المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

166-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن عُبَيْدِ بنِ جُرَيْجٍ:

أَنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: يا أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحابِكَ [1] يَصْنَعُها. قالَ: وَما هِيَ يا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قالَ: رَأَيْتُكَ لا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكانِ إِلَّا اليَمانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إذا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إذا رَأَوُا الهِلالَ وَلَمْ [2] تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّىَ كان يَوْمُ [3] التَّرْوِيَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الأَرْكانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّ إِلَّا اليَمانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النَّعْلَ [4] الَّتِي [/ج1ص44/] لَيْسَ فيها شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فيها، فَأَنا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَها، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بها، فَأَنا [5] أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بها، وَأَمَّا الإِهْلالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّىَ تَنْبَعِثَ بِهِ راحِلَتُهُ.

الأطراف



[1] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «مِنْ أَصحابِنا».
[2] في رواية الأصيلي: «فَلَمْ».
[3] هكذا ضبطت في متن (ب، ص) وضبطت في هامشهما بالرفع والنصب معًا، دون عزو، وأهمل ضبطها في (ن، و).
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «النِّعال».
[5] في رواية أبي ذر والحَمُّويي والمُستملي: «فإنِّي».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

166- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا) إمام الأئمَّة (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ)؛ بالجيم والتَّصغير فيهما، المدنيُّ الثِّقة، (أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا)؛ أي: أربع خصالٍ (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ)، وفي رواية أبي الوقت: ((من أصحابنا))، والمُراد: أصحاب الرَّسول صلى الله عليه وسلم (يَصْنَعُهَا) مجتمعةً وإن كان يصنع بعضها، أوِ المُراد: الأكثر منهم، فـ: (قَالَ: وَمَا هِيَ يَا بْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ)؛ أي: أركان الكعبة الأربعة (إِلَّا) الرُّكنين (الْيَمَانِيَّيْنِ)؛ تغليبًا، وإلَّا؛ فالذي فيه الحجر الأسود عراقيٌّ؛ لأنَّه إلى جهته، ولم يقعِ التَّغليب باعتبار الأسود؛ خوف الاشتباه على جاهلٍ، وهما باقيان على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن ثمَّ خُصَّا أخيرًا بالاستلام، وعلى هذا لو بُنِيَ البيت على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام الآن استُلِمَت كلُّها؛ اقتداءً به؛ ولذا لمَّا ردَّهما ابن الزُّبير على القواعد؛ استلمهما، وقد صحَّ استلامهما [1] أيضًا [2] عن معاوية، ورُوِيَ عنِ الحَسن والحُسين رضي الله عنهما، وظاهر ما في الحديث هنا: انفراد ابن عمر رضي الله عنهما باستلام اليمانيَّين دون غيره [3] ممَّن رآهم عُبَيْدٌ، وأنَّ سائرهم كان يستلم الأربعة، ثمَّ قال ابن جريجٍ لابن عمرَ رضي الله عنهما: (وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والمُوحَّدة (النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ)؛ بكسر المُهمَلَة، وسكون المُوحَّدَة، آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: التي لا شعر عليها، من السِّبت؛ وهو الحلق، وهو ظاهر جواب ابن عمر الآتي، أو هي التي عليها الشَّعر، أو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، والسُّبت؛ بالضَّمِّ: نبتٌ يُدبَغ به، أو كلُّ مدبوغٍ، أو التي أُسبِتت بالدِّباغ؛ أي: لانت، أو نسبةً إلى سوق السِّبت، وإنَّما اعترض على ابن عمر رضي الله عنهما بذلك؛ لأنَّه لباس أهل النَّعيم، وإنَّما كانوا يلبسون النِّعال بالشَّعر غير مدبوغةٍ، وكانتِ المدبوغة تعمل بالطَّائف وغيره، (وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ) ثوبك أو شعرك (بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ) مستقرًّا (بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ)؛ أي: رفعوا أصواتهم بالتَّلبية للإحرام بحجٍّ أو عمرةٍ، (إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ)؛ أي: هلال ذي الحجَّة، (وَلَمْ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((فلم)) (تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) الثَّامن من ذي الحجَّة؛ لأنَّهم كانوا يُروَون [4] فيه من الماء؛ ليستعملوه في عرفة شربًا وغيره، وقِيلَ غير ذلك، فتهلُّ أنت حينئذٍ، و«يومُ»: بالرَّفع: اسم كان، وبالنَّصب: على أنَّه [5] خبرها، فعلى الأوَّل: «كان»: تامَّةٌ، وعلى الثَّاني: ناقصةٌ، والرُّؤية هنا تحتمل البصريَّة والعلميَّة، (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر رضي الله عنهما مجيبًا لابن جريجٍ: (أَمَّا الأَرْكَانُ) الأربعة؛ (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمَسُّ) منها (إِلَّا) الرُّكنين (الْيَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُ النِّعَالَ)، ولغير الأربعة: ((النَّعل)) بالإفراد (الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا)؛ أي: في النِّعال [6] (فَأَنَا)، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الحَمُّوييِّ والمُستملي: ((فإنِّي)) (أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا)، فيه: التَّصريح بأنَّه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه الشَّريفتين وهما في نعليه، وهذا موضع استدلال المصنِّف للتَّرجمة، (وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ [/ج1ص251/] أَصْبُغَ بِهَا)، يحتمل صبغ ثيابه؛ لِما في الحديث المرويِّ في «سُنن أبي داود»: «وكان يصبغ بالورس والزَّعفران حتَّى عمامته، أو شعره؛ لِما في «السُّنن» أيضًا [7] : «أنَّه كان يصفِّر بهما لحيته»، وكان أكثر الصَّحابة والتَّابعين رضي الله عنهم يخضب بالصُّفرة، رجَّح الأوَّلَ القاضي عياضٌ، وأُجِيبَ عن الحديث المُستدلِّ به للثَّاني: باحتمال أنَّه كان ممَّا [8] يتطيَّب [9] به [10] لا أنَّه كان يصبغ بها [11] ، (وَأَمَّا الإِهْلَالُ) بالحجِّ والعمرة؛ (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ)؛ أي: تستوي قائمةً إلى طريقه، والمُراد: ابتداء الشُّروع في أفعال النُّسك، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ، وقال أبو حنيفة: يُحرِم عقيب [12] الصَّلاة جالسًا، وهو قولٌ عندنا؛ لحديث التِّرمذيِّ: «أنَّه صلى الله عليه وسلم أهلَّ بالحجِّ حين فرغ من ركعتيه»، وقال: حسنٌ، وقال آخرون: الأفضل أن يُهِلَّ من أوَّل يومٍ من ذي الحجَّة.

