المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

1339-. حدَّثنا [1] مَحْمُودٌ: حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوُوسٍ، عن أَبِيهِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إلىَ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلام، فَلَمَّا جاءَهُ صَكَّهُ، [2] فَرَجَعَ إلىَ رَبِّهِ، فقالَ: أَرْسَلْتَنِي إلىَ عَبْدٍ لا يُرِيدُ المَوْتَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ [3] عَيْنَهُ، وَقالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ علىَ مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ ما غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ ماذا؟ قالَ: ثُمَّ المَوْتُ. قالَ: فالآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ». قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إلىَ جانِبِ الطَّرِيقِ، عند الكَثِيبِ الأَحْمَرِ».

الأطراف



[1] هكذا في رواية ابن عساكر والأصيلي أيضًا (ب، ص)، وفي رواية أبي ذر: «حدَّثني» (ن، و، ق).
[2] صحَّح هنا في اليونينيَّة.
[3] في رواية أبي ذر: «فَيَرُدُّ اللهُ إليه».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1339- ( صَكَّهُ ) أي: لطمه على عينه.

( فَفَقَأَهَا ) كذا صرح به مسلم في روايته، وإنَّما فعل ذلك لأنَّه جاء إلى قبضه ولم يخيره، وكان موسى قد أُعلم أنَّه لا يُقبض حتى يخيره، ولهذا لما خيَّره في الثانية قال: «الآن» هذا أولى ما قيل فيه.

( المَتْنِ ): الظهر.

( الْكَثِيبِ ) بمثلثة: كوم الرمل، سُمِّيَ به لأنَّه انصَبَّ في مكان فاجتمع فيه، وكل ما انصبَّ في مكان فقد انكثب فيه لم يفترق.


1339# (فَلَمَّا جَاءَهُ، صَكَّهُ) أي: لَطَمه على عينهِ، ففَقأها [1] ، وكذا صرَّح به مسلم في روايته.

(فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ [2] لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ)

@%ج1ص393%

هذا يحتمل أنَّه علم أنه ملكُ الموت، وأنه دافعَ عن نفسه الموت باللَّطمة المذكورة.

والجواب: أنَّ موسى عليه السلام إنما ظنه آدميًا تسوَّر عليه منزله بغير إذنه ليُوقع به مكروهًا في نفسه على العادة في مثل ذلك، فدافعه عن نفسهِ بما فعل على ذلك الظنِّ.

ويؤيده: أنَّه جاء إلى قبضهِ، ولم يخيِّره، وقد كان موسى عليه السلام قد أُعلم [3] أنه لا يُقبض حتى يُخيَّر، ولهذا لما خيره [4] في الثانية، قال: الآن.

وفيه دليلٌ على أنه يجوز أن يُباغَت الصائلُ والمتصوِّر بصورة الصائل من غيرِ إنذارٍ.

(مَتْنِ ثَوْرٍ) بمثناة من فوق في ((متن)) [5] ، وبثاء مثلثة في ((ثور))؛ أي: ظهر ثور.

(عِنْدَ الْكَثِيب) بثاء مثلثة، كَوْمُ الرمل.

(أَنْ يُدْنِيَهُ [6] مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ) تقرُّبًا إلى البيت المقدَّس، ودنوًّا منه، وتبرُّكًا بذلك.

وقال المهلَّب: ليسقطَ عن نفسه المشقَّة اللاحقةَ لمن بعُدَ عنها بسبب صعوبة المشي عند الحشر [7] .

وقيل: ليعمَّى [8] قبره؛ لئلا يعبده جهَّالُ أهل ملته [9] ، والأولُ هو الظاهر.

[1] في (ج): ((فقأها)).
[2] في (ق): ((لعبد)).
[3] في (ق): ((أخبر))، وفي (د) و(ج): ((علم)).
[4] في (د) و(ج): ((أخبره)).
[5] ((في متن)): ليست في (د) و(ج).
[6] في (ق): ((يقربه)).
[7] في (ق): ((المحشر)).
[8] في (م): ((ليعمر))، وفي (د) و(ج): ((ليعم)).
[9] في (ج): ((لئلا يبعده عند جهال ملته)).





1339- قوله: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ): هذا هو ابن غيلان المروزيُّ الحافظ، تقدَّم مُتَرْجَمًا، وكذا تقدَّم (عَبْدُ الرَّزَّاقِ): هو ابن همَّام، الحافظ الصنعانيُّ، وكذا تقدَّم (مَعْمَرٌ): وأنَّه بميمين مفتوحتين، بينهما عين ساكنة، وأنَّه ابن راشد، وتقدَّم أنَّ (ابْن طَاوُوسٍ): هو عبد الله بن طاووس، مشهور.

