المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

115-. حدَّثنا صَدَقَةُ: أخبَرَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن هِنْدٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ. و [1] عَمْرٍو وَيَحْيَىَ بنِ سَعِيدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن هِنْدٍ [2] :

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ [3] : اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ [4] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ فقالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ! ماذا أُنْزِلَ [5] اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَماذا فُتِحَ مِنَ الخَزائِنِ! أَيْقِظُوا صَواحِباتِ [6] الحُجَرِ؛ فَرُبَّ كاسِيَةٍ في الدُّنْيا عارِيَةٍ [7] في الآخِرَةِ».

الأطراف



[1] صحَّح هنا في اليونينيَّة.
[2] في رواية الأصيلي ورواية ابن عساكر عن أبي الوقت ورواية [عط] ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن الزهري عن امرأة». وبهامش اليونينية: «قال عياض: حديث صدقة عن ابن عيينة عن معمر عن الزهري عن هند عن أم سلمة، وعمرو ويحيىَ بن سعيد عن الزهري عن امرأة عن أم سلمة، عمرو هنا وما بعده مخفوض معطوف علىَ معمر، والقائل: «وعمرو» هو ابن عيينة. ووقع عند الحَمُّويِي والمستملي في الطريق الثاني: عن هند عن أم سلمة، كما ذكر في الحديث قبله، ولغيرهما: «عن امرأة عن أم سلمة» هذا آخر كلامه. ورأيت في نسخة صحيحة مرقومًا علىَ «عن امرأة»: (ه) هكذا علامة أبي الهيثم، وكذلك هو عند الحفاظ الثلاثة: الأصيلي والدِّمشقي [يعني: ابن عساكر] وابن السمعاني في أصل سماعه علىَ أبي الوقت في خانكاه السِّمِيساطي، وهذا اصطلاح ما وقع عنده في أصولهم: ص للأصيلي، س لابن عساكر، ط لابن السمعاني علىَ هذه الصورة.اهـ.
[3] لفظة: «قالت» ثابتة في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا.
[4] في رواية أبي ذر و [عط] : «رسولُ الله».
[5] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ماذا أنزلَ اللهُ».
[6] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «صواحب».
[7] في رواية الأصيلي: «عاريةٌ» بالرفع.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

115- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، وانفرد المؤلِّف به عن السِّتَّة، (قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، (عَنْ مَعْمَرٍ)؛ بفتح الميمين، وسكون العين بينهما، ابن راشدٍ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، (عَنْ هِنْدٍ) بنت الحارث الفِراسيَّة؛ بكسر الفاء، وبالسِّين المُهمَلَة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عنِ امرأةٍ)) بدلها، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ، وقِيلَ: رملة أمِّ المؤمنين بنت سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر [1] بن مخزومٍ، وورثت [2] عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علمًا كثيرًا، لها في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، وتُوفِّيت سنة تسعٍ وخمسين رضي الله عنها، (وَعَمْرٌو) بالرَّفع على الاستئناف، والمعنى: أنَّ ابن عُيَيْنَةَ حدَّث عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، ثمَّ قال: «وعمرٌو»، وكأنَّه حدَّث [/ج1ص207/] بحذف صيغة الأداء، كما هي عادته، ويجوز الجرُّ في «عمرٍو»؛ عطفًا على «معمرٍ»، وهو الذي في «الفرع» كـ: «أصله» مُصحَّحًا عليه، قال القاضي عياضٌ: والقائل: «وعمرٍو»؛ هو ابن عُيَينة. و«عمرٌو» هذا هو ابن دينار، (وَيَحْيَى بْن سَعِيدٍ)؛ هو الأنصاريُّ لا القطَّان؛ إذ هو لم يلقَ الزُّهريَّ حتَّى يكون سمع منه، (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ)، وفي رواية الأربعة [3] : ((عنِ امرأةٍ)) بدل قوله في هذا الإسناد الثَّاني: «عن هندٍ»، وفي هامش «فرع اليونينيَّة»: (لَهي)، ووقع عند الحَمُّوييِّ والمُستملي في الطَّريق الثَّاني: ((عن هندٍ عن أمِّ سلمة))، كما في الحديث قبله، ولغيرهما: ((عنِ امرأةٍ))، قال: وفي نسخةٍ صحيحةٍ مرقومٍ على قوله: ((عنِ امرأةٍ)) علامة أبي الهيثم، والأَصيليِّ، وابن عساكر، وابن السَّمعاني في أصل سماعه عن [4] أبي الوقت في خانقاه السُّمَيْسَاطيِّ. انتهى. والحاصل: أنَّ الزُّهريَّ ربَّما أبهمها وربُّما سمَّاها، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ)؛ أي: تيقَّظ، والسِّين هنا ليس [5] للطَّلب؛ أي: انتبَهَ (النَّبِيُّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: في ليلةٍ، ولفظ: «ذاتَ» زِيدَت؛ للتَّأكيد، وقال جار الله: هو من إضافة المُسمَّى إلى اسمه، وكان عليه الصلاة والسلام في بيت أُمِّ سلمة؛ لأنَّها كانت ليلتها، (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا): استفهامٌ متضمِّنٌ معنى التَّعجُّب؛ لأنَّ «سبحان» تُستعمَل له، (أُنْزِلَ)؛ بضمِّ الهمزة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أَنْزَلَ الله)) (اللَّيْلَةَ) بالنَّصب ظرفًا لـ: «لإنزال»، (مِنَ الْفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟) عبَّر عنِ العذاب بـ: «الفتن»؛ لأنَّها أسبابه، وعن الرَّحمة بـ: «الخزائن»؛ لقوله تعالى: {خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [ص: 9] ، واستعمل المجاز في الإنزال، والمُرَاد به: إعلام الملائكة بالأمر المقدور [6] ، وكأنَّه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنَّه سيقع بعده فتنٌ، وتُفتَح لهمُ الخزائن، أو أوحى الله تعالى [7] إليه ذلك قبل النَّوم، فعبَّر عنه بـ: «الإنزال»، وهو من المعجزات، فقد فُتِحت خزائن فارسٍ والرُّوم وغيرهما، كما أخبر عليه الصلاة والسلام، (أَيْقِظُوا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: نبِّهوا (صَوَاحِب)، وفي روايةٍ: ((صواحبات)) (الْحُجَرِ)؛ بضمِّ الحاء، وفتح الجيم، جمع حُجْرَةٍ؛ وهي منازل أزواجه رضي الله عنهن [8] ، وخصَّهنَّ؛ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ، (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) أثوابًا رقيقةً لا تمنع إدراك البشرة، أو نفيسةً، (عَارِيَةٍ)؛ بتخفيف الياء، والجرِّ، والرَّفع: للأَصيليِّ؛ أي: مُعَاقَبَةٍ (فِي الآخِرَةِ) بفضيحة التَّعرِّي، أو عاريةٍ من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ بذلك إلى الصَّدقة وترك السَّرف، ويجوز في «عاريةٍ» الجرُّ على النَّعت؛ لأنَّ «رُبَّ» عند سيبويه حرف جرٍّ يلزم صدر الكلام، والرَّفع بتقدير: هي، والفعل الذي يتعلَّق به «رُبَّ» محذوفٌ، واختار الكسائيُّ أن يكون [9] «رُبَّ» اسمًا مُبتدَأً، والمرفوع خبرها، وهي هنا للتَّكثير، وفعلها الذي تتعلَّق به ينبغي أن يكون محذوفًا غالبًا، والتَّقدير: رُبَّ كاسيةٍ عاريةٍ عرفتها.

والحديث يأتي في «الفتن» [خ¦7069] إن شاء الله تعالى.

[1] في غير (ص) و(م): «عمرو».
[2] في (م): «روت».
[3] زِيدَ في (د): «عط ه ص س ط».
[4] في (ص) و(م) «على».
[5] في (م): «ليست هنا».
[6] في (د) و(ص): «المقدر».
[7] «الله تعالى»: سقط من (ص) و(م).
[8] في (ب) و(س): «صلَّى الله عليه وسلَّم».
[9] في غير (د): «تكون».





115- (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرو): قال شيخُنا في «الفتح»: (كذا في روايتنا بالرَّفع، ويجوزُ الكسر؛ والمعنى: أنَّ ابنَ عُيينةَ حدَّثهم عن مَعْمَر، ثم قال: «وَعَمْرو» ـ هو ابنُ دينار ـ ثمَّ قال: [فعلى رواية الكسر؛ يكونُ معطوفًا على «مَعْمَرٍ»] ، وعلى روايةِ الرَّفعِ يكونُ استئنافًا، كأنَّ ابنَ عُيينةَ حدَّثَ بحذفِ صيغةِ الأداء، وقد جرتْ عادتُه بذلك، وقد روى الحُميديُّ هذا الحديثَ في «مسنده» [ح:292] : «عنِ ابن عيينة قال: حدَّثنا معمرٌ، عنِ الزُّهْريِّ قَالَ: وحدَّثنا عمرٌو ويحيى بنُ سعيد، عنِ الزُّهْريِّ»؛ فصرَّحَ بالتَّحديثِ عنِ الثَّلاثةِ) انتهى.

