المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

1465-. حدَّثنا مُعاذُ بْنُ فَضالَةَ: حدَّثنا هِشامٌ، عن يَحْيَىَ، عن هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ: حدَّثنا عَطاءُ بْنُ يَسارٍ:

أَنَّهُ سَمِعَ أَبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ ذاتَ يَوْمٍ على المِنْبَرِ، وَجَلَسْنا حَوْلَهُ، فقالَ: «إِنِّي [1] مِمَّا أَخافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي ما يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيا وَزِينَتِها». فقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ يَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: ما شَأنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنا [2] أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. قالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضاءَ، فقالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فقالَ: «إِنَّهُ لا يَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الخَضْراءِ [3] ، أَكَلَتْ حَتَّىَ إذا امْتَدَّتْ خاصِرَتاها، اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ، وَبالَتْ، وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صاحِبُ المُسْلِمِ؛ ما أَعْطَىَ منه المِسْكِينَ واليَتِيمَ وابْنَ السَّبِيلِ _أَوْ كَما قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ وَإِنَّهُ مَنْ يَأخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ».

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر عن المستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «إنَّ».
[2] في رواية أبي ذر والحَمُّويِي والمستملي: «فَرُئِيْنا»، وفي رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيّ: «فأُرِينا».
[3] في رواية أبي ذر عن المستملي والكُشْمِيْهَنِيّ: «الخَضِرِ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1465- ( إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يفْتَحُ الله عَلَيْكُمْ ) «ما» في موضع نصب اسم «إن»، و«ممَّا أخاف» في موضع رفع خبر «إن».

( أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) بفتح الواو والهمزة للاستفهام، أي: أتصير النعمة عقوبة؟

( فَرَأَيْنَا ) أي: فظننا، ويروى: «فأرينا».

( الرُّحَضَاءَ ) براء مضمومة وحاء مهملة مفتوحة وضاد معجمة ممدودة: العَرَقُ الكثير.

( وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ ) هذا على الإسناد المجازي، فإن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى، والربيع: الجدول الذي يُسقَى به، والجمع أربعاء.

( يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ ) التقدير: شيئًا يقتل أو نباتًا يقتل، و«يُلِمُّ» بضم أوله، أي: يقرب من القتل، وهذا قد سقط منه شيء، وتمامه ذكره في كتاب الرقاق: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل [1] حبطًا أو يلم».

والحبَط بالحاء المهملة: انتفاخُ البطن من داءٍ يُصيب الآكل من أكله، يُقال: حَبَطت الدابة تحبط حَبَطًا إذا أصابت مرعى طيبًا فاطردت في الأكل حتى تنتفخَ فتموتَ، ورُوي بالخاء المعجمة من التخبط وهو الاضطراب، قال الأزهري: وهذا الحديث إذا فُرِّق لم يكد يُفهم، وفيه مثلان:

أحدهما: للمُفرِط في جمع الدنيا ومنعه من حقها، وهو ما تقدم.

والآخر: للمقتصد في أخذها والانتفاع بها، وهو قوله: «إلا آكلة الخَضِر»، فإن [/ج1ص356/] الخضر ليست من أجرار [2] البقول التي ينبتها الربيع ولكنها من الجنبة، والجنبةُ ما فوق البقل ودون الشجر التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضرب النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكلةَ الخضر من المواشي مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعِها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها فهو ينجو من وبائها [3] كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: استقبلت عين الشمس، أي: إذا شبعت بركت، فهو بنحو: تستمري وتثلط، فإذا ثلطت زال عنها الحبط، وإنَّما تحبط [4] الماشية لأنها لا تثلط ولا تبول.

( إِلَّا آكِلَة الخَضِرِ ) كذا أكثر الروايات فيها على الاستثناء، وروي «ألا» على الاستفتاح، كأنه قال: ألا انظروا [5] آكلة الخضر واعتبروا بشأنها، و«الخَضِر» بفتح الخاء وضاد مكسورة: ضربٌ من الكلأ واحده خضرة، وقيل: «الخَضِر» مثل النَّصيِّ والصِّلِّيان وهما من أفضل المراعي، وروي: «الخُضَر» بضم الخاء وفتح الضاد جمع خُضرة، وروي: «الخضراء» بالمد، والأول أكثر.

( الخَاصِرَةُ ) الجنب، يعني: حتى إذا امتلأت شبعًا وعَظُم جنْباها.

( اسْتَقْبَلَتْ ) أي: جاءت وذهبت.

( فَثَلَطَتْ ) بمثلثة ولام مفتوحة، أي: ألقت السرقين سهلًا رقيقًا، كذا قيَّده الجوهري، وقال السفاقسي: هي بكسر اللام.

( ثُمَّ رَتَعَتْ ) أي: اتسعت في المرعى والخصب.

( خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ) التأنيث لما يشتمل عليه المال من أنواع زهرات الدنيا. [/ج1ص357/]

[1] في [ب] : ( مما يقبل) ولعل الصواب ما أثبت كما في نسخة.
[2] أجرار البقول: بحاء وراءين مهملتين، ما يؤكل غير مطبوخ، قاله الجوهري. ( برماوي)
[3] في نسخة: ( وبالها).
[4] في [ب] : ( لا تحبط) والمثبت أصح كما في نسخة.
[5] في نسخة: ( ألا تنظروا).





1465# (فَضَالَةَ) بفتح الفاء وبالضاد المعجمة، وقد مرَّ.

(أَوَيَأتِي الْخَيْرُ بالشَّرِّ؟) بفتح الواو والهمزة للاستفهام؛ أي: أتصيرُ النعمةُ عقوبة؟

(فرُئينَا [1] ) براء مضمومة بعد الفاء ثم همزة مكسورة، ويروى: <فأُرِينا [2] > أي: فظننا.

(فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ) براء مضمومة فحاء مهملة مفتوحة فضاد معجمة فألف ممدودة؛ أي: العَرَق الكثير.

(وَإِنَّ مِمَّا يُنْبتُ الرَّبيعُ) هو [3] من الإسناد المجازيِّ على رأي الشيخ عبد القاهِرِ ومَنْ تابعه؛ إذ المسنَدُ إليه مُلابسٌ للفعل، وليس فاعلاً حقيقياً له [4] ؛ إذ الفاعلُ الحقيقيُّ هو الله تعالى.

والسَّكَاكيُّ يرى أن الإسناد ليس مجازياً، وأن المجازَ في الربيع، فجعله استعارةً بالكناية على أنَّ المراد به الفاعلُ الحقيقي بقرينة نسبة الإثبات إليه، والكلام في ذلك ردًّا وقبولاً مقرَّرٌ في محله، فلا نطُوِّل به.

(يَقْتُلُ) أي: شيئاً يقتل، أو نباتاً يقتل.

فإن قلت: فيه حذف الموصوف، مع أنَّ الصفة جملة، وبابُه عندهم الشِّعْر؟

قلتُ: إنما ذاك حيثُ لا يكون الموصوف بعضاً من مجرورٍ بـ((من))، أو ((في)) متقدِّمٍ؛ مثل: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} [الصافات:164]، ومثل قوله:

~لَوْ قُلْتُ مَا في قَوْمِها لَم تِيْثَم يَفْضُلُها في حَسَبٍ وَميسَمِ

وقد وُجد هذا الشرط في الحديث، فلا إشكال.

(أَوْ يُلِمُّ) أي: يَقْرُب من القتل [5] .

قال الزركشي: وهذا قد سقطَ منه شيء، وربما ذكَره في كتاب الرقاق: ((إنَّ ممَّا يُنبتُ الرَّبيعُ مَا يَقتلُ حَبَطاً أو يلِمُّ)).

قلت: هما طريقان ثبتَ في أحدهما لفظٌ معين، وفي الآخر لفظ، والمعنى صحيح فيهما [6] ، فلا يقال: سقط

@%ج1ص452%

من أحد الطَّريقين ما ثبت في الآخر، بمعنى [7] : أنه أمرٌ محتاج [8] إليه؛ إذ الغرض أن كلَّا منهما صحيحٌ.

ثم قال: والحَبَطُ بالحاء المهملة: انتفاخُ البطن من داءٍ يُصيب الآكِلَ من أكله، يقال: حبطت الدابَّةُ تحبطُ حَبْطًا: إذا أصابت مَرْعًى طيِّباً، فاطَّردت في الأكل حتى تنتفخَ فتموت، ورُوي بالخاء المعجمة؛ من التخبُّط، وهو الاضطرابُ.

قال الأزهريُّ: وهذا الحديث إذا فُرِّقَ لم يكد يُفهم، وفيه مثلان:

أحدهما: للمفرِطِ في جمع [9] الدنيا، ومنعِها عن صَرفها في [10] حقِّها، وهو ما تقدَّم.

والآخر: للمقتصد في أخذها، والانتفاع بها، وهو قوله: ((إلَّا آكلةَ الخَضِر))؛ فإن الخضر [11] ليس من أحرار البقول التي يُنبتها الربيع، ولكنها من الجَنْبَةِ، والجَنبةُ: ما فوق البقل، و [12] دون الشجر التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضربَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم آكلة الخضر من المواشي مَثلاً لمن يقتصد في أخذ الدُّنيا وجمعها، ولا يحمله الحرصُ على أخذها بغير حقِّها، فهو ينجو من وَبالها كما نَجَت آكلةُ الخضِر، ألا تراه قال: ((استقبلَتْ عينَ الشَّمسِ))؛ أي: إذا شبعتْ، تركت، فهي تستمري وتثلط، فإذا ثَلَطَت زال منها الحبطُ، وإنما تحبط الماشية؛ لأنها لا تثلطُ ولا تبول.

(إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ) أكثر الروايات فيه هكذا بـ((إلَّا)) الاستثنائية [13] .

ويروى: <أَلا> بتخفيف اللام وفتح الهمزة على أنها استفتاحية [14] ، كأنه قال: ألا انظروا آكلةَ الخَضر، واعتبِروا شأنها.

والخَضِرُ في أكثر الأحاديث والروايات بكسر الضاد، كذا قال القاضي، وهو ضربٌ من الكَلَأ،

@%ج1ص453%

واحده خَضرَةٌ. وروي: <الخُضَر>، بضم الخاء وفتح الضاد، جمع خُضْرَة.

ويروى [15] : <الخُضْر>، بضم الخاء وسكون [16] الضاد.

(حَتَّى إِذَا امتَدَّتْ خَاصِرَتَاها) أي: جنباها؛ يعني: حتى [17] امتلأت شبعاً، وعَظُمَ جنباها.

(اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمسِ) لأن الحينَ الذي يتفق لها فيه الشبعُ، وامتدادُ الخاصرتين هو الحينُ الذي [18] تشتهي فيه الشمس.

(فَثَلَطَتْ) بمثلثة ولام مفتوحة؛ أي: ألقت السِّرقينَ سهلاً رقيقاً، كذا قيَّده الجوهري.

قال الزركشيُّ: وقال السَّفاقسي: هي بكسر اللام.

قلت: الذي [19] رأيته فيه: وثَلَطَت: ضبطه [20] بعضُهم بفتح اللام، وهو الذي سمعت من الشيخ، وضبطه بعضهم: بكسرها.

(وَرتَعَتْ) أي: اتَّسعت في المرعى الخِصْب.

(وَإِنَّ هذَا الْمَالَ خَضرَةٌ حُلْوَةٌ) استدلَّ به ابن الأنباري على أنَّ المال يؤنَّث، ورُدَّ: بأنه إنما أتى على التشبيه [21] ؛ أي: إن هذا المال كالبقلة الخضرة الحلوة.

قال ابن المنيِّر: هذا الحديث أصلٌ كبير في قاعدة الوَرَع، وهو يرفع الإشكال، ويردُّ الخلاف إلى الوفاق، وإنما اضطرب الناسُ فيه؛ لتعارضِ إطلاقات إجماعية.

وذلك أن السَّلف رضي الله عنهم أطلقوا الورعَ في المباح، والآثار متظافرةٌ على التقليل من الحلال [22] ، وأنه أسلَمُ، فهذا إطلاقٌ، وحَدُّوا المباحَ: بأنه ما استوى فِعلُه وتركُه.

فقائلٌ يقول: الجمعُ بين كونه مباحاً وبين دخول الورع فيه جمعٌ بين التسوية والأولوية، وهو تناقضٌ، فالتجأ إلى أن قال: لا ورعَ في المباح.

وقائلٌ يقول: أطلق السلفُ الورعَ في المباح، فنفيه [23] عنه [24]

@%ج1ص454%

خلافُ الإجماع، لكنه لم يتخلَّص في [25] سؤال التناقض.

والحقُّ: أن المباح يطلقُ على الفعل الذي سلمت العاقبةُ من أدائه إلى محظور، حتى يُفرضَ فيه أن الصَّادق قال لصاحبه: خيَّرتك فيه، فإنه [26] لا يؤدِّي في حقِّك إلى محظورٍ ولا مكروهٍ، فهذا لا يختلفون أنه لا ورع فيه.

ويطلق أيضاً جِنْساً للأمر الذي إن سلمت العاقبة [27] فيه فهو مباحٌ، وإن أفضت [28] فيه إلى خلاف [29] المباح، فليس بمُباحٍ، فهذا [30] الجنسُ مباحٌ باعتبار ذاتهِ، غيرُ مباحٍ على تقدير أدائه إلى خلافهِ، وفيه دخلَ الورع، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام: ((أَخوفُ مَا أخافُ عليكُم زينةُ الدُّنيَا))؛ فإن زينة الدُّنيا هي جنسُ المباح، ومع ذلك خافها؛ لأدائها غالباً إلى خلافِ المباح؛ من اعتيادِ حُبِّ الإكثار، وحملِ العادة على الكسبِ من الحِل والحرام.

ووقعتْ للسائل شبهةُ منكري الورع [31] ؛ لأنه تعجَّب من كون الدنيا مباحةً وخيراً، ثم خافَ منها الشرَّ الذي هو المحظورُ، فتعجب من وصْفها بالوصفين: الخيرِ والشرِّ، وذَهَلَ عن الحال والمآل، حتى بيَّنه [32] عليه السلام بالمثال، وذلك أنَّ الخصبَ خير، ومفروح به بالقولِ المطلق، ثم هو [33] إن سلمتْ عاقبتُه، كان خيراً أبداً، وإن أدَّى إلى الوَبال وهلاك الماشية كان شراً، ومخوفاً منه، وبيَّنَ للسائل بذلك أداءَ الخيرِ العاجلِ إلى الشرِّ الآجِل، كذلك المباحُ حالاً إذا أدَّى إلى محظورٍ مآلاً، كان الأولى من الأول تركه، فصدق عليه أنَّه مباح؛ يعني: على تقدير السَّلامة، وصدقَ عليه أنه يتورَّع عنه [34] على تقدير

@%ج1ص455%

أدائه إلى الهلكة، والاحتمالان [35] متقابلان، فلو تحقَّقنا وبالَ العاقبة، لجزمنا فيه [36] بالتَّحريم، ولو تحقَّقنا فيه السلامةَ، لجزمنا بالتحليل الدَّائم، ولكن لمَّا كان الأصلُ السلامةَ، والغالبُ الوبالَ، اقتضى تعارضُ الأصلِ والغالب حكماً متوسطاً، وهو يتخيَّرُ خلاف الأولوية، وهو المراد بالورَع. انتهى كلامه رحمه الله، فتأمَّله.

[1] في (ق): ((فأرينا)).
[2] في (ق): ((فرأينا)).
[3] في (ق): ((وهو)).
[4] ((له)): ليست في (ق).
[5] في (د): ((العقل)).
[6] ((فيهما)): ليست في (د) و(ج).
[7] في (ق): ((يعني)).
[8] في (د): ((يحتاج)).
[9] في (ق): ((المفرط في جميع)).
[10] في (د) زيادة: ((هذا))، وفي (ق): ((ومنعه من)).
[11] ((فإن الخضر)): ليست في (ق).
[12] ((و)): ليست في (د) و(ج).
[13] في (ق): ((كذا أكثر الروايات فيه على الاستثناء)).
[14] في (ق): ((حسنة)).
[15] في (د) و(ج) و(ق): ((وروي)).
[16] في (د): ((وفتح)).
[17] في (ق) زيادة: ((إذا)).
[18] ((الذي)): ليست في (د) و(ج).
[19] في (ج): ((والذي)).
[20] في (ق): ((ضبطها)).
[21] في (ق): ((الشبهة)).
[22] في (د): ((التعليل من الخلاف)).
[23] في (ق): ((ففيه)).
[24] في (م) و(د) و(ج): ((عن)).
[25] في (ق): ((من)).
[26] في (ق): ((أنه)).
[27] في (م) و(د): ((المعاقبة)).
[28] في (ق): ((أفرضت)).
[29] في (د): ((طلاق)).
[30] في (د): ((وهذا)).
[31] في (ق): ((ووقعت المسائل بشبهة الورع)).
[32] في (ق): ((نبه)).
[33] في (د) و(ج): ((وهو)).
[34] في (ق) زيادة: ((يعني)).
[35] في (ق): ((والاحتمال)).
[36] ((فيه)): ليست في (ق).





1465- قوله: (حدَّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّ (فَضالة) ؛ بفتح الفاء.

قوله: (حَدَّثَنَا [1] هِشَامٌ): هذا هو هشام بن أبي عبد الله الدَّستوائيُّ، أبو بكر الحافظ، وقد قدَّمت الكلام على نسبته فيما مضى وبعض ترجمته.

قوله: (عَنْ يَحْيَى): تقدَّم أنَّه ابن أبي كَثِير، وأنَّه بفتح الكاف، وكسر المثلَّثة.

قوله: (حدَّثنا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ): هو [2] بالمثنَّاة تحت، والسِّين المهملة، وأنَّ هذا كاد أن يكون بديهيًّا عند أهله. [/ج1ص393/]

قوله: (سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدريَّ): تقدَّم مرارًا كثيرةً أنَّه سعد بن مالك بن سنان الخُدريُّ؛ بالدَّال المهملة، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ): (يُفتح): مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله.

قوله: (مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا): هي غضارتها ونعيمها؛ كزهرة النَّبات، وهو حُسنه ونُوَّاره.

قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ): هذا الرَّجل لا أعرف اسمه.

قوله: (أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ ؟!): هو بفتح الواو من (أوَ) استفهاميَّة.

قوله: (الرُّحَضَاءَ): هو بضمِّ الرَّاء، وفتح الحاء المهملة، وبالضَّاد المعجمة، ممدود الآخر: عرق الحمَّى [3] ، وقال ابن سيِّد الناس في «سيرته» نقلًا عن خطِّ جدِّه: (قال [4] الصَّدفيُّ: العُرَواء: الحمَّى النافض، والبُرَحاء: الحمَّى الصالب [5] ، والرُّحَضاء: التي تأخذ بالعروق، والمُطَواء: التي تأخذ بالتَّمطِّي، والثُّوَباء: التي تأخذ بالتثاؤب) انتهى.

قوله: (يُنْبِتُ الرَّبِيعُ): الفصل المعروف، وهذا إسناد مجازيٌّ، أو الربيع: الجدول الذي يُسقَى به.

قوله: (أو يُلِمُّ): هو بضمِّ أوَّله، وكسر ثانيه، وتشديد ثالثه، مرفوع؛ أي: يقرب ويدنو من [6] الهلاك.

قوله: (إِلَّا آكِلَةَ الخَضِرِ): (إِلَّا): بكسر الهمزة، وتشديد اللَّام التي للاستثناء، قال القاضي عياض: وضبطه بعضهم: (أَلَا) ؛ بالتخفيف، وفتح الهمزة على الاستفتاح [7] .

قوله: (الخَضِرِ): هو بكسر الضَّاد المعجمة: نوع من البقول ليس من أحرارها وجيِّدها، وأحرار البقول: ما يُؤكَل غير مطبوخ، قال في «المطالع»: وأمَّا [من] روى (الخُضْرة) وهي رواية الطَّبريِّ؛ أي: النبات الأخضر الناعم... إلى آخر كلامه، وفي أصلنا: (الخضراء) ، وفي الهامش نسخة: (الخَضِر) .

قوله: (فَثَلَطَتْ [8] ): هو بثاء مثلَّثة مفتوحة، ثمَّ لام مثلها، ثمَّ طاء مهملة مفتوحتين؛ أي: سلحت، والثَلْط: الرجيع الخفيف، يقال: ثلَط؛ بفتح اللَّام في الماضي، يثلِط؛ بكسرها في المستقبل، وفي أصلنا بالقلم مكسور اللَّام في الماضي، وقد رأيت شيخنا الشَّارح ذكر في أوَّل (الرقائق) ما لفظه: (وثلَطت؛ بفتح اللَّام، ورُوِّيناه: بكسرها) [9] انتهى، وذكر قبله كلامًا عن الشيخ أبي الحسن، فيحتمل أنَّه من كلام أبي الحسن، ويحتمل أنَّه من كلام شيخنا، والله أعلم.

قوله: (خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ): هو بكسر الضَّاد، قال ابن قرقول: (خضرة حلوة) ، وقع للأصيليِّ في (كتاب الوصايا) و (كتاب الخمس) هكذا، وفي غير هذين الموضعين: (خَضِرٌ حلو) ؛ يعني: بحذف تاء التأنيث فيهما، قال: والخضر من النبات: الأخضر [10] الغضُّ، وقال الأزهريُّ: الخضر هنا: ضرب من الجَنْبَة؛ وهو ما له أصل غامض [11] في الأرض، فالماشية تشتهيه وتكثر منه؛ لأنَّه يبقى فيه خُضرة ورطوبة بعد هيج النبات، واحدتها: خضِرة، وكذلك قوله في المال: (خضر) ؛ أي: ناعم يُشتهى، شُبِّه بالمراعي الشَّهيَّة للأنعام، ومن روى: (إنَّ هذا المال خضرة): أنَّث على معنى تأنيث المشبَّه به؛ أي: هذا المال شيء كالخضرة، أو أنَّ الدُّنيا خضِرة حلوة، كما جاء في الحديث الآخر... إلى آخر كلامه.

فائدة: ضرب صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا الحديث مَثلين؛ أحدهما: للمفرط في جمع الدُّنيا والمنع من حقِّها، والآخر: للمقتصد في أخذها والنفع بها، فقوله: (إنَّ كلَّ ما ينبت الربيع يقتل أو يُلِمُّ): فإنَّه مَثل للمفرط الذي يأخذ الدُّنيا بغير حقِّها، وذلك أنَّ الربيع يُنبِت أحرار البقول، فتستكثر [12] الماشية منه؛ لاستطابتها إيَّاه حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حدَّ الاحتمال، فتنشقُّ أمعاؤها من ذلك، فتهلك أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع الدُّنيا من غير حلِّها، ويمنعها مستحقَّها قد تعرَّض للهلاك في الآخرة بدخول النَّار، وفي الدُّنيا بأذى النَّاس له وحسدهم إيَّاه، وغير ذلك من أنواع الأذى.

وأمَّا قوله: (إلا آكلة الخضر) ؛ فإنَّه مَثل للمقتصد، وذلك أنَّ (الخضر) ليس من أحرار البقول وجيِّدها الذي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره، فيحسن وينعم، ولكنَّه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، وتسمِّيها العرب: الجَنْبة، فلا ترى الماشية تكثر منها ولا تستمرئها، فضرب آكلة الخضر من المواشي مَثلًا لمن يقتصد في أخذ الدُّنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقِّها، فهو ينجو [13] من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: (أكلَتْ حتَّى إذا امتدَّت خاصرتاها؛ استقبلت عين الشمس، فثلطتْ وبالتْ) ؛ أراد: أنَّها إذا شبعت [14] (منها؛ بركت مستقبلةً عين الشمس تستمرىء بذلك ما أكلت وتجترُّ وتثلط، فقد زال عنها الحبط، وإنَّما تحبط الماشية؛ لأنَّها تمتلئ) [15] بطونها، ولا تثلِط ولا تبول، فتنتفخ أجوافها، فيعرض لها المرض فتهلك، والله أعلم.

قوله: (وَإِنَّهُ [16] مَنْ يَأْخُذُهُ): (مَن): موصولة، والله أعلم.

[1] في النسخ: (أخبرنا): والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] زيد في (أ) و (ب): (أنه) .
[3] في (ب): (الجمى) .
[4] في (ب): (وقال) .
[5] في (ب): (الطالب) ، وهو تحريف.
[6] في (ب): (يقرب ويدمن) ، وهو تحريف.
[7] في (ب): (الاستفهام) ، وهو تحريف.
[8] في هامش (ق): (ثلطت؛ بفتح اللَّام في الماضي، وكسرها في المستقبل، هذا الذي أعرفه، وينبغي أن يُحرَّر ما في الأصل من كسر اللام بالقلم في الماضي، ومعنى ثلطت: سلخت، ثمَّ إنِّي رأيت شيخنا ابن الملقِّن ذكره في «شرحه» في أواخر الشَّرح: أنَّ بعضهم ضبطه بكسر اللَّام) .
[9] «التوضيح»: (29/*) .
[10] في النسخ: (الرخص) ، ولعلَّه تحريف عن المثبت، والمثبت من «المطالع»: (*) .
[11] في (ب): (غليظ) .
[12] في (ب): (فيستكثر) ، وفي (ج): (فيكثر) .
[13] في النسخ: (ينجوه): ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[14] في (ب) و (ج): (أشبعت) .
[15] ما بين قوسين سقط من (ب) .
[16] في النسخ: (وإنَّ): والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .





1465- (إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ [1] عَلَيْكُمْ): (ما): في موضع نصبٍ اسمُ (إنَّ)، و(ممَّا أَخَافُ) في موضعِ رفعٍ خبرُ (إنَّ).

(أَوَيَأْتِي...؟): الهمزةُ للاستفهام، والواوُ مفتوحةٌ للعطفِ على مقدَّرٍ بعدَ الهمزةِ.

(يَقْتُلُ): صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ؛ أي: شيئًا، أو نباتًا.

(إِلَّا آكِلَةَ): (إِلَّا) الَّتي للاستثناء.

وقال عياضٌ: (وضبطَه بعضُهم بالتَّخفيفِ وفتحِ الهمزةِ على الاستفتاحِ).

[(مَنْ يَأْخُذُهُ): (مَنْ): موصولةٌ] [2] .

[1] في (أ): (يفتح الله) تبعًا للزركشي في «التنقيح» (1/356).
[2] ما بين معقوفين مثبت من (أ).





1465- وبالسَّند قال [1] : (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة المُخفَّفة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ، (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، (عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ) هو هلال بن عليِّ بن أسامة، المدنيُّ، من صغار التَّابعين، قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) بتخفيف السِّين المهملة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ)؛ أي: قطعةً من الزَّمان، فـ: «ذاتَ يومٍ»: صفةٌ للقطعة المُقدَّرة، ولم يتصرَّف؛ لأنَّ إضافتها من قبيل إضافة المُسمَّى إلى الاسم، وليس له تمكُّنٌ في الظَّرفيَّة الزَّمانيَّة؛ لأنَّه ليس من أسماء الزَّمان (عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: إِنِّي) وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إنَّ)) (مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا) حسنها وبهجتها الفانية؛ كَمالِ الغنائمِ وغيرها، (فَقَالَ رَجُلٌ) لم أعرف اسمه: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) بفتح الواو، والهمزة للاستفهام؛ أي: أتصير نعمة الله التي هي زهرة الدُّنيا عقوبةً ووبالًا؟ (فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) انتظارًا للوحي (فَقِيلَ لَهُ)؛ أي: للسَّائل: (مَا شَأْنُكَ، تُكَلِّمُ النَّبِيَّ [2] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟) ظنُّوا أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أنكر مسألته، قال أبو سعيدٍ: (فَرَأَيْنَا) بفتح الرَّاء ثمَّ الهمزة، من الرُّؤية، وللحَمُّوييِّ والمُستملي: ((فرُئِينا))؛ بضمِّ الرَّاء ثمَّ كسر [3] الهمزة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فأُرِينا))؛ بتقديم الهمزة المضمومة على الرَّاء المكسورة؛ أي: فظننَّا (أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ) الوحيُ؛ بضمِّ أوَّله وفتح الزَّاي، مبنيًّا للمفعول، (قَالَ) أبو سعيدٍ: (فَمَسَحَ) عليه الصَّلاة والسَّلام (عَنْهُ الرُّحَضَاءَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الحاء المهملة والضَّاد المعجمة والمدِّ: العرق الكثير، (فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ وَكَأَنَّهُ) عليه الصَّلاة والسَّلام (حَمِدَهُ)؛ أي: السَّائل، فهموا [4] أوَّلًا من سكوته عند سؤاله إنكارَه، ومن قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «أين السَّائل» حمدَه؛ لِما رأوا [5] فيه من البشرى؛ لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان إذا سُرَّ؛ استنار وجهه، (فَقَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام: (إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ)؛ أي: ما قدَّر الله أن يكون خيرًا؛ يكون خيرًا، وما قدَّر [6] الله أن يكون شرًّا؛ يكون شرًّا، وإنَّ الذي أخاف عليكم تضييعُكم نعمةَ الله وصرفكم إيَّاها في غير ما أمر الله، فلا يتعلَّق ذلك بنفس النِّعمة، (وَ) أضرب لكم مَثَلين: أحدهما: مَثَل المفرط في جمع [7] الدُّنيا هو (إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، من الإنبات، و«الرَّبيع» رفع فاعلٍ؛ وهو الجدول الذي يُستسقى به ما (يَقْتُلُ) قتلًا حَبطًا (أَوْ يُلِمُّ) بضمِّ أوَّله وكسر اللَّام؛ أي: يقرب من القتل، وسقط في «البخاريِّ» هنا لفظة «ما» قبل «يقتل» و«حبطًا» بعدها، فـ: «يقتل» [8] : صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ؛ أي: شيئًا أو نباتًا، و«حَبطًا»: بفتح الحاء المهملة والمُوحَّدة، نُصِبَ على التَّمييز؛ وهو داءٌ يصيب البعير من أحرار العشب أو من كلأٍ طيِّبٍ يكثر منه، فينتفخ، فيهلك أو يقارب الهلاك، وكذلك الذي يكثر [/ج3ص54/] من جمع الدُّنيا _لا سيِّما من غير حلِّها_، ويمنع ذا الحقِّ حقَّه يهلك في الآخرة بدخوله النَّار، وفي الدُّنيا بأذى النَّاس له وحسدهم إيَّاه وغير ذلك من أنواع الأذى، وإسناد الإنبات للرَّبيع مجازٌ على رأي الشَّيخِ عبد القاهر الجرجانيِّ؛ إذ المُسنَد إليه ملابسٌ للفعل وليس فاعلًا حقيقيًّا له؛ إذ الفاعل هو الله تعالى، والسَّكَّاكيُّ يرى: أنَّ الإسناد ليس مجازيًّا، وأنَّ المجاز في «الرَّبيع»، فجعله استعارةً بالكناية على أنَّ المراد به الفاعل الحقيقيُّ بقرينة نسبة الإسناد إليه (إِلَّا) بالتَّشديد (آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ) بفتح الخاء وسكون الضَّاد المعجمتين، وألفٍ ممدودةٍ بعد الرَّاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: ((الخضِرِ))؛ بكسر الضَّاد والرَّاء [9] من غير ألفٍ، و«آكلةَ»: بمدِّ الهمزة، والاستثناءُ مُفرَّغٌ، والأصل ممَّا ينبت الرَّبيع ما يقتل آكله إلَّا آكل الخضراء [10] ، وقال الطِّيبيُّ: الأظهر أنَّه منقطعٌ؛ لوقوعه في الكلام المثبت، وهو غير جائزٍ عند الزَّمخشريِّ إلَّا بالتَّأويل، ويجوز أن يكون متَّصلًا لكن يجب التَّأويل في المستثنى، والمعنى: إنَّ [11] من جملة ما ينبت الرَّبيع شيئًا يقتل آكله إلَّا الخضر [12] منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرَّى دفع ما يؤدِّيه إلى الهلاك، وفي بعض النُّسخ: ((أَلَا))؛ بتخفيف اللَّام وفتح الهمزة على أنَّها استفتاحيَّةٌ، كأنَّه قال: ألا انظروا آكلة الخضراء [13] واعتبروا شأنها (أَكَلَتْ)، وفي بعض النُّسخ: ((فإنَّها أكلت))؛ أي: فإنَّ آكلة الخضراء أكلت (حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا)؛ أي: جنباها؛ أي: امتلأت شبعًا وعَظُمَ جنباها، ثمَّ أقلعت عنه سريعًا؛ (اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ) تستمرئ بذلك ما أكلت وتجترُّه، (فَثَلَطَتْ) بفتح المُثلَّثة واللَّام؛ أي: ألقت السِّرقين سهلًا رقيقًا (وَبَالَتْ) فيزول عنها الحبط، وإنَّما تُحبَط الماشية؛ لأنَّها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فتنتفخ بطونها [14] فيعرض لها المرض فتهلك، (وَرَتَعَتْ) اتَّسعت في المرعى، وهذا مَثَلُ المقتصد في جمع الدُّنيا المؤدِّي حقَّها، النَّاجي من وبالها؛ كما نجت [15] آكلة الخضر الذي ليس من أحرار البقول وجيِّدها التي ينبتها الرَّبيع بتوالي أمطاره، فتحسن وتنعم، ولكنَّه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تُكثِر من أكلها ولا تستمريها، وقِيلَ: الرَّبيع قد يُنبِت أحرار العشب والكلأ، فهي كلُّها خيرٌ في نفسها، وإنَّما يأتي الشَّرُّ من قِبَلِ آكلٍ مستلذٍّ مُفْرِطٍ منهمكٍ فيها؛ بحيث تنتفخ أضلاعه منه وتمتلئ خاصرتاه ولا يقلع عنه فيهلكه سريعًا، فهذا مَثَلٌ للكافر، ومن ثمَّ أكَّد القتل بالحَبط؛ أي: يقتل قتلًا حبطًا، والكافر: هو الذي تُحبَط أعماله، أو من قِبَلِ [16] آكلٍ كذلك، فيشرفه إلى الهلاك، وهذا مثالٌ للمؤمن الظَّالم لنفسه المنهمك في المعاصي، أو من آكلٍ مسرفٍ [17] حتَّى تنتفخ خاصرتاه، ولكنَّه يتوخَّى إزالة ذلك ويتحيَّل في دفع مضرَّته حتَّى يهضم ما أكل، وهذا مثال المقتصد، أو من آكلٍ غير مفرطٍ ولا مسرفٍ، يأكل منها ما يسدُّ جوعه ولا يسرف فيه حتَّى يحتاج إلى دفعه، وهذا مثال السَّابق الزَّاهد في الدُّنيا الرَّاغب في الآخرة، لكنَّ هذا ليس صريحًا في الحديث، لكنَّه ربَّما يُفهَم منه، (وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ) زهرة الدُّنيا (خَضِرَةٌ) من حيث المنظر (حُلْوَةٌ) من حيث الذَّوق، و«خَضِرةٌ»؛ بفتح الخاء وكسر الضَّاد المعجمتين، آخره تاء تأنيثٍ، وأُنِّث مع أنَّ المال مُذكَّرٌ؛ باعتبار أنَّه زهرة الدُّنيا، أو باعتبار البقلة؛ أي: أنَّ هذا المال كالبقلة الخضرة أو كالفاكهة، فالتَّأنيث وقع على التَّشبيه، أو أنَّ التَّاء للمبالغة؛ كـ: «راويةٍ [18] » و«علَّامةٍ»، وخصَّ الأخضر؛ لأنَّه أحسن الألوان، ولمَّا ذكر لهم صلَّى الله عليه وسلَّم ما يخاف عليهم من فتنة المال؛ أخذ يعرِّفهم دواء داء تلك الفتنة بقوله: (فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ _ أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)_ شكٌّ من يحيى _وفي «الجهاد» [خ¦2842] من طريق فُلَيْحٍ بلفظ: فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين وابن السَّبيل، (وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ)؛ أي: المال (بِغَيْرِ حَقِّهِ) بأن يجمعه من الحرام أو من غير احتياجٍ إليه، ولم يُخرِج منه حقَّه الواجب فيه فهو (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ)؛ لأنَّه كلَّما نال منه شيئًا؛ ازدادت رغبته، واستقلَّ ما عنده ونظر إلى ما فوقه، (وَيَكُونُ) ماله (شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بأن يُنطِق الله الصَّامت منه بما فعل به، أو يمثِّل مثاله، أو يشهد عليه [/ج3ص55/] المُوكَّلون بكتب الكسب والإنفاق.

وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦6427] ، ومسلمٌ في «الزَّكاة» [19] ، وكذا النَّسائيُّ.

[1] في هامش (ص): «قوله: سقط لفظ: «حدَّثنا» من خطِّه، وهو ثابتٌ في أحد فروع «اليونينيَّة». انتهى».
[2] في (ب) و(س): «رسول الله».
[3] في (د): «وكسر».
[4] في (د): «ففهموا».
[5] في (د): «رأى».
[6] زيد في (م): «الله».
[7] في (د): «جميع»، وهو تحريفٌ.
[8] في (د) و(م): «فقيل»، وهو تحريفٌ.
[9] في (د): «والمراد»، وللعلَّه تحريفٌ.
[10] في (ص) و(م): «الخضر».
[11] «إنَّ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[12] في (د): «الخضراء».
[13] في (ص) و(م): «الخضر».
[14] في (د): «فينتفخ بطنها».
[15] في (د): «تحبُّ»، وهو تصحيفٌ.
[16] في (د): «قبيل».
[17] في (د): «بسرفٍ».
[18] في غير (د) و(س): «كرواية» وهو تحريفٌ.
[19] «ومسلمٌ في الزَّكاة»: سقط من (د).





1465- ( إنَّ مِمَّا أَخَافُ ): للحَمُّويي: «إنِّي».

( فَرَأَيْنَا ): للكُشْمِيهنيِّ: «فأُرِينا».

( إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضْرَ ): للحَمُّويي: «الخَضْرَاء». [/ج3ص1187/]


311/1465# قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُعاذُ بْنُ فَضالَةَ، قال: حدَّثنا هِشامٌ، عن يَحْيَىَ، عن هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ: حدَّثنا عَطاءُ بْنُ يَسارٍ:

أَنَّهُ سَمِعَ أَبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ ذاتَ يَوْمٍ على المِنْبَرِ، وَجَلَسْنا حَوْلَهُ [1] ، فقالَ: «إِنَّ مِمَّا أَخافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي ما يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيا وَزِينَتِها». فقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أَوَيَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَقِيلَ لَهُ: ما شَأنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَلا يُكَلِّمُكَ؟ فَرُئيْنا [2] أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ [3] الرُّحَضاءَ، فقالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فقالَ: «إِنَّهُ لا يَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ

@%ص260%

يَقْتُلُ [4] أَوْ يُلِمُّ، إلَّا آكِلَةَ الخَضر، أَكَلَتْ حَتَّىَ إذا امْتَدَّتْ [5] خاصِرَتاها، اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ، وَبالَتْ، وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صاحِبُ المُسْلِمِ؛ ما أَعْطَىَ منه المِسْكِينَ واليَتِيمَ وابْنَ السَّبِيلِ _أَوْ كَما قالَ _ وَإِنَّهُ مَنْ [6] يَأخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيداً عَلَيْهِ [7] يَوْمَ القِيامَةِ».

قوله: (إنَّه لا يأَتي الخَيرُ بالشَّرِّ، وإنَّ مِمَّا يُنْبت الرَّبيع يَقْتُلُ أو يُلمُّ) سقط من الكلام في الرواية [8] (ما) [9] هو مَثَلٌ ضربَه صلى الله عليه وسلم ، انْتَظَم الجَوابَ عن مَسْألته، واسْتَثْنى منها مَوْضِعَ الشُّبْهة بالشَّرط الذي ذَكره فيه.

يُريدُ [10] أنَّ جَمعَ المالِ واكتسابه غيرُ مُحرَّم، ولكَنَّ الاستكثارَ منه، والخُروجَ [11] من [12] حَدِّ الاقتصَادِ فيه ضَارٌّ، كما أنَّ الاستكثارَ من المأكل مُسْقِمٌ من غير تحريمٍ [13] للأكل، ولكنَّ الاقْتصادَ فيه هو المُختار المَحمود.

والمعنى أنَّ مَرْعَى الرَّبيع ونَباتَه رَخْصٌ [14] ناعِمٌ [15] ، تَسْتحْلِيهِ [16] الماشية فتستكثر منه [17] ، فتَنتفخُ بُطونُها [18] ، ورُبَّما كان ذلك سَببَاً لهلاكها [19] ، وذلك مَثَلُ المُسْتَكْثر من الدُّنيا، الحريص عليها وعلى جمعها.

ومعنى قولِه: (يُلمُّ) يَقُرُبُ، أو يُسْرِعُ أن يكون منه [20] التَّلَفُ.

وقوله: (إلَّا آكلة الخَضِر) فإنَّه مَثَل المُقْتَصِد [21] في طَلَب الدُّنيا، القانع منها بقَدْر الكِفايَة، والخَضِرُ من كَلأ الصَّيف، وليس من أَحْرار [22] بُقُول الربيع الرَّخص، الذي تَسْتكْثر منه الماشيةٌ، وإنَّما تَرْتَعُ منه شَيئاً شيئاً، ولا تَسْتَكِثْر منه فَتَستَوْبلَه، وجعل ما يكون من ثَلَطها وبَوْلها مَثَل الإخراج مَا يكْسِبهُ من المال [23] في الحُقُوق، ووَضْعِه فيها.

وفيه الحَضُّ على الاقْتصاد في المال، والحَثُّ على الصَّدَقة والمَعروف، وتَرْك الإمْسَاك والادِّخار.

وقوله: (وإنَّ [24] المالَ خَضِرةٌ [25] حُلْوةٌ) يريد: أنَّ صورَة الدُّنيا ومَتَاعَها حَسَنَةُ المَنْظَر مُونِقَةٌ، تُعْجبُ النَّاظِرَ [26] ، ولذلك:

@%ص261%

أنَّثَ، والعربُ تُسمِّي الشيءَ المُشْرِقَ النَّاظِرَ [27] خضِراً؛ تَشْبيهاً له بالنبات الأخضر، ويقال: إنَّما سُمِّي الخَضِرُ خَضِراً لِحُسْنه ولإشْراقِ وَجْهِه [28] .

و (الرُّحَضاء): عَرَقٌ يَرْحَضُ الجِلْدَ لكثرته.

[1] (حوله) سقطت من (أ) و(م).
[2] في (أ) و(م): (فرأينا).
[3] في (ط): (عليه).
[4] في الفروع: (يقتل خبطاً).
[5] في (م): (أفسدت).
[6] في (م): (ولمن من).
[7] في الفروع: (عليه شهيداً).
[8] في (م): (الروايات).
[9] هي رواية البخاري رقم (2842) عن أبي سعيد الخدري.
[10] في الفروع: (والمعنى).
[11] قوله: (والخروج) سقط من الأصل والمثبت من (ط).
[12] في الفروع: (عن).
[13] في الفروع: (غير محرم).
[14] (الرَّخْصُ): الشيء الناعم اللين (التاج _ رخص_).
[15] في الفروع: (خضر ناعم رخص).
[16] في (ط): (تستحيله).
[17] قوله: (فتستكثر منه) زيادة من الفروع.
[18] في الفروع: (حتى ربما انتفخ بطنها) إلَّا (م) فقد سقط منها (بطنها).
[19] في الفروع: (سبب هلاكها).
[20] في (ط): (معه).
[21] في الفروع: (كالمقتصد).
[22] في (م): (أحرا).
[23] في الفروع: (مثلاً لما يخرجه من المال المكتسب).
[24] في الفروع: (إن هذا المال).
[25] (خضرة) سقطت من (أ).
[26] في (ط): (الناط).
[27] في (أ): (والنضر) وفي (م): (والناضر).
[28] في الفروع: (لحسن وجهه وإشراقه).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

1465# قوله: (إِلَّا آكِلَةَ الخَضِرِ [1] ): يعني: التي تخرج ما جمعت منه ورعت، ما ينفعها إخراجه ممَّا لو أمسكه؛ لضرِّه إثمه كما يضرُّ التي رعت لو أمسكت البول والغائط ولم يخرجه، وتبيَّن هذا المعنى، أراد بآكلة الخضر: الكفاية من الدُّنيا، فضربه عليه الصَّلاة والسَّلام [مثلًا] [2] لمن يقتصر في أمر الدُّنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقِّها، فهو ناج من وبالها؛ كما نجت آكلة الخضر، ألا ترى قال: (أَكَلَتْ حَتَّى [3] امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا؛ اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ): تستمرئ بذلك ما أكلت، فإذا ثلطته؛ زال عنها الحبط؛ وهو انتفاخ البطن من داء يصيب البطن [4] الآكل، وفيه: الحضُّ على إطعام المسكين، واليتيم، وابن السبيل، وفيه: أنَّ [5] مُكتسِب المال من غير حلِّه كالذي يأكل ولا يشبع.

[1] كذا في النسختين، وهي رواية أبي ذرٍّ الهروي عن المستملي والكشميهني، ورواية «اليونينيَّة»: (الخضراء).
[2] (مثلًا): مستفاد من «التوضيح»: (10/456).
[3] زيد في «اليونينيَّة»: (إذا).
[4] (البطن): ليس في (أ).
[5] (أنَّ): ليس في (ب).





لا تتوفر معاينة