المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

112-. حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ، قالَ: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يَحْيَىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ _عامَ فَتْحِ مَكَّةَ_ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذلكَ النَّبِيُّ [/ج1ص33/] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَكِبَ راحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فقالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ القَتْلَ _أَوِ الفِيلَ، شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [1] _ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ [2] ، أَلَا وَإِنَّها [3] لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، ولَمْ تَحِلَّ [4] لأَحَدٍ بَعْدِي، ألَا وَإِنَّهَا [5] حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ألَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُخْتَلَىَ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ [6] : إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فقالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فقالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ». فقالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ في بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ، إِلَّا [7] الإِذْخِرَ [8] ».

قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ [9] .

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نعيم [أراد البخاري أن الشك فيه من شيخه] واجعلوا (في رواية الأصيلي: واجعلوه) على الشك: الفيل أو القتل، وغيره يقول: الفيل [أي من غير شكٍّ] ». وهذا القول بدل قوله: «شك أبو عبد الله» عند أبي ذر والأصيلي وابن عساكر
[2] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «وسُلِّطَ عليهم رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنون».
[3] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنها».
[4] في رواية ابن عساكر و [عط] ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا تحلُّ».
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[6] لفظة: «النظرين» ثابتة في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ و [عط] و [ع] أيضًا.
[7] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[8] في رواية الأصيلي زيادة لفظة: «مرتين»، وفي (ب، ص) أن هذه الزيادة وقعت بعد «إلَّا الإذخر» الأولى.
[9] قوله: «قال أبو عبد الله... إلخ»، ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر، وقيَّد في (ن، ق) عدم وجوده في حاشية رواية ابن عساكر، وزاد في (و، ب، ص) نسبة عدم وجوده إلىَ رواية السمعاني عن أبي الوقت بدل حاشية رواية ابن عساكر.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

112- ( الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ) بدال مهملة مضمومة. [/ج1ص74/]

( الْفِيلَ أَوِ الْقَتْلَ، وغيره يقول: الفيل ) هذا من البخاري تصريح بأن الجمهور على الفيل بالفاء، قيل: وهو الصواب، والمراد بحبس الفيل أهل الفيل، أو حَبْسِه نفسِه كما في قصَّته.

( لا يُختلى خلاها ) الخلا: الحشيش اليابس.

( إِلَّا لِمُنْشِدٍ )؛ أي: إلا لمعرِّف في قول أبي عبيد والشافعي.

( فَمَنْ قُتِلَ ) كذا رواه هنا وهو مختصر، والصواب ما رواه في الديات: «من قتل له قتيل» بزيادة: «له قتيل».

( إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ ) بضم أوله وفتح ثالثه.

( وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ ) بالقاف أي: يقتل، وفي رواية لمسلم: «يفادَى»، والأول أصوب؛ لأن الفداء والعقل واحد.

( اكْتُبُوا لأَبِي فُلاَنٍ ) هو أبو شاه، بهاء في الدَّرْج والوَقف.

( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ) هو العباس.

( إِلَّا الإِذْخِرَ ) يجوز رفعه على البدل مما قبله، ونصبه على الاستثناء لكونه واقعًا بعد النفي.


112# (ابْنُ دُكَيْنٍ [1] ) بدال مهملة وكاف، مصغَّر [2] .

(أَنَّ خُزَاعَةَ قتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ [3] ) في «السيرة [4] »: أن خراش بن أمية قتل ابن الأثوع [5] الهذلي بقتيل قُتل في الجاهلية، يقال له: أحمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((يا معشَرَ خُزَاعةَ! ارفَعُوا أيديَكُمْ عنِ القتلِ، فمَنْ قُتِلَ بعدَ مَقَامي هذا، فأهلُهُ بخيْرِ النَّظَرين)).

(الفِيلَ [6] أَوِ القَتْلَ وغيْرُهُ) أي: غير أبي نعيم.

(يَقُولُ: الفِيلَ)

@%ج1ص101%

بالفاء من غير [7] شك، وهذا تصريح من البخاري بأن [8] الجمهور على رواية ((الفيل)) بالفاء، قيل: وهو الصواب، والمراد بحبس الفيل: حبسُ أهله، أو حبسُه نفسه، كما في قضيتهِ المشهورة.

(خلاها [9] ) حشيشُها اليابس [10] .

(سَاقِطَتُهَا [11] ) لُقَطَتُها.

(إلَّا لِمُنْشِدٍ) لمعرِّفٍ [12] ، نشدتُ الضالةَ: طلبتُها، وأنشَدْتُها: عَرَّفتها، وسيأتي الكلام في فقهه [13] إن شاء الله تعالى.

(فَمَنْ قُتِلَ) كذا رواه هنا، قالوا: وهو مختصر، والصَّواب ما رواه في الديات: ((مَنْ قُتِلَ لهُ قتِيلٌ)) بزيادة: له قتيلٌ [14] .

قلت: وهذا صوابٌ بلا شك، كما أنَّ الأول [15] صواب أيضًا، ولا يظهر كون الثانية هي [16] الصَّواب فقط، وكأنهم فهموا أن قوله: (فَهُوَ [17] بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) يقضي بخطأ هذه الرواية؛ إذ المقتول لا نظرَ له.

قلت: وليس بشيء؛ إذ يمكن جعلُ الضمير من قوله: ((فهو)) عائد إلى الولي المفهوم من السياق فاستقامَ الكلام، وصحَّت الروايتان [18] جميعًا، فلله الحمدُ [19] .

(إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ) بضم أوله وفتح ثالثه؛ أي: يُدفع عقلُه، وهو الدية.

(وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ) قال الزركشي: أي: يُقتل.

قلت: لا ينتظم مع قوله: ((أهل القتيل)) إذ يصير المعنى: وإمَّا أن يقتل أهل القتيل، وهو باطل، ولعل معنى ((يقاد)) [20] : يمكَّن من القَوَد وهو القتل؛ أي: وإما [21] أن يُمكن أهل القتيل من القَوَد، فيستقيم المعنى.

قال السفاقسي: رويناه بالقاف، وهو الظاهر، ومن رواه: ((يفادى [22] )) بالفاء والألف، فليس ببيِّن؛ لأن الفداء والعقلَ واحدٌ.

وفيه: حجة لمن يرى [23] أن ولي القتيل بالخيار، وسيأتي في محله.

(اكْتبوا لأَبي فُلاَنٍ) هو أبو شاه بهاءٍ في الوصل [24] والوقف.

(فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو العباس بن عبد

@%ج1ص102%

المطلب.

وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: أن القائل: ((إلا الإذخر)) اسمه: شاه.

وفي «أسد الغابة» [25] : أن اسمه ((مينا)) بميم فمثناة من تحت فنون، أخرجه أبو موسى، وقال [26] : لعلَّه تصحيف .

(إلَّا الإذْخِرَ) بكسر الهمزة والخاء المعجمة وسكون [27] الذال معجمة: حشيشةٌ معروفةٌ طيبة الريح.

[1] في (ق): ((دوكين)).
[2] في (ج): ((مصغراً)).
[3] في (ج): ((لهم)).
[4] في (ق): ((السريرة)).
[5] في (ق): ((الأفوع)).
[6] في (ق): ((الفداء)).
[7] في (ق): ((غيره)).
[8] في (ق): ((بل)).
[9] في المتن: ((شوكها)) .
[10] في (ق): ((الناس)).
[11] في (ج): ((ساقطها)).
[12] في (ق): ((لعرف)).
[13] في (د) و(ج): ((الكلام فيه)).
[14] ((بزيادة له قتيل)): ليست في (ق).
[15] في (د) و(ج) و(ق): ((الأولى)).
[16] في (م) و(د): ((هو)).
[17] في (ق): ((وهو)).
[18] في (د): ((الروايتين)).
[19] في (ق): ((والحمد لله)).
[20] في (ق): ((أقاد)).
[21] في (ق): ((إما)).
[22] ((يفادى)): ليست في (د).
[23] في (ق): ((يروي)).
[24] في (ق) زيادة: ((ويأتي القبيل)).
[25] في (د) زيادة: ((اسم الصحابة لابن الأثير)). في (ج) زيادة: ((اسم كتاب في معرفة الصحابة لابن الأثير)).
جاء في هامش (م): ((اسم كتاب في معرفة الصحابة لابن الأثير))، وهذه الزيادة ألحقها (د وج) ضمن المتن.
[26] في (د) و(ج): ((قال)).
[27] في (د) و(ج): ((وتكون)).





112- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ): الفضل بن دُكَين، هو بضمِّ الدَّال المهملة، وفتح الكاف، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثم نون، ودُكَين لقب، واسمه عمرو بن حمَّاد، عنِ الأعمش، وزكريَّا بن أبي [1] زائدة، وأمم، وعنه: البخاريُّ، وعبد، وأبو زرعة، وأمم، مات سنة (219 هـ ) بالكوفة في سلخ شعبان، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان» من جهة الاعتقاد، وقد تقدَّم أيضًا الكلام عليه.

قوله: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ [2] ): هذا هو ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ المؤدِّب، أبو معاوية مولى بني تميم البصريُّ، سمع الحسن، ويحيى بن أبي كثير، وعنه: ابن مهديٍّ، وعليُّ بن الجعْد، وكان صاحب حروف وقراءات، توفِّي سنة (164 هـ ) ، أخرج له الجماعة، والنحويُّ منسوب إلى قبيلة، قاله ابن الأثير في «لبابه»، [وفي «التَّذهيب»، و«أصله»، وهو نحو بن شمس؛ بطن من الأزد، قاله أبو أحمد العسكريُّ، وفي «التذهيب» أيضًا للذَّهبيِّ في ترجمة شيبان هذا: (قال ابن أبي داود وغيره: إنَّ المنسوب إلى القبيلة: يزيد بن أبي سعيد النحويُّ لا شيبان هذا) انتهى، وكذا في «الكاشف» كلام ابن أبي داود وغيرِه لا الأوَّل] [3] ، وشيبان مشهور ثقة، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (عَنْ يَحْيَى): هو ابن أبي كَثِير -بفتح الكاف، وكسر المثلَّثة- الإمام أبو نصر اليماميُّ، مولى طيِّئ، أحد الأعلام، عن أنس وجابر مرسلًا، وعن أبي سلمة، وعنه: هشام الدَّستوائيُّ، وهمَّام، قال أيوب: (ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير) ، كان من العبَّاد العلماء [4] الأثبات، مات سنة (129 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وهو كثير التَّدليس مكثر من الإرسال، له ترجمة في «الميزان».

قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ): تقدَّم أنَّه أحد الفقهاء السَّبعة على القول الأصحِّ، وتقدَّم أنَّ اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عبد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (أَنَّ خُزَاعَةَ): هو [5] حيٌّ معروف من الأزد، سمُّوا بذلك؛ لأنَّ الأزد لمَّا خرجت من مكَّة لتتفرق في البلاد تخلَّفت عنهم خزاعة، وأقامت بها [6] .

