المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

164-. حدَّثنا أبو اليَمانِ، قالَ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرَني عَطاءُ بنُ يَزِيدَ، عن حُمْرانَ مَوْلَىَ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ:

أَنَّهُ رَأَىَ عُثْمَانَ [1] دَعا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ علىَ يَدَيْهِ مِنْ إِنائِهِ فَغَسَلَهُما ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ في الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ [2] واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ [3] ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذا، وقالَ [4] : «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذا، ثُمَّ صَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فيهما _يعني نَفْسَهُ [5] _ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ [6] ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر والأصيلي زيادة: «بنَ عَفَّان».
[2] في رواية أبي ذر و [عط] : «ثم مَضْمَضَ».
[3] في رواية ابن عساكر: «كِلْتا رِجْلَيْهِ»، وفي رواية أبي ذر والحَمُّويي والمُستملي ورواية [عط] : «كُلَّ رجلَيه».
[4] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «ثم قال».
[5] لفظة: «يعني» ليست في رواية كريمة وابن عساكر والكُشْمِيْهَنِيِّ(ن، و) ، وهي ليست في متن (ب، ص) ، ولفظة: «نفسه» ليست في رواية ابن عساكر والكُشْمِيْهَنِيِّ.
[6] هكذا في رواية المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، ولغيرهما: «غُفِرَ لَهُ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

159- 160- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ) بضمِّ الهمزة، وفتح الواو، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ)؛ بسكون العَيْن، سبط عبد الرَّحمن بن عوفٍ، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ، الزُّهريِّ، (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ) التَّابعيَّ (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابن شهابٍ (أَنَّ) بفتح الهمزة، بتقدير الباء (حُمْرَانَ)؛ بضمِّ [1] الحاء المُهمَلَة وسكون الميم، وبالرَّاء، ابن أَبَان _بفتح الهمزة والمُوحَّدة المُخفَّفة_ ابن خالدٍ، (مَوْلَى عُثْمَانَ) بن عفَّان رضي الله عنه، المُتوفَّى سنة خمسٍ وسبعين، (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أنَّ [2] حُمْران أخبر عطاءً: (أَنَّهُ رَأَى)؛ أي: أبصر (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أميَّة، أمير المؤمنين، المُلقَّب بذي النُّورين، ولا نعلم أنَّ أحدًا أرخى سترًا على ابنتَي نبيٍّ غيره، قاله الحافظ الزَّين العراقيُّ، المستشهد يوم الدَّار يوم الجمعة لثمانِ عَشْرَةَ خلت من ذي الحجَّة سنة خمسٍ وثلاثين رضي الله عنه حال كونه قد (دَعَا بِإِنَاءٍ) فيه ماءٌ للوضوء، (فَأَفْرَغَ)؛ بفاء التَّفسير؛ أي: فصبَّ (عَلَى كَفَّيْهِ)؛ أي: إفراغًا (ثَلَاثَ مِرَارٍ) [3] ، والظَّاهر أنَّ المُرَاد: أفرغ على واحدةٍ بعد واحدةٍ [4] لا عليهما، وقد بيَّن في روايةٍ أخرى: ((أنَّه أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثمَّ غسلهما [5] ))، وقوله: «غسلهما» قدرٌ مشتركٌ بين كونه غسلهما مجموعتين أو متفرِّقتين، والذي جزم به في «الرَّوضة» من «زوائده»: أنَّ الكفَّين كالأُذنين، والصَّحيح في الأُذنين مسحهما معًا [6] ، فكذلك يغسل الكفَّين معًا، ويدلُّ عليه من هذا الحديث أنَّه قال: «فغسلهما [7] ثلاثًا»، ولو أراد التَّفريق؛ لقال: غسلهما ثلاثًا ثلاثًا، وفي رواية الأَصيليِّ وكريمة: ((ثلاث مرَّاتٍ))، (فَغَسَلَهُمَا)؛ أي: غسل كفَّيه قبل إدخالهما الإناء، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ)، فأخذ منه الماء وأدخله في فِيْهِ، (فَمَضْمَضَ)؛ بأنْ أدارَ الماءَ في [8] فيه، وفي رواية الأَصيليِّ: ((فتمضمض)) بالتَّاء بعد الفاء (وَاسْتَنْشَقَ)؛ بأنْ أَدْخَلَ الماء في أنفه، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((واستنثر))؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة، ثمَّ المُثلَّثة، بينهما نونٌ ساكنةٌ؛ أي: أخرج الماء من أنفه بعد [/ج1ص244/] الاستنشاق، وفي رواية أبي داودَ وابن المنذر: «فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا»، (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا)، وحدُّ الوجه: من قصاص الشَّعر إلى أسفل الذَّقن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضًا، وفيه: تأخير غسل الوجه عن السَّابق، كما دلَّ عليه العطف بـ: «ثمَّ» المقتضية للمُهْلة والتَّرتيب؛ احتياطًا للعبادة؛ لأنَّ اعتبار أوصاف الماء لونًا وطعمًا وريحًا يُدرَك بالبصر والفم والأنف، فظهر سرُّ تقديم المسنون على المفروض، (وَ) غسل (يَدَيْهِ) كلَّ واحدةٍ (إِلَى)؛ أي: مع (الْمِرْفَقَيْنِ)؛ بفتح الميم، وكسر الفاء، وبالعكس؛ لغتان مشهورتان، غسلًا [9] (ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ)، وسقط: ((ثمَّ)) لغير الأربعة، ولم يذكر عددًا للمسح كغيره، فاقتضى الاقتصار على مرَّةٍ واحدةٍ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد؛ لأنَّ المسح مبنيٌّ على التَّخفيف، فلا يُقَاس على الغسل؛ لأنَّ المُراد منه: المُبالَغَة في الإسباغ. نعم؛ روى أبو داودَ من وجهين صحَّح أحدَهما ابنُ خزيمةَ وغيره في [10] حديث عثمان: تثليث [11] مسح الرَّأس، والزِّيادة من العدل مقبولةٌ، وهو مذهب الشَّافعيِّ، كغيره من الأعضاء، وأُجِيب: بأنَّ رواية المسح مرَّةً إنَّما هي لبيان الجواز، (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) غسلًا (ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى)؛ أي: مع (الْكَعْبَيْنِ)؛ وهما العظمان المرتفعان عند مفصل [12] السَّاق والقدم، (ثُمَّ قَالَ) عثمان رضي الله عنه: (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا)؛ أي: مثله، لكن بين «نحو» و«مثل» فرقٌ؛ من حيثُ إنَّ لفظ: «مثل»، يقتضي المُساواة من كلِّ وجهٍ، إلَّافي الوجه الذي يقتضي التَّغاير بين الحقيقتين؛ بحيث يخرجان عن الوحدة، ولفظ: «نحو»، لا يقتضي ذلك، ولعلَّها استُعمِلت هنا بمعنى: «المثل» مجازًا، أو [13] لعلَّه لم يترك ممَّا يقتضي المثليَّة إلَّا ما لا يقدح في المقصود، قاله ابن دقيق العيد، قال البرماويُّ في «شرح العمدة»: وإنَّما حُمِلَ «نحو» على معنى «مثل» مجازًا، أو على جلِّ المقصود؛ لأنَّ الكيفيَّة المترتِّب عليها ثوابٌ مُعيَّنٌ باختلال شيءٍ منها يختلُّ الثَّواب المترتِّب [14] ، بخلاف ما يفعل لامتثال الأمر، مثل فعله صلى الله عليه وسلم، فإنَّه يُكتفَى فيه [15] بأصل الفعل الصَّادق عليه الأمر، انتهى. وقد وقع في بعض طرق الحديث بلفظ «مثل» كما عند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦6433] ، وكذا عند مسلمٍ، وهو معارضٌ لقول النَّوويِّ: إنَّما قال: «نحو وضوئي» ولم يقل: «مثل»؛ لأنَّ حقيقة مُماثَلته لا يقدر عليها غيره نعم؛ علمه عليه الصلاة والسلام بحقائق الأشياء وخفيَّات الأمور لا يعلمها [16] غيره، وحينئذٍ فيكون قول عثمان رضي الله عنه: «مثل» بمُقتضى الظَّاهر، (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) بشيءٍ من الدُّنيا، كما رواه الحكيم التِّرمذيُّ في كتاب «الصَّلاة» له، وحينئذٍ فلا يؤثِّر حديث نفسه في أمور الآخرة، أو يتفكَّر في معاني ما يتلوه من القرآن، وقد كان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يجهِّز جيشه في صلاته، لكن قال البرماويُّ في «شرح العمدة»: ينبغي تأويله؛ أي: لكونه لا تعلُّق له بالصَّلاة؛ إذِ السَّائغ إنَّما هو ما يتعلَّق بها من فهم المتلوِّ فيها أو غيره، كما قرَّره الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام، وقال في «الفتح»: المُراد: ما تسترسل النَّفس معه ويمكن المرء قطعه؛ لأنَّ قوله: «يحدِّث» يقتضي تكسُّباً منه، فأمَّا ما يهجم من الخَطَرات والوساوس ويتعذَّر دفعه؛ فذلك معفوٌّ عنه. نعم؛ هو بلا رَيْبٍ دون من سلم من الكلِّ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام إنَّما ضمن الغفران لمن راعى ذلك بمُجاهَدَة نفسه من [17] خطرات الشَّيطان ونفيها عنه، وتفرُّغ [18] قلبه، ولا رَيْبَ أنَّ المتجرِّدين عن شواغل الدُّنيا الذين غَلَبَ ذكرُ الله على قلوبهم يحصل لهم ذلك، ورُوِيَ عن سعدٍ رضي الله عنه أنَّه قال: «ما قمت في صلاةٍ فحدَّثتُ نفسي فيها بغيرها»، قال الزُّهريُّ رحمه الله: رحم الله سعدًا، إنْ كان لمَأمونًا على هذا، ما ظننت أن يكون هذا إلَّافي نبيٍّ، انتهى. وجواب الشَّرط في قوله: (غُفِرَ لَهُ)؛ بضمِّ الغَيْن، مبنيًّا للمفعول، وفي رواية ابن عساكر: ((غَفَرَ الله له)) (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر دون الكبائر، كما في «مسلمٍ» من [19] التَّصريح به، فالمُطلَق يُحمَل على المُقيَّد، وزاد ابن أبي شيبة: «وما تأخَّر»، ويأتي لفظه في باب «المضمضة» [خ¦164] بعون الله تعالى.

(وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ السَّابق أوَّل الباب [خ¦159] ، وهو معطوف على قوله: حدَّثني إبراهيم بن سعدٍ (قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، (وَلَكِنْ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام (يُحَدِّثُ عَنْ [/ج1ص245/] حُمْرَانَ)؛ هذا استدراكٌ من ابن شهابٍ؛ يعني: أنَّ شيخيه اختلفا في روايتهما له عن حُمْرَانَ عن عثمانَ رضي الله عنه، فحدَّثه به [20] عطاءٌ على صفةٍ، وعروة على صفةٍ، وليس ذلك اختلافًا، وإنَّما هما حديثان متغايران؛ فأمَّا صفة تحديث عطاءٍ؛ فتقدَّمت، وأمَّا صفة تحديث عروةَ عنه؛ فأشار إليها بقوله: (فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه، عطفٌ على محذوفٍ تقديره: عن حمران أنَّه رأى عثمان رضي الله عنه دعا بإناءٍ، فأفرغ على كفَّيه، إلى أن قال: فغسل رجليه إلى الكعبين، فلمَّا توضَّأ؛ (قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ)، وفي رواية الأربعة: ((لَأحدِّثنَّكم))؛ أي: والله لَأحدِّثنَّكم (حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ)، ولابن عساكر: ((لولا الآية [21] )) ثابتةٌ في كتاب الله تعالى؛ (مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ)؛ أي: ما كنت حريصًا على تحديثكم به، (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (يَقُولُ: لَا يَتَوَضَّأُ)، وفي روايةٍ: ((لا يتوضَّأنَّ)) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (رَجُلٌ يُحْسِنُ)، وفي رواية الأربعة: ((فيحسن)) (وُضُوءَهُ)؛ بأن يأتيَ به كاملًا بآدابه وسننه، والفاء بمعنى: «ثمَّ»؛ لأنَّ إحسان الوضوء ليس متأخِّرًا عن الوضوء حتَّى يُعطَف عليه بالفاء التَّعقيبيَّة، بل هي لبيان المرتبة [22] ؛ دلالةً على أنَّ الإجادة في الوضوء أفضلُ وأكملُ من الاقتصار [23] فيه على الواجب، (وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ) المفروضة (إِلَّا) رجلٌ (غُفِرَ لَهُ) بضمِّ الغَيْن، وكسر الفاء (مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ) «التي تليها»، كما في «مسلمٍ» من رواية هشام بن عروة؛ أي: مِنَ الصَّغائر، (حَتَّى يُصَلِّيَهَا)؛ أي: يفرغَ منها، فـ: «حتَّى»: غاية تحصيل [24] المُقدَّر في الظَّرف؛ إذِ الغفران لا غاية له، وقال في «الفتح»: حتَّى يصلِّيَها؛ أي: يشرع في الصَّلاة الثَّانية.

(قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا}) [البقرة: 159] ، ولابن عساكر: (({ما أنزلنا من البيِّنات}))، وفي روايةٍ: (({ما أنزلنا}... الآية))؛ أي: التي في سورة البقرة إلى قوله: {ويلعنهمُ اللَّاعنون} كما في «مسلمٍ»، وهذه الآية وإن كانت [25] في أهل الكتاب؛ فهي تحثُّ على التَّبليغ، ومن ثمَّ استُدِلَّ بها في هذا المقام؛ لأنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب على ما عُرِفَ في محلِّه، ثمَّ إنَّ ظاهر الحديث يقتضي أنَّ المغفرة لا تحصل بما ذُكِرَ من إحسان الوضوء، بل حتَّى تنضافَ إليه الصَّلاة، قال ابن دقيق العيد: الثَّواب الموعود به يترتَّب على مجموع الوضوء على النَّحوِ المذكور، وصلاة الرَّكعتين بعده به، والمترتِّب [26] على مجموع أمرين لا يترتَّب على أحدهما إلَّا بدليلٍ خارجٍ، وقد أدخل قومٌ هذا الحديث في فضل الوضوء، وعليهم في ذلك هذا السُّؤال، ويُجَاب: بأنَّ كون الشَّيء جزءًا فيما يترتَّب عليه الثَّوابُ العظيم كافٍ في كونه ذا فضلٍ، فيحصل المقصود من كون الحديث دليلًا على فضيلة الوضوء، ويظهر بذلك الفرق بين حصول الثَّواب المخصوص وحصول مُطلَق الثَّواب، فالثَّواب المخصوص يترتَّب على مجموع الوضوء على النَّحوِ المذكور، والصَّلاة الموصوفة وفضيلة [27] الوضوء قد تحصل [28] بما دون ذلك، انتهى. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الصَّحيح «إذا توضَّأ العبد؛ خرجت خطاياه...» الحديث [29] ، وفيه: أنَّ الخطايا تخرج مع [30] آخر الوضوء حتَّى يفرغ من الوضوء نقيًّا من الذُّنوب، وليس فيه ذكر الصَّلاة، وأُجِيب: بأنَّه [31] يُحمَل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أنَّ في روايةٍ لـ: «مسلمٍ» من حديث عثمان رضي الله عنه: «وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلةً»، وأُجِيب: باحتمال أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فَرُبَّ متوضِّىءٍ يحضره من الخشوع ما يستقلُّ وضوءه بالتَّكفير، وآخرُ عند تمام الصَّلاة، والله تعالى أعلم.