وهذا الحديث خماسيُّ الإسناد، ورواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه: رواية الأقران؛ لأنَّ عُبَيْدًا وسعيدًا تابعيَّان من طبقةٍ واحدةٍ، وفيه: التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦5851] ، ومسلمٌ، وأبو داود في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، وابن ماجه في «اللِّباس»، وبقيَّة مباحثه تأتي إن شاء الله تعالى.

[1] في (م): «استلمها وقد صح استلامها».
[2] «أيضًا»: سقط من (د).
[3] في (ص): «غيرهما».
[4] في (م): «يتزوَّدون».
[5] «على أنَّه»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[6] في (ب) و(س): «النَّعل».
[7] «أيضاً»: سقط من (س).
[8] «ممَّا»: سقط من (س).
[9] في (م): «يُطيَّب».
[10] في (ب) و(س): «بهما».
[11] في (ب) و(س): «بهما».
[12] في (ب) و(س): «عقب».





166- (رَأَيْتُكَ): يَحتمل أن تكون بمعنى: الإبصار، وبمعنى: العلم.

(كُنْتَ): يَحتمل أن تكون تامَّة وناقصة، و (إِذَا): في (إِذَا كُنْتَ) وفي (إِذَا رَأَوْا): يَحتمل كونهما شرطيَّتين وظرفيَّتين، وكون الأول شرطيَّة، والثَّاني ظرفيَّة، وبالعكس.

(أَهَلَّ): إمَّا حالٌ، وإمَّا جزاءٌ للأوَّل، وإمَّا جزاءٌ للثَّاني على مذهب الكوفيِّين حيث جوَّزوا تقديمَه على الشَّرط، وإمَّا مفسِّرٌ لجزاء الشَّرط الثَّاني على مذهب البصريَّة.

(يَوْم): إمَّا مرفوع بأنَّه اسم (كَانَ) التَّامَّة، وإمَّا منصوب بأنَّه خبر (كَانَ) النَّاقصة، والاسم: الزَّمان المقدَّر الدَّال عليه السِّياق، ولا تخفى عليك التَّقادير.


166- قوله: (عن سَعِيدٍ الْمَقْبرِيِّ): تقدَّم الكلام على سعيد وعلى نسبته لماذا نُسِب، وأنَّها بضمِّ الباء وفتحها وكسرها مثلَّثة [1] .

قوله: (إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ): هو بتخفيف الياء، وحكي: التشديد، وهما الركن الأسود والركن اليماني، وجاء في رواية: (لم يستلم إلا الركن الأسود والذي [2] يليه من نحو دور الجمحيِّين) ، وهما سواء، وقيل لهما: اليمانيان؛ تغليبًا؛ كالعمرين.

فإن قلت: لِم لا عبر عنهما بالأسودين؟

وأجيب: بأنَّه لو عبر بذلك؛ لربَّما اشتُبه [3] على بعض العوام أنَّ في كلٍّ منهما الحجر الأسود بخلاف اليمانيين، وإنَّما كان يستلمهما؛ لأنَّهما على قواعد إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنَّما لَمْ يستلم الآخرَين؛ لأنَّهما ليسا على القواعد، ولمَّا ردَّهما ابنُ الزُّبير عَبْدُ الله إلى القواعد؛ استلمهما، ولو بنيا الآن على القواعد؛ لاستُلِما، والله أعلم.

