المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

104-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: حدَّثني [1] اللَّيْثُ، قالَ: حدَّثني سَعِيدٌ [2] :

عن أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قالَ لِعَمْرِو بنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إلىَ مَكَّةَ: ائذَنْ لِي أَيُّها الأَمِيرُ؛ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قامَ بِهِ النَّبِيُّ [3] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنايَ، وَوَعاهُ قَلْبِي، وأَبْصَرَتْهُ عَيْنايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَىَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَها اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْها النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بها [4] دَمًا، وَلا يَعْضِدَ [5] بها شَجَرَةً، فإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ [/ج1ص32/] أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يأْذَنْ لَكُمْ، وإِنَّما أَذِنَ لِي فيها [6] ساعَةً مِنْ نَهارٍ، ثُمَّ عادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: ما قالَ عَمْرٌو؟ قالَ: أَنا أَعْلَمُ مِنْكَ يا أَبا شُرَيْحٍ، لا يُعِيذُ [7] عاصِيًا، وَلا فارًّا بِدَمٍ، وَلا فارًّا بِخَرْبَةٍ [8] .

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «حدَّثنا».
[2] في رواية ابن عساكر زيادة: «هو ابن أبي سعيد» وفي رواية الأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «سعيد بن أبي سعيد».
[3] في رواية السمعاني عن أبي الوقت: «رسولُ الله»، وزاد في (و) نسبتها إلىَ رواية [ع] أيضًا.
[4] في رواية المستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فيها». كتبت بالحمرة.
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[6] لفظة: «فيها» ليست في رواية أبي ذر.
[7] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «لا تعيذ».
[8] في رواية المستملي وأبي ذر زيادة: «يعني السَّرِقة».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

104- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ المصريُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ)؛ بكسر العين، المقبريُّ [1] ، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((سعيد بن أبي سعيدٍ))، ولغيرهم: ((هو ابن أبي سعيدٍ))، (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ)؛ بضمِّ [/ج1ص197/] المُعجَمَة، وفتح الرَّاء، آخره حاءٌ مُهمَلَةٌ، خويلد بن عمرو بن صخرٍ الخزاعيِّ الكعبيِّ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وستِّين رضي الله عنه وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث، (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ)؛ بفتح العَيْن في الأولى، وكسرها في الثَّانية، ابن العاصِ بن أميَّة، القرشيِّ الأمويِّ، المعروف بالأشدق، قال ابن حجرٍ: وليست له صحبةٌ، ولا كان من التَّابعين بإحسانٍ، (وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، جمع: البَعث؛ بمعنى المبعوث، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، والمعنى: يرسل الجيوش (إِلَى مَكَّةَ) _زادها الله تعالى شرفًا، ومنَّ علينا بالمُجَاوَرَة بها على أحسن وجهٍ في عافيةٍ بلا محنةٍ [2] _ لقتال عبد الله بن الزُّبَيْر؛ لكونه امتنع من مُبايَعَة يزيد بن معاوية في سنة إحدى وستِّين من الهجرة، واعتصم بالحرم، بلَّغنا الله المُجاوَرَة به في عافيةٍ [3] بلا محنة، وكان عمرٌو والي يزيدَ على المدينة الشَّريفة: (ائْذَنْ لِي) يا (أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ)؛ بالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر، (قَوْلًا) بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ: «أحدِّث»، (قَامَ بِهِ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي الوقت: ((رسول الله)) [4] (صلى الله عليه وسلم الْغَدَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (مِنْ [5] يَوْمِ الْفَتْحِ)؛ أي: ثاني يوم فتح مكَّة، في العشرين من رمضان، السَّنة الثَّامنة من الهجرة، (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ)، أصله: أذنان لي، فسقطت النُّون؛ لإضافته لياء المتكلِّم، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ للقول؛ كجملة: «قام به النبي صلى الله عليه وسلم»، وهو ينفي أن يكون سَمِعَه من غيره، (وَوَعَاهُ قَلْبِي)؛ أي: حفظه وتحقَّق فهمه، وتثبَّت في تعقُّل معناه، (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ)؛ بتاء التَّأنيث؛ «كسمعته أذناي»؛ لأنَّ كلَّ ما هو [6] في الإنسان من الأعضاء اثنان، كاليد والرِّجل [7] والعين والأذن؛ فهو مُؤنَّثٌ؛ بخلاف الأنف والرَّأس [8] ، والمعنى: أنَّه لم يكن اعتماده على الصَّوت من وراء حجابٍ، بل بالرُّؤية والمُشاهَدَة، وأتى بالتَّثنية؛ تأكيدًا، (حِينَ تَكَلَّمَ) صلى الله عليه وسلم (بِهِ)؛ أي: بالقول الذي أحدّثك، (حَمِدَ الله) تعالى بيانٌ لقوله: «تكلَّم به»، (وَأَثْنَى عَلَيْهِ): عطفٌ على سابقه من باب [9] : عطف العامِّ على الخاصِّ، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله) عزَّ وجلَّ يوم خلق السَّماوات والأرض، (وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) من قِبَلِ أنفسهم واصطلاحهم، بل حرَّمها الله تعالى بوحيه، فتحريمها ابتدائيٌّ من غير سببٍ يُعزَا لأحدٍ، فلا مدخل فيه لنبيٍّ ولا لغيره، ولا تنافيَ بين هذا وبين ما رُوِيَ: أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام حرَّمها [10] [خ¦2129] ؛ إذِ المراد أنَّه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت وقت الطُّوفان، واندرست حرمتها، وإذا كان كذلك؛ (فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ) بكسر الرَّاء كالهمزة؛ إذ هي تابعةٌ لها في جميع أحوالها؛ أي: لا يحلُّ لرجلٍ (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ): يوم [11] القيامة، إشارةٌ إلى المَبْدَأ والمَعَاد، والنِّساء شقائق الرِّجال [12] (أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا)؛ بكسر الفاء، وقد تُضَمُّ، وهما لغتان، قال في «العُبَاب»: سفكت الدَّم أسفِكه وأسفُكه سفكًا، وفي رواية المستملي والكُشْمِيهَنيِّ: ((فيها)) بدل «بها»، والباء بمعنى: «في»، و«أن» مصدريَّةٌ؛ أي: فلا يحلُّ سفك دمٍ فيها [13] ، والسَّفك: صبُّ الدَّم، والمُرَاد به: القتل، (وَ) أن (لَا يَعْضِدَ بِهَا)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وتسكين العَيْن المُهمَلَة، وكسر الضَّاد المُعجَمَة، آخره دالٌ مهملة مفتوحة؛ أي: يقطع بالْمِعْضَدِ؛ وهو آلة كالفأس، (شَجَرَةً)، أي: ذات ساقٍ، و«لا»: زيدَت لتأكيد معنى النَّفيِ؛ أي: لا يحلُّ له أن يَعْضِدَ، (فَإِنْ) ترخَّص (أَحَدٌ تَرَخَّصَ)؛ برفع «أحدٌ» بفعلٍ مُقدَّرٍ يفسِّره ما بعده، لا بالابتداء؛ لأنَّ «إنْ» من عوامل الفعل، وحُذِفَ الفعل وجوبًا؛ لئلا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، وأبرزته لضرورة البيان، والمعنى: إن قال أحدٌ: ترك القتال عزيمةٌ، والقتال رخصةٌ تتعاطى عند الحاجة، (لِقِتَالِ)؛ أي: لأجل قتال (رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا) مستدلًّا بذلك؛ (فَقُولُوا) له: ليس الأمر كذلك، (إِنَّ اللَه) تعالى (قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم خصيصةً له، (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي) الله في القتال فقط، (فِيهَا)؛ أي: مكَّة، وهمزة «أَذِنَ» مفتوحةٌ، ويجوز ضمُّها على البناء للمفعول، ولأبي ذَرٍّ كما في «الفرع» و«أصله» [14] إسقاط لفظة: ((فيها))؛ اختصارًا للعلم به، فقال: أذن لي (سَاعَةً)؛ أي: في ساعةٍ (مِنْ نَهَارٍ)؛ وهي من طلوع الشَّمس إلى العصر؛ كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن [/ج1ص198/] جدِّه عند أحمد، فكانت مكَّة في حقِّه صلى الله عليه وسلم في تلك السَّاعة [15] بمنزلة الحِلِّ، (ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ)؛ أي: تحريمها المقابل للإباحة المفهومة من لفظ «الإذن» في اليوم المعهود؛ وهو يوم الفتح؛ إذ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره، (كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) الذي قبل يوم الفتح، (وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) الحاضر (الْغَائِبَ)؛ بالنَّصب مفعول «الشَّاهد»، ويجوز كسر لام «لِيبلِّغ» وتسكينها، فالتَّبليغ عن الرَّسول عليه الصلاة والسلام فرض كفايةٍ، (فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ) المذكور: (مَا قَالَ عَمْرٌو)؛ أي: ابن سعيدٍ المذكور في جوابك، فقال: (قَالَ) عمروٌ: (أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ أنَّ مكَّة) [16] ؛ يعني: صحَّ سماعك وحفظك، لكن ما فهمت المعنى؛ فإنَّ مكَّة (لَا تُعِيذُ)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة، والذَّال المُعجَمَة؛ أي: لا تعصم (عَاصِيًا) من إقامة الحدِّ عليه، وفي رواية غير الأربعة [17] : ((إنَّ الحرم لا يُعيذ)) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة ((عاصيًا)) (وَلَا فَارًّا) بالفاء، والرَّاء المُشدَّدة (بِدَمٍ)؛ أي: مصاحبًا بدمٍ، ومتلبِّسًا به، وملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحدِّ عليه، (وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ)؛ أي: بسبب خَرْبَةٍ؛ وهي بفتح المُعجَمَة وبعد الرَّاء السَّاكنة مُوحَّدةٌ، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ عنِ [18] المستملي تفسيرها فقال: ((بِخَرْبَةٍ؛ يعني: السَّرقة))، وفي رواية الأَصيليِّ _كما قاله القاضي عياضٌ_: ((بخُربةٍ))؛ بضمِّ الخاء؛ أي: الفساد، وزاد البدر الدَّمامينيُّ: الكسر مع إسكان الرَّاء كذلك، وقال: على المشهور؛ أي: في الرَّاء، قال: و [19] أصلها سرقة الإبل، وتُطلَق على كلِّ خيانةٍ، انتهى. وقد حاد عمروٌ عن الجواب، وأتى بكلامٍ ظاهره حقٌّ لكن أراد به الباطل، فإنَّ أبا شُرَيْحٍ الصَّحابيَّ أنكر عليه بعثة [20] الخيل إلى مكَّة، واستباحة حرمتها بنصب الحرب عليها، فأجابه [21] : بأنَّه لا يمنع من إقامة القصاص، وهو الصَّحيح، إلَّا أنَّ ابن الزُّبَيْر لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيءٌ، بل هو أَوْلى بالخلافة من يزيد بن معاوية؛ لأنَّه بُويِع قبله، وهو صاحب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومباحث ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى_ في «الحجِّ» [خ¦1832] .

ورواة هذا الحديث الأربعة [22] ما بين مصريٍّ [23] ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع، والإفراد، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦1832] ، و«المغازي» [خ¦4295] ، ومسلمٌ في «الحجِّ»، والتِّرمذيُّ فيه، وفي «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و«العلم»، والله الموفِّق.

[1] «المقبريُّ»: سقط من (م).
[2] قوله: «ومنَّ علينا بالمُجَاوَرَة بها على أحسن وجهٍ في عافيةٍ بلا محنةٍ»، سقط من (م).
[3] «في عافيةٍ»: سقط من (د).
[4] قوله: «وفي رواية أبي الوقت: «رسول الله»»، سقط من (د).
[5] «من»: سقط من (ص).
[6] «هو»: سقط من (م).
[7] «والرِّجل»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[8] «والرَّأس»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[9] «باب»: سقط من (ص) و(م).
[10] زيد في (م): اسم الجلالة.
[11] «يوم»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[12] «والنِّساء شقائق الرِّجال»: مثبتٌ من (م).
[13] في (ص) و(م): «بها».
[14] «وأصله»: سقط من (ص).
[15] في (م): «الحالة».
[16] «أنَّ مكَّة»: ليس في (م).
[17] «غير الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[18] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (س).
[19] «قال و»: سقط من (د).
[20] في (ب) و(س): «بعث»، وفي (ص): «بعثه».
[21] في(ب) و(س): «فأجاب».
[22] «الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[23] في (ص) و(م): «بصريٍّ»، وهو تحريفٌ.





104- (أيُّها): الأصلُ: يا أيُّها؛ فحُذِفَ حرفُ النِّداء.

(قَامَ): صفةٌ لـ (القول)، والمقولُ هو: (حَمِدَ اللهَ...) إلى آخره.

(الْغَدَ): منصوبٌ على الظرف.

(حَمِدَ اللهَ): بيانٌ لقولِه: (تَكَلَّمَ بِهِ).

(حِيْنَ): ظرفٌ لـ (قَامَ).

(فَإِنْ [1] أَحَدٌ) هو فاعلُ فِعْلٍ محذوفٍ [2] ؛ كقوله تعالى: {وإنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة: 6] .

(لِقِتَالِ): اللَّام بمعنى الباء.

[1] في النسختين: (وإن...) بالواو.
[2] تقديره: (إن ترخَّص أحد ترخَّص...).





104- قوله: (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ): هو بضمِّ الشِّين المعجمة، وفي آخره حاء مهملة، واسمه خويلد بن عمرو، وقيل بالعكس، وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، حمل لواء قومه يوم الفتح، وكان من العقلاء، توفِّي سنة (76 هـ ) رضي الله عنه.

قوله: (لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ): (عمرو) هذا: هو ابن سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي [1] بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف أبو [2] أميَّة الأَمويُّ، الملقَّب بالأشدق، أحد رؤوس بني أميَّة وأشرافهم، أَرسَل عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ورَوى عن أبيه، وعن [3] عمر، وعثمان، وعائشة، وغيرهم، وعنه: بنوه أميَّة وموسى وسعيد، وغيرهم، وُلِّي المدينة لمعاوية ولابنه، ثمَّ تطلَّب الخلافة بعدُ، ترجمته معروفة، ذكره في «الميزان» تمييزًا، له في «مسلم»، و«التِّرمذيِّ»، و«النَّسائيِّ»، قُتِل سنة سبعين، وقيل غير ذلك.

تنبيه: اعلم أنَّ ما وقع هنا وقع في «مسلم» أيضًا، وهو الصَّحيح المعروف؛ أنَّ أبا شريح قال لعمرو بن سعيد، ووقع في «سيرة ابن إسحاق» من طريق زياد البكائيِّ قال: حدَّثني سعيد بن أبي سعيد المقبريُّ عن أبي شريح الخزاعيِّ قال: (لمَّا قدم عمرو بن الزُّبير إلى مكَّة لقتال أخيه عَبْد الله بن الزُّبير؛ جئته، فقلت له: يا [4] هذا؛ إنَّا كنَّا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين افتتح مكَّة، فلمَّا كان الغد من يوم الفتح...) ؛ الحديث، والصَّواب ما في «الصَّحيح»، والوهم فيه من دون ابن إسحاق، وقد رواه يونس بن بكير عنه على الصَّواب.

وقال شيخنا الشَّارح ما لفظه: (ووقع في «سيرة ابن إسحاق»: حدَّثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح قال: «لمَّا قدم عمرو بن الزُّبير مكَّة؛ قام إليه أبو شريح»؛ فذكره) ، قال: (وكذا ذكر الواقديُّ عن رياح بن مسلم، عن أبيه قال: «بُعِثَ إلى عَبْد الله بن الزُّبير عمرو أخوه، فقام أبو شريح، فقال له...»؛ الحديث، ولا التفات إلى ردِّ السُّهيليِّ له: بأنَّه وهم من ابن هشام، فهذا ابن إسحاق هو الذي ذكره، وسنده صحيح، وقد أوضحت شرحه في «شرح العمدة»؛ فليراجع منه) انتهى.

وقد راجعت كلام السُّهيليِّ؛ فوجدته كما قاله شيخنا، ولكن عقَّب السُّهيليُّ هذا التَّنبيه بأن قال: (ذكر هذا التَّنبيه على ابن هشام أبو عمر في كتاب «الأجوبة عنِ المسائل المستغربة») انتهى.

فخلص منه السُّهيليُّ، لكن كان ينبغي له أن يتعقَّبه ولا يمشِّيه، والله أعلم.

قوله: (أُحَدِّثْكَ): [هو بجزم الثَّاء مِنْهُ، جواب الأمر.