(اللَّيْلَةَ): منصوبٌ ظرفٌ لـ (الإنزال).

(صَوَاحِبَ): مفعولُ (أَيْقِظُوا).

(فرُبَّ): تقدَّم، قال ابنُ مالكٍ: (أكثرُ النُّحاةِ يَرَونَ «رُبَّ» للتقليل)، ورجَّح هو أنَّ معناها في الغالب التَّكثير.

(عَارِيَة): يجوزُ الكسرُ على النَّعتِ، والرَّفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ.

قال عياضٌ: (أكثرُ الرِّواياتِ بالخفضِ على الوصفِ).

وقال غيرُه: الأَولى الرَّفعُ.

وعنِ السُّهيليِّ: (الأجودُ عند سيبويه الخفضُ؛ لأنَّ «رُبَّ» عندَه حرفُ جرٍّ لها الصدرُ، ويجوزُ الرَّفعُ خبر مبتدأٍ، والجملةُ في موضعِ النَّعتِ؛ أي: هي عاريةٌ، واختيارُ الكِسائيِّ: أنَّ «رُبَّ» اسمٌ مبتدأٌ، والمرفوعُ خبرُها، وإليه كان يذهبُ شيخُنا ابنُ الطَّراوَةِ، وفِعْلُها الَّذي تتعلَّقُ هي به يجبُ أنْ يكونَ ماضيًا، ويُحذَفُ غالبًا، وتقديرُه: رُبَّ كاسيةٍ عاريةٌ عرفتها).


115- قوله: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ): هو ابن الفضل المروزيُّ، عن معتمر، وابن عيينة، وعنه: البخاريُّ، ومحمَّد بن الضُّريس، وكان إمامًا حافظًا ثبتًا، وثَّقه النَّسائيُّ، وقال ابن حبَّان: (كان صاحب حديث وسُنَّة) ، قال البخاريُّ: (مات سنة نيِّف وعشرين ومئتين) ، وقال غيره: سنة ثلاث، وقيل: سنة ستٍّ وعشرين، أخرج له البخاريُّ فقط من بينهم.

قوله: (عَنْ مَعْمَرٍ): تقدَّم أنَّه بإسكان العين، وأنَّه ابن راشد قريبًا وبعيدًا.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم [1] مرارًا أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب.

قوله: (عَنْ هِنْدٍ [2] ): يجوز ترك الصَّرف والصَّرف فيها، وهي بنت الحارث الفراسيَّة، ويقال: القرشيَّة، وكانت تحت معبد [3] بن المقداد، روت عن أمِّ سلمة، وعنها: الزُّهريُّ، لها حديثان، أخرج لها البخاريُّ والأربعة.

تنبيه: وقع في بعض نسخ «الكاشف» وكذا وقع في «التَّذهيب» كلاهما [4] للذهبيِّ: أنَّها زوجة المقداد، وليس ذلك بصواب، وفي «التَّهذيب»: (زوجة معبد بن المقداد) ، ثمَّ إنِّي راجعت نسخة من «الكاشف» صحيحة مقروءة؛ فوجدتها قد خرَّج فيها على الهامش بعد (زوجة): (معبد بن) ، وصحَّح عليه، وهذه النُّسخة مقروءة على الحافظ تقيِّ الدِّين بن رافع، وهذا هو الصَّواب، وكذا وقع على الصَّواب في هذا «الصَّحيح» في (باب مكث الإمام في مصلَّاه) ، والله أعلم، وهند هذه مذكورة في «الميزان»، قال الذَّهبيُّ: (ما علمت روى عنها سوى الزُّهريِّ، لكن خرَّج لها البخاريُّ) انتهى، وقد ذكرها ابن حبَّان في «الثِّقات»، ولم يذكر عنها راوِيًا سواه، والله أعلم.