قوله: (السِّبْتِيَّةَ): قال ابن قُرقُول: (والسِّبت: كلُّ جلد مدبوغ، قاله أَبُو عمرو، وقال أَبُو زيد: السِّبت: جلود البقر خاصَّة، سواء دبغت أو لَمْ تُدبَغ، وقيل: هي جلود البقر المدبوغة بالقرظ) ، وقال ابن وهب: هي السود التي لا شعر لها [4] ، [وقيل: التي لا شعر عليها] [5] أَيَّ لونٍ كانت، ومن أَيِّ جلد كانت، وبأيِّ دباغ دُبِغت، وهو ظاهر قول ابن عمر رضي الله عنهما في هذه الكتب، وهي مأخوذة من السَّبت؛ وهو الحلق، سَبَتَ: حَلَقَ، فعلى هذا: ينبغي أنْ يقال: بفتح السِّين، ولم تُروَ إلا بالكسر، وقال الأزهريُّ: كانت من سُبِتت [6] بالدباغ؛ أي: لانت، وقال الدَّاوديُّ: هي منسوبة إلى موضع يقال له: سوق السَّبت) .

تنبيه: إِنَّمَا أنكر عبيد بن جريج على ابن عمر رضي الله عنهما هذه النعال؛ لأنَّها نعال أهل النَّعمة والسَّعة، ونقل شيخنا الشَّارح في (كتاب اللِّباس): (أنَّ أكثر أهل الجاهليَّة كانوا يلبسونها غير مدبوغة إلَّا أهل السَّعة منهم) ، وقال أيضًا فيه في (باب النعال السبتيَّة) بعد أنْ فسَّرها: (وقد ذهب قوم: إلى أنَّه لا يجوز لبسها في المقابر خاصَّةً؛ لحديث بشر بن الخصاصيَّة قال: «بينما أنا أمشي في المقابر...»؛ الحديث، [وفيه: «يا صاحب السبتيَّين») ، ثمَّ قال: (فأخذ أحمد بظاهره ووثَّق رجاله، وقال باقي الجماعة: لا بأس بذلك احتجاجًا بلبسه عليه الصَّلاة والسَّلام لها] [7] ، وفيه الأسوة الحسنة) انتهى، وحديث بشر المشار إليه أخرجه أبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، وقال الخطابيُّ: (حديث أنس عنه عليه الصَّلاة والسَّلام: «إنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عنهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ»، يدلُّ على جواز لبس النعل لزائر القبور والماشي بحضرتها وبين ظهرانيها.

وأمَّا خبر السبتيَّين يشبه أنْ يكون إِنَّمَا كره ذلك؛ لما فيها من الخيلاء، وذلك أنْ يقال: السبت من لباس أهل الرقة والتنعُّم، فأحبَّ عليه الصَّلاة والسَّلام أنْ يكون دخوله المقابر على زيِّ التواضع ولباس أهل الخشوع) انتهى، واعلم أنَّه لا [8] يكره المشي في المقابر [9] بالنعلين، وقال الماورديُّ: يخلعهما.

قوله: (تَصْبغُ بِالصُّفْرَةِ): (تصبغ): مثلَّث الباء.

تنبيه: هل المراد هنا صبغ الثِّياب أو الشعر؟ قال المازريُّ [10] : (الأشبه) ، وقال القاضي عياض: (الأظهر الأول) ، قال عياض: (لأنَّه أخبر أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام صبغ، ولم ينقل عنه أنَّه صبغ شعره، وإلا؛ فقد جاءت آثار عنِ ابن عمر بيَّن فيها تصفير ابن عمر رضي الله عنه لحيته، واحتجَّ بأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يصفِّر لحيته بالورس والزعفران، أخرجه أبو داود، وذكر في حديث آخر احتجاجه بأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يصبغ بهما ثيابه حتَّى عمامته) انتهى، وقد روى أَبُو يعلى الموصليُّ في «مسنده» من حديث عَبْد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: (رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران؛ رداء وعمامة) ، وفي سنده: عَبْد الله بن مصعب الزُّبيريُّ، ضعَّفه ابن معين، وهو في «ثقات ابن حبَّان»، قال شيخنا الشَّارح: (وكان أكثرهم -يعني: الصَّحابة والتَّابعين- يخضِّب بالصفرة؛ منهم: أَبُو هريرة وآخرون، وروي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه) .

قوله: (أَهَلَّ النَّاسُ): تقدَّم أنَّ الإهلال: رفع الصوت بالتلبية.