قوله: (أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ): (أُرسِل): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ [1] فاعله.

قوله: (صَكَّهُ): أي: ضربه بكفِّه بقوَّة.

قوله: (فَفَقَأَ عَيْنَهُ [2] ): قيل: هو على ظاهره، وفَقَأَ عينَ الصورة التي تمثَّل له فيها، ولعلَّه لم يعلم أنَّه مَلَكُ الموت، وقيل: (صكَّه): قابله [3] بكلام غليظ حتَّى فقأ عين حُجَّتِه ورَدَّ قوله، ويردُّ هذا القول: (فردَّ الله إليه عينه) .

قوله: (فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ): اعلم أنَّه اعتَرَض بعضُ الملاحدة على هذا الحديث بأربعة أشياء: أحدها: كيف قَدِرَ الآدميُّ أن يفقأ عينَ المَلَك، وليس المَلَك بجسمٍ؟ الثاني: كيف ساغ لموسى أن يفعل ذلك برسول الله، وفي طيِّه مراغمةٌ للمُرسِل؟ الثالث: أين شوق موسى إلى لقاء ربِّه؟ الرابع: كيف خالف المَلَك مرسِلَه فعاد ولم يقبض روح موسى كما أُمِر؟

وجواب ذلك في كلام المُحبِّ الطَّبريِّ في (الجنائز) ، وفي «شرح مسلم» للنَّوويِّ: الجواب عن اعتراض بعض الملاحدة على الحديث، وقد أجاب القرطبيُّ في «تذكرته» بستَّة وجوهٍ في أوائلها: قال المازريُّ: قد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديثَ، وأنكر تصوُّره، قالوا: كيف يجوز على موسى فقءُ عين مَلَك الموت؟ قال: وأجاب العلماء عن هذا بأجوبةٍ: أحدها: أنَّه لا يمتنع أن يكون موسى قد أَذِنَ له تعالى في هذه اللَّطمة، ويكون ذلك امتحانًا للملطوم [4] ، والله سبحانه يفعل ما يشاء في خلقه، ويمتحنهم بما أراد، والثَّاني: أنَّ هذا على المجاز؛ والمراد: أنَّ موسى ناظره وحاجَّه، فغلبه بالحجَّة، ويقال: فقأ عينَ فلان؛ إذا غلبه بالحجَّة، ويقال: عَوِرتُ الشَّيءَ؛ إذا أدخلت فيه نقصًا، قال: وفي هذا ضعفٌ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فردَّ الله عليه عينَه»، فإن قيل: أراد ردَّ حجَّته؛ كان بعيدًا، والثَّالث: أنَّ موسى صلَّى الله عليه وسلَّم [5] لم يعلم أنَّه ملكٌ) [6] من عند الله، وظنَّ أنَّه رجل قصده يريد نفسَه، فدافعه عنها، فأدَّت المدافعة إلى فقءِ عينه، لا أنَّه قصدها بالفقْء، ويؤيِّده رواية: (صَكَّهُ) ، وهذا جواب الإمام أبي بكر ابن خزيمة وغيره من المُتقدَّمين، واختاره المازريُّ، والقاضي عياض، قالوا: وليس في الحديث تصريحٌ بأنَّه تعمَّد فقءَ عينِه

فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانيًا بأنَّه ملك الموت، فالجواب: أنَّه أتاه في المرَّة الثانية بعلامةٍ عَلِمَ بها أنَّه ملك الموت، فاستسلم له بخلاف المرَّة الأولى، والله أعلم [7] ، وقال بعضهم: إنَّما فعل به [8] ذلك؛ لأنَّه جاء إلى قبضه، ولم يُخيِّره، وكان موسى قد أُعْلِم أنَّه لا يُقبَض حتَّى يُخيَّر، ولهذا [9] خيَّره في الثَّانية، قال: الآن، هذا أولى ما قيل فيه، انتهى، وقد يؤيِّده قولُ عائشة [10] في «الصَّحيح»: (كنتُ أسمع أنَّه لا يموت [11] نبيٌّ حتَّى يُخيَّر بين الدُّنيا والآخرة) .

قوله: (فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ): (يدُه): مَرْفوعٌ فاعل (غطَّت) ، و (سَنَةٌ): مرفوعة أيضًا مبتدأٌ، وخبره مُقدَّمٌ عليه.

