المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

122-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنا [1] عَمْرٌو، قالَ: أخبَرَني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، قالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ [2] يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَىَ لَيْسَ بِمُوسَىَ [3] بَنِي إِسْرائِيلَ، إِنَّما هو مُوسًى آخَرُ. فقالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ؛ حدَّثنا [4] أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قامَ [5] مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا في بَنِي إِسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فقالَ: أَنا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ [/ج1ص35/] إِلَيْهِ [6] ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هو أَعْلَمُ مِنْكَ. قالَ: يا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فَإِذا فَقَدْتَهُ فَهْوَ ثَمَّ. فانْطَلَقَ وانْطَلَقَ بِفَتاهُ [7] يُوشَعَ بنِ نُونٍ، وَحَمَلا حُوتًا في مِكْتَلٍ، حَتَّىَ كانا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعا رُؤُوسَهُما وَناما [8] ، فانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ {فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا}، وَكان لِمُوسَىَ وَفَتاهُ عَجَبًا، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِما وَيَوْمَهُما [9] ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قالَ مُوسَىَ لِفَتاهُ: {آتِنا غَداءَنا، لقد لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا}. وَلَمْ يَجِدْ مُوسَىَ مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّىَ جاوَزَ المَكانَ الذِي أُمِرَ بِهِ، فقالَ [10] لَهُ فَتاهُ: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ [11] }. قالَ مُوسَىَ: {ذلكَ ما كُنَّا نَبْغِي [12] فارْتَدَّا علىَ آثارِهِما قَصَصًا}، فَلَمَّا انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، إذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ _أَوْ قالَ: تَسَجَّىَ بِثَوْبِهِ_ فَسَلَّمَ مُوسَىَ، فقالَ الخَضِرُ: وَأَنَّىَ بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟! فقالَ [13] : أَنا مُوسَىَ. فقالَ: مُوسَىَ بَنِي إِسْرائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: {هَلْ أَتَّبِعُكَ علىَ أَنْ تُعَلِّمَنِي [14] مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟ [15] قالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي [16] صَبْرًا}، يا مُوسَىَ إِنِّي علىَ عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ علىَ عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ [17] لا أَعْلَمُهُ. قالَ: {سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. فانْطَلَقا } يَمْشِيانِ علىَ ساحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُما سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بهما سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُما، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُما [18] بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ علىَ حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ في البَحْرِ، فقالَ الخَضِرُ: يا مُوسَىَ، ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ في البَحْرِ. فَعَمَدَ الخَضِرُ إلىَ لَوْحٍ مِنْ أَلْواحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فقالَ مُوسَىَ: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إلىَ سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها {لِتُغْرِقَ أَهْلَها [19] ؟! قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي [20] صَبْرًا؟ قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ [21] }. فَكانَتِ الأُولَىَ مِنْ مُوسَىَ نِسْيانًا. فانْطَلَقا، فَإِذا غُلامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأسِهِ مِنْ أَعْلاهُ فاقْتَلَعَ رَأسَهُ بِيَدِهِ. فقالَ مُوسَىَ: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ}؟! {قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟} _قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهذا أَوْكَدُ_ {فانْطَلَقا حَتَّىَ إِذا [22] أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، فَوَجَدا فيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [23] }، قالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقامَهُ، فقالَ لَهُ [24] مُوسَىَ: {لَوْ شِيتَ [25] لاتَّخَذْتَ [26] عَلَيْهِ أَجْرًا، قالَ: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}». قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَىَ، لَوَدِدْنا لَوْ صَبَرَ حَتَّىَ يُقَصَّ عَلَيْنا مِنْ أَمْرِهِما». [27]

الأطراف



[1] في رواية ابن عساكر: «أخبَرَنا».
[2] هكذا ضبطت الباء في (و)، وأهمل ضبطها في (ن)، وضبطت في (ب، ص) بكسرها وفتحها معًا.
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «ليس موسىَ».
[4] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثني». كتبت بالحمرة.
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «قال: قام». كتبت بالحمرة.
[6] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي ورواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلى الله».
[7] في رواية أبي ذر و [عط] : «وانطلق معه بفتاه».
[8] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «فناما».
[9] صحَّح عليها في اليونينيَّة فوق الميم.
[10] في رواية الأصيلي: «قال».
[11] في رواية ابن عساكر زيادة: «{وما أنسانيه إلا الشيطان}» وبها قرأ الجمهور غير حفص.
[12] في رواية الأصيلي: «قال».
[13] بالياء وصلًا قرأ نافع وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر، وفي الحالين ابن كثير ويعقوب.
[14] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت زيادة: «الله». كتبت بالحمرة، وزاد في (و) نسبتها إلىَ رواية المستملي.
[15] بفتح الراء والشين على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وضبطت في (ص) بضمها على قراءة الجمهور.
[16] بسكون الياء على قراءة الجمهور غير حفص.
[17] بالياء وصلًا قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر، وفي الحالين ابن كثير ويعقوب.
[18] في رواية [ح] و [عط] : «فحملوهم».
[19] في رواية [عط] : «{ليَغْرَقَ أهْلُها}» وبها قرأ حمزة والكسائي وخلف.
[20] بسكون الياء على قراءة الجمهور غير حفص.
[21] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت زيادة: «ولا ترهقني من أمري عسرًا». و{تؤاخذني} في اليونينية بالإبدال على قراءة ورش وأبي جعفر.
[22] لفظة: «إذا» ليست في رواية أبي ذر و [عط] .
[23] لفظة: «فأقامه» ليست في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] ولا في رواية السمعاني عن أبي الوقت.
[24] لفظة: «له» ليست في رواية أبي ذر.
[25] هكذا ضبطت في (ن) بالإبدال على قراءة السوسي وأبي جعفر، وضبطت في (و، ب، ص) بالهمز على قراءة الجمهور.
[26] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر وعط: «{لتَخِذْتَّ}» وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
[27] في متن (ن، ق) زيادة: «قال محمد بن يوسف الفربري: حدَّثناه [في (ق) : حدَّثنا به] عليُّ بن خَشْرَم: حدَّثنا سفيان بن عيينة بطوله». ورمز في (ق) إلىَ أنَّها ليست في رواية الأصيلي.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

122- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو الجعفيُّ المُسنَدِيُّ؛ بفتح النُّون، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، (قَالَ: حَدَّثَنَا)، وفي رواية ابن عساكر: ((أخبرنا)) (عَمْرٌو)؛ بفتح العَيْن، وهو ابن دينارٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم، وفتح المُوحَّدَة (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (إِنَّ نَوْفًا)؛ بفتح النُّون وسكون الواوِ آخره فاءٌ، منصوبًا اسم «إنَّ»، منصرفًا في الفصحى، بطنٌ من العرب، ولئن سلَّمنا عُجمته [1] ؛ فمنصرفٌ أيضًا، وإنَّما صُرِف؛ لكونه ثلاثيًّا؛ لسكون وسطه؛ كنوحٍ ولوطٍ، واسم أبي نوفٍ فَضَالة _بفتحتين_ القاصُّ (الْبكَالِيَّ)؛ بكسر المُوحَّدَة وفتحها، وتخفيف الكاف، وحُكِيَ: تشديدها مع فتح المُوحَّدَة، وعَزَاه في «المطالع» لأكثر المحدِّثين، والصَّواب: التَّخفيف نسبةً إلى بني بكَالٍ؛ بطنٌ من حِمْيَر، وهو نصبٌ نعتًا لـ: «نوفٍ»، وكان تابعيًّا عالمًا، إمامًا لأهل دمشق، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، (يَزْعُمُ أَنَّ)؛ بفتح الهمزة، مفعول يزعم؛ أي: يقول: إنَّ (مُوسَى) صاحب الخضر (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المُرسَل إليهم، والباء زائدةٌ للتَّوكيد، حُذِفَت في رواية الأربعة، وأُضِيف لـ: «بني إسرائيل» مع العلميَّة؛ لأنَّه نُكِّر؛ بأن أُوِّل بواحدٍ من الأمَّة المُسمَّاة به، ثمَّ أُضِيف إليه، (إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ)؛ بتنوين «موسى»؛ لكونه نكرةً، فانصرف؛ لزوال علميَّته، وفي روايةٍ: بترك التَّنوين، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما، وهو عَلَمٌ على شخصٍ مُعيَّنٍ، قالوا: إنَّه موسى بن مِيْشا؛ بكسر الميم، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبالشِّين المُعجَمَة، (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) نوفٌ، خرج منه مخرج الزَّجر والتَّحذير لا القدح في نوفٍ؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ قال ذلك في حال غضبه، وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا، وتكذيبه له؛ لكونه قال غير الواقع، ولا يلزم منه تعمُّده، (حَدَّثَنَا)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثني)) (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الصَّحابيُّ رضي الله عنه، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) حال [/ج1ص213/]

كونه (خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ)؟ أي: منهم، على حدِّ: الله أكبر؛ أي: من كلِّ شيءٍ، (فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ) النَّاس؛ أي: بحسب اعتقاده، وهذا أبلغ من السَّابق في باب «الخروج في طلب العلم» [خ¦78] : «هل تعلم أنَّ أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا»، فإنَّه إنَّما نفى هناك علمه، وهنا على البتِّ، (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ) بسكون الذَّال للتَّعليل، (لَمْ يَرُدّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ)، فكأن يقول نحو: الله أعلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ [2] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إلى الله))، و«يردُّ»: بضمِّ الدَّال؛ إتباعًا لسابقتها، وبفتحها لخفَّته، وبكسرها على الأصل في السَّاكن إذا حُرِّك، وجُوِّز الفكُّ أيضًا، والعتب من الله محمولٌ على ما يليق به، فيُحمَل على أنَّه لم يرضَ قوله شرعًا، فإنَّ العتب _الذي هو بمعنى: تغيير النَّفس_ مستحيلٌ على الله تعالى، (فَأَوْحَى اللهُ) تعالى (إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأنَّ، وفي «فرع اليونينيَّة»: بكسرها، على تقدير: فقال: إنَّ عبدًا، والمُرَاد: الخضر، (مِنْ عِبَادِي) كائنًا (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ)؛ أي: ملتقى بَحْرَي فارسٍ والرُّوم من جهة الشَّرق، أو بإفريقية، أو طنجة، (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ)؛ أي: بشيءٍ مخصوصٍ، كما يدلُّ عليه قول الخضر الآتي إن شاء الله تعالى: «إنِّي على علمٍ من علم الله علَّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ علَّمك [3] لا أعلمه»، ولا ريبَ أنَّ موسى أفضل من الخضر بما اختُصَّ به من الرِّسالة، ومن سماع الكلام والتَّوراة، وأنَّ أنبياء بني إسرائيل كلَّهم داخلون تحت شريعته، ومُخاطَبُون بحكم نبوَّته، حتَّى عيسى عليه السلام، وغاية الخضر: أن يكون كواحدٍ من أنبياء [4] بني إسرائيل، وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إنَّ الخضر ليس بنبيٍّ بل وليٌّ؛ فالنَّبيُّ أفضل من الوليِّ، وهو أمرٌ مقطوع به، والقائل بخلافه كافرٌ؛ لأنَّه معلومٌ من الشَّرع بالضَّرورة، وإنَّما كانت قصَّة موسى مع الخضر؛ امتحانًا لموسى ليعتبر، ووقع عند النَّسائيِّ: أنَّه عرض في نفس [5] موسى عليه السلام أنَّ أحدًا لم يُؤتَ من العلم ما أُوتي، وعلم الله بما حدَّث به نفسه، فقال: يا موسى، إنَّ مِنْ عبادي مَنْ آتيته من العلم ما لم أُوتِكَ، (قَالَ: رَبِّ) بحذف أداة النِّداء وياء المتكلِّم تخفيفًا؛ اجتزاءً بالكسرة، وفي بعض الأصول: ((يا ربِّ))، (وَكَيْفَ) لي [6] (بِهِ)؛ أي: كيف السَّبيل إلى لقائه؟ (فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ) بالجزم على الأمر، (حُوتًا)؛ أي: سمكةً كائنةً (فِي مِكْتَلٍ)؛ بكسر الميم، وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، شبه الزَّنبيل يسع خمسة عشر صاعًا، كذا في «العُبَاب»، (فَإِذَا فَقَدْتَهُ)؛ بفتح القاف؛ أي: الحوت؛ (فَهْوَ ثَمَّ)؛ بفتح المُثلَّثة، ظرفٌ بمعنى: هناك؛ أي: العبد الأعلم منك هناك، (فَانْطَلَقَ) موسى، (وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ) مجرورٌ بالفتحة، عطف بيان لـ: «فتاه»، غير منصرفٍ؛ للعجمة والعلميَّة، (ابْنِ نُونٍ)؛ مجرورٌ بالإضافة؛ منصرفٌ كنوحٍ ولوطٍ على الفصحى، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((وانطلق معه بفتاه [7] ))، فصرَّح بالمعيَّة، للتَّأكيد، وإلَّا؛ فالمُصاحَبَة مُستفادَةٌ من قوله: «بفتاه»، (وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به، وقد قِيلَ: كانت سمكةً مملوحةً، وقِيلَ: شِقُّ سمكةٍ، (حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ) التي عند ساحل البحر الموعود بلقيِّ الخضر عنده، (وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا)، وفي رواية الأربعة: ((فناما))؛ بالفاء، وكلاهما للعطف على «وضعا»، (فَانْسَلَّ الْحُوتُ) الميت المملوح (مِنَ الْمِكْتَلِ)؛ لأنَّه أصابه من ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصَّخرة شيءٌ؛ إذ إصابتها مقتضيةٌ للحياة، كما عند المؤلِّف في رواية: ({فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ})؛ أي: طريقه ({فِي الْبَحرِ سَرَبًا})؛ أي: مسلكًا، زاد في سورة «الكهف»: «وأمسك الله عن الحوت جِرْيَةَ الماء، فصار عليه مثل الطَّاق» [خ¦4725] ، (وَكَانَ) إحياء الحوت المملوح وإمساك جِرْيَةَ الماء حتَّى صار مسلكًا (لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ) بالنَّصب على الظَّرف (لَيْلَتِهِمَا) بالجرِّ على الإضافة (وَيَوْمهمَا)؛ بالنَّصب على إرادة سير جميعه، وبالجرِّ عطفًا على «ليلتهما»، والوجه الأوَّل هو الذي في «فرع اليونينيَّة» كهي [8] ، وفي «مسلمٍ» _كالمؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4725] _: «بقيَّة يومهما وليلتهما»، وهو الصَّواب؛ لقوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ إذ لا يُقَال: أصبح إلَّا عن ليلٍ؛ ({قَالَ} مُوسَى {لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا})؛ بفتح الغَيْن مع المدِّ؛ وهو الطَّعام يُؤكَل أوَّل النَّهار ({لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا})؛ أي: تعبًا، والإشارة لسير البقيَّة والذي يليها، ويدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى) عليه السلام (مَسًّا)، وفي نسخةٍ: ((شيئًا))، (مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ)، فأُلقيَ عليه الجوع [/ج1ص214/]

