المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

(1) كَيْفَ [1] كانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلىَ رَسُولِ اللّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقَوْلُ [2] اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ [3] : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } [4] [النساء: 163]

[1] في رواية ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بابٌ: كيف... ».
قال في الإرشاد: لم يقل في الأول: كتاب بدء الوحي؛ لأنَّه كالمقدمة، ومن ثَمَّ بدأ به؛ لأنَّ مِن شأن المقدمة كونها أمام المراد، وأيضًا فإنَّ مِن الوحي عُرِف الإيمان وغيره (ل).
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«وقَوْلِ».
[3] في رواية ابن عساكر: «سبحانه»، وفي رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عزَّ وَجَلَّ».
[4] في رواية أبي ذر زيادة: «الآية».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ [1] أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى [2] ):

(بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الباء متعلِّقةٌ بمحذوفٍ قدَّره البصريُّون اسمًا مقدَّمًا، والتَّقدير: ابتدائي كائنٌ أو مستقِرٌّ، وقدَّره الكوفيُّون فعلًا مقدَّمًا، والتَّقدير: أبدأ، فالجارُّ والمجرور في الأوَّل: في موضع رفعٍ، وفي الثاني: نصبٍ، وجوَّز بعضهم تقديره اسمًا متأخِّرًا [3] ؛ أي: بسم الله ابتدائي الكلام، وقدَّره الزَّمخشريُّ فعلًا مؤخَّرًا؛ أي: بسم الله أقرأ أو أتلو؛ لأنَّ الذي يتلوه مقروءٌ، وكلُّ فاعلٍ يُبدَأ في فعله ببسم الله يكون [4] مُضمَرًا، ما جعل التَّسمية مبدأً له، كما أنَّ المسافر إذا حلَّ أو ارتحل، فقال: بسم الله؛ كان المعنى: بسم الله أَحِلُّ، وبسم الله أرتحل، وهذا أَوْلى من أن يُضمَر: «أبدأ»؛ لعدم ما يطابقه ويدلُّ عليه، أو: ابتدائي؛ لزيادة الإضمار فيه، وإنَّما قُدِّر المحذوف متأخِّرًا، وقدِّم المعمول؛ لأنَّه أهمُّ وأدلُّ على الاختصاص، وأَدْخَل في التَّعظيم وأَوْفَق للوجود؛ فإنَّ اسم الله تعالى مقدَّمٌ على القراءة، كيف وقد جُعِلَ آلةً لها من حيث إنَّ الفعل لا يعتدُّ به شرعًا ما لم يُصدَّر باسمه تعالى؛ لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأ فيه ببسم الله فهو أبتر».

وأمَّا ظهور فعل القراءة في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}؛ فلأنَّ الأهمَّ ثمَّةَ القراءةُ؛ ولذا قدِّم الفعل فيها على متعلَّقه، بخلاف البسملة؛ فإنَّ الأهمَّ فيها الابتداء، قاله البيضاويُّ وغيره. وتُعقِّب: بأنَّ تقدير النُّحاة: «أبتدئ» هو المُختار؛ لأنَّه يصحُّ في كلِّ موضعٍ، والعامُّ تقديره أَوْلى، ولأنَّ تقدير فعل الابتداء هو الغرض المقصود من البسملة؛ إذ الغرض منها أن تقع مُبتدأةً موافقة لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ»، وكذلك في كلِّ فعل ينبغي ألَّا يُقدَّر فيه إلَّا فعل الابتداء؛ لأنَّ الحضَّ جاء عليه، وأيضًا: فالبسملة غير مشروعةٍ في غير الابتداء، فلمَّا اختصَّت بالابتداء؛ وجب أن يُقدَّر لها فعل الابتداء، وأُجِيب: بأنَّ تقديرَ الزَّمخشريِّ أَوْلى وأتمُّ شمولًا؛ لاقتضائه أنَّ التَّسمية [5] واقعةٌ على القراءة كلِّها مصاحبةٌ لها، وتقدير «أبدأ» يقتضي مصاحبتها لأوَّل القراءة دون باقيها، وقوله: «إنَّ الغرض منها أن تقع التَّسمية مبدأً» نقول [6] بموجبه؛ فإنَّ ذلك يقع فعلًا [7] بالبداءة بها، لا بإضمار فعل الابتداء، ومن بدأ في الوضوء بغسل وجهه؛ لا يحتاج في كونه بادئًا إلى إضمار «بدأت»، والحديث الذي ذكره لم يقل فيه: كل أمر ذي بالٍ لا يُقال فيه: أبدأ، وإنَّما أُرِيد طلب إيقاعها بالفعل، لا بإضمار فعلها، وأمَّا دلالة الحديث على طلب البداءة؛ فامتثال ذلك بنفس البداءة لا بلفظها.

واختُلِف هل الاسم عين المسمَّى أو غيره؟ واستدلَّ القائلون بالأوَّل بنحو: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74، 96] ، و{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، فأُمِرَ بتسبيح اسم الله تعالى، والمسبَّح هو الباري، فاقتضى أنَّ اسم الله تعالى هو هو لا غيره، وأُجِيب: بأنَّه أُشرِب «سبِّح» معنى «اذكر»، فكأنَّه قال: اذكر اسم ربِّك، وتحقيق ذلك: أنَّ الذَّات هي المُسمَّى، والزَّائد عليها هو الاسم، فإذا قلت: عالمٌ؛ فهناك أمران: ذاتٌ وعلمٌ، فالذَّات هو المسمَّى، والعلم هو الاسم، فإذا فُهِمَ هذا؛ فالأسماء منها ما هو عين المُسمَّى، ومنها ما هو غيره، ومنها ما يُقال فيه: لا عينٌ ولا غير.

فالقسم الأوَّل؛ مثل: موجودٍ وقديمٍ وذاتٍ؛ فإنَّ الموجود عين الذَّات، وكذا القديم.

والقسم الثَّاني؛ مثل: خالقٍ ورازقٍ، وكلِّ صفات الأفعال، فإنَّ الفعل الذي هو الاسم غير الذَّات.

والقسم الثَّالث؛ مثل: عالمٍ وقادرٍ، وكلِّ الصفات الذَّاتية، فإنَّ الذَّات التي هي المُسمَّى، لا يُقال في العلم الذي هو الاسم: إنَّه غيرها ولا عينها.

هذا تحقيق ما قاله الأشعريُّ في هذه المسألة، وما نُقِلَ عنه خلاف هذا؛ فهو خبطٌ، كذا رأيته منسوبًا للعلَّامة البساطيِّ من أئمَّة المالكيَّة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب «التَّوحيد» في باب «السُّؤال [/ج1ص46/] بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها» [خ¦قبل 7393] مزيدٌ لذلك بعون الله تعالى، وليس مراد القائل: بأنَّ الاسم عين المسمَّى أنَّ اللَّفظ الذي هو الصَّوت المكيَّف بالحروف عين المعنى الذي وُضِعَ له اللَّفظ؛ إذ لا يقول به عاقلٌ، وإنَّما مراده أنَّه قد يُطلَق اسمُ الشَّيء مرادًا به مسمَّاه، وهو الكثير الشَّائع، فإنَّك إذا قلت: اللهُ ربُّنا، ونحو ذلك؛ إنَّما تعني به: الإخبار عن المعنى المدلول عليه باللَّفظ، لا عن نفس اللَّفظ، وقد قال جماعةٌ: إنَّ الاسم الأعظم هو اسم الجلالة الشَّريفة؛ لأنَّه الأصل في الأسماء الحسنى؛ لأنَّ سائرها يُضاف إليه، والرَّحمن صفةٌ لله تعالى، وعُورِضَ بوروده غير تابعٍ لاسمٍ قبله، قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ} [الرحمن: 1 ـ 2] وأُجِيبَ: بأنَّه وصفٌ يُراد به الثَّناء، وقِيلَ: عطف بيانٍ، وردَّه السُّهيليُّ: بأنَّ اسم الجلالة الشَّريفة غير مفتقر لبيانٍ؛ لأنَّه أعرف المعارف كلِّها؛ ولذا قالوا: وما الرَّحمن؟ ولم يقولوا: وما الله؟

والرَّحيم: فَعِيلٌ، حُوِّل من فاعلٍ للمُبالغَة، والاسمان مشتقَّان من الرَّحمة، ومعناهما واحدٌ عند المحقِّقين، إلَّا أنَّ «الرَّحمن» يختصُّ به تعالى، فهو خاصُّ اللَّفظ؛ إذ إنَّه لا يجوز أن يُسمَّى به أحدٌ غير الله تعالى، عامُّ المعنى؛ من حيث إنَّه يشمل جميع الموجودات، و«الرَّحيم» عامٌّ؛ من حيث الاشتراك في التَّسمِّي به، خاصٌّ؛ من طريق المعنى؛ لأنَّه يرجع إلى اللُّطف والتَّوفيق [8] ، وقُدِّم الرَّحمن؛ لاختصاصه بالباري تعالى كاسم الله، وقُرِنَ [9] بينهما للمناسبة.

