المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

1386-. حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْماعِيلَ: حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ: حدَّثنا أَبُو رَجاءٍ:

عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ، قالَ: كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [/ج2ص100/] إذا صَلَّى صَلاةً [1] ، أَقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ، فقالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيا؟» قالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّها، فَيَقُولُ ما شاءَ اللَّهُ. فَسَأَلَنا يَوْمًا فقالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيا؟» قُلْنا: لا. قالَ: «لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيانِي فَأَخَذا بِيَدِي، فَأَخْرَجانِي إلىَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ [2] ، فَإِذا رَجُلٌ جالِسٌ، وَرَجُلٌ قائِمٌ، بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ». قالَ بَعْضُ أَصْحابِنا عن مُوسَى: «أَنَّهُ [3] يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ [4] حَتَّى يَبْلُغَ قَفاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَر [5] مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: ما [6] هَذا؟ قالا: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا، حَتَّى أَتَيْنا علىَ رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ علىَ قَفاهُ، وَرَجُلٌ قائِمٌ علىَ رَأسِهِ بِفِهْرٍ _أَوْ: صَخْرَةٍ_ فَيَشْدَخُ بِهِ [7] رَأسَهُ، فَإِذا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَاخُذَهُ، فَلا يَرْجِعُ إلىَ هَذا، حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأسُهُ، وَعادَ رَأسُهُ كَما هو، فَعادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذا؟ قالا: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا إلىَ ثَقْبٍ [8] مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ واسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نارًا [9] ، فَإِذا اقْتَرَبَ [10] ارْتَفَعُوا، حَتَّى كادَ أَنْ [11] يَخْرُجُوا [12] ، فَإِذا خَمَدَتْ رَجَعُوا فيها، وَفِيها رِجالٌ وَنِساءٌ عُراةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذا؟ قالا: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا، حَتَّى أَتَيْنا علىَ نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قائِمٌ، علىَ وَسَطِ النَّهَرِ [13] رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذا أَرادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كانَ، فَجَعَلَ كُلَّما جاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَما كانَ، فَقُلْتُ: ما هَذا؟ قالا: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا [14] ، حَتَّى انْتَهَيْنا إلىَ رَوْضَةٍ خَضْراءَ، فيها شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِها شَيْخٌ وَصِبْيانٌ، وَإِذا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نارٌ يُوقِدُها، فَصَعِدا بِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلانِي دارًا، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ منها، فيها رِجالٌ شُيُوخٌ وَشَبابٌ وَنِساءٌ وَصِبْيانٌ، ثُمَّ أَخْرَجانِي منها، فَصَعِدا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلانِي [15] دارًا، هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فيها شُيُوخٌ وَشَبابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمانِي [16] اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرانِي عَمَّا رَأَيْتُ. قالا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالكَذِبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إلىَ يَوْمِ القِيامَةِ، والَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ [17] بِالنَّهارِ، يُفْعَلُ بِهِ إلىَ يَوْمِ القِيامَةِ، والَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّناةُ، والَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبا، والشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلام، والصِّبْيانُ حَوْلَهُ فَأَوْلادُ النَّاسِ، [/ج2ص101/] والَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مالِكٌ خازِنُ النَّارِ، والدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دارُ عامَّةِ المُؤمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدارُ الشُّهَداءِ، وَأَنا جِبْرِيلُ، وَهَذا مِيكائِيلُ، فارْفَعْ رَأسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأسِي، فَإِذا فَوْقِي مِثْلُ السَّحابِ، قالا: ذاكَ [18] مَنْزِلُكَ. قُلْتُ: دَعانِي أَدْخُلُ مَنْزِلِي. قالا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ [19] أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ».

الأطراف



[1] هكذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية للسَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا (ب، ص)، وفي رواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي ورواية أخرى للسَّمعاني عن أبي الوقت: «صلاتَهُ».
[2] في رواية أبي ذر عن المُستملي: «أرْضٍ مُقَدَّسةٍ».
[3] لم تضبط الهمزة في الأصلين وضبطت في (ب) بالفتح، وفي (ص): بالفتح والكسر.
[4] في رواية أبي ذر: «. . . وَرَجُلٌ قائِمٌ بِيَدِهِ _قالَ بَعْضُ أَصْحابِنا عن مُوسَى: كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ_ يُدْخِلُهُ في شِدْقِهِ».
[5] لم تضبط الراء في الأصلين، وفي متن (ب، ص): «ثم يفعلُ الآخرُ بشدقه. . » وبهامشهما: في اليونينية: «ثم يفعلُ الآخرُ بشدقِهِ. . » مكتوب على «الآخر» ميم مرتفعة، وعلى «بشدقه» ميم مرتفعة أيضًا، والآخر مرفوع كما ترى.اهـ.
[6] في رواية أبي ذر والمُستملي: «مَنْ».
[7] في رواية أبي ذر: «بها».
[8] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيّ: «نَقْبٍ» بالنون بدل الثاء.
[9] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نارٌ».
[10] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيّ: «أَقْتَرَتْ».
[11] لفظة: «أن» ليست في رواية ابن عساكر.
[12] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حتى كادوا يَخْرُجُونَ».
[13] في رواية أبي ذر زيادة: «قالَ يَزِيدُ وَوَهْبُ بنُ جَريرٍ عن جَريرِ بنِ حازمٍ: وعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ»، وانظر تغليق التعليق: 2/499.
[14] قوله: «فانطلقا» ليس في رواية أبي ذر و [ق] .
[15] في رواية ابن عساكر: «وأَدْخَلانِي».
[16] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «طَوَّفْتُما بِي».
[17] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[18] في رواية أبي ذر: «ذلِكَ».
[19] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1386- ( فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ ) برفع «جالس» ونصبه.

( الْكَلُّوبَ ) بفتح أوله، ويقال: كُلَّاب، حديدة ذات شعب يُشوَى بها اللحم وغيره.

( شِدْقُهُ ) بكسر الشين.

( الفِهْرِ ) بفاء مكسورة: حجر ملء الكف.

( يَشْدَخُ ) بفتح أوله، أي: يكسر.

( تَدَهْدَهَ ) أي: تدحرج وتدور.

( حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ ) أي: يصلح.

( نَقْبٍ ) بنون مفتوحة: مثل الحفرة. [/ج1ص330/]

( قلت طَوَّقتُمَانِي ) بطاء مفتوحة وواو مشددة ونون في آخره، ويُروَى: «طوَّفتما بي» بالباء بدل النون، يقال: طاف الرجل وطوفته أنا.

( الْكِذْبَةِ ) بكاف مكسورة.