والنَّصَب، (فَقَالَ)، وفي رواية الأَصيليِّ: (({قال})) (لَهُ فَتَاهُ: {أَرَأَيْتَ})؛ أي: أخَبِرْتَ [9] ما دهاني؟ ({إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ})؛ أي: فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت، زاد في رواية ابن عساكر: (({وما أنسانيه}))؛ أي: وما أنساني ذكره (({إلَّا الشَّيطان}))، وإنَّما نسبه للشَّيطان؛ هضمًا لنفسه [10] ، ({قَالَ} مُوسَى: {ذَلِكَ})؛ أي: أمرُ الحوتِ ({مَا كُنَّا نَبْغِي}) هو الذي كنَّا نطلبه [11] ؛ لأنَّه علامة وجدان المطلوب، وحُذِفَ العائد، ({فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا})؛ أي: فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان ({قَصَصًا})؛ أي: يتَّبعان آثارهما اتِّباعًا، (فَلَمَّا انْتَهَيَا [12] إِلَى الصَّخْرَةِ [13] ؛ إِذَا رَجُلٌ) مُبتدَأٌ، وسُوِّغَ؛ لتخصيصه بالصِّفة، وهي قوله: (مُسَجًّى)؛ أي: مُغطًّى كلُّه (بِثَوْبٍ)، والخبر محذوفٌ؛ أي: نائمٌ، (أَوْ قَالَ [14] : تَسَجَّى بِثَوْبِهِ)؛ شكٌّ من الرَّاوي، (فَسَلَّمَ مُوسَى) عليه السلام [15] (فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى)؛ بهمزةٍ ونونٍ مُشدَّدةٍ مفتوحتين؛ أي: كيف (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) وهو غير معروفٍ بها، وكأنَّها كانت دار كفرٍ، وكانت [16] تحيَّتهم غيره، وعنده في «التَّفسير» [خ¦4725] : وهل بأرضي من سلامٍ؟ (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((قال)): (أَنَا مُوسَى، فَقَالَ) له الخضر: أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟) فهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، (قَالَ: نَعَمْ)، أنا موسى بني إسرائيل، فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدلُّ على أنَّ الأنبياء ومَنْ دونَهم لا يعلمون من الغيب إلَّا ما علَّمهم الله تعالى؛ لأنَّ الخضر لو كان يعلم كلَّ غيبٍ؛ لَعَرَفَ موسى قبل أن يسأله، ({قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ})؛ أي: من الذي علَّمك الله علمًا ({رَشَدًا})، ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره، ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين، فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِل إليه فيما بُعِثَ به [17] من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد راعى في ذلك غاية التَّواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا [18] له، وسأل منه أن يرشده، وينعم عليه بتعليم بعض [19] ما أنعم الله عليه به [20] ، قاله البيضاويُّ، لكن لم يكن موسى مُرسَلًا إلى الخضر، فقد يوهم ما قاله دخوله فيهم من السِّياق، فليُتأمَّل. ({قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا})؛ فإنِّي أفعل أمورًا ظاهرُها مناكيرُ، وباطنُها لم تُحِطْ به (يَا مُوسَى؛ إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ): جملةٌ من الفعل والفاعل والمفعولين؛ أحدهما: ياء المفعول، والثَّاني: الضَّمير الرَّاجع إلى «العلم»، صفةٌ لـ: «علمٍ»، (لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ)؛ مبتدأٌ وخبره، معطوفٌ على السَّابق [21] ، (عَلَّمَكَ الله): جملةٌ كالسَّابقة، لكن الثَّاني محذوفٌ تقديره: علمَّك الله إيَّاه، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي [22] : ((علَّمكه الله))؛ بهاء الضَّمير الرَّاجع إلى العلم، (لَا أَعْلَمُهُ) صفةٌ أخرى، وهذا لا بدَّ من تأويله؛ لأنَّ الخضر كان يعرف من علم [23] الشَّرع ما لا غنى للمُكلَّف [24] عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدَّ منه، كما لا يخفى، ({قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا}) معك غير منكرٍ عليك، وانتصاب {صابرًا} مفعولٌ ثانٍ لـ: {ستجدني}، و{إن شاء الله}: اعتراضٌ بين المفعولين، ({وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}) عطفٌ على {صابرًا}؛ أي: ستجدني صابرًا وغير عاصٍ، قال القاضي: وتعليق الوعد بالمشيئة إمَّا للتَّيمُّن، وإمَّا لعلمه بصعوبة الأمر، فإنَّ مشاهدة الفساد و [25] الصَّبر على خلاف المُعتَاد شديدٌ، (فَانْطَلَقَا) على السَّاحل حال كونهما (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ)؛ أي: موسى والخضر ويوشع كلَّموا أصحاب السَّفينة، (أَنْ)؛ أي: لأن (يَحْمِلُوهُمَا)؛ أي: لأجل حملهم إيَّاهما [26] ، (فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا)؛ أي: الخضر وموسى (بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ بفتح النُّون؛ أي: بغير أجرةٍ، ولم يُذكَر يوشع معهما، كما في قوله: «فانطلقا يمشيان»؛ لأنَّه تابعٌ غير مقصودٍ بالأصالة، ويحتمل أن يكون [27] يوشع لم يركب معهما؛ لأنَّه لم يقع له ذكرٌ بعد ذلك، وضمَّه معهما في كلام أهل السَّفينة؛ لأنَّ المقام يقتضي كلام التَّابع، لكن في روايةٍ بـ: «فرع اليونينيَّة» كهي [28] : ((فعُرِفَ الخضر فحملوهم)) بالجمع، وهو يقتضي الجزم بركوبه معهما في السَّفينة، (فَجَاءَ عُصْفُورٌ)؛ بضمِّ أوَّله، وحكى ابن رشيقٍ في كتاب «الغرائب»: فتحه، قِيلَ: وسُمِّي به؛ لأنَّه عصى وفرَّ، قاله الدَّميريُّ، وقِيلَ: إنَّه [29] الصَّرد، (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً) بالنَّصب على المصدر (أَوْ نَقْرَتَيْنِ) عطفٌ عليه (فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى [30] ؛ مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ)؛ أي: من معلومه (إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ)، وعند المؤلِّف [خ¦3401] [/ج1ص215/]

أيضًا: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله تعالى إلَّا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من هذا [31] البحر»؛ أي: في جنب معلوم الله تعالى، وهو أحسن سياقًا من المسوق هنا، وأبعد عن الإشكال، ومُفسِّرٌ للواقع هنا، والعلم يُطلَق ويُرَاد به المعلوم؛ بدليل دخول حرف التَّبعيض، وهو «من» في قوله: «مِن علم الله»؛ لأنَّ العلم القائم بذات الله تعالى صفةٌ قديمةٌ لا تتبعَّض، فليس العلم هنا على ظاهره؛ لأنَّ علم الله تعالى لا يدخله نقصٌ، وقِيلَ: «نقص» بمعنى: أخذ؛ لأنَّ النَّقص أخذٌ خاصٌّ، فيكون التَّشبيه واقعًا على الأخذ لا على المأخوذ منه، إذ [32] نقص العصفور لا تأثير له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، فهو كقوله: [مِنَ الطَّويل]

~ ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهمْ بِهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ

أي: ليس فيهم عيبٌ، وقيل: كان [33] هذا الطَّائر من الطُّيور [34] التي تعلو مناقرهم دُهَينة، فلا [35] يعلق بها ماء ألبتَّة [36] ، (فَعَمَدَ الْخَضِرُ [37] ) بفتح الميم؛ كضَرَب (إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ) بفأسٍ، فانخرقت ودخل الماء، (فَقَالَ) له (مُوسَى) عليه السلام: هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ بفتح أوَّله؛ أي: بغير [38] أجرٍ، (عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا {لِتُغْرِقَ})؛ بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، وكسر الرَّاء، على الخطاب، مضارع «أغرق»؛ أي: لأن تُغْرِقَ ({أَهْلَهَا}): نُصِبَ على المفعوليَّة، ولا ريبَ أنَّ خرقها سببٌ لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها، وفي روايةٍ: (({ليَغرَق}))؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الرَّاء، على الغيب، مضارع «غرق»، (({أهلُها})): بالرَّفع على الفاعليَّة، ({قَالَ}) الخضر: ({أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}؟)، ذكَّره بما قال له قبل، ({قَالَ}) موسى: ({لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ})؛ أي: بالذي نسيته، أو بنسياني، أو بشيءٍ نسيته؛ يعني: وصيَّته بألَّا يعترض عليه، وهو اعتذارٌ بالنِّسيان أخرجه في معرض النَّهيِ عن المُؤاخَذَة مع قيام المانع لها، زاد في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: (({وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا}))؛ أي: ولا تغشني عسرًا من أمري بالمُضايَقَة والمُؤاخَذَة على المَنْسِيِّ، فإنَّ ذلك يعسِّر عليَّ مُتابَعَتَك، (فَكَانَتِ) المسألة (الأُولَى مِنْ مُوسَى) عليه السلام (نِسْيَانًا) بالنَّصب: خبر «كان»، (فَانْطَلَقَا) بعد [39] خروجهما من السَّفينة، (فَإِذَا غُلَامٌ) بالرَّفع: مبتدأٌ؛ لكونه تخصَّص بالصِّفة؛ وهي قوله: (يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ)، والخبر محذوفٌ، و«الغلام»: اسمٌ للمولود إلى أن يبلغ، وكان الغلمان عشرةً، وكان الغلامُ أظرفَهم وأوضأَهم، واسمه [40] جيسون أو جيسور [41] ، وعنِ الضَّحَّاك: يعمل بالفساد ويتأذَّى منه أبواه، وعنِ الكلبيِّ: يسرق المتاع باللَّيل، فإذا أصبح؛ لجأ إلى أبويه، فيقولان: لقد بات عندنا، (فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ)؛ أي: جرَّ الغلام برأسه، (فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ)، وعنده في «بدء الخلق» [خ¦3278] : فأخذ الخضر برأسه فقطعه هكذا، وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنَّه يقطف [42] شيئًا، وعنِ الكلبيِّ: صرعه، ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله [43] ، و«الفاء» في «فاقتلع»؛ للدَّلالة على أنَّه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروٍّ واستكشاف حالٍ، (فَقَالَ مُوسَى) للخضر عليهما السلام: ({أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً})؛ بتشديد الياء؛ أي: طاهرةً من الذُّنوب، وهي أبلغ من ((زاكيةٍ))؛ بالتَّخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكية: التي لم تذنب قطُّ، والزَّكيَّة: التي أذنبت ثمَّ غَفَرَت؛ ولذا اختار قراءة التَّخفيف، فإنَّها كانت صغيرةً لم تبلغِ الحُلْم، وزعم قومٌ: أنَّه كان بالغًا يعمل الفساد [44] ، واحتجُّوا بقوله: ({بِغَيْرِ نَفْسٍ})، والقصاص إنَّما يكون في حقِّ البالغ، ولم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتُقَاد به، نبَّه به على أنَّ القتل إنَّما يُبَاح حدًّا أو قصاصًا، وكلا الأمرين منتفيان [45] ، والهمزة في {أقتلت} ليست للاستفهام الحقيقيِّ، فهي كهي في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوِى} [الضحى: 6] ، وكان قتل الغلام في أُبُلَّة؛ بضمِّ الهمزة، والمُوحَّدة، وتشديد اللَّام المفتوحة، بعدها هاءٌ، مدينةٌ قرب بصرة وعبادان [46] ، ({قَالَ}) الخضر لموسى عليهما السلام: ({أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا})؛ بزيادة {لك} في هذه المَّرة زيادةً في المُكافَحَة بالعتاب على رفض الوصيَّة، والوسم بقلَّة الثَّبات والصَّبر لمَّا تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار، ولم يرعوِ بالتَّذكير أوَّل مرَّةٍ حتَّى زاد في الاستنكار [47] ثاني مرَّةٍ [48] ، (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (وَهَذَا أَوْكَدُ)، واستدلَّ عليه بزيادة {لك} في هذه المرَّة، (فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا)، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: (({حتَّى إذا أتيا}))، مُوافِقةً للتَّنزيل ({أَهْلَ قَرْيَةٍ}) هي: أنطاكية أو أُبلَّة أو ناصرة أو برقة أو غيرهنَّ، فلمَّا وافياها بعد غروب الشمس؛ ({اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا}) واستضافوهم [/ج1ص216/]

({فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا})، ولم يجدوا في تلك القرية قِرًى ولا مأوًى، وكانت ليلةً باردةً، ({فَوَجَدَا فِيهَا})؛ أي: في القرية ({جِدَارًا}) على شاطئ الطَّريق، وكان سُمْكُه مئتي ذراعٍ بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمسَ مئةِ ذراعٍ، وعرضه خمسين [49] ذراعًا، ({يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ})؛ أي: يسقط، فاستُعِيرت الإرادة للمُشارَفَة، وإلَّا؛ فالجدار لا إرادة له حقيقةً، وكان أهل القرية يمرُّون تحته على خوفٍ، (قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ)؛ أي: أشار بها، وفي روايةٍ: ((قال: فمسحه [50] بيده)) [خ¦2267] ، ({فَأَقَامَهُ})، وقِيلَ: نقضه وبناه، وقِيلَ: بعمودٍ عمده به، وفيه [51] إطلاق القول على الفعل، وفي رواية أبي ذرٍّ عن [52] المُستملي: (({يريد [53] أن ينقضَّ فأقامه}))، ({قالَ} [54] مُوسَى)، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: ((فقال له موسى))؛ أي: للخضر ({لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ})؛ بهمزة وصلٍ، وتشديد التَّاء، وفتح الخاء، على وزن «افتعلت» من «تَخِذ»، كاتَّبع من تَبِع، وليس من الأخذ عند البصريِّين، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: (({لتَخِذْتَ}))؛ أي: لأخذت ({عَلَيْهِ أَجْرًا})، فيكون لنا قوتًا وبُلغةً على سفرنا، قال القاضي: كأنَّه لمَّا رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه؛ لم يتمالك نفسه، ({قَالَ}) الخضر لموسى عليهما السلام: ({هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ})؛ بإضافة «الفراق» إلى «البين» إضافة المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع، والإشارة في قوله: {هذا} إلى الفراق الموعود بقوله: {فلا تصاحبني}، أو تكون الإشارة إلى السُّؤال الثَّالث؛ أي: هذا الاعتراض سببٌ [55] للفراق، أو إلى الوقت؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق.

(قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى): إنشاءٌ بلفظ الخبر، (لَوَدِدْنَا)؛ بكسر الدَّال الأولى، وسكون الثَّانية؛ أي: والله لَوَدِدْنا (لَوْ صَبَرَ)؛ أي: صَبْرَهُ؛ لأنَّه لو صبر؛ لأبصر أعجب الأعاجيب، (حَتَّى يُقَصَّ) على صيغة المجهول (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا): مفعولٌ لم يُسمِّ فاعله، وفي هذه القصَّة حجَّةٌ على صحَّة الاعتراض بالشَّرع على ما لا يُسوَّغ فيه؛ ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر، على أنَّه ليس في شيءٍ ممَّا فعله الخضر مُناقَضَةٌ للشَّرع، فإذا نقض لوح السَّفينة لدفع الظَّالم عن غصبها، ثمَّ إذا تركها أُعِيد اللَّوح؛ جائزٌ شرعًا وعقلًا، ولكن مُبادَرَة [56] موسى بالإنكار بحسب الظَّاهر، وقع ذلك صريحًا عند مسلمٍ، ولفظه: «فإذا جاء الذي يسخِّرها [57] ؛ وجدها منخرقةً»، وأمَّا قتله الغلام؛ فلعلَّه كان في تلك الشَّريعة، وقد حكى القرطبيُّ عن صاحب «العرس والعرائس»: أنَّ موسى لمَّا قال للخضر: أقتلت نفسًا زاكية؟ اقتلع الخضر كتف الصَّبيِّ الأيسر وقشر عنه اللَّحم، فإذا في عظم كتفه كافرٌ لا يؤمن بالله [58] أبدًا، وفي «مسلمٍ»: «وأمَّا الغلام فطُبِع يوم طُبِع كافرًا لا يؤمن بالله»، وأمَّا إقامة الجدار؛ فَمِنْ باب مُقابَلَة الإساءة بالإحسان، قال محمَّد بن يوسف: حدَّثنا به عليُّ بن خَشْرَمٍ؛ بفتح الخاء وسكون الشِّين المُعجَمَتين، وفتح الرَّاء، آخره ميمٌ، مصروفٌ، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ بطوله [59] ، وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في أكثر من عشرة مواضع [خ¦3278] ، [خ¦3401] ، [خ¦4725] ، [خ¦4727] ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسُّؤال.

[1] في (د): «أعجميَّته»، وفي (ص): «عجميَّته»، وفي (م): «عجميَّه».
[2] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (د).
[3] في (د): «عُلِّمتَه».
[4] «الأنبياء»: سقط من (د).
[5] «نفس»: سقط من (ص).
[6] «لي»: ليس في (ص) و(م).
[7] في (ب) و(س): «فتاه».
[8] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[9] في (ب) و(س): «أخبرني».
[10] أي: نسب النسيان إلى الشيطان مع أنَّ فاعله الحقيقي هو الله تعالى وفاعله المجازي هو الاستغراق بمذكورٍ؛ هضماً لنفسه بجعل ذلك الاستغراق نفسه وشغله. انظر روح المعاني (15/318).
[11] في (ب) و(س): «نطلب».
[12] في (ب) و(س): «أتيا».
[13] زيد في (ب) و(س): «وفي نسخة: انتهيا».
[14] في (ص): «مسجًّى».
[15] «عليه السَّلام»: سقط من (د).
[16] في (ص): «أو كان».
[17] «به»: سقط من (د).
[18] في (د): «تبعًا له».
[19] في (م): «عليه ببعض».
[20] «به»: سقط من (ص) و(م).
[21] في (م): «السِّياق».
[22] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[23] في (م): «حكم».
[24] في (م): «للمُكلَّفين».
[25] «مشاهدة الفساد و»: مثبتٌ من (م).
[26] في (ص): «إياهم».
[27] «يكون»: سقط من (ص).
[28] «كهي»: سقط من (د) و(ص).
[29] في (م): «هو».
[30] في (م): «لموسى».
[31] في (ص) و(م): «بمنقاره في».
[32] في (م): «أو أن».
[33] «كان»: سقط من (س).
[34] في (م): «الطَّوائر».
[35] في (ب) و(س): «تعلو مناقيرها بحيث لا».
[36] قوله: «وقيل: كان هذا الطَّائر من الطُّيور... فلا يعلق بها ماء ألبتَّة»، سقط من (د) و(ص).
[37] «الخضر»: سقط من (د).
[38] «بغير»: سقط من (د).
[39] في (د): «عند».
[40] في (ب) و(س): «اسم الغلام».
[41] في (ب) و(س): «حيسون أو حيسور»، وفي (م): «ميسور».
[42] في (د): «يقطع».
[43] «فقتله»: سقط من (د).
[44] في: «بالفساد».
[45] في غير (د): «مُنتَفٍ».
[46] في (د): «عبادن».
[47] في غير (س): «الاستكثار»، وفي (ص): «الاستعثار».
[48] زيد في (م): «قاله في «الأنوار»».
[49] في غير(ب): «خمسون».
[50] في (ب) و(س): «فمسح».
[51] في (ص): «عمده بيده وقيد».
[52] في (ب) و(س): «و»، وليس بصحيحٍ.
[53] في (د): «يزيد»، وهو تصحيفٌ.
[54] في (د): «فقال».
[55] في (ص): «بسبب».
[56] في (م): «بادرة».
[57] في (ص): «سخرها».
[58] «لا يؤمن بالله»: سقط من (ص) و(م).
[59] قوله: ««قال محمَّد بن يوسف: حدَّثنا به عليُّ... حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ بطوله»، مثبتٌ من (م).





122- (مُوسًى آخَرُ): قال العلَّامةُ ابنُ حَجَرٍ: (في روايتِنا بغيرِ تنوينٍ، وجزمَ بعضُهم أنَّه منوَّنٌ مصروفٌ؛ لأنَّه نكرةٌ، ونُقل عن ابنِ مالكٍ أنَّه جعلَه مثالًا للعَلَمِ إذا نُكِّر تخفيفًا، قال: وفيه بحثٌ) انتهى.

وقال الكرمانيُّ: (و«مُوسَى» غيرُ مُنصرِفٍ؛ للعلميَّة والعُجمة.

فإِنْ قلتَ: العَلَمُ كيفَ يُضاف إلى «بَنِي إِسْرَائِيلَ»، وكيف يُوصفُ بلفظِ «آخَرُ» وهو نَكِرةٌ؟ قلتُ: قد نُكِّرَ، ثم أُضيفَ، ووُصِفَ بالنَّكرة.

فإِنْ قلتَ: كيف يُنكَّرُ العَلَمُ؟ قلتُ: أنْ يُؤَوَّلَ بواحدٍ مِنَ الأُمَّةِ المُسمَّاة به.

فإنْ قلتَ: فهل يُقرأ بالتَّنوينِ حينئذٍ؟ قلتُ: نعم.

فإنْ قلتَ: «آخَرُ» هو أَفْعَلُ التَّفضيل، فلِمَ لا يُستعملُ بأحدِ الوجوهِ الثلاثةِ؟ قلتُ: غلبتْ عليه الاسميَّةُ المحضةُ مضمحلًّا عنه معنى التفضيل بالكلية.

فإِنْ قلتَ: فهل ينوَّنُ؟ قلتُ: لا؛ إذْ هو غيرُ منصرِفٍ للوصفيَّةِ الأصليَّةِ، ووزنِ الفعل).

(لَمْ يَرُدَّ): بالفتحِ، والضَّمِّ، والكسرِ.

(سَرَبًا): انتصبَ على المفعولِ، أو على المصدرِ.

(بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمهمَا): بنصبِ (يَوْمَهُمَا)، وقال البِرْماويُّ: («وَيَوْمهمَا» بالجرِّ عطفًا على المضافِ إليه، وبالنصبِ على المضافِ، كذا في هذه الرواية، وفي «البخاري» في التفسير [4725] ، و«مسلم» [2380] : «يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتهمَا»، وهو الصَّوابُ؛ لقوله: «فَلَمَّا أَصْبَحَ»، وفي روايةٍ: «حتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ») انتهى.

(مُسَجًّى): صفةٌ لـ (رَجُلٌ)، أو خبرٌ له.

(أَنَّى): استفهامٌ؛ أي: مِنْ أينَ السلامُ في هذهِ الأرضِ التي لا يُعرفُ بها ذلكَ؟

قالوا: (أَنَّى) تأتي بمعنى: (مِنْ أينَ) ؛ نحو: {أنَّى لك} [آل عمران: 37] ، وبمعنى: (متى)، و (حيث)، و (كيف).

وقال بعضهم: («وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ»: «أَنَّى» فيها وجهان:

أحدهما: بمعنى: «مِنْ أينَ»؛ كقوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا} [آل عمران: 37] ؛ فهي ظرف مكان، و«السَّلَامُ» مبتدأٌ، والظَّرفُ خبرٌ عنه، وهو نظيرُ ما قيلَ في قولِه: {أَنَّى لَكَ هَذَا}: {أَنَّى} خبرٌ مقدَّمٌ، و{هَذَا} مبتدأٌ، و{لَكِ} تبيينٌ.

والثَّاني: بمعنى: «كيفَ»؛ أي: كيفَ بأرضكَ السَّلامُ؟ وتَشهدُ له الرِّوايةُ التي سنذكرُها في تفسير سورة «الإسراء» [خ¦4726] : «هَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلَامٍ؟».

ووجهُ هذا الاستفهامِ: أنَّه لمَّا رأى ذلكَ الرَّجلَ في قَفْرٍ مِنَ الأرضِ؛ استبعدَ علمَه بكيفيَّة السَّلام؛ ذَكَرَه أبو البقاء العُكْبَري قال: فأمَّا قوله: «بِأَرْضِكَ السَّلَامُ»؛ فموضعُه نصبٌ على الحالِ مِنَ «السَّلامِ»، والتقديرُ: مِنْ أينَ استقرَّ السَّلامُ كائنًا بأرضك؟).

قال الزَّركشيُّ: (كلمةُ تعجُّبٍ)، وفيه مسامحةٌ؛ لأنَّ التَّعجُّبَ في الاستفهامِ، لا لها بخصوصِها؛ ولهذا في روايةٍ تأتي في (الإسراء) [1] [خ¦4726] : (هَلْ بِأَرْضِي [2] مِنْ سَلَامٍ؟).

(بِأَرْضِكَ): قال أبو البقاء: (حالٌ؛ أي: كائنًا بأرضكَ).

(مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟): خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: أنتَ...؟

(عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ): قال ابنُ مالكٍ: (فإنِ اختَلَفَ الضَّميرانِ بالرُّتبةِ، وقُدِّم أقرَبُهما رتبةً؛ جازَ اتِّصالُ الثَّاني وانفصالُه، والاتِّصالُ أجودُ؛ لموافقةِ الأصل، ولأنَّ القرآن العزيزَ نزلَ به دونَ الانفصال؛ كقوله تعالى: {إِذْ يُرِيْكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا} [الأنفال: 43] ، وعليه جاءَ قولُ المرأةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لِأَكْسُوَكَها»، وقولُ الرَّجُلِ له: «اُكْسُنِيها»، وقولُ الخَضِرِ... فذكرَه، وسيبويهِ يرى الاتِّصالَ في هذهِ الأمثلةِ ونحوِها واجبًا، والانفصالَ ممتنعًا، والصَّحيحُ ترجيحُ الاتِّصالِ، وجوازُ الانفصالِ).