ولم يأتِ المصنِّف رحمه الله بخطبٍة تنبئ عن مقاصد كتابه هذا، مبتدأةٍ بالحمد والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل غيره اقتداءً بالكتاب العزيز، وعملاً بحديث [10] : «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأ [11] فيه بالحمد لله فهو أقطع» المرويِّ في «سنن ابن ماجه» [12] وغيرها؛ لأنَّه صدَّر كتابه بترجمة «بدء الوحي»، وبالحديث الدَّالِّ على مقصوده، المشتمل على أنَّ العمل دائرٌ مع النِّيَّة، فكأنَّه قال: قصدت جمع وحي السُّنَّة المُتلقَّى عن خير البريَّة على وجهٍ سيَظْهَر حسن عملي فيه من قصدي، «وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»، فاكتفى بالتَّلويح عن التَّصريح.

وأمَّا الحديث؛ فليس على شرطه، بل تُكلِّم فيه؛ لأنَّ في سنده قرَّة بن عبد الرَّحمن [13] ، ولئن سلَّمنا الاحتجاج به؛ فلا يتعيَّن النُّطق والكتابة معًا، فيُحمَل على أنَّه فعل ذلك نطقًا عند تأليفه اكتفاءً بكتابة البسملة، وأيضًا فإنَّه ابتدأ ببسم الله [14] ، ثمَّ رتَّب عليه من أسماء الصِّفات «الرَّحمن الرَّحيم»، ولا يعني بالحمد إلَّا هذا؛ لأنَّه الوصف بالجميل على جهة التَّفضيل، وفي «جامع الخطيب» مرفوعًا: «كلُّ أمرٍ لا يُبدَأ فيه ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم فهو أقطع»، وفي رواية الإمام أحمد: «لا يُفتتَح بذكر الله [15] فهو أبتر أو أقطع»، ولا ينافيه حديث: «بحمد الله»؛ لأنَّ معناه الافتتاح بما يدلُّ على المقصود من حمد الله تعالى والثَّناء عليه، لا أنَّ لفظ: «الحمد» متعيِّنٌ؛ لأنَّ القدر الذي يجمع ذلك هو ذكر الله تعالى، وقد حصل بالبسملة، لا سيَّما وأوَّل شيءٍ نزل من القرآن {اقرأ باسم ربِّك} [العلق: 1] ، فطريق التأسِّي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها، ويَعضُده أنَّ كتبه عليه الصلاة والسلام إلى الملوك مفتَتحةٌ بها دون حمدلةٍ وغيرها، وحينئذٍ فكأنَّ المؤلِّفَ أجرى مؤلَّفه هذا مَجْرى الرِّسالة إلى أهل العلم؛ لينتفعوا به.

وتُعقِّب: بأنَّ الحديث صحيحٌ، صحَّحه ابن حبَّان وأبو عوانة، وقد تابع فيه سعيدُ بن عبد العزيز قرَّةَ، أخرجه النَّسائيُّ، ولئن سلَّمنا أنَّ الحديث ليس على شرطه؛ فلا يلزم منه ترك العمل به، مع مخالفة سائر المصنِّفين، وافتتاح الكتاب العزيز، وبأنَّ لفظ «الذِّكر» غير لفظ «الحمد»، وليس الآتي بلفظ «الذكر» آتيًا بلفظ «الحمد»، والغرض التبرُّك باللَّفظ المفتتح به كلام الله تعالى. انتهى.

والأَولى: الحمل على أنَّ البخاريَّ تلفَّظ بذلك؛ إذ ليس في الحديث ما يدلُّ على أنَّه لا يكون إلَّا بالكتابة، وثبتت البسملة لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ [16] .

(كَيفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْي إِلى رَسُولِ اللّه صلى الله عليه وسلم)؛ كذا لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ بإسقاط لفظ «باب»، ولأبي الوقت وابن عساكر والباقي: ((باب كيف...)) إلى آخره، وهو بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هذا باب كيف...، ويجوز فيه التَّنوين والقطع عمَّا بعده، وتركه للإضافة إلى الجملة التَّالية، لا يُقال: إنَّما {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25] يُضاف إلى الجملة أحد أشياء مخصوصةٍ، وهي كما في «مغني ابن هشام» ثمانيةٌ: أسماء الزَّمان، وحيث، وآيةٌ _بمعنى علامةٍ_، وذو، ولدن، وريث، وقولُ، وقائلُ، واستدلَّ للأخيرين بقوله: [من الخفيف] [/ج1ص47/]

~ قولُ يا للرِّجال يُنْهِضُ من - ـنَا مسـرعين الكهولَ والشُّبَّانا

وقوله: [من الكامل]

~ وأجبت قائلَ: كيف أنت بصالحٍ حتَّى مللت وملَّني عوَّادي

وليس «الباب» شيئًا منها؛ لأنَّ هذا الذي ذكره النُّحاة _كما ذكره الشَّيخ بدر الدِّين الدَّمامينيُّ في «مصابيح الجامع»_ إنَّما هو في الجملة التي لا يُراد بها لفظها، وأمَّا ما أُرِيدَ به لفظه من الجمل؛ فهو في حكم المُفرَد، فتضيف إليه ما شئت ممَّا يقبل بلا حصرٍ؛ ألا ترى أنَّك تقول: محلُّ «قام أبوه» من قولك: زيدٌ «قام أبوه» رفعٌ، ومعنى لا إله إلَّا الله: إثبات الإلهيَّة [17] لله تعالى، ونفيها عمَّا سواه، إلى غير ذلك، وهنا أُرِيد لفظ الجملة، قال: ولا يخفى سقوط قول الزَّركشيِّ: لا يُقال: كيف لا يُضاف إليها؟ لأنَّا نقول: الإضافة إلى الجملة كلا إضافةٍ، وقال في «الشَّرح»: لا ينبغي أن يُعَدَّ هذان البيتان من قبيل ما هو بصدده؛ لأنَّ الجملة التي أُضِيف إليها كلٌّ من «قولٍ» و«قائلٍ» مرادٌ بها لفظها، فهي في حكم المفرد، وليس الكلام فيه، وتعقَّبه الشَّيخ تقيُّ الدين الشُّمنِّيُّ، فقال: لا نسلِّم أنَّ الكلام ليس فيه، بل الكلام فيما هو أعمُّ منه ا ه. فليُتأمَّل، وقد استبان لك أنَّ عدَّ ابن هشامٍ في «مغنيه» قولًا وقائلًا من الألفاظ المخصوصة التي تُضاف إلى الجملة غير ظاهرٍ انتهى.

و«كيف» في قول البخاريِّ: باب (كيف كان)؛ بإضافة «باب»، خبرٌ لـ: «كان» إن كانت ناقصةً، وحالٌ من فاعلها إن كانت تامَّةً، ولابدَّ قبلها من مضافٍ محذوفٍ، والتَّقدير: باب جواب كيف كان بدء الوحي، وإنَّما احتيج إلى هذا المضاف؛ لأنَّ المذكور في هذا الباب هو جواب «كيف» كان بدء الوحي [18] ، لا السُّؤال بكيف عن بدء الوحي، ثمَّ إنَّ الجملة من كان ومعموليها [19] في محلِّ جرٍّ بالإضافة. ولا تخرج كيف بذلك عن الصَّدريَّة؛ لأنَّ المراد من كون الاستفهام له الصَّدر أن يكون في صدر الجملة التي هو فيها، و«كيف» على هذا الإعراب كذلك.

و(البدء)؛ بفتح الموحَّدة وسكون المُهملَة، آخره همزةٌ؛ من بدأت الشَّيء بدْءًا: ابتدأت به، قال القاضي عياضٌ: رُوِيَ بالهمز مع سكون الدَّال، من الابتداء، وبدُوٌّ بغير همزةٍ مع ضمِّ الدَّال وتشديد الواو من الظُّهور، ولم يعرف الأخيرة الحافظ ابن حجرٍ. نعم؛ قال: رُوِي في بعض الرِّوايات: كيف كان ابتداء الوحي، فهذا يرجِّح الأُولى، وهو الذي سمعناه من أفواه المشايخ.

