، كما في مسألتنا، وإن غلب الدم؛ نقض، والغلبة تُعلَم من حيث اللون؛ فإن كان الدم المخلوط لونه أصفر؛ فهو مغلوب لا يَنْقُض، وإن كان شديد الحمرة؛ فهو غالب، وإن لم تشتدَّ حمرته؛ فمساوٍ، وهما ناقضان احتياطًا، ولم يتعرض الراوي لذلك، وظاهر كلامه هذا.

وقد روى ابن أبي شيبة عن الحسن في رجل بزق فرأى في بزاقه دمًا: أنه لم يرَ ذلك شيئًا حتى يكون عبيطًا، وروي عن ابن سيرين: (أنه ربما بزق، فيقول لرجل: انظر هل تغير الريق؟ فإن قال: تغير يبزق الثانية، فإن كان في الثالثة متغيِّرًا؛ فإنَّه يتوضأ، وإن لم يكن في الثالثة متغيِّرًا؛ لم يرَ الوضوء) .

قلت: والتغيير لا يكون إلا بالغلبة، كما ذكرنا؛ فافهم، والله تعالى الكريم أعلم.

((وقال ابن عمر)) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ((و)) قال ((الحسن)) ؛ أي: البصري، وهذان الأثران رواهما ابن أبي شيبة في «مصنفه» ((فيمن يَحْتَجِم)) وللأربعة: (فيمن احتجم) : ((ليس عليه إلا غَسْلُ مَحَاجمه)) جمع مَحجمة _بفتح الميم_: مكان الحجامة، وبكسر الميم: اسم للقارورة، والمراد هنا الأول، وسقط لفظة: (إلا) عند أكثر الرواة؛ يعني: أن الوضوء ينتقض بالحجامة، وعليه غسل مكان الحجامة؛ لأنَّها تنجَّست بالدم النجس، فإنَّ هذين الأثرين مبنيان على سؤال سائل سأل: إذا احتجم الرجل هل يَنْجُسُ مكان الحجامة؟ فأجابا: بأنَّه يلزمه غسل مكان الحجامة؛ يعني: وإذا كان متوضِّئًا؛ ينتقض وضوءُه، فلا دلالة فيه على أنَّ الحجامة لا تنقض الوضوء؛ لأنَّه لم يصرِّح بالوضوء؛ هل السائل متوضِّئ أم لا؟ والظاهر: أن السؤال وقع عن مكان الحجامة، هل تنجس؛ فيلزم غسله، أو طاهر؛ فلا يلزم؟ ويدل لهذا لفظ أثر ابن عمر: (أنه كان إذا احتجم؛ غسل أثر محاجمه) ، وأثر الحسن: أنه كان يقول: (يغسل أثر المحاجم) ، ففي كلٍّ منهما لم يتعرض لذكر الوضوء، فدلَّ على أن الوضوء ينتقض، ويلزمه غسل محاجمه، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، والإمام أحمد ابن حنبل وغيرهم.

وقال في «عمدة القاري»: (الدم الذي يخرج من موضع الحجامة مُخرَج وليس بخارج، والنقض يتعلق بالخارج، فإذا احتجم وخرج الدم في المَحْجَمِ بمصِّ الحجَّام ولم يَسِلْ ولم يلحق إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ فعلى الأصل المذكور: الوضوء لا ينتقض، ولكن لا بدَّ من غسل مَحَاجمه بأي شيء كان) انتهى.

ولئن سلمنا أنَّه على ظاهره غير ناقض؛ فهو ليس بحجة على الأئمة الحنفية والحنابلة؛ لأنَّه إن كان من أقوال الصحابة؛ فالمروي عن النبي الأعظم عليه السلام بالنقض بالدم أحق وأولى بالاتباع، وأقوال الصحابة لها تأويل ومحمل صحيح، ولا تأويل ولا محمل لأقوال النبي الأعظم عليه السلام، وإن كان من قول التابعين؛ فليس بحجة عليهم؛ لأنَّه لا يلزمنا الأخذ بما اجتهدوا به؛ لأنَّ كلَّ واحد من التابعين له اجتهاد خاصٌّ، فلا يلزم الأخذ باجتهاده، فهم رجال ونحن رجال، كما قدمناه؛ فافهم.

[1] في الأصل: (للدامات).
[2] في الأصل: (طريق).
[3] ما بين معقوفين سقط من الأصل، استفدناه من «عمدة القاري».
[4] في الأصل: (ففيه) .
[5] في الأصل: (جزرًا)، وهو تحريف عن المثبت.
[6] في الأصل: (سنَّه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (أحد) .