قوله: (أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ): هي بيت المقدس، وكان موته بالتِّيه، فإن قيل: لِمَ سأل الدُّنوَّ منه [12] ، ولم يسأله نفسه؟ قيل: لأنَّه خاف أن يكون قبرُه مشهورًا، فيفتتنَ به النَّاس، كما أخبر صلَّى الله عليه وسلَّم عن اليهود والنَّصارى أنَّهم اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ.

قوله: (فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ): أي: هناك؛ (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ): تنبيهٌ: ذكر شيخنا الشَّارح ما لفظه: (ذكر ابنُ حِبَّان في «صحيحه»: أنَّ قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس) ، قال: (واعترض الضِّياء مُحَمَّد بن عبد الواحد في كتابه «علل أحاديثَ في هذا الصَّحيح»، فقال: قوله: «بمدين»؛ فيه نظر؛ لأنَّ مَدْيَن ليست قريبةً [13] من القدس، ولا من الأرض المُقدَّسة، وقد اشتهر أنَّ قبرًا بأريحاء -وهي من الأرض المُقدَّسة- يُزار، ويقال: إنَّه قبر موسى، وعنده كثيبٌ أحمرُ، كما في الحديث: «وطريق») انتهى، ثمَّ ذكر بعده كلامًا لابن التِّين؛ منه: (أنَّ الأرض المقدَّسة الشَّامُ) ، قال ابن التِّين: (وإنَّما سأله ذلك؛ لأنَّه لم يُدفَنْ نبيٌّ إلَّا حيث قُبِض، وكلُّ هذا في علم الله كونُه) انتهى.

[1] (يسم): سقط من (ج) .
[2] (ففقأ عينه): ليس في «اليونينيَّة» و (ق) ، وهي ثابتة في رواية مسلم للحديث (*) .
[3] في (ج): (قاتله) ، وهو تصحيف.
[4] في (ج): (للمظلوم) .
[5] في (ج): (عليه السَّلام) .
[6] إلى هنا نهاية السقط من (ب) ، وزيد في (ج): (الموت) .
[7] (والله أعلم): سقط من (ج) .
[8] (به): ليس في (ج) .
[9] في (ب): (وهذا) .
[10] زيد في (ب): (رضي الله عنها) .
[11] في (ب): (يخير) ، ولعلَّه سبق نظر.
[12] (منه): ليس في (ج) .
[13] في (ج): (قرية) ، وهو تحريف.





لا تتوفر معاينة

1339- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان؛ بفتح الغين المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام (قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين وفتح الميمين، ابن راشدٍ، (عَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ) عبد الله، (عَنْ أَبِيهِ) طاووس بن كيسان، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ) بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول، و«ملكُ» رفعٌ نائبٌ عن الفاعل؛ أي: أرسل الله ملك الموت (إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) في صورة آدميٍّ اختبارًا وابتلاء، كابتلاء الخليل بالأمر بذبح ولده، (فَلَمَّا جَاءَهُ) ظنَّه آدميًّا حقيقةً تسوَّر عليه منزلَه بغير إذنه؛ ليوقِع [1] به مكروهًا، فلمَّا تصوَّر ذلك صلوات الله وسلامه عليه؛ (صَكَّهُ) بالصَّاد المهملة؛ أي: لطمه على عينه الَّتي ركبت في الصُّورة البشريَّة الَّتي جاءه فيها، دون الصُّورة الملكيَّة، ففقأها؛ كما صرَّح به مسلمٌ في روايته، ويدلُّ عليه قوله الآتي هنا: «فردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه عينه»، ويحتمل أنَّ موسى عليه الصَّلاة والسَّلام علم أنَّه ملك الموت، وأنَّه دافع عن نفسه الموت باللَّطمة المذكورة، والأوَّل أَولى، ويؤيِّده أنَّه جاء إلى قبضه [/ج2ص436/]