والوحي: الإعلام في خفاءٍ، وفي اصطلاح الشَّرع: إعلام الله تعالى أنبياءَه الشَّيءَ، إمَّا بكتابٍ أو برسالةِ ملَكٍ أو منامٍ أو إلهامٍ، وقد يجيء بمعنى: الأمر؛ نحو: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111] ، وبمعنى: التَّسخير؛ نحو: {وأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] ؛ أي: سخَّرها لهذا الفعل، وهو اتِّخاذها من الجبال بيوتًا إلى آخره، وقد يعبِّر عن ذلك بالإلهام، لكن المراد به هدايتها لذلك، وإلَّا؛ فالإلهام حقيقةً إنَّما يكون لعاقلٍ، والإشارة؛ نحو: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11] ، وقد يُطلَق على المُوحَى؛ كالقرآن والسُّنَّة؛ من إطلاق المصدر على المفعول، قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] .

والتَّصلية جملةٌ خبريَّةٌ يراد بها الإنشاء، كأنَّه قال: اللهم صلِّ.

(وَقَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((وقول الله عزَّ وجلَّ ))، ولابن عساكر: ((وقول الله سبحانه))، (وقولِ): مجرورٌ عطفًا على محلِّ الجملة التي أُضِيف إليها الباب؛ أي: باب كيف كان ابتداء الوحي، ومعنى (قول الله)، قِيلَ: وإنَّما لم يُقدِّر: وباب كيف قول الله جلَّ ذكره؛ لأنَّ (قول الله) لا يُكيِّف، وأُجِيب: بأنَّه يصحُّ على تقدير مضافٍ محذوفٍ؛ أي: كيف نزول قول الله، أو كيف فهم معنى قول الله، أو أن يُرَاد بكلام الله المُنـزَلُ المتلوُّ لا مدلوله، وهو الصِّفة القائمة بذات الباري تعالى، ويجوز رفعه: مبتدأً محذوفَ الخبر؛ أي: وقول الله تعالى كذا ممَّا يتعلَّق بهذا الباب، ونحو هذا من التَّقدير، أو خبره قاله العينيُّ، فليُتأمَّل.

({إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ})؛ أي: وحي إرسالٍ فقط، ({كَمَا أَوْحَيْنَا})؛ أي: كوحينا ({إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ})، زاد أبو ذَرٍّ ((الآية)). قاله العينيُّ فليُتأمَّل [20] ، وهذا جوابٌ لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن يُـنَـزَّل عليهم كتابًا من السَّماء، واحتجاجٌ عليهم بأنَّ أمره في الوحي كسائر الأنبياء، وآثر صيغة التَّعظيم؛ تعظيمًا للموحي والمُوحَى إليه، قِيلَ: خصَّ نوحًا بالذِّكر؛ لأنَّه أوَّل مُشرِّعٍ، وعُورِضَ: بأنَّ أوَّل مشرِّعٍ آدمُ؛ لأنَّه نبيٌّ أُرسِل إلى بنيه وشرَّع لهم شرائع، ثمَّ شيثٌ وكان نبيًّا مُرسَلًا، وبعده إدريس، وقِيلَ: إنَّما [/ج1ص48/] خُصَّ بالذِّكر؛ لأنَّه أوَّل رسولٍ آذاه قومه، فكانوا يحصبونه بالحجارة حتَّى يقع على الأرض؛ كما وقع مثله لنبيِّنا عليهما الصَّلاة والسَّلام، وقِيلَ: لأنَّه أوَّل أولي العزم، وعطف عليه النَّبيِّين من بعده، وخصَّ منهم إبراهيم إلى داود تشريفًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، وترك ذكر موسى عليه السلام؛ ليبرزه مع ذكرهم بقوله: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّساء: 164] على نمطٍ أعمَّ [21] من الأوَّل، ولمَّا كان هذا الكتاب لجمع وحي السُّنَّة؛ صدَّره بـ: «بابٍ الوحي»؛ لأنَّه ينبوع الشَّريعة، وكان الوحي لبيان الأحكام الشَّرعيَّة؛ صدَّره بحديث: «الأعمال بالنيِّات»؛ لمناسبته للآية الشَّريفة السَّابقة؛ لأنَّه أوحى إلى الكلِّ الأمر بالنِّيَّة؛ كما قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، والإخلاص: النِّيَّة.

فقال: كما أخبرنا به وبما سبق من أوَّله إلى آخر الصَّحيح الشَّيخُ المسند رُحْلَة الآفاق أبو العبَّاس أحمد بن عبد القادر بن طَريف _بفتح الطَّاء المهملة_ الحنفيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثمانين وثمانمئةٍ، وقد جاوز التِّسعين، بقراءتي عليه لجميع هذا «الجامع» في خمسة مجالس وبعض مجلسٍ متواليةٍ، مع ما أُعِيد لمفوتين أظنُّه نحو العُشر، آخرها يوم الأحد ثامن عشرٍ من شوَّال سنة اثنتين وثمانين وثمان مئةٍ.

قال: وأخبرنا أبو الحسن عليُّ بن محمَّدٍ الدِّمشقيُّ قراءةً عليه لجميعه، وأنا في الخامسة، والعلَّامة المقري أبو إسحق إبراهيم بن أحمد البعليُّ _بالموحَّدة المفتوحة، والعين المهملة السَّاكنة_ التَّنُوخيُّ؛ بفتح الفوقيَّة وضمِّ النُّون الخفيفة [22] وبالخاء المعجمة، والحافظان زين الدِّين عبد الرَّحيم بن الحسين العراقيُّ، ونور الدِّين عليُّ بن أبي بكر بن سليمان الهيثميُّ، من باب: «وكلَّم الله موسى تكليمًا» إلى آخر «الصَّحيح»، وإجازةً لسائره [23] .

قال الأوَّلان: أخبرنا أبو العبَّاس أحمد بن أبي طالب بن أبي النَّعم بن الشِّحنة الدِّير [24] مُقَرِّنيُّ، المتُوفَّى في خامس عشر من صفر سنة ثلاثين وسبعمئةٍ سماعًا، قال الثَّاني: لجميعه، وقال الأوَّل: للثُّلاثيَّات منه. ومن باب «الإكراه» إلى آخر «الصَّحيح»، وإجازةً لسائره [25] . وزاد فقال: وأخبرتنا ستُّ الوزراء وزيرة بنت محمَّد بن عمر بن أسعد بن المنجا التَّنوخيَّة، وزاد الثَّاني، فقال: وأخبرنا أبو نصرٍ محمَّد بن محمَّدٍ الشِّيرازيُّ الفارسيُّ، إجازةً عن جدِّه أبي نصرٍ عن الحافظ أبي القاسم بن عساكر، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمَّد بن الفضل السَّاعديُّ الفُراويُّ بضمِّ الفاء، قال: أخبرنا أبو سهلٍ محمَّدٌ الحَفْصيُّ عن أبي الهَيْثَم؛ بفتح الهاء وإسكان المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح المثلَّثة، محمَّد بن مَكِّيٍّ _بفتح الميم وتشديد الكاف والياء_ ابن محمَّد بن زُرَاع [26] ؛ بضمِّ الزَّاي وتخفيف الرَّاء، الكُشْماهَنيِّ؛ بكافٍ مضمومةٍ، وشينٍ مُعجَمةٍ ساكنةٍ وفتح الهاء وكسرها، وقد تُمال الألف، وقد يُقال: الكُشْمِيهَنيُّ _بالياء بدل الألف_؛ قريةٌ بمرو، وقال الرَّابع: أخبرنا المُظَفَّر _بالظَّاء المُعجَمة والفاء_ العسقلانيُّ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمَّد [27] الصَّقِلِّي؛ بفتح المهملة وكسر القاف وتشديد اللَّام، قال: وكذا وزيرة وابن أبي النعم، أخبرنا أبو عبد الله الحُسَين [28] بن المُبَارَك الزَّبِيديُّ؛ بفتح الزَّاي وكسر الموحَّدة، المتوفَّى سنة إحدى وثلاثين وستِّمئةٍ.

