المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

86-. حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْماعِيلَ، قالَ: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قالَ: حدَّثنا هِشامٌ، عن فاطِمَةَ:

عن أَسْماءَ، قالَتْ: أَتَيْتُ عائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فقلتُ: ما شانُ النَّاسِ؟ فأَشارَتْ إلى السَّماءِ، فإذا النَّاسُ قِيامٌ، فقالَت: سُبْحانَ اللَّهِ! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فأَشارَتْ بِرأسِها أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حتَّىَ تَجَلَّانِي [1] الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ علىَ رأسِي الماءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ [2] النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَثْنَىَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: «ما مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رأَيْتُهُ فِي مَقامِي [3] ، حتَّى الجَنَّةَ والنَّارَ [4] ، فأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ _أَوْ قَرِيبً [5] ، لا أَدْرِي أَيَّ ذلك قالَتْ أَسْماءُ_ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقالُ: ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ؟ فأَمَّا المُؤمِنُ _أَوِ المُوقِنُ، لا أَدْرِي بِأَيِّهِما [6] قالَتْ أَسْماءُ_ فَيَقُولُ: هو مُحَمَّدٌ، هو رَسُولُ اللَّهِ، جاءَنا بِالبَيِّناتِ والهُدَىَ، فأَجَبْنا واتَّبَعْنا [7] ، هو [8] مُحَمَّدٌ [9] ثَلاثًا، فَيُقالُ: نَمْ صالِحًا، قَدْ عَلِمْنا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا به، وأمَّا المُنافِقُ _أو المُرْتابُ، لا أدري أَيَّ ذلك قالتْ أَسْماءُ_ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، سمعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شيئًا فقلتُهُ». [10]

الأطراف



[1] هكذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وفي رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت ورواية [عط] وأخرىَ لابن عساكر: «عَلَاني».
[2] زاد بين الأسطر بالحمرة في (ن، و، ق): «عَزَّ وَجلَّ» وهي مثبتة في متن (ب، ص).
[3] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ وحاشية رواية ابن عساكر زيادة: «هذا».
[4] ضُبطت في اليونينية بتثليث آخر الكلمتين: المثبت، و«الجَنَّةُ والنَّارُ»، و«الجَنَّةِ والنَّارِ».
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي و [عط] : «قريبًا» بإثبات ألف الإطلاق
[6] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت ورواية [ح] و [عط] : «أيَّهما» بحذف الباء.
[7] في رواية أبي ذر: «فأجبناه واتبعناه».
[8] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «وهو»، وقيَّد في (ن، و) رواية ابن عساكر بروايته عن كريمة، وقيَّدها في (ب، ص) بحاشية روايته، وهو موافق لما في نسخة الزاهدي، وقيَّد في (ب، ص) رواية أبي ذر أيضًا عن الحَمُّويِي، وهو موافق لما في نسخة الزاهدي.
[9] كتب بين الأسطر بالحمرة دون رقم: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
[10] في رواية [ح] و [عط] زيادة: «وذَكَر الحديثَ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

86- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)؛ أي: ابن خالدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ)؛ أي: ابن عروة بن الزُّبَيْر بن العوَّام، (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبَيْر بن العوَّام؛ وهي زوجة هشامٍ هذا وبنت عمِّه، (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق، ذات النِّطاقين، زوج الزُّبَيْر، المُتوفَّاة بمكَّة سنة ثلاثٍ وسبعين، وقد بلغت المئة، ولم يسقط [/ج1ص182/] لها سنٌّ، ولم يتغير لها عقل، أنَّها (قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) أمَّ المؤمنين رضي الله عنها (وَهِيَ تُصَلِّي)؛ أي: حال كون عائشة تصلي (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ) قائمين مضطربين فزعين؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة (إِلَى السَّمَاءِ) تعني: انكسفت الشَّمس، (فَإِذَا النَّاسُ)؛ أي: بعضهم (قِيَامٌ) لصلاة الكسوف، (فَقَالَتْ)؛ أي: ذكرت عائشة رضي الله عنها: (سُبْحَانَ اللهِ، قُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس كأنَّها [1] مقدِّمةٌ له، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] ، أو علامةٌ لقرب زمان [2] قيام السَّاعة، (فَأَشَارَتْ) عائشة (بِرَأْسِهَا؛ أَيْ: نَعَمْ)، قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ) في الصَّلاة (حَتَّى عَلَانِي)؛ بالعين المُهمَلَة، من: عَلَوْتُ الرَّجل: غلبته، ولكريمة وابن عساكر: ((تَجَلَّاني))؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والجيم، وتشديد اللَّام، وضُبِّب عليه في «الفرع»؛ أي: علاني (الْغَشْيُ)، بفتح الغين وسكون الشِّين المُعجمَتَين، آخره مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ مُخفَّفَةٌ، وبكسر الشِّين وتشديد الياء أيضًا؛ بمعنى: الغِشاوة؛ وهي الغطاء، وأصله: مرضٌ معروفٌ يحصل بطول القيام في الحرِّ ونحوه؛ وهو طرفٌ من الإغماء، والمُرَاد به هنا: الحالة القريبة [3] منه، فأطلقته مجازًا؛ ولهذا قالت: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ)؛ أي: في تلك الحالة؛ ليذهب، (فَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَثْنَى عَلَيْهِ)؛ عُطِفَ على «حَمِدَ» من باب: عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّناء أعمُّ من الحمد والشُّكر والمدح [4] أيضًا، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: ممَّا يصحُّ رؤيته عقلًا؛ كرؤية الباري تعالى، ويليق عرفًا ممَّا يتعلَّق بأمر الدِّين وغيره (إِلَّا رَأَيْتُهُ) رؤيةَ عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي)؛ بفتح الميم الأولى، وكسر الثَّانية، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي: ((هذا)): خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو هذا، ويُؤوَّل بالمُشَار إليه، والاستثناء مُفرَّغٌ متَّصِلٌ، فتُلْغَى فيه «إلَّا» من حيث العمل، لا من حيث المعنى؛ كسائر الحروف نحو: ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيدٍ، (حَتَّى الْجَنَّة وَالنَّار)؛ بالرَّفع فيهما على أنَّ «حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و«الجنَّةُ»: مبتدأٌ محذوفُ الخبر؛ أي: حتَّى الجنَّة مَرْئِيَّةٌ، و«النَّار» عُطِفَ [5] عليه، والنَّصب: على أنَّها عاطفةٌ عطفت [6] «الجنَّة» على الضَّمير المنصوب في «رأيته» [7] ، والجرُّ: على أنَّها جارَّةٌ، كذا قرَّروه بالثَّلاثة، وهي ثابتةٌ في «فرع اليونينيَّة» كهي [8] . وقال الحافظ ابن حجرٍ: رُوِّينَاه بالحركات الثَّلاث فيهما، لكن استشكل البدر الدَّمامينيُّ الجرَّ: بأنَّه لا وجه له إلَّا العطف على المجرور المتقدِّم، وهو ممتنعٌ؛ لما يلزم عليه من زيادة «مِن» مع المعرفة، والصَّحيح: منعه، (فَأُوحِيَ) بضمِّ الهمزة، وكسر الحاء (إِلَيَّ أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة مفعول «أُوحِي»، ناب عن الفاعل، (تُفْتَنُونَ): تُمتَحَنون وتُختَبَرون (فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ _أَوْ قَرِيبًا)؛ بحذف التَّنوين في «مثل»، وإثباته في تاليه، (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ)؛ لفظ «مثل» أو «قريبًا» (قَالَتْ أَسْمَاءُ) رضي الله عنها _ (مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ)؛ بالحاء المهملة؛ لمسحه الأرض، أو لأنَّه ممسوح العين، (الدَّجَّالِ): الكذَّاب، والتَّقدير: مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها، فحذف ما كان «مثل» مُضَافًا إليه؛ لدلالة ما بعده، وترك هو على هيئته قبل الحذف، كذا وجَّهه ابن مالكٍ، وقال: إنَّه الرِّواية المشهورة، وقال عياضٌ: الأحسن تنوين الثَّاني وتركه في الأوَّل [9] ، وفي روايةٍ في «الفرع» و«أصله» [10] : ((مثلَ أو قريبَ)) بالنَّصب من غير ألفٍ [11] ، بغير تنوينٍ فيهما، قال الزَّركشيُّ: في المشهور في «البخاريِّ»؛ أي: تُفتَنون مثل فتنة الدَّجال، أو قريبَ الشَّبه