قوله: (يَوْم التَّرْوِيَةِ): هو بفتح التَّاء المثنَّاة فوقُ، وهو ثامن ذي الحجَّة، ولمَ سُمِّي بذلك، فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها [11] : أنَّ الناس يروون فيه من الماء من زمزم؛ لأنَّه لَمْ يكن بعرفة ولا بمنًى ماء، وقال آخرون: هو اليوم الذي رأى فيه آدمُ حواء، وقيل: لأنَّ جبريل أرى فيه إبراهيمَ أوَّل المناسك، وعن ابن عبَّاس: سُمِّي بذلك؛ لأنَّ إبراهيم أتاه الوحي في منامه أنْ يذبح ابنه، فروَّى في نفسه من الله هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلمَّا كان ليلة عرفة؛ أتاه الوحي، فعرف أنَّه [/ج1ص83/] الحقُّ من ربِّه، فسُمِّيت: عرفة.

تنبيه: اعلم أنَّ سابع ذي الحجَّة يقال له: يوم الزينة؛ لأنَّهم كانوا يزيِّنون فيه المحامل والهوادج للخروج، قاله مكِّيُّ بن أبي طالب، وقال النوويُّ في «شرح المهذَّب»: (إنَّه لا اسم له) انتهى.

وللتاسع: عرفة، وللعاشر: يوم النحر، وللحادي عشر: يوم القرِّ، والثَّاني عشر: يوم النفر الأوَّل، وللثالث عشر: يوم النفر الثَّاني.

[1] (وكسرها مثلثة): ليس في (ج) .
[2] في (ب): (وهو الذي) .
[3] في (ج): (أشبه) .
[4] في النسخ: (عليها) ، والمثبت موافق لما في «المطالع» (*) .
[5] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[6] في (ج): (ستت) .
[7] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[8] (لا): ليس في (ج) .
[9] في (ب): (المقبرة) .
[10] في (ب): (الماوردي) .
[11] في (ب): (إحداها) .





166- ( النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ ) بكسر السين: كلُّ جلد مدبوغ، وقيل: ما لا شعَرَ عليه، وهو ظاهر جواب ابن عمر.

( وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا ) هذا موضع استدلال البخاري، وأن المراد غسل الرجلين في النعلين، قال الإسماعيلي: وفيه نظر.

( يَصْبُغُ بِهَا ) بفتح أوله وضم ثالثه، وروي بفتحه أيضًا، وكذا ( أحب أن أصبغ ).

( في غسل ابنته ) بفتح الغين وضمها. [/ج1ص95/]


166- ( السِّبْتِيَّةَ ): بكسر المهملة التي لا شعر فيها، مشتقَّة من السِّبت وهو الحلق، وقيل: السِّبت: جلد البقر المدبوغ [بالقرظ] [1] . [/ج1ص314/]

وقيل: كلُّ جلد مدبوغ.

( تَصْبُغُ ): بضمِّ الموحَّدة، وحُكى فتحها وكسرها.

( أَهَلَّ النَّاسُ ) أي: أحرموا.

( الْيَمَانِيَيْنِ ): هما الرُّكن الأسود والذي يساميه من قبل الصَّفا، وقيل للأسود يمان تغليبًا.

( وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَصْبُغُ بِهَا ): مخالف لحديث أنس الآتي في اللِّباس: أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يصبغ، [خ:5895] وجمع بين ذلك الطَّبريُّ بأنَّ مَن أثبت حكى ما شاهده، وكان ذلك في بعض الأحيَّان، ومن نفى فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله.

( فَأَنَا أُحبُّ ) لأبي ذرٍّ: «فإنِّي».

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (بالقرض) والمثبت من غيرها





166- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) ؛ أي: التنيسي ((قال: أخبرنا مالك)) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، ((عن سعيد المقبري)) ؛ بتثليث الموحدة، ((عن عبيد بن جريج)) ؛ بالجيم، والتصغير فيهما: المدني التيمي، والجرج: وعاء يشبه الخرج، وليس بينه وبين عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج-الفقيه المكي مولى بني أمية- نسب، وقد يظن أن هذا عمه، وليس كذلك، كما في «عمدة القاري»: ((أنَّه قال لعبد الله بن عمر)) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنهما: ((يا أبا عبد الرحمن)) ؛ بإثبات الهمزة، وحذفها تخفيفًا، وهي كنية عبد الله بن عمر ((رأيتك تصنع)) : جملة من الفعل والفاعل في محل نصب على أنَّها مفعول ثان، ومفعول (تصنع) قوله: ((أربعًا)) ؛ أي: خصالًا أربعًا، أو أربع خصال ((لم أر أحدًا من أصحابنا)) : وفي رواية: (من أصحابك) ، والمراد: أصحاب النَّبيِّ الأعظم عليه السلام ((يصنعها)) ؛ أي: يفعلها كلها مجتمعة وإن كان يصنع بعضها، أو المراد أكثرهم، لكن الظاهر انفراد ابن عمر بما ذكر دون غيره ممن رآهم عبيد، وقد يدل على هذا السياق؛ فتأمل.