«ح» وأخبرنا الحافظ نجم الدِّين عمر ابن الحافظ تقيِّ الدِّين المكِّيُّ، قال: حدَّثنا [29] المسنِد الرُّحلة نجم الدِّين عبد الرَّحمن بن سراجِ الدِّين عمر القِبَابيُّ _بكسر القاف والموحَّدتين المخفَّفتين، بينهما ألفٌ_ المقدسيُّ، أخبرنا [30] العلَّامة شمس الدِّين أبو عبد الله محمَّد ابن قاضي شهبة، والإمام عماد الدِّين أبو عبد الله محمَّد بن موسى بن سليمان بن الشَّيرجيِّ، بسماع الأوَّل لجميع الصَّحيح على أمِّ محمَّد وزيرة، وبسماع الثَّاني من الإمام الحافظ شرف الدِّين أبي الحُسين محمَّد بن عليٍّ اليونينيِّ، بسماعهما من أبي عبد الله الحسين الزَّبيديِّ، قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأوَّل بن عيسى بن شعيبٍ السِّجْزِيُّ _بكسر السِّين المهملة، وسكون الجيم، وكسر الزَّاي_ الهرويُّ الصُّوفيُّ، وُلِدَ في ذي القعدة سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمئةٍ، وتوفِّي ليلة الأحد سادس القعدة سنة ثلاثٍ وخمسين وخمسمئةٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسن عبد الرَّحمن الدَّاوديُّ البُوْشَنْجِيُّ؛ بضمِّ الموحَّدة، وسكون الواو، وفتح الشِّين المُعجَمة، وسكون النُّون، وبالجيم؛ نسبةً إلى بلدة بقرب هَراة خراسان _بفتح الهاء_ المتوفَّى سنة سبعٍ وستِّين وأربع مئةٍ سماعًا، قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ عبد الله بن أحمد بن حَمُّوْيَه _بفتح المُهملَة، وتشديد الميم [/ج1ص49/]

المضمومة، وإسكان الواو، وفتح المثنَّاة التَّحتيَّة_ السَّرَخْسيُّ؛ بفتح السِّين المُهملَة، والرَّاء، وسكون الخاء المُعجَمة، أو بسكون الرَّاء وفتح المُعجَمة، المتوفى سنة إحدى وثمانين وثلاث مئةٍ، وقال الثَّالث: أخبرنا أبو عليٍّ، أو أبو [31] محمَّدٍ عبد الرَّحيم الأنصاريُّ، المعروف بابن شاهد الجيش _بالجيم والمثنَّاة التَّحتية، والشِّين المُعجَمة، المُتوفَّى سنة ستِّين وسبع مئةٍ، قال: أخبرنا المعين أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ، وأبو الطَّاهر إسماعيل بن عبد القويِّ بن عَزُّون _بفتح العين المُهملَة، وضمِّ الزَّاي المشدَّدة وبالواو والنُّون_ المصريُّ الشَّافعيُّ، وأبو عمرٍو عثمان بن رَشِيقٍ بفتح الرَّاء وكسر الشِّين المعجمة_ المالكيُّ، سماعًا وإجازةً لما فات، قالوا: أخبرنا أبو عبد الله محمَّدٌ الأَرْتَاحِيُّ _بفتح الهمزة، وسكون الرَّاء، وفتح المثنَّاة الفوقيَّة، وبالحاء المهملة_ قال: أخبرنا أبو الحسن عليٌّ الموصليُّ، قال: أخبرتنا أمُّ الكرام كريمة بنت أحمد المروزيَّة، قالت: أخبرنا الكُشْمِيهَنِيُّ.

«ح» وقال أبو الحسن الدِّمشقيُّ: أخبرنا سليمان بن حمزة بن أبي عُمر _بضمِّ العين_ عن محمَّد بن عبد الهادي المقدسيِّ عن الحافظ أبي موسى محمَّد بن أبي بكرٍ المدينيِّ، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو العبَّاس جعفر بن محمَّدٍ المستغفريُّ، قال: أخبرنا أبو عليٍّ إسماعيل بن محمَّدٍ الكشانيُّ، وهو آخر من حدَّث عن الفربريِّ بـ: «البخاريِّ».

«ح» وأخبرنا قاضي القضاة إمام الحرم الشَّريف المكيُّ أبو المعالي محمَّد ابن الإمام رضيِّ الدِّين محمَّدٍ الطَّبريُّ المكِّيُّ، المُتوفَّى في آخر ليلة الأربعاء ثامن عشر صفر سنة أربعٍ وتسعين وثمانمئةٍ بمكَّة المشرَّفة، بسماعي عليه الثُّلاثيَّات، وإجازةً [32] لسائره بمكَّة المُشرَّفه في يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة الحرام، سنة إحدى وتسعين وثمان مئةٍ [33] ، قال: أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن سلامة السَّلميُّ، سماعًا لبعضه، وإجازةً لسائره، قال: أخبرنا الإمام أبو محمَّدٍ عبد الله بن أسعد اليافعيُّ سماعاً عليه، قال: أخبرنا الإمام رضيُّ الدِّين الطَّبريُّ، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرَّحمن ابن أبي حَرَميٍّ _بالحاء المهملة والرَّاء المفتوحتين [34] _ فَتُّوح بن بَنِيْنٍ _بلفظ جمع ابنٍ_ الكاتب المكيُّ، سماعًا لجميعه خلا فوتًا [35] شملته الإجازة، قال: أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن حُميدٍ بضمِّ الحاء المُهملَة _ابن عمَّارٍ _بتشديد الميم_ الأَطْرَابُلُسِيُّ؛ بفتح الهمزة، وإسكان المهملة، وبالراء وضمِّ الموحَّدة، واللَّام وبالسِّين المُهملَة، قال: أخبرنا به أبو مَكتُومٍ _بفتح الميم، وبالمثنَّاة الفوقيَّة المضمومة_ عيسى [36] بن أبي ذَرٍّ؛ بالذَّال المُعجمَة وتشديد الرَّاء، قال: أخبرنا والدي أبو ذَرٍّ عبد [37] بن محمَّدٍ الهَرَوِيُّ؛ بفتح الهاء والرَّاء، المتوفَّى سنة أربعٍ وثلاثين وأربعمئةٍ، قال: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم البَلْخِيُّ _بفتح الموحدة وسكون اللَّام [38] وكسر الخاء [39] المُعجمَة_ المستملي، المُتوفَّى سنة ستٍّ وسبعين وثلاث مئةٍ، والكُشْمِيهَنِيُّ والسَّرخسيُّ.

«ح» وأخبرنا الأئمَّة الثَّلاثة، الحافظان أبو عمرٍو فخر الدِّين بن أبي عبد الله محمَّدٌ، وشمس الدِّين محمَّد بن زين الدِّين أبي محمَّدٍ المصريَّان، والمحدِّث الحافظ نجم الدِّين عمر بن المحدِّث الكبير تقيِّ الدِّين محمَّدٍ الهاشميُّ المكِّيُّ [40] ، المتوفَّى في رمضان سنة خمسٍ وثمانين وثمان مئةٍ عن ثلاثٍ وسبعين سنةً، الشَّافعيُّون قراءةً وسماعًا عليهم للكثير منه، وإجازةً لسائره، قالوا: أخبرنا شيخ الإسلام إمام الحفَّاظ أحمد بن أبي الحسن العسقلانيُّ الشَّافعيُّ، قال: أخبرنا أبو عليٍّ محمَّد بن أحمد المهدويُّ إذنًا مشافهةً، عن يحيى بن محمَّدٍ الهَمْدانيِّ، قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ عبد الله الدِّيباجيُّ _بالجيم_ إذنًا، قال: أخبرنا عبد الله بن محمَّدٍ الباهليُّ _بالمُوحَّدة_ قال: حدَّثنا الحافظ أبو عليٍّ الجيَّانِيُّ؛ بفتح الجيم، وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، وبالنُّون، قال: أخبرنا أبو شاكرٍ [41] عبد الواحد بن موهبٍ عن الحافظ أبي محمَّدٍ عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن جعفرٍ الأَصيليِّ؛ نسبةً إلى أصيلا [42] من بلاد العدوة، سكنها ونشأ بها، وتُوفِّي يوم الخميس لإحدى عشْرة ليلةً بقيت من ذي الحجَّة، سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئةٍ، وحاتم بن محمَّدٍ الطَّرابلسيِّ عن الإمام أبي الحسن عليٍّ بن محمَّدٍ القابسيِّ؛ بالقاف والموحَّدة والمُهملة.

«ح» وبسند أبي الحسن عليِّ بن محمَّدٍ الدِّمشقيِّ إلى الحافظ أبي موسى المدينيِّ قال: أخبرنا أبو عليٍّ الحسن بن أحمد الحدَّاد، قال: أخبرنا الحافظ أبو نعيمٍ، قال الثَّلاثة: أخبرنا أبو زيدٍ محمَّدٌ المروزيُّ.

«ح» وقال القابسيُّ: أخبرنا أبو أحمد محمَّد [/ج1ص50/] ابن محمَّدٍ الجرجانيُّ _بجيمين_.

«ح» وقال أبو الحسن الدِّمشقيُّ أيضًا: أخبرنا محمَّد بن يوسف بن المهتار عن الحافظ أبي عمرٍو عثمان بن الصَّلاح الشَّهرزوريِّ، قال: أخبرنا منصور بن عبد الدَّائم بن عبد الله بن محمَّد بن الفضل الفراويُّ [43] ، قال: أخبرنا محمَّد بن إسماعيل الفارسيُّ، قال: أخبرنا سعيد بن أحمد بن محمَّد الصَّيرفيُّ العَيَّار؛ بالعين المُهملَة، وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، قال: أخبرنا أبو عليٍّ محمَّد بن عمر بن شبويه.

