المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

1762-. حدَّثنا أَبُو النُّعْمانِ: حدَّثنا أَبُو عَوانَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْراهِيمَ، عن الأَسْوَدِ:

عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قالَتْ: خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا نُرَىَ إِلَّا الحَجَّ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطافَ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ، وَكانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَطافَ [1] مَنْ كانَ مَعَهُ مِنْ نِسائِهِ وَأَصْحابِهِ، وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الهَدْيُ، فَحاضَتْ هِيَ، فَنَسَكْنا مَناسِكَنا مِنْ حَجِّنا، فَلَمَّا كانَ لَيْلَةُ [2] الحَصْبَةِ [3] لَيْلَةُ [4] النَّفْرِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ أَصْحابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ غَيْرِي؟! قالَ: «ما كُنْتِ تَطُوفِي [5] بِالبَيْتِ لَيالِيَ قَدِمْنا؟» قُلْتُ: لا. قالَ: «فاخْرُجِي مَعَ أَخِيكِ إلى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، وَمَوْعِدُكِ مَكانَ كَذا وَكَذا». فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَحاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَقْرَىَ حَلْقَىَ؛ إِنَّكِ لَحابِسَتُنا؟! أَما كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قالَتْ: بَلَىَ، قالَ: «فَلا بَأسَ، انْفِرِي». فَلَقِيتُهُ مُصْعِدًا علىَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنا مُنْهَبِطَةٌ، أَوْ أَنا [6] مُصْعِدَةٌ، وهو مُنْهَبِطٌ.

وَقالَ [7] مُسَدَّدٌ: قُلْتُ: لا.

تابَعَهُ [8] جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ: لا [9] .

الأطراف



[1] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وطاف».
[2] في رواية أبي ذر: «لَيْلَةَ» بالنصب.
[3] في رواية أبي ذر والحَمُّويي والمُستملي: «الحَصْباءِ».
[4] في رواية أبي ذر: «لَيْلَةَ» بالنصب.
[5] في رواية ابن عساكر وأبي ذر: «تَطُوفِينَ».
[6] لفظة: «أنا» ليست في رواية ابن عساكر، والذي في (ص) أن همزة «أو» ليست في روايته. وهو موافق لما في السلطانية.
[7] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[8] في رواية أبي ذر: «وتابَعَهُ». كتبت بالحمرة.
[9] قوله: «وقال مُسَدَّد» إلىَ قوله: «في قوله: لا» ليس في نسخة. وأشار في الفتح إلى أنَّه ليس في رواية أبي ذر.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1762- ( فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ لَيْلَةُ النَّفْرِ ) أي: من منى إلى مكة برفعهما، الأولى اسم «كان»، والثانية بدل منها، أو خبر مبتدأ، أي: هي ليلة النفر، وجوز رفع الأولى ونصب الثانية وعكسه.

( عَقْرَى حَلْقَى ) سبق ضبطه أوائل الباب [خ¦1561] ، وفيه توبيخ الرجل أهله على ما يدخل على الناس بسببها كما وبخ الصديق عائشة في قضية العِقْد.

( و أَنَا مُصْعِدَةٌ ) أصعد لغة في صعد.


1762# (فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ لَيْلَةُ النَّفْرِ) أي: من [1] منى إلى مكة، برفعهما جميعاً على أن ((كان)) تامة، و((ليلةُ الحصبة)) فاعلُها، و((ليلةُ النفر)) بدل، أو خبر مبتدأ مضمر [2] .

قال الزركشي: وجوز رفع الأولى ونصبُ الثانية، وعكسه.

قلت: لم يبين وجهه، ولا يمكن أن يكون نصب ((ليلة النفر)) على أنها خبر كان؛ إذ لا معنى له، وإنما ((كان)) تامة كما مرَّ ، و((ليلةُ الحصبة)) فاعلُها، و((ليلةُ النفر)) منصوب بمحذوفٍ؛ أي: أعني: ليلةَ النفر، وأمَّا نصب الأولى ورفع الثانية، فوجهه [3] أن تجعل ((كان)) ناقصة، واسمها ضمير يعودُ إلى الرحيل المفهوم من السياق، و((ليلة الحصبة)) خبرها، و((ليلة النفر)) خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هي ليلة النفر.