( فَتُحْمَلُ عنْهُ ) بميم مخففة، وقيل: مشددة.

( دَعَانِي ) بفتح الدال.

( وَالصِّبيَان [1] حَوْلَهُ أَوْلاَدُ النَّاسِ ) هذا موضع ترجمة البخاري.

[1] في ( ت ): النَّاسُ، وهو الذي في نسخة ابن حجر، فعلق عليها مصححًا: والولدان.





1386# (فَإِذَا رَجُل جَالِسٌ) برفع ((جالس))، ويجوز نصبه، وقد مرَّ له نظائر.

(كَلُّوب مِنْ حَدِيدٍ) بفتح الكاف وتشديد اللام، قال الجوهريُّ: هو المِنْشال [1] وكذلك الكُلاَّب [2] ، والجمعُ الكلاليب.

وقال ابن بطَّال: الكَلُّوب: خشبةٌ في رأسها عُقافة. قلت: لا يتأتى [3] تفسيرُ ((ما)) في الحديث بهذا؛ لتصريحهِ فيه بأنَّه من حديد.

(فِي شِدْقِهِ) بكسر الشين المعجمة وإسكان الدال المهملة.

(بفِهْرٍ) بكسر الفاء وإسكان الهاء، هو: الحجر ملءُ الكف.

(فَيَشْدَخُ بهِ رَأْسَهِ) أي: يكسر [4] . قال الجوهريُّ: الشَّدْخُ: كسرُ الشيءِ الأجوفِ، تقول: شدختُ رأسهُ فَانشدخَ.

ويَشدَخ: بفتح الياء والدال.

(تَدَهْدَه الْحَجَرُ) أي: تدحرجَ.

(إِلَى نَقْبٍ) بنون مفتوحة فقاف ساكنة، مثل الحفيرة [5] .

(يتَوَقَّدُ تَحتَهُ نَاراً) رأيته في نسخة بضم التاء الثانية [6] من ((تحته))، وصحح عليها، وكأن هذا بناء على أن ((تحته)) فاعل ((تتوقد))، ونصوصُ أهل العربية تأباه؛ فقد صرَّحوا بأن فوق وتحت من الظروف المكانية العادمة للتصرف، فينبغي تحريرُ الرواية في ذلك.

وكلام ابن مالك صريحٌ في أنَّ ((تحته)) منصوبٌ لا مرفوع، وذلك لأنَّه قال: نصب ((ناراً)) على التمييز، وأسند ((يتوقد)) إلى ضمير عائد إلى النَّقب، والأصل: ((تتوقد نارُه تحتَه)).

قال: ويجوز أن يكون فاعل ((تتوقد)) موصولاً بـ ((تحته)) فحذف، وبقيت صلته

@%ج1ص406%

دالَّة عليه؛ لوضوح المعنى، والتقدير [7] : يتوقد الذي تحته، أو: ما تحتَه ناراً، وهو مذهبُ الكوفيِّين والأخفش.

واستصوبه ابنُ مالك، واستدلَّ عليه بأمور قدرها في «التوضيح» وغيره، فليُنظر هناك.

(فَإذَا فَتَرَت) كذا وقع في رواية الشيخ أبي الحسن؛ من الفتور، وهو الانكسارُ والضعف، واستُشكل بأن بعده: ((فإذا خمدت، رجعوا))، ومعنى الفتور والخمود واحدٌ، ولأبي ذرٍّ: ((أَفترت)) بهمزة قطع وفاء. قال ابن المنيِّر [8] : وصوابه: قَتَرت، بالقاف.

قال السفاقسيُّ: ومعناه: التهبتْ، وارتفع فُوارُها [9] ؛ لأن القَتَرَ: الغبار.

(فَإِذَا خَمَدَتْ) بفتح الخاء المعجمة والميم، تَخْمُد _ بضمها _ خُموداً: سَكن لهبُها، ولم يُطفأ جمرها.

(فَجَعَلَ كُلَّما جَاءَ لِيَخْرُجَ، رَمَى فِي فِيهِ بحَجَرٍ) فيه وقوع خبر ((جعل)) التي هي من أفعال المقاربة جملة فعلية مصدرة [10] بـ ((كلما))، والأصلُ فيه: أن يكون فعلاً مضارعاً، تقول: جعلتُ أفعلُ، هذا هو الاستعمال المطَّرد، وما جاء بخلافه فهو منبِّهٌ [11] على أصل متروكٍ، وذلك أنَّ سائر أفعال المقاربة مثل ((كان)) في الدُّخول على مبتدأ وخبر، فالأصلُ أن يكون خبرها كخبر ((كان)) في وقوعه مفرداً، وجملة اسميَّة وفعلية وظرفاً، فترك الأصل، والتزم كون الخبر مضارعاً، ثم نبَّه على الأصل شذوذاً في مواضع.

(قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي) بطاء مفتوحة وواو مشددة ونون قبل الياء، ويروى: <طَوَّفْتُمَا بي> بباء الجر عوض النون،

@%ج1ص407%

يقال: طَوَّفَ الرجلُ قاصراً: إذا كثَّر من الطواف.

قال الشاعر:

~أُطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي إِلَى بَيْت قَعِيدَتُهُ لَكَاعِ

ويقال: طَوَّفته أنا، متعدياً.

(الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ [12] رأسه، فَكَذَّابٌ) الأغلبُ في الموصول الذي تدخل الفاء في خبره أن يكون عاماً، وصلتُه مستقبلة، وقد يكون خاصاً، وصلتُه ماضية؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران:166]، وكما في هذا الحديث.

(بالْكِذْبَةِ) قال الزركشيُّ: بكاف مكسورة.

(فَتُحْمَلُ عَنْهُ) بميم مخففة. قال الزركشي: وقيل: مشددة.

(وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النقب، فَهُمُ الزُّنَاةُ [13] ) قد يشكل الإخبار عن الذي بقوله: ((هم الزناة))، لاسيَّما والعائد على الذي من قوله: ((والذي رأيته)) لا يخفى [14] كونه مفرداً.

وقد يجاب: بأن المعنى: والفريق الذي رأيته في النَّقب، فهم الزناة، فرُوعي اللفظ تارة، والمعنى أخرى، وبهذا يجاب أيضاً عن قوله: ((والذي رأيتَه في النهر آكلُو الربا)).

(وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم) أي: والشيخُ الكائنُ في أصل الشجرة؛ فإن الظاهر كونُ الظرف _ أعني: في الشجرة _ صفةً للشيخ، فيقدَّر عاملُه اسماً معرَّفاً لذلك رعايةً لجانب المعنى، وإن كان المشهور تقديره فعلاً أو اسماً منكَّراً، لكن ذاك إنما هو حيث لا مقتضى للعدول عن التَّنكير.