«ح» وقال الجيَّانيُّ: أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمَّد الحذَّاء سماعًا، وأبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البرِّ الحافظ إجازةً، قالا: أخبرنا أبو محمَّد الجهنيُّ، قال: أخبرنا الحافظ أبو عليٍّ سعيد بن عثمان بن سعيد بن السَّكَن؛ بفتح السِّين المُهملَة والكاف، قال هو والمستملي والكُشْمِيهَنِيُّ والسَّرخسيُّ وأبو زيدٍ المروزيُّ والجرجانيُّ والكُشانيُّ [44] وابن شَبُّويه: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطر الفـرَبْريُّ؛ بكسر الفاء وفتحها، وبفتح الرَاء وإسكان الموحَّدة؛ نسبةً إلى قريةٍ من قرى بُخَارى، المتوفَّى سنة عشرين وثلاثمئةٍ، وكان سماعه من البخاريِّ صحيحه هذا مرَّتين: مرَّةً بفِرَبْرَ سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين، ومرَّةً ببُخَارى سنة اثنتين وخمسين ومئتين.

«ح» وقال الجيَّانيُّ أيضًا: أخبرنا الحكم بن محمَّدٍ، قال: أخبرنا أبو الفضل بن أبي عمران الهرويُّ سماعًا لبعضه، وإجازةً لباقيه، قال: أخبرنا أبو صالحٍ خلف بن محمَّد بن إسماعيل، قال: أخبرنا إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيُّ، المتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئتين، وفاته أوراقٌ رواها عن المؤلِّف إجازةً.

«ح» وأخبرنا الحافظان الفخر والشَّمس المصريَّان، والحافظ المحدِّث الكبير النَّجم المكِّيُّ، عن إمام الصَّنعة أبي الفضل أحمد بن عليِّ بن [45] أحمد العسقلانيِّ الشَّافعيِّ، قال: أخبرنا أحمد بن أبي بكرِ بن عبد الحميد في كتابه عن أبي الرَّبيع بن أبي طاهر بن قدامة عن الحسن بن السَّيِّد العلويِّ عن أبي الفضل بن طاهرٍ الحافظ عن أبي بكرٍ أحمد بن عليِّ بن خلفٍ عن الحاكم أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ عن أحمد بن محمَّد بن رُميحٍ [46] النَّسويِّ عن حمَّادِ بن شاكرٍ، قال هو والنَّسفيُّ وابن مطرٍ الفِرَبْرِيُّ: أخبرنا الإمام العلَّامة أستاذ الحفَّاظ، أمير المؤمنين في الحديث، وشيخ مشايخ الأئمَّة في الرِّواية والتَّحديث، أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه؛ بفتح الموحَّدة، وسكون الرَّاء، وكسر الدَّال المُهملَة، وسكون الزَّاي المُعجمَة، وفتح الموحَّدة، بعدها هاءٌ؛ ومعناه: الزُّرَّاع بالفارسيَّة، الجُعْفِيُّ _بضمِّ الجيم، وإسكان العين المُهملَة، وبالفاء_ البخاريُّ المتوفَّى وله من العمر اثنتان وستُّون سنةً إلَّا ثلاثة عشر يومًا، في اللَّيلة المسفرة عن يوم السَّبت مستهلِّ شهر شوَّال، سنة ستٍّ وخمسين ومئتين رحمه الله، قال:

[1] «الحافظ»: ليس في (ص).
[2] قوله: «قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى»، سقط من (م).
[3] في (ب) و(س): «مؤخَّرًا».
[4] في غير (ص): «كان».
[5] في (ص): «البسملة».
[6] في (ص): «بعد القول».
[7] في (ص): «محلًا».
[8] في (ص): «اللفظ والتوقيف».
[9] في (ص): «وفرق».
[10] في (ص) و(م): «وحديث»
[11] في (م): «يبتدأ».
[12] في (ص): «أبي داود»، والحديث مثبت في «سنن ابن ماجه» (1894).
[13] في النُّسخ: «عبد الرحيم»، ولعلَّه تحريفٌ، والمثبت من كتب التراجم.
[14] في (ص): «بذكر الله».
[15] في (ص): «ببسم الله».
[16] قوله: «وثبتت البسملة لأبي ذَرٍّ والأصيليِّ»، سقط من (م).
[17] في (ب) و(س): «الألوهيَّة».
[18] قوله: «وإنَّما احتيج إلى هذا المضاف... جواب كيف كان بدء الوحي»، سقط من (ص).
[19] في غير (ب): «معمولها».
[20] قوله: «قاله العينيُّ فليُتأمَّل»، سقط من (ص).
[21] في (د): «أعظم».
[22] «وضمِّ النُّون الخفيفة»: سقط من (ص) و(م).
[23] في (ص): «وأجازه كسائره»، وليس بصحيحٍ.
[24] في (ص): «بن أبي الشِّحنة الدِّين»، وهو تحريفٌ.
[25] في (ص): «كسائره».
[26] «بن»: سقط من (د).
[27] «محمد»: سقط من غير (ص).
[28] في (ص): «الحسن»، وهو تحريفٌ.
[29] في (ص): «أنبأنا»، وسقط «قال: حدثنا» من (م).
[30] في (د): «أنبأنا».
[31] في (د): «وأبو».
[32] في (ص): «وأجازه».
[33] في (ص): «تسع مئة»، وليس بصحيحٍ.
[34] زيد في (ص): «قال أخبرنا»، وهو خطأٌ.
[35] في (ص): «حملًا قويًّا».
[36] في (ص): «علي»، وهو خطأٌ.
[37] في (د) و(س): «عبد الله»، وهو خطأٌ.
[38] «وسكون اللام»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[39] في (ب) و(س): «وبالخاء».
[40] في (ص): «المالكي)، وهو تحريفٌ.
[41] زيد في (د): «قال: أخبرنا»، وهو خطأ.
[42] في المصادر «أصيلة»، انظر «معجم البلدان» (1/213).
[43] في (ص): «الغزاوي»، وهو تصحيفٌ.
[44] في (ص): «والكناني»، وهو تحريفٌ.
[45] زيد في (ص) و(م): «أبي»، والمثبت هو الصَّواب.
[46] في (ص): «ربيح»، وهو تحريفٌ.





(بَاب): يجوزُ فيه وفي نظائِرِه ثلاثةُ أوجهٍ:

أحدُها: بابْ؛ على سبيل التعداد للأبواب بصورة الوقف، فلا إعرابَ له، قاله الكرمانيُّ، قال البِرْماويُّ: (ولا يخفى بُعْدُه).

الثاني: رفعُه بلا تنوينٍ على الإضافةِ، وما بعدَه مضافٌ، ولا يقال: «كيف» لا تُضاف؛ لأنَّا نقول: الإضافة إلى الجملة كَلَا إضافة، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوف؛ أي: هذا بابُ...، قال البِرْماوي: (ويُقرأ بلا تنوين على إضافتِه لما بعدَه، لكن على تقدير مضافٍ؛ أي: هذا بابُ جوابِ كيف كان، أو بيانِ كيف كان؛ فإنَّ «باب» لا يُضافُ لجملةٍ، وأيضًا؛ فلاستقامة المعنى المراد، ويجوزُ تنوينُه على أنَّ الجملةَ بعدَه استئنافٌ يُشعر بما يُرادُ من الترجمة).

(كَيْفَ كَانَ): قال ابنُ عطيَّة: (إنَّ البخاريَّ لم يستفهم)، قال أبو حيَّان: (هو استفهامٌ محضٌ؛ إمَّا على سبيل الحكاية كأنَّ سائلًا سأله فقال: كيف كان بُدُوُّ [1] الوحي؟ وإمَّا أن يكون من قوله هو كأنه سأل نفسَه: كيف بُدُوُّ [2] الوحي؟ فأجاب بالحديث الذي فيه كيفيَّة ذلك) انتهى.

وقال البِرْماوي: («كيف» في محلِّ نصبِ خبرِ «كان» إنْ جُعلت ناقصةً، وحالًا إنْ جُعلت تامَّةً، وتقديمُها واجبٌ؛ لأنَّ الاستفهامَ له الصَّدْرُ).

(بُدُوُّ): قال شيخُنا: (ضُبِطَ بغير همزٍ مع ضمِّ الدال وتشديد الواو، من الظهور، ولم أرَهُ مضبوطًا في شيءٍ من الروايات التي اتصلت لنا).

(وَقَوْل اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ): هو مجرورٌ عطفًا على محلِّ [3] الجملة التي هي: (كَيْفَ كَانَ بَدْوُّ الْوَحْيِ)، أو مرفوعٌ عطفًا على لفظ (البُدُوِّ)، قال النووي: (مجرورٌ ومرفوعٌ معطوفٌ على «كيف»)، وعبارة عياض: (يجوزُ الرفعُ على الابتداء، والكسرُ عطفًا على «كيف»، وهي في موضع خفضٍ؛ كأنَّه قال: باب كيف كذا، وباب معنى قولِ الله أو الحجَّة بقولِ الله، قال: ولا يصحُّ أن يُحمل على الكيفيَّة لقول الله؛ إذ لا يُكيَّف كلامُ الله).

قال الكرماني بعد إيراد كلام النووي: (ليس هو مجرورًا أو مرفوعًا معطوفًا على «كيف»؛ إذ لا صِحَّةَ له لفظًا ولا معنًى، أمَّا لفظًا؛ فلأنَّ «كيف» منصوبٌ بأنَّه خبرُ «كان»، وأمَّا معنًى؛ فلأنَّ التقديرَ حينئذٍ: وقولَ الله [4] كان بُدوُّ [5] الوحي، وهو فاسدٌ).

وقال البِرْماوي: (قيل: ويجوزُ عطفُه على اسم «كان»، وضُعِّفَ بأنَّ كلامَ الله تعالى لا يُكيَّفُ.

قلتُ: يصحُّ على تقدير مضاف؛ أي: كيف نزول قول الله تعالى، أو: كيف فَهْمُ معنى قول الله، أو أنَّ المراد بكلام الله تعالى: المُنزَّلُ المَتْلُوُّ، لا مدلولُه؛ وهو الصفةُ القديمةُ القائمةُ بذات الله عزَّ وجلَّ) انتهى.

({كما أوحينا}): (الكاف): نعتٌ لمصدرٍ محذوف؛ أي: إيحاءً مثلَ إيحائنا، أو على أنَّه حال من ذلك المصدر المحذوف المقدَّر معرَّفًا [6] ؛ أي: أوحيناه؛ أي: الإيحاءَ حالَ كونِه مُشْبهًا لإيحائنا إلى مَن ذُكِر، وهذا مذهب سيبويه، و (مَا) تحتمل وجهين: أن تكون مصدريَّةً، فلا تفتقرُ إلى عائدٍ على الصحيح، وأن تكون بمعنى: الذي، فيكون العائدُ محذوفًا؛ أي: كالذي أوحيناه إلى نوح.

و ({مِن بعده}): متعلِّقٌ بـ{أوحينا}، ولا يجوزُ أن يكون حالًا من {النبيين}؛ لأنَّ الحالَ خبرٌ في المعنى، ولا يُخبَرُ بظرف الزمان عنِ الجُثَّةِ إلَّا بتأويلٍ ليس هذا مَحَلَّه، واختارَ أبو البقاءِ أن يتعلَّقَ بنفسِ {النبيين} ؛ يعني: أنَّه في معنى الفعل؛ كأنَّه قيل: والذين تنبَّؤوا مِن بعدِه، قال السَّمين: (وهو معنًى حَسَنٌ).

(الآيَةَ): بالنصب؛ أي: اقرأِ الآيةَ، وسيأتي.

[1] في (ب): (بدء).
[2] في (ب): (بدء).
[3] محل: ليس في (ب).
[4] زيد في (ب): (كيف).
[5] في (ب): (بدء).
[6] في (أ) و(ب): (معرَّف).





(بَابُ كَيْفَ كَانَ بُدُوُّ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) [1]

قوله: (بَابُ كَيْفَ كَانَ بُدُوُّ الْوَحْيِ): يجوزُ [2] رفعُ (باب) [3] بلا تنوينٍ وما بعدَه مضافٌ، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هذا بابُ، ويجوزُ تنوينُه، وهما جاريانِ في نظائِرِه.

ووقع في بعضِ النُّسَخِ بغيرِ ذِكْرِ (باب) ؛ فاعلمْهُ.

قوله: (كَيْفَ كَانَ بُدُوُّ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (بُدُوُّ): قال ابن قُرقُول -وهو الإمامُ الحافظُ العلَّامةُ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ يوسفَ بنِ إبراهيمَ الحَمْزيُّ؛ بالحاء المهملة وبالزاي، نسبةً إلى بلدٍ بالمغربِ [4] - في «مطالعه» - وكلُّ ما أنقلُه عنه؛ فمِن كتابه المذكور، وهو كتابٌ نفيسٌ ذُو فوائدَ، والظاهرُ أنَّه اختصَرَه مِن كتاب «المشارق» للقاضي الإمام الحافظ المحقِّق أبي الفضل عِياض بن موسى اليَحْصُبيِّ [5] -: (رَوَيناه بالهمز، مِنَ الابتداء، ورواهُ بعضُهم غيرَ مهموزٍ، مِنَ الظهور) .

قال أبو مروانَ: (والهمزُ أحسنُ؛ لأنَّه يَجمعُ المعنيين، وأحاديثُ الباب تدُلُّ عليه؛ لأنَّه بيَّن فيه كيفَ يأتيه الملَكُ ويظهرُ له، وفيه كيفَ كانَ ابتداءُ أمرِه، وأوَّلُ ما ابتُدِئ به) .

وكان غيرُه يقول: (إنَّ الظهورَ أحسنُ؛ لأنَّه أعمُّ) انتهى.

فقولُه: (ورواه بعضُهم غيرَ مهموزٍ) ؛ يعني: بُدُوُّ؛ مثل: قعود، مصدرًا.

وأمَّا على رواية الهمز؛ فـ(بَدْءُ) مفتوحُ الباءِ، ساكنُ الدال، مهموزُ الآخر، وتصريفُه كتصريفِ (منع) ، والله أعلم.

قوله: (بُدُوُّ الْوَحْيِ): سيأتي الكلامُ على (الوحيِ) قريبًا إن شاء الله تعالى.

قوله: (وقول اللهِ [6] ): (قول): مجرورٌ ومرفوعٌ معطوفٌ على (كيفَ) ، قاله شيخُنا الشَّارح رحمه الله تعالى [7] ، وقال أيضًا: (وعبارةُ القاضي -يعني: عِياضًا-: يجوزُ الرفعُ على الابتداءِ، والكسرُ عطفًا على «كيف»، وهي في موضعِ خفضٍ؛ كأنَّه قال: بابُ كيفَ كذا وبابُ معنى قولِ الله، [/ج1ص5/] أو الحجَّة [بقول الله] ، ولا يصحُّ أن يُحملَ على الكيفيَّة لقولِ الله؛ إذْ لا يُكيَّفُ كلامُ الله) انتهى [8]

سؤال [9] : إن قلت: ما موقعُ حديثِ عمرَ رضي الله عنه مِنَ الترجمة، وأين هو مِن ابتداء الوحي؟

فالجوابُ: أنَّ هذا ذكره ابنُ المُنَيِّر - الإمام العالم العلَّامة [10] الذي سمعت عنه [11] العلَّامة البلقينيَّ يقول: (عالمان بمكَّة [12] ؛ لم [13] يرحل أحدهما، ولم يتنقَّح علمه، ورحل الآخر، [ونقِّح] علمه: ابنُ دقيق العيد؛ يعني: العلامة زين الدين، والآخرُ ابنُ المُنَيِّر) انتهى [14] ، (والذي رحل هو ابن دقيق العيد) [15] ، وكلُّ ما أنقلُه [16] في هذا المؤلَّف عنه؛ فمِن تراجمه على «البخاريِّ» كما تقدَّم، (وإنْ نقلتُ عنه مِن غيرِها؛ عزوتُه) [17] - ولفظُه: (قلتُ: أشكلَ هذا قديمًا على الناس، فحملَه بعضُهم على قصْدِ الخُطبة والمقدِّمة للكتاب، لا على مطابقةِ الترجمة، وقيل فيه غيرُ هذا، والذي وقع لي فيه: أنَّه قصدَ -والله أعلم- أنَّ الحديثَ اشتملَ على أنَّ مَنْ هاجر إلى الله؛ وَجدَهُ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان مقدِّمةُ النبوَّة في حقِّه هجرتَه إلى الله، وإلى الخلوة بمناجاتِه، «والتقرُّب إليه بعباداته» [18] في غار حِراء، فلمَّا ألهمَه اللهُ صِدْقَ الهجرةِ إليه وطلب وجدَّ؛ وَجَدَ، فهجرتُه إليه كانت [بدءَ] فضلِه عليه باصطفائه، وإنزال الوحي عليه، مضافًا إلى التأييدِ الإلهيِّ، والتوفيقِ الرَّبَّانيِّ، الذي هو الأصلُ والمرجِعُ والمبدَأُ [19] ، وليس على معنى ما ردَّه أهلُ السُّنَّةِ [على] مَن اعتقدَ أنَّ النبوَّةَ مكتسبةٌ، بل على معنى أنَّ النبوَّةَ ومقدِّماتِها ومنحاتِها [20] كلٌّ فضلٌ مِن عند الله، فهو الذي ألهَمَ السُّؤَالَ وأعطى السُّؤْلَ، وعلَّقَ الأملَ وبلَّغَ المأمولَ، فله الفضلُ أوَّلًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا، سبحانه وتعالى.