((فقال)) : وفي رواية: (قال) ؛ أي: ابن عمر: ((وما هي يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان)) ؛ أي: من أركان الكعبة الأربعة ((إلَّا)) الركنين ((اليمانيين)) ؛ تثنية يمان؛ بتخفيف المثناة التحتية، هذا هو الفصيح، والنسبة إلى اليمن: رجل يمان، ويمني، ويماني، وقيل: يمان على غير قياس، والقياس: يمني، والألف عوض عن الياء التحتية؛ لأنَّه يدل عليه الياء، كما في «المغرب» وغيره، وبعضهم يقول: يمانيٌّ؛ بالتشديد، وقوم يمانون ويمانية، وسمِّيتْ اليمن يمنًا بيعرب، واسمه يمن بن قحطان بن عامر، وهو هود عليه السلام، فلذلك قيل: أرض يمن، وهو أول من قال الشعر ووزنه، كذا في «التيجان»، وفي «المعجم»: سُمِّي اليمن قبل أن تعرف الكعبة المشرفة؛ لأنَّه عن يمين الشمس، وقال بعضهم: سميت بذلك؛ لأنَّها عن يمين الكعبة، وقيل: سميت اليمن؛ ليمنه، وتمامه في «عمدة القاري»، قال: (واليمانِيَّيْن: الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له: الركن العراقي؛ لكونه من جهة العراق، والذي قبله يماني؛ لأنَّه من جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان؛ تغليبًا لأحد الاسمين، وهما باقيان على قواعد إبراهيم عليه السلام، وإنما لم يقولوا: الأسودين على التغليب؛ لأنَّه لو قيل ذلك؛ ربما كان يشتبه على بعض العوام أنَّ في كل من هذين الركنين الحجر الأسود، وكان يفهم التثنية، ولا يفهم التغليب؛ لقصور فهم الجاهل بخلاف اليمانيين) انتهى.

ثم قال ابن جريج لابن عمر: ((ورأيتك تَلبَس)) ؛ بفتح المثناة الفوقية والموحدة ((النِّعال)) ؛ بكسر النُّون ((السِّبْتية)) ؛ بكسر السين المهملة، وسكون الموحدة، آخره مثناة فوقية، نسبة إلى سبت؛ وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، أو كل مدبوغ، أو المدبوغة وغير المدبوغة، وقيل: السِّبتية: التي لا شعر عليها، أو التي عليها الشعر، وقيل: المدبوغ بالسُّبت–بالضم-: نبت يدبغ به، وعليه فالسُّبتية؛ بالضم، وقال الهروي: قيل لها سبتية؛ لأنَّها انسبتت؛ أي: لانت بالدباغ، وقال الأزهري: سميت سبتية؛ لأنَّ شعرها قد سبت عليها؛ أي: حلق وأزيل، يقال: سبت رأسه؛ إذا حلقته، وقال الداودي: نسبته إلى سوق السبت، انتهى؛ وعليه فهي بفتح السين، وإنما اعترض ابن جريج على ابن عمر بلبسها؛ لأنَّها لباس أهل النعيم، وقد كانت الصحابة تلبس النعال بالشعر غير مدبوغة رضي الله عنهم.

((ورأيتك تصبغ)) ؛ بضم الموحدة، وفتحها، وكسرها؛ أي: شعرك أو ثوبك ((بالصُّفرة)) ؛ بضم الصَّاد المهملة، وهذا شامل لصبغ الثياب، وصبغ الشعر، واختلف في المراد منهما؛ فقال القاضي عياض: الأظهر أن المراد صبغ الثياب؛ لأنَّه أخبر أنَّه عليه السلام صبغ، ولم يقل: إنَّه صبغ شعره، قال في «عمدة القاري»: (وقد جاءت آثار عن ابن عمر رضي الله عنهما بيَّن فيها أنَّه صفَّر لحيته، واحتج بأنَّه عليه السلام كان يصفر لحيته بالورس [1] والزعفران، أخرجه أبو داود، وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه به: بأنَّه عليه السلام

[/ص130/] كان يصبغ بهما ثيابه حتى عمامته، وكان أكثر الصحابة والتابعين يخضب بالصفرة، منهم أبو هريرة وآخرون، ويروى ذلك عن علي رضي الله عنه، كذا في «عمدة القاري».

((ورأيتك إذا كنت بمكة؛ أهلَّ الناس))؛ من الإهلال: وهو رفع الصوت بالتلبية، وكل شيء ارتفع صوته؛ فقد استهل، يقال: أهلَّ بحجة أو عمرة، أو أحرم بها، وجرى على ألسنتهم؛ لأنَّهم أكثر ما كانوا يحجون إذا أهلَّ الهلال، وإهلال الهلال واستهلاله: رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته، واستهلال الصبي: تصويته عند ولادته، وأهلَّ الهلال؛ إذا طلع، وأهلَّ واستهلَّ؛ إذا أبصر، وأهللته؛ إذا أبصرته ((إذا رأوا الهلال))؛ أي: هلال ذي الحجة، ((ولم)): وللأصيلي: (فلم) ((تهل أنت)): وكان القياس فيما ذكر في الأفعال الثلاثة السابقة أن يقول هنا: رأيتك لم تهل...إلخ.