قوله: (قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ): قال شيخنا الشَّارح: (إنَّ المقتول كان في الجاهليَّة، فقتلوا هذا به) ، قال: (وعند ابن إسحاق: بقتيل منهم فقتلوه وهو مشرك، وذكر القصَّة: وهو أنَّ خراش بن أميَّة من خزاعة قتل ابن الأكوع [7] الهذليَّ وهو مشرك بقتيل في الجاهليَّة يقال له: أحمر، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يا معشر خزاعة؛ ارفعوا أيديكم عنِ القتل...»؛ الحديث) ، وكذا ذكره غيره عنِ ابن إسحاق، وسيأتي بأزيد من هذا في (الحجِّ) إن شاء الله.

قوله: (عَامَ فَتْحِ مكَّة): تقدَّم أنَّ الفتح كان في السَّنة الثَّامنة في رمضان، وتقدَّم ما وقع من كلام ابن عبَّاس في «صحيح البخاريِّ» في (غزوة الفتح) ، وتقدَّم متى كان من شهر رمضان، وتقدَّم أنَّه كان يوم الجمعة، وما وقع من أنَّه يوم الاثنين، كلُّ ذلك تقدَّم قريبًا؛ فانظره إن أردته.

قوله: (فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ [8] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أُخبِر): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (رسولُ): قائم مقام الفاعل، فهو مرفوع.

قوله: (فَرَكِبَ [9] رَاحِلَتَهُ): كان له عليه الصَّلاة والسَّلام ثلاث [10] نوق: العَضْباء، والقَصْواء، والجدعاء، وهل هنَّ ثلاث أو اثنتان أو واحدة؟ فيه خلاف (والذي يظهر لي أنَّهن اثنتان) [11] ، والله أعلم.

قوله: (إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مكَّة الْفِيلَ أَوِ الْقَتْلَ): قال ابن قُرقُول: («وحبس عن مكَّة الفيل» [كذا لابن السَّكن] [12] في «باب لقطة مكَّة»، ولغيره: «القتل»؛ ذكره في الحديث الذي في «الحدود»، وفي «كتابة العلم» بالوجهين: قال البخاريُّ: «كذا قال أَبُو نعيم» على الشَّكِّ في ضبط الحرف بالوجهين، وكذا وقع عند الرُّواة كما كتبناه، ثم قال: «الفيل أو القتل»، فبيَّن ما أجمله، ومثله [13] لأبي ذرٍّ، ثمَّ قال: «وغيره يقول: الفيل»؛ يعني: من غير شكٍّ، وبالفاء رواه مسلم من غير خلاف عند كافَّة شيوخنا إلَّا أنَّه كان في كتاب التميميِّ بالوجهين في حديث إسحاق، قال القاضي: وهذا هو الوجه إن شاء الله تعالى؛ يعني: من أنَّه بالفاء، وخبر حبس الفيل مشهور، وقد قال في ناقته: «حبسها حابس الفيل») انتهى.

فائدة: الفيل المحبوس عن دخول مكَّة لحربها اسمه محمود.

[تنبيه: في أصلنا القاهريِّ: قال أَبُو عَبْد الله: كذا قال أَبُو نعيم، واجعلوا عَلَيَّ الشَّكَّ، فـ(عليَّ): جار ومجرور، و (الشَّكُّ): منصوب مفعول] [14] ، [وفي أصلنا أيضًا: (وغيره يقول: الفيل) ؛ يعني: غير أبي نعيم يقول: الفيل؛ يعني: بالفاء وبالمثنَّاة تحت؛ يعني: ولم يشكَّ] [15] ، [وفي أصلنا الدمشقيِّ: (شكَّ أَبُو عَبْد الله) ، فالشَّاكُّ في هذه النُّسخة هو البخاريُّ، والله أعلم] [16] .

قوله: (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ): تقدَّم أنَّها من أوَّل النَّهار إلى العصر كما في «الأموال» لأبي عبيد، (وكذا في «مسند أحمد») [17] .

قوله: (لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا [18] ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، [و (شوكها): بالرَّفع قائم مقام الفاعل؛ أَيْ [19] : لا يُقطَع.

قوله: (وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله] [20] ، و (شجرها): بالرَّفع قائم مقام الفاعل، ومعنى (يُعضَد): يُقطَع، وقد تقدَّم.

قوله: (وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا [21] ): (تُلتقط): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (ساقطتُها) [22] : بالرَّفع قائم مقام الفاعل. [/ج1ص62/]

قوله: (إِلَّا لِمُنْشِدٍ): هو اسم فاعل؛ يعني: لقطة مكَّة، قيل: لمُعرِّف يعرِّف بها؛ أي: لا يحلُّ منها إلَّا إنشادها، وإن تمَّت السَّنة عنده بخلاف غيرها، وقيل: المُنشِد ههنا الطَّالب.

وحَكى الحربيُّ بين أهل اللُّغة اختلافًا في النَّاشد والمنشد؛ منهم من يقول كما تقدَّم، ومنهم من يعكس ذلك، ولكلٍّ حجَّة من الحديث والشِّعر، قاله ابن قُرقُول، وقال ابن الأثير في «نهايته»: (يقال: نشدت الضَّالة، فأنا ناشد؛ إذا طلبتها، وأنشدتها، فأنا مُنشِد؛ إذا عرَّفتها) .

قوله: (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ [23] ): أي: خير الأمرين؛ يعني: القصاص أو الدِّية أيَّهما اختار؛ كان له، وهو معنى قوله: (إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ) .

قوله: (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ): سيأتي أنَّه أَبُو شاهٍ، ولا يُعرَف اسمُه، وهو بالهاء درجًا ووقفًا، وهذا لا خلاف فيه كما قاله النَّوويُّ، وقال شيخنا الشَّارح في (الدِّيات): وخطَّأ السِّلَفيُّ الحافظ في «فضل الفرس» تأليفه من قاله بالتَّاء، وقال: (إنَّه من فرسان الفرس من المرسولين من قبيل كسرى إلى اليمن) انتهى، قال شيخنا الشَّارح: (وعن ابن دحية: أنَّه بالتَّاء منصوبًا) انتهى، وفي «المطالع»: (مصروفًا، ضبطته وقرأته أنا معرفة ونكرة) انتهى، وقد تقدَّم أنَّ النَّوويَّ قال: (إنَّه بالهاء درجًا ووقفًا) ، وهذا لا خلاف فيه، وزاد: (ولا يُعتبَر بكثرة من يصحِّفه ممَّن لا يأخذ العلم على وجهه ومن مظانِّه) ، وقدَّمت ما قاله شيخنا عنِ السِّلَفيِّ.

قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ): هذا الرَّجل المبهم هو العبَّاس بن عبد المطَّلب، كما جاء في رواية أخرى في «الصَّحيح» انتهى.

وقال ابن شيخنا البلقينيِّ بعد أن ذكر أنَّه العبَّاس: (وفي «مصنَّف ابن أبي شيبة»: أنَّ القائل: «إلَّا الإذخر»: اسمه شاه، وفي «أسد الغابة» في «الميم»: أنَّ اسمه ميناء؛ بميم بعدها [24] مثنَّاة تحت، ثمَّ نون، أخرجه أَبُو موسى، وقال: ولعلَّه تصحيف) انتهى.

وفي «تجريد الذَّهبيِّ»: (شاه) ، والصَّحيح: أَبُو شاه الذي قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «اكتبوا لأبي شاه».

قوله: (إِلاَّ الإِذْخِرَ): هو -بكسر الهمزة، ثمَّ ذال [25] ساكنة، ثمَّ خاء [26] مكسورة معجمتين [27] ، ثمَّ راء- نبت طيِّب الرِّيح، يضيف إليه أهلُ مكَّة شيئًا آخر، ويغسلون به أيديهم عوض الأشنان، وكذا رأيته [28] بالمدينة المشرَّفة، وغسلت به يديَّ بعد الطَّعام.

[1] (أبي): ليس في (ب) .
[2] في هامش (ق): (شيبان بن معاوية بن عبد الرحمن النحوي المؤدب البصري، مات ببغداد سنة أربع وستين ومئة في خلافة المهدي، النحوي هذا: نسبة إلى قبيلة؛ وهم ولد النحو بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زادان، وليس في هذه القبيلة من يروي الحديث سوى شيبان هذا ويزيد بن أبي سعيد، روى له مسلم وأبو داود، وأمَّا ما عداهما؛ فنسبة إلى النحو علم العربية؛ كأبي عمرو بن العلاء النحوي وغيره) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[4] في (ج): (والعلماء) .
[5] في (ج): (هي) .
[6] (بها): ليس في (ب) .
[7] في النسخ: (الأثوع) ، والمثبت موافق لما في «التوضيح» (3/*) .
[8] في «اليونينيَّة»: (النبي) .
[9] (فركب): ليس في (ب) .
[10] (ثلاث): ليس في (ج) .
[11] ما بين قوسين ليس في (ب) و (ج) .
[12] ما بين معقوفين ليس في النسخ، وهو مستفاد من «مطالع الأنوار» (*) .
[13] في النسخ: (ومنه) ، والمثبت من «المطالع».
[14] ما بين معقوفين سقط من (ج) ، وزيد في (ب): (سواها) .
[15] ما بين معقوفين سقط من (ب) و (ج) .
[16] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[17] ما بين قوسين ليس في (ب) و (ج) .
[18] في (ب): (شجرها) .
[19] (أي): ليس في (ج) .
[20] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[21] في (ج): (ساقطها) .
[22] في (ج): (وساقطها) .
[23] في (ج): (النَّظر) .
[24] في (أ) و (ب): (بعد) .
[25] زيد في (ب): (معجمة) .
[26] زيد في (ب): (معجمة) .
[27] (معجمتين): ليس في (ب) .
[28] في (ج): (رأيت) .





112- (وَسلطَ): بالبناءِ للفاعل، أو المفعولِ.

(وَالمُؤْمِنُونَ): بالواو، فإِنْ بُنِيَ (سُلِّطَ) للمفعول؛ فهو عطفٌ على نائبِ الفاعل، وإلَّا؛ فمبتدأٌ؛ أي: والمؤمنونُ كذلك.

(أَلَا وَإِنَّهَا): (أَلَا) لها صدرُ الكلام، والمناسبُ أنْ يُقالَ بدونِ الواو؛ نحو: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ} [البقرة: 12] ، لكنَّه هو عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: أَلَا إِنَّ اللهَ حَبَسَ عنها... وإنَّها لم تحِلَّ لأحدٍ.

(سَاعَتِي هَذِهِ): [أي: في ساعتي التي أتكلَّمُ فيها، وهي بعدَ الفتح] .

(حَرَامٌ): خبرٌ لقوله: (إِنَّهَا).

إنْ قلتَ: ما بالُ الخبرِ ليس مطابقًا للمبتدأ؟

قلتُ: لفظُ (حَرَامٌ) وإنْ كان في الأصل صفةً مشبَّهةً، لكنَّه اضمحلَّت [1] وَصْفِيَّتُه؛ لغلبةِ الاسميَّة عليه، فتساوى التَّذكيرُ والتَّأنيثُ فيه، أو أنَّه مصدرٌ يستوي فيه التَّذكيرُ والتَّأنيثُ، والتَّثنيةُ والجمعُ.