[1] في (د): «بفتح»، وليس بصحيحٍ.
[2] «أنَّ»: سقط من (م).
[3] في غير (ب) و(س): «مرَّات»، وسيأتي أنَّها للأَصيليِّ وكريمة.
[4] «بعد واحدةٍ»: سقط من (ص).
[5] في (م): «غسلها».
[6] «معاً»: سقط من (د).
[7] في (ص) و(م): «غسلها».
[8] «في»: سقط من غير (ب) و(س).
[9] «غسلاً»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[10] في (د): «من».
[11] في (د) و(ص): «بتثليث».
[12] في (ص): «منفصل».
[13] في (ص): «و».
[14] في (ص) و(م): «المرتَّب».
[15] في (ص): «به».
[16] في (س): «يعلمه».
[17] «من»: سقط من (د).
[18] في (د): «تفريغ».
[19] «من»: سقط من (د) و(م).
[20] «به»: سقط من (س).
[21] في (ب) و(س): «آية».
[22] في (ب) و(س): «الرُّتبة».
[23] في (ص) و(م): «التَّقصير».
[24] في (س): «يحصل»، وفي (م): «لحصل».
[25] زيد في (م): «نزلت».
[26] في (ص) و(م): «المُرتَّب».
[27] في (ص) و(م): «فضل».
[28] في (د): «يحصل».
[29] الحديث أخرجه مسلم (245)، وغيره.
[30] في غير (س): «من».
[31] في (ب) و(س): «بأن».





159- 160- (ثَلَاثَ مِرَارٍ): (مِرَارٍ) جمعُ كَثْرةٍ، وقد أُضيفَ إليه (ثَلَاثَ) مع إمكانِ الجمعِ بالألف والتَّاء، وهو من جموعِ القِلَّة، فـ (ثَلَاثَ مِرَارٍ) نظيرُ قولِه تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ؛ قاله ابنُ مالكٍ، وسيأتي بأطولَ من هذا [خ¦248] .

(لَأُحَدِّثَنَّكُمْ): اللَّامُ جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ.

(آيَةٌ): مبتدأٌ، وخبرُها واجبٌ حذفُه؛ أي: لولا آيةٌ ثابتةٌ في القرآن.

و (مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ): جوابُ (لَوْلَا)، واللَّامُ محذوفةٌ منه، ومعناه: لولا أنَّ اللهَ تعالى أوجبَ على مَنْ عَلِمَ علمًا إبلاغَه؛ لَمَا كُنْتُ حريصًا على تحديثِكُم.

(فَيُحْسِنُ): بالرَّفعِ.


159- 160- قوله: (عَنْ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم مرارًا أنَّه الزُّهريُّ محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب.

قوله: (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ): المِرفَق؛ بكسر الميم، وفتح الفاء، ويقال: بفتح الميم، وكسر الفاء، معروف [1] .

قوله: (لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ): اعلم أنَّ حديث النفس قسمان؛ ما يهجم عليها ويتعذَّر دفعه عنها، وما تسترسل معه النفس ويمكن قطعه، ويمكن أنْ يحمل الحديث عليه دون الأوَل؛ لعسر اعتباره، ولفظ الحديث: (لا يحدِّث) يشهد له؛ لأنَّه تكسُّب وتفعُّل؛ لأنَّ الخواطر ليست من جنس مقدور العبد، وهي معفوٌّ عنها، ويمكن حمل الحديث على النوعين معًا، وقال القاضي عياض عن بعضهم: (إنَّ ما كان عن [2] غير قصد يرجى أنْ تقبل معه [3] الصَّلاة، ويكون ذلك صلاة من لَمْ يحدِّث نفسه بشيءٍ؛ لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام إِنَّما ضمن الغفران لمراعي ذلك؛ لأنَّه قلَّ من تسلم صلاته من حديث النفس [4] ) ، وقال النوويُّ: (الصَّواب حصول هذه الفضيلة مع طرآن الخواطر العارضة غير المستقرَّة) .

تنبيه: حديث النفس يعمُّ الخواطر الدنيويَّة والأخرويَّة، والحديث محمول على المتعلِّق بالدنيا فقط، وقد جاء في حديث خارج الكتب: «لا يحدِّث نفسه بشيء من أمر الدنيا، ثمَّ دعا إلا استُجيب له»، وعزا شيخنا الشَّارح هذه الرِّواية للحكيم التِّرمذيِّ في (كتاب الصَّلاة) له، انتهى، [وقال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: (إنِّي لأجهز جيشي وأنا في الصَّلاة)] [5] ، وعزا حديث: «من صلَّى ركعتين لم يحدِّث نفسه بشيء من أمر الدنيا؛ غُفِر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» شيخُنا العراقيُّ إلى ابن أبي شيبة في «المصنَّف» من حديث [...] مرسلًا، ذكر ذلك في «تخريج أحاديث الإحياء»، وفي أوَّل «الإحياء»: «من توضَّأ، وأسبغ الوضوء، وصلَّى ركعتين لم يحدِّث نفسه بشيء من الدنيا [6] ؛ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه»، وفي لفظ آخر: «لَمْ يَسْهُ فيهما؛ غُفِر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، قال شيخنا العراقيُّ: ابن المبارك في (كتاب «الزُّهد والرَّقائق»: (باللَّفظين معًا...) إلى آخر كلامه.

تنبيه ثانٍ: المراد بالغفران: الصغائر دون الكبائر، فإنَّ الكبائر تكفَّر بالتوبة، وفضل الله واسع، وقد رأيت عن بعضهم: أنَّهما يُغفَران، وفيه نظر، والله أعلم.

قوله: (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ...) إلى آخره: هذا معطوف على السَّند قبله؛ يعني: وحدَّثني به عبد العزيز بن عَبْد الله الأُويسيُّ: حدثني إبراهيم -يعني: ابن سعد- عن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب، عن عروة، عن حمران [7] به، وليس هذا تعليقًا؛ فاعلمه.

[1] (معروف): ليس في (ج) .
[2] في (ب): (من) .
[3] في (ب): (منه) .
[4] زيد في (ب): (يعم الخواطر الدنيوية) .
[5] ما بين قوسين ليس في (ب) و (ج) .
[6] في (ب): (نفسه من أمر الدنيا) .
[7] في (ب): (عمران) .





159- 160- ( لَوْلاَ آيَةٌ ) بالياء، كَذَا في البُخَارِيِّ ولأكثر رواة مسلم، ولبعضهم بالنون، وعلى الأوَّل فالخبر محذوف وجوبًا، نحو: لولا زيد لأكرمتك، أي: لولا زيد موجود.

( لاَ يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ فَيُحْسِنُ ) بالرفع، ويروى: «يحسن» بإسقاط الفاء.


159- 160- ( حُمْرَانَ ): بضمِّ المهملة.

( وَاسْتَنْشَقَ ) للكُشْمِيهنيِّ بدله: «واستنثر».

( ثمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ) زاد أبو داود: «ثلاثًا».

( نَحْوَ وُضُوئِي ) لمسلم: «مثل وضوئي»، وهو من تصرُّف الرُّواة.

( لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ ) زاد الطَّبرانيُّ: «إلَّا بخير»، وللحكيم التِّرمذيِّ: «لا يحدِّث نفسه بشيء من أمور الدُّنيا»، قال النَّوويُّ: والمراد ما يسترسل معه، ويمكن المرء قطعه، فأمَّا ما يطرأ من الخواطر العارضة غير المستقرَّة فإنَّه لا يمنع حصول هذه الفضيلة. [/ج1ص310/]

( غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) زاد ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» والبزَّار: «وما تأخَّر»، ثمَّ الحديث مخصوص بالصَّغائر.

( وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ ) أي: ابن سعد، معطوف على قوله: «حدَّثني إبراهيم بن سعد».

( لَوْلاَ آيَةٌ ): بالياء، وصحَّف من جعلها بالنُّون المشدَّدة.

( فَيُحْسِنُ ): بالرَّفع.

( وَبَيْنَ الصَّلاَةِ )، زاد مسلم: «التي تليها».

( قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ } [البقرة:159] )، وقال مالك في «الموطَّأ»: الآية: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } [هود:114] ، وقول عروة أولى. [/ج1ص311/]


159- 160- - وبه قال: ((حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسي)) ؛ بضم الهمزة، وفتح الواو، وسكون المثناة التحتية، بالتصغير ((قال: حدثني)) بالإفراد ((إبراهيم بن سعد)) ؛[/ص119/] بسكون العين المهملة، سبط عبد الرحمن بن عوف، ((عن ابن شهاب)) : محمد بن مسلم الزهري: ((أنَّ عطاء)) بالمد ((بن يزيد)) : الليثي التابعي ((أخبره)) : جملة محلها الرفع خبر (أنَّ) ؛ أي: أخبر عطاءٌ ابنَ شهاب ((أنَّ)) ؛ بفتح الهمزة وتشديد النُّون؛ أي: بأنَّ، ((حُمْران)) -بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، وبالرَّاء- ابن أَبَان -بفتح الهمزة والموحدة المخففة- ابن خالد بن عبد عمرو، من سبي عين التمر، سباه خالد بن الوليد، فوجده غلامًا فطنًا فوجهه إلى عثمان، فأعتقه، وكان كاتبه وحاجبه، وولِّي نيسابور من الحجَّاج، ثم أغرمه الحجَّاج مئة ألف لأجل الولاية السابقة، ثم ردَّها عليه بشفاعة عبد الملك، وقوله: ((مولى عثمان)) ؛ أي: ابن عفان، جملة محلها النصب؛ لأنَّه صفة لـ (حُمرانَ) منصوب؛ لأنَّه اسم (أنَّ) ، ومنع من الصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنُّون، وحديث حُمران صحيح، توفي سنة خمس وسبعين ((أخبره)) ؛ أي: أخبر حمرانُ عطاءً: ((أنَّه)) ؛ أي: بأنَّه ((رأى)) أي: أبصر ((عثمان بن عفان)) : أمير المؤمنين ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمُّه أروى بنت عمة رسول الله عليه السلام، وهو أصغر من النبي عليه السلام، وسمي بذي النورين؛ لأنَّه تزوج بنتي سيد الكونين عليه السلام؛ رقية فماتت عنده ثم أم كلثوم، وقال النبي الأعظم عليه السلام له: «لو أنَّ لي أربعين ابنة؛ زوَّجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة، وما زوَّجته إلا بالوحي من الله عز وجل»، ولم يتفق لغيره أنَّه تزوج بنتَي نبي غيره، استُخلِف أول يوم من محرم سنة أربع وعشرين، وقُتِل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، قتله الأسود التُّجِيْبي؛ بضم الفوقية، وكسر الجيم، وسكون التحتية، والموحدة، المصري، ودفن بالبقيع ليلة السبت، وعمره اثنان وثمانون سنة، وصلى عليه حكيم بن حزام، أو جبير بن مطعم، أو المسور بن مخرمة، والأصح الأول، وكثرت الأموال في خلافته حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمئة ألف، ونخلة بألف درهم، وليس في الصحابة من اسمه عثمان بن عفان غيره رضي الله تعالى عنه.

وجملة ((دعا)) أي: عثمان ((بإناء)) ؛ أي: بظرف فيه الماء للوضوء؛ حال من عثمان بتقدير: (قد) كما في قوله تعالى: {أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] ، وفي رواية مسلم ورواية شعيب الآتية قريبًا: (دعا بوَضوء) ؛ بفتح الواو، اسم للماء المعدِّ للتوضؤ، ففيه: جواز الاستعانة بغيره في إحضار الماء وهو غير مكروه بالإجماع، ((فأفرغ)) الفاء تفسيرية؛ أي: صبَّ، يقال: فرِغ الماء _بالكسر_ إذا انصب، وأفرغته أنا؛ أي: صببته، وتفريغ الظروف: إخلاؤها ((على كفيه)) ؛ أي: واحدة بعد واحدة لا عليهما معًا، كما بيَّنتْه الرواية الأخرى، وهي أنَّه: (أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثمَّ غسلهما) ((ثلاث مرات)) ؛ بالفوقية آخره، وفي رواية: (ثلاثَ مرار) ؛ بالرَّاء آخره، وهو منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: إفراغًا ثلاث مرات، ((فغسلهما)) ؛ أي: كفيه إلى الرسغين.

والرسغ: منتهى الكف عند المفصل، وفي «الضياء»: الرسغ؛ بالغين المعجمة: مفصل الكف في الذراع والقدم في الساق، وأمَّا الكوع؛ فهو العظم الذي يلي الإبهام في رأس الزند، ويقابله الكرسوع؛ وهو العظم الذي يلي الخنصر من اليد في طرف الزند، والرسغ بينهما، والبوع؛ العظم الذي يلي إبهام الرجل، وقد نظم ذلك بعض الحذَّاق فقال:

~وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي لخنصره الكرسوع والرسغ ما وسط

~وعظم يلي إبهام رجل ملقب ببوع فخذ بالعلم واحذر من الغلط

وفي غسل اليدين ابتداءً ثلاثة أقوال: قيل: إنَّه فرض وتقديمه سنة، واختاره المحقق في «فتح القدير»، وقيل: إنَّه سنة تنوب عن الفرض، واختاره في «الكافي»، وقال شمس الأئمة السرخسي: إنَّه سنة لا تنوب عن الفرض؛ فيعيد غسلهما ظاهرهما وباطنهما، واستشكله في «الذخيرة»، وظاهر كلام الشرَّاح: أنَّ المذهب الأول.

قلت: والظاهر: أنَّه لا مخالفة بين الأقوال، فإنَّ القائل بالفرضيَّة أراد أنَّه يجزئ عن الفرض، وأن التقديم سنة، وهذا معنى القول: بأنَّه سنَّة تنوب عن الفرض، فالظاهر على هذين القولين: يسنُّ إعادة غسل اليدين عند غسل الذراعين؛ ليكون آتيًا بالفرض قصدًا، ولا ينوب الغسل الأول منابه من هذه الجهة، وإن ناب منابه من حيث إنَّه لو لم يعده؛ سقط الفرض، كما يسقط لو لم ينو أصلًا؛ فتأمل.

واختلف في أن غَسْلَهما قبل الاستنجاء أو بعده، فقيل: سنَّة قبله فقط، وقيل: بعده فقط، وقيل: قبله وبعده، وإليه ذهب الجمهور وصحَّحه الإمام قاضيخان، وصاحب «النهاية»، وحِكْمَته قبل الاستنجاء: المبالغة في اليدين لئلا يتشرب الجسد من النجاسة إذا لم يُغْسلا، وكيفية غسلهما: أنَّه إذا كان الإناء صغيرًا بحيث يمكن رفعه لا يدخل يده فيه، بل يرفعه بشماله ويصبُّه على كفه اليمنى ويغسلها ثلاثًا، ثم يأخذ الإناء بيمينه ويصبُّه على كفه اليسرى ويغسلها ثلاثًا، وإن كان الإناء كبيرًا لا يمكن رفعه، فإن كان معه إناء صغير يفعل كما ذكرنا، وإن لم يكن

[/ص120/] عنده إناء صغير؛ فيدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء، ويصبُّ على كفه اليمنى ثم يدخل اليمنى في الإناء ويغسل اليسرى، وعلَّله في «المحيط» بأنَّ الجمع بين اليدين في كل مرة غير مسنون.

وقوله: (غسلهما) قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين أو متفرقتين، وقال في «الحلية»: إنَّ الجمع سنة كما تفيده الأحاديث، والظَّاهر: أنَّ تقديم اليمنى على اليسرى؛ لأجل التيامن لا لما ذكره في «المحيط»، ثم قال في «الحلية»: وظاهر الأحاديث: الجمع بينهما، وأنَّه لا يستحبُّ التيامن هنا، كما في غسل الخدين، والمنخرين، ومسح الأذنين، والخفين إلا إذا تعذَّر ذلك؛ فحينئذٍ يقدِّم اليمنى منها، انتهى.

قلت: ويدل لذلك قوله: (فغسلهما ثلاثًا) ؛ لأنَّه لو أراد التفريق لقال: غسلهما ثلاثًا ثلاثًا، ولا يرد نقل البلَّة؛ لأنَّهما كالعضو الواحد، ولأنَّها جائزة هنا لظاهر الأحاديث؛ فتأمل.

ومحلُّ غسلهما قبل إدخالهما الإناء الذي فيه الماء، ولو لم يكن عقب النوم، وهو الأصح، كما في «النهر».