وأجيب: بأنَّه محذوف، والمذكور دليل عليه، أو بأن الشرطية قائمة مقامه، كذا قاله الكرماني، واعترضه في «عمدة القاري» بأن هذا السؤال لا وجه له هنا، وما وجه القياس الذي ذكره؟! انتهى.

قال العجلوني: و (رأى) هنا وفيما مر من المواضع: بصرية أو علمية، وظاهر كلام «عمدة القاري»: أن (رأى) الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة بمعنى الإبصار فقط، وأمَّا (رأى) الخامسة [2] ؛ فإنَّه يحتمل أن يكون بمعنى الإبصار، وبمعنى العلم، انتهى.

وهو الأظهر؛ فتأمل.

و (كنت) : يحتمل أن تكون تامة أو ناقصة، و (بمكة) : ظرف لغو أو مستقر، و (إذا) في الموضعين: تحتمل أن تكونا ظرفيتين، وأن تكون الأولى شرطية، والثانية ظرفية، وبالعكس، و (أهلَّ الناس) : إما حال أو جزاء (إذا) الأولى، و (إذا) الثانية مفسر له على مذهب الكوفيين، أو مفسر للجزاء الثاني على مذهب البصريين، كذا في «عمدة القاري» بزيادة: ((حتى كان)) : يحتمل أنَّها تامة أو ناقصة، فإن كانت تامة؛ يكون ((يومُ)) مرفوعًا؛ لأنَّه اسم (كان) ، وإن كانت ناقصة؛ يكون (يوم) خبر (كان) ((التروية)) : وهو يوم الثامن من ذي الحجة، واختلف في سبب تسميته بذلك، إمَّا لأنَّ جبريل عليه السلام أرى فيه إبراهيم عليه السلام أول المناسك، أو لأنَّ الناس يروون من الماء من زمزم؛ لأنَّه لم يكن بمنى ماء، ولا بعرفة ماء، أو لأنَّه اليوم الذي رأى فيه آدم حواء عليهما السلام، وعن ابن عباس: (لأن إبراهيم أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه، فتروى في نفسه، من الله تعالى هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة؛ أتاه الوحي فعرف أنَّه الحق من ربه، فسميت عرفة) ، رواه البيهقي، وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أنَّ إبراهيم عليه السلام لما ابتلي بذبح ابنه؛ أتاه جبريل عليه السلام فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة، قال: وقال ابن عباس: سميت عرفة؛ لأنَّ جبريل قال لإبراهيم عليهما السلام: هل عرفت؟ قال: نعم، فمن ثم سميت عرفة، كذا في «عمدة القاري».

((قال عبد الله)) ؛ أي: ابن عمر رضي الله عنهما مجيبًا لابن جريج: ((أمَّا)) : للتفصيل ((الأركان)) ؛ أي: الأربعة؛ ((فإنِّي لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس)) ؛ من مِست أمَس؛ بكسر الماضي، وفتح المستقبل، مسًّا ومسيسًا، وهو ما اختاره ثعلب وغيره، وحكى غيره: مِسسته؛ بالكسر، ومَسست؛ بالفتح، وبالكسر أفصح، وعن ابن جني: أمسه إياه، فعدَّاه إلى مفعولين، وعن ابن درستويه: إنَّ مَسست بالفتح خطأ مما يلحن فيه العامة؛ فتأمل.

((إلَّا)) الركنين ((اليمانيين)) : واتفق الفقهاء على أن الركنين الشاميين -وهما مقابلا اليمانيين- لا يستلمان، وإنما كان الخلاف فيه في العصر الأول بين بعض الصحابة، وبعض التابعين، ثم ذهب الخلاف، وتخصيص الركنين اليمانيين بالاستلام؛ لأنَّهما كانا على قواعد إبراهيم عليه السلام بخلاف الركنين الآخرين؛ لأنَّهما ليسا على قواعد إبراهيم عليه السلام، ولمَّا ردهما عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما على قواعد إبراهيم عليه السلام؛ استلمهما أيضًا، ولو بني كذلك؛ لاستلمت كلها ابتداء، به صرح القاضي عياض، وركن الحجر الأسود خُصَّ بشيئين: الاستلام والتقبيل، والركن الآخر خُصَّ بالاستلام فقط، والآخران لا يقبَّلان ولا يستلمان، وكان بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم يمسحهما على وجه الاستحباب، وقال ابن عبد البر: روي عن جابر، وأنس، وابن الزبير، والحسن، والحسين رضي الله عنهم: أنَّهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وعن عروة مثله، واختلف عن معاوية وابن عباس في ذلك؛ فقال أحدهما: ليس بشيء من البيت مهجورًا، والصحيح عن ابن عباس أنَّه كان يقول: إلَّا الركن الأسود واليماني، وهما المعروفان باليمانيين، ولمَّا رأى عبيد بن جريج جماعة يفعلون على خلاف ابن عمر؛ سأله عن ذلك؛ فليحفظ.