(نَقَصَ): يكونُ متعدِّيًا كما هنا، ولازمًا.[/ص30/]

(قَوْمٌ): أي: هؤلاءِ قومٌ، أو: هم قومٌ؛ محذوف المبتدأ.

(فَكَانَتِ [3] الْأُوْلَى مِنْ مُوْسَى [نِسْيَانًا)، وفي بعضِها] : (نِسْيَانٌ) ؛ ففي [4] (كَانَتْ) ضميرُ القصَّة، و (الْأُولَى) مبتدأٌ، وهو [5] خبرُه، أو: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، و (كَانَت) تامَّةٌ، أو (كَانَت) زائدةٌ.

(بِرَأْسِهِ): الباءُ زائدةٌ، وقيل: على بابها، وقال البِرْماويُّ: (يَحتمل زيادةُ الباء، والأصالة على معنى: أنَّه جرَّه إليه برأسه ثم اقتلعَه؛ إذْ لو كانتْ زائدةً؛ لم يكن لقوله: «اقْتَلَعَهُ» معنًى زائدٌ على أخذِه، وفي التَّفاسيرِ قولٌ: أنَّه أضجَعَه، ثم ذبحَه بالسِّكِّين).

(لَوَدِدْنَا): جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ.

(لَوْ صَبَرَ): في تقديرِ المصدرِ، وقال الزَّركشيُّ: («لَوْ» هنا بمعنى: «أَنْ» النَّاصبةِ للفعل؛ كقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ} [القلم: 9] ، {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [النساء: 89] ، وقد جاءَ بـ«أَنْ» في قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ} [البقرة: 266] ، و«صَبَرَ» بمعنى: يصبر؛ أي: وَدِدْنا أَنْ يَصْبِرَ).

(يُقَصَّ): مبنيٌّ للمفعولِ، ونائبُ الفاعلِ (مِنْ أَمْرِهِمَا).

[1] كذا في النسختين: (الإسراء)، وسلف أن في هامش النسختين: (الروايةُ إنَّما هي في تفسير سورة الكهف)، وهو الصواب.
[2] في النسختين: (بأرضك)، وسلف على الصواب كما أثبت.
[3] في النسختين: (وكانت) تبعًا لـ«اللامع الصبيح» (2/96)، والمثبت لفظ الحديث.
[4] في النسختين: (وَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوْسَى نِسْيَانٌ: في...)، والاستدراك من المصادر.
[5] أي: نسيانٌ.





122- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ): هذا هو المسنَديُّ، وهو بفتح النُّون، وإنَّما قيل له ذلك؛ لأنَّه كان وقت الطلب يتَّبع الأحاديث المسندة، ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل، وقال الحاكم: (إنَّه أوَّل من جمع مسند [1] الصَّحابة على التراجم بما وراء النهر) ، وكنيته: أَبُو جعفر، وقد تقدَّم، وهو عَبْد الله بن محمَّد بن عَبْد الله بن جعفر بن يمان بن أخنس بن خنيس الجعفيُّ البخاريُّ الحافظ [2] .

[وتقدَّم أَنَّ البخاريَّ يروي عن أربعة أشخاص كلٍّ منهم اسمه: عبد الله بن محمَّد في (باب أمور الإيمان) ؛ فانظره، والمسنديُّ هذا يروي] [3] عن فضيل، ومعتمر [4] ، وعنه: البخاريُّ، ومحمد بن نصر المروزيُّ، توفِّي سنة (229 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ والتِّرمذيُّ، قال أَبُو حاتم: (صدوق) .

قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو سفيان بن عيينة، تقدَّم فيما مضى في أوَّل التَّعليق، ويدلُّك على أنَّه هو قوله في آخر الحديث: (قال ابن عيينة) ، وهذا أوكد.

قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو): هذا هو ابن دينار أَبُو محمَّد مولى قريش، مكِّيٌّ إمام، عنِ ابن عبَّاس، وابن عمر، وجابر، وعنه: شعبة، والسفيانان، وخلق، مات سنة (126 هـ ) في أوَّلها، وله ثمانون سنة، تقدَّم، وأنَّه ما قيل عنه من التشيُّع؛ باطل، وهو عالم حجَّة.

(تنبيه: لهم عمرو بن دينار آخر [5] ، كنيته: أَبُو يحيى، وهو قهرمان آل الزبير، أخرج له التِّرمذيُّ وابن ماجه [6] ، ضعَّفوه) [7] .

قوله: (إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ): (نَوْفٌ) ؛ بفتح النُّون، وإسكان الواو، ثمَّ بفاء، مصروف، و (البِكاليُّ) ؛ بكسر الموحَّدة وبالكاف المخفَّفة، وفي آخره لام: نسبة إلى بكال؛ بطن من حمير، وهو نوف بن فَضالة، قال ابن الصَّلاح في «علومه»: (إنَّه كما قيَّدته، ونسبه إلى ما نسبته إليه، وغلب على ألسنة أهل الحديث فيه: فتح الباء، وتشديد الكاف) انتهى.

وقال ابن قُرقُول: (أكثر المحدِّثين يفتحون الباء، ويشدِّدون الكاف، وآخره لام، وكذا قيَّدناه عن أبي بحر وابن أبي جعفر عنِ العذريِّ، وقال: قاله أبو ذرٍّ، وقُيِّد عنِ المهلَّب بكسر الباء، وكذلك عنِ الصَّدَفيِّ، وأبي الحسين بن سِراج: بتخفيف الكاف، وهو [/ج1ص67/] الصَّواب؛ نسبة إلى بكال من حمير) انتهى.

وهو ابن امرأة كعب [8] ، روى عن كعب، وعليٍّ، وثوبان، وعبد الله بن عمرو، وأبي أيُّوب الأنصاريِّ، وعنه: شهر [9] بن حوشب، وابن جبير، وأبو إسحاق السبيعيُّ، وأبو عمران الجونيُّ، كان أحد العلماء، وقال يحيى بن أبي عمرو السّيبانيُّ: (كان نوفٌ إمامًا لأهل دمشق رحمه الله) .

قوله: (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ...) إلى آخره: إن قال قائل: من موسى الآخر؟

فالجواب: أنَّ الحاكم ذكر في «مستدركه» في (المناقب) في موسى وهارون صلَّى الله عليهما وسلَّم [10] : (قال ابن إسحاق: ولد موسى بن مَنْشا [11] [بالنُّون والياء صح] بن يوسف بن يعقوب، فتنبَّأ في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران فيما يزعمون، ويزعمون -أهل السَّفر بها- أنَّه هو الذي صَحِبَ الخضر) ، كذا نقلتُه من «تلخيص المستدرك» للذهبيِّ، وموسى هذا ذكر ابن الجوزيِّ في أوَّل «تلقيحه» في ترتيب كبار الأنبياء: (من بعد يوسف موسى بن مَنْشا [12] [بالنُّون والياء صح] ، ثمَّ من بعده موسى بن عمران) انتهى، وسيأتي من كلام شيخنا الشَّارح حكاية أنَّه هو.

قوله: (مُوسًى [13] آخَرُ): هو منوَّن في أصلنا، ويجوز تنوينه وترك تنوينه، قال أبو عمرو بن العلاء: (إنَّ موسى مصروف في النكرة) انتهى، وقوله: (موسًى آخر): هو نكرة.

قوله: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ): هذا قاله على سبيل الإغلاظ على القائل، وكان ذلك في حال غضبه؛ لشدَّة إنكاره، وحالة الغضب تُطلق الألفاظ ولا يُراد بها حقائقها.

فائدة: السَّائل هنا هو سعيد بن جبير، وابن عبَّاس هو المخبر، وفيما مضى ابن عبَّاس تمارى هو والحرُّ بن قيس في صاحب موسى، فقال ابن عبَّاس: هو خضر، فمرَّ بهما أُبيُّ بن كعب فسأله ابن عبَّاس فأخبره، فيحتمل أنَّ سعيدًا سأل ابن عبَّاس بعد الواقعة الأولى المتقدِّمة لابن عبَّاس مع الحرِّ، فأخبره ابن عبَّاس لمَّا سأله عن قول نوف، ولأجل ذلك -والله أعلم- قدَّم البخاريُّ تلك الواقعة وأخَّر هذه.

قال شيخنا الشَّارح: (وجاء أنَّ السَّائل غير ابن جبير) ، روي عن سعيد قال: جلست إلى ابن عبَّاس وعنده قوم من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا عبد الله؛ إنَّ نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أنَّ موسى الذي طلب العلم إنَّما هو موسى بن منشا، فقال ابن عبَّاس: كذب نوف، حدثني أُبيٌّ...؛ وذكر الحديث.

قوله: (أَنَّ عَبْدًا): هو بفتح همزة (أَنَّ) ، وكسرها.

قوله: (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ): هما بحر الروم ممَّا يلي الغرب، وبحر فارس ممَّا يلي الشَّرق، قاله قتادة، وحَكى الثعلبيُّ عن أُبيِّ بن كعب أنَّه بإفريقية، وقيل: بحر الأردنِّ وبحر القلزم، قال السُّهيليُّ: (وقيل: بحر المغرب وبحر الزقاق) ، قال ابن عبَّاس: (اجتمع البحران موسى والخضر بمجمع البحرين) ، قاله شيخنا الشَّارح، وقال ابن عبد السلام: (عند عين الحياة، وقيل: الروم وفارس [14] ، وقيل: طنجة، وقيل: إفريقية، وقيل: بحري العلم موسى والخضر) انتهى.

قوله: (فِي مِكْتَلٍ): هو بكسر الميم، وإسكان الكاف، وفتح المثنَّاة فوق، ثمَّ لام؛ وهو فوق الزِّنبيل [15] ، وقيل: القفَّة، وقال ابن وهب: (هو وعاء يسع خمسة عشر صاعًا إلى عشرين) ، قال في«المطالع»: (قلت: قاله سعيد في الفَرَق) .

قوله: (فَهْوَ ثَمَّ): هو بفتح الثَّاء المثلَّثة، وتشديد الميم، تقدَّم معناها في ذهاب موسى مع الخضر [16] .

قوله: (يُوشَعَ بْنِ نُونٍ): تقدَّم أنَّ (نونًا) مصروف، وتقدَّم بقيَّة نسبه في ذهاب موسى مع الخضر.

قوله: (عِنْدَ الصَّخْرَةِ): تقدَّم في الباب المذكور أعلاه أين هي.

[قوله: (فَانْسَلَّ الْحُوتُ): قال صاحبنا الإمام كمال الدين الدميريُّ ثمَّ القاهريُّ الشَّافعيُّ -وهو أحد فضلاء القاهرة اجتمعت به- ما لفظه: (حوت موسى ويوشع عليهما السلام، قال [17] أبو حامد الأندلسيُّ: رأيت سمكة بقرب مدينة سبتة من نسل الحوت الذي أكل منه موسى [18] وفتاه، وأحيا [19] الله نصفه، فاتَّخذ سبيله في البحر سربًا، ونسلها [20] في البحر إلى الآن في ذلك الموضع، وهي سمكة طولها أكثر [21] من ذراع، وعرضها شبر واحد، أحد جانبيها شوك وعظام، وجلد رقيق على أحشائها وعينيها، ورأسها نصف رأس، من رآها من هذا الجانب؛ استقذرها، ويحسب أنَّها مأكولة ميتة، ونصفها الآخر صحيح، والناس يتبرَّكون بها، ويهدونها إلى الأماكن البعيدة) انتهى ما قاله] [22] .

قوله: (سَرَبًا): هو المسلك في خُفية، وانتصب على المفعول، أو على المصدر، كأنَّه قال: سرب الحوت سربًا.

قوله: (بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهِمَا): وفي (الأنبياء) العكس، وهو في «مسلم»، وهو الصَّواب؛ لقوله: (فلمَّا أصبح) ، وفي رواية: (حتَّى إذا كان من الغد) ، قال النوويُّ: (وضبطوه _ [يعني: في «مسلم»-: بنصب «ليلتَهما»، وجرِّها) انتهى، فـ(يوم) في «صحيح البخاريِّ»: منصوب، وكذا هو في أصلنا، وعليه (صح) ، وقول النَّوويِّ: (إنَّهم ضبطوه] [23] : بجرِّ «ليلتِهما») ؛ فيه وقفة من حيث المعنى؛ لأنَّهما إنَّما سارا بقيَّة اليوم الذي نسيا فيه الحوت واللَّيلة كلَّها لا بقيَّتها؛ بدليل قوله: (فلمَّا أصبح) ، ورواية [24] : (حتَّى إذا كان من الغد) ، والذي ظهر لي في توجيه ما قاله النَّوويُّ -والله أعلم-: أنَّه إذا جُمع بين الرِّوايتين؛ صار بقيَّة اليوم مسارًا فيه وبقية اللَّيل لا هذا كلُّه، ولا هذا كلُّه [25] ، فلهذا [26] جُوِّز فيه الجرُّ، والله أعلم.

[قوله: (نَصَبًا): أي: تعبًا] [27] .

قوله: (الَّذِي أُمِرَ بِهِ): (أُمِر): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (فَتَاهُ): تقدَّم أعلاه أنَّه يوشع بن نون؛ أي: خادمه، وقيل: إنَّه ابن أخته.

قوله: (مُسَجًّى بِثَوْبٍ): أي: مغطًّى به.

قوله: (وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟!): (أَنَّى): تجيء بمعنى: أين، وحيث، وكيف، قال القاضي عياض: (وهذا يدلُّ على أنَّ السلام لَمْ يكن معروفًا عندهم إلَّا في خاصَّة الأنبياء والأولياء، أو كان بلاد كفر ممَّن لا يعرف السلام [28] ) .

قوله: (فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، [فَعُرِفَ الْخَضِرُ] ، فَحَمَلُوهُمَا): هكذا ورد؛ والمعنى: أنَّ موسى والخضر ويوشع قالوا لأصحاب السفينة: هل تحملوننا؟، فعرفوا الخضر فحملوهم، فجمع الضَّمير في (كلَّموهم) ، وثنَّى (يحملوهما) [29] ؛ لأنَّ يوشع تابع، ومثله: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117] .

[قوله: (فَعُرِفَ الْخَضِرُ): (عُرِف): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (الخضرُ): مرفوع نائب مناب الفاعل] [30] .

قوله: (نَوْلٍ): هي بفتح النُّون، وإسكان الواو، ثمَّ لام؛ وهي الأجرة والجعل.

قوله: (فَجَاءَ عُصْفُورٌ): عن بعضهم: أنَّه الصرد، انتهى، والصُّرَد: على وزن (الجُعَل) ؛ وهو طائر فوق العصفور، قاله اللَّيث، وعن النضر بن شميل: (أنَّه طائر أبقع، ضخم المنقار، له بُرش عظيم؛ يعني: أصابعه عظيمة) ، وفي الصرد كلام غير هذا، والله أعلم. [/ج1ص68/]

قوله: (فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى...) إلى آخره: فائدة: روى الحاكم في «المستدرك» في تفسير (الكهف) بسنده عنِ ابن عبَّاس مرفوعًا: (لمَّا لقي موسى الخضرَ؛ جاء طائر فألقى منقاره في الماء، فقال الخضر لموسى [31] : تدبَّر ما يقول هذا الطائر، قال: وما يقول؟ قال: يقول: مَا علمك وعلم موسى في علم الله إلَّا كما أخذ منقاري من الماء) على شرطهما، ولم يتعقَّبه الذَّهبيُّ في «تلخيصه».

قوله: (مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ): اعلم أنَّ لفظ (النقص) هنا ليس على ظاهره، فإنَّ علم الله عزَّ وَجَلَّ لا يدخله نقص ولا زيادة، قال في «المطالع»: («إلَّا» هنا بمعنى: ولا...) إلى أنْ قال: (وقد قيل في قوله تعالى: {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطئًا} [النساء: 92] نحو هذا؛ ولا خطأ، وهو قول ضعيف، وعند المحقِّقين: استثناء من غير الجنس؛ بمعنى: لكن يقتله خطأ، أو إلَّا أنَّ يقتله خطأ) ، قال القاضي: (وهذا التأويل في الحديث لا يُحتاج إليه؛ إذ معناه صحيح على ظاهره، وإنَّما المقصد بالحديث التمثيل لعدم النقص؛ إذ ما نقصه العصفور من البحر؛ لا يظهر لرائيه، فكأنه لَمْ ينقص شيئًا، فكذلك هذا من علم الله سبحانه، أو يكون راجعًا إلى المعلومات لا إلى العلم؛ أي: ما علمت أنا وأنت من جملة معلومات الله التي لَمْ يُطلِع عليها في التَّقدير والتمثيل إلَّا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، وذكر النقص ههنا مجاز على كلِّ وجه، ومحال في علم الله ومعلوماته في حقِّه سبحانه، وإنَّما يتقدَّر ذلك في حقِّنا، ويدلُّ على هذا قوله في الرِّواية الأخرى: «ما علمي وعلمك في علم الله إلَّا مقدار ما نَقص هذا العصفور بمنقاره في هذا البحر») انتهى.

قوله: (فَعَمَدَ): هو بفتح الميم في الماضي، وكسرها في المستقبل، هذا هو المشهور، ورأيت في حاشية [32] : [أنَّ فيها الكسر في الماضي، والفتح في المضارع، وأنَّه عزاه للَّبليِّ في «شرح الفصيح»] [33] .

قوله: (فَإِذَا غُلاَمٌ): هذا اسمه حيسور، وقد اختلف الرواة فيه في «صحيح البخاريِّ»؛ فقال بعضهم: إنَّه بالجيم المفتوحة، وقال بعضهم: بالحاء المهملة، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ سين مهملة، ثمَّ واو ساكنة، ثمَّ راء، قال ابن قُرقُول: (جيسور) ؛ بالجيم كذا للنسفيِّ والجرجانيِّ، وكذا قيَّده الدَّارقطنيُّ، وعند المروزيِّ: (حيسور) ؛ بالحاء، وكذا لأبي ذرٍّ وابن السَّكن، وعند القابسيِّ: (حَلْبَتُور [34] ) ، وكذا صحَّحه عبدوس بن محمَّد في أصل كتابه، وقال القابسيُّ: (في حفظي إِنَّمَا هو بالنُّون: حَنْبَتُور) انتهى، وقال بعضهم: خرَّبُوذ.

تنبيه: (فإذا غلامٌ): الظَّاهر -والله أعلم-: أنَّه كان غير بالغ، وزعم قوم أنَّه كان بالغًا، يعمل الفساد، واحتجُّوا بقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} [المائدة: 32] ، والقصاص إِنَّمَا يكون في حقِّ [35] البالغ، وأجاب الجمهور عن ذلك: بأنَّا لا نعلم كيف كان شرعهم، فلعلَّه كان يجب على الصبيِّ في شرعه كما يجب في شرعنا عليهم غرامة المتلفات، والله أعلم.

[فائدة: نقل البيهقيُّ في كتاب «المعرفة»: (أنَّ الأحكام إِنَّما صارت متعلِّقة بالبلوغ بعد الهجرة) انتهى] [36]

قوله: (فَأَخَذَ [37] [الخَضِرُ] بِرَأْسِهِ): قيل: الباء زائدة، وقيل: على بابها؛ لأنَّه ليس المعنى أنَّه تناول [38] رأسه ابتداء، وإنَّما المعنى: أنَّه جرَّه إليه [39] برأسه، ثمَّ اقتلعه، ولو كانت زائدة؛ لَمْ يكن لقوله: (اقتلعه) معنًى زائد على (أخذ) ، وفي رواية: (فوجد غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا وأضجعه، ثمَّ ذبحه بالسكين) ؛ فاجمع بينهما.

قوله: (أَهْلَ قَرْيَةٍ): هي أنطاكية، وقيل: الأُبلة، وقال شيخنا الشَّارح: (أيلة) ؛ فتحرَّر، وقيل: برقة [40] ، وقال ابن خلِّكان في «تاريخه» في ترجمة أبي عبيدة مَعْمَر بن المثنَّى: (إنَّها ماجروان؛ اسم لمدينة بنواحي أرمينية، من عمل شروان، عندها عين الحياة التي وجد بها الخضر، وقيل: هي اسم القرية التي استطعم أهلَها موسى والخضرُ) .

قوله: (جِدَارًا): قال الثعلبيُّ: (إنَّ سمك الجدار مئتا ذراع بذلك الذراع الذي لذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمس مئة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا) .

قوله: (لَوَدِدْنَا): هو بكسر الدَّال الأولى.

[1] في (ج): (المسند) ، وكذا كان في (أ) قبل الإصلاح.
[2] (الحافظ): مثبت من (ج) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[4] في (ب): (ومعمر) .
[5] (آخر): ليس في (ب) .
[6] (ابن ماجه): ليس في (ب) .
[7] ما بين قوسين سقط من (ج) .
[8] زيد في (ب): (انتهى) .
[9] في (ج): (بهز) .
[10] في (ب): (عليهما السَّلام) .
[11] في (ب): (منشأ) .
[12] في (ج): (ميشا) .
[13] في هامش (ق): (ابن إفرائم) .
[14] في (ب): (والفارس) .
[15] في (ج): (الربيد) .
[16] زيد في (ب): (عليه السلام) .
[17] في (ب): (وقال) .
[18] زيد في (ب): (عليه الصَّلاة والسَّلام) .
[19] في (ج): (فأحيا) .
[20] في (ج): (ونسلهما) .
[21] (أكثر): ليس في (ج) .
[22] ما بين معقوفين جاء في (أ) ملحقًا وفي (ب) و (ج) سابقًا بعد قوله: (العلم موسى والخضر انتهى) .
[23] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[24] في (ب): (ولرواية) .
[25] (ولا هذا كله): ليس في (ج) .
[26] في (ب): (ولهذا) .
[27] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[28] في (ج): (سلام) .
[29] في (ج): (يحملونهما) .
[30] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (لا يعرف السلام) .
[31] في (ج): (يا موسى) ، وليس بصحيح.
[32] زيد في (ج): (لفظها) ، وضرب عليها في (أ) .
[33] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[34] في (ب) و (ج): (حلشور) .
[35] في (ب): (عين) .
[36] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[37] في (ب): (وأخذ) .
[38] في (ج): (يتناول) .
[39] (إليه): ليس في (ب) .
[40] في (ج): (سرقة) .





122- ( حدَّثَنَا سُفْيَانُ ) بالرفع غير منصرف. [/ج1ص79/]

( نَوْفٌ ) بفتح النون وإسكان الواو وآخره فاء: ابن فضالة، أبو رشيد ابن امرأة كعب، كان من علماء التابعين.

وقول ابن عباس: ( كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ) خرج مخرج التنفير عن قوله هذا لا القدح في القائل.

( الْبِكَالِيَّ ) بكسر الباء وتخفيف الكاف، وقيل: بفتح الباء وتشديد الكاف، والأول أجود، وبكال من حِميَر.

( إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ ) منوَّن مصروف؛ لأنَّه نكرة، و( آخر ) بالرفع نعت له، وقال ابن مالك: قد يُنكَّرُ العلم تحقيقًا أو تقديرًا فيجري مجرى نكرة، وجعل هذا مثال التحقيق، وفي تَقْدِيْرِهِ بَحث.

( فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ ) هذا خلاف الرواية السابقة في باب الخروج في طلب العلم: «تعلم [1] أن أحدًا أعلم منك، قال: لا» وهي أيسر من هذه؛ لأنها على نفي العلم وهذه على البت.

( فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) أي: لم يرض قوله شرعًا؛ فإن العتب بمعنى المَوجدة وتغيُّر النفس ويستحيل على الله تعالى، وعَتَبَ يَعتِبُ كضرب يضرب.

( مِكْتَلٍ ) بميم مكسورة وتاء مثناة: القفة.

( فَإِذَا فَقَدْتَهُ ) بفتح القاف.

( فَهْوَ ثَمَّ ) بثاء مثلثة مفتوحة: ظرف، أي: هناك.

( يُوشَعَ ) بالفتح لا ينصرف. [/ج1ص80/]

( فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا ) أما الأول فمجرور على الإضافة، والثاني ضبطوه بالجر عطفًا عليه، وبالنصب على إرادة سير جميعه.

( مُسَجًّى ) أي: مغطًّى.

( وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ ) بهمزة مفتوحة ونون مشددة، كلمة تعجب، أي: السلام بهذه الأرض غريب؛ لأن أهلها لا يعرفون آداب السلام، و ( أنى ) فيها وجهان:

أحدهما: بمعنى: من أين؛ كقوله تعالى: { أَنَّى لَكِ هَذَا } [ آل عمران: 37 ] ، فهي ظرف مكان و( السلام ) مبتدأ، والظرف خبر عنه، وهو نظير ما في قوله تعالى: { أَنَّى لَكِ هَذَا } {أنى} خبر مقدم، و{هذا} مبتدأ و{لك} تبيين.

والثاني: بمعنى كيف، أي: كيف بأرضك السلام، ويشهد له الرواية التي سنذكرها في تفسير سورة الإسراء: « هل بأرضي من سلام».

ووجه هذا الاستفهام: أنَّه لمَّا رأى ذلك الرجل في قفر من الأرض استبعد علمه بكيفية السلام، ذكره أبو البقاء العكبري، قال: فأَمَّا قوله: ( بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ ) فموضعه نصب على الحال من السلام، والتقدير: من أين استقرَّ السلام كائنًا بأرضك.

وَقَوْلُهُ: ( مُوْسَى بَنِيْ إِسْرَائِيلَ )؛ أَيْ: أنت موسى بني إسرائيل، فأنت مبتدأ وموسى خبره.

وقوله: ( فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعرَفوا الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا ) هكذا ورد الضمير أولًا جمعًا ثم مثنى، والمعنى أن موسى والخضر ويوشع قالوا لأصحاب السفينة: هل تحملوننا؟ فعرفوا الخضر فحملوهم، فجمع الضميرين في ( كلموهم ) على الأعداد [2] ، وثنَّى ( فحملوهما ) لأنهما المتبوعان، ويوشع تبع لهما، ومثله قوله تعالى: { إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } [طه: 117 ] فثنَّى ثم وحَّد لما ذكرنا. [/ج1ص81/]

وقوله: ( قَوْمٌ حَمَلُونَا ) أي: هؤلاء قوم، أو هم قوم، فالمبتدأ المحذوف و ( قوم ) خبره.

( بغير نَول ) بفتح النون وإسكان الواو، أي: بغير أجرة.

( فَجَاءَ عُصْفُورٌ ) بضم العين، ذكر بعضهم أنَّه الصُّرَد.

( ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور ) أوردوا: كيف صحَّ هذا التشبيه فإن العصفور ينقص نقصًا ما، وهو مستحيل في علم الله ؟ وأجيب بثلاثة أوجه:

أحدها: أن ( إلا ) بمعنى: ولا، أي ما نقص علمي وعلمك ولا ما أخذ هذا العصفور من البحر شيئًا من علم الله، أي: أن علم الله لا يدخله نقص.