(عَقْرَى حَلْقَى) سبق ضبطُه.

قال الزركشي: وفيه توبيخُ الرجلِ أهلَه على [4] ما يدخلُ على الناس بسببها، كما وبَّخَ الصدِّيقُ عائشة في قصَّة العِقْد.

قلت: تبع ابنَ بطَّالٍ، بل أخذ كلامه برُمَّته، وردَّه ابن المنيِّر بأنه لا يمكن أن يحملَ على التوبيخ؛ لأنَّ الحيض ليس من صنعها، وقد جاء في الحديث الآخر: ((إنَّ هَذا الأمرَ كتبَهُ اللهُ تعَالى على بنَاتِ آدمَ)).

وإنما هذا القولُ يجري على سبيل [5] التَّعجب، ودعامة لكلام ترميه العربُ من غير قصدٍ.

قال: وتأملت من ذلك أنه لابدَّ لإمامِ الحاجِّ وأميرِهم [6] أن يحسب حسابَ الحُيَّضِ من حواجِّ [7] أهلِ الآفاق؛ لأنه إن لم يفعل ذلك وقع أحد أمرين:

إما تفويتهنَّ طوافَ الإفاضة، وإما تركهن بمضيعة فرأيت أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم عمل على [8] سلامة المسلمين من ذلك؛ لأنه أقامَ من يوم النحر سبعة أيام، ثمَّ ارتحل.

وفي قوله: ((لا يُقِيمَنَّ مُهَاجِرٌ بعدَ قضَاءِ نُسُكهِ فوقَ ثلاَثٍ)) دليلٌ على ذلك؛ لأن النسك ينقضي بانقضاء أيام التشريق، وهي ثلاثةُ أيام منضمة إلى يوم النحر، يكون أربعة وثلاثة بعدها، فالمجموعُ سبعة، وغالبُ حيضِ النساء ستٌّ أو سبعٌ، فأضيق ما يفرض للحائض أن تحيضَ يوم النحر قبل طواف الإفاضة، فما يقع الرحيل إلا وقد طهرت غالباً وأمكنها الطواف ناجزاً، فعلى هذا والله أعلم ترتب الأمر حينئذٍ.

(فَلَقِيتُهُ مُصْعِداً عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ، أَوْ أَنَا مُصْعِدةٌ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ) جمعت بين جعل أول الحالين للأخير من صاحبي الحال، وثانيهما للأول، وبين العكس، وصرَّح قوم بأولوية الوجه الأول؛ لاشتمالهِ على فصلٍ واحدٍ؛ بخلاف الثاني، لاشتمالهِ على فضلين.

وأَصْعَدَ: لغة في صَعِدَ.

[1] ((من)): ليست في (د) و(ج).
[2] ((مضمر)): ليست في (ق).
[3] في (ق): ((في جهة)).
[4] ((على)): ليست في (ق).
[5] في (ق): ((مجرى سبيل)).
[6] ((وأميرهم)): ليست في (ق).
[7] ((حواج)): ليست في (ق).
[8] في (ق): ((عمل عن)).





1762- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعمان): تقدَّم أنَّه مُحَمَّد بن الفضل عارم الحافظ، وكذا تقدَّم (أَبُو عَوَانَةَ): أنَّه الوضَّاح بن عبد الله، و (مَنْصُور): أنَّه ابن المُعتمِر، و (إِبْرَاهِيم): أنَّه ابن يزيد النَّخعيُّ، و (الأَسْوَد): أنَّه ابن يزيد النَّخعيُّ؛ كلُّهم مُترجَمين.

قوله: (لَا نرَى): تقدَّم مرَّات أنَّه بضمِّ النُّون وفتحها.