((وأما النِّعال)) ؛ بكسر النُّون ((السِّبْتية؛ فإنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَلبَس)) ؛ بفتح التحتية والموحدة [3] ((النِّعال)) : وفي رواية: (النَّعل) ؛ بالإفراد، وزيادة: (السِّبْتية) ((التي ليس فيها)) : التأنيث على رواية (النعال) –بالجمع- واضح، وكذا على رواية الإفراد؛ لأنَّ النعل مؤنثة ((شعَر)) ؛ بفتح العين المهملة على الأفصح، قال أبو عمر: لا أعلم خلافًا في جواز لبس النعال في غير المقابر؛ لقوله عليه السلام لذلك الماشي في المقابر: «ألق سبتك»، وقال قوم: يجوز ذلك ولو كان في المقابر؛ لقوله عليه السلام: «إذا وقع الميت في قبره؛ إنَّه ليسمع قرع نعالهم»، وقال الحكيم الترمذي: (إنَّه عليه السلام إنَّما قال لذلك الرجل: «ألق سبتك»؛ لأنَّ الميت كان يُسأل، فلما صرَّ نعل ذلك الرجل؛ شغله عن جواب الملكين، فكاد يهلك لولا أن ثبته الله تعالى) انتهى.

((ويتوضأ فيها)) ؛ أي: في النِّعال ((فأنا)) وفي رواية: (فإنِّي) ((أحب أن ألبسها)) ، ففيه تصريح بأنَّه عليه السلام كان يغسل رجليه وهما في نعليه، وهذا موضع المطابقة للترجمة؛ لأنَّ قوله: (فيها) ؛ أي: في النعال ظرف لقوله: (يتوضأ) ، قال ابن حجر: وبهذا يرد على من زعم ليس في الحديث الذي ذكره تصريح بذلك، وإنما هو من قوله: (يتوضأ فيها) ؛ لأنَّ الأصل في الوضوء الغسل.

قال في «عمدة القاري»: قلت: ما يريد هذا من التصريح أقوى من هذا، وقوله: (ولأنَّه فيها) يدل على الغسل، ولو أريد المسح؛ لقال: عليها، وهذا التعليل يرد عليه.

وقوله: (وليس في الحديث...) إلخ: وهذا من العجائب؛ حيث ادعى عدم التصريح، ثم أقام دليلًا على التصريح بذلك، وقد أشار المؤلف في الترجمة بقوله: (ولا يمسح على النعلين) إلى نفي ما ورد عن عليٍّ وغيره من الصحابة رضي الله عنهم: أنَّهم كانوا يمسحون على نعالهم، ثم يصلون، وروي ذلك في حديث مرفوع أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة في الوضوء، لكن ضعَّفه عبد الرحمن بن مهدي وغيره، وروي عن ابن عمر: (أنَّه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه؛ مسح ظهور نعليه بيديه، ويقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا) ، أخرجه الحافظ الطحاوي والبزار، وروي في حديث رواه علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمِّه رفاعة بن رافع: أنَّه كان جالسًا عند النبي الأعظم عليه السلام، وفيه: (ومسح برأسه ورجليه) ، أخرجه الحافظ الطحاوي والطبراني في «الكبير»، والجواب عن حديث ابن عمر: أنَّه كان في وضوء متطوع به لا في وضوء واجب عليه، وعن حديث رفاعة: أنَّ المراد به أنَّه مسح برأسه وخفيه على رجليه، وأجاب بعضهم بأنَّهم مسحوا عليها مع غسل أرجلهم فيها.

قلت: وهو بعيد؛ إذ ما فائدة مسحهم عليها مع غسل أرجلهم، والمناسب أن يقال في الجواب: بأنَّهم[/ص131/]

غسلوا أرجلهم غسلًا خفيفًا، فأطلق عليه مسحًا لذلك، وسمى الأرجل نعالًا من تسمية المحل باسم الحالِّ فيه، أو أن المراد بالنعلين: الخفاف، كما قلنا، واستدل الحافظ الطحاوي على عدم الإجزاء بالإجماع على أن الخفين إذا تخرقا حتى يبدوا القدمان أن المسح لا يجزئ عليهما، قال: فكذلك النعلان؛ لأنَّهما يغيبان القدمين، قال ابن حجر: هذا استدلال صحيح، ولكنه منازع في نقل الإجماع المذكور، انتهى.

ثم ذكر خلاف الشيعة وبعض الصحابة والتابعين في جواز المسح على الرِّجلين، وذكر ما للعلماء في تأويل قوله: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] ، وقدمناه مفصلًا.