ولم يذكُرِ البخاريُّ في هذا الحديث: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» وهو أمسُّ بالمقصود الذي [21] نبَّهنا عليه، وقد ذَكَرَ هذه الزيادةَ في (كتاب الإيمان) [خ¦54] ، وكأنَّه استغنى عنها بقوله: «فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»، فأفهم ذلك: أنَّ كلَّ مَن هاجر إلى شيءٍ؛ فهجرتُه إليه، فدخل في عُمُومِهِ الهجرةُ إلى الله، ومِن عادتِهِ أن يترُكَ الاستدلال بالظاهرِ الجليِّ، ويعدِلَ إلى الرمزِ الخفيِّ، وسيأتي له أمثالُ ذلك) انتهى [22]

(سؤالٌ ثانٍ) [23] : إنْ قلتَ: ما وجهُ تعلُّقِ حديثِ عمرَ رضي الله عنه بالآية المذكورة أوَّلَ الباب؟

فالجوابُ: أنَّ هذا ذَكَرَه الحافظُ الدِّمياطيُّ في حاشية نُسختِه لـ «صحيح البخاريِّ»؛ كِلاهُما بخَطِّه [24] - وقد رأيتُ «البخاريَّ» بخَطِّه [25] ، وحواشيَه عليه، وكذا رأيتُ «صحيحَ مسلمٍ» بخَطِّه، وحواشيه عليه رحمه الله، وأخبرني شيخُنا العلَّامةُ ابنُ المُلقِّن: (أنَّ في خزانةِ الشافعيَّةِ بالقاهرة الكُتبَ السِّتَّةَ بخَطِّه، وهي وقفٌ على الشافعيَّة) ، [وكلُّ ما أنقلُه في هذا المؤلَّفِ عنه [26] كما تقدَّم وأُطلقه؛ فهو مِن حواشيه بخطِّه على «البخاريِّ»، وإن نقلتُ مِن غيرِها؛ عزوتُه لمكانه، قال الحافظُ جمالُ الدينِ المِزِّيُّ [27] : (ما رأيتُ في الحديثِ أحفظَ مِنَ الدِّمياطيِّ) انتهى، وهو الحافظُ شرفُ الدينِ أبو محمَّدٍ عبدُ المؤمنِ بنُ خلفٍ شيخُ بعضِ مَن أخذتُ عنه مِنَ الشيوخِ [28] كما تقدَّم في الدِّيباجة] [29] - ولفظُه: (وجهُ تعلُّق هذا الحديث بهذِه الآيةِ: أنَّ اللهَ أوحى إلى جميعِ الأنبياءِ أنَّ الأعمالَ بالنِّيَّاتِ، والحُجَّةُ لذلِكَ قولُه تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، وقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ...}؛ الآية [الشورى: 13] ، قال أبو العالية: وصَّاهم بالإخلاصِ لله في عبادتِه لا شريك له) انتهى.

قوله: ({كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [النساء: 163] ): اعلم أنَّ نُوحًا اسمٌ أعجميٌّ، والمشهورُ صَرْفُه، (وقيل: يجوزُ صرفُه) [30] ، وتَرْكُ صرْفِه.

قال السُّهيليُّ: (واسمه عبد الغفَّار، وقال غيرُه: اسمه يَسْكَن [31] ، وقيل: يشكر، واسمُ أُمِّه: شمخى بنت أنوش) انتهى [32]

واسمُ والدِه: لمك، وقيل: لامك -بفتح الميم وكسرها- ابن مَتُّوشَلَخ -وهو [33] بميمٍ مفتوحة، ثمَّ مثنَّاةٍ فوقُ مشدَّدةٍ، ثمَّ واوٍ ساكنةٍ، ثمَّ شينٍ معجمةٍ، ثمَّ لامٍ مفتوحتين، ثمَّ خاءٍ معجمة- ويُقال: مُتَوشْلخ، وتفسيرُه: ماتَ الرَّسول؛ لأنَّ أباهُ كان رسولًا؛ وهو خَنُوخ.

وقال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: هو إدريسُ.

وأخْنُوخ: بالخاء المعجمة، وقيل: مهملة، ثمَّ نون مضمومة، ثمَّ واو، ثمَّ خاء معجمة.

قال شيخُنا مجدُ الدين في «قاموسه»: (خَنُوخ -يعني: بخاءين معجمتين- أو أخنوخ؛ يعني: بالخاءين أيضًا بزيادة همزة في أوَّله) .

وقال شيخُنا الشَّارح: (حنوح؛ بالحاء المهملة، وقيل: معجمة) .

وسيأتي الكلامُ على هذا الاسم، وكذا مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى آدمَ في أوَّلِ المَبْعث إن شاء الله تعالى.

ثمَّ اعلم أنَّ ابنَ إسحاقَ والأكثرينَ قالوا: إنَّ أخنوخَ هو إدريسُ، وأنكرَ آخرونَ ذلك، وقالوا: إنَّه ليس في عَمود النسبِ، وإنَّما إدريسُ هو إلياسُ.

وفي «البخاريِّ» في (الأنبياء) [قبل ح3342] في قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ} [34] [الصافات: 123] : يُذكَر عنِ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ: (أنَّ إلياسَ هو إدريسُ) انتهى، واختارَه - (أنَّه ليس في العمود) [35] - ابنُ العربيِّ ، وتلميذُه السُّهيليُّ [36] ؛ لحديث الإسراء حيث قال: «مرحبًا بالأخ الصالح»، ولم يقل: بالابن الصالح، كما قال إبراهيمُ.

وأجاب عن ذلك النوويُّ رحمه الله: (بأنَّه [37] يَحتمل أنَّه قاله [38] تلطُّفًا وتأدُّبًا، وهو أخٌ وإنْ كان ابنًا، والأبناءُ إخوةٌ، والمؤمنونَ إخوةٌ) .

وقال شيخُنا الشَّارِحُ عنِ ابنِ المُنَيِّر: (أكثرُ الطرق على أنَّه خاطبه بالأخ الصالح، قال: وقال لي [39] ابنُ أبي الفضل: صحَّت لي طريق: أنَّه خاطبه فيها بالابن الصالح) .

وقال شيخُنا الشَّارح: (وقال المازِرِيُّ: ذكر المؤرِّخون: أنَّ إدريسَ جَدُّ نوحٍ، فإنْ قامَ دليلٌ على أنَّ إدريسَ أُرسلَ؛ لم يصحَّ قولُ النسَّابين: إنَّه قبلَ نوحٍ؛ لما في «الصحيح»: «ائتوا نوحًا؛ فإنَّه أوَّلُ رسولٍ بعثه الله إلى أهل الأرض»، وإن لم يقم دليلٌ؛ جاز ما قالوا، وصحَّ أنَّ إدريسَ [40] كان نبيًّا، ولم يُرسَل) .

وقال السُّهيليُّ: (وحديثُ أبي ذرٍّ رضي الله عنه [41] يدُلُّ على أنَّ آدمَ وإدريسَ رسولان) .

قال شيخنا الشَّارح: (قلتُ: أخرجه بطوله ابنُ حِبَّانَ) انتهى.