((ثم أدخل يمينه في الإناء)) أي: للاغتراف بها منه، ففيه: أنَّه يسنُّ الاغتراف باليمين، وفيه: دلالة على عدم اشتراط نية الاغتراف نفيًا وإثباتًا؛ لأنَّ الحدث قد ارتفع بالغسل الأول، حتى قال في «الخانية»: المحدِث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف وليس عليهما نجاسة؛ لا يفسد الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الحُب فأدخل يده إلى المرفق؛ لا يصير الماء مستعملًا، انتهى.

قلت: وإنَّما لم يصر الماء مستعملًا؛ لعدم النية، أمَّا لو نوى؛ صار الماء مستعملًا؛ لأنَّه ارتفع به الحدث، فالملاقى مستعمل؛ فافهم.

((فمضمض)) وللأصيلي: (فتمضمض) ؛ بفوقية بعد الفاء، وهو عطف على مقدَّر؛ أي: فأخذ الماء من الإناء وأدخله في فيه فمضمض، والفاء: تفصيحية، وهي لغة: التحريك، وعند الفقهاء: استيعاب الماء جميع الفم سواء مجَّه أو لا؛ لكن الأفضل أن يمجَّه؛ لأنَّه ماء مستعمل كما في «البحر»، وفي «فتح القدير»: لو شرب الماء عبًّا؛ أجزأه عن المضمضة، وإن مصًّا؛ لا يجزئه، فالمجُّ ليس بشرط على الأصحِّ، انتهى.

وقال القهستاني: (وهل يدخل إصبعه في فمه وأنفه؟ الأولى نعم) انتهى، وبه قال الإمام الزندوستي، كما في «المحيط»، وقال الصدر الشهيد: المبالغة في المضمضة بالغرغرة، والاستنشاق بمجاوزة المارن سنَّة لغير الصائم.

قلت: لا يقال: (لا فائدة فيه؛ لأنَّه استاك قبله) ، لأنَّا نقول: بل فيه فائدة وهو وجود أثر الطعام الذي لا يخرجه السواك أو يتحلَّل من أجزاء السواك شيء لا يخرجه إلا الإصبع، وأمَّا الأنف؛ فظاهر؛ لأنَّه يوجد فيه بعض وسخ لزج لا يخرجه الماء، بل الإصبع، والله أعلم.

((واستنشق)) ، وفي رواية: (واستنثر) ؛ بالمثلثة والرَّاء، بدل: (واستنشق) ، وثبتتا في رواية شعيب الآتية، قال ابن الأعرابي وابن قتيبة: الاستنثار: هو الاستنشاق، وقال النووي: الاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، قال: وهو الصواب، ويدلُّ عليه الرواية الأخرى: (استنشق واستنثر) ؛ فجمع بينهما، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّ الصواب ما قاله ابن الأعرابي: من أنهما بمعنًى، وقوله: (ويدل عليه...) إلخ، لا يدلُّ على ما ادَّعاه؛ لأنَّ المراد منالاستنثار في هذه الرواية: الامتخاط؛ وهو أن يمتخط بعد الاستنشاق.

وقال ابن سيدة: استنثر: إذا استنشق الماء ثم استخرجه بنَفَسِ الأنف، والنثرة: الخيشوم وما ولاه، وتنشق واستنشق الماء في أنفه: صبه فيه، انتهى، ومثله في «القاموس»، فالاستنثار يستلزم الاستنشاق من غير عكس فهو أخص لا أعم، خلافًا لما زعمه ابن حجر؛ فافهم.

قال في «عمدة القاري»: (وليس في طريق هذا الحديث تقييد المضمضة والاستنشاق بعدد غير طريق يونس عن الزهري فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان رضي الله عنه فإنَّ في أحدهما: «فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا»، وفي الأخرى: «ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا») انتهى.

قلت: والمضمضة والاستنشاق سنتان مشتملتان على سنن؛ منها: تقدم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع؛ لاتفاق الروايات على ذلك، ومنها: التثليث في حق كل واحد بالإجماع، وأخذ ماء جديد في التثليث سنَّة عندنا، وإزالة المخاط باليسرى، كما في «المعراج» وفي «المبسوط»، وفعلهما باليمين سنَّة، لكن في «المنية» أنه يستنشق باليسرى، والصحيح: أنَّه يستنشق بيمينه ويستنثر بيساره، كما في «شرح النقاية» للعلامة المنلا علي القاري.

((ثم غسل وجهه ثلاثًا)) ؛ بالنصب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: غسلًا ثلاث مرات، والوجه حدُّه: طولًا من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وعرضًا ما بين شحمتي الأذنين، وعطف بكلمة (ثم) ؛ لأنَّها تقتضي الترتيب والمهلة، كما في «عمدة القاري».

قلت: والترتيب والمهلة في كل شيء بحسبه، فلا حاجة أن يقال: إنَّ (ثمَّ) ؛ بمعنى الفاء؛ فافهم.

والحكمة في تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق: اعتبار أوصاف الماء؛ لأنَّ اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فيقدَّم الأقوى منها، وهو الطعم، ثم الريح، ثم اللون، وهذا شامل لتخليل اللحية، وقد دلَّ عليه ما رواه الطبراني وأبي داود عن أنس قال: (وضأتُ النبيَّ عليه السلام فتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، وخلَّل لحيته مرتين أو ثلاثًا) ، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فافهم.

((و)) غسل ((يديه)) كل واحدة ((إلى)) أي: مع ((المَرفِقين)) ؛ بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس لغتان مشهورتان ((ثلاث مرار)) ؛ بتكرار الرَّاء، وقد جاء ذلك مبيَّنًا في كتاب (الصوم) وعند مسلم، وفيهما تقديم اليمنى على اليسرى، والتعبير في كلٍّ منهما بكلمة (ثمَّ) ، وكذا في (الرجلين) أيضًا، والمرفق: موصل الذراع في العضد، واختلف في وجوب إدخال المرفقين في الغسل على قولين؛ فذهبت الأئمة الأربعة والجمهور: إلى الوجوب، وذهب الإمام زفر وأبو بكر بن داود: إلى عدم الوجوب، ورواه أشهب عن مالك، ومنشأ الخلاف من كلمة (إلى) ، كما سبق الكلام عليه.

تتمة: المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء _كما ذكرنا_ فرضان في الغسل، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وسفيان الثوري، وقال عطاء، وابن أبي ليلى، وحماد، والزهري: المضمضة في الوضوء فرض فلو تركها؛ يعيد الوضوء.

وقال أحمد وأبو عبيد وأبو ثور: الاستنشاق في الوضوء فرض، فلو تركها؛ أعاده، والمضمضة ليست بفرض، قال ابن المنذر: وبقول أحمد أقول، وقال ابن حزم: هذا هو الحق؛ لأنَّ المضمضة ليست فرضًا، وإن تركها؛ فوضوؤه تامٌّ عامدًا أو ناسيًا؛ لأنَّه لم يصحَّ عنه عليه السلام فيها أمر، وإنَّما هي فعل، وأفعاله ليست فرضًا.

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ الأمر بالمضمضة صحيح على شرطه، أخرجه أبو داود من حديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه مرفوعًا: «إذا توضأت؛ فمضمض»، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، وقال البغوي: صحيح، وصحَّح إسناده الطبري والدولابي، وقال الحاكم: (صحيح ولم يخرِّجاه، وله شاهد من حديث ابن عباس) انتهى، وفيه نظر؛ لأنَّهما لم يشترطا ما ذكره؛ لذكرهما في كتابيهما أحاديث جماعة بهذه المثابة، ولئن سلَّمنا قوله؛ كان لقيط هذا خارجًا عمَّا ذكره؛ لرواية جماعة عنه، وأمَّا حديث ابن عباس؛ فذكره أبو نعيم الأصبهاني من حديث الربيع بن بدر، عن ابن جريج، عن عطاء، عنه يرفعه: «مضمضوا واستنشقوا»، وقال حديث غريب، وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة عنه عليه السلام: (أنَّه أمر بالمضمضة والاستنشاق) ، وصحِّح إسناده.