وأقول: هذا لا يدل على خلاف في جواز مسح النعلين باقيين على معناهما الحقيقي والكلام فيه حتى يرد على الحافظ الطحاوي، وإنما يدل على خلاف في مسح الرجلين وليس الكلام فيه، ثم رأيت الشيخ الإمام بدر الدين العيني صاحب «عمدة القاري» نظر فيه بوجه آخر؛ حيث قال: (قلت: هذا غير منازع فيه؛ لأنَّ مذهب الجمهور: أن مخالفة الأقل لا تضر الإجماع، ولا يشترط فيه عدد التواتر عند الجمهور، وروى الحافظ الطحاوي عن عبد الملك قال: قلت لعطاء: أَبلغك عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه مسح على القدمين؟ قال: لا) انتهى كلامه، والله تعالى أعلم.

((وأمَّا الصُّفرة؛ فإنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصْبغ بها)) ؛ من الصباغ، ويروى: (يصنع) ؛ بالمهملة، والأظهر: أنَّه بالمعجمة، وبالمهملة تصحيف، ((فأنا أحب أن أصبغ بها)) ، يحتمل صبغ ثيابه أو شعره كما تقدم، ((وأمَّا الإهلال)) ؛ أي: بالحج أوالعمرة؛ ((فإنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهل)) بضم التحتية ((حتى تنبعث)) أي: تسير ((به راحلته)) ؛ أي: تستوي قائمة إلى طريقه، وهو كناية عن ابتداء شروعه في أفعال الحج، والراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، واختلف في حكم الإهلال؛ فعند البعض: الأفضل أن يُهل من أول يوم من ذي الحجة، وعند مالك: الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه: إنَّه يحرم عقب الصلاة جالسًا قبل ركوب دابته وقبل قيامه؛ لما رواه أبو داود عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: يا أبا العباس؛ عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب، قال: إنِّي لأعلم الناس بذلك؛ إنها إنَّما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا، خَرَجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجًّا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه؛ أوجبه [4] في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظته عنه، ثم ركب، فلمَّا استقلت به ناقته؛ أهلَّ وأدرك ذلك منه أقوام؛ لأنَّ الناس إنَّما كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنَّما أهلَّ عليه السلام حين استقلت به ناقته، ثم مضى عليه السلام، فلمَّا علا على شرف البيداء؛ أهلَّ وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنَّما أهلَّ حين علا شرف البيداء، قال سعد: فمن أخذ بقول ابن عباس؛ أهلَّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه، وأخرجه الحاكم في «مستدركه» قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر في الباب، وأخرجه الحافظ الطحاوي، ثم قال: (وبيَّن عليه السلام الوجه الذي جاء الاختلاف، وأن إهلاله عليه السلام الذي ابتدأ الحج ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ، فينبغي للرجل إذا أراد الإحرام؛ أن يصلي ركعتين، ثم يحرم في دبرهما كما فعل عليه السلام، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، ولا نسلِّم أنَّ إحرامه عليه السلام من البيداء يدل على استحباب ذلك، وأنَّه فضيلة؛ لأنَّه يجوز أن يكون ذلك لا لقصد أن للإحرام منها فضيلة على الإحرام من غيرها، وقد فعله عليه السلام في حجته في مواضع لا لفعل [5] قصده؛ من ذلك: نزوله بالمحصب، وروى عطاء عن ابن عباس قال: ليس المحصب بشيء، إنَّما هو منزل رسول الله عليه السلام، فلما حصب عليه السلام ولم يكن ذلك لأنَّه سنة؛ فكذلك يجوز أن يكون إحرامه من البيداء كذلك، وأنكر الزهري، وعبد الملك بن جريج، وعبد الله بن وهب أن يكون عليه السلام أحرم من البيداء، وقالوا: ما أحرم إلَّا من المسجد، ورووا في ذلك ما روى مالك عن موسى بن عقبة،عن [6] سالم، عن أبيه أنَّه قال: بيداؤكم [7] هذه التي تكذبون على رسول الله عليه السلام [أنه أهل] منها، ما أهلَّ عليه السلام إلا من عند المسجد؛ يعني: مسجد ذي الحليفة، أخرجه الحافظ الطحاوي، وأخرجه الترمذي أيضًا، وأخرج الترمذي أيضًا وحسنه: أنَّه عليه السلام أهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه.

فإن قلت: كيف يجوز لابن عمر أن يطلق الكذب على الصحابة؟

قلت: الكذب يجيء بمعنى الخطأ؛ لأنَّه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، افترقا من حيث النية والقصد؛ لأنَّ الكاذب يعلم أن الذي يقول كذب، والمخطئ لا يعلم، ولا يظن به أنَّه [8] كان ينسب الصحابة إلى الكذب.

قال الحافظ الطحاوي: فلمَّا جاء هذا الاختلاف؛ بيَّن ابن عباس الوجه الذي جاء فيه الاختلاف كما ذكرنا، وتمامه في «عمدة القاري».

[1] في الأصل: (بالورث)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (الخامس) ، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (والنون)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (أوجه)، وهو تحريف.
[5] كذا في الأصل، ولعل المراد: (لا لفضل).
[6] في الأصل: (بن)، وهو تحريف.
[7] في الأصل: (ببيداء ولم).
[8] في الأصل: (أن)، ولعل المثبت هو الصواب.