تنبيه: قولُه: (لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي) في بعض النُّسخ: (لَمْ تَحِلَّ)، وهو مشكلٌ؛ لأنَّ (لَمْ) تقلبُ إلى المُضِيِّ؛ فهو تباينٌ بعيدٌ إلَّا أنْ يؤوَّلَ بأنَّه لم يحكمِ اللهُ في الماضي أنْ تحِلَّ في المستقبل.

(يُقَادَ): بالبناءِ للمفعول، يُقال: أقدتُ القاتلَ بالمقتول، فالنَّائبُ عن الفاعل ضميرٌ يعودُ للمقتول؛ أي: يؤخذُ له القودُ.

(أَهْلُ): بالرَّفعِ، فيه تنازعُ الفعلين (يُعْقَلَ) و (يُقَادَ).

(إِلَّا الْإِذْخِرَ): يجوزُ رفعُه على البدل ممَّا قبلَه، ونصبُه على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النَّفي، قاله الزَّركشيُّ.

[1] في النسختين تبعًا لـ«الكواكب الدراري»: (اضمحل).





112- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بضمِّ الدَّال المُهمَلَة، وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ)؛ بفتح المُعجَمَة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن عبد الرَّحمن، النَّحويُّ المؤدِّبُ، البصريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة أربعٍ وستِّين ومئةٍ في خلافة المهديِّ، (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ صالح بن المتوكِّل، الطَّائيِّ، مولاهم العطَّار، أحد الأعلام الثِّقات العُبَّاد، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وللمؤلِّف في «الدِّيات» [خ¦6880] : حدَّثنا أبو سلمة قال: حدَّثنا أبو هريرة: (أَنَّ خُزَاعَةَ)؛ بضمِّ الخاء المُعجَمَة، وبالزَّاي، غير مصروفٍ [1] ؛ للعلميَّة والتَّأنيث؛ وهم حيٌّ من الأزد، (قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ)، في السِّيرة: أنَّ خراش بن أميَّة الخزاعيَّ قتل جندب بن الأقرع الهذليَّ بقتيلٍ قُتِل في الجاهليَّة يُقال له: أحمرُ، وعلى هذا فيكون قوله: «أنَّ خزاعة قتلوا»؛ أي: واحدًا منهم، فأُطلِقَ عليه اسم «الحيِّ» مجازًا، (فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة، وكسر المُوحَّدة (بِذَلِكَ النَّبِيُّ) بالرَّفع نائبٌ عنِ الفاعل، (صلى الله عليه وسلم، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ)؛ النَّاقة التي تصلح أن يُرحَل عليها، (فَخَطَبَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، (فَقَالَ: إِنَّ اللهَ) عزَّ وجلَّ (حَبَسَ)؛ أي: منع (عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ) بالقاف المفتوحة، والمُثنَّاة الفوقيَّة (أَوِ الْفِيلَ)؛ بالفاء المكسورة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة: الحيوان المشهور، (شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي البخاريّ، وسقط قوله: ((شَكَّ أبو عبد الله)) عند أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ، وللأربعة: ((قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نُعيمٍ))؛ هو الفضل بن دُكَينٍ، وأراد به أنَّ الشَّكَّ فيه من شيخه [2] ، ((واجعلوا))؛ بصيغة الأمر، وللأَصيليِّ: ((واجعلوه))؛ بضمير النَّصب؛ أي: اجعلوا اللَّفظ ((على الشَّكِّ: الفيل _بالفاء_ أوِ القتل _بالقاف_، [/ج1ص203/]

_وغيره))؛ أي: غير أبي نُعيمٍ ممَّن رواه عن الشَّيبانيِّ رفيقًا لأبي نُعيمٍ؛ وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا لشيبان، وهو حرب بن شدَّادٍ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في «الدِّيات» [خ¦6880] _، ((يقول: الفيل)) _بالفاء_ من غير شَكٍّ، والمُرَاد بـ: «حبس الفيل»: أهل الفيل الذين غزَوا مكَّة، فمنعها الله تعالى منهم؛ كما أشار إليه تعالى في القرآن، وهذا [3] تصريحٌ من المصنِّف بأنَّ الجمهور على رواية «الفيل»؛ بالفاء، وفي بعض النُّسخ ممَّا ليس في «اليونينيَّة» [4] : ((إنَّ الله حبس عن مكَّة القتل أو الفيل؛ كذا قال أبو نُعيمٍ، واجعلوا على الشَّكِّ: القتل أو الفيل))، وفي روايةٍ: ((قال محمَّد))؛ أي: البخاريَّ: ((وجعلوه))؛ أي: الرُّواة ((على الشَّكِّ، كذا قال أبو نُعيم: الفيل أو القتل))، وقال البرماويُّ كالكرمانيِّ: ((الفتك))؛ بالفاء والكاف؛ أي: سفك الدَّم على غفلةٍ؛ أي: بدل القتل، ووجهه ظاهرٌ، لكن لا أعلمه رُوِيَ كذلك، ولا يبعد أن يكون تصحيفًا، ثمَّ عطف على السَّابق قوله: (وَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ) بضمِّ السِّين بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ) نائبٌ عنِ الفاعل، (صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنونَ)؛ رُفِعَ بالواو، عطفٌ عليه، كذا في رواية أبي ذَرٍّ، ولغيره: ((وسَلَّط))؛ بفتح السِّين؛ أي: الله ((عليهم رسولَ الله)): مفعوله، ((والمؤمنين))؛ نُصِبَ بالياء، عطفٌ عليه، (أَلَا)؛ بفتح الهمزة مع [5] تخفيف اللَّام، إنَّ الله قد حبس عنها، (وَإِنَّهَا) ولأبي ذَرٍّ: ((فإنَّها)) بالفاء (لَمْ تَحِلَّ) بفتح أوَّله، وكسر ثانيه (لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ)، بضمِّ اللَّام، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ولم تحلَّ)) (لأَحَدٍ بَعْدِي)، واستُشكِلت هذه الرِّواية؛ فإنَّ «لم» تقلبُ المضارع ماضيًا، ولفظ «بعدي» للاستقبال، فكيف يجتمعان؟ وأُجِيب: بأنَّ المعنى: لم يحكم الله في الماضي بالحلِّ في المُستقبَل، (أَلَا) بالتَّخفيف مع الفتح أيضًا (وَإِنَّهَا)؛ بالعطف على مُقدَّرٍ كالسَّابقة، (حَلَّتْ [6] لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا) بالتخفيف أيضًا (وَإِنَّهَا) بواو العطف كذلك (سَاعَتِي)؛ أي: في ساعتي (هَذِهِ) التي أتكلَّم فيها بعد الفتح، (حَرَامٌ)؛ بالرَّفع على الخبريَّة؛ لقوله: إنَّها؛ أي: مكَّة، واستُشكِل: بكون «مكَّةَ» مُؤنَّثَةٌ، فلا تَطابقَ بين المُبتدَأ والخبر المذكور، وأُجِيب: بأنَّه مصدرٌ في الأصل، يستوي فيه التَّذكير والتَّأنيث، والإفراد والجمع، (لَا يُخْتَلَى)؛ بضمِّ أوَّله وبالمُعجَمَة؛ أي [7] : لا يُقطَع ولا يُجَزُّ (شَوْكُهَا) إلَّا المؤذي؛ كالعوسج، واليابس؛ كالحيوان المؤذي والصَّيد الميت [8] ، (وَلَا يُعْضَدُ)؛ بضمِّ أوَّله، وفتح ثالثه المُعجَم؛ أي [9] : لا يُقطَع (شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ) [10] بالبناء للمفعول (سَاقِطَتُهَا)؛ أي: ما سقط فيها بغفلة مالكه (إِلَّا لِمُنْشِدٍ)؛ أي: معرِّفٍ، فليس لواجدها غير التَّعريف، ولا يملكها، هذا مذهبنا، كذا في «الأصل»، (فَمَنْ قُتِلَ)؛ بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه؛ أي: قُتِلَ له قتيلٌ، كما في «الدِّيات» عند المصنِّف [خ¦6880] ؛ (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ)؛ أي: أفضلهما، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((بخيرٍ))؛ بالتَّنوين، وإسقاط: ((النَّظرين))، وفي نسخة الصَّغَّانيِّ: ((فمن قُتِلَ له قتيلٌ))، وصُحِّح على قوله: «له قتيلٌ» [11] ، كذا قدَّر المحذوف هنا الحافظ ابن حجرٍ كالخطَّابيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه يلزم منه حذف الفاعل، وقال البرماويُّ: أي: المستحقُّ لِدِيَتِه مخيَّرٌ [12] ، وهو معنى قول البدر الدَّمامينيِّ: يمكن جعل الضَّمير من قوله: «فهو» عائدًا إلى الوليِّ المفهوم من السِّياق، وقال العينيُّ: التَّحقيق: أن يُقدَّر فيه مُبتدَأٌ محذوفٌ، وحذفه سائغٌ، والتَّقدير: فمن أهله قُتِلَ؛ فهو بخير النَّظرين، فـ: «مَنْ»: مبتدأٌ، و«أهلُه قُتِلَ»: جملةٌ من المُبتدَأ والخبر وقعت صلةً للموصول، وقوله: «فهو»: مُبتدَأٌ، وقوله: «بخير النَّظرين» خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوَّل، والضَّمير في «قُتِلَ» يرجع إلى «الأهل» المُقدَّر، وقوله: «هو» يرجع إلى «مَنْ»، و«الباء» في «بخير النَّظرين» مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: فهو مرضيٌّ بخير النَّظرين، أو عاملٌ أو مأمورٌ، (إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ)؛ أي: يُمكَّن (أَهْلُ الْقَتِيلِ) من القتل [13] ، يُقَال: أقدت القاتل بالمقتول؛ أي: اقتصصته منه، فالنَّائب عن الفاعل ضميرٌ [14] فيه يعود للمفعول؛ أي: يُؤخَذ له القَوَدُ أو نحو ذلك، وبهذا يزول الإشكال؛ إذ لولا التَّقدير؛ كان المعنى: وإمَّا أن يُقتَل أهل القتيل، وهو باطلٌ، قال الدَّمامينيُّ: ولعل معنى «يُقَاد»: يُمكَّن من القَوَد؛ وهو القتل؛ أي: وإمَّا أن يُمكَّن أهلُ القتيل مِنَ القَوَد، فيستقيم المعنى [15] ، والفعلان مبنيَّان للمفعول، وهمزة «إمَّا» التَّفصيليَّة مكسورةٌ، و«أنِ» المصدريَّة مفتوحةٌ في الأربعة، (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ)؛ هو أبو شَاهٍ؛ بشينٍ مُعجَمَةٍ، وهاءٍ منوَّنةٍ، كما في «فتح الباري»، (فَقَالَ: اكْتُبْ لِي)؛ أي: الخطبة التي سمعتها منك (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (اكْتُبُوا لأَبِي [/ج1ص204/] [/ج1ص205/] فُلَانٍ)؛ أي: لأبي شَاهٍ، (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ)؛ هو العبَّاس بن عبد المُطَّلِب: قل يا رسول الله: «لا يُختلَى شوكُها ولا يُعضَدُ شجرُها»، (إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ بكسر الهمزة، وسكون الذَّال، وكسر الخاء المُعجَمَتين؛ وهو نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة، ويجوز فيه: الرَّفع على البدل من السَّابق، والنَّصب على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النَّفي، (فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا) للسَّقف فوق الخشب، أو يخلط بالطِّين؛ لئلَّا ينشقَّ [16] إذا بُنِيَ به، (وَقُبُورِنَا)؛ نسدُّ به فُرَجَ اللَّحد المتخلِّلة بين اللَّبِنَات، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بوحيٍ في الحال أو قبل ذلك، أو أنَّه إن طلب منه أحدٌ استثناء شيءٍ منه فاستثنه (إِلَّا الإِذْخِرَ) وللأَصيليِّ [17] : ((إلَّا الإِذْخِرَ _مرَّتين_))، فتكون الثَّانية للتَّأكيد، وفي «فرع اليونينيَّة» هنا زيادةٌ؛ وهي: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريّ: (يُقَالُ: يُقَادُ؛ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ [18] : كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ)، وليس هذا التَّفسير عند أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر.