ولم يخيِّره، وقد كان موسى عليه السَّلام علم أنَّه لا يُقبض حتَّى يُخَيَّر؛ ولهذا لمَّا خيَّره [2] في الثَّانية؛ قال: الآن (فَرَجَعَ) ملك الموت (إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ) ربِّ (أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَرَدَّ اللهُ) عزَّ وجلَّ (عَلَيْهِ عَيْنَهُ)؛ ليعلم موسى إذا رأى صحَّة عينه أنَّه من عند الله، ولأبي ذَرٍّ: ((فيردُّ الله)) بلفظ المضارع، إليه عينه؛ بالهمزة قبل اللَّام بدل العين، (وَقَالَ) له: (ارْجِعْ) إلى موسى، (فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة في الأولى، وبالمثلَّثة في الثَّانية؛ أي: على [3] ظهر ثورٍ (فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ) موسى: (أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا)؛ أي: ماذا [4] يكون بعد هذه السِّنين (قَالَ) الله تعالى: (ثُمَّ) يكون بعدها (الْمَوْتُ، قَالَ) موسى: (فَالآنَ) يكون الموت، و«الآن» اسمٌ لزمان الحال، وهو الزَّمان الفاصل بين الماضي والمستقبل، واختار موسى الموت لمَّا خُيِّر؛ شوقًا إلى لقاء ربِّه كنبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا قال: «الرَّفيق الأعلى» [خ¦3669] ، (فَسَأَلَ اللهَ) موسى (أَنْ يُدْنِيَهُ)؛ أي: يقرِّبه (مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ)؛ أي: المطهَّرة، و«أَنْ» مصدريَّةٌ في موضع نصبٍ؛ أي: سأل الله الدُّنوَّ من بيت المقدس؛ ليُدفَن فيه (رَمْيَةً بِحَجَرٍ)؛ أي: دُنُوًّا، لو رمى رامٍ حجرًا من ذلك الموضع الَّذي هو موضع قبره؛ لوصل إلى بيت المقدس، وكان موسى إذ ذاك في التِّيه ومعه بنو إسرائيل، وكان أمرهم بالدُّخول إلى الأرض المقدَّسة، فامتنعوا، فحرَّم الله [5] عليهم دخولها أبدًا غير: يوشع وكالب، وتيَّههم في القفار أربعين سنةً في ستَّة فراسخ وهم ستُّ مئة ألف مقاتلٍ، وكانوا يسيرون كلَّ يومٍ جادِّين، فإذا أمسوا؛ كانوا في الموضع الَّذي ارتحلوا عنه، إلى أن أفناهم الموت، ولم يدخل منهم [6] الأرض المقدَّسة أحدٌ ممَّن امتنع أوَّلًا أن يدخلها إلَّا أولادهم مع يوشع، ولمَّا لم يتهيَّأ لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام دخول الأرض [7] لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك؛ لينقل [8] إليها؛ طلب القرب [9] منها؛ لأنَّ ما قارب الشَّيء يُعطَى [10] حكمه، وقيل: إنَّما طلب موسى الدُّنوَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ يُدفَن حيث يموت، وعُورِضَ: بأنَّ موسى عليه السَّلام قد نقل يوسف عليه السَّلام لمَّا خرج من مصر، وأُجِيبَ: بأنَّه إنَّما نقله بوحيٍ، فتكون خصوصيَّةً له [11] ، وإنَّما لم يسأل نفس بيت المقدس؛ ليُعَمَّى [12] قبره خوفًا من أن [13] يعبده جهَّال ملَّته، قال ابن عبَّاسٍ: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون؛ لاتخذوهما إلهين من دون الله، وقد اختُلِفَ في جواز نقل الميِّت، ومذهب الشَّافعيَّة: يحرم نقله من بلدٍ إلى بلدٍ آخر؛ ليدفن فيه وإن لم يتغيَّر؛ لما فيه من تأخير دفنه المأمور بتعجيله، وتعريضه لهتك حرمته، إلَّا أن يكون بقرب مكَّة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليه لفضل الدَّفن فيها، والمعتبر في القرب مسافةٌ لا يتغيَّر فيها الميِّت قبل وصوله، قال الزَّركشيُّ: ولا ينبغي التَّخصيص بالثَّلاثة، بل لو كان بقربه مقابر أهل الصَّلاح والخير؛ فالحكم كذلك؛ لأنَّ الشخص يقصد الجار الحسن [14] . انتهى. وكان عمر موسى مئةً وعشرين سنةً، وقال [15] وهب: خرج موسى لبعض حاجته، فمرَّ برهطٍ من الملائكة يحفرون قبرًا لم يُر شيئًا قطُّ أحسن منه، فقال لهم: لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: أتحبُّ أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجَّه إلى ربِّك، قال: ففعل، ثمَّ تنفَّس أسهل تنفُّس [16] ، فقبض الله روحه، ثمَّ سوَّت عليه الملائكة التُّراب، وقيل: إنَّ ملك الموت أتاه بتفَّاحةٍ من الجنَّة [17] ، فشمَّها، فقبض روحه، (قَالَ) أبو هريرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ) بفتح المثلَّثة؛ أي: هناك؛ (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ) بالمثلَّثة؛ أي: الرَّمل المجتمع، وهذا ليس صريحًا في الإعلام بقبره الشَّريف، ومن ثمَّ حصل الاختلاف فيه، فقيل: بالتِّيه [18] ، وقيل: بباب لُدٍّ [19] ببيت المقدس، أو بدمشق، أو بوادٍ بين بصرى والبلقاء، أو بمدين بين المدينة وبيت المقدس، أو بأريحا؛ وهي من الأرض المقدسة.

وفي هذا الحديث التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وشيخ المؤلِّف مروزيٌّ ومعمر بصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ في «أحاديث الأنبياء» _كالمؤلِّف [خ¦3407] _ مرفوعًا، والنَّسائيُّ في «الجنائز»، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي _إن شاء الله تعالى_ في أحاديث «الأنبياء» [خ¦3407] .

[1] في (م): «ليتوقَّع»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ب): «خبَّره»، وفي (ص) و(م): «أخبره».
[3] «على»: مثبتٌ من (د) و(س).
[4] «أي: ماذا»: ليس في (د)، وفي (م): «ما».
[5] اسم الجلالة «الله»: ليس في (د).
[6] في (م): «معهم».
[7] في (ص) و(م): «دخولها»، وزيد في (ب): «المقدَّسة».
[8] في (د): «لينتقل»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[9] في (د): «التَّقرب».
[10] في (ص) و(م): «أُعطِي».
[11] قوله: «وقيل إنما طلب موسى.... خصوصية له» سقط من (ص) و(م).
[12] في (د): «لِيُعميَ».
[13] في (د): «لئلَّا».
[14] قوله: «وقد اختلف في جواز نقل.... الحسن» سقط من (ص) و(م).
[15] زيد في (م): «ابن»، و ليس بصحيحٍ.
[16] في (د): «نَفَسٍ».
[17] «من الجنَّة»: سقط من (د).
[18] في (ص): «في التِّيه».
[19] زيد في (د): «وقيل».





1339- ( صَكَّهُ ): لطمه. [/ج3ص1105/]

( مَتْنِ ): ظهر.

( رَمْيَةً بِحَجَرٍ ): أي: قدرها، أي: ادنني إليها حتَّى يكون بيني وبينها هذا القدر. [/ج3ص1106/]


279/1339# قال أبو عبد الله: حدَّثنا مَحْمُودٌ، قال [1] : حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أَبِيهِ [2] :

عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إلىَ مُوسَى، فَلَمَّا جاءَهُ صَكَّهُ [3] ، فَرَجَعَ إلىَ رَبِّهِ، فقالَ: أَرْسَلْتَنِي إلىَ عَبْدٍ لا يُرِيدُ المَوْتَ. فَرَدَّ اللهُ إليه عَيْنَهُ، وَقالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ علىَ مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ ما غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. فقالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ ماذا؟ قالَ: ثُمَّ المَوْتُ. قالَ: فالآنَ. فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ». قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إلىَ جانِبِ الطَّرِيقِ، عند الكَثِيبِ الأَحْمَرِ».

هذا حديثٌ يطعن فيه الملحدون وأهل الزَّيغ والبدعِ، ويغمزون به في رُواته ونقلته، ويقولون: كيف يجوزُ أن يفعل نبيُّ اللهِ موسى هذا الصَّنيع بمَلَكٍ من ملائكة الله جَاءهُ بأمرٍ من أمره [4] ، فَيستعصي عليه، ولا يأتَمِر [5] له؟!

وكيف تَصلُ يده إلى المَلَك ويُخلصُ إليه صَكُّه ولطمه [6] ؟!

وكيف يُنهنهه [7] الملكُ المأمور بقبض رُوحه،

@%ص224%

فلا يُمضي أمر اللهِ فيه؟!

هذه أمورٌ خارجة عن المعقول، سَالِكةٌ طَريقَ الاستحالة من كُلِّ وجه.

والجواب: أن مَن اعتبر هذه الأمُور بما جرى به عُرف البَشَر، واستمرَّت عليه عادات [8] طباعهم، فإنَّه يُسرعُ إلى استنكارها والارتياب بها؛ لخروجها [9] عن رسوم [10] طِباع البشر، وعن سُنَنِ عاداتهم، إلَّا أنَّه أمْرٌ [11] مصدره عن قُدرة الله عز وجل الذي لا يُعجزه شيء، ولا يتعذَّر عليه أمرٌ، وإنَّما هو مُجاوَبَةٌ [12] بين ملكٍ كريم ونَبيٍّ [13] كليمٍ، وكُلُّ واحدٍ منهما مخصوصٌ لِصفة [14] خَرَجَ بها [15] عن حُكم عَوَامِّ البشر، ومَجَاري عاداتهم في المعنى الذي خَصَّ به [16] من أثَرَة الله واختصاصِه إيَّاه، فالمُطالبة بالتسوية بينهما وبينهم [17] فيما تنازعناه من هذا الشأن حتَّى يكون ذلك على أحكام طباع الآدميِّين، وقياس أحوالهم غير واجبةٍ [18] في حَقِّ النَّظر.

ولله عز وجل لطائفُ وخصائص يَخُصُّ بها مَن يشاءُ مِن أنبيائه وأوليائه، ويُفرِدُهم بحكمها دُون سائر خلقه، وقد أعطى موسى النُّبوَّة، واصطفَاه بِمناجاته وكلامه، وأمدَّه حين أرسله إلى فرعون بالمعجزات الباهرة، كالعَصَا، واليد البيضاء، وسخَّر له البحر فصار طريقاً يَبَساً جَازَ عليه قومُه وأولياؤه، وغَرق فيه خَصمُه وأعداؤه، وهذه أمورٌ أكرمه اللهُ بها، وأفرده بالاختصاص فيها أيَّامَ حياته ومُدَّة بقائه في دار الدُّنيا.

ثمَّ إنَّه لمَّا دَنَا حِينُ وفاته _وهو بَشرٌ يكرهُ الموت طبعاً، ويجد ألَمَه حِساً_ لَطُفَ له بأن لم [19] يُفاجِئه به [20] بَغتةً [21] ، ولم يأمر المَلَكَ الموكَّل به أن يأخُذَه قَهراً وقَسراً، لكن أرسله إليه مُنذراً بالموت، وأمره بالتَّعرُّض له على سبيل الامتحان في صورة بَشَر، فلمَّا رآه موسى اسْتَنْكَرَ شأنه، واستوعر [22] مكانه، فاحتجز [23] منه دفعاً عن نفسه بما كان من صَكِّه إيَّاه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشريَّة التي جاءه فيها دون الصورة

@%ص225%

المَلَكيَّة التي هي مَجبولُ الخلقة عليها [24] .

ومثل هذه الأمور مِمَّا يُعلَّلُ به طباع البشر، وتطيبُ به نفوسهم في المكروه الذي هو واقعٌ بهم، فإنَّه لا شيء أشفى للنفس من الانتقام مِمَّن يكيدها فيريدُها بسُوء، وقد كان من طَبْع موسَى عليه السلام فيما دَلَّ عليه آيٌ من القرآن حِماً [25] وحدَّة، وقد قصَّ علينا الكتابُ ما كان من وَكزه القِبطيَّ الذي قَضَى عليه [26] ، وما كان عند غَضَبه من إلقائه الألواحَ، وأَخْذه برأس أخيه يَجُرُّه [27] إليه، ورُوي أنَّه كان إذا غَضِبَ اشتعلت قلنسُوتُه ناراً [28] ، وقد جرت سُنَّةُ الدِّين بحفظ النفس [29] ، ودَفع الضَّرر والضَّيم عنها، ومن شَريعة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ما سَنَّه فيمن اطَّلع على مَحرَمِ قومٍ من عُقوبته في عينه، فقال: «مَنِ اطَّلع في بيتِ قومٍ بغير إذنهم فقد حَلَّ لهم أن يفقؤوا عينه» [30] .

ولمَّا نظر نبيُّ الله موسى عليه السلام إلى صُورةٍ بشرية هَجَمت عليه من غير إذن يريد نفسه ويقصد هلاكه، وهو لا يُثبتُه معرفةً، ولا يستَيقن أنَّه ملَك الموتِ، ورسولُ رَبِّ العالمين فيما يُراوِدُه منه، عَمِدَ إلى دَفعه عن [31] نفسه بيده وبطشه، فكان في [32] ذلك ذِهابَ عينه.

وقد امتُحن غيرُ واحدٍ من الأنبياء صلوات الله عليهم بدخُول الملائكة عليهم في صورة البشر، كدخول المَلَكين على داود في صورة الخَصمين لمَا أراد اللهُ عز وجل من تعريفه إيَّاه بذنبه، وتَنبيهه على مَنْ لم يرضَه [33] من فِعلِه [34] ، وكدخولهم على إبراهيم عليه السلام حين أرادوا إهلاكَ قوم لِوطٍ فقال: { قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } [الذاريات: 25] ، وقال {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ [35] إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } [هود: 70] ، وكان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أوَّلَ ما بُدئ بالوحي يأتيه المَلَكُ فيَلتَبسُ عليه أمرُه، ولمَّا جاءَه جبريلُ عليه السلام في صُورة رجل فسأله عن الإيمان

@%ص226%

لم يُثبته، فلمَّا انصرف عنه تَبيَّن أمرَه فقال: «هذا جبريل جاءكم يُعلِّمكم أمرَ دينكم» [36] .

فكذلك [37] كان أمرُ [38] موسى عليه السلام فيما جرى مِن مُناوشَته مَلَكَ [39] الموت وهو يراهُ بشراً، فلمَّا عادَ المَلَكُ إلى ربِّه عز وجل مُسْتَثْبِتاً أمرَه فيما جرى عليه ردَّ اللهُ عز وجل عليه عَينه، وأَعَادَه [40] رسولاً إليه بالقول المذكور في الخبر الذي رويناه؛ ليِعلَمَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى صِحَّةَ عينه المفقوءةِ وعودةِ بصره الذاهب أنَّه رسول [41] الله بَعَثَه لِقبض [42] رُوحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره، وطاب نفساً بقضائه، وكُلُّ ذلك رِفقٌ من الله عز وجل به، ولُطْفٌ منه في تَسهيل ما لم يكن بُدٌّ من لِقَائه، والانقياد لمورد قضائه.

وأخبرنا ابن الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا أبو داود: حدَّثنا محمَّدُ بن عثمان العِجْليُّ: حدَّثنا خالد بن مَخلد، عن سليمان بنِ بلال، حدَّثني [43] شريك بن عبد الله بن أبي نَمِرٍ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّ اللهَ عز وجل [44] قال: مَنَ عَادَى لي وليّاً فقد آذنته بحربٍ، وما تَقَرَّب إليَّ عبدي [45] بشيء أحبَّ إليَّ [46] مِمَّا افترضت [47] عليه، ومازال [48] عبدي [49] يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصَره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، إنْ سألني لأُعطينَّه، وإن استعاذني لأُعِيذَنَّه، وما ترَدَّدْتُ عن [50] شيء أنا فاعلُهُ [51] تَردُّدِي عن نفس المؤمن، يَكره الموت» [52] .

قلت: وفي غير هذه الرواية: «ولا بُدَّ له من لِقائي» [53] .

ومعاني هذه الأمور فيما لَطَف اللهُ به [54] لخاصِّ أوليائه معلومةٌ، ومواضيعُها من الحكمة والاستِصلاح غيرُ مجهولة، فأمَّا بيانُ القول والتأويل فيما يُستشنَع [55] من ألفاظ هذا الحديث فَسَيَقَعُ في موضعه من هذا الكتاب.

وما أشبه معنى قوله: «ما تَرَدَّدْتُ عن [56] شيءٍ أنا فاعلُه تَرَدُّدِي عن نفس المؤمنِ يكرهُ الموتَ»

@%ص227%

بترديده [57] رَسولَهِ مَلَكَ الموتِ إلى نَبيِّه موسى عليه السلام [58] فيما كرهه من نُزول الموت به؛ لطفاً منه بصَفيِّه، وعطفاً عليه.

والتردُّدُ على الله تعالى غير جائز، وإنَّما هو مَثلٌ يُقَرِّبُ به معنى ما أراده [59] إلى فهم السَّامع، والمُراد به [60] تَردِيدُ الأسباب والوسائط من رسولٍ أو شيءٍ غيره كما شاء سبحانه، تَنَزَّهَ عن صِفاتِ المخلوقين، وتعالى عن نُعوت المَربُوبين الذين يعتريهم في أمورهم النَّدمُ والبَدَاءُ [61] ، وتختلف بهم العزائم والآراء [62] ،{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى: 11] .

[1] (حدثنا محمود قال) سقط من (ط).
[2] قوله: (عن أبيه) سقط من الأصل والمثبت من (ط).
[3] في (ط): (صليه).
[4] في (ط): (جاءه بأمره) وفي الفروع: (بأمر الله).
[5] في (ط): (ولا يأتم).
[6] في الفروع: (إلى الملك فيلطمه).
[7] (ينهنهه) سقطت من (ط)، وفي (ر) و(ف): (ينهنه الملك ذلك) وفي(م): (يهنيه).
[8] في الفروع: (عادة).
[9] في (ط): (بخروجها).
[10] في (ف) (شؤم) وفي (م): (سوم) بحذف الراء.
[11] قوله: (أمرٌ) سقط من الأصل، والمثبت من (ط).
[12] في الفروع: (محاولة)
[13] في (ر): (وبين).
[14] في (ط): (بصفة) وفي الفروع: (بشيء).
[15] (بها) سقطت من (ط) وفي الفروع: (به).
[16] في الفروع: (خصه الله به) وفي (ر): (يخصه).
[17] في (أ) و(ر) و(م): (بيننا وبينهم)، وفي (ف): (بينهما وبينه).
[18] في الفروع: (غير جائزة).
[19] قوله: (لم) سقط من الأصل والمثبت من (ط).
[20] (به) سقطت من (ط).
[21] في الفروع: (بغتة به).
[22] في (ر) و(ف) و(م): (واستوى عن).
[23] (احتجز) أي: امتنع (التاج_ حجر_).
[24] في الفروع: (هو مجبول عليها).
[25] (الحُمّيا) شِدَّة الغضب (التاج _حما_) .
[26] يشير إلى قوله تعالى: { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } [القصص: 15] .
[27] في (ط): (يجريه).
[28] انظر الدر المنثور 3/127.
[29] في الفروع زيادة: (ما أمكن).
[30] انظر: سنن أبي داود رقم (5172) عن أبي هريرة.
[31] في (ط): (من).
[32] قوله: (في) زيادة من (ط).
[33] في (ط): (على مالم يرض).
[34] قال تعالى {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } [ص: 21] .
[35] (تصل) سقطت من (ط).
[36] انظر: البخاري رقم (50)، عن أبي هريرة.
[37] في الفروع: (فكذا).
[38] (أمر) سقطت من (ط).
[39] في الفروع: (جرى منه مع الملك).
[40] في الأصل: (أعاد) والمثبت من (ط).
[41] في (ط): (لرسول).
[42] في (أ): (بعثه الله إليه فقبض).
[43] في الأصل تشكل قراءتها والمثبت من (ط).
[44] في (ط): (ثنى به عليه).
[45] في (ر): (عبدي إلي) وفي (ف) و(م): (عبد).
[46] (إلي) سقطت من (ف).
[47] في الأصل: (أفرضت)، وفي (ط): (أورضته)، والمثبت من الفروع.
[48] في (أ): (وما يزال)
[49] في (ط): (البد).
[50] في (ط) و(م): (في).
[51] (فاعله) سقطت من (ط).
[52] انظر: البخاري رقم (6502) عن أبي هريرة
[53] انظر: حِلية الأولياء لأبي نعيم (4/32)
[54] (به) سقطت من (ط).
[55] في (ط): (يستبشع).
[56] في (ط): (في).
[57] في (أ) و(ر): (بتردده).
[58] قوله (موسى عليه السلام) سقط من (ط).
[59] في الفروع: (يقرب به المراد).
[60] في الفروع: (وأراد).
[61] قوله (من رسول... والبداء) سقط من (ط).
[62] في (ط): (الآراء والعزائم).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

1339# وقوله: (يَا ربِّ [1] أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ): فلو لم يعرفه موسى؛ لما صحَّ هذا من الملك، ويجوز أن يكون موسى أُذِن له في ذلك الفعل بالملك، وابتلي الملك بالصَّبر عليه.

وفي قوله: (يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ [بِهِ] يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ): دلالة أنَّ الدُّنيا بقي منها كثير وإن كان قد ذهب أكثرها، وقيل فيه: الزِّيادة في العمر؛ لقوله: «من سرَّه أن يبسط الله له في رزقه، وينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه».

قوله: (ثُمَّ مَاذَا؟): فأجابه.

قوله: (فَالآنَ): يدلُّ على أنَّ موسى لمَّا خيَّره الله تعالى؛ اختار الموت؛ شوقًا إلى لقاء ربِّه تعالى، كما خُيِّر نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: «الرَّفيق الأعلى».

قوله: (أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ): [وسؤاله] الدُّنوَّ منه ولم يسأل نفس البيت؛ لأنَّه خاف أن يكون قبره مشهورًا، فيفتتن به النَّاس، وسؤاله الدُّنوَّ منها؛ لفضل من دُفِن في الأرض المقدَّسة من الأنبياء والصَّالحين؛ لأنَّ الفضلاء يقصدون المواضع الفاضلة، ويزورون قبورها، ويدعون لأهلها.

قوله: (ولو [2] كُنْتُ ثَمَّ): قبره بين مدين وبيت المقدس بأريحاء، وعنده كثيب أحمر.

قوله: (عَلَى رَمْيَة حَجَرٍ [3] ): يحتمل أن يكون على قربها.

و(الكَثِيْبِ): الكدية من الرَّمل.

[1] (يارب): ليس في «اليونينيَّة».
[2] في «اليونينيَّة»: (فلو).
[3] في «اليونينيَّة»: (رمية بحجر).





لا تتوفر معاينة