من فتنة الدَّجَّال، فكلاهما مضافٌ، وجملة: «لا أدري...» إلى آخرها اعتراضٌ بين المُضَاف والمُضَاف إليه، مُؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المُستفَاد من كلمة «أو»، لا يُقَال: كيف فُصِلَ بين [المُضَافين وبين ما أُضِيفا إليه] [12] ؛ لأنَّ الجملة المُؤكِّدة للشَّيء لا تكون أجنبيَّةً منه، وإثبات «من» _كما في بعض النُّسخ، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة»_ بين المُضَاف والمُضَاف إليه لا يمتنع عند جماعةٍ من النُّحاة، ولا يخرج بذلك عن الإضافة، وفي روايةٍ: ((مِثْلًا أو قريبًا))؛ بإثبات التَّنوين فيهما؛ أي: تُفتَنون في قبوركم فتنةً مثلًا من فتنة المسيح، أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح، وحينئذٍ فالأوَّل: صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والثَّاني: عطفٌ عليه، و«أيُّ» مرفوعٌ على الأشهر بالابتداء، والخبر: «قالت أسماء»، وضميرُ المفعول محذوفٌ؛ أي: قالته، وفعل الدِّراية [13] مُعلَّقٌ بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب، وبالنَّصب: مفعول «أدري» إن جُعلِت موصولةً، أو «قالت» [/ج1ص183/] إن جُعِلَت استفهاميَّةً أو موصولةً، (يُقَالُ) للمفتون: (مَا عِلْمُكَ): مبتدأٌ، وخبره: (بِهَذَا الرَّجُلِ)؟ صلى الله عليه وسلم ولم يعبِّر بضمير المتكلِّم؛ لأنَّه حكاية قول المَلَكَين، ولم يَقُل: رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه يصير تلقينًا لحجَّته، وعدل عن خطاب الجمع في «أنَّكم تُفتَنون» إلى المُفرَد في قوله: «ما عِلْمُك»؛ لأنَّه تفصيلٌ؛ أي: كلُّ واحدٍ يُقَال له ذلك؛ لأنَّ السُّؤال عن العلم يكون لكلٍّ واحدٍ، وكذا الجواب؛ بخلاف الفتنة، (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ)؛ أي: المصدِّق بنبوَّته صلى الله عليه وسلم، (لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا)، وفي رواية الأربعة: ((أيُّهما المؤمن أو الموقن))، (قَالَتْ أَسْمَاءُ)، والشَّكُّ من فاطمة بنت المنذر؛ (فَيَقُولُ) الفاء جواب «أمَّا»؛ لِما في «أمَّا» من معنى الشَّرط: (هُوَ مُحَمَّدٌ)، هو (رَسُولُ اللهِ)، هو (جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)؛ بالمعجزات الدَّالَّة على نبوَّته، (وَالْهُدَى)؛ أي: الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية [14] ، (فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((فأجبناه واتَّبعناه))؛ بالهاء فيهما، فحُذِف ضمير المفعول في الرِّواية الأولى؛ للعلم به؛ أي: قبلنا نبوَّته معتقدين مصدِّقين، واتَّبعناه فيما جاء به إلينا، أوِ الإجابة تتعلَّق بالعلم والاتِّباع بالعمل، يقول المؤمن: (هُوَ مُحَمَّدٌ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر عن الحَمُّويي [15] : ((وهو محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم))، قولًا (ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاثَ مرَّاتٍ، (فَيُقَالُ) له: (نَمْ) حال كونك (صَالِحًا)؛ منتفعًا بأعمالك؛ إذِ الصَّلاح: كونُ الشَّيء في حدِّ الانتفاع، (قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ)؛ بكسر الهمزة؛ أي: الشَّأن كنت (لَمُوقِنًا بِهِ)؛ أي: إنَّك موقنٌ؛ كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] ؛ أي: أنتم، أو تبقى على بابها [16] ، قال القاضي: وهو الأَظْهَر، واللَّام في قوله: «لمَوقنًا» عند البصريِّين؛ للفرق بين «إنَّ» المُخفَّفة و«إنِ» [17] النَّافية، وأمَّا الكوفيُّون؛ فإنَّها [18] عندهم بمعنى: «ما»، واللَّام بمعنى: «إلَّا»؛ كقوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ؛ أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ، والتَّقدير: ما كنت إلَّا موقنًا، وحكى السَّفاقسيُّ فتح همزة «أنْ» على جعلها مصدريَّةً؛ أي: علمنا كونَك موقنًا به، وردَّه بدخول اللَّام. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ، فقال: إنَّما تكون «اللَّام» مانعةً؛ إذا جُعِلَت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأمَّا على رأي الفارسيِّ، وابن جنِّيٍّ، وجماعة، أنَّها لامٌ غير لامِ الابتداء؛ اجتُلِبت للفرق؛ فيسوغ الفتح، بل يتعيَّن حينئذٍ؛ لوجود المقتضي وانتفاء المانع، (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ)؛ أي: غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته، (أَوِ الْمُرْتَابُ)؛ أي: الشَّاكُّ _قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ_؛ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ)؛ أي: قلت ما كان النَّاس يقولونه، وفي روايةٍ: ((وذكر الحديث))؛ أي: إلى آخره، الآتي إن شاء الله تعالى، وفي هذا الحديث: إثباتُ عذابِ القبر وسؤال الملكين، وأنَّ مَنِ ارتاب في صدق الرَّسول صلى الله عليه وسلم وصحَّةِ رسالته؛ فهو كافرٌ، وأنَّ الغشيَ لا ينقضُ الوضوء ما دام العقل باقيًا، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى.