والمقتضى هنا قائم؛ إذ لا يجوز أن يكون ظرفاً

@%ج1ص408%

لغواً معمولاً للشيخ؛ إذ لا معنى له أصلاً، ولا أن يكون ظرفاً مستقراً حالاً من الشيخ؛ إذ الصحيح امتناعُ وقوع الحال من المبتدأ، ولك أن تجعلَ الظرف المستقر [15] صلة لموصولٍ محذوفٍ على مذهب الكوفيين والأخفش، كما مرَّ آنفاً.

(وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلاَدُ النَّاسِ) هذا موضع ترجمة البخاري؛ فإن الناس عامٌّ يشملُ المؤمنين وغيرَهم، والكلام في متعلَّق الظرف _ أعني: حوله _ كما تقدَّم، والفاء زائدة في الخبر، ومثله مقيسٌ عند الأخفش.

[1] في (ق) و(د) و(ج): ((المنشار)).
[2] في (ج): ((وكذلك الكلام)).
[3] في (ق): ((لا ينافي)).
[4] في (ق): ((يكسره)).
[5] في (ق): ((الحفرة)).
[6] في (ق): ((بضمه على التاء الثابتة))، وفي (د) و(ج): ((والثانية)).
[7] من قوله: ((تتوقد موصولا... إلى قوله: ........ والتقدير)): ليست في (د).
[8] في (ق): ((التين)).
[9] في (د): ((وفارها)).
[10] في (ق): ((مصدرية)).
[11] في (ق): ((منه)).
[12] في (ق): ((يشدق)).
[13] في (ق) هنا والموضع التالي: ((الزنادقة)).
[14] في (ق): ((مما يتحقق)).
[15] في (ق): ((مستقراً)).





1386- قوله: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ): تقدَّم مرارًا أنَّ حازمًا بالحاء المهملة.

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ): هو عمران بن ملحان، وقيل في اسم أبيه غير ذلك، أبو [1] رجاء العطارديُّ، أسلم في حياة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وروى عن عمر، وعليٍّ، وعدَّةٍ، وعنه: أيُّوب، وجرير بن حازم، ومهديُّ بن ميمون، وخلقٌ، وكان عالمًا عاملًا، مُعمَّرًا نبيلًا، مِن القُرَّاء، مات في سنة [2] (107 هـ ) ، وقيل: سنة (108 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ): تقدَّم أنَّ (جندبًا) بضمِّ الدَّال وفتحها، و (سمُرة): صحابيٌّ مشهورٌ، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (رُؤْيَا): تقدَّم في أوَّل التعليق أنَّها غير منوَّنة.

قوله: (رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي): ستأتي تسميتهما في الحديث في آخره: أنَّهما جبريل وميكائيل.

قوله: (كَلُّوبٌ): (الكَلُّوب): بفتح الكاف؛ كـ(سَفُّود) [3] ، ويقال: كُلَّاب؛ بضمِّ الكاف، مُشدَّد اللَّام: المِنْشال.

قوله: (قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: مِنْ حَدِيدٍ [4] ): بعض أصحاب البخاريِّ لا أعرفه، وموسى هو [5] شيخه الذي أخرج الحديثَ عنه، وهو موسى بن إسماعيل التَّبُوذكيُّ الحافظ، وقد قدَّمتُه مُتَرْجَمًا، وتكلَّمت على نسبته إلى تَبُوذكَ، والله أعلم.

قوله: (فِي شِدْقِهِ): هو بالدال المهملة، وهو معروف، ولا أعلم فيه خلافًا أنَّه بالمهملة، إلَّا أنَّ في «المطالع» في (الشين مع الذَّال المعجمتين) ذكرَه، ولفظُه: (شذقه؛ بذال معجمة، كذا قال: وهو جانب الفم) انتهى، وكأنَّه يشير بقوله: (كذا قال): إلى القاضي عياض، فإنَّه ذكره كذلك، وقد راجعت «الصِّحاح»، و«المُحكَم»، و«مُجمَل ابن فارس»، و«جمهرة ابن دريد»؛ فما رأيته إلَّا في المهملة، وكأنَّه سبقُ قلم [6] من القاضي تابعه عليه ابن قُرقُول، لكنَّه تبرَّأ منه.

قوله: (وَيَلْتَئِمُ): هو بهمزة مكسورة بعد التاء المُثَنَّاة فوق قبل الميم؛ أي: يجتمع.

قوله: (بفِهْرٍ): هو بكسر الفاء، وإسكان الهاء؛ وهو صخرة مستديرة يُذَفُّ [7] ، بها الشَّيء، وهو مُؤنَّث ومذكَّر، قاله الجوهريُّ، ويدلُّ لذلك قوله: (فيشدخ به) ، وفي رواية: (بها) .

قوله: (فَيَشْدَخُ): (يَشْدَخ): بفتح أوَّله، ثمَّ شين معجمة ساكنة، ثمَّ دال مهملة مفتوحة، ثمَّ خاء معجمة؛ أي: يكسره ويفضخه، والشَّدخ: كسر الشَّيء الأجوف، كذا في «الصِّحاح»، وفي «القاموس»: («الشدخ» كـ «المنع» -يعني: أنَّه على وزن: «منع يمنع منعًا»-: الكسر في كلِّ شيء رطب، وقيل: يابس) .

قوله: (تَدَهْدَهَ): هو بفتح أوَّله، ثمَّ دالَين مُهملَتَين مفتوحتَين، بينهما هاء ساكنة، وفي آخره هاء أخرى؛ أي: تدحرج.

قوله: (حَتَّى يَلْتَئِمَ): تقدَّم ضبطه أعلاه [8] ومعناه.

قوله: (إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ): قال ابن قُرقُول في (الثَّاء المُثلَّثة): («إلى ثقب [9] »: كذا رواه بعضهم، وعند الأصيليِّ: «إلى نَقَب»؛ بالنُّون وفتح القاف بمعنًى واحدٍ، وكذلك قوله في آخر الحديث: «والذي رأيته في الثَّقْب» و«النَّقْب»، ويقال: نَقْبٌ ونَقَبٌ؛ وهو الطَّريق) انتهى.

قوله: (يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا): كذا في أصلنا، وفي الهامش نسخة: (تتوقَّد تحته نارٌ) ، (أمَّا الرَّفع؛ فظاهر، وأمَّا النَّصب؛ فعلى... [10] ) [11] .

قوله: (فَإِذَا فَتَرَتْ [12] ): هو بالفاء، كذا للقابسيِّ، وابن السَّكن، وعُبدوس، وعند أبي ذرٍّ والأصيليِّ: (قترت [13] ) ، وعند النَّسفيِّ: (وقدت؛ ارْتَفَعُوا) ، قال ابن قُرقُول: (وهو الصَّحيح؛ بدليل قوله بعدُ: «فإذا خمدت؛ رجعوا فيها») انتهى، وفي الأصل الذي لنا: [ (اقترب) ، وفي الهامش نسخة: (أقترت) ، وعليها علامة راويها، وهو من القتار، وهو معروف، وفي غير أصلنا] [14] : (أفترت) من الفتور، و (قترت) من القتار، والله أعلم.

قوله: (فَإِذَا خَمدَتْ): (خمد) -إن شئت؛ كـ(نصَر) ، وإن شئت؛ كـ(سمِع) - خمْدًا وخمودًا: سكن لهبها، ولم يُطفَأ جمرُها، وأخمدتها أنا.

قوله: (عَلَى نَهَرٍ): هو بفتح الهاء وتُسَكَّن.

قوله: (عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ): تقدَّم الكلام على سينه؛ هل هي بالسُّكون أو الفتح، وأنَّهما لغتان.

قوله: (رَمَى الرَّجُلُ): هو بضمِّ لام (الرَّجل) ؛ لأنَّه فاعل، وكذا في أصلنا، وعليه: (صح) .

قوله: (شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ): سيأتي مَن (الشَّيخُ) ومَن (الصِّبيان) في آخر الحديث. [/ج1ص370/]

قوله: (فَصَعِدَا بِي): تقدَّم أنَّ (صعِد) في الماضي بكسر العين، وفي المستقبل بفتحها، عكس (عَمَدَ) ، والله أعلم، لكن (عَمَدَ) رأيتُ في حاشية على «البخاريِّ» عن اللَّبليِّ [15] أنَّه [16] ذكر فيه (عمَد يعمِد) ؛ بالفتح في الماضي، والكسر في المستقبل، والعكس، والله أعلم.

قوله: (وَصبْيَانٌ): هو بكسر الصَّاد وضمِّها.

قوله: (يُشَقُّ شِدْقُهُ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (شدقُه): مرفوعٌ نائب مناب الفاعل، وتقدَّم الكلام على الشِّدق قريبًا.

قوله: (بِالْكذْبَةِ): هي بفتح الكاف وكسرها.

قوله: (فَتُحْمَلُ عَنْهُ): (تُحمل): مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعلُه.

قوله: (الآفَاقَ): هي النَّواحي.

قوله: (فَيُصْنَعُ بِهِ): (يُصنَع): مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله.

قوله: (يُفْعَلُ بِهِ): هو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله.

قوله: (وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ، فَأَوْلاَدُ النَّاسِ): هذا محلُّ الاستشهاد؛ لأنَّ لفظ (النَّاس) يقتضي العموم؛ مؤمنًا وكافرًا، ولأنَّه جاء عنده في رواية: «وأمَّا الولدان الذين رأيتَهم؛ فكلُّ مولود يُولَد على الفطرة»، قال بعض المسلمين: يا رسول الله؛ وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين»، وهذا يأتي في (التَّعبير) كما تقدَّم قريبًا، وهذه الفاصلة بين الأقوال المتقدَّمة، وهو الرَّاجح، والله أعلم.

[1] في (ب): (وأبو) .
[2] (في سنة): ليس في (ج) .
[3] (كسفود): ليس في (ب) .
[4] كذا في النُّسخ و (ق) قبل الإصلاح، وفي هامش «اليونينيَّة» من رواية أبي ذرٍّ وهامش (ق): (كلُّوبٌ من حديد) .
[5] (هو): ليس في (ج) .
[6] (قلم): ليس في (ج) .
[7] في (ب): (يدق) .
[8] في (ب): (قريبًا) .
[9] (إلى ثقب): ليس في (ب) .
[10] بيَّض له في نسخة الأصل، وفي (ب): (فعلى المفعوليَّة) ، وفيه نظر، ولعلَّه تصرُّف ناسخ، فنصبُه على التَّمييز كما نقل أبو ذَرٍّ ولد المؤلِّف عن أبيه في «النَّاظر» (*) ، وكذا قال البرماويُّ في «اللَّامع الصبيح» (5/307) ، وبيَّنه مُسهِبًا ابنُ مالكٍ في «شواهد التَّوضيح» (ص123) (23) .
[11] ما بين قوسين سقط من (ج) .
[12] كذا في النُّسخ، وفي «اليونينيَّة» و (ق) بعد الإصلاح: (اقْتَرَبَ) .
[13] في هامشي «اليونينيَّة» و (ق) من رواية أبي ذرٍّ: (أقترت) .
[14] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[15] في (ب): (الأيلي) ، وهو تحريف.
[16] (أنه): سقطت من (ج) .





1386- (رُؤْيَا): غيرُ منوَّنٍ.

(جَالِسٌ): بالرَّفعِ والنَّصبِ.

(يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا): قال الوالدُ رحمه الله: (كذا في أصلِنا، وفي الهامش نسخة: «نارٌ»، أمَّا الرَّفع؛ فظاهرٌ، وأمَّا النَّصبُ...)، وأخْلى توجيهَه [1] ، انتهى.

ورأيتُ بخطِّه في مكانٍ غيرِ «شرحه على البخاري» ما لفظُه: («نارًا» منصوبٌ على التَّمييزِ، وأُسنِدَ «يَتَوَّقَدُ» إلى ضميرٍ عائدٍ على «الثَّقبِ» [2] ) انتهى.

وقال البِرْماويُّ: (نصب على التَّمييز) انتهى.

ورأيتُ في كلامِ ابنِ مالكٍ قال: (أُسنِدَ «يَتَوَقَّدُ» إلى ضميرٍ عائدٍ على «الثقب»؛ كما يُقال: «مررتُ بامرأةٍ يتضوَّعُ مِنْ أردانِها طيبًا»، وعلامةُ صِحَّةِ انتصابِ التَّمييزِ بفعلٍ: أنْ يصلُحَ إسنادُ الفعلِ إليه مضافًا إلى المجعُولِ فاعلًا؛ كقولِك في «يتضوعُ مِنْ أردانِها طِيبًا»: «يتضوَّعُ طِيبُها مِنْ أردانِها»، وكقولِك [3] في «طابَ زيدٌ نفسًا»: «طابَتْ [4] نفسُ زيدٍ»، وهذا الاعتبارُ صحيحٌ في «يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا»؛ بأنْ يُقالَ: «يتوَقَّدُ نارُه تحتَه»؛ فصحَّ نصبُ «نار» [5] على التَّمييزِ.

ويجوزُ أنْ يكونَ فاعلُ «يَتَوَقَّدُ» موصولًا بـ«تَحْتَهُ»، فحُذفَ وبقيتْ صلتُه دالَّةً عليه؛ لوضوحِ المعنى، والتَّقديرُ: يتوقَّدُ الَّذي تحتَه نارًا، أو يتوَقَّدُ ما تحتَه نارًا، و«نارًا» أيضًا تمييزٌ.

وأحسنُ ما يُستدلُّ به على هذا الحكمِ: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَثَلُ المُهَجِّرِ كَالَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ [دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً» ؛ فإنَّ فيه حذفَ الموصولِ وأكثرِ الصلةِ ثلاثَ مرَّاتٍ؛ لأنَّ التقديرَ: ثمَّ كالَّذي يُهْدي كَبْشًا، ثمَّ] [6] كَالَّذِي يُهْدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَيْضَةً، وإذا جازَ حذفُ الموصولِ وأكثرِ [7] الصِّلةِ؛ فلَأَنْ يُحذَفَ الموصولُ وتبقى الصِّلةُ بكمالها أحقُّ بالجوازِ وأَولى) انتهى.

(فَكَذَّابٌ): قال المالكيُّ: (لا بُدَّ مِنْ جعلِ الموصولِ الَّذي هو ههنا للمعيَّنِ كالعامِّ، حتَّى جازَ دخولُ الفاءِ في خبرِه؛ أي: المرادُ هو وأمثالُه)، وسيأتي بأطولَ مِن هذا في (كتابِ التَّعبيرِ) [خ¦7047] .

[1] كذا في النسخة التي بخطِّ البرهان، وفي نسخة أخرى: (وأمَّا النصب؛ فعلى المفعوليَّة)، وفيه نظرٌ، ولعلَّه تصرُّف ناسخٍ.
[2] في (ب): (النقب)؛ بالنون، وكذا في الموضع الآتي، وهي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ، ورواية غيره: (الثقب)؛ بالمثلثة.
[3] في (ب): (وكقوله).
[4] في النسختين: (طاب)، والمثبت موافق لمصدره.
[5] في (ب): (نارًا).
[6] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[7] في (ب): (أو أكثر).





1386- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ [1] ) بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم والمدِّ، عمران بن تيمٍ، العطارديُّ، (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إِذَا صَلَّى صَلَاةً) وللحَمُّويي والمُستملي: ((صلاته))، وفي رواية يزيد بن هارون: إذا صلَّى صلاة الغداة؛ (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الكريم (فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟) مقصورٌ غير منصرفٍ، ويُكتَب بالألف كراهة اجتماع مِثْلين، (قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ) رؤيا؛ (قَصَّهَا) عليه، (فَيَقُولُ مَا شَاءَ الله، فَسَأَلَنَا يَوْمًا) بفتح اللَّام، جملةٌ من الفعل والفاعل والمفعول، و«يومًا» نصبٌ على الظَّرفيَّة [2] (فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ) بالنَّصب (رَجُلَيْنِ)، قال الطِّيبيُّ: وجه الاستدراك أنَّه كان يحبُّ أن يعبِّر لهم الرُّؤيا، فلمَّا قالوا: ما رأينا، كأنَّه قال: أنتم ما رأيتم شيئًا، لكنِّي رأيت رجلين، وفي حديث عليٍّ عند ابن أبي حاتمٍ [3] : «رأيت ملَكين» (أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ)، وللمُستملي: ((إلى أرضٍ مقدَّسةٍ))، وعند أحمد: «إلى أرضٍ فضاءٍ، أو أرض مستوية»، وفي حديث عليٍّ: «فانطلقا بي إلى السَّماء»، (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ) بالرَّفع، ويجوز النَّصب [4] ، (وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ) شيءٌ، فسَّره المؤلِّف بقوله: (قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أبهمه لنسيانٍ أو غيره، وليس بقادحٍ؛ لأنَّه لا يروي إلَّا عن ثقةٍ مع شرطه المعروف، قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف المراد بالبعض المبهَم، إلَّا أنَّ الطَّبرانيَّ أخرجه في «المعجم الكبير» عن العبَّاس بن الفضل الأسقاطيِّ [5] ، (عَنْ مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيِّ: (كَلُّوب) بفتح الكاف وتشديد اللَّام (مِنْ حَدِيدٍ) له شعبٌ يعلَّق بها اللَّحم، و«مِنْ» للبيان، (يُدْخِلُه فِي شِدْقِهِ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون الدَّال المهملة؛ أي: يدخل الرَّجل القائم الكَلُّوب في جانب فم الرَّجل الجالس، وهذا سياق رواية أبي ذَرٍّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو سياقٌ مستقيمٌ، ولغيره: ((ورجلٌ قائمٌ بيده كلُّوبٌ من حديدٍ، قال بعض أصحابنا عن موسى: إنَّه))؛ أي: ذلك الرَّجل ((يدخل ذلك الكلُّوبَ)) نصبٌ على المفعوليَّة ((في شدقه)) (حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ) بالموحَّدة وضمِّ اللَّام، وفي «التَّعبير»: «فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه» [خ¦7047] ؛ أي: يقطعه شقًّا، وفي حديث عليٍّ: «فإذا أنا بملكٍ، وأمامه آدميٌّ، وبيد الملك كلُّوبٌ من حديٍد، فيضعه في شدقه الأيمن فيشقُّه»، (ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ) بفتح الخاء المعجمة (مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما فعل بشدقه الأوَّل، (وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ [6] هَذَا فَيَعُودُ [7] )، وفي «التَّعبير» [خ¦7047] : «فما يفرغ من ذلك الجانب، حتَّى يصحَّ [8] الجانب كما كان»، فيعود ذلك الرَّجل (فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ) قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (قُلْتُ) للملَكين: (مَا هَذَا؟)؛ أي: ما حال هذا الرَّجل؟ وللمُستملي: ((من هذا؟))؛ أي: من هذا [9] الرَّجل؟ (قَالَا)؛ أي: الملَكان: (انْطَلِقْ) مرَّةً واحدةً، (فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ) بكسر الفاء وسكون الهاء: حجرٌ ملء الكفِّ، والجملة حاليَّةٌ (أَوْ صَخْرَةٍ) على الشَّكِّ، وفي «التَّعبير»: «وإذا آخر قائمٌ عليه بصخرةٍ» من غير شكٍّ، (فَيَشْدَخُ بِهِ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الشِّين المعجمة وفتح الدَّال المهملة وبالخاء المعجمة من الشَّدخ؛ وهو كسر الشَّيء الأجوف، والضَّمير للفهر، ولأبي ذَرٍّ: ((بها)) (رَأْسَهُ) وفي «التَّعبير»: «وإذا هو يهوي بالصَّخرة لرأسه، فيَثْلَغ رأسه»؛ بفتح الياء وسكون المثلَّثة وفتح اللَّام وبالغين المعجمة [10] ؛ أي: يشدخ رأسه، (فَإِذَا ضَرَبَهُ؛ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ) بفتح الدَّالين المهملتين، بينهما هاءٌ ساكنةٌ، على وزن: تَفَعْلَلَ من مزيد الرُّباعيِّ؛ أي: تدحرج، وفي حديث عليٍّ: «فمررت على ملَكٍ وأمامه آدميٌّ، وبيد الملَك صخرةٌ [/ج2ص472/] يضرب بها هامة الآدميِّ، فيقع رأسه جانبًا، وتقع الصَّخرة جانبًا»، (فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى الحجر (لِيَأْخُذَهُ) فيصنع به كما صنع، (فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا) الَّذي شدخ رأسه (حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ)، وفي «التَّعبير»: «حتَّى يصحَّ رأسه»، (وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ) لهما: (مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ) مرَّةً واحدةً، (فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ) بفتح المثلَّثة وسكون القاف، وللكُشْمِيهَنيِّ: ((نَقْب)) بالنُّون المفتوحة وسكون القاف، وعزا هذه في «المطالع» للأصيليِّ، لكنَّه قال: بالنُّون وفتح القاف، قال: وهو بمعنى: «ثَقْب» بالمثلَّثة (مِثْلِ التَّنُّورِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ النُّون المشدَّدتين، آخره راءٌ: ما يُخبَز فيه، (أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ، وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ) بفتح الياء [11] (تَحْتَهُ) بنصب التَّاء الثَّانية، أي: تحت التَّنُّور (نَارًا) بالنَّصب على التَّمييز، وأسند «يتوقَّد» إلى ضميرٍ عائدٍ إلى [12] «الثَّقب»؛ كقولك [13] : مررت بامرأةٍ تتضوَّع [14] من أَرْدانها طيبًا؛ أي: يتضوَّع طيبها من أردانها، فكأنَّه قال: يتوقَّد ناره تحته، قاله [15] ابن مالكٍ، قال البدر الدَّمامينيُّ: وهو صريحٌ في أنَّ «تحته» منصوبٌ لا مرفوعٌ، وقال: إنَّه رآه [16] في نسخةٍ: بضمِّ التَّاء الثَّانية، وصُحِّح عليها، قال: وكان هذا بناء على أنَّ «تحته» فاعل «يتوقَّد»، ونصوص أهل العربيَّة تأباه، فقد صرَّحوا بأنَّ: فوق وتحت من الظُّروف المكانيَّة العادمة التَّصرُّف [17] . انتهى. وقال ابن مالكٍ: ويجوز أن يكون فاعل «يتوقَّد» موصولًا بـ: «تحته»، فحُذِفَ، وبقيت صلته دالَّةً عليه [18] لوضوح المعنى، والتَّقدير: يتوقَّد الَّذي تحته أو ما تحته [19] نارًا، وهو مذهب الكوفيِّين والأخفش، واستصوبه ابن مالكٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((يتوقَّد تحتُه نارٌ)) الرَّفع [20] على أنَّه فاعل «يتوقَّد»، (فَإِذَا اقْتَرَبَ) بالموحَّدة آخره، من القرب؛ أي: إذا اقترب الوقود أو الحرُّ الدَّال عليه قوله: «يتوقَّد»، وللكُشْمِيهَنيِّ: ((فإذا أقترت)) بهمزة قطعٍ [21] فقافٍ فمثَّاتين فوقيَّتين، بينهما راءٌ،؛من القَتَرة؛ أي: التهبت وارتفع نارها؛ لأنَّ القتر: الغبار، وفي رواية ابن السَّكن والقابسيِّ وعُبْدُوس: ((فترت)) بفاءٍ ومثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحَتين، وتاءٍ ساكنةٍ، بينهما راءٌ؛ وهو الإنكسار والضَّعف، واستُشكِلَ: لأنَّ بعده: «فإذا خمدت؛ رجعوا» ومعنى الفتور والخمود واحدٌ، وعند الحُميديِّ ممَّا عزاه له في «شرح المشارق»: «فإذا ارتقت» من الارتقاء؛ وهو الصُّعود، قال الطِّيبيُّ: وهو الصَّحيح درايةً وروايةً، كذا قال، وعند أحمد: «فإذا أوقدت»، (ارْتَفَعُوا) جواب «إذا»، والضَّمير فيه يرجع إلى النَّاس لدلالة سياق الكلام عليه (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا) «أن» مصدريَّة، والخبر محذوفٌ؛ أي: كاد خروجهم يتحقَّق، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((كادوا يخرجون)) (فَإِذَا خَمَدَتْ) بفتح الخاء والميم؛ أي: سكن لهبها، ولم يُطفَأ حرُّها؛ (رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ) لهما: (مَنْ هَذَا؟) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: ((ما هذا)) (قَالَا: انْطَلِقْ)، (فَانْطَلَقْنَا) ولفظة: ((فانطلقنا)) ساقطةٌ عند أبي ذرٍّ (حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهرٍ) بفتح الهاء وسكونها (مِنْ دَمٍ) وفي «التَّعبير» [خ¦7047] : «فأتينا على [22] نهرٍ، حسبت أنَّه كان يقول: أحمر مثل الدَّم» (فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى) ولأبي الوقت: ((وعلى)) (وَسطِ النَّهَرِ رَجُلٌ) بفتح السِّين وسكونها، ولأبي ذَرٍّ: ((قال يزيد))؛ أي: ابن هارون ممَّا وصله أحمد عنه، ووهب بن جريرٍ ممَّا وصله أبو عَوانة في «صحيحه» من طريقه عن جرير بن حازمٍ: ((وعلى شطِّ النَّهر رجلٌ)) بشينٍ معجمةٍ وتشديد الطَّاء (بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) من النَّهر؛ (رَمَى الرَّجُلُ) الَّذي بين يديه الحجارة (بِحَجَرٍ فِي فِيهِ) أي: في [23] فمه، (فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ) من النَّهر، (فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ) من النَّهر؛ (رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) فيه؛ كما [24] قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: وقوع خبر «جَعل» الَّتي هي من أفعال المقاربة، جملةٌ فعليَّةٌ مصدَّرةٌ بـ: «كلَّما»، والأصل فيه أن يكون فعلًا مضارعًا، تقول: جعلت أفعل كذا [25] ، هذا هو الاستعمال المطَّرد، وما جاء بخلافه فهو مُنبِّهٌ على أصلٍ متروكٍ، وذلك أنَّ سائر أفعال المقاربة مثل «كان» في الدُّخول على مبتدأ وخبرٍ [26] ، فالأصل أن يكون خبرها كخبر «كان» في وقوعه مفردًا، وجملةً اسميَّةً وفعليَّةً، وظرفًا، فترك الأصل والتزم أن يكون الخبر مضارعًا، ثمَّ نبَّه على الأصل شذوذًا في مواضع، (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ [27] قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا)، ولفظة: ((فانطلقنا)) ساقطة عند أبي [/ج2ص473/] ذرٍّ (حَتَّى انْتَهَيْنَا [28] إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ) زاد في «التَّعبير»: «فيها من كلِّ لون الرَّبيع» (وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ)، وفي «التَّعبير: «فإذا بين ظهرَي [29] الرَّوضة، رجلٌ طويلٌ، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السَّماء، وإذا حوله من أكثر ولدان رأيتهم قطُّ»، (وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا) في «التَّعبير» [خ¦7047] : «فانطلقنا، فأتينا على رجلٍ كريهِ المرآة، كأكره ما أنت راءٍ رجلًا مِرآةً، وإذا عنده نارٌ يحشُّها [30] ويسعى حولها» (فَصَعِدَا بِي) بالموحَّدة وكسر العين (فِي الشَّجَرَةِ) الَّتي هي في الرَّوضة الخضراء، (وَأَدْخَلَانِي) بالنُّون (دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ)، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: ((وشبَّانٌ)) بنونٍ آخره بدل الموحَّدة وتشديد السَّابقة (وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا) أي: من الدَّار، (فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ) أيضًا، (فَأَدْخَلَانِي) بالفاء، ولابن عساكر: ((وأدخلاني)) (دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ) من الأولى، (فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: ((وشبَّانٌ))، (فقُلْتُ) لهما: (طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ) بطاءٍ مفتوحةٍ وواوٍ مشدَّدةٍ ونونٍ قبل الياء، ولأبي الوقت: ((طوَّفتما بي)) بالموحَّدة بدل النُّون (فَأَخْبِرَانِي) بكسر الموحَّدة (عَمَّا رَأَيْتُ؟ قَالَا: نَعَمْ) نخبرك، (أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ [31] ) بضمِّ الياء وفتح الشِّين؛ مبنيًّا للمفعول، و«شدقُه» بالرَّفع مفعولٌ ناب عن فاعله؛ (فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكذْبَةِ) بفتح الكاف، ويجوز كسرها، قال في «القاموس»: كذب يكذب كَذبًا وكِذبًا وكَذبةً وكِذبةً [32] ، (فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ) بتخفيف ميم «تُحمَل»، والفاء في قوله: «فكذَّابٌ» جواب «أمَّا»، لكنَّ الأغلب في الموصول الَّذي تدخل [33] الفاء في خبره أن يكون عامًّا مثل «مَنْ» الشَّرطيَّة، وصلته مستقبَلَةٌ، وقد يكون خاصًّا وصلته ماضيةٌ؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ} [آل عمران: 166] ، وكما في هذا الحديث؛ نحو: الذي يأتيني فمكرمٌ، فلو كان المقصود بـ: «الذي» معيَّنًا؛ امتنع دخول الفاء على الخبر؛ كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدآت المقصود [34] بها التَّعيين؛ نحو: زيدٌ فمكرمٌ، «فمكرمٌ» [35] لم يجز [36] ، فكذا لا يجوز «الذي يأتيني» إذا قصدتَ به معيَّنًا، لكنَّ «الَّذي يأتيني» عند قصد التَّعيين شبيهٌ في اللَّفظ بـ: «الذي يأتيني» عند قصد العموم، فجاز دخول الفاء؛ حملًا للشَّبيه على الشَّبيه، ونظيره قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ} [آل عمران: 166] فإنَّ مدلول: {ما} معيَّن، ومدلول {أصابكم} ماضٍ، إلَّا أنَّه رُوعِي [37] فيه الشَّبه اللَّفظيُّ، فشبَّه هذه الآيةَ بقوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشُّورى: 30] ، فأجرى: «ما» في مصاحبة الفاء مجرى واحدٍ، قاله ابن مالكٍ، قال الطِّيبيُّ في «شرح مشكاته»: هذا كلامٌ متينٌ، لكنَّ جواب الملَكين تفصيلٌ لتلك الرُّؤيا المتعدِّدة [38] المبهمة، فلا بدَّ من ذكر كلمة التَّفصيل؛ كما في البخاريِّ أو تقديرها؛ أي: فالفاء جوابُ «أمَّا»، (فَيُصْنَعُ بِهِ) ما رأيتَ [39] من شقِّ شدقه (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛ لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد، (وَ) أمَّا (الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ) بضمِّ الياء وفتح الدَّال من «يُشدَخُ» مبنيًّا للمفعول، و«رأسُهُ» نائبٌ عن الفاعل؛ (فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ)؛ أي: أعرض عن تلاوته، (وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ) ظاهره أنَّه يُعذَّب على ترك تلاوة القرآن [40] باللَّيل، لكن يحتمل أن يكون التَّعذيب على مجموع الأمرين: ترك القراءة وترك العمل، (يُفْعَلُ بِهِ) ما رأيت من الشَّدخ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛ لأنَّ الإعراض عن القرآن بعد حفظه جنايةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّه يوهم أنَّه رأى فيه ما يوجب الإعراض عنه، فلمَّا أعرض عن أفضل الأشياء؛ عوقب في أشرف أعضائه وهو الرَّأس، (وَ) أمَّا الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ) بفتح المثلَّثة، ولأبي ذَرٍّ [41] : ((في النَّقب))؛ (فَهُمُ الزُّنَاةُ) وإنَّما قُدِّر بقوله: وأمَّا الفريق؛ لأنَّه قد يُستَشكَل الإخبار عن «الذي» بقوله: هم الزُّناة، لا سيَّما والعائد على «الَّذي» من قوله «والذي رأيته» لا يخفى كونه مفردًا، فرُوعِيَ اللَّفظ تارةً والمعنى أخرى، قاله في «المصابيح»، (وَ) الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ) الكائن (فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وقُدِّر بالكائن؛ لأنَّ الظَّاهر كون الظَّرف؛ أعني: في الشَّجرة صفةٌ للشَّيخ، فيُقدَّر عامله اسمًا معرفًا لذلك [42] رعاية [/ج2ص474/] لجانب المعنى وإن كان المشهور [43] تقديره فعلًا أو اسمًا منكرًا، لكنَّ ذلك إنَّما هو حيث لا مقتضى للعدول عن التَّنكير والمقتضى [44] هنا قائم؛ إذ لا يجوز أن يكون ظرفًا لغوًا معمولًا للشَّيخ؛ إذ لا معنى له أصلًا، ولا أن يكون ظرفًا مستقرًّا حالًا من الشَّيخ؛ إذ الصَّحيح امتناع وقوع الحال من المبتدأ، قاله العلَّامة [45] البدر الدَّمامينيُّ، وحذفت الفاء [46] من قوله: «آكلوا الرِّبا»، ومن قوله: «إبراهيم»؛ نظرًا إلى أنَّ «أمَّا» لمَّا حُذِفَت، حُذِفَ مقتضاها، (وَ) أمَّا (الصِّبْيَانُ) الكائنون (حَوْلَهُ)؛ أي: إبراهيم؛ (فَأَوْلَادُ النَّاسِ) دخلت الفاء على الخبر؛ لأنَّ الجملة معطوفةٌ على مدخول «أمَّا» في قوله: «أمَّا الرَّجل الَّذي رأيته يشقُّ شدقه» وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ النَّاس في قوله: «فأولاد النَّاس» عامٌّ يشمل المؤمنين وغيرهم، وفي «التَّعبير» [خ¦7047] : «وأمَّا الولدان حوله؛ فكلُّ مولودٍ مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله؛ فأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين»، وهذا ظاهر [47] أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، ولا يعارضه قوله: هم مع [48] آبائهم؛ لأنَّ ذلك في [49] حكم الدُّنيا، (وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ) فيها هي [50] (دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ؛ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ)، وهذا يدلُّ على أنَّ منازل الشُّهداء أرفع المنازل، لكن لا يلزم أن يكونوا أرفع درجةً من الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام، لاحتمال أن تكون إقامته هناك بسبب كفالته الولدان، ومنزلته في الجنَّة أعلى من منازل الشُّهداء بلا ريب، كما أنَّ آدم عليه الصَّلاة والسَّلام في السَّماء الدُّنيا؛ لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير، ومن أهل الشَّرِّ، فيضحك ويبكي، مع أنَّ منزلته هو [51] في علِّيِّين، فإذا كان يوم القيامة؛ استقرَّ كلٌّ منهم في منزلته، واكتفى في دار الشَّهداء بذكر الشُّيوخ والشَّباب؛ لأنَّ الغالب أنَّ الشَّهيد لا يكون امرأةً ولا صبيًّا، (وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ)، وفي «التَّعبير»: «مثل الرَّاية البيضاء» (قَالَا: ذَاكَ) ولأبي ذَرٍّ: ((ذلك)) (مَنْزِلُكَ)، ولأبي ذر: ((منزلتك)) [52] (قُلْتُ: دَعَانِي)؛ أي: اتركاني (أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قاَلَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ) عمرك؛ (أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ).

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «التَّعبير» بعون الله وقوَّته، وفيه التَّحديث، والعنعنة، وأبو رجاء مخضرَمٌ أدرك زمن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأسلم بعد فتح مكَّة، لكنَّه [53] لا رؤية له، وأخرجه المؤلِّف هنا تامًّا، وكذا في «التَّعبير» [خ¦7047] ، وأخرج [54] في «الصَّلاة» [خ¦845] قبل «الجمعة» وفي «التَّهجد» [خ¦1143] و«البيوع» [خ¦2085] و«بدء الخلق» [خ¦3236] و«الجهاد» [خ¦2791] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦3354] و«التَّفسير» [خ¦4674] و«الأدب» [خ¦6069] أطرافًا منه، ومسلمٌ قطعة منه [55] .

[1] في هامش (ص): «قوله: ابن حازم كذا في «التقريب» و«الفتح» و«الكرمانيِّ»، ووقع في خطُّ الشَّارح زيادة لفظة «أبي» بلفظ الكنية، وما هنا هو الصَّواب، انتهى».
[2] في (د): «على الظَّرف».
[3] زيد في (ص): «ثمَّ».
[4] في (د): «بالنَّصب».
[5] في غير (د) و(س): «الأسفاطي»، وهو تحريفٌ.
[6] زيد في (م): «الأوَّل».
[7] «فيعود»: ليس في (ص) و(م).
[8] زيد في (د): «ذلك».
[9] «أي: مَنْ هذا»: ليس في (د).
[10] في (د): «المهملة»، وفي (م): «المشدَّدة»، وكلاهما صحيحٌ.
[11] في (ص) و(م): «أوَّله».
[12] في (ص) و(م): «على».
[13] في (د): «النقب كقوله».
[14] في غير (د) و(س): «تتصوع»، وهو تصحيفٌ.
[15] في غير (د) و(س): «قال»، وليس بصحيحٍ.
[16] «رآه»: ليس في(م).
[17] في (ص) و(م): «للتَّصرُّف».
[18] في غير (د) و(س): «قال»، وليس بصحيحٍ.
[19] في (ص): «والتَّقدير الذي يتوقد، يتوقد تحته».
[20] في هامش (ص): «قوله: بالرَّفع: قال في «الفتح»: وعليها اقتصر الحميدُّي في «الجمع بين الصَّحيحين»، انتهى».
[21] في (د): «وصل»، وليس بصحيحٍ.
[22] في (د): «إلى».
[23] «في»: ليس في (د).
[24] «كما»: ليس في (ص).
[25] «كذا»: ليس في (ص) و(م).
[26] في (د): «وخبره».
[27] في هامش (ص): «قوله: ما هذا: كذا بخطِّه، والَّذي في أحد فروع «اليونينيَّة» «من هذا»، انتهى».
[28] في (م): «أتينا».
[29] في غير (م): «ظهراني».
[30] في (د): «يحثُّها».
[31] في (د): «شدقيه».
[32] «كذبة»: ليس في (د).
[33] في (د): «التي يدخل».
[34] قوله: «بالذي معيناً.... المقصود» سقط من (م).
[35] «فمكرمٌ»: ليس في (ص).
[36] في (د): «يجزم».
[37] في (د): «راعى».
[38] في (م): «المتقدِّمة».
[39] في (ص): «رأيته».
[40] في (د): «ترك تلاوته».
[41] في غير (د): «الوقت».
[42] في (د): «كذلك».
[43] في (د): «الأشهر».
[44] في (ص) و(م): «فالمقتضى».
[45] «العلامة»: ليس في (د).
[46] «الفاء»: ليس في (ص) و(م).
[47] في (د): «ظاهره».
[48] في (ص) و(م): «من»، وهو تحريفٌ.
[49] «في»: مثبتٌ من (د) و(س).
[50] «هي»: مثبتٌ من (د).
[51] «هو»: ليس في (ص).
[52] «لأبي ذرٍّ منزلتك»: سقط من (ص) و(م).
[53] في (ص): «لكن».
[54] في غير (د) و(ص): «وأخرجه».
[55] في (د): «من أوله».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة