المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

110-. حدَّثنا [1] مُوسَىَ، قالَ: حدَّثنا أَبُو عَوانَةَ، عن أَبِي حَصِينٍ، عن أَبِي صالِحٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلا تَكْتَنُوا [2] بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَثَّلُ في صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثني».
[2] في رواية الأصيلي وأبي ذر وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «ولا تَكَنَّوا». كتبت بالحمرة.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

110- ( أبو حَصِين ) بفتح الحاء المهملة وكسر الصاد.

( وَلاَ تَكْتَنُوا ) ويروى: «ولا تكنوا».


110# (أَبي حَصِينٍ) بحاء وصاد مهملتين بفتح الأول وكسر الثاني، وهكذا كل كنية، وما كان اسمًا: فحاؤه مضمومة.

(وَلاَ تَكَنَّوْا) أي: تتكنوا

@%ج1ص99%

فحذف إحدى [1] التاءين، وقد مرَّ مثله.

(بِكُنْيَتِي) أي: أبي القاسم، وفي المسألة خلافٌ فقيل: بالجواز مطلقًا، وقيل: بالمنع مطلقًا، وقيل: به في حياته.

قال الباجي: وفقهاء الأمصار على جواز التسمية والتكنية بأبي القاسم، والنهيُ عنه منسوخٌ.

ودخل القاضي أبو القاسم بن زيتون على المستنصر بالله سلطان إفريقية، فقال له [2] : لمَ تسمَّيْتَ [3] بأبي القاسم مع صحَّة حديث: ((تَسَمَّوا باسمي ولا تَكَنَّوا بكنيتي))؟

فأجابه بأن قال: إنما تسميتُ بكنيته صلى الله عليه وسلم ، ولم أتكنَّ بها، واستحسنه بعض الشيوخ.

(مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا) المختار أن الكذبَ عدمُ مطابقة الخبر للواقع [4] ، ولا يُشترط في كونه كذبًا تعمُّدُه، والحديثُ يشهد له؛ لدلالته على انقسام الكذب إلى متعمَّدٍ، وغيره.

(فَلْيتبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي [5] : فليتخذه [6] مباءةً، وأصله من مباءة الإبل، وهي أَعطانُها، وقد ذهب أبو محمدٍ الجوينيُّ إلى كُفْر من كذبَ متعمدًا عليه [7] عليه الصلاة والسلام، وغلَّطَه في ذلك الناس، حتى ولدُه إمامُ الحرمين.

وانتصر له ابن المنيِّر بأن خصوصية الوعيد توجبُ ذلك؛ إذ لو كان بمطلق النار؛ لكان كل [8] كاذب كذلك عليه وعلى غيره، فإنما الوعيدُ بالخلود، ولهذا قال: ((فليتبوأ))؛ أي: فليتخذها مباءةً ومسكنًا، وذلك هو الخلود.

قلتُ: لا نسلِّم دلالةَ التبوُّء [9] على الخلود، ولو سُلِّم [10] ، فلا نسلِّم أنَّ الوعيد بالخلود مقتضٍ [11] للكفرِ بدليل متعمد القتل [12] الحرام.

قال: وأيضًا: فإن [13] الكاذب عليه في تحليل حرام مثلًا قد استحلَّ ذلك الحرام، وحمل على استحلاله على قطع منه، واستحلال الحرام مطلقًا كفرٌ.

قلت: لا نسلم أن الكذب عليه ملازم لاستحلاله، ولا لاستحلال متعلِّقه، فقد يكذب عليه في

@%ج1ص100%

تحليل حرام مثلًا مع قطعه بأن الكذب عليه حرام، وأنَّ ذلك الحرام ليس بمستحل؛ كما يُقدم العصاة من المؤمنين على ارتكابهم [14] الكبائرِ مع اعتقادهم لحرمتها.

[1] في (د): ((أحد)).
[2] ((له)): ليست في (ق).
[3] في (د): ((سميت)).
[4] في (ق): ((الواقع)).
[5] ((أي)): ليست في (ق).
[6] في (ق): ((فليتخذ)).
[7] ((عليه)): ليست في (ق) و(ج).
[8] في (ق): ((النار لكل)).
[9] في (ق): ((التبوأة)).
[10] في (د): ((ولم يسلم)).
[11] في (د): ((مقتضي)).
[12] في (ق): ((متعمداً بقتل)).
[13] في (ق): ((وأيضاً قال وإن)).
[14] في (ق): ((ارتكاب)).





110- قوله [1] : (حَدَّثَنَا مُوسَى): هو موسى بن إسماعيل التَّبُوْذَكيُّ، تقدَّم بعض ترجمته، ولماذا نُسِب، والاختلاف فيها.

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ): تقدَّم أنَّه الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي حَصِينٍ): هو بفتح الحاء، وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصم الأسديُّ، عنِ ابن عبَّاس، وشريح، وطائفة، وعنه: شعبة، والسفيانان، وخلق، وكان ثقة ثبتًا، صاحب سُنَّة، توفِّي سَنَة (127 هـ ) ، [أو سنة (128 هـ )] [2] ، أخرج له الجماعة، قال أبو عليٍّ الجيَّانيُّ: (ولا أعلم في الكتابين _ يعني: «البخاريَّ» و«مسلمًا»- بفتح الحاء غيره) انتهى.

واعلم أنَّ الكنى كلَّها بالفتح، والأسماء كلَّها بالضَّمِّ، وكلُّها بالحاء والصَّاد [3] المهملتين، إلا حضين بن المنذر، أبا ساسان، فإنه بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الضَّاد المعجمة، وهو فرد.

قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ): تقدَّم أنَّه السَّمان الزَّيَّات، وأنَّ اسمه ذكوان، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنه عبد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلاَ تَكْتَنُوا [4] بِكُنْيَتِي): اختُلف في هذا النَّهي على مذاهب؛ وملخَّصها: يحرم مطلقًا، وهو الذي نصَّ عليه الشَّافعيُّ، والثَّاني: أنَّه خاصٌّ بحياته، الثَّالث: على الأدب، الرَّابع: إنَّما يحرم الجمع بين التسمِّي بأحمد أو محمَّد والتكنِّي بأبي القاسم، والمسألة معروفة، وسأذكرها في (الأدب) بأطول من هذا إن شاء الله تعالى وقدَّره.

قوله: (وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ؛ فَقَدْ رَآنِي): وفي لفظ آخر: (ومن رآني؛ فقد رأى [5] الحقَّ) ، وآخر: (فسيراني في اليقظة) ، أو (فكأنَّما رآني في اليقظة) .

وقد اختُلف في تأويله؛ فقال أبو بكر الباقلَّانيُّ: (إنَّ رؤياه صحيحة، وليست بأضغاث أحلام) ، وقال غيره: معناه: رآه حقيقة، وفيه قول آخر: إنَّه إن رآه على صفته؛ فهو حقيقة، وإن رآه على غيرها؛ فهي رؤيا تأويل لا حقيقة، قاله [6] ابن العربيِّ والقاضي عياض، وضعَّفه النَّوويُّ، وصوَّب الثَّاني، وسأذكر المسألة في (كتاب التعبير) بأطول من هذا إن شاء الله تعالى وقدَّره.

[1] (قوله): ليس في (أ) .
[2] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[3] زيد في (ب): (والحاء) .
[4] في (ب) و (ج): (تكنَّوا) ، وكلاهما صحيح.
[5] في (ب): (رآني) .
[6] في (ب) و (ج): (قال) .





لا تتوفر معاينة

110- وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت [1] : ((حدَّثني)) (مُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ التَّبوذكيُّ البصريُّ [2] ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ، (عَنْ أَبِي حَصِينٍ)؛ بفتح الحاء، وكسر الصَّاد المُهْمَلَتَين، عثمان بن عاصمٍ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو ثمانٍ وعشرين ومئةٍ، (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان المدنيِّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) الدَّوسيِّ رضي الله عنه، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: تَسَمَّوْا)؛ بفتح التَّاء والسِّين والميم المُشدَّدة، أمرٌ بصيغة الجمع من باب «التَّفعُّل» (بِاسْمِي)؛ محمَّدٍ وأحمدَ، (وَلَا تَكْتَنُوا)؛ بفتح التَّاءين بينهما كافٌ ساكنةٌ، وفي رواية الأربعة: «ولا تَكَنَّوا»، بفتح التاء [3] والكاف ونونٍ مُشَدَّدةٍ من غير تاءٍ ثانيةٍ من باب «التَّفَعُّل»، من [4] : تَكنَّى يتكنَّى تَكَنِّيًا، وأصله: لا تتكَنَّوا، فحُذِفَت إحدى التَّاءين، أو بضمِّ التَّاء، وفتح الكاف، وضمِّ النُّون المُشدَّدة من باب «التَّفعيل»، من كنَّى يكنِّي تَكْنِيَةً، أو بفتح التَّاء، وسكون الكاف، وكلُّها من الكناية، (بِكُنْيَتِي)؛ أبي القاسم، وهو من باب عطف المنفيِّ على المُثبَت، (وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ؛ فَقَدْ رَآنِي) حقًّا، (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي)؛ أي: لا يتمثَّل بصورتي، وَتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى، وفي كتاب [5] «المواهب» من ذلك ما يكفي ويشفي، (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)؛ مقتضَى هذا الحديث استواء [6] تحريم الكذب عليه في كلِّ حالٍ، سواءٌ في اليقظة والنَّوم، وقد أورد المصنِّف حديث: «من كذب عليَّ» ههنا عن جماعةٍ من الصَّحابة: عليٍّ والزُّبَيْر وأنسٍ وسلمةَ وأبي هريرة، وهو حديثٌ في غاية الصِّحَّة ونهاية القوَّة، وقد أَطْلَقَ القولَ بتواتره جماعةٌ، وعُورِضَ: بأنَّ المتواتر شرطه استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودةً في كلِّ طريقٍ بِمُفرَدِها، وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد من «إطلاق تواتره» رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كلِّ عصرٍ، وهذا كافٍ في إفادة العلم.

[1] «أبوي ذَرٍّ والوقت»: مثبتٌ من (م).
[2] في (ص): «المصريُّ»، وهو تحريفٌ.
[3] «التاء»: مثبتٌ من (م).
[4] زيد في (ب): «باب».
[5] في (ب) و(س): «كتابي».
[6] «استواء»: سقط من (م).





110- ( عَنْ أَبِي حَصِينٍ ): مكبَّر.

( فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي )، في رواية: «لا يتشبَّه بي»، زاد البزَّار من حديث: «ولا بالكعبة».


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

110# حَدَّثَنَا مُوسَى، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

الشرح:

الحديث الأول أخرجه مسلم في «مقدمة الكتاب» عن أبي بكر، وابن المثنى وابن بشار بندار، عن غندر، كلاهما عن شعبة، عن منصور عنه.

وحديث الزبير لم يخرجه مسلم، وحديث أنس أخرجه مسلم عن زهير، عن ابن عُلَيَّة، عن عبد العزيز به.

وأما قول الحميدي صاحب «الجمع بين الصحيحين» في حديث أنس هذا أنه مما انفرد به مسلم فغير صواب، فإن البخاري أخرجه كما تراه، وزاد أبو داود في حديث الزبير: «متعمداً»، والمحفوظ فيه من حديث البخاري والنسائي حذف: «متعمداً».

وهذا حديث عظيم في نهاية الصحة لكثرة رواته، ذكر أبو بكر البزار في مسنده أنه رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو من أربعين نفساً من الصحابة، وقيل: إنه متواتر.

قال النواوي: حكى أبو بكر الصيرفي في شرحه كتاب «الرسالة» للشافعي أنه رواه أكثر من ستين صحابياً مرفوعاً، وذكر عبد الرحمن بن منده عدد من رواه فبلغ بهم سبعة وثمانين، ثم قال: وغيرهم.

وذكر بعض الحفاظ أنه رواه اثنان وستون صحابياً، وفيهم العشرة ، ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة غيره.

وقال بعضهم: رواه مئتان من الصحابة، ولم يزل في ازدياد.

قلت: قد جمع شيخ شيوخنا أبو الحجاج بن يوسف بن خليل الدمشقي فيه جزءاً ضخماً، بلغ برواته فوق السبعين من الصحابة، رويناه عن شيوخنا عنه.

وذكر في

@%ص187%

في جملة من رواه العشرة إلا عبد الرحمن بن عوف.

الكلام على الحديث من وجوه [1]:

الأول:

قوله: «فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» قال الخطابي: تبوأ بالمكان إذا اتخذه موضعاً لمقامه، وأصله من مباءة الأبل، وهي أعطانها.

والمعنى بالحديث: لينزل منزله منها، وهذا وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر، أي إن الله يبوئه مقعده من النار، أو استوجب ذلك واستحقه، فليوطن نفسه عليه، ومما يوضحه ما جاء في بعض طرق مسلم: «يلج النار».

وقيل: معناه التهديد والوعيد، وقال الطبري: هو على معنى الدعاء منه عليه السلام، أي: بوأه الله ذلك، ويؤيده ما جاء في حديث علي وهو قوله: «فليلج النار» [2].

ومعنى الحديث عند العلماء: أن هذا جزاؤه، وقد يجازى به وقد يعفو الله تعالى، وهكذا يقال في كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر ينزل على هذا التأويل، ومثله قوله: «لا يدخل الجنة نمام» أي جزاؤه أن لا يدخل الجنة، لكنه تفضل تعالى على عبيده على بعضهم بأن يعفو عنه ويدخله ابتداء، وعلى بعضهم بالدخول ثانياً والخلود فيها متنعماً أبداً لا ينتهي، فله الحمد على كلا الحالتين والنعمتين.

الثاني:

قوله: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» الكذب عند الأشعرية الإخبار عن الأمر على خلاف ما هو عليه عمداً أو سهواً، خلافاً للمعتزلة في اشتراطهم العمدية، ودليل الخطاب في هذه الأحاديث عليهم؛ لأنه يدل على أن من لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب، ولذلك قيده بالعمد لأجل أنه يكون عمداً وسهواً، لكن الإجماع منعقد على أن الناسي لا إثم عليه، والروايات المطلقة مردودة إلى المقيدة المذكور فيه العمد.

الثالث [3]:

في الحديث دليل على تعظيم حرمة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كبيرة، والمشهور أن فاعله لا يكفر إلا أن يستحله، وحكى إمام الحرمين عن أبيه أبي محمد الجويني من أصحاب الشافعي أنه كان يقول: من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم متعمداً كفر وأريق دمه، وضعفه إمام الحرمين، وجعله من هفوات والده.

قال النواوي: لو كذب في حديث واحد

@%ص188%

عمداً فسق، وردت رواياته كلها.

قال ابن الصلاح: ولا تقبل منه رواية أبداً، ولا تقبل توبته منه؛ بل يتحتم جرحه دائماً على ما ذكره جماعة من العلماء، منهم أحمد ابن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري، وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من الفقهاء الشافعية، حتى قال الصيرفي: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعف لعلة لم نجعله قوياً بعد ذلك، قال: وذلك مما افترقت فيه الشهادة والرواية.

قال النواوي: هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة مخالف للقواعد، والمختار القطع بصحة توبته من ذلك، وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها، وقد أجمعوا على قبول رواية من كان كافراً ثم أسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الرواية والشهادة.

قلت: قد قيل عن مالك في شاهد الزور إذا ثبتت عليه شهادة الزور لا تسمع له شهادة بعدها، تاب أم لا، وقد قال الشافعي وأبو حنيفة فيمن ردت شهادته بالفسق ثم تاب وحسنت حاله لا يقبل منه إعادتها لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه.

وقال أبو حنيفة إذا ردت شهادة أحد الزوجين للآخر ثم تاب لا تسمع للتهمة، فلا يبعد أن يجيء مثله ههنا، لأن الرواية كلها كنوع من الشهادة، ولأن مفسدة هذه المعصية عظيمة، لأنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة، فجعل ذلك تغليظاً وزجراً من الكذب عليه صلى الله عليه وسلم، بخلاف الكذب على غيره، وأما الشهادة فمفسدتها قاصرة.

قال عبد الله بن المبارك: من عقوبة الكذاب

@%ص189%

أن يرد عليه صدقه.

الرابع:

لا فرق في تحريم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم بين ما كان في الأحكام وغيره، كالترغيب والترهيب، فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع المعتد بهم خلافاً للكرَّامية في زعمهم الباطل أنه يجوز الوضع في الترغيب والترهيب، وتابعهم كثير من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد، وينسبهم جهلة مثلهم.

وشبهة زعمهم أنه جاء في رواية: «من كذب علي متعمداً ليضل به»، بهذه الزيادة، وأنه كذب له لا عليه.

قال النواوي: هذا الذي انتحلوه واستدلوا به غاية الجهالة والغفلة، ودليل على بعدهم من معرفة شيء من قواعد الشرع، وخالفوا قولَ الله سبحانه وتعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} الآية، وصريحَ هذه الأحاديث الصحيحة المشهورة في إعظام شهادة الزور، وخالفوا إجماع أهل الحل والعقد، والدليل القطعي على تحريم الكذب على آحاد المسلمين فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحي، ويرجع إلى أنه كذب على الله تعالى؟ قال الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى}، والعجب من قولهم: هذا كذب له؛ لأنه جهل بلسان العرب وخطاب الشرع، فإن كل ذلك عندهم كذب عليه.

وأما تعلقهم بقوله في بعض طرق الحديث: «متعمداً ليضل الناس به» فقد أجاب العلماء عنه بأجوبة:

أحدها: زيادة باطلة، اتفق الحفاظ على بطلانها، وأنها لا تعرف صحيحة بحال.

الثاني: قال أبو جعفر الطحاوي: ولو صحت لكانت للتأكيد، كقوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس}.

والثالث: أن اللام [4] في «ليضل» ليست للتعليل

@%ص190%

بل لام الصيرورة والعاقبة، والمعنى على هذا: يصير كذبه إلى الإضلال به.

الخامس:

من روى حديثاً عَلِمَ أو ظنَّ أنه موضوع فهو داخل في هذا الوعيد إذا لم يبين حال رواته وضعفه، ويدل عليه أيضاً قوله عليه السلام: «من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذِبِينَ» قال النواوي: الرواية المشهورة ضم الياء من يرى، والكاذبين بكسر الباء على الجمع، ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن أراد رواية حديث أو ذكره فإن كان صحيحاً أو حسناً قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعله ونحوه من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفاً فلا يقل: قال ولا فعل، ونحوهما من صيغ الجزم؛ بل يقول: روي عنه كذا, أو جاء عنه كذا، أو يذكر أو يحكى أو يقال أو بلغنا وشبهه.

السادس:

بيان صنوف الأمر الحامل للجهلة المبتدعة على الوضع والكذب والطريق إلى معرفة الحديث الموضوع:

فالأول: قوم زنادقة كالمغيرة بن سعيد الكوفي، ومحمد بن سعيد المصلوب، أرادوا إيقاع الشك في قلوب الناس، فرووا: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله».

وذكر أبو عمر بن عبد البر عن حماد بن زيد أنه قال: «وضعت الزنادقة اثني عشر ألف حديث بثُّوها في الناس».

وحكى عن بعض الوضاعين أنه تاب فبكى وقال: «أنَّى لي التوبة وقد وضعت اثني عشر ألف حديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وقوم حملهم التصعب لمذاهبهم الفاسدة، قال شيخ من الخوارج بعدما تاب: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً.

وعن آخر قال: والله كنا نروي لكم الباطل ونحتسب الخير في ضلالكم.

وذكر الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية» سنده إلى المهدي قال: أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربع مئة حديث، فهي تجول بين أيدي الناس.

وقال سليمان بن حرب: دخلت على شيخ وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ قال: وضعت

@%ص191%

أربع مئة حديث وأدخلتها في برنامج الناس، فلا أدري كيف أصنع.

وعن محمد بن سعيد بن أبي قيس المصلوب: «إني لأسمع الكلمة الحسنة فلا أرى بأساً أن أحدث لها إسناداً».

قال ابن العربي المالكي: «هلكوا [5] _ أهل التعصب _ من وجهين بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وبفتوى الناس بما لم يصح، فيكون عليهم إثم الكذب والإضلال، وإثم إفساد الشريعة».

قال ابن العربي: «ولم يكن من أصحابنا المالكية من يعلم الحديث إلا القاضي أبو إسحاق، وغيره غُفْل عنه، ومن كان عنده حديث لم يكن نظاراً، فضاع المذهب بعده بينهم» [6].

ومنهم قوم تعصبوا لقوم على قوم، كأحاديث رووها في فضل علي رضي الله عنه، والتنصيص على خلافته، وغير ذلك من ترهاتهم وباطلهم، من أن النخل صاحت بفضله، وأن اسمه في القرآن، والشمس وضحاها والحسن والحسين، النهار إذا جلاها, وشبهه مما ملؤوا به الأوراق والصحف، وقد ثبت في فضل علي رضي الله عنه في الأحاديث الصحيحة ما فيه مقنع وكفاية.

وقوم تعصبوا لمعاوية وزوروا له أشياء، وكذلك قوم تعصبوا لأبي حنيفة، وكل ذلك مذكور في موضعه ، بيَّن بطلانه جهابذة المحدثين.

قال أبو حاتم بن حبان: «وضع الحسن بن علي بن زكريا العدوي الرازي حديث النظر إلى وجه علي عبادة، وحدث عن الثقات لعله بما يزيد على ألف حديث سوى المقلوبات».

ومنهم قوم وضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا بزعمهم الفاسد: وضعناها حسبة، كما قال الشيخ محمد بن مكي القرشي، أنا الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح قال: رويت عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم، أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة. فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومعاذ بن أبي إسحاق، فوضعت هذا الحديث

@%ص192%

حسبة.

وقال أبو بكر بن العربي: كان بعض الزهاد بخراسان يضع الحديث في فضائل القرآن حتى أخرج لكل سورة حديثاً، فكُلِّمَ في ذلك وعرض عليه ما فيه فقال: رأيت الناس قد زهدوا في القرآن فأردت أن أرغبهم، فقيل له: فأين الوعيد في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أنا لم أكذب عليه، إنما كذبت له.

قال ابن العربي: ولم يعلم البائس أنه من كذب له بما لم يُخبِر به أنه كذب عليه، أو علم لكنه استخف فكفر بذلك.

وقد قال ابن الصلاح في حديث أُبَيِّ بن كعب الطويل في فضائل القرآن سورة سورة: بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه.

قال: وإن أثر الوضع لبيِّن عليه، ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفسيرهم [7]، والله أعلم.

قلت: أما نوح بن أبي مريم هذا فقد قال فيه يحيى: «ليس بشيء، لا يكتب حديثه».

وقال مسلم وأبو حاتم والدارقطني: «متروك، كان يقلب الأسانيد».

وقال الحاكم: «وضع أحاديث فضائل القرآن».

قال أبو العباس القرطبي: «وقد استجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبة قولية، وحكاية نقلية، فنقول في ذلك: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا».

قال: «ولذلك ترى كتبهم مشحونة بأحاديث موضوعة تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، مع أنهم لا يقيمون لها سنداً

@%ص193%

صحيحاً، فهؤلاء شملهم النهي والوعيد» هذا آخر كلامه.

قلت: ما أدري من المراد بأهل العراق، ويبعد نسبة هذا إلى من يعتبر قوله، والله أعلم.

وأما الثاني وهو بم يعرف الحديث الموضوع:

قال أبو عمرو بن الصلاح: يعرف بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة إقراره، أو قرينة في حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث يشهد لوضعها ركاكة لفظها.

أما الإقرار فقد تقدم في الفصل قبله كحديث نوح وغيره، وأما الثاني فقيل لزائدة: لم تركت حديث الكلبي؟ قال: مرض الكلبي فكنت أختلف إليه، فسمعته يقول: مرضت فنسيت ما كنت أحفظه فأتيت آل محمد فتفلوا في فيَّ فحفظت كل ما نسيت، فقلت: لله عليَّ لا أروي عنك شيئاً أبداً [8].

قال الخطيب: ومما يستدل به على كذب الراوي أن يروي عن من لم يدركه معرفة تاريخ وفاة الشيخ ومولد الراوي، كما جاء عن عمران بن موسى أنه قال: أخبرنا شيخكم الصالح، وأكثر من ذلك، فقيل له: من هو؟ قال: خالد بن معدان، قيل له: في أي سنة لقيته؟ قال: سنة ثمان ومئة في غزاة أرمينية، فقيل له: اتق الله يا شيخ ولا تكذب، مات خالد سنة أربع ومئة، ولم يغزُ أرمينية قط.

وعن نعيم بن حماد قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: كيف تعرف الكذاب؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون.

وعن الأوزاعي قال: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما تركوا تركنا.

وقيل لعبد الله بن المبارك: «هذه الأحاديث

@%ص194%

الموضوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة».

وقيل عن أحمد أنه قال ليحيى وهما بصنعاء: «تكتب عن عبد الرزاق عن معمر عن أبان بن أبي عياش، وتعلم أن أبان بن أبي عياش كذابٌ يضع الحديث؟ فقال: يرحمُك الله يا أبا عبد الله، أكتبه حتى لو جاء كذابٌ يرويه عن معمر عن ثابت عن أنس، أقول له: كذبت، ليس هذا من حديث ثابت، إنما هو من حديث أبان».

وأبان بن أبي عياش مولى أنس بن مالك، واسم أبي عياش: فيروز.

وعن شعبة أنه قال: «لأن أرتكب سبعين كبيرة أحب إلي من أحدث عن أبان بن أبي عياش».

وعن إسحاق بن راهويه: «إني لأعرف مكان مئة ألف حديث، كأني أنظر إليها، وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة»، قيل له: ما معنى حفظك المزورة؟ قال: «إذا مر بي حديث منها في الأحاديث الصحيحة قلبته منها قلباً» [9].

وعن البخاري أنه قال: «أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح».

وفي بعض الطرق: «وأعرف مئتي ألف»، بلفظ: «أعرف» بدل: «أحفظ».

وروى ابن داسَة قال أبو داود: «كتبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب _ يعني السنن _ جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مئة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه، ويقاربه».

قال أبو بكر بن العربي وغيره: إنما جمع الأئمة الأحاديث الموضوعة والمبهمة ليبينوا حالها للناس لا يضلوا بها.

وأما جهات الوضع فربما وضع الواضع كلاماً لنفسه وربما أخذ كلاماً لبعض الحكماء أو كلام بعض الصحابة فرفعه، كما روي عن أحمد بن إسماعيل السهمي عن مالك عن وهب بن كيسان، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج إلا الإمام» وهو في «الموطأ» عن وهب عن جابر من قوله.

وربما أخذوا كلاماً للتابعين فزادوا فيه رجلاً ورفعوه.

وقوم من المجروحين عمدوا إلى أحاديث مشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد معروفة، وضعوا لها غير تلك الأسانيد ليغربوا بذلك، فركبوا حديث هذا

@%ص195%

على غير إسناده المعروف.

وقوم كانوا يدخلون على الشيوخ أحاديث ليست من رواياتهم، فيلبسون عليهم، فيظنون أنها من روايتهم فيروونها، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قال أبي: «الأحاديث التي أخرجها أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث في آخر عمره التي أنكرت عليه يرى أنها مما افتعله خالد بن نجيح، كان أبو صالح يصحبه، وكان سليم الناحية، وكان خالد بن نجيح يفتعل الحديث ويضعه في كتب الناس، وكان أبو صالح رجلاً صالحاً».

وقوم فيهم غفلة إذا لُقِّنوا تلقنوا، ومنهم موسى بن دينار، يقال له: حدثك سعيد عن ابن عباس، فيقول: حدثني سعيد عن ابن عباس، حدثك القاسم عن عائشة، فيقول: كذا، وكذلك غيره.

وقوم ضاعت كتبهم فحدثوا من حفظهم على التخمين، كما يقال عن عبد الله بن لهيعة أنه احترقت كتبه بمصر، فحدث فخلط، فكان أحمد ابن حنبل يقول: سماع ابن المبارك وأقرانه من ابن لهيعة صحيح، لأنهم حدثوا عنه قبل احتراق كتبه.

وقوم سمعوا مصنفات وليست عندهم، فحملهم الشره إلى أن حدثوا من كتب مشتراة ليس لهم فيها سماع ولا مقابلة.

ومنهم جماعة كثيرة ليسوا من أهل هذا الشأن، سئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار ومحمد بن واسع وحسان بن أبي سنان، قال: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، لأنهم يكتبون عن كل من يلقون، لا تمييز لهم.

وروى الخطيب بسنده عن ربيعة الرأي، قال: من إخواننا من نرجو بركة دعائه، ولو شهد عندنا بشهادة ما قبلناها.

وعن مالك قال: أدركت سبعين عند هذه الأساطين، وأشار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم يؤمن على بيت المال، لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ونزدحم على باب محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري.

وعن مالك أيضاً قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة ويؤخذ ممن سوى ذلك؛ لا يؤخذ من رجل صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه معلن بالسفه، وإن كان من أروى الناس، ولا ممن يكذب في حديث الناس، وإن كان لا نتهمه أن يكذب في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من رجل

@%ص196%

له فضل وصلاح وعبادة، لا يعرف ما يحدث، والله أعلم.

السابع:

قال القاضي عياض: ذهب قوم إلى أن هذا الحديث وردَ في رجلٍ بعينه كذَبَ على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وادعى لقوم أنه رسوله إليهم يحكم في أموالهم ودمائهم، فأمر عليه السلام بقتله إن وجد حياً، وإحراقه إن وُجِد ميّتاً.

قال: والصوابُ عُمومه في كل خبَر تُعُمد به الكذب عليه، ولهذا قال: «إِنَّ كذباً عليَّ ليس كَكذِبٍ على أحدٍ» وشبهه من ألفاظ الأحاديث.

ومما يؤيد عمومه: استدلال عمر والزبير بهذا الوعيد لتوقفهم عن التحديث، ولو كان في رجل بعينه أو مقصوراً على سبب أو لفن مفرد لمَا حذَّروا الناس مما يُظَنُّ دخولُه في النهي اللحن وشبهه، ولهذا قال العلماء: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم به من قول ما لم يقل.

قال الأصمعي: أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليَّ» الحديث، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن، فمهما لحن الراوي فقد كذب عليه.

وكان الأوزاعي يعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصلحها، فإذا صح في روايته كلمة غير مقيدة فله أن يسأل عنها أهل العلم ويرويها على ما يجوز فيه، روي ذلك عن أحمد وغيره.

قال أحمد: يجب إعراب اللحن لأنهم لم يكونوا يلحنون.

وقال أبو الحسن القابسي عن النسائي: إذا كان اللحن شيئاً تقوله العرب، وإن كان في

@%ص197%

غير لغة قريش، فلا يغيَّر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلم الناس بلسانهم، وإن كان لا يوجد في كلام العرب فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلحن.

قال الأوزاعي: كانوا يعربون، وإنما اللحن من حملة الحديث، فأعربوا الحديث.

وقيل للشعبي: أسمع الحديث ليس بإعراب [10] أفأعربه؟ قال: نعم.

فإن قلت: لو صح في رواية ما هو خطأ ما حكمه؟ قلت: الجمهور على روايته على الصواب، ولا يغيره في الكتاب، بل يكتب في الحاشية كذا وقع وصوابه كذا. وهو الصواب. وقيل: يغيره ويصلحه. وروي ذلك عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما وعن عبد الله بن أحمد ابن حنبل. قال: كان أبي إذا مر به لحن فاحش غيره. وإن كان سهلاً تركه. وعن أبي زرعة أنه كان يقول: أنا أصلح كتابي من أصحاب الحديث إلى اليوم.

أما إذا صح في الرواية ما هو خطأ فقد قال الجمهور: إنه يرويه على الصواب، ولا يغيره في الكتاب؛ بل يكتب في الحاشية: كذا وقع في الحديث، والصواب كذا.

قال النواوي: وهو الصواب، وقيل يغيره ويصلحه، روي ذلك عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما، وعن عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: إذا كان إذا مرَّ بأبي لحن فاحش غيره، وإن كان سهلاً تركه.

وعن أبي زرعة أنه كان يقول: أنا أصلح كتابي من أصحاب الحديث إلى اليوم.

ومنه استفهام الكلمة الساقطة على الراوي يستفهمها من المستملي أو غيره، جوزه بعضهم، سئل أحمد عنه أستفهمها من المستملي؟ قال: إذا كان مجتمعاً عليها فلا بأس.

وعن الأعمش قال: كنا نجلس إلى إبراهيم فتتسع الحلقة، فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه بعضهم، فيسأل بعضهم بعضاً ثم يروونه عنه وما سمعوه منه.

وقيل لأحمد: الشيخ يدغم الحرف يعرف أنه كذا وكذا، ولا يفهم عنه، تَرَى أن يُروَى ذلك عنه؟ قال: أرجو أن لا يضيق هذا.

وقيل لمالك: أرأيت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يزاد فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفاً.

وقيل لأحمد: الرجل يسمع الحديث فيسقط من كتابه الحرف مثل الألف واللام ونحوه أيصلحه؟ فقال: لا بأس أن

@%ص198%

يصلحه.

وكذلك قال غيره كما جاء عن بعضهم أنه قال: عن بحينة، وإنما هو ابن بحينة، وجريج وإنما هو ابن جريج، فيصلحه، وكذلك الاسم بجملته كما جاء في أصل ابن مهدي عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدني إليَّ رأسه، والحديث محفوظ عن عمرة عن عائشة، فألحق فيه ذكر عائشة إذا لم يكن بد منه.

ومنه ما إذا درس من كتابه بعض إسناد أو متن، هل يجوز استدراكه من كتاب غير متهم؟ قيل بالجواز، وقيل بالمنع.

ومنه رواية الحديث بالمعنى دون اللفظ، فجوزه الأكثر إذا كان عارفاً بالألفاظ ومعانيها، خبيراً بما يحيل معانيها، بصيراً بمقدار التفاوت بينهما، ومنعه بعضهم، وقيل بالمنع في حديث النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره.

وعن مالك: كل حديث النبي صلى الله عليه وسلم يروى على لفظه، وما كان عن غيره فلا بأس إذا أصاب المعنى.

وعن ابن عون قال: كان الحسن والشعبي وإبراهيم يحدثون بالمعاني، وكان القاسم بن محمد ورجاء بن حيوة وابن سيرين يحدثون كما سمعوا.

التاسع [11]:

توقَّى جماعة الإكثار من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ منهم عمر، وعلي، والزبير، وسعد، وغيرهم من الصحاب، زاد بعضهم في حديث الزبير: «أما والله لقد كان لي منه وجه ومنزلة، ولكني سمعته يقول: من كذب عليَّ متعمداً»، رواه أبو داود في سننه، قال بعض الحفاظ: المحفوظ في حديث الزبير حذف لفظة: «متعمداً»، ولذلك جاء في بعض طرقه [12] فقال: ما لي لا أراك يحدث كما يحدث فلان

@%ص199%

وفلان وابن مسعود؟ فقال: والله يا بني ما فارقته منذ أسلمت، ولكني سمعته يقول: «من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار»، والله ما قال متعمداً وأنتم تقولون: «متعمداً».

قال أبو الحسن القابسي: لم يذكر في حديث علي والزبير «متعمداً»، فمن أجل ذلك هاب بعض من سمع الحديث أن يحدث الناس بما سمع، وهو بيِّنٌ في اعتذار الزبير، لأنه لم يكن يتعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: وهذا ابن هرمز على إمامته في المدينة وثناء مالك عليه في سعة العلم، لا يكاد يُروى عنه حديث [13].

ولقد دار بين محمد بن مسلم الزهري وربيعة الرأي معاتبة، فقال ربيعة للزهري: إنما [14] أنا أخبر الناس برأي، إن شاؤوا أخذوا، وإن شاؤوا تركوا، وأنت تخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحفظ، قال: وإنما اتسع الناس لحديث أبي هريرة لقوله «متعمداً» [15]، وكرهوا الإكثار لقول أنس: «إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً».

وقد كره الإكثار في الرواية عمر، وقال: «أَقِلُّوا الحديث وأنا شريككم».

قال مالك: «يقول: وأنا أيضاً أقلُّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».

قال أبو الحسن: يريد عمر أن الأمر قد استقر وبانت معالمه، فالإكثار إنما يأتي في غير الواجبات، فلا يؤمن على من أكثر الرواية أن يدخل عليه الوهم، فيخاف عليه أن يكون متكلفاً في الإكثار، فلا يعذر في الوهم.

ودخل مالك على ابني أخيه: أبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس، وهما يكتبان الحديث، فقال لهما: إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا الأمر فأقلا منه وتفقها.

ولقد أشفق قوم من الحديث كراهة أن يبدلوا لفظة مكان لفظة، وإن لم يختلف المعنى.

وذكر غير القابسي لامتناعهم وجهاً آخر، وهو أن

@%ص200%

تركهم الحديث كان لقيام بعضهم به ولكثرتهم، كما روي أنه قيل لرجل من الصحابة: ما لك لا تحدث كما يحدث فلان وفلان؟ قال: ما بي [16] أن لا أكون سمعت مثل ما سمعوا أو حضرت مثل ما حضروا، ولكن لم يدرس الأمر بعد، والناس متماسكون، فأنا أجد من يكفيني، وأكره التزيد والنقصان في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

الكلام على حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

قوله: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلاَ تَكنوا [17] بِكُنْيَتِي» هذا الحديث روي من طرق تأتي في «باب الأدب».

قال القاضي: اختلف في النهي هل هو عام أو خاص أو منسوخ؟ فذهب أهل الظاهر إلى المنع منه مطلقاً، قلت: والشافعي ومن تابعه، قال الربيع: قال الشافعي: ليس لأحد أن يكتني بأبي القاسم، سواء كان اسمه محمداً أم لم يكن.

قال القاضي: ومنع قوم تسمية الولد بالقاسم لئلا يكون سبباً للتكنية، ويؤيد هذا قوله فيه: «إنما أنا قاسم» فأخبر صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي اقتضى اختصاصه بهذه الكنية.

قال: وقال قوم: يجوز التكنية بأبي القاسم لغير من اسمه محمد وأحمد، وجوز التسمية بمحمد وأحمد ما لم تكن له كنية بأبي القاسم، وقد روي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي، وتكنى بكنيتي فلا يتسمَّ باسمي».

وخرج الترمذي عن أبي هريرة: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين اسمه وكنيته».

وذهب قوم إلى أن النهي منسوخ بالإباحة في حديث علي وطلحة، وهو قول الجمهور من السلف والعلماء، وسمى جماعة أبناءهم محمداً وكنوهم أبا القاسم.

قال المازري: قال بعضهم: النهي

@%ص201%

مقصور بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ذكر أن سبب الحديث أن رجلاً نادى يا أبا القاسم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لم أَعْنِك، وإنما دعوت فلاناً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي»، وبه قال مالك، وجوز أن يسمى بمحمد ويكنى بأبي القاسم مطلقاً.

قلت: أما الحديث الأول فأخرجه أبو داود، وأما الثاني ففي الصحيحين، وقد قيل: إن سبب النهي أن اليهود تكنوا به، وكان ينادون: يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: لم نعنك، إظهاراً للإيذاء، وقد زال ذلك المعنى.

وأما الثالث: وهو حديث علي رضي الله عنه فخرجه أبو داود في سننه من حديث محمد بن الحنفية قال: قال علي: قلت يا رسول الله، إن ولد لي من بعدك ولد تسميه باسمك، وتكنيه بكنيتك؟ قال: نعم.

وقال أحمد بن عبد الله: ثلاثة تكنوا بأبي القاسم، رخص لهم: محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله.

قوله: «وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» جاء في الحديث أربعة ألفاظ صحاح، ما ذكر، و: «من رآني فقد رأى الحق»، وجاء: «فسيراني في اليقظة»، وجاء: «لكأنما رآني في اليقظة»، وفي رواية: «فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي».

وهذا الثاني يفسر الأول، فإن قوله: «فقد رآني» معناه فقد رأى الحق.

قال الإمام المازري وغيره: اختلف في تأويه، فقال القاضي أبو بكر بن الطيب: معنى قوله: «فقد رآني أي رأى الحق» ورؤياه ليست بأضغاث أحلام، ولا من تشبيه الشيطان.

وقوله: «إن الشيطان لا يتمثل بي» إشارة إليه، أي أنها لا تكون أضغاثاً؛ بل حقاً ورؤيا صحيحة.

قال: وقد يراه الرائي على غير صفته المنقولة إلينا

@%ص202%

كأبيض اللحية، أو خلاف لونه، أو يراه اثنان في زمن واحد أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، يراه كل واحد في مكانه.

قال: وقال آخرون: بل الحديث على ظاهره، والمراد من رآه فقد أدركه صلى الله عليه وسلم، ولا مانع يمنع منه، والعقل لا يحيله، وما يذكر من الاعتلال بأنه قد يراه على خلاف صفته المعروفة أو في مكانين معاً فذلك غلط من الرائي في صفاته، وتخيل لها على خلاف ما هي عليه، وقد يظن بعض الخيالات مرئيات لكون ما يتخيل مرتبطاً بما يرى في العادة، فتكون ذاته صلى الله عليه وسلم مرئيةً وصفاته متخَيَّلةً غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار، ولا قرب المسافة، ولا كون المرئيِّ مدفوناً في الأرض، ولا ظاهراً عليها، وإنّما يشترَط كونه موجوداً، وجاء ما يدلّ على بقاء جسمه صلى الله عليه وسلم، وأن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، وتكون الصّفات المتخيَّلة أثرها وثمرتها اختلاف الدّلالات.

فقد ذُكر أنه إذا رآه صلى الله عليه وسلم شيخاً فهو عام سلم، أو شاباً فهو عام جدب، وإن رآه حسن الهيئة حسن الأقوال والأفعال مقبلاً على الرائي كان خيراً له، وإن رآه على خلاف ذلك كان شراً له، ولا يلحق النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك شيئاً، ولو رآه آمِراً بقتل من لا يحل قتله فهذه من الصّفات المتخيّلة لا المرئية.

وفيه قول ثالث قاله القاضي عياض وأبو بكر بن العربي المالكيان: إن رآه صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال، وتكون رؤيا تأويل، فإن من الرؤيا ما تخرج على وجهها

@%ص203%

ومنها ما يحتاج إلى تأويل.

قال النواوي: هذا القول الثالث ضعيف؛ بل الصحيح القول الثاني، وهو أنه يراه حقيقة، سواء كان على صفته أو غيرها.

قوله في بعض الروايات: «فسيراني في اليقظة »، و«كأنما رآني في اليقظة» قيل: معناه سيرى تفسير ما رأى لأنه حق، وقيل: سيراه في القيامة، وقيل: المراد بقوله «سيراني» أهل عصره صلى الله عليه وسلم ممن لم يهاجر، فتكون الرؤية في المنام علماً له على رؤيته في اليقظة.

تنبيه:

اختلف في حقيقة الرؤيا، هل هي إدراكات أو اعتقادات، فالأول قول الشيخ أبي إسحاق أنها إدراكات يخلقها الله في قلب العبد على يد الملك أو الشيطان، إما بأسمائها أي معينة مفصولة مبينة غير مختلط بعضها ببعض، وإما تخليطاً، ونظيره في اليقظة الخواطر، فإنها قد تأتي على نسق، وقد تأتي مسترسلة غير مُخصَّلَة، فإذا خلقها الله على يد الملك كان وحياً وبرهاناً مفهوماً.

والثاني: قول القاضي أبي بكر أنها اعتقادات.

قال الإمام أبو بكر بن العربي: منشأ الخلاف بينهما أنه قد يرى نفسه بهيمة أو ملكاً أو طائراً، وهذا ليس إدراكاً لأنه ليس حقيقة، فصار القاضي إلى أنها اعتقادات؛ لأن الاعتقاد قد يأتي على خلاف المعتقد.

قال ابن العربي: ذهل القاضي عن أن هذا المرئي مَثَل، فالإدراك إنما يتعلق بالمثل.

وقال المازري يتمم [18] على قول القاضي: إن الصحيح [19] أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فهو تعالى يفعل ما يشاء، ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علماً على أمور أُخَر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها، فإذا خلق

@%ص204%

في قلب النّائم اعتقاد الطّيران وليس بطائر فقصارى ما فيه أنّه اعتقد أمراً على خلاف ما هو عليه، فيكون ذلك الاعتقاد عَلَماً على غيره، كما يخلق الله الغيم عَلَماً على المطر، وبقية الكلام في الرؤيا يأتي في موضعه من «كتاب الرؤيا» عند الوصول إليه إن شاء الله تعالى.

وفي السند:

علي بن الجعد، تقدم في «باب أداء الخمس من الإيمان»، روى له خ ود.

وشعبة تقدم.

وفيه: منصور بن المعتمر بن عبد الله بن رُبَيعة _ بضم الراء _ السلمي، أبو عتاب [20].

ويقال: ابن المعتمر بن عتَّاب بن عبد الله، ويقال: ابن المعتمر بن عباد بن فرقد، السلمي الكوفي، المجمع على جلالته وتوثيقه وفضله وصلاحه وعبادته.

أخرج البخاري في «العلم»، و«الوضوء»، و«الغسل»، و«الحج»، وغير موضع عن شعبة، والثوري، وابن عيينة، وشيبان، وروح بن القاسم، وأبي الأحوص، وحماد بن زيد، وجرير بن عبد الحميد، عنه، عن أبي وائل، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والزهري، ومجاهد، وربعي بن حراش، وسالم بن أبي الجعد، وغيرهم.

وروى عنه أيضاً في غير البخاري: سليمان التيمي، والأعمش، وابن عيينة وغيرهم.

قال ابن مهدي: «منصور أثبت أهل الكوفة».

وقال يحيى بن معين: «هو نظير أيوب».

وقال أبو حاتم: «هو ثقة أتقن من الأعمش، لا يخلط ولا يدلس».

وقال سفيان: «إذا جاءت المذاكرة جئنا بكل، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصور بن المعتمر».

وقال أحمد بن عبد الله: «منصور كوفي ثقة ثبت في الحديث، أثبت أهل الكوفة، وكان القدح لا يختلف فيه أحد، متعبد، رجل صالح، عمش من البكاء» [21].

ويقال: صام أربعين سنة، وقام ليلها، وكان يبكي الليل

@%ص205%

فإذا أصبح اكتحل وادهن وبرق شفتيه.

وأخذه يوسف بن عمر عامل الكوفة يريده على القضاء فامتنع، ويقال: إنه لما أكره على القضاء هرب إلى السواد.

توفي سنة ثلاث وثلاثين ومئة.

وفيه: ربعي بن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد الله بن بجاد بن عبد مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس غيلان بن مضر، الغَطَفاني العبسي بالموحدة، أبو مريم الكوفي، أخو مسعود الذي تكلم عند [22] الموت، وأخوهما ربيع.

قال الكلبي: كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى حراش بن جحش، فحرق كتابه، وليس لربعي عقب، والعقب لأخيه مسعود.

قَالَ ابن سعد: روى عن عمر، وعلي، وخرشة بن الحر.

قَالَ: قيل لشعبة: أدرك ربعي عليّاً؟ قَالَ: نعم حدّث عن علي ولم يقل: سمع.

وقيل عن أبي الحسن القابسي أنه لم يصح لربعي سماع من علي غير هذا الحديث.

أخرج البخاري في «العلم» وغير موضع عن منصور، وعبد الملك بن عمير عنه، عن علي، وحذيفة، وأبي مسعود، وخرشة بن الحر.

وقال المقدسي: قدم ربعي الشام وسمع خطبة عمر بالجابية.

وقال العجلي: تابعي ثقة، لم يكذب كذبة قط، كان لَهُ ابنان يعصيان عَلَى الحجاج، فقيل للحجاج: إنه لم يكذب كذبة قط، فلو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه، فقال: أين ابناك؟ فقال: هما في البيت، فقال: قد عفونا عنهما بصدقك.

وقيل: إن ربعياً آلى أن لا يفتر ضاحكاً حتَّى يعلم أين مصيره، فما ضحك إلا بعد موته.

توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل: توفي سنة أربع ومئة، روى له الجماعة.

وفيه: علي أبو الحسن، أمير المؤمنين بن أبي طالب

@%ص206%

واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وصهره على فاطمة رضي الله عنها، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة.

كناه النبي صلى الله عليه وسلم أبا تراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت هاشمياً، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل في قبرها.

وكان علي أصغر من جعفر وعقيل وطالب، وهو أول الناس إسلاماً في قول جماعة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبوكاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه على أهله، وآخاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، كان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وقال له في كل واحد منهما: «أنت أخي في الدنيا والآخرة».

وروي عن علي أنه قال: أنا أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل: أسلم وهو ابن عشر سنين، وقيل: خمس عشرة.

وقال جماعة: إن أبا بكر أول من أسلم، وقيل خديجة، وقال بعضهم: الصحيح أن أولهم خديجة، ثم أبو بكر، ثم علي، وقد تقدم أن الأعدل أن يقال: إن أبا بكر أول الرجال إسلاماً، وعلياً أول الصبيان، وخديجة أول النساء، وزيد أول الموالي، وبلال أول العبيد.

وفضائله كثيرة مشهورة، فمنها ما جاء في الصحيح من حديث سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف علياً في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تجعلني في النساء والصبيان

@%ص207%

فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى, غير أنه لا نبي بعدي».

وفي صحيح مسلم عن سعد في حديث طويل قال: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي».

وللترمذي مرفوعاً: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وقال فيه: حديث حسن.

وأما قوله: «أنا دار الحكمة وعلي بابها» وفي رواية: «أنا مدينة العلم» قالوا: الحديث باطل، وقد رواه الترمذي، وقال: منكر.

ولي الخلافة خمس سنين، وقيل: خمس سنين إلا شهراً ، بويع له بالخلافة بعد عثمان لكونه أفضل الصحابة حينئذ، وقال سعيد بن المسيب: ما كان أحد يقول: سلوني غير علي.

وقال ابن عباس: أعطي عليٌّ تسعة أعشار العلم، ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي، وإذا أُثبِتَ لنا الشيءُ عن علي لم نعدل إلى غيره، ورجوع كبار الصحابة إلى فتواه وقوله مشهور.

وعن علي رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى اليمن ويسألوني عن القضاء ولا علم لي به، فقال: ادنه، فدنوت، فضرب بيده على صدري ثم قال: اللهم ثبت لسانه واهد قلبه، فلا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما شككت في قضاء بين اثنين قط.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس مئة حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفقا منها على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر.

روى عنه بنوه الثلاثة: الحسن، والحسين، ومحمد ابن الحنفية، وابن مسعود، وخلق كثير.

ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي

@%ص208%

وهو من حمير بسيف مسموم في جبهته فأوصله دماغه، في ليلة الجمعة، وتوفي بالكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان، سنة أربعين.

ولما ضربه ابن ملجم قال: فزت ورب الكعبة، ولما فرغ من وصيته قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم لم يتكلم إلا بلا إله إلا الله حتى توفي، وعمره ثلاث وستين في قول الأكثر.

وكان آدم اللون، أصلع، ربعة، أبيض الرأس واللحية، وربما خضب لحيته.

قال ابن قتيبة: كان له من الولد الحسن والحسين ومحسن، وأم كلثوم، كلهم من فاطمة رضي الله عنها، ومحمد ابن الحنفية من غيرها، روى له الجماعة.

وفي الحديث الثاني: جامع بن شداد المحاربي، أبو صخرة، وقيل: أبو صخر الكوفي، أخرج البخاري في «العلم» و«التوحيد» وغيرهما عن الأعمش وشعبة، والثوري، وغيرهم عنه، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، وصفوان بن محرر.

قال يحيى بن معين وأبو حاتم: «ثقة»، وقال غيرهما: له نحو عشرين حديثاً.

توفي سنة ثمان عشرة ومئة، وقيل: ثمان وعشرون، روى له الجماعة.

وفي الحديث الثالث: عبد العزيز بن صهيب البُنَاني مولاهم، وبنانة من قريش، سمع أنس بن مالك.

أخرج البخاري في «الإيمان»، و«العلم»، و«الصلاة»، وغيرهما عن شعبة، وعبد الوارث، وابن علية، عنه، عن أنس.

قال أحمد ابن حنبل: «ثقة ثقة»، روى له الجماعة، وتقدم في «كتاب الإيمان» في «باب حب الرسول من الإيمان»، روى له الجماعة [23].

وفي الحديث الرابع: يزيد بن أبي عبيد، مولى سلمة

@%ص209%

بن الأكوع.

[أخرج البخاري] [24] في «العلم»، و«التفسير»، و«الأضاحي»، عن بكير الأشج، وحاتم بن إسماعيل، ويحيى بن سعيد القطان، وأبي عاصم، ومكي بن إبراهيم، عنه، عن سلمة بن الأكوع.

توفي سنة ست أو سبع وأربعين ومئة، روى له الجماعة.

وفيه سلمة بن عمرو بن الأكوع [25]، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن قشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر الأسلمي.

شهد بيعة الرضوان، و بايع يومئذ ثلاث مرار، بايعه يومئذ على الموت.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة وسبعون حديثاً، اتفقا منها على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة.

أخرج البخاري في «العلم»، و«النكاح»، و«الجهاد»، و«عمرة الحديبية»، عن ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، والحسن بن محمد ابن الحنفية، عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل: إنه شهد غزوة مؤتة، ولما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، فتزوج هناك امرأة فولدت له أولاداً، فلم يزل بها إلى قبل أن يموت بليال نزل المدينة.

توفي بالمدينة سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة.

وهذا الحديث من ثلاثيات البخاري، وبه فضل البخاري على غيره.

روى لسلمة الجماعة.

وفي الحديث الثاني: عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، المدني، أبو الحارث، أخو عباد وحمزة وثابت وخبيب وموسى وعمر.

كان عابداً فاضلاً، أخرج البخاري في «العلم»، و«التهجد»، و«الجنائز» وغيره عن مالك وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وجامع بن شداد، عنه، عن أبيه، وعمرو بن سليم الزُّرَقي.

قال أحمد ابن حنبل: «ثقة من أوثق الناس».

@%ص210%

وقال يحيى بن معين وأبو حاتم: «ثقة».

قال الواقدي: مات قبل هشام أو بعده بقليل، ومات هشام سنة أربع وعشرين ومئة، روى له الجماعة.

وفيه: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في الأب الخامس، وأمه صفية بنت عبد المطلب، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، فهو ابن عمه [26] النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة، وأحد الستة الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.

وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مسعود من المهاجرين، وبينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش من الأنصار.

شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واليرموك وفتح مصر، وهاجر الهجرتين، وأسلم وهو ابن ست عشرة سنة.

وكان أسمر، وقيل: أبيض، ربعة، معتدل اللحم، خفيف اللحية، أشعر الكتف، طويلاً تخط رجلاه بالأرض إذا ركب الدابة.

وفي «الصحيحين» عن جابر قال: «ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الأحزاب، فانتدب الزبير ثلاث مرات، قال: من يأتيني بخبر القوم؟ قال الزبير: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي حوارياً، وحواري الزبير».

وفي «الصحيحين» أيضاً عنه قال: جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال: «فداك أبي وأمي».

وعن عثمان رضي الله عنه لما أصابه رعاف شديد وأوصى ودخل عليه فقال: استخلف، فقال: وقالوه، قال: نعم، قال: ومن؟ فسكت، قال: فلعلهم قالوا: الزبير؟ قال: نعم، قال:

@%ص211%

أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد أخرج البخاري في «كتاب الخمس» عن ابنه عبد الله، وذكر قصة الدين الذي كان على أبيه وقال آخره: «وما ولي الزبير إمارةً قط، ولا جبايةَ خراج ولا شيئاً، وكان للزبير أربع نسوة، ودفع الثلث، فأصاب كلَّ امرأة منهن ألف ألف ومئتا ألف، قال: فجميع ماله خمسون ألف ألف [27].

وكان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فيتصدق به في مجلسه ما يقوم بدرهم منه.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بسبعة.

قتل يوم الجمل، وقد ترك القتال وانصرف بوادي السباع بناحية البصرة، وقبره هناك، في جمادى الأول، سنة ست وثلاثين، وهو ابن بضع وستين، وقيل: ابن خمس وسبعين، روى له الجماعة.

أخرج البخاري في «العلم» و«البيوع» وغيرهما عن ابنه عبد الله، وعروة عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي السند الخامس: موسى بن إسماعيل التبوذكي، وقد تقدم، وأبو عوانة، واسمه الوضاح، وتقدم أيضاً.

وفيه: أبو حَصِين، واسمه عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي، أخرج البخاري في «العلم»، و«الاعتكاف»، و«الجهاد»، وغيره عن محمد بن جحادة، وشعبة، والثوري، وأبي عوانة، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم عنه، عن أبي وائل، وأبي عبد الرحمن السلمي، وسعد بن عبيدة، وأبي صالح، وغيرهم.

وسمع أيضاً من ابن عباس، وعبد الله بن الزبير وغيرهما من الصحابة.

قال يحيى بن معين وأبو حاتم: «ثقة».

قال عبد الرحمن بن مهدي: «هو من حفاظ الكوفة».

وقال أحمد بن عبد الله: «كان

@%ص212%

ثقة في الحديث، وهو أعلى سناً من الأعمش، وكان عثمانياً، وكان بينه وبين الأعمش شيء، تباعد الأعمش منه [28] بسببه، وكان سخياً عالماً صاحب سنة، وكان عنده أربع مئة حديث».

توفي سنة ثمان وعشرين ومئة، روى له الجماعة، وليس في البخاري ومسلم حصين بفتح الحاء إلا هذا، أي حَصين بن عثمان، ومن عداه حُصين بضم الحاء المهملة، وكله بالصاد المهملة إلا حضين بن المنذر فإنه بالضاد المعجمة، والله أعلم.

[1] هذه العبارة كتبت فوق السطر، ويترجح أنها من الأصل لأن المؤلف سيفرد الكلام ويعدد الوجوه فيقول: الثالث .. الرابع .. الخامس ....
[2] كتب بهامش الأصل بخط مغاير: «.
[3] قبل كلمة: «الثالث» بياض بمقدار كلمة لعلها: «الوجه».
[4] في الأصل: «الألف» وهو خطأ واضح، والتصويب من شرح النووي على مسلم.
[5] كذا في الأصل، ولعل الصواب: «هلك»، وعبارته في «عارضة الأحوذي»: «فيهلك من وجهين ...».
[6] هذا الفقرة كتبت بهامش الأصل، وهي تتمة كلام ابن العربي، ويترجح أنها م





لا تتوفر معاينة

110- وبه قال: ((حدثنا)) ؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد ((موسى)) : هو ابن إسماعيل المنقري التبوذكي البصري ((قال: حدثنا أبو عَوانة)) ؛ بفتح العين: الوضاح اليشكري، ((عن أبي حَصِين)) ؛ بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين: عثمان بن عاصم الكوفي، المتوفى سنة سبع أو ثمان وعشرين ومئة، ((عن أبي صالح)) : ذكوان السمان الزيات المدني، ((عن أبي هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم قال: تَسَمُّوا)) ؛ بفتح التاء والسين وتشديد الميم، أمر بصيغة الجمع من باب التفعل ((باسمي)) : محمد وأحمد، ((ولا تَكْتَنوا)) ؛ بفتح التائين، بينهما كاف ساكنة، وفي رواية الأربعة: (ولا تكَنُّوا) ؛ بفتح الكاف وتشديد النون بدون تاء ثانية، من باب التفعل، وأصله: لا تتكنوا، فحذفت أحد التائين، أو بضم التاء، وفتح الكاف، وضم النون المشددة، من باب التفعيل، أو بفتح التاء وإسكان الكاف، والكل من الكناية، وهي في الأصل: أن يتكلم بشيء ويريد [1] به غيره.

والاسم العلم إما أن يكون مشعرًا بمدح أو ذم، وهو اللقب، وإما ألَّا يكون، فإما أن يصدر؛ بنحو الأب أو الأم وهو الكنية، أو لا وهو الاسم، فاسم النبي الأعظم عليه السلام: محمد، وكنيته: أبو القاسم، ولقبه: رسول الله وسيد المرسلين مثلًا عليه السلام.

((بكنيتي)) : وهو من عطف المنفي على المثبت، واستدل بهذا أهل الظاهر على منع التكني بكنيته عليه السلام مطلقًا، قال الشافعي: ليس لأحد أن يكتني بأبي القاسم، سواء كان اسمه محمدًا أم لا، ومنع قوم تسمية الولد بالقاسم كيلا يكون سببًا للتكنية، وقال قوم: يجوز التكني بأبي القاسم لغير من اسمه محمد أو أحمد، ويجوز التسمية بأحمد ومحمد ما لم يكن له كنية بأبي القاسم.

وقال إمامنا الإمام الأعظم والجمهور: إن النهي منسوخ في الإباحة، وبه قال مالك لما في «أبي داود» من حديث محمد بن الحنفية قال: قال علي: قلت: يارسول الله؛ إنْ وُلِدَ لي وَلَدٌ من بعدك أنسميه باسمك ونكنيه بكنيتك؟ قال: «نعم».

وقال أحمد بن عبد الله: ثلاثة تكنوا بأبي القاسم محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، وقال ابن جرير: النهي في الحديث للتنزيه والأدب لا للتحريم، وقيل: النهي مقصور على حياة النبي الأعظم؛ لأنَّه ذكر أن سبب الحديث أن رجلًا نادى: يا أبا القاسم، فالتفت النبي الأعظم، فقال: لم أعنك وإنما دعوت فلانًا، وقيل: [/ص67/] إن سبب النهي أن اليهود تكنوا به وكانوا ينادون: يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي الأعظم؛ قالوا: لم نعنك؛ إظهارًا للإيذاء، وقد زال ذلك المعنى.

((ومن)) : موصولة تتضمن معنى الشرط ((رآني في المنام)) : وهو ثلاثة أقسام: رؤيا من الله تعالى، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا مما حدث به المرء نفسه، والأحاديث في هذا الباب نفت القسم الثاني، وكذا لا يجوز أن تكون رؤيته عليه السلام من القسم الثالث؛ لأنَّ الاجتماع بين الشخصين يقظة ومنامًا؛ لحصول الاتحاد إما في الذات، أو في الصفة، أو في الأحوال، أو في الأفعال، أو في المراتب، فمن حصل له هذه؛ ثبتت المناسبة بينه وبين الأرواح الماضية فيجتمع بهم، ولا كذلك النبي الأعظم؛ لأنَّ حديث المرء نفسه ليس مما يقدر أن يحصل مناسبة بينه وبين النبي الأعظم عليه السلام، فثبتت أن رؤياه عليه السلام من الله تعالى.

وقوله: ((فقد رآني)) : جواب الشرط، وفي رواية: (فقد رأى الحق) ، وفي أخرى: (فسيراني في اليقظة) ، وفي أخرى: (فكأنما رآني في اليقظة) ، وحقيقة الرؤيا: إدراكات يخلقها الله في قلب العبد على يد الملك أو الشيطان، ونظيره في اليقظة: الخواطر، وقيل: هي اعتقادات فما يريه الملك الموكل بها يطلعه على قصص بني آدم من اللوح، فهو ينسخ منها ويضرب لكل على قصته مثلًا، فإذا نام؛ تمثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة؛ ليكون له بشارة، أو نذارة، أو معاينة؛ ليكون على بصيرة من الأمر.

((فإنَّ الشيطان)) : الفاء للتعليل، و (الشيطان) : اسم (إنَّ) ، وخبرها قوله: ((لا يتمثل في صورتي)) : وفي رواية: (فإنَّه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي) ، وهذا تفسير للأول؛ لأنَّ معنى قوله: (فقد رآني) ؛ أي: رأى الحق، ورؤياه ليست بأضغاث أحلام ولا من تشبيه الشيطان، فرؤياه حق صحيحة.

الحديث على ظاهره، والمراد: أن من رآه؛ فقد أدركه عليه السلام ولا مانع منه، وقيل: إن رآه بصفته المعلومة؛ فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته؛ فهو إدراك المثال، فتكون رؤيا تأويل، والصحيح الثاني.

فمعنى قوله: (فقد رآني) ؛ أي: فقد رأى مثالي في الحقيقة؛ لأنَّ المرئي في المنام مثاله، وليس المراد أنه رأى جسمي وبدني، بل رأى مثالًا [2] ، صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى، فالملك الموكل يمثل بالموجود ما في اللوح المحفوظ من المناسبة، ومعنى قوله: (فسيراني في اليقظة) : وكأنما رآني في اليقظة سيرى تفسير ما رأى؛ لأنَّه حق، وقيل: سيراه في القيامة، وقيل: أهل عصره بمن لم يهاجر، فتكون الرؤية في المنام علمًا له على رؤيته في اليقظة.

وقوله: (فإنَّ الشيطان لا يتمثل بصورتي) ؛ أي: في صفتي، وهي صفة الهداية، وقيل: هي على الحقيقة، وهي التخطيط [3] المعلوم المشاهد له عليه السلام، وهذا ظاهر، فقالوا: رؤيته عليه السلام هي أن يراه الرائي بصورة شبيهة لصورته الثابتة حليتها بالنقل الصحيح، حتى لو رآه في صورة مخالفة لصورته التي كان عليها في الحسن؛ لم يكن رآه عليه السلام، كأن يراه طويلًا، أو قصيرًا، أو أشقر، أو شيخًا، أو شديد السمرة، ونحو ذلك.

ومثله عليه السلام بقية الأنبياء والملائكة؛ فإنَّها حق لا يتمثل الشيطان بهم، وقد منَّ الله علي في رؤيتي له عليه السلام، ورؤيتي لموسى عليه السلام ، ورؤيتي لعلي بن أبي طالب، والحمد [لله] تعالى على ذلك.

((ومن كذب عليَّ متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار)) : ومقتضى الحديث استواء تحريم الكذب عليه في كل حال، سواء كان في اليقظة أو في النوم، وإذا كانت رؤياه حقًا فهل يطلق [عليه] الصحابي؟

أجيب: بأنه لا يطلق عليه ذلك؛ لأنَّ المراد من الرؤية المعهودة الجارية على العادة أو الرؤية في حياته في الدنيا فلا يصدق عليه الصحابي إلا وهو مسلم رآه عليه السلام، وأما الحديث المسموع في المنام؛ فهو ليس بحجة؛ لأنَّه يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطًا عند السماع، والنوم ليس حاله الضبط، وحديث: (من كذب عليَّ) في غاية الصحة حتى أطلق عليه جماعة: أنه متواتر، ونوزع بأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل طريق بمفردها.

أجيب: بأن المراد من إطلاق كونه متواترًا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم، والله أعلم.

[1] في الأصل: (وتريد) .
[2] في الأصل: (مثال).
[3] في الأصل: (التخلطيط).