والثاني: ( إلا ) على حقيقتها والمراد بالنقص التقريب [3] الذي له تأثير محسوس، ونقص العصفور ليس يُنْقِص [4] البحر بهذا المعنى، فكذلك علمنا لا يَنقُصُ من علمه شيئًا كقوله:

~ وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

أي: ليس فيهم [ب:15] عيب، قاله الإسماعيلي.

والثالث: العلم هنا بمعنى المعلوم، كقوله تعالى: { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ } [ البقرة: 255] ولولا ذلك لما صحَّ دخول التبعيض فيه؛ لأن الصفة القديمة لا تتبعَّض.

( فَعَمَدَ الْخَضِرُ ) بفتحتين، عَمَدتُ بفتح الميم.

( فأخذ برأسه ) في الباء وجهان:

أحدهما: زائدة. [/ج1ص82/]

والثاني: على بابها؛ لأنَّه ليس المعنى أنَّه تناول رأسه ابتداءً، وإنَّما المعنى أنَّه جرَّه إليه برأسه ثم اقتلعه، ولو كانت زائدة لم يكن لقوله: ( اقتلعه ) معنىً زائدًا على أخذه.

وقوله: ( لوددنا لو صبر ) ( لو ) هنا بمعنى أن الناصبة للفعل؛ كقوله تعالى: { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ } [القلم: 9] ، { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ } [ الممتحنة: 2 ] ، وقد جاء بـ«أن» في قوله: { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ } [ البقرة: 266 ] و( صبر ) بمعنى تصبَّر، أي: وددنا أن يتصبر. [/ج1ص83/]

[1] جاء في هامش [ب] : نسخة فقيل له: تعلم...
[2] في [ب] : على الأصل.
[3] قال محب الدين البغدادي: قوله: والمراد بالنقص التقريب. كأنه التفويت.
[4] قال محب الدين البغدادي: قوله: ونقص العصفور: ليس بمنقص. لعله: ونقر العصفور.





122- ( إِنَّ نَوْفًا ): بفتح النُّون آخره فاء.

( الْبِكَالِيَّ ): بكسر الموحَّدة وفتحها وتخفيف الكاف ووهِم من شدَّدها، نسبة إلى بِكَال بطن من حِمْير.

( مُوسَى آخَرُ ): بلا تنوين فيهما؛ لأنَّه علم على شخص معيَّن، أي: موسى/ بن مِيْشا بن أفْراثيم بن يوسف عليه السَّلام.

( كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ) قال ابن التِّين: لم يرد ابن عبَّاس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحقِّ فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزَّجر والتَّحذير منه، وحقيقته غير مرادة.

( فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ ) أي: لم يرض قوله، فإنَّ العتب بمعنى الموجدة وتغيُّر النَّفس محالٌ عليه تعالى.

( مِكْتَلٍ ): بكسر الميم وفتح المثنَّاة: القفَّة.

( فَقَدْتَهُ ): بفتح القاف. [/ج1ص282/]

( ثمَّ ): بفتح المثلَّثة.

( وَيَوْمِهِمَا ): بالنَّصب عطفًا على ( بقيَّة )، أي: انطلقا جميعه، ويجوز الجرُّ عطفًا على ليلتهما.

( مُسَجًّى ): مغطًّى.

( فَسَلَّمَ مُوْسَى ) زاد مسلم: «فكشف الثَّوب عن وجهه وقال: وعليكم السَّلام».

( وَأَنَّى ) أي: كيف؟ استفهام استبعاد.

( فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ ) أي: موسى والخضر، ولم يذكر يوشع، لأنَّه تابع غير مقصود بالأصالة، وقد ذكر في قوله: ( فكلَّموهم )، ولم يذكر في ( أن يحملوها ) إمَّا لما تقدَّم، أو لأنَّه لم يركب معهما؛ لأنَّه لم يقع له ذكر بعد ذلك.

( نَوْلٍ ): بفتح النُّون وسكون الواو: أجرة.

( عُصْفُورٌ ): بضمِّ [أوَّله] [1] ، قيل: هو الصُّرَد، وفي «الرِّحلة» للخطيب: أنَّه الخطَّاف.

( مَا نَقَصَ... إلى آخره ): لفظ النَّقص ليس على ظاهره؛ لأنَّ علم الله لا يدخله النَّقص، فقيل: معناه لم يأخذ، والتَّشبيه واقع على الأخذ لا على المأخوذ منه.

وقيل: المراد بالعلم المعلوم بدليل دخول حرف التَّبعيض، وإنَّما الذي يتبعَّض المعلوم.

وقيل: ( إلَّا ) بمعنى ( ولا ): كنقرة هذا العصفور.

وقيل: الاستثناء على حدِّ قوله:

~ وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ [إِلَّا] [2] أَنَّ سُيُوْفَهُمْ بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ

لأنَّ ذلك ليس بعيب، وكذلك نقر العصفور لا ينقص البحر، أو ليس له تأثير محسوس.

وعند النَّسائيِّ: أنَّ الخضر قال لموسى: «أتدري ما يقوله هذا الطَّائر ؟ قال: لا، قال: يقول: ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلَّا مثل ما أنقص من منقاري من جميع هذا البحر». [/ج1ص283/]

( فَعَمَدَ ): بفتحتين، وكذا عمدت.

( قَالَ الْخَضِرُ: بِيَدِهِ ): هو من إطلاق القول على الفعل.

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (الفاء)
[2] ما بين معقوفتين في [ع] : (غير) والمثبت من غيرها لمطابقة الشاهد.





122- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد)) الجعفي المسنَدي؛ بفتح النون، ((قال: حدثنا سفيان)) : هو ابن عُيينة؛ بضم العين، ((قال: حدثنا)) ، وفي رواية: (أخبرنا) ، ((عَمرو)) ؛ بفتح العين، ابن دينار، ((قال: أخبرني)) ؛ بالإفراد، ((سعيد بن جُبَير)) ؛ بضم الجيم وفتح الموحدة.

((قال: قلت لابن عباس)) عبد الله رضي الله عنهما،فالسائل هنا سعيد بن جبير، والمجيب ابن عباس، وفيما تقدم أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس فمرَّ بهما ابن كعب فسأله ابن عباس، فيحتمل أن يكون سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد الوقعة الأولى المتقدمة لابن عباس والحر، وجاء أن السائل غير ابن جبير، قال سعيد: (كنت عند ابن عباس وعنده قوم من اليهود فقال بعضهم: يا أبا عبد الله...) إلخ، فقال ابن عباس: (كذب...) إلخ.

((إن نَوْفًا)) ؛ بفتح النون وسكون الواو آخره فاء، ابن فَضَالة؛ بفتح الفاء والضاد المعجمة، أبو يزيد القاص، ((البِكالي)) ؛ بالنصب صفة لـ (نوفًا) ، بكسر الموحدة وفتحها وتخفيف الكاف نسبة إلى بكال بطن من حمير، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، وهمزةإن مكسورة، و (نوفًا) ؛ بالنصب اسمها، وهو منصرف في اللغة الفصيحة، وفي بعضها غير منصرف، وكتبت بدون ألف؛ لأنَّه أعجمي، لكن الأفصح: الصرف؛ لأنَّ سكون وسطه يقاوم إحدى العلتين فيبقى الاسم بعلة واحدة كنوح ولوط، كما بسطه في «عمدة القاري».

((يزعم)) : جملة من الفعل والفاعل محلها الرفع خبر (إن) ، والزعم بمعنى: القول فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا وهو قوله: ((أن)) ؛ بفتح الهمزة، ((موسى)) : ممنوع من الصرف؛ للعلمية والعجمة، وإن كان الزعم بمعنى: الظن فأن مع اسمها وخبرها سدت مسد المفعولين؛ أي: موسى صاحب الخضر.

((ليس بموسى بني إسرائيل)) الباء زائدة للتأكيد، وهي جملة محلها الرفع خبر (أن) ، وفي رواية: بحذف الباء الموحدة من موسى؛ أي: المرسل لبني إسرائيل؛ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، و (موسى) وإن كان علمًا؛ لا يضاف، لكنَّه نكر بأن أوِّل بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه.

((إنما هو موسًى)) ؛ بالتنوين؛ لكونه نكرة فانصرف؛ لزوال العلمية وعدمه وهو ظاهر، ((آخر)) غير منصرف؛ للوصفية الأصلية ووزن الفعل فلا ينون على كل حال، وغلبت عليه الاسمية المحضة، فاضمحل عنه معنى التفضيل بالكلية، يعني: يزعم نوف أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بن عمران الذي أرسل إلى فرعون، وإنما هو موسى بن مِيْشا؛ بكسر الميم، وسكون التحتية، وبالشين المعجمة، وميشا يعني: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وهو أول موسى وهو نبي أيضًا مرسل، وزعم أهل التوراة أنه صاحب الخضر.

((فقال)) ابن عباس: ((كذب عدو الله)) نوف ومن تبعه في هذه المقالة، وهذا وقع من ابن عباس على طريق الإغلاظ على القائل، بخلاف قوله: ولم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق؛ فيطلقون أمثال هذا الكلام؛ لقصد الزجر والتنفير عنه، وحقيقته غير مرادة، وكان ذلك منه حال الغضب وألفاظ الغضب تطلق ولا يراد بها حقائقها.

((حدثنا)) ، وفي رواية: (حدثني) ، ((أبيُّ بن كعب)) ؛ بالرفع فاعل التحديث، وهو الصحابي المشهور رضي الله عنه، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنه ((قال: قام موسى)) ابن عمران، ((النبي)) ؛ بالرفع صفة (موسى) ، ((صلى الله عليه وسلم)) حال كونه، ((خطيبًا في بني إسرائيل)) ، أولاد يعقوب عليه السلام، وهم اثني عشر الذين سماهم الأسباط، كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وجميع بني إسرائيل منهم.

((فسُئل)) ؛ بضم السين المهملة، ((أيُّ الناس أعلم)) : مبتدأ مضاف وخبره، والتقدير: [/ص77/] أعلم منهم، كما في قولك: الله أكبر؛ أي: من كل شيء، ((فقال)) موسى: ((أنا أعلم)) الناس؛ أي: فيما ظهر لي، واقتضاه شاهد الحال أو دلالة النبوة، وهذا أبلغ من الرواية السابقة، هل تعلم أن أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، فإنه إنَّما نفى هناك علمه، وهنا على البت.

((فعتب الله عليه)) ؛ أي: لم يرض قوله شرعًا، وعن أُبي قال: (أعجب موسى بعلمه فعاتبه الله بما لقي من الخضر) ، وهو من باب التنبيه لموسى والتعليم لمن بعده لئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه، والعجب بحالها فيهلك، ((إذ)) ؛ بسكون الذال للتعليل، ((لم يُرد)) ؛ بضم الدال اتباعًا لضمة الراء، والفتح للخفة، والكسر على الأصل من أن الساكن إذا حرك يحرك بالكسر، ويجوز فك الإدغام أيضًا.

((العلم)) ؛ بالنصب مفعول (يرد) ، ((إليه)) ، وفي رواية: (إلى الله تعالى) فكان ينبغي أن يقول: الله أعلم، وقالت الملائكة: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32] ، وسئل النبي الأعظم عليه السلام عن الروح وغيره فقال: لا أدري حتى أسأل الله عز وجل، والعتب؛ بمعنى: المؤاخذة وتغير النفس وهما في حق الله تعالى محال فيراد به: لم يرض قوله شرعًا.

((فأوحى الله)) تعالى ((إليه)) ؛ أي: إلى موسى، ((أن)) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأن، ((عبدًا)) ؛ أي: الخضر، وفي رواية: بكسر الهمزة على تقدير فقال إن عبدًا، ((من عبادي)) محله النصب صفة عبدًا، ((بمجمع البحرين)) : الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: كائنًا بمجمع البحرين؛ أي: ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق، وقال أبي بن كعب: إنه بإفريقية وقيل: بطنجة، كما بسطه في «عمدة القاري».

((هو)) ؛ أي: العبد المسمى: بالخضر، ((أعلم منك)) جملة اسمية محلها رفع خبر (إن) ؛ أي: بشيء مخصوص، كما يدل عليه قول الخضر الآتي: إنِّي على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمك الله لا أعلمه، ولا شك أن موسى أفضل من الخضر بما اختص به من الرسالة، وسماع الكلام، والتوراة، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى عليه السلام، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إن الخضر ليس بنبي؛ بل ولي، فالنبي أفضل من الولي وهو أمر مقطوع به، والقائل بخلافه كافر بالإجماع؛ لأنَّه معلوم من الشرع بالضرورة.

((قال رب)) أصله: يا رب، فحذف حرف النداء، وياء المتكلم للتخفيف اكتفاء بالكسرة، وفي رواية: (يا رب) ، ((وكيف لي به)) بالواو، وفي رواية: بالفاء؛ أي: كيف الالتقاء لي بذلك العبد، و (لي) : في محل رفع خبر مبتدأ محذوف وهو الالتقاء المقدر، و (كيف) وقع حالًا، والتقدير: على أيِّ حالة الالتقاء وبه يتعلق بالمقدر، والفاء على الرواية الثانية زائدة، والفاء في قوله: ((فقيل)) عاطفة، ((له: احمل)) أمر وفاعله مستتر.