[1] في (ب) بدل مما في قوسين: (كتاب) .
[2] زيد في (ب): (فيه) .
[3] (باب): ليست في (ب) .
[4] هو الإمام العلَّامة أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ يوسفَ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ باديسَ الحَمْزيُّ الوَهْرانيُّ، صاحب كتاب «مطالع الأنوار» الذي وضعه على كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عياض، ولد بالمرية سنة (505 هـ ) ،وكان فاضلًا من أوعية العِلم، رحَّالًا في طلبه فقيهًا نظَّارًا أديبًا حافظًا بصيرًا بالحديث، صنَّف وكتب الخطَّ الأنيق، وصَحِبَ جماعةً مِن العلماء بالأندلس، وكان رفيقًا للسُّهيليِّ، ولمَّا حضرته الوفاةُ بفاس تلا سورة الإخلاص وجعل يكرِّرُها بسرعة ثم إنَّه تشهَّد ثلاث مرَّاتٍ وسقط على وجهه ساجدًا ومات سنة (569 هـ ) ، انظر «سير أعلام النبلاء» (20/520) ، «الوافي بالوفيات» (6/109) .
[5] هو الإمام العلَّامة، وتوفي سنة ( هـ )
[6] زيد في النسخ: (تعالى) ، وليست في «اليونينيَّة» و (ق) .
[7] «التوضيح» (2/116) .
[8] «التوضيح» (2/116-117) .
[9] في (ب): (قوله) .
[10] زيد في (ب): (ابن) .
[11] في (ب): (من) .
[12] في (ب): (مليًا) .
[13] (لم): ليست في (ب) .
[14] (انتهى): ليست في (ب) .
[15] ما بين قوسين جاء في (ب) بعد قوله: (تراجمه على البخاري كما تقدم) ، وهي في (أ) بالهامش.
[16] في (أ): (أنقل) .
[17] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[18] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[19] عبارة ابن المُنيِّر: (الأصل والمبدأ والمرجع والموئل) .
[20] في«المتواري»: (ومتمِّماتِها) .
[21] في النسخ: (والذي) ، والمثبت من مصدره.
[22] «المتواري على أبواب البخاري» لابن المُنَيِّر (ص48-49) .
[23] في (ب) بدل مما في قوسين: (قوله) .
[24] وهي ضمن مصادرنا، والحمد لله.
[25] (بخطه): ليست في (ب) .
[26] (عنه): ليست في (ب) .
[27] في (ب): (والمزي) .
[28] قوله: (بعض من أخذت عنه من الشيوخ) غير واضح في الأصل.
[29] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (ل - «صحيح البخاري» كلاهما بخَطِّه) .
[30] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[31] في (ب): (يشكن) .
[32] «الروض الأنف» (1/) .
[33] في (ب): (فهو) .
[34] قوله: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ}: مثبت من (ب) .
[35] ما بين قوسين ليس في (ب) ، وهو في (أ) بالهامش.
[36] «الروض الأنف» (1/) .
[37] في (ب): (فإنَّه) .
[38] في (ب): (قال) .
[39] (لي): ليست في (ب) .
[40] في (ب): (إدريسًا) .
[41] الترضية ليست في (ب) .





( بَابٌ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )

يَجُوز في ( باب ) التَّنوين والإضافة، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا بابٌ، ولا يقال: كيف لا يضاف [إليها؟] [1] لأنا نقول: الإضافة إلى الجملة كلا إضافة.

وروي بإسقاط الباب، وروي: ( بَدْءُ ) بالهمز، من الابتداء، وبتركه مع ضم الدال وتشديد الواو: من الظهور، والأحسن: الهمز؛ لأنَّه يجمع المعنيين.

( وَقَوْلُ اللَّهِ ) جَوَّزَ فيهِ القَاضِي وَجْهَيْنِ: الرفع بالابتداء، والكسر عطفًا على ( كيف ) فإنها في موضع خفض، والتَّقْدِيْرُ: باب كَيف كَذَا، وباب معنى قول الله، أو ذكر قول الله، ولا يقدر هنا الكيفية؛ إذ لا يُكيَّف كلام الله.

ومن محاسن ما قيل في تصدير الباب بحديث النية: تعلُّقه بالآية المذكورة في الترجمة؛ لأن الله تعالى أوحى إليه وإلى الأنبياء قبله أن الأعمال بالنيات، بدليل [ب:2] قوله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ } [ البينة: 5 ] ، وقصده من ذلك أن كل معلِّم أراد بعلمه وجهَ الله ونفعَ عبادِه فإنه يُجازَى على نيته. [2]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ق] .
[2] قال محب الدين البغدادي: قوله: وقول الله جل وعز: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ } [النساء: 163] وخُصَّ نوحًا عليه السلام بالذكر في الآية الكريمة لأنَّه أول رسول مشرع. [/ج1ص3/]





[بِسْمِ الله الرَّحمن الرَّحِيمِ] [1]

( بَابٌ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحِيُ ) يجوز تنوين «باب» وتركه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي.

و ( بَدْءُ ) قال عياض: روي بالهمز وسكون الدَّال من الابتداء، وبلا همز مع ضمِّ الدَّال وتشديد الواو، وهو الظُّهور. [/ج1ص115/]

قال ابن حجر: ويرجِّح الأوَّل أنَّه وقع في بعض الرِّوايات: «كيف كان ابتداء الوحي».

و ( الْوَحْي ) لغة: الإعلام في إخفاء، وقيل: أصله التَّفهيم، وشرعًا: الإعلام بالشَّرع، وقد يُطلَقُ ويراد به اسم المفعول، أي: المُوحَى، وهو كلام الله المنزل على النَّبيِّ [صلَّى الله عليه وسلَّم] [2] .

و( قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ) هو: بالرَّفع على إسقاط الباب، وعلى تنوينه عطفًا على الجملة؛ لأنَّها في محلِّ رفع، وبالجرِّ على إضافته عطفًا على كيف، أي: وباب معنى قول الله تعالى، [أو ذكر قول الله ولا يصحُّ تقدير: وكيفية قول الله] [2] ؛ لأنَّ كلام الله لا يُكيَّف، قاله عياض.

قال الزَّركشيُّ: ومن محاسن ما قيل في تصدير الباب بحديث النِّيَّة تعلُّقه بالآية المذكورة في التَّرجمة؛ لأنَّ الله تعالى أوحى إليه وإلى الأنبياء من قبله أنَّ الأعمال بالنِّيَّات؛ بدليل قوله: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [البينة: 5] ، وقصده بذلك: أنَّ كلَّ مُعلِّمٍ أراد بعلمِه وجهَ الله ونفعَ عباده، فإنَّه يُجازَى على نيَّته.

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ع] .
[2] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





((بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) :

كذا لأبي الوقت وابن عساكر والباقي، ولأبي ذرٍّ والأصيلي إسقاط لفظ (باب) ، وهو بالرفع خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، ويجوز فيه التنوين وعدمه، ويجوز في (باب) النصب بفعل محذوف؛ أي: اقرأ، والجر بحرف مقدر؛ أي: انظر إلى باب، ويجوز فيه الوقف بالسكون، ومعنى (الباب) : النوع، وأصله: (بوَب) ، وجمعه: أبواب.

و (البدء) ؛ بالهمز مع سكون الدال: من الابتداء؛ بمعنى: الظهور.

و (الوحي) : الإعلام، وفي الشرع: إعلام الله الأنبياء الشيء إمَّا بكتاب، أو برسالة ملك، أو منام، أو إلهام، ويجيء بمعنى الأمر؛ نحو: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ} الآية [المائدة: 11] ، وبمعنى التسخير؛ نحو: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] ، ويعبر عن ذلك بالإلهام والإشارة؛ نحو: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 11] ، وقد يطلق على الموحى؛ كالقرآن والسنة، من إطلاق المصدر على المفعول.

والتصلية جملة خبرية، ولما كانت دعاء؛ صارت إنشاء، ومعناها: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد، اهـ

((وَقَوْل اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)) : كذا لأبوي ذر [والوقت] والأصيلي، ولابن عساكر: وقول الله سبحانه، ولغيرهم: وقول الله جلَّ ذكره، و (قول) : مجرور، عطف على محل الجملة التي أضيف إليها الباب؛ أي: باب كيف كان ابتداء الوحي ومعنى قوله تعالى، ويجوز رفعه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: وقوله كذا.

(({إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ})) وحي إرسال فقط (({كَمَا أَوْحَيْنَا})) ؛ أي: كوحينا، فالكاف للتشبيه، (({إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ})) [النساء: 163] ، زاد أبو ذر: الآية، وإنَّما خَصَّ نوحًا؛ لأنَّه أول مشرِّع، ورُدَّ بأنَّ أوَّلَ مشرِّعٍ آدمُ، ثم شيث، ثم إدريس، وقيل: إنَّما خصَّه؛ لأنَّه أول رسول أُوذيَ من قومه، وقيل: لأنَّه أول أولي العزم، ورُدَّ: بأن آدم من أولي العزم، أجيب بقوله تعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115] ، والأحسن في الجواب كما قاله البدر العيني: (إنما خصَّه؛ لأنَّه هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض من ولده الثلاثة؛ لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ} [الصافات: 77] ، وهم سام وحام ويافث، فإن الناس هلكوا بالطوفان إلا أصحاب السفينة، قيل: كانوا ثمانية بالنساء، وقيل: أكثر، وكلهم ماتوا خلا نوحًا وبنيه وأزواجهم) انتهى؛ فليحفظ.