قوله: (الْغَدَ) [5] ] [6] : هو منصوب على الظرف، وهذا والذي قبله ظاهران.

قوله: (مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ): اعلم أنَّ الفتح كان في رمضان [يوم الجمعة لتسعَ عشرةَ خلت مِنْهُ، وفي «مسلم» في (الصوم): (فصبَّح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مكَّة لثلاثَ عشرةَ خلت من رمضان)] [7] ، ثمَّ ذكر عن أبي سعيد قال: (غزونا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لستَّ عشرةَ مضت من رمضان) ، وفي رواية: (لثمانِ عشرة خلت) ، وفي رواية: (ثنتي عشرة) ، وفي رواية: (لسبع عشرة أو تسع عشرة) .

قال النَّوويُّ: (والمشهور في كتب المغازي: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان، ودخلها لتسع عشرة خلت مِنْهُ، ووجه الجمع بين هذه الرِّوايات...) ، ثمَّ أخلى بياضًا؛ ليجمع، ولم يجمع.

وفي «سيرة مغلطاي الصُّغرى» في (الفتح): (وطاف النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالبيت يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان) انتهى [8]

وقال ابن قيِّم الجوزيَّة: (إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام خرج من المدينة إلى مكَّة في أواخر رمضان بعد مضي ثماني عشرة ليلة منه) ، ثمَّ ساق مستنده.

غريبة: وقع في هذا «الصَّحيح» في (باب غزوة الفتح في رمضان) من كلام ابن عبَّاس: (وذلك على رأس ثماني سنين ونصف من مَقدَمِه المدينة) ، وفيه نظر؛ لما تقدَّم من أنَّه سنة ثمان، ولا أعلم فيه خلافًا، ولو كان كما ذكر؛ لكان الفتح في السَّنة التَّاسعة، ولا أعلم به قائلًا إلَّا ما ذكرت عنه، وسواء قلنا: إنَّ أول التَّأريخ ربيع الأوَّل شهر المقدم، أو المحرَّم أوَّل سنة المقدم، أو على القول الغريب الذي سأذكره من أنهم أسقطوا بقيَّة سنة المقدم، وأرَّخوا من ثاني سنة، والله أعلم.

تنبيه آخر: المشهور أنَّ فتح مكَّة كان يوم الجمعة، وفي «سيرة مغلطاي» ما لفظه: (وذكر يعقوب عنِ ابن عبَّاس: ولد عليه الصَّلاة والسَّلام يوم الاثنين، وخرج من مكَّة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح [9] مكَّة يوم الاثنين...) إلى آخره.

قوله: (إِنَّ مَكَّةَ): سمِّيت بذلك؛ لقلة مائها، أو لأنَّها تمكُّ الذنوب، ومن أسمائها: بكَّة؛ بالباء، وهي لغة فيها؛ لأنَّها تبُكُّ أعناق الجبابرة؛ أي: تدقُّها، والبكُّ: الدَّقُّ، أو لازدحام الناس بها يبكُّ بعضهم بعضًا؛ أي: يدفعه في زَحمة الطواف، وقال آخرون: إنَّ مكَّة غير بكَّة، فقيل: الأولى: الحرم كلُّه، والثَّانية: المسجد خاصَّة، وقيل: الأولى: البلد، والثَّانية: البيت، قيل: وموضع الطواف أيضًا.

فائدة [10] : لمكَّة عدًّة أسماء ذكرها شيخي مجد الدين الفيروزأباذي فيما قرأته عليه بالقاهرة -ولم ألقه إلَّا بها- في كتابه [11] «تحبير الموشين في التَّعبير بالسِّين والشِّين»، ولفظه: (ومن أسماء مكَّة: العروض، والمعاد، وأمُّ رُحْمٍ [/ج1ص58/] -بالرَّاء المهملة-، وأمُّ راحم، وأمُّ الرُحْم، وأمُّ زُحْم -وهذه بالزاي-، وأمُّ صُبْح، وأمُّ القُرَى، والبلد، والبلدة، والبلد الأمين، والبلد الحرام، والرِّتاج [12] ، والناسة، والنسناسة [13] ، وطيبة، والقادس، والمقدَّسة، وقرية النمل، ونقرة الغراب، وقرية الحُمْس، وصَلاحِ _ كقطامِ-، وصلاحٌ _ منوَّنة-، والحاطمة [14] ، وكُوثَى، وسَبُوحة، والسلام، والعذراء، ونادرة، والوادي، والحرم، والنَجْر، والقرية، وبكَّة، ومكَّة، والعَرْشُ، والعُرْشُ، والعريش، والعِروش، والحُرمة، والحِرمة- بالضَّمِّ والكسر-، وهذه السِّتة عنِ ابن عُدَيس ذكرها في كتابه «الباهر») انتهى.

ومن أسمائها: الرَّأس، ذكره [15] السُّهيليُّ في أوائل «روضه»، وذكر المحبُّ الطَّبَرِيُّ لها أسماء؛ منها: (المعظَّمة) ، وذكر عنِ النَّوويِّ: (القادسة) انتهى.

وفي «شرح المنهاج» لشيخنا الشَّارح: (البيت، والبيت الحرام، والمأموم، والرَّأس، والثنيَّة) ، وذكر أسماء أخرى تقدَّمت في «التَّحبير»، والله أعلم.

قوله: (حَرَّمَهَا اللهُ): إن قلت: ما الجمع بين هذا وبين قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ إبراهيم حرَّم مكَّة»؟

فالجواب: أنَّهم ذكروا في تحريم إبراهيم مكَّة احتمالين؛ أحدهما: أنَّه حرَّمها بأمر الله تعالى له بذلك لا باجتهاده، فلهذا أضاف التَّحريم إليه تارة، وإلى الله تارة، والثَّاني: أنَّه دعا لها، فحرَّمها الله تعالى بدعوته، فأضيف التَّحريم إليه بذلك.

فائدة: اختلف في وقت تحريم مكَّة؛ فقيل: إنَّها ما زالت محرَّمة من يوم خلق الله السماوات والأرض، وشاهده في «الصَّحيح»: «إنَّ هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض»، وقيل: ما زالت حلالًا كغيرها إلى زمن إبراهيم، ثمَّ ثبت لها التَّحريم من زمنه، وهذا القول موافق لحديث: «إنَّ إبراهيم حرَّم مكَّة»، والقول الأوَّل للحديث الذي ذكرته، وبه قال الأكثرون.

وأجابوا عن حديث تحريم إبراهيم مكَّة: بأنَّ تحريمها كان ثابتًا من يوم خلق الله السماوات والأرض، ثمَّ خفي تحريمها، واستمرَّ خفاؤه إلى زمن إبراهيم، فأظهره وأشاعه، لا أنَّه ابتدأه.

ومن قال بالثَّاني؛ أجاب عنِ الحديث الأوَّل: بأنَّ الله كتب في اللوح المحفوظ أو في غيره يوم خلق السماوات والأرض: أنَّ إبراهيم سيحرِّم مكَّة بأمر الله.

قوله: (أَنْ يَسْفِكَ): هو بكسر الفاء وضمِّها، لغتان.

قوله: (وَلاَ يَعْضِدَ): بكسر الضَّاد؛ أي: يقطع، يقال: عضدت الشَّجر أعضِده _ بالكسر؛ أي: قطعته بالمِعْضد، فهو معضود، وعَضَد؛ بالتَّحريك.

قوله: (لِقِتَالِ): اللَّام بمعنى الباء.

قوله: (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ): قال أبو عبيد في (كتاب الأموال): (هي من أوَّل النهار إلى العصر) ، (ونُقِل لي عن بعض الفضلاء: أنَّها كذلك في «مسند أحمد») [16] .

قوله: (لأَبِي شُرَيْحٍ): تقدَّم قريبًا أنَّه بالشِّين المعجمة [17] ، وفي آخره حاء مهملة، وتقدَّم بعض ترجمته رَضِيَ الله عنه، والاختلاف في اسمه واسم أبيه.

قوله: (بِخَرْبَةٍ): هي بخاء معجمة مفتوحة، ثمَّ راء ساكنة، ثمَّ موحَّدة مفتوحة، ثمَّ تاء، قال ابن قُرقُول: بضمِّ الخاء -يعني: المعجمة- ضبطه الأصيليُّ، وضبطه غيره: بالفتح، وكذا قيَّدناه في «مسلم» بلا خلاف، وصوَّب بعضهم: الفتح، وفي (الحجِّ) من «البخاريِّ»: «الخربة: البليَّة»، ومثله في رواية الهمدانيِّ، وفي رواية المستملي يعني: (السرقة) ، وفي روايته في (المغازي): (البَليَّة) ، وقال الخليل: (الخُربة؛ بالضَّمِّ: الفساد في الدين، وهو من الخارب، وهو اللصُّ المفسد في الأرض، ولا يكاد يستعمل إلَّا في سارق الإبل) ، وقال غيره: الخَربة؛ بالفتح: السرقة، وقيل: العيث، وأمَّا الخِرابة -بخاء معجمة-؛ فهي سرقة الإبل خاصَّة، وبالحاء المهملة في كلِّ شيء.

وقال في «النهاية» بعد أنَّ فسَّر الخُربة: (وقد روى التِّرمذيُّ: «بخِربة»، فيجوز أن يكون بكسر الخاء؛ وهو الشَّيء الذي يستحيا مِنْهُ، أو من الهوان والفضيحة، ويجوز أن يكون بالفتح؛ وهي الفَعلة الواحدة منهما) انتهى.

قوله: (فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ [18] عَمْرٌو؟...) إلى آخره: كلام عمرٍو الأشدق لَمْ يسنده إلى راويه، وقد شنَّع الحافظ أبو محمَّد بن حزم في «محلَّاه» في (الجنايات) ، فقال: (لا كرامة للطيم الشَّيطان الشُّرْطيِّ [19] الفاسق، يريد أنَّ يكون أعلم من صاحب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم! قال: وهذا الفاسق هو العاصي لله ولرسوله ومن ولَّاه أو قلَّده، وما حامل الخربة في الدنيا والآخرة إلَّا هو ومن أمَّره وأيَّده، ثمَّ ضعَّف قوله، قاله [20] شيخنا الشَّارح.

[1] (بن سعيد بن العاصي): ليس في (ج) .
[2] في (ب): (ابن) .
[3] (أبيه، وعن): ليس في (ب) .
[4] في (ج): (ما) .
[5] في (ج): (أبعد) .
[6] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[7] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[8] (انتهى): ليس في (ج) .
[9] في (ج): (وافتتح) .
[10] زيد في هامش (أ): (مطلب في أسماء مكة) .
[11] في (ج): (كتاب) .
[12] في (ج): (والمرتاج) .
[13] في (ج): (والنساسة) .
[14] في (ب): (والخاطمة) .
[15] في (ج): (ذكرها) .
[16] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[17] (المعجمة): ليس في (ب) .
[18] زيد في النسخ: (لك) ، وليست في «اليونينيَّة» و (ق) .
[19] (الشرطي): ليس في (ب) .
[20] (قاله): ليس في (ج) .





104- ( يَسْفِكَ ) بكسر الفاء على المشهور، وحكي الضم، وهما روايتان. [/ج1ص73/]

( بِهَا ) ويروى: «فيها».

( ويَعْضِد ) بكسر الضاد: يقطع.

( الخَرْبة ): بفتح الخاء المعجمة وإسكان الراء على المشهور، وبضم الخاء وكسرها أيضًا: السرقة، وأصلها سرقة الإبل، وتطلق على كل خيانة.


104- ( لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ): هو ابن القاضي الأمويُّ، ليس صحابيًّا ولا من التَّابعين بإحسان.

( يَبْعَثُ الْبُعُوثَ ) أي: يرسل الجيوش لقتال عبد الله بن الزُّبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة.

( ائْذَنْ لِي... إلى آخره )، فيه حسن تلطُّفٍ في الإنكار على أمراء الجور ليكون أدعى لقبولهم.

( أُحَدِّثْكَ ) بالجزم: جواب الأمر.

( الْغَدَ ): بالنَّصب.

( وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ) بالرَّفع، أي: أنَّ تحريمها كان بوحي من الله لا باصطلاح من النَّاس.

( يَسْفِكَ ): بكسر الفاء: صبُّ الدَّم، والمراد به: القتل.

( بِهَا )، للمُسْتملي: «فيها».

( يَعْضِدَ ): بكسر الضَّاد المعجمة والنَّصب، أي: يقطع بالمِعْضَد، وهو آلة كالفأس.

( أَذِنَ لِي ) أي: الله، ويُروَى بضمِّ الهمزة.

( سَاعَةً ) أي: مقدارًا من الزَّمان، والمراد به: يوم الفتح، وفي «مسند أحمد»: أنَّ ذلك كان من طلوع الشَّمس إلى العصر.

( لاَ يُعِيذُ ): بضمِّ أوَّله، وآخره معجمة، أي: لا يُجير.

( فَارًّا ): بالفاء والرَّاء المشدَّدة: هاربًا.

( بِخَرْبَةٍ ): بفتح المعجمة وسكون الرَّاء ثمَّ موحَّدة، زاد المُسْتملي: «يعني السَّرقة». [/ج1ص268/]

قال ابن بطَّال: هي بالفتح: السَّرقة، وبالضَّمِّ: الفساد.

زاد أحمد: «قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا أن يبلِّغ شاهدنا غائبنا، وقد بلَّغتك».


104- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) التنيسي ((قال: حدثني)) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع ((الليث)) : ابن سعد المصري ((قال: حدثني)) بالإفراد ((سعِيد)) ؛ بكسر العين: المقبري، وفي رواية: (سعيد بن أبي سعيد) ، وفي أخرى: (هو ابن أبي سعيد) ، ((عن أبي شُرَيح)) بضم المعجمة، وفتح الراء، وبالمهملة، اسمه خويلد بن عمرو بن صخر على الأصح-كما في «عمدة القاري»- الخزاعي العدوي الكعبي، المتوفى سنة ثمان وستين، الصحابي رضي الله عنه: ((أنَّه قال لعَمرو بن سعِيد)) ؛ بفتح العين في الأول، وكسرها في الثاني: ابن العاصي بن أمية القرشي الأموي، المعروف بالأشدق، قتله عبد الملك بن مروان بعد أن أمَّنه سنة سبعين من الهجرة، قال في «عمدة القاري»: (وليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان، ووالده مختلف في صحبته) انتهى ((وهو يبعث البُعوث)) ؛ بضم الموحدة، جمع البعث؛ بمعنى المبعوث، والجملة اسمية وقعت حالًا؛ والمعنى: يرسل الجيوش ((إلى مكة)) ؛ لقتال عبد الله بن الزبير، وذلك أنَّه لمَّا توفي معاوية؛ وجه يزيد إلى عبد الله بن الزبير يستدعي منه بيعته، فخرج من مكة ممتنعًا من بيعته، فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم يأخذ ببيعة عبد الله، فبايعه، وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال: لا أقبل حتى يؤتى به موثَّقًا في وثاق، فأتى ابن الزبير إلى الحرم، وقال: إنِّي عائذ بالبيت، فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا، فبعث إليه هذه البعوث.

قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: وابن الزبير عند علماء السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك؛ لأنَّه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبيِّ الأعظم عليه السلام، ونقل ذلك عن مالك، وكان امتناعه سنة إحدى وستين من الهجرة.

((ائذن لي)) أمر من (أذن يأذن) ، وأصله: اأْذن، قلبت الهمزة الثانية ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، يا ((أيها الأمير)) حذف منه حرف النداء ((أحدثْك)) ؛ بالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر ((قولًا)) ؛ بالنصب مفعول ثان لـ (أحدث) ((قام به النبيُّ)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) : جملة محلها النصب صفة (قولًا) ((الغدَ)) ؛ بالنصب على الظرفية؛وهو اليوم الثاني ((من يوم الفتح)) ؛ يعني: فتح مكة، وكان في عشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة ((سمعته أذناي)) : فاعله، وأصله: أذنان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم؛ سقطت نون التثنية، والجملة محلها النصب صفة أخرى لـ (القول) ، ((ووعاه قلبي)) ؛ أي: حفظه وتحقق فهمه، وتثبت في تعقُّل معناه، وفي قوله: (سمعته أذناي) : إشارة منه إلى مبالغته في حفظه ونفي عن أن يكون سمعه من غيره، كما جاء في حديث النعمان بن بشير: (وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه) ، ((وأبصرته عيناي)) : أصله: عينان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم؛ سقطت نون التثنية، وهذا زيادة في تحقُّق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية، وأنَّ سماعه ليس اعتمادًا على الصوت بل بالرؤية، وكل ما في الإنسان من الأعضاء اثنان؛ كالأذن والعين؛ فهو مؤنث، بخلاف الأنف ونحوه، كما في «عمدة القاري» ((حين تكلَّم)) النبيُّ الأعظم عليه السلام، و (حين) : منصوب على الظرفية، وهو ظرف لـ (قام) و (سمعت) و (وعاه) و (أبصرت) ((به)) أي: بالقول الذي أحدثك؛ ((حمد الله)) تعالى: جملة وقعت بيانًا لـ (تكلم) ، ((وأثنى عليه)) عطف على (حمد) من عطف العام على الخاصِّ، ((ثم قال)) عليه السلام: ((إنَّ مكة حرمها الله)) عزَّ وجلَّ: جملة محلها الرفع خبر (إنَّ) ؛ أي: من يوم خلق الله السماوات والأرض، ولا تنافي بين هذا وبين ما روي: أنَّ إبراهيم عليه[/ص64/] السلام حرمها؛ لأنَّ المراد أنه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت وقت الطوفان واندرست حرمتها، وتمامه في «عمدة القاري»، ((ولم يحرمها الناس)) من قبل أنفسهم، فتحريمها ابتدائي من غير سبب يعزى لأحد لا مدخل فيه لا لنبي ولا لغيره، بل بوحي منه تعالى، ثم بيَّن التحريم بقوله: ((فلا يحل لامرئ)) : الفاء في جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان كذلك؛ فلا يحل لامرِئ؛ بكسر الراء والهمزة؛ لأنَّ عينه دائمًا تابعة للامه في الحركة.

((يؤمن بالله واليوم الآخر)) : يوم القيامة؛ لأنَّ من آمن بالله؛ لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر؛ لزمه القيام بما وجب عليه واجتناب ما نهي عنه ((أن يسفِك)) ؛ بكسر الفاء وضمها، و (أن) مصدرية، وهو فاعل (لا يحل) ؛ والتقدير: فلا يحل سفك دم ((بها)) ؛ أي: بمكة، والباء بمعنى (في) ؛ أي: فيها، كما في رواية، وقوله: ((دمًا)) : مفعول (يسفِك) ، والسفك: صب الدم، والمراد به القتل، وهذا دليل واضح لإمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم على أن الملتجئ إلى الحرم لا يقتل؛ لأنَّه عام يدخل فيه هذه الصورة، ولو أنشأ القتل في الحرم؛ يقتل فيه، ولو قتل في البيت؛ لا يقتل فيه، هذا مذهبنا، وبه قال أحمد، وعطاء، والشعبي، وابن عباس، وغيرهم، فيُضيَّق [1] عليه حتى يخرج منه.

وقال مالك والشافعي فيمن جنى خارجه ثم لجأ إليه: أنه يقام عليه فيه، ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع، ثم قال: ولا مخالف لهم من الصحابة، ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، ثم شنع على مالك والشافعي، فقال: قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة، والكتاب، والسنة.

((و)) أن ((لا يَعْضِدَ)) ؛ بفتح التحتية، وإسكان العين المهملة، وكسر الضاد المعجمة، آخره دال مفتوحة؛ وهو القطع، والمِعضد؛ بكسر الميم: الآلة؛ كالسيف والفأس؛ أي: لا يقطع، ((بها)) ؛ أي: فيها، كما في رواية، أي: في مكة، فهو منصوب عطفًا على (أن يسفِك) ، و (لا) زيدت لتأكيد معنى النفي؛ فمعناه: لا يحل أن يعضد بها، ((شجرةً)) ؛ بالنصب مفعول (يعضد) ؛ أي: من جنس من له ساق من النبات، وفي رواية: (لا يعضد شوكه) ، وفي أخرى: (لا يخيط شوكها) .

ففيه: دليل على حرمة قطع شجر الحرم، قال أئمتنا الأعلام: ومن قطع حشيش الحرم أو شجره غير مملوك ولا من جنس ما ينبته الناس مملوكًا أو غير مملوك؛ ضمن قيمته، قيد بغير المملوك؛ لأنَّه إذا كان مملوكًا؛ فعليه قيمتان: قيمة للمالك، وقيمة للشرع، وبعض أصلها في الحرم ككلها، نعم؛ يعتبر أغصانها في حق صيد عليها، فلو كان رأسه في الحل وقوائمه في الحرم فضربه في رأسه؛ ضمن، وبعكسه لا يضمن، كذا في «الدر المنتقى» عن «الشرنبلالية» عن «البرهان»، إلَّا إذا جف وانكسر؛ فلا يضمن؛ لعدم النماء، وكذا يحرم رعي حشيشه عند الإمام الأعظم والإمام محمد.

وقال أبو يوسف: لا يحرم؛ لضرورة الزائرين، ويحرم قطعه إلا الإذخر معروف، ولا بأس بكمأة الحرم؛ لأنَّها ليست بنبات، بل هي شيء مودوع في الأرض، فهي كحجره، كذا في «الدر» عن «المحيط»، هذا مذهب الإمام الأعظم.

وقال مالك: يجوز قطع شجره، ولا يأثم، ولا فدية عليه، وقال الشافعي: الواجب في الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، ويجوز عند الشافعي رعي البهائم في كلاء الحرم، وبه قال أحمد.

((فإن)) ترخص ((أحدٌ)) ؛ بالرفع بفعل محذوف مقدر يفسره قوله: ((ترخص)) : وإنما حذف؛ لئلا يجمع بين المفسر والمفسر ((لقتال)) : اللام للتعليل؛ أي: لأجل قتال ((رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها)) ؛ أي: في مكة؛ والمعنى: إن قال أحد بأن ترك القتال عزيمة والقتال رخصة؛ تتعاطى عند الحاجة، مستدلًا بقتاله عليه السلام فيها.

((فقولوا)) له: ليس الأمر كذلك، وفي هذا دليل لإمامنا الإمام الأعظم: على أن مكة فتحت عنوة، وهو مذهب الجمهور، وبه قال مالك والأوزاعي، وأنه عليه السلام منَّ على أهلها وسوغهم أموالهم ودورهم، ولم يقسمها ولا جعلها فيئًا، وقال الشافعي وأحمد: فتحت صلحًا [2] ، والحديث حجة عليهما ((إنَّ الله)) تعالى ((قد أذن)) : خبر (إنَّ) ((لرسوله)) عليه السلام؛ خصوصية له ((ولم يأذن لكم)) : عطف على ما قبله، ((وإنما أذن)) : روي بصيغة المجهول والمعلوم؛ أي: أذن الله ((لي)) في القتال فقط ((فيها)) ؛ أي: في مكة ((ساعةً)) ؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: في ساعة ((من نهار)) : وهي من طلوع الشمس إلى العصر، كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أحمد، فأحلت له عليه السلام في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد، وقطع الشجر، وسائر ما حَرَّم الناس، كذا في «عمدة القاري».

((ثم عادت حرمتُها)) ؛ بالرفع فاعله ((اليومَ)) ؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: الحكم الذي في مقابلة الإباحة، وهو الحرمة المستفاد من لفظ الإذن في اليوم المعهود وهو يوم الفتح، فإنَّ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره ((كحرمتها بالأمس)) : اليوم الذي قبل يوم الفتح، ((وليبلِغ)) ؛ بكسر اللام وتسكينها ((الشاهدُ)) ؛ بالرفع فاعله؛ أي: الحاضر ((الغائبَ)) ؛ بالنصب مفعوله، فالتبليغ عن النبي الأعظم عليه السلام فرض كفاية، إذا قام به البعض؛ سقط عن الكل، والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يتركبان على ما يستمع، فإن كان ما يخصه؛ تعين عليه، وإن كان يتعلق به أو بغيره؛ كان العمل فرض عين.

((فقيل لأبي شُريح)) المذكور: ((ما قال عمرو؟)) ؛ أي: ابن سعيد المذكور في جوابك، فقال: ((قال)) عمرو: ((أنا أعلم منك يا أبا شُريح إنَّ مكة)) ؛ يعني: صح سماعك وحفظك، لكن لم تفهم المعنى، فإن مكة ((لا تُعيذ)) ؛ بضم الفوقية من الإعاذة؛ أي: لا تعصم ((عاصيًا)) من إقامة الحدود عليه، وفي رواية: (إنَّ الحرم لا يُعيذ) ؛ بالتحتية المضمومة، عاصيًا ((ولا فارًّا)) ؛ بالفاء و تشديد الراء (بدم) : الباء للمصاحبة؛ أي: مصاحبًا ومتلبسًا به؛ أي: ملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحد عليه، والفرار: الهروب، ((ولا فارًّا)) ؛ بالفاء والراء المشددة أيضًا ((بخَرْبة)) ؛ بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة؛ وهي السرقة، كما في رواية المستملي، حيث قال: (ولا فارًا بخربة) ؛ يعني: السرقة، وفي رواية: (بخُربة) ؛ بضم المعجمة؛ أي: الفساد، وأصل الخربة: سرقة الإبل، وتطلق على كل خيانة، والباء للسببية؛ أي: بسبب الخربة، وما قاله عمرو ليس بجواب؛ لأنَّه لم يختلف معه في أن من أصاب حدًا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقام عليه.

وإنما أنكر عليه أبو شُريح بعثه الخيل إلى مكة واستباحته حرمتها بنصب الحرب عليهما، فحاد عمرو عن الجواب، واحتج أبو شريح بعموم الحديث، وذهب إلى أن مثله لا يجوز أن يستباح نفسه، ولا ينصب الحرب عليهما بقتال بعدما حرمها النبي الأعظم عليه السلام.

واختلف العلماء في الصحابي إذا روى الحديث، هل يكون أولى بتأويله مما يأتي بعده أم لا؛ فقيل: تأويل الصحابي أولى؛ لأنَّه الراوي، وقيل: لا يلزم تأويله إذا لم يصب التأويل، ومذهب إمامنا الإمام الأعظم اتباع عمله لا روايته، فإن كان الحديث عامًا فعمل بخصوصه، أو مشتركًا فعمل بأحد معنييه؛ لا يمنع العمل به؛ لأنَّه تأويل؛ كحديث ابن عمر: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا»، يحتمل التفريق بالأقوال والأبدان، فحمله ابن عمر على الأبدان ولم يأخذ به، والامتناع عن العمل به كالعمل بخلافه؛ كحديث ابن عمر في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، قال مجاهد: صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أره فعله، فدل على نسخه، وحديث أبي هريرة في ولوغ الكلب سبعًا، فحمله أبو هريرة على الثلاث؛ لثبوت نسخه عنده، فالحمل عليه تحسين الظن في حق الصحابي، ومذهب الشافعي اتباع رواية الصحابي لا عمله؛ كحديث ابن عمر وأبي هريرة، فإنه أخذ بالرواية وترك عملهم، ولا ريب أن الصحابي الراوي للحديث أولى بتأويله، وأعلم بمخرجه وسببه وناسخه وغير ذلك، والله تعالى أعلم.

وفي الحديث: جواز القياس، وخص [3] النبي الأعظم عليه السلام بخصائص، وجواز النسخ وغير ذلك، كما في «عمدة القاري».

[1] في الأصل (فيضق).
[2] في الأصل: (صحلها) .
[3] في الأصل: (وخصائص) .