[1] (ب) و(س): «منصرف».
[2] قوله: «وأراد به أنَّ الشَّكَّ فيه من شيخه»، سقط من (د).
[3] في (د): «وهو».
[4] قوله: «ممَّا ليس في «اليونينيَّة»»، سقط من (ص).
[5] في (ب) و(س): «و».
[6] في (ب) و(س): «أحلت».
[7] في (ص): «إذ».
[8] «والصَّيد الميت»: سقط من (م).
[9] في (ص): «الذي».
[10] في (ص) و(م): «يلتقط»، وهو خطأ.
[11] قوله: «ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بخيرٍ»... وصُحِّح على قوله: «له قتيلٌ»»، سقط من (د).
[12] في (ب) و(س): «بخير»، وفي (د): «بخير النَّظرين».
[13] في (م): «القاتل».
[14] زيد في (م): «فيه».
[15] قوله: «قال الدَّمامينيُّ: ولعل معنى... فيستقيم المعنى»، سقط من (د) و(ص).
[16] في (ص) و(م): «يتشقَّق».
[17] قوله: «بوحيٍ في الحال أو قبل ذلك... فاستثنه (إِلَّا الإِذْخِرَ) وللأَصيليِّ»، سقط من (ص).
[18] في (ب) و(س): «فقال».





112- ( دُكَيْنٍ ): بضمِّ الدَّال المهملة.

( وَغَيْرهُ ) أي: ممَّن رواه عن شيبان كعبيد الله بن موسى، أو عن يحيى كحرب بن شدَّاد.

( يَقُوْلُ الْفِيلَ ): بالفاء، والمراد: حبس أهله لمـَّا قدموا به مكَّة لغزوها، وإرسال الأبابيل عليهم مع كون أهلها إذ ذاك كفَّارًا، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد.

( وَسُلِّطَ ): بضمِّ أوَّله ورفع ( رسوله والمؤمنون ).

( وَلاَ تَحِلُّ ) للكُشْمِيهنيِّ: «ولم»، وفي اللُّقطة: «ولن». [خ:2434]

( لاَ يُخْتَلى ): بالخاء المعجمة: لا يحصد.

( شَوْكُهَا ) ذكره للدَّلالة على منع غيره بطريق الأَولى.

( إِلاَّ لِمُنْشِدٍ ) أي: مُعرِّف.

( فَمَنْ قُتِلَ ) زاد في الدِّيات: «له قتيل». [خ:6880]

( يُعْقَلَ ): بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه: يُودِي.

( يُقَادَ ): بالقاف، أي: يقتصَّ، ولمسلم: «إمَّا أن يقتل وإمَّا أن يفادي».

( فَجَاءَ رَجُلٌ ): هو أبو شاهٍ، بهاء منوَّنة.

( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ): هو العبَّاس بن عبد المطلب.

( إِلَّا الإِذْخِرَ ): بالنَّصب، ويجوز رفعه بدلًا، وذاله معجمة: نبت طيِّب الرِّيح له أصلٌ مُندفن، وقضبان دقاق ينبت في السَّهل والحَزْن، وأهل مكَّة يسقِفون به البيوت بين الخشب، ويسدُّون به الخلل بين اللَّبنات في القبور، ويستعملونه بدلًا من الحلفاء في الوقود. [/ج1ص273/]


32/112# قال أبو عبد الله: حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ، حدَّثنا شَيْبانُ [1] ، عن يَحْيَىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ _عامَ فَتْحِ مَكَّةَ_ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ [2] ، فَأُخْبِرَ بِذلكَ النَّبِيُّ [3] صلى الله عليه وسلم ، فَخَطَبَ، وقالَ: «إِنَّ اللهَ عز وجل حَبَسَ عن مَكَّةَ القَتْلَ _أَوِ الفِيلَ [4] ، شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ [5] _ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّها لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، ولَا تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، ألَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ [6] ، ألَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ [7] ، لا يُخْتَلَىَ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ [8] ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ [9] : إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فقالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فقالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ». فقالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ في بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فقالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ».

قوله: (لا يُخْتَلَى شوكُها) إنَّما جاء في سائر الروايات: «لا يُختلى خلاها» [10] والخَلا: الحشيش، ومنه سُمِّيت المِخْلَاة [11] ، وأمَّا الشَّوك فإنَّ أكثر أهل العلم على إباحته، ويُشبه أن يكون المحظور منه الشوكُ [12] الذي يرعاه الإبل، وهو ما رَقَّ منه دون الشوك الصُّلب الذي لا يرعاه، فيكون ذلك بمنزلة الحَطَب ونحوه.

وقوله: (إلَّا لمنشد) أي: لِمُعَرِّف لها؛ يقال: نشدْتُ الضالَّة: إذا طلبتها. وأنشدتها [13] : إذا عرَّفتها.

وكان بعض أهل العلم [14] يذهب إلى التفرقة بين ضالَّة الحَرَم وغيرها من البقاع، فيقول: لا تَحِلُّ لقطتها لآخذها بعد تعريف السنة كما تَحلُّ لقطة غيرها من البقاع، يقول: إنَّما حظُّ آخذها منها الحِفظ والتعريف حتَّى تصل إلى ربِّها، وأكثر أهل العلم على الجمع في هذا الحكم بين لقطتها ولقطة سائر البقاع، إذا أنشدها [15] سنة حَلَّت لآخذها [16] بعد السنة في مذهب أهل [17] الحجاز، ويتصدَّق

@%ص48%

بها على مذهب أهل العراق.

وقوله: (مَنْ قُتل فهو يُخير) هكذا وقع في روايته، وفيه حَذفٌ ونُقصان، وبيانُ ذلك في سائر الأحاديث، وهو ما رواه أبو شُريح الخُزاعيُّ قال: «مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخير النَّظرين، إمَّا أن يُعقَلَ وإمَّا أنْ يُقَادَ» [18] .

وفيه بيانٌ أنَّ وليَّ القتيل بالخيار بين أحد الأمرين، أيُّهما شاء أُعطيه، وإلى ذلك ذهب فقهاء أهل الحجاز، وقال أهلُ العراق: ليس له إلَّا القِصاصُ، فإنْ تَرَكَ حَقَّه منه لم يكن له أن يأخذَ الدِّية.

وفي قوله: (اكتب لي يا رسول الله) وأمُره بأن يُكتب له دليلٌ على أنَّ كتابةَ الحديثِ غيرُ مكروهةٍ [19] ، وأنَّ النَّهيَ عن كتابِ شيءٍ غيرِ القرآن منسوخٌ.

[1] في (ط): (سفيان) تصحيفاً.
[2] في (ط): (خلوة).
[3] في (أ): (رسول الله).
[4] في (ط): (القتل أو القتل).
[5] في النسخ الفروع: (شك البخاري)
[6] قوله: (ألَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) سقط من النسخ جميعها. والمثبت من الصحيح.
[7] في (ط): (لحرام).
[8] في (ط): (إلا المفسد).
[9] في (ط): (يُخْبَرُ).
[10] الرواية في البخاري رقم (1834)، عن ابن عبَّاس.
[11] (المخلاة) ما يوضع فيها من الحشيش (التاج_ خلا_).
[12] (فإن أكثر... الشوك) سقط من (ط).
[13] في (ط): (وأسيدتها).
[14] في (ط): (أهل اللغة).
[15] في (ط): (اشتدها).
[16] (حلت لآخذها) سقط من (ط).
[17] في (ط): (عند أهل) وفي النسخ الفروع: (على مذاهب أهل).
[18] رواه البخاري عن أبي هريرة رقم (6880).
[19] في (ط): (غير مكروه).





لا تتوفر معاينة

112# البخاري حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ، ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ _ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ _ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ،

@%ص216%

فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ _ كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ _ وَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنونَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ».

فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلاَنٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ».

الشرح:

الصواب ما جاء في الرواية الأخرى: «فمن قتل له قتيل» [1].

وهذا الحديث أخرجه هنا وفي «الديات» عن أبي نعيم، عن شيبان، وفي «اللقطة» عن يحيى بن موسى، عن الوليد، عن الأوزاعي، وفي «الديات»: وقال عبد الله بن رجاء: ثنا حرب.

وأخرجه مسلم في «المناسك»: عن زهير وعبيد الله بن سعيد [2]، عن الوليد، عن الأوزاعي، وعن إسحاق بن منصور، عن عبيد الله بن موسى [3]، عن شيبان، ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به.

قوله: «أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ _ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ _» وفي البخاري أيضاً: «لما كان الغد من يوم الفتح»، ثم قال: «بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ في الجاهلية».

وعند ابن إسحاق: «بقتيل منهم قتلوه وهو مشرك»، وذكر القصة، وهو أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأكوع الهذلي، وهو مشرك، بقتيل قتل في الجاهلية، يقال له: أحمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :

@%ص217%

«يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، لقد قتلتم قتيلاً لأدينَّه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين» وذكر الحديث.

وقال الدارقطني: فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنتُ قاتل مسلم بكافر لقتلت خراشاً بالهذلي».

قال بعضهم: لو كان القتل قبل الإسلام لهدره النبي صلى الله عليه وسلم كما هدر دماء الجاهلية.

هذا الحديث تقدم جملة من معناه من رواية أبي شريح الخزاعي في «باب: ليبلغ الشاهد الغائب»، وهو وحديث أبي هريرة هذا كانا في فتح مكة.

قوله: «الفِيلَ أَوِ القَتْلَ» قيل الصواب: الفيل بالفاء، والمراد بحبس الفيل: أهل الفيل.

ويجوز أن يكون المراد حبس الفيل نفسه، كما ورد في قصة الفيل، وقصته مشهورة.

قوله: «فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ» فيه: دليل أن الخطبة تستحب أن يكون على موضع عال، منبر أو غيره، في جمعة وغيرها.