قوله: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ): هي زوج النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمُّ المؤمنين، واسمها هند بنت أبي أميَّة -واسمه حذيفة، ويقال: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر [5] بن مخزوم- المخزوميَّة، روى عنها: ولداها عمر وزينب ولدا أبي سلمة، وغيرهما، تزوَّجها عليه الصَّلاة والسَّلام في شوَّال سنة اثنتين بعد وقعة بدر، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، وهذا غلط وقع فيه المزِّيُّ قلَّد فيه ابن عبد البَرِّ، وذلك أنَّ أبا سلمة شهد بدرًا في رمضان سنة اثنتين وقدم المدينة، فلم يلبث إلَّا أيَّامًا وتوفِّي، وبعضهم أرَّخ موته في سنة ثلاث، وكأنَّه أصحُّ، وتزوَّج عليه السَّلام بها سنة أربع، وإنَّما التي بنى بها عليه الصَّلاة والسَّلام في شوال سنة اثنتين مرجعه من بدر عائشة، ثمَّ تزوَّج بعدها حفصة في سنة ثلاث، ثمذَ بأمِّ سلمة رضي الله عنهنَّ، مناقبها جمَّة، وهي آخر أمهات المؤمنين موتًا إلَّا ما قاله الواقديذُ في ميمونة، وقد أدركت أمُّ سلمة مقتل الحسين كما رواه التِّرمذيُّ في «جامعه» قال التِّرمذي: (غريب) ، ورَوى حمَّاد بن سلمة عن عمار: أنَّه سمع أمَّ سلمة تقول: (سمعت الجنَّ تبكي على حسين، وتنوح عليه) ، والحسين رضي الله عنه قتل [6] في أوَّل سنة إحدى وستين يوم عاشوراء، ويقال: عاشت تسعين سنة، وفي «صحيح مسلم»: (أنَّ عبد الله بن صفوان دخل عليها في خلافة يزيد) ، فبطل ما زعمه الواقديُّ من تاريخ موتها، ومن صلاة أبي هريرة عليها، وكذا نقل بعضهم: أنَّ سعيد بن زيد أحد العشرة صلَّى عليها، واغترَّ هذا بما روى عطاء بن السائب عن محارب بن دثار: (أنَّ أمَّ سلمة أوصت بأنَّ يصلِّي عليها سعيد بن زيد) ، وهو إن صحَّ تكون قد أوصت في حياة سعيد، ثمَّ تطاول عليها العمر وعاشت بعد سعيد، ومثل هذا يفعله النَّاس، يقول قائلهم: إنْ مت والشيخ فلان حيٌّ؛ فليصلِّ عليَّ، فيتَّفق [7] موت ذاك [8] الشَّيخ قبل الموصي، أخرج لها الجماعة رَضِيَ اللهُ عنها، وقد أطلنا الكلام عليها ولكن لفوائد.

قوله: (وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ): هو بجرِّ (عمرو) وما بعده معطوفًا على (مَعْمَر) وهو مجرور، و (عمرو): هو ابن دينار، وهو من شيوخ الزُّهريِّ أيضًا، ورَوى عنه، و (يحيى): هو ابن سعيد القطَّان، والقائل: (وعمرو...) وما بعده هو ابن عيينة سفيان، والله أعلم.

قوله في [9] السَّند الثَّاني المعطوف: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ [10] ): كذا في أصلنا، وفي أصل آخر لنا دمشقيٍّ صحيح دخل فيه المزِّيُّ، والذَّهبيُّ، وغيرهما: (عن الزُّهريِّ، عنِ امرأة، عن أمِّ سلمة) ، وكذا طرَّفه المزِّيُّ في «أطرافه» أنَّ الطَّريق الثَّاني فيه: (الزُّهريُّ عنِ امرأة) ، فما وقع في أصلنا الذي سمعنا فيه على شيخنا العراقيِّ في صحَّته نظرٌ، والله أعلم، مع أنَّ المرأة هي هند بنت الحارث التي تقدَّمت في السَّند الأوَّل، أُبهِمت في السَّند الثَّاني، وقد تقدَّمت ترجمتها، والله أعلم.