قوله: (فَحَاضَتْ هِيَ): أي: عائشة، وقد تقدَّم أنَّها حاضت بسرف يوم السَّبت، وطهرت عشيَّة [1] عرفة يوم الجمعة.

قوله: (فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ): تقدَّم أنَّها ليلة نزول المُحصَّب، وهي اللَّيلة التي تلي أيَّام التَّشريق، وكذا تقدَّم (التَّنعيم): وأنَّه المساجد، وكذا تقدَّم (مَكَان كَذَا): أنَّه بالرَّفع والنَّصب، وكذا تقدَّم الكلام على (صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ): أمُّ المؤمنين، وكذا (عَقْرَى حَلْقَى) ، وكذا (مُصْعِدًا): وأنَّه المُبتدِئ للسَّير.

قوله: (فَلَقِيتُهُ مُصْعِدًا عَلَى أَهْلِ مكَّة وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ): قد تكلَّمت على هذا المكان -وهو [2] مُشكِل- بكلام حسن في تعليقي على «سيرة أبي الفتح اليعمريِّ»، والحاصل: أنَّ هذا وهم في كلام طويل، فإن أردته؛ فانظره من تعليقي على «سيرة ابن سيِّد النَّاس» في (حجَّة الوداع) ، والله أعلم، والصَّحيح ما رواه الشَّيخان عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ...) ؛ وذكرت الحديث: (حتى قضى الله الحجَّ، ونفرنا من مِنًى فنزلنا المُحصَّب، فدعا عبد الرَّحمن بن أبي بكر، فقال: «اخرج بأختك من الحرم، ثمَّ افرغا من طوافكما حتَّى تأتياني هنا بالمُحصَّب»، قالت: فقضى الله العمرة، وفرغنا من طوافنا في جوف اللَّيل، فأتيناه بالمُحصَّب، فقال: «فرغتما؟»، قلنا: نعم، فآذن في النَّاس بالرَّحيل، فمرَّ بالبيت فطاف به، ثمَّ ارتحل مُتوجِّهًا إلى المدينة) ، فهذا أصحُّ حديث على وجه الأرض، وأدلُّه على فساد ما ذكره ابن حزم وغيرُه من تلك التَّقديرات التي لم [3] يقع منها شيء، ودليل على أنَّ حديث الأسود غير [4] محفوظ، وإن كان محفوظًا؛ فلا وجه له غير ما ذكرته في تعليقي على «سيرة أبي الفتح»، والله أعلم.

قوله: (تَابَعَهُ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ): الضَّمير في قوله: (تابعه) يعود على أبي عوانة، وقد تقدَّم أعلاه اسمه، واسم والده، و (جرير): هو ابن عبد الحميد الضَّبِّيُّ القاضي، تقدَّم مُتَرجَمًا، وتقدَّم (منصور): أنَّه ابن المُعتمِر.

[1] في (ب): (عند) .
[2] (وهو): ليس في (ج) .
[3] (لم): سقط من (ج)
[4] (غير): سقط من (ج) .





1762- (فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الحَصْبَةِ [1] لَيْلَة النَّفْرِ): برفعِهما؛ الأُولى اسمُ (كَانَ)، والثانيةُ بَدَلٌ منها، أو خبرُ مبتدأٍ؛ أي: وهيَ [2] ليلةُ النَّفْرِ، وجُوِّزَ رفعُ الأُولى ونصبُ الثَّانيةِ، وعكسُه.

(تَطُوفِينَ): وفي بعضِها: (تَطُوفِي)، فحُذِفَ النُّونُ منه تخفيفًا، وقال بعضُهم: حذْفُها مِن غيرِ ناصبٍ أو جازمٍ لغةٌ.

[1] في (ب): (الحصبتين)، وهي خطأ من الناسخ توهَّمه من نون (كان) في (أ).
[2] في (ب): (أو هي).