قوله: «وَسُلِّطَ عَلَيْها رَسُولُه صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنونَ» استدل به من يرى أن مكة فتحت عنوة، وأن التسليط الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مقابل بالحبس الذي وقع لأصحاب الفيل، وهو الحبس عن القتال، وقد تقدم في حديث أبي شريح أن هذا قول الجمهور.

وقال الشافعي: فتحت صلحاً.

واستدل الجمهور بقوله في حديث أبي شريح: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وهذا يقتضي وجود القتال مع ما يأتي من التصريح بوقوع القتال، وبقوله في هذا الحديث: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنون»، وبقوله: «وإنها لا تحل لأحد بعدي وإنما

@%ص218%

أحلت لي ساعة من نهار».

وبما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة في فتح مكة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الزبير على إحدى المجنبتين، وخالداً على الأخرى، وأبا عبيدة على الحُسَّر، ووبَّشت قريشٌ أوباشها، وقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، ففطن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، فقال: يا أبا هريرة اهتف بالأنصار، وقال بيده على الأخرى: احصدوهم حتى توافوني على الصفا، قال أبو هريرة: فانطلقنا فما منا أحد شاء أن يقتل أحداً منهم إلا قتله، قال أبو سفيان: أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، وأغلق الناس أبوابهم، وذكر الحديث.

والحديث عند مسلم وهذا مختصره.

واحتجوا بقوله: «أبيدت خضراء قريش»، وبقوله: «احصدوهم»، وبقوله: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، ولو كانوا آمنين كلهم لم يحتج إليه.

وبحديث أم هانئ وأجيرها، فكيف يخفى على علي رضي الله عنه، وكيف يحتاج إلى أمان أم هانئ بعد الصلح.

قال النواوي: واحتج الشافعي بالأحاديث المشهورة أن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم بمر الظهران قبل دخولهم مكة، وأما استدلالهم بقوله: «احصدوهم» وما ذكر معه فالجواب عنه: أن ذلك إنما كان في حق من أظهر القتال من كفار مكة، والأمان أيضاً محمول على زيادة احتياط.

وأما استدلالهم بقوله: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم» فالجواب عنه: أن المعنى أن القتال كان

@%ص219%

جائزاً له لو احتاج إليه.

ومما احتج به الشافعي أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسم مكة كما قسم غيرها من البلاد، ولا جعلها فيئاً، ومنَّ عليهم وترك لهم أموالهم وأراضيهم وذراريهم.

قال أبو الحسن بن بطال: لا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم منَّ على أهل مكة وعفا عن أموالهم كلها، قال: وذهب مالك والكوفيون إلى أن الغانمين لا يملكون الغنائم ملكاً مستقراً بنفس الغنيمة؛ بل يجوز للإمام أن يمنَّ ويعفو عن جملة الغنائم كما منَّ على أسارى وهم من جملة الغنائم.

قوله: «وأنها أحلت لي ساعة من نهار ولا تحل لأحد بعدي»، قال الطحاوي: الذي أحل له عليه السلام وخُصَّ به دخوله مكة بغير إحرام، ولا يجوز لأحد يدخله بعد النبي صلى الله عليه وسلم بغير إحرام، وهو قول ابن عباس والقاسم والحسن البصري، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، ولمالك والشافعي قولان فيمن لم يرد الحج والعمرة.

ففي قول: يجوز، وفي قول: لا يجوز إلا للحطابين وشبههم، وقال الطبري: الذي أحل للنبي صلى الله عليه وسلم قتال أهلها ومحاربتهم لأنه لما فرغ من أمر المشركين [4] أخبر أنها لا تحل لأحد بعده.

قوله: «لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا» وفي بعض الطرق: «ولا يعضد شوكه»، وفي بعضها: «ولا يخبط شوكها»، ومعنى الجميع متقارب، يقال: خليت الخَلَى أخليه، إذا قطعه وجذه، والمِخلى: ما يجذ به الخَلَى، والمِخْلى أيضاً ما يجعل فيه الخَلَى.

قال الخطابي: أكثر العلماء على إباحة الشوك المؤذي، ويشبه أن كون المحظور ما يرعاه الإبل، وهو ما رق منه دون الصلب الذي لا ترعاه، فيكون ذلك كالحطب وغيره.

@%ص220%

وقال بعضهم: يحرم الشوك المؤذي وغيره، أخذاً بطاهر الروايات، وقيل: لا يحرم الشوك لأذاه كالفواسق، وصاحب هذا القول يخص هذا الحديث بالقياس ويحمله على غير المؤذي.

قوله: «وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا» قال النواوي: اتفق العلماء على تحريم قطع شجر الحرم مما [لا] [5] ينبته الآدميون في العادة، وعلى تحريم خلاه، والخَلَى بفتح الخاء مقصور؛ الرَّطْبُ من الكلأ، واختلفوا فيما ينبته الآدميون.

قال: وكذلك اختلف أصحاب الشافعي فمنهم من خص المنع بالأول، وهو بما لم يستنبت، ومنهم من منع الجميع، وهو الصحيح من مذهبه.

قوله: «وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» وجاء: «ولا تحل لقطتهما إلا لمنشد»، و«لا تلتقط لقطتها إلا من عرفها»، و«لا يلتقط لقطتها إلا معرِّف».

قال أبو عبيد: المنشد المعرف، وأما الطالب فيقال له: ناشد، يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرفتها، وأصل الإنشاد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر، والمعنى على هذا: لا تحل لقطتها لمن يريد أن يعرفها سنة ثم يتملكها كسائر البلاد؛ بل لا تحل إلا لمن يعرفها أبداً، وبه قال الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيد.

قال عبد الرحمن بن مهدي: قوله «إلا لمنشد» يريد لا تحل البتة، فكأنه قيل له: إلا لمنشد، فقال: «إلا لمنشد»، أي لا يحل له منها إلا إنشادها، فيكون ذلك مما اختصت به مكة كما اختصت بأنه حرام، وأنه لا ينفر صيدها وبغيرهما من الأحكام.

وقال مالك: حكمها حكم لقطة سائر البلاد، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، قال ابن القصار المالكي [6]: وعلى هذا معنى الحديث أنه لا يكتفي بالموسم الذي التقطت فيه؛ بل لا بد من تعريفها سنة كغيرها.

قال المازري: معناه المبالغة في التعريف؛ لأن الحاجَّ قد لا يعود

@%ص221%

إلا بعد أعوام، فتدعو الضرورة لإطالة التعريف، بخلاف غيرها من البلاد، لأن الناس ينتابون إلى مكة.

وقال آخر: جاء الحديث ليقطع وهم من يظن أنه يستغني عن التعريف فيها؛ إذ الغالب أن الحجيج إذا تفرَّقوا مشرِّقين ومغرِّبين ومدت المطايا أعناقها، فيقول القائل: لا حاجة إلى التعريف، فذكر صلى الله عليه وسلم أن التعريف فيها ثابت كغيرها من البلاد.

ومنهم من قال: التقدير إلا من سمع ناشداً يقول: من أضل كذا، فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها ليردها على صاحبها، وهذا مروي عن إسحاق بن راهويه، والنضر بن شميل.

وقيل: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها، قال أبو عبيد: هو جيد في المعنى، لكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب منشد.

قلت: قال بعضهم: الناشد الطالب، والمنشد المعرف [7]، فيصح هذا التأويل على هذا التقدير.

قال القاضي عياض في المشارق: ذكر الحريري اختلاف أهل اللغة في الناشد والمنشد، وأن بعضهم عكس فقال: الناشد المعرف والمنشد الطالب، واختلافهم في تفسير الحديث بالوجهين.

قوله: «فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» الصواب: «فمن قتل له قتيل»، كما جاء مبيناً في البخاري ومسلم كما تقدم نقله.

قوله: «إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ» وقال فيه في «الديات»: «فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما يودي أو يقاد»، قال: «وقال عبيد الله: وأما أن يقاد أهل القتيل».

وفي مسلم: «إما أن يُفدَى أو يقتل [8]»، وفي رواية له: «إما أن يعطي _ يعني الدية _ وإما أن يقاد أهل القتيل».

وفي «سنن» أبي داود: «إما أن يأخذوا العقل أو يقتلوا» ، وهو أبينها فالروايات تفسر بعضها بعضاً.

فقوله في مسلم: «وإما أن يقتل» وقول أبي داود: «أو يقتلوا» مفسران لسائر الروايات.

والقَوَد بالتحريك: القتل، والعقل: الدية، والمعنى: إما أن

@%ص222%

يُعقل أي المقتول بالدية، وإما أن يقاد؛ أي يقتل القاتل.

قال عياض: وقع هنا في «العلم» في جميع النسخ: «وإما أن يقاد» بالقاف، ويوافقه ما جاء في «كتاب الديات»: «إما أن يودى وإما أن يقاد»، وكذلك في مسلم. وحكى بعضهم _ يعني في مسلم _: «يفادى» بالفاء موضع «يقاد»، قال: والصواب الأول وهو القاف لأن على الفاء يختل اللفظ؛ لأن العقل هو الفداء فيحصل التكرار.

قال: والصواب أن القاف مع قوله: العقل، والفاء مع قوله: يقتل، لأن العقل هو الفداء. وأما يعقل مع يفدى أو يفادى فلا وجه له.

وأما تسمية الدية عقلاً لأنه كان الأصل أن العاقل إذا قتل قتيلاً جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي: شدها في عُقُلها ليأخذها، فسميت الدية: عقلاً بالمصدر، يقال: عقل البعير يعقله عقلاً، فكثر استعماله، فقالوا: عقلت البعير: إذا أعطيت ديته.

قال أبو الحسن بن بطال: اختلف العلماء ما لولي المقتول، فقيل: هو بالخيار [إن شاء] [9] اقتص، وإن شاء أخذ الدية، روي ذلك عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال الليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.

وقال آخرون: ليس لولي المقتول عمداً إلا القصاص، ولا يأخذ الدية إلا برضى القاتل، وهو المشهور عن مالك، ورواية ابن القاسم، وبه قال الثوري والكوفيون.

قال: واحتج الأولون بهذا الحديث، وهو نص قاطع، لأنه جعل أخذ الدية أو القود إلى أولياء الدم، وأيضاً فإن عليه إحياء نفسه فلزمت الدية بغير رضاه، قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} [النساء:29] .

وقد أورد البخاري في «باب الديات» عقب إيراده هذا الحديث عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل قصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله

@%ص223%

لهذه الأمة: {كتب عليكم القصاص في القتلى ... فمن عفي له من أخيه شيء} قال ابن عباس: والعفو أن يقبل الدية في العمد، واتباع بالمعروف: أي أن يطلب بمعروف، ويؤدي بإحسان.

ومنهم مَن تأول الحديث أنه عليه السلام حض الولي على أن ينظر: إن كان القصاص خيراً من الدية اقتص، وإن كان أخذ الدية أقرب إلى الألفة وقطع حقد الدماء قبل الدية من غير أن يجبر القاتل، على أن يُعطى الدية [10]، وهو قول المهلب.

قوله: «فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اكْتُبُوا لِأَبِي فُلاَنٍ» وفي مسلم: «فقال الوليد _ يعني ابن مسلم راوي الحديث _ قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم».

جاء مبيناً مسمى في الصحيح أن القائل: «اكتبوا لي» هو أبو شاه، قال عياض: ضبطه بعضهم مصروفاً، وقرأتُه أنا معرفة ونكرة [11].

استدل به البخاري على كتابة العلم، قال عياض: إنما كره من كره من السلف من الصحابة وبعدهم من التابعين كتابة العلم في الصحف وتدوين السنن لأحاديث رويت فيها، منها: حديث أبي سعيد: «استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب فلم يأذن لنا».

وعن زيد بن ثابت: «أمرنا عليه السلام أن لا نكتب شيئاً».

ولئلا يُكتَبَ مع القرآن شيء، وخوف الاتكال على الكتابة، ثم جاءت أحاديث بالإذن في ذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قلت: يريد قول عبد الله: «استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابة ما سمعت منه، قال: فأذن لي، فكتبته»، فكان عبد الله يسمي صحيفته الصادقة.

وقد عقب البخاري عن أبي هريرة قال: «ما كان أحد أكثر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد الله بن عمرو [12]، فإنه كان يكتب ولا أكتب».

قال: وأجازه معظم الصحابة والتابعين، ووقع عليه بعد

@%ص224%

الاتفاق، ودعت إليه الضرورة، لانتشار الطرق وطول الأسانيد، واشتباه المقالات مع قلة الحفظ وكلال الفهم.

قال النواوي: أجابوا عن أحاديث النهي إما بالنسخ فإن النهي كان خوفاً من الاختلاط بالقرآن، فلما اشتهر أمنت المفسدة، أو أن النهي كان على التنزيه لمن وثق بحفظه، والإذن لمن لم يثق بحفظه.

وقوله: «فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ» قلت: جاء مبيناً في البخاري: «فقال العباس: إلا الإذخر لقبورنا وبيوتنا»، وفي بعضها: «لصاغتنا وقبورنا»، فقال: «إلا الإذخر».

وهو بكسر الهمزة والخاء والذال المعجمتين، وهي حشيشة نبت معلوم، طيب الريح، واحده: إذخرة.

والقَيِّن: الحداد، ومنه قوله: «كان خباب قيناً»، والقينة أيضاً المغنية، والقينة الماشطة، وقد استعمل القين هنا في الصائغ، قال القاضي: قولهم لقينهم أي لصاغتهم، وذكر البخاري في «كتاب الجنائز» فيه من حديث ابن عباس فقال: «لصاغتنا وقبورنا» ثم قال: وقال أبو هريرة: «لقينهم وبيوتهم».

قال القاضي: قيل المراد بالبيوت القبور، قال: والأولى أن يكون المراد البيوت المعلومة، لقوله: لقبورنا وبيوتنا [13].

وقيل: كانوا يخلطونه بالطين لئلا يتشقق إذا بني به، كما يفعل بالتبن.

وقيل: كانوا يسقفون به فوق الخشب.

قوله: «فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» هو استثناء من لا يختلى خلاها، فهو استثناء بعض من كل، وقد استدل أهل الأصول بهذا الحديث وشبهه على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متعبداً باجتهاده فيما لا نص فيه، وهو الأصح عندهم، ومنعه بعضهم، وممن قال بالأول: الشافعي وأحمد وأبو يوسف، واختاره

@%ص225%

الآمدي، وصحح الغزالي الجواز وتوقف في الوقوع.

قال ابن الخطيب الرازي: توقف أكثر المحققين في الكل، وجوزه بعضهم في أمر الحروب دون غيره، واستدل من قال بوقوعه بما جاء في هذا، وفي قوله لما سئل: «أحجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ فقال: للأبد، ولو قلت نعم وجبت».

وقوله لابنة النضر بن الحارث بعد قوله: «لو سمعت شعرك ما قتلته».

وبقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر}، وبقوله تعالى في أسارى بدر: {ما كان لنبي} الآيةَ، ولو كان حكم بالنص لما عوتب.

وفي بني قريظة وما جعله عليه السلام لغيره فله أن يفعله، وشبهها من الوقائع.

وأجاب المانعون عن الكل بأنه يجوز أن تقارنها نصوص أو تتقدم عليها بأن يوحى إليه أنه إذا كان كذا فافعل كذا، مثل أن لا تستثني إلا الإذخر حتى يسأل العباس، أو كان جبريل حاضراً فأشار عليه به، وحينئذ يكون بالوحي لا بالاجتهاد.

قال المهلب: يجوز أن الله تعالى أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار، فكان هذا من ذلك الأصل، فلما سأل العباس حكم فيه.

وقال بعضهم في قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران:159] إنه مخصوص بالحرب.

وحديث أبي هريرة هذا انفرد به البخاري عن مسلم، ولم يخرجه البخاري إلا هنا في «كتاب العلم» بهذا السند، وعمرو هو ابن دينار.

وفي السند الأول: مطرف بن طريف، أبو بكر، وقيل: أبو عبد الرحمن الحارث الكوفي، نسبه إلى بني الحارث بن كعب بن عمرو، ويقال: الخارفي نسبة إلى خارف بن عبد الله بالخاء المعجمة والفاء.

@%ص226%

في «العلم»، و«السير»، و«الأضاحي»، و«التفسير»، و«ذكر أيام الجاهلية»، عن الثوري، وابن عيينة، وابن فضيل، وخالد بن عبد الله، وجرير، عنه عن الشعبي وأبي السفر [14].

وقد قدمت الكلام على هذا الحديث، وأن الأظهر أنه ابن عيينة.

قال سفيان وأبو حاتم وأحمد ابن حنبل: «كان ثقة».

توفي سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وقيل: اثنتين وأربعين، روى له الجماعة.

وفيه: وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فَرَس بن جُمْجُمة، وقيل غيره.

أصله من قرية من قرى نيسابور، يكنى بابنه سفيان الرؤاسي الكوفي، من قيس غيلان.

أخرج البخاري في «العلم» وغير موضع عن الحميدي، ومحمد بن سلام، ويحيى بن أيوب، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن مقاتل، وابن نُمَير، عنه، عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، والثوري، وشعبة، وعلي بن المبارك.

قال أحمد: «ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع، ما رأيته شك في حديث إلا يوماً واحداً، ولا رأيت معه كتاباً ولا رقعة قط».

وقال أيضاً: «حدثني من لم تر عيناك مثله وكيع بن الجراح».

وقال يحيى بن معين: «هو أحب إلي في سفيان من ابن مهدي».

اتفق على توثيقه، توفي منصرفاً من الحج سنة سبع وتسعين ومئة، وولد سنة تسع وعشرين ومئة، روى له الجماعة.

وفيه: أبو جُحَيفة؛ وهب بن عبد الله السُّوَائي، ويقال: وهب بن وهب، ويقال: وهب الخير، من بني حرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، كان من صغار الصحابة، قيل: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ الحلم.

نزل الكوفة، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وأربعون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم

@%ص227%

بثلاثة، وكان علي رحمه الله يكرمه ويحبه ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، ونزل الكوفة، وتوفي سنة اثنتين وسبعين في خلافة [15] بشر بن مروان، روى له الجماعة.

وسُوَاءة بضم السين وفتح الواو والمد.

أخرج البخاري في «العلم» و«الصلاة» و«السير» عن الشعبي، والسبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وابنه عون، عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علي، والبراء بن عازب.

وفي السند الثاني: شيبان أبو معاوية، ابن عبد الرحمن النحوي، التيمي، المؤدب البصري، سكن الكوفة زماناً ثم انتقل إلى بغداد.

روى عن الحسن البصري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم.

قال أحمد: «هو ثبت في كل المشايخ، وشيبان أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي».

وقال ابن سعد ويحيى بن معين: «ثقة»، وزاد يحيى: «وكان صاحب كتاب، رجل صالح».

قال أبو حاتم: «كوفي حسن الحديث، صالح الحديث، يكتب حديثه».

مات ببغداد سنة أربع وستين ومئة، في خلافة المهدي.

أخرج البخاري في «العلم» و«الصلاة» وغيرهما عن يونس بن محمد، وحسن المروروذي، وسعد بن حفص، وأبي النضر، وأبي نعيم، وآدم بن أبي إياس وغيرهم عنه، عن قتادة، ويحيى بن أبي كثير، وزياد بن علاقة.

النحوي: نسبة إلى قبيلة، وهم ولد النحو بن شمس بن عمرو بن غَنْم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران.

قال السمعاني: شيبان بن معاوية بن عبد الرحمن نسب إلى القبيلة، وهم ولد نحو بن شمس.

وقال غيره: ليس في هذه القبيلة من يروي الحديث سواه، ويزيد بن أبي سعيد النحوي، وأما من عداهما فمنسوب إلى النحو علم العربية، كعمرو بن العلاء النحوي وجماعة كثيرة.

وليس في كتاب البخاري من الرواة من اسمه شيبان غيره، وفي مسلم هو وشيبان

@%ص228%

[بن] فروخ، روى له الجماعة.

وفيه: يحيى بن أبي كثير، أبو نصر اليمامي الطائي مولاهم العطار، واسم أبي كثير: صالح بن المتوكل، ويقال: نشيط، ويقال: دينار، ويقال غيره، وكان دينار مولى لعلي رضي الله عنه.

رأى أنس بن مالك، وسمع السائب بن يزيد، وروى عنه يحيى القطان، وأيوب، وجرير بن حازم وغيرهم.

وأخرج له البخاري في «العلم»، و«التعبير» وغيره عن هشام الدستوائي، وشيبان، والأوزاعي، وحسين، وهمام، ومعاوية بن سلام، وابنه عبد الله بن يحيى، عنه، عن أبي سلمة، وعبد الله بن أبي قتادة، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وأبي قلابة، وعكرمة مولى ابن عباس.

قال أيوب: «ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير، وما أعلم اليوم كان أعلم بحديث أهل المدينة بعد الزهري من يحيى بن أبي كثير».

وقال أبو بكر: «رأيت في كتاب علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: قال شعبة: حديث يحيى بن أبي كثير أحسن من حديث الزهري».

وقال أحمد بن عبد الله: «ثقة، يعد في أصحاب الحديث».

وسأل يحيى بن أبي كثير عطاء عن مسألة فقال: أين تسكن؟ قال: اليمامة، قال: فأين أنت عن يحيى بن أبي كثير؟ قال يحيى: فما خرجت من نفسي زماناً، يعني العجب».

قال أبو نعيم: توفي سنة تسع وعشرين ومئة.

قال البخاري: وقال علي: سنة ثنتين وثلاثين ومئة، بعد أيوب بسنة.

روى له الجماعة.

[1] زيد هنا في الأصل فوق السطر: «بزيادة: قتيل، وجاء في رواية مبيناً: فمن قتل له قتيل وهو الصواب»، وكتب في الهامش الأيمن للأصل: «جاء في هذا الطريق: فمن قتل فهو بخير النظرين منقوصاً منه [كذا بان لي] قال القاضي عياض: التقدير»، ولم يذكر التقدير، وفي الهامش الأيسر: «في البخاري في كتاب الديات وفي مسلم في جميع طرقه».
[2] في الأصل: «عبد الله بن سعيد» والتصويب من صحيح مسلم.
[3] في الأصل: «عبد الله بن موسى» والتصويب من صحيح مسلم.
[4] الكلمة في الأصل غير واضحة تماماً، والمثبت هو الأقرب، وعبارة ابن الملقن: «فرغ من أمر المشركين بها».
[5] ما بين معقوفتين زيادة ليست في الأصل، ولا بد منها، كما في شرح النووي على مسلم.
[6] عبارة: «قال ابن القصار المالكي» كتبت في الهامش تتمة للكلام السابق.
[7] كذا في الأصل، وعبارة «التوضيح» (3/570) و«عمدة القاري» (2/166): « الناشد المعرف، والمنشد الطالب»، وهو الصواب.
[8] كررت في الأصل «يقتل» مرتين، ووضع فوق الثانية خط صغير كأنه ضرب عليها، والمثبت لفظ مسلم.
[9] ما بين معقوفتين ليست في الأصل، أثبتها من شرح ابن بطال (8/506)، وقد تكرر في الأصل كلمة: «بالخيار» مرتين.
[10] العبارة في ابن بطال: «وإن كان أخذ الدية أقرب إلى الأُلفة وقطع الضغائن بين المسلمين فُعِلَت من غير جبر القاتل على أخذها منه».
[11] هذان السطران كتبا بهامش الأصل وأشير إليهما بلحق.
[12] في الأصل: «عمر».
[13] من بعد كلمة «المعلومة» ذاهب في الأصل، أثبت العبارة تقديراً.
[14] في الأصل: «السبيعي، وابن أبي السفر»، وكذا وقع في «التعديل والتجريح» للباجي (2/733)، وهو تصحيف، والصواب المثبت.
[15] كذا في الأصل، والصواب: ولاية بشر بن مروان.





لا تتوفر معاينة

112- وبه قال: ((حدثنا أبو نُعيم)) ؛ بضم النون ((الفضل بن دُكَين)) ؛ بضم الدال المهملة وفتح الكاف ((قال: حدثنا شَيْبان)) ؛ بفتح المعجمة، وسكون التحتية، بعدها موحدة: ابن عبد الرحمن أبو معاوية النحوي البصري الثقة، المتوفى ببغداد سنة أربع وستين ومئة في خلافة المهدي، ((عن يحيى)) : بن أبي كثير صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، المتوفى سنة تسع وعشرين، أو اثنين وثلاثين ومئة، ((عن أبي سلَمة)) ؛ بفتح اللام: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، ((عن أبي هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر، وللمؤلف في (الديات) : (حدثنا أبو سلمة قال: حدثنا أبو هريرة) : ((أنَّ)) ؛ بفتح الهمزة وتشديد النون ((خُزاعة)) ؛ بضم الخاء المعجمة بعدها زاي: حي من الأزد، منصوب اسم (أنَ) ، ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث.

وقوله: ((قتلوا رجلًا)) : جملة من الفعل والفاعل والمفعول، محلها الرفع خبر (أنَّ) ((من بني ليث)) : قبيلة ((عامَ)) ؛ بالنصب على الظرفية ((فتح مكة)) : ممنوعة من الصرف؛ للعلمية والتأنيث ((بقتيل)) : الباء للسببية؛ أي: بسبب قتيل ((منهم)) : من خزاعة ((قتلوه)) ؛ أي: قتل بنو ليث ذلك الخزاعي، وفي «السيرة» لابن إسحاق: أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأقرع الهذلي وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية يقال له: أحمر، فقال عليه السلام: «يا معشر خزاعة؛ ارفعوا أيديكم عن القتل، فمن قتل بعد مقامي هذا؛ فأهله بخير النظرين»، وذكر الحديث، قال بعضهم: فعلى هذا يكون قوله: (أن خزاعة قتلوا) ؛ أي: واحدًا منهم، فأطلق عليه اسم الحي مجازًا؛ فتأمل.

((فأُخبِر)) ؛ بضم الهمزة وكسر الموحدة على صيغة المجهول ((بذلك النبي)) الأعظم؛ بالرفع مفعول نائب عن الفاعل ((صلى الله عليه وسلم فركب راحلته)) ؛ أي: الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها، والهاء فيه للمبالغة، ((فخطب)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، ((فقال)) في خطبته، والفاء للتفسير: ((إنَّ الله)) عز وجل، اسم (إن) ((حبس)) ؛ أي: منع ((عن مكة القَتلَ)) ؛ بالقاف المفتوحة والمثناة الفوقية، بالنصب مفعول (حبس) ((أو الفِيْل)) ؛ بالفاء المكسورة وسكون التحتية: الحيوان المشهور الذي ذكره الله تعالى بقوله: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] السورة، فأرسل الله على أصحابه {طَيْرًاأَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ} [الفيل: 3،4] حين وصلوا إلى بطن الوادي بالقرب من مكة، فالمراد من حبس الفيل: أهل الفيل.

وأشار بذلك إلى القصَّة للحبشة في غزوهم مكة ومعهم الفيل فمنعها الله منهم، وسلَّط عليهم الأبابيل مع أنَّ أهل مكة إذ ذاك كانوا كفَّارًا، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد، لكن غزو النبي الأعظم عليه السلام إيَّاها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره، كما في «عمدة القاري».

((شكَّ أبو عبد الله)) : المؤلف، وفي رواية: هي ساقطة، وفي أخرى: (قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نعيم) ، وأراد أن الشكَّ فيه من شيخه، (واجعلوا) ؛ بصيغة الأمر، وللأصيلي: (واجعلوه) ؛ بضمير النصب؛ أي: اجعلوا اللفظ على الشكِّ، (الفيل) ؛ بالفاء، أو (القتل) ؛ بالقاف، وفي (الديات) عند المؤلف: (الفيل) ؛ بالفاء من غير شكٍّ، وقال الكرماني: (الفتك) بدل (القتل) بالفاء المثناة فوق أي سفك الدم على غفلة قال في «عمدة القاري» (ووجهه ظاهر، لكن لا أعلم أنه روي كذلك) اهـ .

((وسُلِّط عليهم)) ؛ بضم السين على صيغة المجهول ((رسول الله)) : مفعول ناب عن الفاعل ((صلى الله عليه وسلم والمؤمنون)) : رفع بالواو عطف عليه، وفي رواية: (وسَلَّط) ؛ بفتح السين بصيغة المعلوم، وفيه ضمير يرجع إلى الله وهو فاعله، و (رسول الله) : مفعوله، و (المؤمنين) : منصوب بالياء عطف عليه.

((أَلا)) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام، للتنبيه، فيدل على تحقق ما بعدها أن الله حبس عنها، ((وإنَّها)) : ولأبي ذر: (فإنَّها) ؛ بالفاء عطف على مقدر؛ لأنَّ (أَلا) لها صدر الكلام، والمقتضى أن يقال: أَلا إنَّها؛ بدون الواو، كما في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ} [البقرة: 12] ؛ والتقدير: أَلا[/ص69/] إنَّ الله حبس عنها، وإنَّها ((لم تَحِل)) بفتح أوله وكسر ثانيه ((لأحد قبلي، ولا تحلُّ)) ؛ بضم اللام، وفي رواية: (ولم تحل) ، وفي أخرى: (ولن تحل) ، وهي أليق بالمستقبل ((لأحد بعدي)) ومعنى حلال مكة: حلال القتال فيها، ومن القواعد: أَنَّ (لم) تقلب المضارع ماضيًا، ولفظ (بعدي) للاستقبال، فكيف يجتمعان؟

أجاب في «عمدة القاري»: بأن معناه: لم يحكم الله في الماضي بالحل في المستقبل.

((ألا)) بفتح الهمزة وتخفيف اللام؛ للتنبيه ((وإنَّها)) عطف على مقدر كما سبق ((أحلت لي ساعة)) أي: في ساعة ((من نهار)) : من طلوع الشمس إلى العصر، كما مر عند أحمد، ((أَلا)) ؛ بالفتح والتخفيف ((وإنَّها) ؛ بالعطف على مقدر؛ كالسابقة ((ساعتي)) أي: في ساعتي ((هذه)) ؛ أي: التي أتكلم فيها بعد الفتح.

قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: الذي أُحلَّ له عليه السلام وخصَّ به دخوله مكة بغير إحرام، ولا يجوز لأحد يدخله بعده عليه السلام بغير إحرام، وهو قول ابن عباس، والقاسم، والحسن البصري، وهو قول الإمام الأعظم، وصاحبيه، ومالك، والشافعي، وقال الطبري: الذي أُحلَّ له عليه السلام قتال أهلها ومحاربتهم، ولا يحلُّ لأحد بعده عليه السلام.

((حرام)) مرفوع؛ لأنَّه خبر لقوله: (إنَّها) ، لا يقال: إنَّه ليس بمطابق للمبتدأ، والمطابقة شرط؛ لأنَّا نقول: إنه مصدر في الأصل، فيستوي فيه التذكير والتأنيث، والإفراد والجمع، أو هو صفة مشبهة، ولكن وصفيَّته زالت؛ لغلبة الاسمية عليه، فتساوى فيه التذكير والتأنيث، كذا في «عمدة القاري».

((لا يُختلى)) بضم أوله بصيغة المجهول؛ أي: لا يُجزُّ ولا يُقطع، وفي رواية: (لا يعضد) ، وفي أخرى: (لا يخبط) ((شوكها)) وفي رواية: (خلاها) ، والخلى؛ بالقصر: الرطب من الحشيش، ومعنى الجميع متقارب، وهذا دالٌّ على منع قطع الأشجار بالأولى.

ويستثنى من الشوك المؤذي؛ كالعوسج؛ فلا بأس بقطعه؛ كالحيوان المؤذي، وكذا لا بأس بقطع اليابس؛ كما في الصيد الميت؛ لأنَّه حطب، فيجوز الانتفاع به، وكذا المنكسر؛ لعدم النماء، أو ذهب بحفر كانون، أو ضرب فسطاط؛ لعدم إمكان الاحتراز عنه، وكذا ما لو ذهب بمشيه أو مشي دوابِّه؛ لعدم الاحتراز عنه.

((ولا يُعضَد)) ؛ بضم أوله وفتح الضاد المعجمة بصيغة المجهول؛ أي: لا يقطع ((شجرها)) وهو اسم للقائم الذي بحيث ينمو، فإذا جفَّ؛ فهو حطب، وأشار بالقطع إلى أنه ليس في المقلوع ضمان، وإلى أنه يملكه بأداء الضمان كما في حقوق العباد، ويكره الانتفاع به بيعًا وغيره، ولا يكره للمشتري، والمراد بالحشيش والشجر الغيرُ المملوك؛ يعني: النابت بنفسه سواء كان مملوكًا [1] أو لا، حتى قالوا: لو نبت في ملكه أم غيلان فقطعها إنسان؛ فعليه قيمة لمالكها، وأخرى لحق الشرع، وكذا ليس من جنس ما ينبته الناس، فلو كان من جنسه؛ فلا شيء عليه؛ كالمقلوع والورق الذي لم يضر بالشجر، ولهذا حل قطع الشجر المثمر؛ لأنَّ إثماره أقيم مقام الإنبات، وقدمناه وسوف يأتي.

((ولا تُلتقط)) بضم أوله مبنيٌّ للمجهول ((ساقطتها [2] ) ) ؛ أي: ما سقط فيها بغفلة المالك، وأراد بها: اللقطة، وفي رواية: (ولا يحل لقطتها) ، والالتقاط: الأخذ من الأرض ((إلا لمنشد)) ؛ أي: لمعرِّف، وفي رواية: (ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها) ، وأصل الإنشاد: رفع الصوت، فالمنشد: المعرِّف، وأمَّا الطالب؛ فيقال له: ناشد، فاللقطة: أمانة إن أشهد أنه أخذها؛ ليردها على صاحبها وإن لم يضمن، ويكفي في الإشهاد قوله: [من] سمعتموه ينشد لقطة؛ فدلوه عليَّ، ويعرفها في مكان أخذها، وفي مجامع الناس مدة يغلب على ظنه عدم طلب صاحبها بعدها، وهو الصحيح، وعليه الفتوى.

وقال شمس الأئمة الحلواني: يكتفى عن التعريف بالإشهاد وبعد التعريف يتصدق بها إن شاء، فإن جاء ربها؛ فهو بالخيار إن شاء أجازه وثوابه له، وإن شاء ضمن الملتقط وضمن الفقير، وهذا كله إن كانت هالكة، فلو كانت قائمة؛ أخذها منه، وأيُّهما ضمن؛ لا يرجع على الآخر.

ولقطة الحل والحرم عندنا سواء، فلا فرق بين مكان ومكان، ولقطة ولقطة، وهذا مذهب إمامنا الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والجمهور؛ لإطلاق قوله عليه السلام: «اعرف عفاصها ووكاءها، وعرِّفها سنة»، كما قدمناه في باب (الغضب) في (الموعظة) ، وما في الباب لا يعارضه؛ لأنَّ معناه: أنَّه لا يحل إلَّا لمن يعرِّف ولا يحلِّ لنفسه، وتخصيص مكة حينئذ؛ لدفع توهم سقوط التعريف بها بسبب أن الظاهر أن ما وجد بها من لقطة؛ فالظاهر أنه للغرباء، وقد تفرَّقوا، فلا يفيد التعريف فيسقط، وتمامه في «فتح القدير».

وللملتقط أن ينتفع باللقطة بعد التعريف إن كان فقيرًا، وإن كان غنيًّا؛ تصدق بها على فقير، وكذا على أبويه أو ولده أو زوجته لو كانوا [3] فقراء، فإن كانت اللقطة حقيرة؛ كالنوى وقشور الرمان والسنبل بعد الحصاد؛ فينتفع بها بدون تعريف؛ لأنَّ تركها إباحة للآخذ دلالة، وللمالك أخذها، وفي شرح «النقاية» للقهستاني: أنَّه يملكها الآخذ على المختار، فليس للمالك أخذها منه، ولا يجب دفع اللقطة إلى مدِّعيها إلا ببينة، ويحل أن يبين [4] علامتها من غير جبر، كذا في «البحر» و«المنح» و«الدر» وغيرها.

وقال الشافعي: يجب تعريف لقطة الحرم؛ لحديث الباب.

قلنا: هذا لا يفيد؛ لأنَّ معنى قوله: (إلا لمنشد) ؛ أي: أنَّه يعرِّفها كما يعرِّفها في سائر البقاع حولًا كاملًا حتى يغلب على ظنه أنه إذا نادى عليها وقت الموسم؛ لا يظهر صاحبها، أو المراد لا تحل ألبتة، فكأنَّه قيل له: إلَّا لمنشد، فقال: إلَّا لمنشد؛ أي: لا يحل له منها إلَّا إنشادها، فيكون ذلك مما اختصت به مكة كما اختصت بأنَّها حرام، وأنه لا ينفر صيدها، وغيرهما، أو معناه المبالغة في التعريف؛ لأنَّ الحاج قد لا يعود إلا بعد أعوام فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بخلاف غيرها من البلاد؛ لأنَّ الناس يتناوبون إلى مكة، أو معناه: أنه ليقطع وهم من يظن أنه يستغنى عن التعريف هنا؛ لأنَّ الغالب أن الحجاج إذا تفرقوا مشرقين ومغربين ومدت المطايا أعناقها؛ فيقول القائل: لا حاجة إلى التعريف، فذكر النبيُّ الأعظم عليه السلام أن التعريف فيها ثابت، كغيرها من البلاد، أو معناه: إلا من سمع ناشدًا يقول: من أضل كذا، فيجوز له أن يرفعها إذا رآها؛ ليردها على صاحبها، والله أعلم.

((فمن)) موصولة تتضمن معنى الشرط ((قُتل)) ؛ بضم أوله على صيغة المجهول؛ ((فهو بخير النظرين)) ؛ أي: أفضلهما، وفي رواية: (بخير) ؛ بالتنوين وإسقاط (النظرين) ، وهذا التركيب يحتاج إلى تقدير، فيقدَّر فيه مبتدأ محذوف، وحذفه سائغ شائع، والتقدير: فمن أهله قتل؛ فهو بخير النظرين، فـ (من) مبتدأ، و (أهله قتل) : جملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول، وقوله: (فهو) مبتدأ، وقوله: (بخير النظرين) : خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول والضمير في (قتل) يرجع إلى الأهل المقدر، وقوله: (هو) يرجع إلى (من) ، و (الباء) في قوله: (بخير النظرين) يتعلق بمحذوف تقديره: فهو مرضي بخير النظرين، أو عامل أو مأمور ونحوه، هذا هو التحقيق في هذا المقام، وما قاله ابن [حجر] كالخطابي، والبرماوي كالدماميني، فقد رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((إما)) بكسر الهمزة؛ للتفصيل ((أن)) بفتح الهمزة مصدرية ((يُعقل)) ؛ بضم أوله مبني للمفعول: من العقل وهو الدية؛ أي: يأخذونها [5] من القاتل، ((وإما)) بالكسر ((أن)) ؛ بالفتح ((يقاد)) : مبني للمفعول؛ أي: يقتصُّ ((أهل القتيل)) من القاتل، وفي رواية: (إما أن يقتل وإما أن يفاد) ؛ بالفاء: من المفاداة، وفي أخرى: إما أن يأخذوا العقل أو يقتلوا، ومذهب الإمام الأعظم وصاحبيه، والنخعي، والثوري، وابن ذكوان، وابن شبرمة، والحسن ابن حي: أن لوليِّ المقتول القتل أو العفو، وليس له الدية إلَّا برضا الجاني، وبه قال مالك، فقوله: (بخير النظرين) للقاتل إشارة إلى أن الرفق بالقاتل [6] مطلوب، حتى كان العفو مندوبًا إليه، ويجوز أن يكون المعنى: فهو بخير النظرين من رضا القاتل ورضا نفسه، فإن [كان] رضا القاتل خيرًا له وقد اختار الفداء؛ فله ذلك، وإن [كان] رضانفسه [7] بالاقتصاص خيرًا له؛ فله ذلك، وينبغي ألَّا يقف عند رضا نفسه ألبتة؛ لأنَّ القاتل باختيار الدية قد يكون خيرًا له، فيؤول وجوب الدية إلى رضا القاتل.

وقال الشافعي وأحمد: ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وليس له إجبار الجاني على أحدهما.

((فجاء رجل من أهل اليمن)) : هو أبو شاه؛ بشين معجمة وهاء بعد الألف، في الوقف والدرج، ولا يعرف اسمه، وإنما يعرف بكنيته، وهو كلبي يمني، كما في «عمدة القاري»، ((فقال: اكتب لي)) أي: الخطبة التي سمعتها منك ((يا رسول الله، فقال)) عليه السلام: ((اكتبوا لأبي[/ص70/] فلان)) أي: لأبي شاه، وفيه دليل على أنَّه عليه السلام لم يكتب بيده الشريفة، وهو قول الجمهور؛ لأنَّه أبلغ في المعجزة على الكفار، وفيه: دليل على جواز تسمية فلان لمن كان اسمه غيره وندائه وخطابه به، فيقال لمن اسمه حسن مثلًا: ياشيخ فلان أو يا أبا [8] فلان وغيرذلك؛ فليحفظ.

((فقال رجل من قُريش)) ؛ بضم القاف مشتق من القرش؛ دابة في البحر، وهو العباس بن عبد المطلب عمُّ النبيِّ الأعظم عليه السلام: قل يا رسول الله: لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها ((إلا الإذْخِر)) ؛ بكسر الهمزة، وإسكان الذال، وكسر الخاء المعجمتين: نبت معروف طيب الرائحة ((يا رسول الله)) فهو استثناء منصوب على الاستثناء، ويجوز فيه البدل مما قبله؛ لكونه واقعًا بعد النفي، كما في «عمدة القاري»؛ ((فإنا نجعله في بيوتنا)) للسقف فوق الخشب، أو يخلط بالطين؛ لئلَّا ينشق إذا بني به ((وقبورنا)) نسدُّ به فرج اللَّحد المتخللة بين اللبنات، ((فقال النبيُّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) بوحي أوحي إليه في الحال أو قبل ذلك أو أنه إن طلب منه أحد استثناء شيء منه؛ فاستثنى: ((إلا الإذخر)) وللأصيلي: (إلا الإذخر) مرتين، فتكون الثانية تأكيدًا للأولى، وزاد في رواية هنا وهي: (قال أبو عبد الله) أي: المؤلف (يقال: يقاد؛ بالقاف، فقيل لأبي عبد الله: أي شيء كتب له؟ فقال: كتب له هذه الخطبة) وهي ثابتة في «مسلم»، قال الوليد-يعني: ابن مسلم راوي الحديث-: قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من النبيِّ عليه السلام.

وفي الحديث: دليل على استحباب قيام الخطيب على موضع عال حال الخطبة.

وفيه: دلالة أيضًا واضحة على أن مكة فتحت عنوة وأن التسليط الذي وقع للنبيِّ الأعظم عليه السلام مقابل بالحبس الذي وقع لأصحاب الفيل، وهو الحبس على القتال، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا للشافعي، واستدل الأصوليُّون بالحديث على أن النبيَّ الأعظم عليه السلام كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نصَّ فيه، قالوا: وهو الأصح، وبه قال الإمام أبو يوسف قاضي القضاة، والشافعي، وأحمد، ومنعه بعضهم وقالوا: إنه بالوحي.

[1] في الأصل: (مملولًا) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (ساقطها)، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (كان) ، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (بين) ، وهو تحريف.
[5] في الأصل: (يأخذوها)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (للقاتل)، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (بنفسه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[8] في الأصل: (أبو)، وليس بصحيح.