وقد رأيت هنا حاشية عن شيخنا العراقيِّ قال فيها: (هذا الحديث له عند البخاريِّ طريقان: فالأوَّل [11] : عن هند عن أمِّ سلمة، والثَّاني -هو [12] محلُّ الاختلاف-: فالأكثرون قالوا: «عن الزُّهريِّ، عنِ امرأة، عن أمِّ سلمة»، كما قال الدِّمياطيُّ، وهكذا في رواية أبي الهيثم، والأصيليِّ، والسَّمعانيِّ، وابن عساكر، وفي رواية المستملي: «عن هند، عن أمِّ سلمة»، وهكذا في بعض النُّسخ عنِ الحمُّوي أيضًا، وأمَّا الجمع بين هند وامرأة؛ فوهم) انتهت.

قوله: (وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ): قال شيخنا الشَّارح عنِ المهلَّب: فيه دلالة على أنَّ الفتن تكون في المال وفي غيره؛ لقوله: «ماذا أُنزِل اللَّيلة من الفتن، وماذا فُتِح من الخزائن»، ويؤيِّده قول حذيفة: (فتنة الرجل في أهله وماله يكفِّرها الصَّلاة والصَّدقة) ، وقال الدَّاوديُّ: (الثَّاني هو الأوَّل) ، وقد يُعطف الشَّيء على نفسه تأكيدًا؛ لأنَّ ما يفتح من الخزائن يكون سببًا للفتنة.

قوله: (صَوَاحِبَ الحُجَرِ): المراد بهنَّ: أزواجه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ يعني: للصلاة والاستعاذة، وقد جاء ذلك في «الصَّحيح»: «من يوقظ صواحب الحجر _ يريد: أزواجه- لكي يصلِّين» انتهى.

ويستعذن ممَّا نزل، وهو موافق لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ...}؛ الآية [طه: 132] .

قوله: (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ): (عاريةٍ): قال القاضي: (أكثر الرِّوايات بخفض «عاريةٍ» على الوصف) ، وقال غيره: الأولى الرَّفع، وعن السُّهيليذِ: (الأجود عندي فيه الخفض، ويجوز الرَّفع؛ خبر مبتدأ [13] ، والجملة في موضع النَّعت؛ أي: هي عارية) .

وقوله: (كاسية... عارية): يحتمل أوجهًا: كاسية في الدُّنيا في غير بيتها وعند غير زوجها، عارية في الآخرة من الثَّواب، [/ج1ص64/] ربَّ كاسية لا يسترها الرَّقيق من الثِّياب التِّي تصفُها، معاقبة في الآخرة بالتَّعرية والفضيحة، ربَّ كاسية في الدُّنيا لها المال تكتسي به من رفيع الثِّياب، عارية في الآخرة منها، ندبهنَّ بأن يأخذن بالكفاية ويتصدَّقن بما بعد ذلك، ربَّ كاسية من نعم الله، عارية من الشَّكر، فكأنَّها عارية في الآخرة من نعيمها الذي يكون الشُّكر سببه، أو أنَّها تستر جسدها وتشدُّ الخمار من ورائها، فينكشف صدرها.

قال شيخنا الشَّارح بعد ذكر ما ذكرته: (قلت: وهذا نحو الحديث الصَّحيح -يعني: الذي انفرد به «مسلم»- من طريق أبي هريرة [14] مرفوعًا: «صنفان من أهل النَّار لَمْ أرهما...» إلى أنْ قال: «ونساء كاسيات عاريات...»؛ الحديث، قال: وسياق الحديث يقوِّي الوجه الثَّاني، فهنَّ كاسيات [في الظَّاهر، عاريات حقيقة؛ لأنَّ السِّتر إذا لَمْ يقع به الامتثال يكون وجوده كعدمه) انتهى.

وفي «المطالع» ملخَّص: (وهو كاسيات] [15] ؛ يعني: من نعم الله عاريات من الشُّكر، وقيل: كاسيات [16] بالثِّياب، عاريات بانكشافهنَّ وإبداء بعض أجسادهنَّ، وقيل: كاسيات ثيابًا رقاقًا عاريات؛ لأنَّها [17] لا تسترهنَّ، فهنَّ كاسيات في الظَّاهر، عاريات في الحقيقة) والله أعلم.