وأخرج من[/ص121/] حديث عائشة ترفعه: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بدَّ منه»، وعند الدارقطني مرفوعًا: «من توضَّأ؛ فليمضمض»، وتمامه في «عمدة القاري».

وما قدَّمناه: من أنَّه يسنُّ التثليث في حقِّ كلِّ واحد منهما، فيفصل بينهما بغرفتين؛ يتمضمض بثلاث وكذا يستنشَّق بثلاث، ودليله: ما رواه الترمذي عن أبي حيَّة قال: رأيت عليًّا الصدِّيق الأصغر توضَّأ فغسل كفَّيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرَّة، ثمَّ غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: (أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله عليه السلام) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومدلوله ظاهر؛ وهو أنه يتمضمض ثلاثًا؛ يأخذ لكلِّ مرَّة ماء جديدًا، ثم يستنشق كذلك، وهو رواية البويطي عن الشافعي، وفي رواية غيره: أنَّه يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يغرف ثالثة كذلك، فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق، واختلف نصه في الكيفيتين، فنصَّ في «الأمِّ»: أنَّ الجمع أفضل، ونصَّ البويطي: أنَّ الفصل أفضل، ووجه الفصل _كما هو مذهبنا_ ما رواه الطبراني عن كعب بن عمرو اليمامي: (أنَّه عليه السلام توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، فأخذ لكلِّ واحدة ماءً جديدًا) ، وكذا رواه أبو داود في «سننه» وسكت عنه، وهو دليل رضاه بالصحَّة.

وما روي في الأحاديث: أنَّه تمضمض واستنشق من كفٍّ واحد، فيحتمل أنَّه تمضمض واستنشق بكفٍّ واحدٍ بماءٍ واحد، ويحتمل أنَّه فعل ذلك بكف واحد بمياه، والمحتمل لا تقوم به صحة، أو يُرَدُّ هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه؛ توفيقًا بين الدليلين، وقد يقال: إنَّ المراد استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين كما في الوجه، وقد يقال: إنَّه فعلهما باليد اليمنى ردًّا على من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأنَّ الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، كذا في «المبسوط»، وقد يقال: إنَّ كل ما روي من ذلك في هذا الباب فهو محمول على الجواز، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((ثم مسح برأسه)) ، وسقط: (ثم) في رواية، وكذا الموحَّدة في روايتي مسلم والمؤلف في (الصوم) ؛ فيفيد استيعاب المسح للرأس، بخلافه مع الباء الموحدة، ومذهب الإمام الأعظم: أن فرض المسح ربع الرأس، وقال مالك وأحمد: جميع الرأس، وقال الشافعي: بعضه؛ وهو يطلق بشعرة، وأمَّا المسنون في مسحه؛ فظاهر الحديث يدلُّ على استيعاب الرأس بالمسح مرة واحدة؛ لأنَّه لم يوجد شيء من طرقه في «الصحيحين» ذِكْرُ عدد للمسح؛ فيقتصر فيه على مرة واحدة، وبه قال الإمام الأعظم، ومالك، وأحمد، والجمهور.

وقال الشافعي: المسنون تثليث مسحه كغيره من الأعضاء؛ لظاهر رواية مسلم: أنَّه عليه السلام توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا.

وأجيب: بأنَّه مجمل وقد تبيَّن في الروايات الصحيحة أنَّ المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب أو يُخصُّ بالمغسول، قال أبو داود في «السنن»: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، وكذا قال ابن المنذر: إنَّ الثابت عنه عليه السلام في المسح مرة واحدة، وبأن المسح مبني على التخفيف؛ فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأنَّ العدد لو اعتبر في المسح؛ لصار في صورة الغسل؛ لأنَّ حقيقة الغسل جريان الماء.

وبالغ أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال: لا نعلم أحدًا من السلف استحبَّ تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التيمي، قال في «عمدة القاري»: وفيه نظر؛ لأنَّ ابن أبي شيبة حكى ذلك عن أنس، وابن جبير، وعطاء، وميسرة؛ أنهم كانوا إذا توضَّؤوا؛ مسحوا رؤوسهم ثلاثًا، وفي «سنن أبي داود» بسند صحيح عن حُمران وفيه: (ومسح رأسه ثلاثًا) ، وفيه أيضًا من حديث علي رفعه: (ومسح برأسه ثلاثًا) ، وسنده صحيح.

وفي «سنن الدارقطني»: عن عمر ووصف وضوء النبي عليه السلام وقال: (ومسح برأسه ثلاثًا) ، وروى الدارقطني في «سننه» أيضًا: عن محمد بن محمود الواسطي، عن شعيب بن أيوب، عن أبي يحيى الحماني، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي: (أنَّه توضَّأ...) الحديث، وفيه: (ومسح برأسه ثلاثًا) ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة بن خالد، وخالفه بعض الحفاظ فرووه عن خالد بن علقمة فقالوا فيه: (ومسح رأسه مرة واحدة) ، ومع خلافه إياهم قال: إنَّ السنة مسح الرأس مرة واحدة.

وأجيب: بأنَّ الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما من مثل الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وسيدهم.

وأمَّا قوله: (فقد خالف في حكم المسح) ؛ فخطأ غير صحيح؛ لأنَّ تكرار المسح ثلاثًا مسنون عند الإمام الأعظم وأصحابه، وكتب مذهبه طافحة بذلك، ولكن بماء واحد؛ لظاهر الأحاديث التي ذكرناها.

وأما كيفية المسح؛ فعند النسائي من حديث عبد الله بن زيد: (ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه) ، وعند الطبراني: (بدأ بمؤخر رأسه، ثمَّ جرَّه إلى قفاه، ثم جرَّه إلى مؤخره) ، وعند أبي داود: (بدأ بمؤخره، ثم بمقدمه، وبأذنيه كليهما) ، وعند أبي داود عن أنس: (أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه) ، وفي كتاب ابن السكن: (فمسح باطن لحيته وقفاه) ، وفي «سنن أبي داود»: عن ابن عباس وصف وضوء علي بن أبي طالب قال: (وأخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبها على ناصيته، فتركها تستن على وجهه) ، وفيه من حديث معاوية مرفوعًا: (فلما بلغ رأسه؛ غرف غرفة من ماء، فتلقَّاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كان يقطر) ، وبهذا يُرَدُّ على من قال: لو كرَّر المسح؛ لصار غسلًا؛ فخرج عن وظيفة المسح، ويردُّ أيضًا بأنَّ المسح ثلاثًا بماء واحد لايسع أحدًا أن يقول: إنَّه يصير غسلًا، أمَّا لو كرَّره ثلاثًا بمياه ثلاثة _كما يقول الشافعي_؛ فلا ريب أنَّه يصير غسلًا، ويخرج عن وظيفة المسح، ولأنه لم يوجد في الأحاديث أنه كرر بمياه ثلاثة، ولا شكَّ أنه إسراف منهي عنه؛ فليحفظ.

((ثم غسل رجليه)) غسلًا ((ثلاثَ مرار)) ؛ بتكرار الرَّاء، فهو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: غسلًا ثلاث مرار ((إلى)) أي: مع ((الكعبين)) ؛ وهما العظمان المرتفعان عند آخر مفصل الساق والقدم.

وفي الحديث: الترتيب بين المسنون والمفروض؛ وهما المضمضة وغسل الوجه، فيفيد أن الترتيب سنة، وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه، ويدلُّ لذلك الآية المعهودة؛ كما مر الكلام عليه، ومذهب مالك: أن الترتيب في المفروض دون المسنون واجب، والمشهور عنه أنَّه سنة، ومذهب الشافعي: وجوبه، وقال المزني من أصحابه: إنَّه غير واجب، واختاره ابن المنذر، وحكاه البغوي عن أكثر المشايخ؛ فليحفظ.

((ثم قال)) أي: عثمان رضي الله عنه: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من)) موصولة فيها معنى الشرط في محل رفع على الابتداء، وقوله: ((توضأ)) جملة وقعت صلة للموصول ((نحوَ وضوء)) كلام إضافي منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: من توضأ وضوءًا نحو وضوء، ((هذا)) ، والإشارة إلى وضوئه ثلاثًا ثلاثًا، ولفظ: (نحو) ؛ بمعنى: مقارب، لا مماثل.

قال النووي: وإنما قال: نحو وضوء، ولم يقل: مثل؛ لأنَّ حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، انتهى، وفيه نظر؛ لأنَّ المثلية ثبت التعبير بها في رواية للمؤلف في (الرقاق) ، ولفظها: (من توضأ مثل هذا الوضوء) ، وعند مسلم: (من توضأ مثل وضوئي هذا) ، وكلُّ واحد من لفظة: (نحو) و (مثل)

[/ص122/] من أداة التشبيه، والتشبيه لا عموم له سواء قال: نحو وضوئي أو مثل وضوئي، فلا يلزم ما ذكره النووي، وحينئذٍ فلا فرق في التعبير بين (نحو) و (مثل) .

وقول ابن حجر: (فالتعبير بـ«نحو» من تصرف الرواة؛ لأنَّها تطلق على المثلية مجازًا) ؛ ليس بشيء؛ لأنَّه قد ثبت في اللغة مجيء (نحو) بمعنى: مثل، يقال: هذا نحو ذلك؛ أي: مثله؛ فافهم، ذكره في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((ثم صلى ركعتين)) : قبل جفافه، ولو صلى عقبه فريضة؛ حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك، كما في «شرح المشكاة»، ومحل هذه الصلاة في كل وقت إلا الأوقات المنهية من طلوع الشمس إلى أن ترتفع، وعند استوائها إلى أن تزول، وعند اصفرارها إلى أن تغرب، وقال مالك: ليست هذه الصلاة من السنن، والحديث حجة عليه، والله أعلم.

((لا يحدِّث فيهما)) أي: في الركعتين ((نفسه)) ، وحديث النفس قسمان: ما يهجم عليها ويتعذر دفعه [1] ، وما يسترسل معها ويمكن قطعه، فيحمل الحديث عليه دون الأول؛ لعسر اعتباره.

وقوله: (يحدث) من باب التفعيل، وهو يقتضي التكسُّب من أحاديث النفس، ودفع هذا ممكن، وأمَّا ما يهجم من الخواطر والوساوس؛ فإنَّه يتعذر دفعه؛ فيُعفَى عنه، ونقل عياض: أن المراد: من لم يحصل له حديث النفس أصلًا ورأسًا، وتعقَّبه النووي فقال: حصول هذه الفضيلة مع طرآن الخواطر العارضة غير المستقرة، نعم؛ من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلًا أعلى درجة بلا ريب، ثم حديث النفس يعمُّ الخواطر الدنيوية والأخروية، والحديث محمول على المعلَّق بالدنيا فقط؛ لما جاء في رواية في هذا الحديث ذكره الحكيم الترمذي في (الصلاة) بلفظ: «لا يحدِّث فيهما نفسه بشيء من الدنيا ثم دعا؛ إلا استجيب له»، انتهى، فإذا حدَّث نفسه فيما يتعلق بأمور الآخرة كالفكر في معاني المتلوِّ من القرآن، والمذكور من الدعوات والأذكار، أو في أمر محمود، أو مندوب إليه؛ فلا يضره ذلك، وقد ورد عن عمر بن الخطاب أنَّه قال: (لأجهِّز الجيش وأنا في الصلاة) ، كذا في «عمدة القاري».

وفي هذا دليل واضح على أن الخشوع في الصلاة وغيرها غير شرط للصحة، بل هو مندوب ولا يسعنا غيره، خلافًا لمن زعم أنَّه شرط؛ فليحفظ.

وجواب الشرط قوله: ((غُفِر له)) ؛ بضم الغين المعجمة بالبناء للمفعول، وفي رواية: (غفر الله له) ، والجملة محلُّها رفع على الخبرية ((ما تقدم)) : في محل رفع؛ لأنَّه مفعول ناب عن الفاعل ((مِن)) : للبيان ((ذنبه)) ؛ يعني: من الصغائر دون الكبائر، كذا هو مبيَّن في «مسلم»، وظاهر الحديث يعم جميع الذنوب، ولكنَّه خصَّ بالصغائر؛ لوروده مقيَّدًا باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية، وأمَّا الكبائر؛ فإنَّما تُكفَّر بالتوبة، وكذلك مظالم العباد.

فإن قيل: حديث عثمان رضي الله عنه الآخر الذي فيه: «خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» مرتَّب على الوضوء وحده، فلو لم يكن المراد بما تقدم من ذنبه من هذا الحديث العموم والصغائر في ذلك؛ لكان الشيء مع غيره كالشيء لا مع غيره، فإنَّ فيه الوضوء والصلاة، وفي الأول الوضوء وحده وذلك لا يجوز.

وأجيب: بأن قوله: (خرجت خطاياه) لا يدل على خروج جميع ما تقدم له من الخطايا، فيكون بالنسبة إلى يومه أو إلى وقت دون وقت، وأمَّا قوله: (ما تقدم من ذنبه) ؛ هو عام بمعناه وليس له بعض متيقن؛ كالثلاثة في الجمع؛ أعني: الخطايا، فيحمل على العموم في الصغائر.

وقال ابن حجر: وهو في حقِّ من له صغائر وكبائر، ومن ليس له إلا صغائر؛ كُفِّرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر؛ خُفِّف عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن [ليس] له صغائر ولا كبائر له؛ يزاد في حسناته بنظير ذلك.

ورده في «عمدة القاري»: (بأن الأقسام الثلاثة الأخيرة غير صحيحة، أما الذي ليس له إلا صغائر؛ فله كبائر أيضًا؛ لأنَّ كل صغيرة تحتها صغيرة فهي كبيرة، وأمَّا الذي ليس له إلا كبائر؛ فله صغائر؛ لأنَّ كل كبيرة تحتها صغيرة، وإلا؛ لا تكون كبيرة، وأمَّا الذي ليس له [2] صغائر؛ فله كبائر أيضًا؛ لأنَّ ما فوق الصغيرة التي ليس تحتها صغيرة؛ فهي كبائر؛ فافهم) انتهى كلامه، وتمامه مبسوط في «كشف الحجاب عن العوام».

ثم قال في «عمدة القاري»: (والثواب الموعود به مرتب على أمرين؛ الأول: وضوءُه على النحو المذكور، والثاني: صلاته ركعتين عقيبه بالوصف المذكور في الحديث، والمرتَّب على مجموع أمرين لا يلزم ترتُّبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه، فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب، لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور) انتهى، والله أعلم.

((وعن إبراهيم)) ؛ أي: ابن سعد السابق، فهو معطوف على قوله: (حدثني إبراهيم) ، فهو موصول وليس بتعليق، كما زعم مغلطاي، والكرماني، وغيرهما، فقد أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بالإسنادين معًا وإن كانا جميعًا عند يعقوب؛ فلا مانع أن يكون عند الأويسي، ثم وجدت الحديث الثاني عند أبي عوانة في «صحيحه» من حديث الأويسي المذكور، قاله ابن حجر.

واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه لا يلزم من إخراج مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن سعد موصولًا أن يكون كذلك عند المؤلف، غاية ما في الباب أنَّه يحتمل أن يكون معقَّبًا بحديث إبراهيم الأول؛ فيكون موصولًا، وبمجرَّد الاحتمال لا يتعيَّن نفي كونه معلقًا، والحال: أنَّ صورته صورة التعليق وإليه أقرب، وكذا لا يلزم من كونه عند أبي عوانة من حديث الأويسي أن يكون موصولًا عند المؤلف؛ لاحتمال عدم السماع منه، كما لا يخفى، وتمامه فيه؛ فليحفظ.