1762- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل، السَّدوسيُّ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله، اليشكريُّ، (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ، (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد، (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا) من المدينة (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في حجَّة الوداع (وَلَا نُرَى) بضمِّ النُّون؛ أي: لا [1] نظنُّ، وفي نسخةٍ: ((ولا نَرى))؛ بفتحها (إِلَّا الْحَجَّ)؛ أي: لا نعرف غيره، ولم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحجِّ (فَقَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مكَّة (فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) هو من باب: [من الرَّجز]

علفتها تبنًا وماءً باردً.

أو على طريق المجاز (وَلَمْ يَحِلَّ) بفتح أوَّله؛ أي: من إحرامه (وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَطَافَ)، ولأبي الوقت: ((وطاف))؛ بالواو بدل الفاء (مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ) منهم (فَحَاضَتْ هِيَ)؛ أي: عائشة، وكان ابتداء حيضها بسرف يوم السَّبت لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ [2] لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصَّاد المهملتين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّوييِّ والمُستملي: ((ليلة الحصباء))؛ بالمدِّ (لَيْلَةُ النَّفْرِ) من منًى؛ برفع: «ليلةُ» في الموضعين جميعًا، على أنَّ «كان» تامَّةٌ، و«ليلة النَّفر»: بدلٌ، أو خبر مبتدأٍ مُضمَرٍ؛ أي: هي ليلة النَّفر، قال في «التَّنقيح»: وجُوِّز رفع الأولى ونصب الثَّانية، وعكسه، ولم يبيِّن وجهه، قال في «المصابيح»: ولا يمكن أن يكون نصب «ليلة النَّفر» على أنَّها خبر «كان»؛ إذ لا معنى له، وإنَّما «كان» تامَّةٌ، و«ليلة النَّفر» منصوبٌ بمحذوفٍ، تقديره: أعني: ليلة النَّفر، وأمَّا نصب الأولى ورفع الثَّانية؛ فوجهه: أن تُجعَل «كان» ناقصةً، واسمها ضميرٌ يعود إلى الرَّحيل المفهوم من السِّياق، و«ليلةَ الحصبة»: خبرها، و«ليلةُ النَّفر»: خبر مبتدأٍ مضمرٍ؛ أي: هي ليلة النَّفر. انتهى. والذي في «اليونينيَّة»: رفعهما [3] ، ولأبي ذرٍّ: ((ليلةَ الحصبة ليلةَ النَّفر))؛ بنصبهما [4] .