[1] (تقدم): ليس في (ج) .
[2] في هامش (ق): (فائد: عند الحفاظ الثلاثة: عن الزُّهريِّ، عن امرأة، عن أمِّ سلمة) .
[3] في (ب): (سعيد) ، وكذا في المواضع اللاحقة.
[4] في (ج): (كلامًا) .
[5] في (ب): (عمرو) ، وليس بصحيح.
[6] (قتل): ليس في (ج) .
[7] في (أ) و (ب): (فتفق) .
[8] في (ج): (ذلك) .
[9] في (ج): (وفي) .
[10] في هامش (ق): (قوله: عن امراة عن أمِّ سلمة: المرأة هذه هي هند كما صرح في الرواية الأولى) .
[11] زيد في (ب): (والأول) .
[12] (هو): ليس في (ج) .
[13] زيد في (ب): (محذوف) .
[14] زيد في (ب): (قريبًا) .
[15] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[16] زيد في (ب): (في الظَّاهر، عاريات حقيقة و) .
[17] (لأنَّها): ليس في (ج) .





115- ( وَعَمْرٍو ) يعني ابن دينار، والقائل ذلك هو ابن عيينة؛ فيكون مجرورًا عطفًا على معمر، يريد البخاري أن ابن عيينة يقول: عن معمر وعمرو بن دينار ويحيى بن سعيد القطان [1] عن الزهري.

( فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ ) قال القاضي: أكثر الروايات بخفض ( عاريةٍ ) على الوصف للمجرور بـ( رُبَّ )، وقال غيره: الأولى الرفع خبر مبتدأ مضمر، أي: هي عارية، وقال السهيلي: الأحسن عند سيبويه الخفض على النعت؛ لأن ( رُبَّ ) عنده حرف جر تلزم صدر الكلام، ويجوز الرفع كما تقول: رُبَّ رجل فاعل، على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت، أي: هي عارية، والفعل الذي [/ج1ص76/] تتعلَّق به ( رُبَّ ) محذوف، واختار الكسائي أن تكون ( رُبَّ ) اسمًا مبتدأ والمرفوع خبرها، وإليه كان يذهب شيخنا ابن الطراوة، انتهى.

[1] قال محب الدين البغدادي: ليس القطان؛ بل هو الأنصاري لأن القطان لم يرو عن الزهري ولا لقيه، فالصواب أنَّه يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد صرح به مالك في «الموطأ». اهـ. وقال ابن حجر رحمه الله: قوله: ( القطان ) وهم قبيح، وإنَّما هو الأنصاري، والقطان لم يسمع من الزهري شيئًا، وقد روى هذا الحديث مالك في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري ومالك، لم يرو عن يحيى بن سعيد القطان شيئًا.





115- ( عَنْ هِنْدٍ ): بنت الحارث الفراسيَّة، وللكُشْمِيهنيِّ بدلها: «عن امرأة».

( وعَمروٌ ): بالرَّفع استئنافًا والجرِّ عطفًا على معمر، وهو: ابن دينار.

( ويَحيى بنُ سَعيدٍ ): هو الأنصاريُّ.

( مَاذَا ): استفهاميَّة بمعنى التَّعجُّب والتَّعظيم.

( أُنْزِلَ ) للكُشْمِيهنيِّ: «أنزل الله»، والمراد بالإنزال: إعلام الملائكة بالأمر المقدور.

( الْفِتَنِ ): كناية عن العذاب.

( الْخَزَائِنِ ): كناية عن الرَّحمة.

( لصَوَاحِبَ الحُجَرِ ): بضمِّ الحاء وفتح الجيم، جمع حجرة، وهي منازل أزواج النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

( عَارِيَةٍ ) بالجرِّ في أكثر الرِّوايات: صفة كاسية، والرَّفع: خبر: «هي» مقدَّر. [/ج1ص276/]


115- وبه قال: ((حدثنا صدقة)) : ابن الفضل المروزي، أبو الفضل المنفرد بالإخراج عنه المؤلف عن الستة، المتوفى سنة ثلاث أو ست وعشرين ومئتين، ((قال: أخبرنا ابن عُيينة)) ؛ بضم العين: سفيان، ((عن مَعْمَر)) ؛ بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، ابن راشد، ((عن الزهري)) : محمد بن مسلم، ((عن هند)) بنت الحارث الفِرَاسية؛ بكسر الفاء وبالسين المهملة، ويقال: (القُرشِية) ؛ بضم القاف وكسر الشين المعجمة، زوجة معبد بن المقداد، وفي رواية: (عن امرأة) ، فالزهري تارة سمَّاها باسمها، وتارة أبهمها.