((قال: قال صالح بن كَيْسان)) ؛ بفتح الكاف وسكون المثناة التحتية، ((قال ابن شهاب)) : محمد بن مسلم الزهري، فإبراهيم هنا يروي عن ابن شهاب بالواسطة؛ وهو صالح، وروى عنه في أول الباب بلا واسطة ((ولكن عروة)) أي: ابن الزبير بن العوام ((يحدث عن حُمْرَان)) ؛ بضم الحاء المهملة، وهذا استدراك من ابن شهاب، وأشار إلى أنَّ شيخَي ابن شهاب في هذا الحديث؛ وهما عطاء بن يزيد وعروة بن الزبير اختلفا في روايتهما عن حُمران عن عثمان بن عفان؛ فحدَّث به عطاء على وجه، وعروة على وجه، وليس ذلك باختلاف؛ لأنَّهما حديثان متغايران، وقد رواهما معًا عن حُمران معاذ بن عبد الرحمن، فأخرج المؤلف من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم من طريقه نحو سياق عروة، وأخرجه أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه، كذا في «عمدة القاري».

وقال القسطلاني: فأمَّا صفة تحديث عطاء؛ فتقدَّمت، وأمَّا صفة تحديث عروة؛ فأشار إليها بقوله: ((قال: فلما توضأ عثمان)) رضي الله عنه، وسقط في رواية لفظة: (قال) ، وهذا عطف على محذوف؛ تقديره: عن حمران أنَّه رأى عثمان دعا بإناء؛ فأفرغ على كفيه إلى أن قال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين، فلمَّا توضَّأ؛ ((قال: ألا)) بفتح الهمزة، للتنبيه ((أحدِّثكم)) ، وفي رواية الأربعة: (لأحدثَّنكم) : جواب قسم محذوف؛ أي: والله لأحدثنَّكم ((حديثًا)) ؛ بالنصب على أنه مفعول ثان لـ (أحدثنكم) ((لولا)) ؛ لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد؛ لأكرمتك؛ أي: لولا زيد موجود؛ لأكرمتك ((آيةٌ)) : مبتدأ وخبره محذوف هنا وجوبًا؛ والتقدير: لولا آية ثابتة، وفي «مسلم»: (لولا آية في كتاب الله) ، وقال القاضي عياض: (لولا آية) : هكذا

[/ص123/] هو بالمدِّ والياء المثناة التحتية، ورواه الباجي: (لولا أنَّه) ؛ بالنُّون؛ يعني: لولا أنَّ معنى ما أحدثكم به في كتاب الله؛ ما حدثتكم، وفي «المطالع»: قول عثمان: (لولا أنَّه في كتاب الله) ؛ بالنُّونفيرواية يحيى، وجماعة معه، وكذا لابن ماهان في «مسلم»، وعند ابن مصعب، وابن وهب، وآخرين من رواية «الموطأ»: (لولا آية) ، وهي رواية الجلودي في «مسلم»، وبهذا ظهر بطلان قول ابن حجر: صحَّف بعض رواته (آية) ، فجعلها (أنَّه) ؛ بالنُّون المشددة، وبهاء الشأن؛ فافهم.

وقوله: ((ما حدثتكموه)) : جواب (لولا) ، واللام محذوفة منه؛ ومعناه: لولا أنَّ الله تعالى أوجب على من علم علمًا إبلاغه؛ لما [3] كنت حريصًا على تحديثكم، ولما كنت مكترثًا [4] بتحديثكم، ((سمعت النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) حال كونه ((يقول)) فالجملة محلها نصب على الحال: ((لا يتوضأ)) ، وفي رواية: ((لايتوضَّأنَّ)) ؛ بنون التوكيد الثقيلة ((رجل)) ومثله المرأة ((فيحسن)) ، وفي رواية: بدون الفاء؛ أي: يحسن ((وضوءه)) ؛ من الإحسان، ومعنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامًّا بصفته، وآدابه، وتكميل سننه، وهو بالرفع عطف على قوله: (لا يتوضأ) ، وكلمة الفاء هنا؛ بمعنى (ثم) ؛ لأنَّ إحسان الوضوء ليس متأخِّرًا عن الوضوء حتى يعطف عليه بالفاء التعقيبية، وإنَّما موقعها موقع (ثم) التي هي لبيان المرتبة وشرفها، دلالة على أن الإحسان في الوضوء والإجادة فيه من محافظة السنن ومراعاة الآداب أفضل من أداء ما وجب مطلقًا، ولا شك أن الوضوء المحسنَ فيه أعلى رتبة من الغير المحسنِ فيه؛ فليحفظ.

((ويصلي الصلاة)) ؛ أي: المكتوبة، وفي رواية لمسلم: (فيصلي هذه الصلوات الخمس) ((إلا غُفِر)) ؛ بضم الغين المعجمة، مبني للمفعول ((له)) ؛ أي: لا يتوضأ رجل إلا رجل غفر له، فالمستثنى محذوف؛ لأنَّ الفعل لا يقع مستثنى، أو التقدير: لا يتوضَّأ رجل في حال إلا في حال المغفرة، فيكون الاستثناء من أعمِّ عام الأحوال ((ما بينه وبين الصلاة)) ؛ أي: التي تليها، كما صرَّح به مسلم في رواية هشام بن عروة ((حتى يصليها)) ؛ أي: يفرغ منها، ولفظة: (حتى) غاية لحصول [5] المقدَّر العامل في الظرف؛ لأنَّ الغفران لا غاية له، وقال ابن حجر: (معناه: أن يشرع في الصلاة الثانية) ، وردَّه في «عمدة القاري»؛ حيث قال: وهذا معنى فاسد؛ لأنَّ قوله: «ما بينه وبين الصلاة»: يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ منها، ولمَّا كان المراد الفراغ منها؛ أشار عليه بقوله: «حتى يصليها»، ولهذا لم يكتف بقوله: «بين الصلاة»؛ لأنَّه لا يغني عن ذكر «حتى يصليها»؛ لما ذكرنا، انتهى، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام»، ثم قال في «عمدة القاري»: (والمراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر، كما سبق، وجاء في «مسلم»: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها؛ إلا كانت كفَّارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة»، وفي الحديث الآخر: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّرات لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر»، لا يقال: إذا كفَّر الوضوء؛ فماذا تكفِّر الصلاة؟! وإذا كفَّرت الصلاة؛ فماذا تكفِّر الجمعات ورمضان؟! وكذا صيام عرفة يكفِّر سنتين، ويوم عاشوراء كفَّارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأنَّا نقول: المراد: أنَّ كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفِّره من الصغائر؛ كفَّره، وإن لم يصادف صغيرة؛ رجي أن يخفف من الكبائر، والله تعالى أعلم.

((قال عروة: الآية)) : هي قوله تعالى: (({إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا})) ، زاد في رواية: ({مِنَ البَيِّنَاتِ}) ، وفي رواية: ({مَا أَنزَلْنَا..}...؛ الآية) ؛ أي: التي في سورة (البقرة) إلى قوله: {...اللَّاعِنُونَ}، كما صرَّح به مسلم، وقد روى مالك في «الموطأ» هذا الحديث عن هشام بن عروة، ولم يقع في روايته تعيين الآية، فقال من نفسه: [6] أراه يريد: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] ، والصواب: قول عروة؛ يعني: لئلَّا يتكل الناس، فكيف بالنهي عن الكتمان أوجب عليه الحديث؛ مخافة الكتمان؟! والآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب، ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فدخل فيها كل من علَّم علمًا تعبَّد اللهُ العبادَ بمعرفته، ولزمه من تبليغه ما لزم أهل الكتاب منه، ففيه: أن الفرض على العالم تبليغ ما عنده من العلم؛ لأنَّ الله تعالى قد توعَّد الذين يكتمون ما أنزل الله باللعنة، وظاهر الحديث: يدل على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوصف المذكور وإحسانه والصلاة، وفي «الصحيح» من حديث أبي هريرة: «إذا توضأ العبد المسلم؛ خرجت خطاياه»، ففيه: أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيًّا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة؛ فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أنَّ في رواية لمسلم في حديث عثمان: «وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة»، ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء، وآخر عند تمام الوضوء، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (دفعها)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] زيد في الأصل: (إلا)، ولعل حذفها هو الصواب
[3] في الأصل: (كما) .
[4] في الأصل: (متكثرًا)، ولعله تحريف عن المثبت.
[5] في الأصل: (لحصل) .
[6] في الأصل: .