(قَالَتْ)؛ أي [5] : عائشة: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ) منفردٍ عن العمرة (وَعُمْرَةٍ) منفردةٍ عن الحجِّ (غَيْرِي) فإني أرجع بحجٍّ، ليس لي عمرةٌ منفردةٌ عن الحجِّ (قَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام: (مَا كُنْتِ تَطُوفِي) بحذف النُّون، تخفيفًا، وقِيلَ: حذفها من غير ناصبٍ [/ج3ص253/] أو جازمٍ لغةٌ فصيحةٌ، ولأبي ذرٍّ: ((تطوفين))؛ بإثباتها (بِالْبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا) مكَّة؟ (قُلْتُ: لَا)، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي: ((قلت: بلى))، وهي محمولةٌ على أنَّ المراد: ما كنت أطوف (قَالَ): (فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيكِ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ (إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ) لمَّا سألها: أكانت متمتِّعةً؟ قالت: لا، ونفى التَّمتُّع وإن كان لا يلزم منه الحاجة إلى العمرة [6] ؛ لجواز القران، وهي قد [7] كانت قارنةً؛ كما عند الأكثر؛ كما هو صريح رواية مسلمٍ، وإنَّما أمرها صلَّى الله عليه وسلَّم بالعمرة؛ تطييبًا لقلبها؛ حيث أرادت عمرةً منفردةً (وَمَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) سبق في باب قول الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [خ¦1560] [البقرة: 197] : «ثمَّ ائتيا ههنا»؛ أي: المُحصَّب، و«مكانَ»: [8] نُصِب على الظَّرفيَّة، قالت عائشة: (فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) في أيَّام منًى ليلة النَّفر (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَقْرَى حَلْقَى) بفتح أوَّلهما وسكون ثانيهما مع القصر من غير تنوينٍ، ويجوز [9] التَّنوين لغةً، وصوَّبه أبو عبيدٍ؛ لأنَّ المراد الدُّعاء بالعقر والحلق؛ كرعيًا وسقيًا ونحو ذلك من المصادر التي يُدعَى بها، وعلى الأوَّل: هو نعتٌ لا دعاءٌ، ثمَّ معنى «عقرى»؛ أي [10] : عقرها الله؛ أي: جرحها، أو جعلها عاقرًا لا تلد، أو عقر قومها، ومعنى «حلقى»: حلق شعرها؛ وهو زينة المرأة، أو أصابها وجعٌ في حلقها، أو: حلق قومها بشؤمها؛ أي: أهلكهم، وحكى القرطبيُّ: أنَّها كلمةٌ تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثمَّ اتَّسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما؛ كما قالوا: قاتله [11] الله، ونحو ذلك، وقول الزَّركشيِّ كابن بطَّالٍ: فيه توبيخُ الرَّجلِ أهلَه على ما يدخل على النَّاس بسببها؛ كما وبَّخ الصِّدِّيقُ عائشةَ رضي الله عنهما في قصَّة العقد، تعقَّبه ابن المُنيِّر: بأنَّه لا يمكن أن يُحمَل على التَّوبيخ؛ لأنَّ الحيض ليس من صنيعها، وقد جاء في الحديث الآخر [خ¦294] : «إنَّ هذا الأمر كتبه الله تعالى على بنات آدم»، وإنَّما هذا القول يجري على سبيل التَّعجُّب، ولم يقصد معناه، وقول القرطبيِّ وغيره: شتَّان بين قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشة لمَّا حاضت معه في الحجِّ: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم»؛ لمِا يُشعِر به من الميل إليها [12] والحنوِّ عليها؛ بخلاف صفيَّة، تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه ليس فيه دليلٌ على اتِّضاع قدر صفيَّة عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام؛ فعائشة دخل عليها وهي تبكي؛ أسفًا على ما فاتها من النُّسك فسلَّاها بذلك، وصفيَّة أراد منها ما يريد الرَّجل من أهله، فأبدت له المانع، فناسب كلًّا [13] منهما ما خاطبها به في تلك الحالة.

(إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا) عن السَّفر؛ بسبب الحيض المانع من طواف الإفاضة (أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة؟ (قَالَتْ: بَلَى) طفت (قَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَلَا بَأْسَ، انْفِرِي) بكسر الفاء، وفي رواية أبي سلمة [خ¦1733] قال: اخرجوا [14] ؛ أي: من منًى إلى المدينة، قالت عائشة: (فَلَقِيتُهُ) عليه الصَّلاة والسَّلام بالمُحصَّب، حال كونه (مُصْعِدًا) بضمِّ الميم وكسر العين؛ أي: صاعدًا (عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا)؛ أي: والحال أنِّي (مُنْهَبِطَةٌ) عليهم (أَوْ أَنَا)؛ أي: والحال أنِّي (مُصْعِدَةٌ) عليهم (وَهُوَ)؛ أي: والحال أنَّه (مُنْهَبِطٌ) عليهم؛ بالشَّكِّ من الرَّاوي، وسقطت: الهمزة من قوله: ((أو أنا مصعدةٌ)) من [15] رواية ابن عساكر؛ كما رأيته في «الفرع» و«أصله»؛ حيث رقم على الهمزة علامة السُّقوط له [16] ، والظَّاهر: أنَّ العلَّامة البدر بن [17] الدَّمامينيِّ شرح عليها فقال: جمعت بين جعل أوَّل الحالين للأخير من صاحبي الحال وثانيهما للأوَّل وبين العكس، وصرَّح قومٌ بأولويَّة الوجه الأوَّل؛ لاشتماله على فصلٍ واحدٍ؛ بخلاف الثَّاني؛ لاشتماله على فصلين. انتهى. أي: جمعت بين جعل [18] أوَّل الحالين الذي هو: «مصعدًا» للأخير من صاحبي الحال الذي هو ضمير المفعول في: «لقيته»، وثانيهما الذي هو «وأنا منهبطةٌ» لصاحب الحال الأوَّل الذي هو ضمير الفاعل _وهو التَّاء_ وبين العكس؛ بأن جعلت الثَّاني من الحالين الذي هو «وهو منهبطٌ» للأخير من صاحبي الحال الذي هو ضمير المفعول، والأوَّل الذي هو «مصعدةٌ» للأوَّل الذي هو: ضمير الفاعل، وقوله: لاشتماله؛ أي: الأوَّل على فصلٍ واحدٍ؛ وهو: «وأنا»؛ بخلاف الثَّاني؛ لاشتماله على فصلين هما: «أنا» و«هو»، فإن قلت: قوله: «وصرَّح قومٌ بأولويَّة الوجه الأوَّل» مخالفٌ لقول صاحب «المغني»؛ حيث قال: ويجب [/ج3ص254/] كون الأولى من المفعول والثَّانية من الفاعل؛ تقليلًا للفصل، فصرَّح بالوجوب، أُجيب: بأنَّ الرَّضيَّ [19] قال: إنَّ كون الأولى من المفعول والثَّانية من الفاعل جائزٌ على ضعفٍ، لا واجبٌ، ثمَّ إنَّ قولها: «فلقيته مصعدًا وأنا منهبطة، أو أنا مصعدةٌ وهو منهبطٌ» مشكلٌ على هذه الرِّواية؛ لأنَّ وقوع الإصعاد والإهباط في زمانٍ [20] واحدٍ ومكانٍ [21] واحدٍ من شخصٍ واحدٍ محالٌ، فيُحمَل على تعدُّد الزَّمان والمكان.

(وَقَالَ مُسَدَّدٌ) ممَّا وصله [22] في «مسنده» في رواية أبي خليفة عنه قال: حدَّثنا أبو عَوانة، ولفظه: ما كنت طفت ليالي قدمنا؟ (قُلْتُ: لَا) وهذا التَّعليق _كما قاله في «الفتح»_ ثبت في غير رواية أبي ذرٍّ، وسقط له.

(تَابَعَهُ)، ولأبي ذرٍّ: ((وتابعه))؛ أي: تابع مُسدَّدًا (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد، (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (فِي قَوْلِهِ: لَا) وهذا سبق موصولًا في باب «التَّمتُّع والقران» [خ¦1561] عن عثمان بن أبي شيبة عنه.