((عن أم سَلَمَة)) ؛ بفتح اللام والسين المهملة، هند أو رملة زوج النبي الأعظم عليه السلام، بنت أبي أمية حذيفة، أو ابنة سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، كانت عند أبي سلمة فتوفى عنها، فتزوجها النبي الأعظم عليه السلام في شوال سنة أربع، وتوفيت سنة تسع وخمسين في خلافة يزيد بن معاوية، وولايته كانت في رجب سنة ستين، وتوفي سنة أربع وستين في ربيع، وكان لها حين توفيت أربع وثمانون سنة، وصلى عليها أبو هريرة في الأصحِّ، ودفنت بالبقيع اتفاقًا.

((وعمروٍ)) : هو ابن دينار؛ بالجر عطفًا على معمر، يعني ابن عيينة، يروي عن معمر بن راشد وعن عمرو بن دينار، ((و)) عن ((يحيى بن سعيد)) الأنصاري، ومن زعم أنه يحيى بن سعيد القطان؛ فقد أخطأ؛ لأنَّه لم يسمع من الزهري ولا لقيه، فهؤلاء الثلاثة يروون ((عن)) ابن شهاب ((الزهري)) ، ويجوز في (عمرو) الرفع؛ كما في رواية على أن يكون استئنافًا، وعادة ابن عيينة يحدث بحذف صيغة الأداة، و (يحيى) يجوز فيه الجر والرفع عطفًا على (عمرو) .

((عن هند)) ، وفي رواية: (عن امرأة) ؛ كما مر، ((عن أم سلمة)) رضي الله عنها أنها ((قالت: استيقظ)) ؛ بمعنى: تيقظ، فالسين ليست للطلب هنا، ومعناه: انتبه من النوم، ((النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ، ((صلى الله عليه وسلم ذات ليلة)) ؛ أي: في ليلة، ولفظة (ذات) مقحمة للتأكيد، قال الفاضل جار الله الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى اسمه، وكان عليه السلام في بيت أم سلمة؛ لأنَّها كانت ليلتها، وتمام تحقيقه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((فقال)) : عطف على (استيقظ) ، ((سبحان الله)) : مقول القول، و (سبحان) علم للتسبيح، وانتصابه على المصدرية، والتسبيح لغة: التنزيه؛ أي: أنزِّه الله تنزيهًا عما لا يليق به، واستعماله هنا للتعجب؛ لأنَّ العرب قد تستعمله في مقام التعجب.

((ماذا)) فيه أوجه؛ لأنَّه إما أن تكون (ما) استفهامًا و (ذا) إشارة نحو: ماذا الوقوف.

أو تكون (ما) استفهامًا و (ذا) موصولة؛ بمعنى: الذي.

أو تكون (ماذا) بتمامها استفهامًا.

أو تكون (ما) نكرة موصوفة؛ بمعنى: شيء.

أو تكون (ما) زائدة و (ذا) للإشارة.

أو تكون (ما) استفهامًا و (ذا) زائدة، كما أوضحه في «عمدة القاري».

((أُنزل)) ؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول، وفي رواية: (أنزل الله) ، ((الليلةَ)) ؛ بالنصب على الظرفية للإنزال، والإنزال لغة: الإيواء، كما يقال: أنزل الجيش بالبلد، أو تحريك الشيء من علو إلى سفل، والمعنيان لا يتحقَّقان في أنزل الله؛ فهو مستعمل في معنى مجازي؛ بمعنى: أعلم الله الملائكة بالأمر المقدر، وكذا المعنى في أنزل الله القرآن، فمن قال: إن القرآن معنى قائم بذات الله تعالى فإنزاله: أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى، ويثبتها في اللوح المحفوظ، ومن قال: إن القرآن هو الألفاظ؛ فإنزاله مجرَّد إثباته في اللوح المحفوظ؛ لأنَّ الإنزال إنَّما يكون بعد الوجود، والمراد بإنزال الكتب السماوية: أن يتلقاها الملك من الله تلقيًا روحانيًا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها على الأنبياء عليه السلام، وكان عليه السلام أوحي إليه في يومه ذاك بما سيقع بعده.

((من الفتن)) فعبَّر عنه بالإنزال، ((وماذا)) فيه الأوجه المارة، ((فُتح من الخزائن)) ؛ بضم الفاء، عبَّر عن العذاب بـ (الفتن) ؛ لأنَّها أسبابه، وعن الرحمة بـ (الخزائن) ؛ لقوله تعالى: {خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [ص: 9] ، يعني: أن النبي الأعظم عليه السلام رأى في تلك الليلة المنام،[/ص72/]

وفيه: أنه سيقع بعده فتن وأنه يفتح لأمته الخزائن، وعرف عند الاستيقاظ حقيقته إما بالتعبير أو بالوحي إليه في اليقظة قبل النوم أو بعده، وقد وقع الفتن كما هو مشهور وفتحت الخزائن؛ حيث سلطت الصحابة على فارس والروم وغيرهما، وهذا من المعجزات؛ حيث أخبر بأمر قبل وقوعه؛ فوقع مثل ما أخبر عليه السلام.

((أيقِظوا)) ؛ بفتح الهمزة أمر من الإيقاظ؛ بكسرها؛ أي: نبهوا، ((صواحبَ)) ؛ بالنصب على المفعولية، وأراد بها زوجاته عليه السلام، وفي رواية: (صواحبات) جمع: صاحبة، ((الحُجَر)) ؛ بضم الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع: حجرة، وأراد بها منازل زوجاته، وإنما خصَّهن بالإيقاظ؛ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ، أخبرت بذلك أم سلمة، فإن تلك الليلة كانت ليلتها؛ كما مر، وما زعمه الكرماني رده في «عمدة القاري».

((فرُبَّ)) أصلها للتقليل، وقد تستعمل للتكثير كما هنا، وترد للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا، وفيها لغات قدمناها، وفعلها التي تتعلق به ينبغي أن يكون ماضيًا ويحذف غالبًا، ((كاسية)) على وزن (فاعلة) ، من كسا، ولكنه؛ بمعنى: مكسوة ((في الدنيا)) أثوابًا رقيقة لا تمنع من إدراك البشرة أو النفيسة، ((عاريَة)) ؛ بتخفيف الياء؛ أي: معاقبة ((في الآخرة)) بفضيحة التعري، أو عارية من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ على الصدقة وحضَّهنَّ على ترك الإسراف في الدنيا بأن يأخذن منها أقل الكفاية ويتصدقن بما سوى ذلك، وهذه البلوى عامة في الأزمان قديمًا وحديثًا.

وقال الطيبي: هذا كالبيان لموجب استيقاظ الأرواح؛ أي: لا ينبغي لهنَّ أن يتغافلن ويعتمدن على كونهنَّ أهالي رسول الله عليه السلام، ألَا رب كاسية حلة الزوجية المشرفة بها وهي عارية عنها في الآخرة لا تنفعها؛ إذ لم تضمها مع العمل، قال تعالى: {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} [المؤمنون: 101] ، كذا في «عمدة القاري».

وهو دليل واضح على بطلان قول من قال في زماننا ضمن رسالته التي ألَّفها: (إن ذنوب أهل بيت النبوة صوري لا معنوي، وإن ذنوبه مغفورة لهم بلا توبة، وليسوا داخلين تحت المشيئة) ؛ فقد ضل وأضل وابتدع وأبدع، وما استند فيه فهو حجة عليه، وسيأتي الكلام عليه في محله.

قال في «عمدة القاري»: وأكثر الروايات بجر (عارية) على النعت وهو الأحسن عند سيبويه؛ لأنَّ (رب) عنده حرف جر يلزم صدر الكلام، ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ والجملة في موضع النعت؛ أي: هي عارية والفعل الذي يتعلق (رب) به محذوف، واختار الكسائي أن يكون (رب) اسمًا [1] مبتدأ والمرفوع خبرها، وفعلها الذي تتعلق به محذوف غالبًا كما سبق، والتقدير: رب كاسية عارية عرفتها.

وفي الحديث: أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل للصلاة والذكر، ولا سيما عند آية تحدث أو رؤيا مخوفة، وجواز قول: (سبحان الله) ؛ تعجبًا، واستحباب ذكر بعد الاستيقاظ ليلًا ونهارًا، لكن في الليل أبلغ يدل له قوله عليه السلام: «من تعارى من الليل فقال: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله، وصلى؛ قبلت صلاته»، وسيأتي تمامه إن شاء ربي.

اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وأولادًا كثيرة، وجاهًا عريضًا، ودخول الجنة، وتمام هذا الشرح بجاه نبيك محمد، ويحيى، وجميع الأنبياء، وأصحابهم، والأولياء وأحزابهم صلى الله تعالى عليهم وسلم.

[1] في الأصل: (أسماء) .