((حوتًا)) : مفعوله والجملة مقول القول، ((في مِكَتل)) ؛ بكسر الميم وفتح الفوقية شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا كما في «العباب» وهو في محل نصب صفة لـ (حوتًا) ؛ أي: حوتًا كائنا في مكتل، ((فإذا)) للشرط، (فَقَدته) ؛ بفتح الفاء والقاف؛ أي: الحوت جملة فعل الشرط، ((فهو ثَمَّ)) ؛ بفتح المثلثة ظرف؛ بمعنى: هناك جملة وقعت جواب الشرط فلذا دخلته الفاء؛ أي: العبد الأعلم منك هناك، ((فانطلق)) : موسى، ((وانطلق معه بفتاه)) : التصريح بالمعية للتأكيد وإلا فالمصاحبة مستفادة من الباء في (بفتاه) ، وفي رواية: بإسقاط لفظ (معه) .

((يُوشَع)) ؛ بضم التحتية وفتح المعجمة، مجرور بالفتحة عطف بيان لـ (فتاه) غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، ((ابن نون)) : مجرور بالإضافة منصرف كنوح ولوط على الأفصح، وهو من أولاد يوسف بن يعقوب عليه السلام وكان يخدمه، وقيل: يأخذ عنه العلم، ((وحملا حوتًا في مكتل)) ، كما وقع الأمر به وقد قيل: كانت السمكة مشوية مملوحة وقيل شق سمكة.

((حتى)) للغاية، ((كانا عند الصخرة)) الحجر الكبير التي دون نهر الزيت بالمغرب الموعود بلقي الخضر عنده، ((وضعا رؤوسهما)) على الصخرة، ((وناما)) ، وفي رواية: (فناما) بالفاء وكلاهما للعطف على (وضعا) ، وفيه غاية التواضع لله تعالى، ((فانسلَّ الحوت)) المشوي المملوح، (من المكتل) ؛ لأنَّه أصاب الحوت من ماء عين الحياة التي في أصل الصخرة لا يصيب مائها لشيء إلا حييى، فتحرك الحوت وانسلَّ من المكتل فدخل البحر، كذا في طريق للمؤلف.

((فاتخذ سبيله)) ؛ أي: طريقه، ((في البحر سربًا)) ؛ أي: مسلكًا؛ بالنصب على المصدرية أو المفعولية وفي رواية: عند المؤلف: (فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق) ، ((وكان)) إحياء الحوت المملوح وإمساك جرية الماء حتى صار مسلكًا، ((لموسى وفتاه عجبًا)) ؛ بالنصب خبر كان، وجاء عند المؤلف: (فكان للحوت سربًا ولموسى عجبًا) ؛ فيجوز أن يكون من قول يوشع ومن قول موسى ثم قال موسى: (عجبت من هذا عجبًا) ، فيحسن على هذا الوقف على البحر ويتبدى عجبًا، كذا قاله الزجاج، وقال غيره: يجوز أن يكون إخبارًا من الله تعالى؛ أي: اتخذ موسى طريق الحوت في البحر عجبًا، كذا في «عمدة القاري».

((فانطلقا بقيةً)) ؛ بالنصب على الظرفية، ((ليلتِهما)) ؛ بالجر على الإضافة، ((ويومِهما)) ؛ بالجر عطفًا على ليلتهما والنصب على إرادة سير جميع اليوم، وعند المؤلف في «التفسير» و«مسلم»: (فانطلقا بقية يومهما وليلتهما) ، قال القاضي: وهو الصواب لقوله: ((فلما أصبح)) ولا يقال: أصبح إلا عن ليل، وفي رواية: (حتى إذا كان من الغد) ، وما زعمه ابن حجر رده في «عمدة القاري».

((قال موسى)) : جواب (لما) ، ((لفتاه آتنا غدَائَنا)) ؛ بفتح الغين مع المد، الطعام يؤكل أول النهار؛ بالنصب على المفعولية، واللام في ((لقد)) للتأكيد وقد للتحقيق، ((لقينا من سفرنا هذا نصَبًا)) ؛ بفتح النون والصاد، بالنصب مفعول (لقينا) ؛ أي: تعبًا، والإشارة لسير البقية والذي يليها ويدل عليه قوله: ((ولم يجد موسى)) عليه السلام، ((مسًّا)) ، وفي رواية: (شيئًا) بالنصب مفعول (تجد) ((من النصب)) : في محل نصب صفة (مسًّا) ؛ أي: مساء حاصلًا أو واقعًا من النصب؛ أي: التعب.

((حتى)) : للغاية؛ أي: إلى أن، ((جاوز المكان الذي أمر به)) ؛ أي: أمره الله بلقي الخضر فألقى عليه الجوع والنصب، ((فقال)) ، وفي رواية: (قال) ، ((له فتاهُ)) ؛ بالرفع فاعل (قال) : ((أرأيت)) ؛ أي: أخبرني ما دهاني، ((إذ)) : ظرف بمعنى: حين، ((أوينا)) ؛ أي: رقدنا، ((إلى الصخرة)) عندها، ((فإني نسيت الحوت)) ؛ أي: فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت و (الفاء) : تفسيرية زاد في رواية: (وما أنسانيه) ؛ أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وإنما نسبه للشيطان هضمًا لنفسه.

((قال موسى ذلك)) : مبتدأ؛ أي: فقدان الحوت، ((ما)) : موصولة ((كنا نبغي)) : خبر المبتدأ والعائد محذوف؛ أي: نبغيه؛ أي: نطلب؛ لأنَّه علاه وجدان المقصود ويجوز حذف الياء من (نبغي) للتخفيف وبها قرئ، ((فارتدَّا)) : رجعا ((على آثارهما)) : في الطريق الذي جاءا فيه يقصَّان، ((قصصًا)) فهو منصوب على المصدرية؛ أي: يتبعان آثارهما اتباعًا، ((فلما أتيا إلى الصخرة)) ، وفي نسخة: (انتهيا) زاد مسلم: (فأراه مكان الحوت، فقال: ههنا وصف لي) وإلى هنا انتهى كلام يوشع؛ فافهم.

((إذا)) : للمفاجأة، ((رجل)) : مبتدأ تخصص بالصفة وهي قوله: ((مسجًّى)) ؛ أي: مغطًّى، ((بثوب)) والخبر محذوف؛ أي: نائم، ((أو قال: تسجى بثوبه)) شكٌّ من الراوي، ويروى أنهما اتبعا أثر الحوت وقد يبس الماء في ممرِّه فصار طريقًا فأتيا جزيرة فوجدا [1] الخضر قائمًا يصلي على طنفسة خضراء على كبد البحر؛ أي: وسطه.

((فسلم موسى)) عليه السلام، ((فقال الخضر: وأنَّى)) ؛ بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة؛ أي: كيف، ((بأرضك السلام)) ؛ أي: السلام بهذه الأرض عجيب، ويؤيده ما في التفسير: هل بأرض من سلام، وكأنها كانت داركفر وكانت تحيتهم بغير السلام، وقد تكون (أنى) ؛ بمعنى: أين، فهي ظرف مكان و (بأرضك) محله النصب على الحال من السلام.

((فقال)) ، وفي رواية: (قال) : ((أنا موسى فقال)) له الخضر: أنت ((موسى بني إسرائيل)) : فهو خبر لمبتدأ محذوف، ((قال: نعم)) أنا موسى بني إسرائيل، فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علَّمهم الله تعالى؛ لأنَّ الخضر لو كان يعلم كل غيب؛ لعرف موسى قبل أن يسأله.

((قال: هل)) : للاستفهام، ((أتبِعُك على أن)) : مصدرية؛ أي: على اتباعي إياك، ((تعلمني مما علمت)) ؛ أي: من الذي علمك الله علمًا، ((رشدًا)) فهو منصوب صفة لمصدر[/ص78/] محذوف.

روي أنه قال له الخضر: كفى بالتوراة علمًا وببني إسرائل شغلًا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا، و (من) في (مما علمت) للتبعيض، فطلب تعليم بعض ما علِّم، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا لك في العلم؛ بل أطلب منك أن تفيدني بعض ما علِّمت.

قال البيضاوي: ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه، انتهى.

وقال الإمام الزمخشري: لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله، وإنما يغضُّ منه أن يأخذ ممن دونه، قال الكرماني: هذا الجواب لا يتم على تقدير ولا يته.

أجاب في «عمدة القاري»: بأن الزمخشري قائل بنبوته كما ذهب إليه الجمهور؛ بل هو رسول وينبغي اعتقاد ذلك؛ لئلَّا يتوسل به أهل الزيغ والضلال والفساد من المبتدعة الملاحدة في دعواهم أن الولي أفضل من النبي نعوذ بالله من ذلك.

وقال ابن حجر: هذا الجواب فيه نظر؛ لأنَّه يستلزم نفي ما أوجب.

وأجابه في «عمدة القاري»: بأن هذه الملازمة ممنوعة فلو بين وجهها؛ لأجيب عن ذلك، والله تعالى أعلم؛ فافهم.

((قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا)) ؛ لأنك ترى أمورًا منكرة بحسب الظاهر ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ((يا موسى؛ إنِّي على علم من علم الله علمنيه)) (من) للتبعيض، والجملة من الفعل، والفاعل، والمفعولين أحدهما: ياء المفعول والثاني: الضمير الذي يرجع إلى العلم، محلها الجر صفة لـ (علم) ، ((لا تعلمه أنت)) : صفة أخرى، فالأولى من الصفات الإيجابية والثانية من الصفات السلبية.

((وأنت على علم)) : مبتدأ وخبر عطف على قوله: (إني على علم) ، ((علمك الله)) : جملة من الفعل، والفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: علَّمك الله إياه، والجملة صفة لعلم، وفي رواية: (علمكه الله) بهاء الضمير الراجع إلى العلم، ((لا أعلمه)) : صفة أخرى، وهذا لا بدَّ من تأويله؛ لأنَّ الخضر كان يعرف من علم الشرع ما لا غنى للمكلف عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدَّ منه، كما لا يخفى، قاله القسطلاني.

((قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا)) ؛ بالنصب مفعول ثاني لـ (ستجدني) ، وقوله: (إن شاء الله) معترض بين المفعولين؛ أي: غير منكر.

وفيه: دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى خلافًا للمعتزلة.

((ولا أعصي لك أمرًا)) : في محل نصب عطفًا على (صابرًا) ؛ أي: ستجدني صابرًا وغير عاصٍ، وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن أو لعلمه بصعوبة الأمر؛ فإنَّ مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد بلا خلف، أفاده البيضاوي وغيره.

((فانطلقا)) على السَّاحل حال كونهما، ((يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة)) ؛ أي: مركب، وأول من أحدثه نوح عليه السلام قبل الطوفان، فكان كل يوم يشتغل بها فيأتي قومه بالليل فيخرِّبوها، فيأتي نهارًا يجدِّدها إلى أن خلق الله له الكلاب تحرسها إلى أن تمَّت وركب فيها.

((فمرت بهما سفينة)) : (فعيلة) ؛ بمعنى: (فاعلة) كأنها تسفن الماء؛ أي: تقشره وتشقه، ((فكلموهم)) ؛ أي: كلَّم موسى والخضر أصحاب السفينة، والجمع إمَّا للتعظيم أو لما فوق الواحد، وما قيل: إنهم ثلاثة موسى، والخضر، ويوشع؛ يردُّه تثنية الضمير في (فانطلقا يمشيان ليس لهما، فمرت بهما) فإنه راجع إلى موسى والخضر؛ فليحفظ.

((أن)) ؛ أي: لأن، ((يحملوهما)) ؛ أي: لأجل حملهم إياهما معهم فيها، ((فعُرف)) ؛ بضم العين، ((الخضر)) ؛ أي: عرف أهل السفينة الخضر كأنه معلوم عندهم يرونه في بعض الأوقات، لما روي عن النبي الأعظم عليه السلام أنه قال: «كان الخضر ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر، فطلبه أبوه فلم يقدر عليه»، كذا في «حواشي شيخ زاده».

((فحملوهما)) ؛ أي: موسى والخضر، ((بغير نَول)) ؛ بفتح النون؛ أي: بغير أجرة، والنول بالواو: الجعل، وأما يوشع؛ فإنه لم يركب معهما، فتركاه قبيل الصخرة؛ لأنَّه لم يقع له ذكر بعد ذلك، وما قيل: إنه روي: (فحملوهم) ؛ بالجمع وهو يقتضي أنه ركب معهم: ممنوع بإعادة ضمير التثنية فيما سبق عليهما، أو للتعظيم، أو لما فوق الواحد؛ فافهم.

((فجاء عُصفور)) ؛ بضم العين طير مشهور سمي به؛ لأنَّه عصى وفر، وقيل: إنه الصرد، ((فوقع على حرف)) طرف، ((السفينة فنقر نقرةً)) ؛ بالنصب على المصدرية، ((أو نقرتين)) عطف عليه، ((في البحر)) ؛ أي: شرب منه، وهو يدل على أن البحر عذب؛ لأنَّ الملح لا يشربه الحيوان بأنواعه.

((فقال الخضر)) حين رأى نقرة العصفور، وقد رآها موسى أيضًا، ((يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله)) ؛ أي: معلوماته، ((إلا كنقرة هذا العصفور في البحر)) ، وعند المؤلف: (ما علمي وعلمك في جنب الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر) ؛ أي: في جنب معلوم الله، فيطلق العلم ويراد به المعلوم، من إطلاق المصدر وإرادة الفعل، وقيل: إن (إلا) ؛ بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص علمي وعلمك ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر؛ لأنَّ علم الله لا ينقص بحال، وقيل: (نقص) ؛ بمعنى: أخذ؛ لأنَّ النقص أخذ خاص، والمقصود منه التشبيه في القلة والحقارة لا المماثلة في كل الوجوه، كما بسطه في «عمدة القاري».

((فعمَد)) ؛ بفتح الميم، كضرب، ((الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه)) ، وعند المؤلف: (فوتد فيها وتدًا) ، وجاء أيضًا: (فعمد إلى قدوم فخرق به) ، وقيل: (أخذ فأسًا فخرق لوحًا حتى دخلها الماء فحشاها موسى بثوبه) ، والذي ذكره المفسرون أنه قلع لوحين مما يلي الماء ولعلَّه كان شقين.

((فقال)) له ((موسى)) عليه السلام: هؤلاء ((قومٌ)) : مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ما علمت، أو هم قوم، ((حملونا)) : جملة صفة لـ (قوم) ، ((بغير نَول)) ؛ بفتح النون: الجعل، والمراد به الأجرة، ((عمَدت)) ؛ بفتح الميم، ((إلى سفينتهم فخرقتها لتُغرِق)) ؛ بضم الفوقية وكسر الراء، على الخطاب مضارع أغرق؛ أي: لأنَّ تغرق ((أهلهَا)) ؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (لتَغرَق) ؛ بفتح الفوقية وفتح الراء، على الغيبة مضارع غرق، و (أهلُها) ؛ بالرفع على الفاعلية.

((قال)) له الخضر: ((ألم أقل: إنك لن تستطيع معي صبرًا)) ؛ فذكره بما قال له من قبل، ((قال)) موسى ((لا تؤاخذني بما نسيت)) ؛ أي: بالذي نسيته، أو بشيء نسيته؛ يعني: وصيته بأن لا يعترض عليه، أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها، وقيل: أراد بالنسيان: الترك؛ أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة.

فإن قلت: قول الخضر: (إنك لن تستطيع معي صبرًا) ، وقول موسى: (ستجدني إن شاء الله صابرًا) يستلزم صدور الكذب من أحدهما، فإن كل واحد من القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وصدوره من أحدهما ينافي عصمة الأنبياء.

قلت: وأجيب: بأنه لم يحصل صدور الكذب من واحد منهما، أما من الخضر؛ فلتحقق عدم الصبر من موسى باستخباره عما رأى من الخضر وأنكره نظرًا لظاهره، وأما من موسى؛ فإنه قد استثنى في جوابه (وقال: ستجدني إن شاء الله صابرًا) فإن التعليق بالمشيئة يدفع الحنث وينافي الكذب، كمن قال لآخر: آتيك غدًا إن شاء الله تعالى، ولم يأته في الغد لا يكون كذبًا.

وقال ابن عباس: لما خرق الخضر السفينة؛ تنحى موسى بناحية ثم قال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت أتلو في بني إسرائيل كتاب الله غدوة وعشية وآمرهم فيطيعون، فقال له الخضر: يا موسى تريد أن أخبرك بما حدَّثت به نفسك، قال: نعم، قال: قلت: كذا وكذا، قال: صدقت، زاد في رواية أبي ذر: (ولا ترهقني من أمري عسرًا) ؛ أي: ولا تغشني عسرًا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر علي متابعتك، ((فكانت)) المسألة، ((الأولى من موسى)) عليه السلام، ((نسيانًا)) ؛ بالنصب خبر كان.

وقال ابن عباس: إنَّما سمي الإنسان إنسانًا؛ لأنَّه عهد إليه فنسي، وفي رواية: (نسيانُ) ؛ بالرفع على أن (كانت) : تامة، و (الأولى) : مبتدأ، و (نسيان) : خبره، أو يكون (كانت) : زائدة والتقدير: فالأولى من موسى نسيان، ((فانطلقا)) ؛ أي: موسى والخضر بعد خروجهما من السفينة.

((فإذا)) : للمفاجئة، ((غلام)) ؛ بالرفع[/ص79/]

مبتدأ، وقد تخصَّص بالصفة وهي قوله، ((يلعب مع الغلمان)) والخبر محذوف تقديره: فإذا غلام يلعب مع الغلمان بالحضرة أو نحوها، وكانوا عشرة وهو أظرفهم وأوضأهم، قال ابن عباس: كان الغلام لم يبلغ الحنث، وقال الضحاك: كان غلامًا يعمل بالفساد ويتأذَّى منه أبواه، وقال الكلبي: كان الغلام يسرق المتاع بالليل فإذا أصبح؛ لجأ إلى أبويه فيحلفان دونه شفقة عليه، ويقولان: لقد بات عندنا، واختلف في اسمه: فقال الضحاك: جيسون، وقال شعبة: جيسور، وقال وهب: كان اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رحمى.

((فأخذ الخضر برأسه من أعلاه)) ؛ أي: مسك الخضر رأس الغلام فجرِّه، ((فاقتلع رأسه بيده)) وعند المؤلف في (بدء الخلق) : (فأخذ الخضر برأسه، فقطعه بيده هكذا) أومأ سفيان بأطراف أصابعه (كأنه يقطف شيئًا) ، وفي «التفسير»: ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا مع الغلمان؛ فاقتلع رأسه فقتله، وجاء فوجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين.

وقال الكلبي: صرعه ثم نزع رأسه من جسده فقتله، وقيل: رفعه برجله فقتله، وقيل: ضرب رأسه بالجدار حتى قتله، وقيل: أدخل أصبعه في سرته فاقتلعها فمات، والفاء في (فاقتلع) للدلالة على أنه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروٍّ واستكشاف حال.

((فقال موسى)) للخضر عليهما السلام، ((أقتلت نفسًا زكيَّة)) ؛ بتشديد التحتية؛ أي: طاهرة من الذنوب، وهي أبلغ من زاكيَة بالتخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزاكية التي لم تذنب قطٌّ، والزكية التي أذنبت ثم غفرت، ولهذا اختار قراءة التخفيف، فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، والهمزة في (أقتلت) ليست للاستفهام الحقيقي، فهي كما في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى: 6] .

وكانت قصة الغلام في أُبُلَّة؛ بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة بعدها هاء، مدينة بالقرب من البصرة وعبادان، وقيل: بأَيْلا؛ بفتح الهمزة وسكون التحتية واللام الممدودة، مدينة على ساحل بحر القلزم على طريق الحاج المصري، وزعم قوم: أن الغلام كان بالغًا يعمل الفساد واحتجوا بقوله: ((بغير نفس)) الباء للمقابلة، والقصاص إنَّما يكون في حق البالغ ولم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتقاد به، نبه على أن القتل إنَّما يباح حدًّا أو قصاصًا وكلا الأمرين منتفٍ.

وأجاب الجمهور: بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم، ولعله كان يجب على الصبي كما يجب في شرعنا عليه غرامة المتلفات، أو المراد به: التنبيه على أنه قتل بغير حق.

((قال)) الخضر لموسى عليهما السلام ((ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا)) ؛ بزيادة (لك) في هذه المرة زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية.

((قال)) سفيان ((بن عُيينة)) ؛ بضم العين، ((وهذا)) ؛ أي: زيادة (لك) ، ((أوكد)) ، واستدل عليه بزيادة (لك) في هذه المرة، كذا في «الكشاف»، ولما سمع الخضر مقالة موسى؛ اقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه، فإذا في عظم كتفه؛ مكتوب: كافر لا يؤمن بالله أبدًا، وفي «مسلم»: (وأما الغلام؛ فطبع يوم طبع كافرًا، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك؛ أرهقهما طغيانًا وكفرًا) ، قال المؤلف: (وكان ابن عباس يقرأ: وكان أبواه مؤمنين وهو كان كافرًا) ، وعنه: (أنه قرأ: وأما الغلام؛ فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين،) كذا في «عمدة القاري».

((فانطلقا)) : موسى والخضر ((حتى أتيا)) ، وفي رواية: (حتى إذا أتيا) موافقة للقرآن، ((أهل قرية)) : هي أنطاكية، كما قاله ابن عباس، وقيل: قرية من قرى الروم يقال لها: ناصرة وإليها تنسب النصارى، وقيل: إنها باجروان مدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها عين الحياة، قال أبي بن كعب: وكان أهلها لئام وافياها بعد غروب الشمس.

((استطعما أهلها)) ؛ أي: سألاهم الطعام، فإن آخر كسب الجائع الإقدام على المسألة والاستطعام، وهو أمر مباح في كل الشرائع، وربما يجب ذلك عند خوف التلف والضرر الشديد، ((فأبوا أن يضيِّفوهما)) ؛ أي: من أن يضيفوهما، فـ (أن) مصدرية؛ أي: من تضييفهما، و (أبوا) ؛ بالموحدة من الإباء وهو الامتناع؛ أي: امتنعوا من استطعامهما، وروي أن أهل القرية لما سمعوا نزول هذه الآية؛ استحيوا وجاؤوا إلى النبي الأعظم عليه السلام بحمل من الذهب، وقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء الموحدة تاء مثناة فوقية حتى تصير القراءة هكذا فأتوا أن يضيفوهما؛ أي: إتيان أهل القرية إليهما لأجل الضيافة، وقالوا غرضنا منه أن يدفع عنا هذا اللؤم، فامتنع النبي الأعظم عليه السلام، وقال: إن تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله وهو يوجب القدح في الآلهية فعلمنا به أن تغيير النقطة الواحدة يوجب بطلان [2] الربوبية، كذا في «حواشي شيخ زاده»، ولم يجدوا تلك الليلة في تلك القرية قرى ولا مأوى وكانت ليلة باردة.

((فوجدا فيها)) ؛ أي: في القرية، ((جِدارًا)) ؛ بكسر الجيم، وكانا قد التجأا [3] إليه في تلك الليلة وهو على شاطئ الطريق، قيل: كان سمكه مئتي ذراع بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمس مئة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا.

((يريد أن)) : مصدرية، ((ينقض)) ؛ أي: يريد الانقضاض؛ أي: الإسراع بالسقوط، وإسناد الإرادة إلى الجدار مجاز؛ لأنَّه لا إرادة له حقيقة، والمراد هنا المشارفة على السقوط، وقال الكسائي: إرادة الجدار هنا ميله، وعند المؤلف: (مائل وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف) ، ((قال الخضر بيده)) ؛ أي: أشار بها، وفي رواية: (فمسحه بيده) ، ((فأقامه)) كالطين يمسحه القلال فاستوى، وعن ابن عباس: أنه هدمه ثم بناه، وقيل: أقامه بعود عمده به، وفيه إطلاق القول على الفعل، وفي رواية: (يريد أن ينقضَّ فأقامه) .

((قال موسى)) ، وفي رواية: (فقال له موسى) ؛ أي: للخضر ((لو شئت لاتَّخَذت)) ؛ بهمزة وصل، وتشديد الفوقية، وفتح الخاء، على وزن: (افتعلت) من تخذ؛ كاتبع وليس من الأخذ عند البصريين، وفي رواية: (لتخذت) ؛ أي: لاتخذت، ((عليه أجرًا)) : فيكون لنا قوتًا وبلغة على سفرنا إذ استضفناهم؛ فلم يضيفونا، فكأنه لما رأى الحرمان، ومساس الحاجة، واشتغاله بما لا يعنيه؛ لم يتمالك نفسه، ((قال)) الخضر لموسى: ((هذا فراق بيني وبينك)) : بإضافة الـ (فراق) إلى الـ (بين) إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع، والإشارة في قوله: (هذا) إلى الفراق الموعود بقوله: (فلا تصاحبني) ، أو تكون الإشارة إلى السؤال الثالث؛ أي: هذا الاعتراض سبب للفراق أو إلى الوقت؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق، أفاده في «عمدة القاري».

((قال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى)) إخبار، ولكن المراد منه الإنشاء لأنَّه دعاء له بالرحمة، ((لودِدْنا)) ؛ بكسر الدال الأولى وسكون الثانية، واللام فيه جواب قسم محذوف وكلمة (لو) هنا؛ بمعنى: أن الناصبة للفعل؛ كقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] ، والتقدير: والله، ((لو صبر)) ؛ أي: صبر موسى؛ أي: لأنَّه لو صبر؛ لأبصر أعجب الأعاجيب، ((حتى يقصُّ)) على صيغة المجهول، ((علينا من أمرهما)) : مفعول ما لم يسمى فاعله.

وهذه القصة كانت حين كان موسى في التيه، فلما فارقه الخضر؛ رفع إلى قومه وهم في التيه وقيل: كانت قبل خروجه من مصر، وما فعله الخضر كله كان بوحي يدل عليه قوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] ؛ لأنَّ هذه الأفعال لا يجوز لأحد أن يفعلها إلا بالوحي.

وفي الحديث: إثبات كرامات الأولياء، وصحة الولاية، وجواز الإجارة، وركوب البحر والتزود للسفر، وهو لا ينافي التوكل خلافًا لمن نفاه، والحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه.

وفيه: إذا تعارضت مفسدتان؛ يجوز دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما.

وفي شهر ذي القعدة سنة ست وسبعين ومئتين وألف، وقع القتال بين الطائفة الدروز وبين النصارى التي في قرية زحلة، وقرى البقاع، وجبل بيروت فانتصرت الدروز عليهم وصار الواحد منهم يقاوم المئة من النصارى، وخشي الوالي الذي [4] بدمشق أحمد[/ص80/] رفعت باشا على دمشق فحصن القلعة، ووقع بينه وبين أهل الديوان مشاورات، ولو بسطنا الكلام؛ لمُلِئ كراريس، ونعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكان ذلك بسبب طلوع النجم عند قمر ذي [5] القعدة فحصل بينهما قران، وخرج كوكب الذنب من قبل القبلة والأول بين المغرب والشمال، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

[1] في الأصل: (فوجد).
[2] في الأصل: (بصلان) .
[3] في الأصل: (التجأ).
[4] في الأصل: (التي) .
[5] في الأصل (ذا)، وليس بصحيح.