[1] «لا»: ليس في (ب).
[2] في (ب) و(س): «كانت»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[3] في «اليونينيَّة»: نصب الأولى ورفع الثَّانية.
[4] في (م): «بنصب الأوَّل ورفع الثَّاني»، والذي بهامش «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ بالعكس؛ رفع الأولى ونصب الثَّانية، فليُحرَّر.
[5] «أي»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[6] في (د): «للعمرة».
[7] «قد»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[8] قوله: «سبق في باب قول الله تعالى... أي: المُحصَّب، و«مكانَ»»، ليس في (م).
[9] في (م): «وجواز».
[10] «أي»: ليس في(د).
[11] في (د): «قاتلهم».
[12] في (د): «لها».
[13] في هامش (ص): «قوله: «فناسب كلُّ»؛ كذا في النَّسخ، والذي في «الفتح»: فناسب كلًّا منها. انتهى. فليُحرَّر».
[14] في غير (د): «اخرجي»، والمثبت موافقٌ لما في «صحيح البخاريِّ».
[15] في (د): «في».
[16] في (د): «لها».
[17] «بن»: ليس في (د).
[18] «جعل»: ليس في (د).
[19] في هامش (ص): «قوله: «أُجيب: بأنَّ الرَّضيَّ»، عبارة الرَّضيِّ: وإن كان؛ أي: الحالان مختلفتين؛ فإن كان هناك قرينةٌ يُعرَف بها صاحب كلِّ واحدٍ منهما؛ جاز وقوعهما كيفما كان؛ نحو: لقيت هندًا مصعدًا منحدرةً، وإن لم تكن؛ أي: قرينةٌ؛ فالأَولى جعل كلِّ واحدٍ بجنب صاحبه؛ نحو: لقيت منحدرٌ زيدًا مصعدًا، ويجوز على ضعفٍ جعلُ حال المفعول بجنبه، وتأخير حال الفاعل؛ نحو: لقيت زيدًا مصعدًا منحدرًا، والمصعد زيدٌ؛ وذلك لأنَّه لمَّا كانت مرتبة المفعول أقدم من مرتبة الحال؛ أُخِّرت الحالين وقُدِّمت حال المفعول على حال الفاعل؛ إذ لا أقلَّ من كون أحد الحالين بجنب صاحبه لمَّا لم يكن كلُّ واحدٍ بجنب صاحبه انتهت بحروفها وبتمامها، تعلم أنَّ ما في الحديث غير مسألة الرَّضيِّ؛ فليُتأمَّل، وعبارة «المغني»: وأمَّا: لقيته مصعدًا منحدرًا، فمن التَّعدُّد، ويجب كون الأولى من المفعول، والثَّانية من الفاعل، ولا تُحمَل على العكس إلَّا بدليل، انتهى. وقد أورد البدر عبارة الرَّضيِّ المرقومة، ثمَّ قال: فانظر كيف حُكِمَ على ما جعله المصنِّف - يعني: ابن هشامٍ_ واجبًا؛ بأنَّه جائزٌ على ضعفٍ، وبينهما بَونٌ بعيدٌ، انتهى. وقال في «شرح التَّسهيل»: وإذا قلت: لقيت زيدًا مصعدًا منحدرًا؛ فـ: «مصعدًا»: حالٌ من المفعول، و«منحدرًا»: حالٌ من الفاعل، هذا رأي الأكثرين، وقال قومٌ: الأوَّل للأوَّل، والثَّاني للثَّاني؛ قياسًا على أحسن وجهَي اللَّفِّ والنَّشر، وحجَّة الأكثرين: أنَّ فصلًا واحدًا أسهل من فصلين، وأنَّ اللَّفَّ والنَّشر إنَّما يكون عند الثِّقة؛ لفهم المعنى، وبحثنا هذا حيث لا قرينة؛ فلا بدَّ لنا من الحمل من مرجِّحٍ، وهو ما ذكرناه؛ فقد بان بهذا: أنَّ التقدير: أنَّ الخلاف فيما يُحمَل عليه عند التَّردُّد، وأمَّا إذا ظهر المعنى؛ فلك أن تقدِّم وتؤخِّر كيف شئت باتِّفاقٍ، انتهى. عجميٌّ».
[20] في (د): «زمنٍ».
[21] في (ص) و(م): «أو مكانٍ».
[22] في (ب) و(س): «ممَّا رواه»، وفي (د): «فيما رواه»، وفي نسخةٍ في هامشها: «ممَّا».





1762- ( لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ ): بمهملتين وموحَّدة بوزن الضَّربة، وللمُسْتملي: «الحصباء».

( لَيْلَةُ النَّفْرِ ): عطف بيان.

( عَقْرَى حَلْقَى ): بالفتح فيهما، ثمَّ السُّكون والقصر بلا تنوين: دعاء لم يقصد معناه، ومعنى الأولى: عقرها الله، أي: جرحها، أو جعلها عاقرًا لا تلد، أو عقر قومها، ومعنى الثَّانية: حلق شعرها وهو زينة المرأة، أو أصابها وجعٌ في حلقها، أو حلق قومها بشؤمها، أي: أهلكهم. [/ج3ص1342/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة