المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

1399-. 1400-. حدَّثنا أَبُو اليَمانِ الحَكَمُ بْنُ نافِعٍ: أخبَرَنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عن الزُّهْرِيِّ: حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ:

أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كَيْفَ تُقاتِلُ النَّاس؛ وَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّىَ يَقُولُوا: لا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَمَنْ قالَها فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسابُهُ على اللَّهِ»؟! فقالَ: واللَّهِ لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ، واللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كانُوا يُؤَدُّونَها إلىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقاتَلْتُهُمْ [/ج2ص105/] عَلَىَ مَنْعِها. قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَواللَّهِ ما هو إلَّا أَنْ قَدْ [1] شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ.

الأطراف



[1] لفظة: «قد» صحَّح عليها في اليونينيَّة. وهي ليست في رواية أبي ذر.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1399-.1400-. ( إِلَّا بِحَقِّهِ ) أي: بحق هذا القول، لأن قوله: «يقولوا» يدل على القول.

( العَنَاقَ ) بفتح العين: الجدي الأنثى. [/ج1ص335/]


1399# 1400# (شُعَيْبُ بْنُ أَبي حَمزَةَ) بحاء مهملة وزاي.

(فَقَالَ عُمَرُ: كيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) إلى آخر الحديث.

قال ابن المنيِّر: وكيفيةُ تنزيلِ مناظرةِ العمرين [1] رضي الله عنهما على القواعدِ أن نقول: استدلَّ عمرُ رضي الله عنه على عصمةِ مانعي الزكاة بكلام معناه: أنَّ العصمةَ من لوازم كلمة الشَّهادة، وقد قالها هؤلاء، فثبتت لهم العصمةُ عملاً بقوله: ((فإذا قالوها عَصَموا منِّي دماءهم))، والعموم يتناولهم؛ لأن الضَّمير عائدٌ على الناس في قوله: ((أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ))، فهو استدلالٌ بالعمومِ.

قلت: الذي في البخاريِّ: ((فمن قالها، فقد عصمَ منِّي مالَه ونفسَه)) وهو صريحٌ في العموم، غيرُ محتاج إلى الاستدلال على عمومِ الضمير بعموم مَعاده.

ثم قال: وبيَّن له أبو بكر رضي الله عنه أنَّ العمومَ لا يتناولهم؛ لأنَّه قال: ((إلَّا بحقها))، والحقُّ إن كان مجملاً، وقد اسُتثني من العام، انسحب الإجمالُ على أول المقال، فبطلَ الاستدلالُ بالعموم، وهي قاعدةٌ مختلَفٌ فيها في العام إذا استُثني منه مجمَل، هل [2] يبقى عامًّا، أو مجملاً؟

وإن كان الحق مبيناً، فالزكاة من

@%ج1ص415%

الحقِّ، وكما لا يتناول العصمةَ مَنْ لم يؤدِّ حقَّ الصلاة، كذلك لا يتناولُ العصمةَ مَنْ [3] لم [4] يؤد حقَّ الزكاة، وإذا لم تتناولهم العصمةُ، بقوا في عموم قوله: ((أُمرت أن أقاتلَ الناس))، فوجبَ قتالهُم حينئذٍ.

وهذا من لطيف النَّظر أن يقلبَ المعترضُ على المستدلِّ دليلَه، فيكونَ أحقَّ به، وكذلك فعل أبو بكر، فسلَّم له عمر رضوان الله عليهما.

قال: وفي قضية أبي بكر رضي الله عنه إشكال من حيثُ إن المنقول عنه: أنه سبى ذراريَّ المرتدين ونساءهم؛ كالحربيِّين الأصليِّين، ثم رأى عمرُ خلف ذلك، وردَّ الذريَّةَ والنساءَ من الرقِّ إلى العشائر، وعلى مذهب عمر الأكثر [5] ، وهو مشهورُ مذهب مالكٍ رضي الله عنه، فيقال: كيف نقضَ عمرُ حكمَ [6] السبي، وقد حكم به أبو بكر.

والقاعدةُ: أن حكمَ الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينتقض [7] ؟

وأجاب: بأنه يحتمل أن يكون عمرُ فهمَ عن أبي بكر رضي الله عنهما الفُتيا لا الحكمَ، وكان الذين تولوا السبيَ والاسترقاقَ أقرَّهم أبو بكر على فعلِهم رأياً منه، لا حكماً، والفُتيا لا يلزم إمضاؤها.

ويحتمل أن يكون عمر رضي الله عنه رأى أن الأمور العامَّة والمصالح التي تتعلق بالأيالة [8] الكلية يفعل فيها كلُّ إمام بمقتضى اجتهاده؛ بخلاف وقائع الخصومات بين المتداعيين المعينين [9] ، تلك [10] التي يجب إمضاءُ حكم الحاكم فيها.

وعلى هذا اختلف علماؤنا في تحبيس [11] الإمام طائفةً من بيت المال على وجهِ مخصوص، هل هو حكمٌ يجب إمضاوه، أو لغيره من الأئمة أن يغير ذلك باجتهاده؟.

@%ج1ص416%

قال: ويحتمل [12] وجهاً ثالثاً، وهو أن يكون عمر رأى أن حكم أبي [13] بكر إنما يتناول من باشره بالحكم من الموجودين عند الواقعة لا نسلهم المتجدد، فلهذا استأنف فيهم حكماً باجتهاده.

قال: وانظر على هذا لو حكم قاضٍ برقِّ أمةٍ أعتقها من لا يرى الإمامُ تنفيذَ عتقه؛ كما إذا أوصى مالكُها الصغيرُ بعتقها، فحكم حاكمٌ ببطلان وصيةِ الصغير وعتقِه، وأَرَق الأمَة، فولدت على تلك الحال، فرفع ولدُها الأمرَ إلى قاضٍ آخر بعدَه، فرأى تنفيذَ [14] عتقِ الصغير في الوصية، فهل له أن يحكم بحرية هذا الولد؟ أو يكون الحكم برقِّ الأم حكماً نافذاً فيما تلد أبداً [15] ؟.

وهذا هو الظاهر.

وحملُ الأمرِ على الفرقِ بين الأحكام الخاصة في الوقائع المعينة، والخصومات الراجعة إلى الآحاد [16] ، وبين الأحكام العامَّة في مصالح الأمر، وتدبير السياسة أحسنُ وأظهرُ. والله أعلم.

[1] في (م): ((للعمرين))، وفي (د): ((المناظرة العمرين)).
[2] في (د): ((هنا)).
[3] قوله: ((مَنْ لم يؤد حقَّ الصلاة، كذلك لا يتناولُ العصمةَ مَنْ)): ليس في (ق).
[4] في (ق): ((أن)).
[5] في (ق): ((الأكثرون)).
[6] ((حكم)): ليست في (ق).
[7] في (م) و(ق) و(ج): ((ينقض)).
[8] في (ق) و(د) و(ج): ((بالإمالة)).
[9] في (د): ((المدعيين)).
[10] في (ق): ((بذلك)).
[11] في (م) و(د): ((تجييش)).
[12] في (ج): ((ويحتاج)).
[13] في (ق): ((أبا)).
[14] في (ق): ((بتنفيذ)).
[15] في (ق): ((حكماً نافذا فيها مؤبداً)).
[16] في (د) و(ج): ((الأحاديث)).





1399-1400- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): تقدَّم مرارًا أنَّه الحكم بن نافع.

قوله: (تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (تُوفِّي): مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، و (رسولُ): مرفوع نائب مناب الفاعل.

قوله: (عَنَاقًا): العَناق -بفتح العين-: الأنثى من أولاد المعز، كذا في «الصِّحاح»، وقال بعضهم: ما لم يتمَّ لها حَوْل، وقيل غير ذلك.


لا تتوفر معاينة

1399- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) البهرانيُّ الحمصيُّ (قال: أَخْبَرَنَا [1] شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي المُعجَمة [2] ، الأمويُّ مولاهم الحمصيُّ، واسم أبيه: دينارٌ، (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتصغير (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) المدنيُّ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) خليفةً بعده، (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) بعضٌ بعبادة الأوثان، وبعضٌ بالرُّجوع إلى اتِّباع مسيلمة؛ وهم أهل اليمامة وغيرهم، واستمرَّ بعضٌ على الإيمان إلَّا أنَّه منع الزَّكاة وتأوَّل أنَّها خاصَّةٌ بالزَّمن النَّبويِّ؛ لأنَّه تعالى قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التَّوبة: 103] . ..الآية، فغيره عليه الصَّلاة والسَّلام لا يطهِّرهم ولا يصلِّي عليهم فتكون صلاته سكنًا لهم، (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه لأبي بكرٍ رضي الله عنه: (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ)؟! وفي حديث أنسٍ: أتريد أن تقاتل العرب (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: أمرني الله (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وكأنَّ عمر رضي الله عنه لم يستحضر من هذا الحديث إلَّا هذا القدر الذي ذكره، وإلَّا؛ فقد وقع في حديث ولده عبد الله [خ¦25] زيادة: «وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزَّكاة». وفي رواية العلاء بن عبد الرَّحمن: «حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به»، وهذا يعمُّ الشَّريعة كلَّها، ومقتضاه: أنَّ من جحد شيئًا ممَّا جاء به صلَّى الله عليه وسلَّم، ودُعِيَ إليه فامتنع، ونصب القتال، تجب مقاتلته وقتله إذا أصرَّ، (فَمَنْ قَالَهَا)؛ أي: كلمة التَّوحيد مع لوازمها؛ (فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ) فلا يجوز هدر دمه واستباحة ماله بسببٍ من الأسباب (إِلَّا بِحَقِّهِ)؛ أي: بحقِّ الإسلام؛ من قتل النَّفس المُحرَّمة، أو ترك الصَّلاة، أو منع الزَّكاة بتأويلٍ باطلٍ (وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ) تعالى فيما يسَّره، فيثيب المؤمن ويعاقب المنافق، فاحتجَّ عمر رضي الله عنه بظاهر ما استحضره ممَّا رواه من قبل أن ينظر إلى قوله: «إلَّا بحقِّه»، ويتأمَّل شرائطه.

1400- (فَقَالَ) له أبو بكرٍ رضي الله عنه: (وَاللهِ؛ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ) بتشديد الرَّاء، وقد تُخفَّف (بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)؛ أي: قال: أحدهما واجبٌ دون الآخر، أو منع من إعطاء الزَّكاة متأوِّلًا؛ كما مرَّ (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ) كما أنَّ الصَّلاة حقُّ البدن؛ أي: فدخلت في قوله: «إلَّا بحقه»، فقد تضمَّنت عصمة دمٍ ومالٍ مُعلَّقةً باستيفاء شرائطها، والحكم المُعلَّق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدومٌ، فكما لا تتناول العصمة من لم يؤدِّ حقَّ الصَّلاة، كذلك لا تتناول العصمة من لم يؤدِّ حقَّ الزَّكاة، وإذا لم تتناولهم العصمة بقوا [3] في عموم قوله [خ¦1399] : «أُمِرت أن أقاتل النَّاس»، فوجب قتالهم حينئذٍ، وهذا من لطيف النَّظر أن يقلب المعترضُ على المستدلِّ دليلَه، فيكون أحقَّ به، ولذلك [4] فعل أبو بكرٍ فسلَّم له عمر [5] ، وقاسه على الممتنع من الصَّلاة؛ لأنَّها كانت بالإجماع من [6] رأي الصَّحابة، فردَّ المُختلفَ فيه إلى المُتفَّق عليه، فاجتمع في هذا الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكرٍ بالقياس، فدلَّ على أنَّ العموم يُخَصُّ بالقياس، وفيه دلالةٌ [7] على أنَّ العمرين لم يسمعا من الحديث «الصَّلاة» و«الزَّكاة» كما سمعه غيرهما، أو لم يستحضراه؛ إذ لو كان ذلك؛ لم يحتجَّ عمرُ على أبي بكرٍ، ولو سمعه أبو بكرٍ؛ لردَّ به على عمر، ولم يَحْتَجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله: «إلَّا بحقِّه»، لكن يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدَّليل النَّظريِّ، ويحتمل كما قال الطِّيبيُّ: أن يكون عمر ظنَّ أنَّ المُقاتَلة إنَّما كانت لكفرهم، لا لمنعهم الزَّكاة، فاستشهد بالحديث، وأجابه الصِّدِّيق: بأنِّي ما أقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزَّكاة، (وَاللهِ؛ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) بفتح العين المهملة؛ الأنثى من المعز (كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَوَاللهِ؛ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ) سقط لفظة: ((قد)) في رواية أبي ذرٍّ (شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي [/ج3ص6/]

بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) لقتالهم (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) بما ظهر [8] من الدَّليل الذي أقامه [9] الصِّدِّيق نصًّا، وإقامة الحجَّة، لا أنَّه قلَّده في ذلك؛ لأنَّ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا.

وذكر البغويُّ والطَّبريُّ وابن شاهين والحاكم في «الإكليل» من رواية حَكيم بن حَكيم بن عَبَّاد بن حُنَيْفٍ عن فاطمة بنت خَشَّاف السُّلميَّة عن عبد الرَّحمن الظَّفَرِيِّ، وكانت له صحبةٌ قال: بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى رجلٍ من أشجعَ أن تُؤخَذ منه صدقتُه، فأبى أن يعطيها، فردَّه إليه الثَّانية، فأبى، ثمَّ ردَّه إليه الثَّالثة وقال: «إن أبى؛ فاضرب عنقه»، اللَّفظ للطَّبرانيِّ، ومداره عندهم على الواقديِّ عن عبد الرَّحمن بن عبد العزيز الإماميِّ عن حكيمٍ، وذكره الواقديُّ في أوَّل كتاب «الرِّدَّة»، وقال في آخره: قال عبد الرَّحمن بن عبد العزيز: فقلت [10] لحكيم بن حَكيمٍ: ما أرى أبا بكرٍ الصِّدِّيق قَاتَلَ أهل الرِّدَّة إلَّا على هذا الحديث، قال: أجل، و«خَشَّافٌ» [11] : ضبطه ابن [12] الأثير: بفتح المعجمة وتشديد الشِّين [13] المعجمة وآخره فاءٌ، وفي الحديث: أنَّ حولَ النِّتاج حولُ الأمَّهات، وإلَّا؛ لم يجز أخذ العناق، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وبه قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: لا تجب الزَّكاة في المسألة المذكورة، وحملا الحديث على المبالغة.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «استتابة المرتدِّين» [خ¦6924] وفي «الاعتصام» [خ¦7284] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا [14] فيه وفي «المحاربة».

[1] في (ص): «أخبرني».
[2] «المعجمة»: ليس في (د) و(س).
[3] في (د): «فهم»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[4] في (د): «وكذا».
[5] قوله: «فكما لا تتناول العصمة من لم يؤدِّ حقَّ الصَّلاة... فعل أبو بكرٍ فسلَّم له عمر»، ليس في (ص) و(م).
[6] في (د): «عن».
[7] في (ص): «دليل».
[8] في (ص): «يظهر».
[9] في (د): «أتى به».
[10] قوله: «الإماميِّ عن حكيمٍ، وذكره الواقديُّ... عبد الرَّحمن بن عبد العزيز: فقلت»، ليس في (ص).
[11] في (م): «خسَّاف»، وهو تصحيفٌ.
[12] «ابن»: ليس في (ب).
[13] زيد في (ص): «أي».
[14] «أيضًا»: ليس في (ص) و(م).





1399-1400- ( وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ): هي تامَّة، أي: قام مَقامه. [/ج3ص1145/]


291/1399# 1400# قال أبو عبد الله: حدَّثنا أَبُو اليَمانِ، قال: أخبَرنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ:

أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ قالَ: لَمَّا [1] تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وكانَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ،

@%ص238%

فقالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقاتِلُ النَّاسَ؛ وَقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّىَ يَقُولُوا: لا إِلَهَ إلَّا اللهُ. فَمَنْ قالَها عَصَمَ مِنِّي مالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ [2] ، وَحِسابُهُ على اللهِ»؟! فقالَ: واللهِ لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ، واللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقاً [3] كانُوا يُؤَدُّونَها إلىَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقاتَلْتُهُمْ عَلَىَ مَنْعِها. فقالَ عُمَرُ: ما هو إلَّا أَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ [4] ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ.

قلت: هذا حديثٌ مشكلٌ جدَّاً، وإشكالُه من جهة اختصاره، وتَرَكَ أكثرُ رُواته اسْتِقْصَاءَه واسْتيفاءَ القِصَّةِ فيه، وكلامُ أبي هريرة من رواية عبيد الله [5] فيما ذكَرهُ من الحادثة، وحكاه من مُحَاجَّةِ أبي بكر وعمر كلامٌ مُبْهَمٌ [6] قد تعلَّق به الرَّوافِضُ، وادَّعُوا فيه [7] المُنَاقَضة [8] ، وقالوا: قد أَخْبرَ في أَوَّل القِصَّة عن كُفْر مَنْ كَفَر مِن [9] العربِ وارْتدادهم، وإنَّما يُطلَقُ [10] اسْمُ الكفرِ على مَنْ أنكر الدِّينَ، وخرج من [11] المِلَّة، ثمَّ حَكَى عن أبي بكرٍ أنَّه قال [12] : لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّق بين الصَّلاة والزَّكاة؛ وهذا يُوجِبُّ [13] أن يكونوا ثابتين على [14] الدِّين مُقيمين للصلاة، وإن مَنَعُوا الزَّكاة، وفَرَّقُوا بينهما في القيام بإحداهما وتَرْكِ الأخرى منهما، وزعم هؤلاء [15] أنَّ عُمَرَ لم يُطابِقه على الحَرْب لقيام الدَّليل [16] عنده على أنَّها حَقٌّ لكن [17] مُسَاعَدةً لأبي بكر وتقليداً له، وذلك حين يقول: فواللهِ ما هو إلَّا أَنْ رأيتُ الله قد [18] شَرَحَ صَدْرَ أبي بَكر للقتال، فعرفتُ أنَّه الحَقُّ.

قالوا: وهذا كلامُ مَنْ يَدَّعي لأبي بكر العِصمةَ، ويُسَلِّم له أفعالَه بغير حُجَّة، وليس ذلك لأحدٍ بعدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا: وإذا كان هكذا [19] حالَهم عند أبي بكر فكيف اسْتَجاز قَتْلَهُم وسَبْيَهم وسَبيَ ذراريهم وهم مسلمون [20] ؟

وإنْ كانوا كُفَّاراً مُرْتَدِّينَ فما معنى هذا القول في التفرقة بين الصلاة

@%ص239%

والزكاة، والتَّعَلُّقِ في اسْتباحَةِ قتالهم، وقد أجمعوا أنَّ المُرتَدَّ لا يُسْبَى، ولا يُستَعْبَدُ؟! وعلى كُلِّ حالٍ فلم يَخْلُ صَنيعُه ذلك من عَسْفٍ وسُوء سيرةٍ.

وزَعمُوا أيضاً أنَّ القومَ كانوا مُتَأوِّلين في مَنْع الزَّكاة، مُحْتَجِّين على أبي بكر [21] ، بقول الله عزَّ وجلَّ: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } [22] [التوبة: 103] ، لمَّا وجدُوا الخطابَ خاصّاً [23] في مُواجهة النبيِّ صلى الله عليه وسلم دُون غيره بشَرْطِ أن يُطَهِّرَهم ويُزَكِّيَهم ويُصَلِّي عليهم، فإنَّ صلاتَه سَكنٌ لهم [24] ، وهذه الشرائط مَعْدُومةٌ في غيره، ولذلك قال شاعرهم:

~أَطَعْنَا رسولَ الله [25] ما دام [26] بَيْنَنَا فَيَا عَجَباً مَا بَالُ [27] مُلْك أبي بَكْرِ [28]

ومثل هذه الشُّبَه تُوجِبُ العُذْرَ لمثلهم، والوُقَوفَ عن قتلهم، وقد كان رأيُ بَعضِهم أنَّه ليس بإمامٍ، وإنَّما يأخُذُ الزَّكاةَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حياته، أو إمامٌ يَنْصِبُه للخلافة بعده، في أشياء من هذا الباب، أكثرُها تخليطٌ وتَغْليط لعوامِّ الناس والضَّعَفَة منهم. [29]

وأوَّل ما يُحتَاجُ إليه من بيان هذه الأمور [30] معرفةَ القِصَّة فيها كيف كانت، وصُورةُ الأمر [31] كيف جَرَتْ، فنحتاجُ من أجل ذلك إلى ذِكْر الرِّوايات، وتَتتَبعِ طُرُق النَّقْل فيها لتتكَشَّفَ [32] الحقيقةُ منها، ونحن فاعلون لذلك بمشيئة الله وعونه.

فوجدنا أكثرَ الروايات في ذلك عن أبي هُريرة على الاختصار، على [33] نَحو ما رواه عبيدُ الله بن ِعبد الله بن عُتبةَ، وهو الذي ذكره أبو عبد الله، كذلك رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عنه، حدَّثناه عبد الله بن محمَّد المسكيُّ: حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن [34] الجُنيد: حدَّثنا محمَّد بن قُدامَه المرْوَزِيُّ: حدَّثنا النَّضْر بن شُمَيْل: حدَّثنا محمَّدُ بن عَمْرو: عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة [35] ؛ نحو حديث عُبيد الله.

وكذلك رواه العَلاءُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، حدَّثناه ابن مالك: حدَّثنا الحسن بن زياد السُّدِّيُّ:

@%ص240%

حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أويس: حدَّثنا مالك، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة [36] .

وكذلك رواه ابنُ عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة [37] ، حدَّثنيه أبو محمَّد الكَرَّانيُّ: حدَّثنا الحسن بن عبد العزيز المُجَوِّز: حدَّثنا أبو عاصم: حَدَّثنا ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة [38] (ح).

وحَدَّثناه النَّجَّادُ: حدَّثنا الحارثُ بن أُسَامَة: حَدَّثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن أبيه [39] ؛ مثله.

وكذلك رواه المَقْبريُّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، حدَّثناه محمَّد بن بكر: حدَّثنا أبو مسلم: حدَّثنا أبو عاصم، عن المَقْبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة.

وكذلك رُوي عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هريرة، أخبرناه ابن الأعرابيِّ: حدَّثنا محمَّد بن أحمد بن الجُنَيد الدَّقَّاق: حدَّثنا عبد الغَفَّار بن عُبيد الله الكُريزيُّ: حدَّثنا صالحُ بن أبي الأخضر: عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هريرة [40] ؛ نحوه.

فهذه الروايات كلُّها مُختصَرةٌ نحو حديث عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، وفي الألفاظ اختلافٌ يَسيرٌ لا يُتَغَيُّرُ له [41] المعنى.

ثمَّ إنَّنَا قد رُوِّيناهُ من طَريقٍ صحيح عن أبي هريرة من غير اختصار، فذكرَ فيه الصَّلاة والزَّكاةَ، حدَّثنيه إبراهيم بنُ عبد الله [42] الأصبهانيُّ: حدَّثنا محمَّد بن إسحاق بنِ خُزيمة: حدَّثنا محمَّد بن أبان، عن أبي نُعيم: حدَّثنا أبو العَنْبَس سَعيدُ بن كثير: حدَّثني أبي، عن أبي هريرةُ، قال: قال رسولُ الله [43] صلى الله عليه وسلم : «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ الناس حتَّى يَشْهدُوا أَنْ لا إلَهَ إلَّا الله، ويُقيموا الصَّلاة، ويُؤتُوا الزَّكاةَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ عليَّ [44] دِمَاؤُهم وأموالُهم، وحِسابُهم على اللهِ» [45] .

قلت: وهو كثيرُ بن عُبيد مَولى أبي بكر [46] ، وقد أدخله ابنُ خُزَيمة في «مسنده [47] الصحيح».

وقد روى أنسُ بنُ مالك أيضاً قِصَّةَ مُحاجَّة أبي بكر وعمر فذكر فيها الصلاة والزَّكاة [48] من طريقٍ يدخلُ في الصحيح: أخبرناه ابنُ الأعرابيِّ: حدَّثنا محمَّد بن عبد الملك

@%ص241%

الدَّقيقيُّ [49] : حدَّثنا عمرو [50] بن عاصم الكلابيُّ، حدَّثنا أبو العَوَّام _يعني عِمرانَ بن دَاوَر القَطَّان_: حدَّثنا معمر بن راشد، عن الزِّهْريِّ، عن أنس قال: لَمَّا تُوِفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدَّ عامَّةُ العرب، فقال عمرُ لأبي بكر: أَتُريدُ أن تُقاتِلَ العربَ؟ قال أبو بكر: إنَّما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إذا شَهِدُوا أنْ لا إلَه إلَّا الله وأَنَّ محمَّداً رسولُ الله، وأقامُوا الصَّلاة، وآتوا الزَّكاةَ عَصَمُوا مِنَّي دمَاءهم وأموالَهم». والله لو مَنعُوني عَناقاً مِمَّا [51] كانوا يُعطُونَه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لقاتَلْتُهم عليه.

وقد رواه أيضاً محمَّد بن إسحاق بن خزيمة في «مسنده الصحيح»، قال: حدَّثنا بُندارٌ: حدَّثنا عَمرو [52] بنُ عاصم الكلابيُّ؛ بإسناده سَواء [53] .

وقد روِّينا أيضاً حديث أنس في غير ذلك لقصَّة الرِّدَّة من طريق صحيح، أخبرناه محمَّدُ بن بكر: حدَّثنا أبو داود: حدَّثنا سعيدُ بنُ يعقوب الطَّالَقانِيُّ: حدَّثنا عبد الله بن المبارك، عن حُميد، عن أنس، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أُمِرْتُ أن أُقاتِل الناس حتَّى يَشْهَدوا أن لا إلَهَ إلإَّ اللهُ وأَنَّ محمداً عبْده ورسولُه [54] ، وأن يستقبلوا قِبلَتَنا، وأن [55] يأكلوا ذَبيحتنا، وأن يُصلُّوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حَرُمَتْ علينا دماؤُهم وأموالُهم إلَّا بحقِّها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين».

وقد روى نحو ذلك الإمام أبو عبد الله _ رحمه الله _ في هذا الكتاب من رواية ابن عمر، فذكر فيه الزكاة، قال:

25- حدَّثنا عبد الله بن محَّمدٍ: حدَّثنا حرميُّ بن عمارة: حدَّثنا شعبة، عن واقد بن محمَّد، قال [56] : سمعت أبي يحدِّث عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك [57] عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلَّا بِحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله».

@%ص242%

فقد نطقت هذه الأخبار المرويَّة من الطُّرق الصِّحاح: _وحديث أبي هريرة من طريق كثير بن عُبيد، وحديث أنس من طريق الزُّهريِّ، وحديث ابن عمر_ أنَّ الزَّكاة [58] كانت شرطاً في الأصل لِحَقْنِ الدَّم، فثبت بذلك [59] أنَّ أبا بكر إنَّما قاتلَهم [60] بالنَّصِّ والتَّوقيف، لا بالنَّظر والاسَّتدلال [61] الذي جرى ذكْرُه في خبر عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة عن أبي هريرة [62] ، ويُشْبه أن يكونَ هذا إنَّما ذُكر فيه على سبيل التوكيد والاسْتْظهار عند مراجعة القول في مُنَاظرة عُمر [63] ، لا على سبيل التَّفَرُّد به وَحْدَه، وفي ذلك إسْقاطُ [64] جميع ما أوردَهُ [65] الرَوافِضُ من الشُّبه، وقد ذكرتُ الجوابَ عن تلك الفصولِ في كتاب «معالم السنن» [66] فلم يجب تكريره هاهنا.

وممَّا يجبُ أن يُعلم [67] هاهنا أنَ الذين [68] لزمهم اسمَ الرِّدَّة من العرب كانوا صِنْفينْ:

صِنفٌ منهم ارتدُّوا عن الدِّين، ونابذُوا المِلَّةَ، وعَاوَدُوا الكُفْرَ [69] ، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: وكَفرَ مَنْ كَفَر من العرب؛ وهم أصحابُ مُسَيْلَمة [70] ، ومَنْ سَلَكَ مَذْهبَهم [71] في إنكار نُبُوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم .

والصنِّف الآخر: هم الذين فَرَّقُوا بين الصلاة والزكاة، فأقَرُّوا بالصَّلاة وأنكروا الزَّكاةَ، وهؤلاء على الحقيقة [72] أهلُ بَغْي، وإنَّما لم يُدْعَوْا بهذا الاسم على الاختصاص به [73] ؛ لدخولهم في غمار أهل الرِّدَّة [74] ، فأَضِيفَ الاسمُ في الجُملة إلى الرِّدَّة، إذْ كانت أَعْظَمَ الأمرين خَطْباً، وصار مَبدَأُ قِتَالِ أهل البَغْي مُؤَرَّخاً بأيَّام عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه [75] ، إذ كانوا مُنفردين في عَصْرهِ، لم يختلطوا بأهلِ شِرْكٍ، وفي ذلك تَصويبُ رأي عليٍّ في قتال أهل البَغْي، ودليلٌ على أنَّه إجْماعٌ من الصحابة كُلِّهم.

فإن قيل: لو كان مُنْكِرُوا الزكاة في زمان أبي بكر [76] أَهْلَ بَغْي، ولم يكونوا بذلك كُفَّاراً، لكان سبيل [77] مُنكري فَرْضِ الزكاة في زماننا هذا سَبِيلَهم في لُزوم الاسم إيَّاهم، وسُقُوط حُكْمِ الكفر عنهم.

قيل: إنَّ مَنْ أَنكَر ذلك في هذا الزَّمان كافِرٌ بإجماع الأُمَّة،

@%ص243%

والفَرْق في ذلك بينَه وبين أولئك القوم أنَّهم عُذِرُوا فيما جَرَى منهم، حتَّى صارَ قتالُ المسلمين إيَّاهم على معنى اسْتخراج الحَقِّ منهم، دُون [78] القصْدِ إلى دمائهم وأنفسهم؛ لأُمورٍ [79] لا يحدثُ مثلها في هذا الزمانِ، منها:

قُربُ العَهدِ بزمان الشريعة التي كان يَقَعُ فيها [80] تبديلُ الأحكام.

ومنها وُقُوعُ الفَتْرة بموت النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وكان القومُ جُهَّالاً بأمُور الدِّين، وعَهْدُهم حَدِيثٌ بالإسلام، فداخلتهم الشُّبْهة [81] ، فَعُذِرُوا ضَرْباً [82] من العُذْر.

فأمَّا اليومَ فقد شَاعَ أَمْرُ الدِّين، واسْتَفَاضَ العِلْمُ بوجُوب الزَّكاة؛ حتَّى عَرَفَه الخاصُّ والعامُّ، واشترك [83] في معرفته العالم والجاهلُ، فلا يُعْذَر أحدٌ بتأويلٍ يَتَأوَّلُهُ في إنكارها، وصار سبيلُها سبيلَ الصلوات الخمس في اسْتِفَاضَةِ العلم بها، فلا عُذْر لمن جَهِلَها [84] ، ولا بُقْيَا على مَنْ أنكرها؛ إلَّا أن يَتَّفِقَ أن يكونَ رجلٌ في بعض البلاد المُتاخمة لبلاد الكفر [85] ، حَدِيثَ عَهْد بالإٍسلام [86] ، لا يَعرفُ حُدُودَه، فإذا أنكر شيئاً من مَعَاظِم أَمْر [87] الدِّين جَهْلاً به لم يَكْفُر، ولم يَرْتَفِع اسمُ الدِّين عنه للعُذْر فيه.

وأمَّا ما جَرَى من السَّبي عليهم فهو أمرٌ [88] قد رأته الصحَّابةُ [89] في ذلك الوقت [90] من طريق الاجتهاد، وقد اسْتولَد عليُّ بن أبي طالب جَاِرِيَةً من سَبْي بني [91] حنيفة، فولَدت محمَّد بن عليٍّ [92] ، ثمَّ لم يَنْقَرِض العَصْر حتَّى رَأَوْا خِلاَفَه، واتَّفَقُوا على أنَّ المُرْتدَّ لا يُسْبى، وإنَّما أوردوا [93] الخِلاف في أولاد المُرتدِّين، وقد قيل: إنَّه لم يُسْبَ أحدٌ من رجالهم؛ وقد جيءَ بالأشْعث بن قَيْس، وبَعُييْنَة [94] بن حِصْن فأطلقَهما ولم يَسْتَرقَّهُما.

وفي الحديث من الفِقه: وُجُوبُ الصَّدَقة في السِّخَالِ والفُصْلانِ والعجاجيل، وأنَّ واحدةً منها تُجزئ عن الواجب في الأربعين منها إذا كانت كُلُّها صِغاراً، ولا يُكَلَّفُ صاحِبُها [95] مُسِنَّةً.

وفيه دليلٌ على أنَّ حَوْلَ النتاج حَولُ الأربعين الأُمَّهات، ولو كان يُستَأنَفُ

@%ص244%

بالنتاج الحَولُ [96] لم يوجد السبيل إلى أخذ العناق، وإلى إيجاب الزكاة فيها، وأنَّ واحدةً منها مُجْزِئةٌ، وإليه مالَ [97] الشافِعيَّ [98] ، وهو قولُ أبي يوسف، وقال مالك: فيها مُسِنَّةٌ [99] . وقال محمَّد بن الحسن: لا شيءَ فيها.

وفيه دليلٌ على أنَّ الرِّدَّة لا تُسْقِط عن المُرْتدِّ الزَّكاةَ إذا وَجَبتْ عليه في أموالهِ.

وقوله: (وحسَابُه على اللهِ) معناه: بما [100] يَسْتَسِرُّ [101] به من الباطن دون الظاهر البادِي من أَمْرِه، فإنَّه مَأْخُوذٌ به.

وفيه دَلالةٌ على أنَّ توبةَ الزِّنْديق [102] مقبولةٌ، وسَرِيرتَه فيما يُبْطِنه إلى الله موكولةٌ [103] ، وهو قولُ أكثر العلماء، وحُكي عن مالك أنَّه قال: لا تُقبَلُ تَوْبَةُ الكافِر المُسْتَسِرُّ بكُفْرِه [104] . وحُكي ذلك أيضاً عن أحمد بن حنبل [105] .

[1] (لما) سقطت من (م).
[2] في (أ): (إلا بحقها) وفي (ر): (إلا بحق).
[3] في (ط): (عنا).
[4] في الفروع زيادة: (للقتال).
[5] في (ط): (عبد الله).
[6] انظر: تعليق الخطابي على كون رواية أبي هريرة مُبْهَمة (معالم السنن 2/205)
[7] قوله: (فيه) زيادة من (ط).
[8] في الفروع: (وقالوا فيه تناقض).
[9] قوله: (من كفر من) سقط من الأصل، والمثبت من (ط).
[10] في (ف): (أطلق).
[11] في الفروع: (عن)
[12] في الفروع: (ثم قول أبي بكر).
[13] في (ر): (يجوز).
[14] في (ر): (عن).
[15] في الفروع: (وزعموا).
[16] في الفروع: (لدليل قام).
[17] في الفروع: (وإنما هو).
[18] (رأيت الله قد) سقط من (ط).
[19] في (ط) والفروع: (هذا).
[20] في الفروع: (إن كانوا مسلمين).
[21] في الفروع: (مستدلين عليه).
[22] ذكر في (ط): (إن صلاتك سكن لهم) فقط.
[23] في (ط): (خاصة).
[24] قوله: (لهم) زيادة من (ط)، وزاد في الفروع: (وتطهير).
[25] في (أ) زيادة: ( صلى الله عليه وسلم ).
[26] في الفروع: (وما كان).
[27] (ما بال) سقط من (ط).
[28] ينسب البيت إلى الحطيئة في ديوانه 329، والأغاني 24/130 وقيل، هو للحارث بن سُراقة بن معد يكرب. وقال الطبري في تاريخه (3/245): ينسب إلى الخُطَيل بن أوس أخو الحطية.
[29] أنظر، معالم السنن للخطابي (2/1999).
[30] في الفروع: (أول ما يحتاج أن نبين).
[31] في الفروع: (والصورة).
[32] في (ط): (لتكشف).
[33] قوله: (على) زيادة من (ط).
[34] (بن): ليست في (ط).
[35] انظر: المسند للإمام أحمد بن حنبل (2/502).
[36] انظر، صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس....برقم (34).
[37] (وكذلك رواه..أبي هريرة) سقط من (ط).
[38] انظر: المسند للإمام أحمد بن حنبل (2/439).
[39] (عن أبي هريرة ح... عن أبيه) سقط من (ط).
[40] انظر: صحيح مسلم في الإيمان، باب اللأمر بقتال الناس رقم34/.
[41] في (ط): (به).
[42] في (أ) و(م): (عبيد الله).
[43] في (ف): (النبي).
[44] (علي) سقطت من (ف).
[45] انظر صحيح ابن خزيمة رقم (2248)
[46] في الأصلين والفروع: (مولى أبي هريرة)، والمُثبت من مصادر الترجمة.
[47] في الفروع: (المسند).
[48] في الفروع: (الزكاة مع الصلاة) إلَّا في (أ): (الصلاة مع الزكاة).
[49] في (أ) (الرقفي) وفي (م): (الرقيقي).
[50] في (أ): (عمر).
[51] في (م): (ممن).
[52] في (أ): (عمر).
[53] في (ر) وف): (مثله) وانظر: صحيح ابن خزيمة رقم (2247) عن أنس
[54] في (أ): (وأن محمداً رسول الله).
[55] (وأن) سقطت من الفروع.
[56] في (ط): (عن قال).
[57] ذلك سقطت من (ط).
[58] في (أ): (الصلاة).
[59] في الفروع: (بهذا).
[60] في (ر): (قتلهم).
[61] في (ط): (لا بالاجتهاد).
[62] قوله: (عن أبي هريرة) زيادة من الفروع.
[63] في الفروع: (الاستظهار بالمناظرة بالترجيح).
[64] في الفروع: (وفي هذا سقوط).
[65] في (ط): (أفرده).
[66] انظر: معالم السنن 2/199
[67] في الفروع زيادة: (معرفته أن يعلم).
[68] في الفروع إلَّا (أ): (الذي).
[69] في (أ) و(ف): (وعادوا إلى الكفر) وفي (م): (وعادو للكفر).
[70] في (ط): (مسلمة).
[71] في الفروع: (نحى نحوهم).
[72] في (أ) و(ر) و(ف): (في الحقيقة) وفي (م): (بالحقيقة).
[73] في الفروع: (لم يخصوا بهذه السمة).
[74] في الفروع زيادة: (بخلاف المسلمين).
[75] ( رضي الله عنه ) من (ط).
[76] في الفروع: (لو كان أولئك).
[77] قوله: (منكروا الزكاة.... سبيل) سقط من الأصل والمثبت من (ط).
[78] في (ط): (إلى).
[79] في (أ): (أمور).
[80] في الفروع: (الذي كان فيه).
[81] انظر، معالم السنن 2/205.
[82] في الفروع: (نوعاً).
[83] (واشترك) سقط من (ط).
[84] في الفروع: (لأحد جهلها) وفي (أ): (لأحد في جهلها).
[85] (في بعض البلاد المتاخمة لبلاد الكفر) سقط من (ط).
[86] في الأصل: (عهد الإسلام).
[87] في (ط): (أمور).
[88] في الفروع: (شيء).
[89] في (م): (قد رآه).
[90] في الفروع: (حينئذ).
[91] في (ر): (أبي).
[92] في الفروع: (بن الحنفية).
[93] في الفروع: (أورثوا).
[94] في الفروع: (وعيينة).
[95] في (أ) زيادة: (عن الواجب).
[96] قوله: (الحول) سقط من الأصل والمثبت من (ط)
[97] في الأصل (قال) والمثبت من (ط) وفس الفروع: (هذا قول).
[98] انظر: كتاب الأم 2/10
[99] انظر المغني لأبن قدامة (2/451).
[100] في الفروع: (فيما).
[101] في (أ): (استسر).
[102] (الزَّنديق) القائل ببقاء الدهر وزندقته أنَّه لا يُؤمن بالآخرة ووحدانية الخالق (التاج _ زندق_).
[103] في (ر) و(م): (موكلة).
[104] انظر: الحجة على أهل المدينة (1/488).
[105] انظر: معالم السنن للخطابي (2/199).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

1399# 1400# و(العَنَاق): الأنثى من ولد المعز ما دون الحول، وقيل: ما أتى عليه أربعة أشهر وفصل عن أمِّه، وقوي على المرعى.

و(العَقَال): صدقة عام، أو الحبل الذي يعقل به البعير، وذكر ذلك على التَّقليل، وغاية العزم على الدِّين.


لا تتوفر معاينة