[1] في (ب) و(س): «لأنَّها».
[2] «زمان»: سقط من (ص).
[3] في (ص): «الغريبة»، وهو تصحيفٌ.
[4] في (ص): «العمد»، وهو تحريفٌ.
[5] في (ص): «معطوف».
[6] في (ص): «عطف».
[7] في (ص): «روايته».
[8] «كهي»: سقط من (ص).
[9] قوله: «تنوين الثَّاني وتركه في الأوَّل»، سقط من (ص) و(م).
[10] «في الفرع وأصله»: ليس في (ص)، ثم زيد في (م): «مثلًا أو قريبًا؛ بالتَّنوين والألف».
[11] «بالنَّصب من غير ألفٍ»: ليس في (ص).
[12] في (ص): «المضاف وبين المضاف إليه».
[13] في (ص): «الرواية»، وهو تحريفٌ.
[14] في (ص): «البقية».
[15] «ابن عساكر عن الحَمُّوي»: سقط من (س).
[16] في (ص): «حالها».
[17] في (م): «بين».
[18] في (ب) و(س): «فهي».





86- (سُبْحَانَ اللهِ!) إِنْ قلتَ: كيف أضافَ؟ قلتُ: نُكِّر، فأضيف.

قال ابن الحاجب: (كونه علمًا إنَّما هو في غير حالة الإضافة، وهو مفعول مطلق التُزم إضمار فعله).

(آيَةٌ؟): خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أهي آية؟

(إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا): استثناءٌ مفرَّغٌ، وكلُّ مفرَّغٍ متَّصلٌ، معناه: كلُّ شيءٍ لم أَكنْ أُريتُه مِن قبلِ مُقامي ههنا رأيتُه في مَقامي هذا، و (رَأَيْتُهُ) في موضع الحال، وتقديرُه: (ما مِن شيءٍ لم أكنْ أُرِيتُه كائنًا في حالٍ مِنَ الأحوالِ إلَّا في حالِ رؤيتي إيَّاه)، وجاز وقوعُ الفعلِ مستثنًى بمثل هذا التَّأويل.

(حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ): [حتى] : إِنْ كانت عاطفةً؛ فما بعدَها منصوبٌ عطفًا على المفعول في (رَأَيْتُهُ)، أو ابتدائيةً؛ فمرفوعٌ، أو جارَّةً؛ فمخفوضٌ؛ نحو: (أكلتُ السَّمكةَ حتَّى رَأْسِها).

(مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ): هما بغيرِ التنوينِ مضافانِ إلى (فِتْنَةِ الْمَسِيحِ).

إِنْ قلتَ: كيفَ جاز الفصلُ بينهما وبين ما أُضيفا إليه بأجنبيٍّ؛ وهو قوله: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ؟).

قلتُ: هي جملةٌ معترضةٌ مؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المستفادِ مِنْ كلمة (أَوْ)، والمؤكِّدةُ للشَّيءِ لا تكون أجنبيَّةً منه؛ فلذلك جاز الفصلُ بينهما وبين ما أُضيفا إليه.

إِنْ قلتَ: هل يصحُّ أن يكونَ لشيءٍ واحدٍ مضافان؟

قلتُ: ليس ههنا مضافانِ، بل مضافٌ واحدٌ؛ وهو أحدُهما لا على التعيين، ولئن سلَّمنا؛ فتقديره: مثلَ فتنةِ المسيح، أو قريبَ فتنةِ المسيح، فحُذف أحدُ اللَّفظين منهما لدلالة الآخر عليه.

فإن قلتَ: ما توجيهُه على ما في بعض النُّسخِ من وجودِ (مِنْ) قبلَ (فِتْنَةِ)، و (مِنْ) لا تتوَسَّطُ بين المضافِ والمضافِ إليه في اللفظ؟

قلتُ: لا نسلِّم امتناعَ إظهارِ حرفِ الجرِّ بين المضاف والمضاف إليه؛ إذْ بعضُهم جوَّزَ التَّصريحَ بما هو مقدَّرٌ مِنَ (اللَّام) و (مِن) وغيرهما في الإضافات، وهو مثلُ قولِهم: لا أبا لك، وإنْ سلَّمنا؛ فهُما [1] ليسا بمضافينِ إلى الفتنة المذكورة على هذا التَّقدير، بل مضافان إلى الفتنة المقدَّرة، والمذكورُ ـ وهو (مِنْ فِتْنَةِ) ـ هو بيانٌ لذلك المقدَّرِ.

وفي بعضِ النُّسخِ: (قَرِيْبًا)، فيكون توجيهُه حينئذٍ: (مِنْ) صلةٌ له، ويقدَّر لفظُ (فِتْنَة) قبلَ لفظِ (قَرِيْبًا) ؛ ليكونَ (المثل) مضافًا إليه، انتهى كلام الكرمانيِّ.

قال القاضي: («مِثْلَ أَوْ قَرِيْبَ» كذا في كثيرٍ من نُسخ «البخاري»، وكذا رويناه عن الأكثرِ في «الموطأ»، ورويناه عن بعضهم: «مَثَلًا أَوْ قَرِيْبًا»، ولبعضهم: «مِثْلَ أَوْ قَرِيْبًا»، وهو الوجهُ).

وقال ابن مالك: (يُروى في «البخاريِّ»: «أَوْ قَرِيْبَ» بغيرِ تنوينٍ، والمشهورُ: «أَوْ قَرِيْبًا»، ووجهُهُ أنْ يكون أصلُه: «مثلَ فتنةِ الدَّجال أو قريبًا من فتنة الدَّجال»، فحُذِفَ ما كان «مثل» مضافًا إليه، وتُرك على هيئتِه قبلَ الحذف، وجازَ الحذف لدلالةِ ما بعدَه، والمعتادُ في صحَّةِ هذا الحذفِ أن يكون مع إضافتين؛ كقولِ الشَّاعر: [من الطويل]

~ أَمَامَ وَخَلْفَ المَرْءِ مِنْ لُطْفِ رَبِّهِ ..... ... ... ... ... ... ... ... .

وجاء أيضًا في إضافةٍ واحدةٍ؛ كما هو في الحديث.

وأمَّا رواية (قَرِيبَ) بغيرِ تنوينٍ؛ فأراد: مثلَ فتنةِ الدَّجال أو قريبَ الشَّبهِ مِنْ فتنةِ الدَّجال، فحُذفَ المضافُ إليه، وبقيَ (قَرِيبَ) على هيئتِهِ، وهذا الحذفُ في المتأخِّرِ لدلالةِ المتقدِّمِ عليه قليلٌ ؛ مثلَ قراءةِ ابنِ مُحَيصِنٍ: {لَا خَوفُ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 38، وغيرها] أي: لا خوفُ شيءٍ، وكقولِ الشَّاعرِ: [من السريع]

~ أَقُولُ لمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ: سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ!

أراد: سبحانَ الله! فحذفَ المضافَ إليه وتركَ المضافَ بحالِه، يقول الشَّاعر: العجبُ منه إذْ يَفخرُ!) انتهى.

وقال أبو البقاء: («قَرِيْبًا» منصوبٌ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: افتتانًا قريبًا من فتنة الدَّجال؛ ولذلك قال: «أو مثلَ» بإضافته إلى «الفتنة»).

و (أَيّ): الرِّوايةُ المشهورةُ فيه الرَّفعُ، وهو مبتدأٌ، وخبرُه: (قَالَتْ أَسْمَاءُ)، وضميرُ المفعولِ محذوفٌ، وفعلُ الدِّراية معلَّقٌ بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب إِنْ كانتْ (أَيُّ) استفهاميَّةً، ويجوزُ أن يكونَ أيضًا مبتدأً مبنيًّا على الضمِّ على تقديرِ حذفِ صدرِ صلتِه، والتقدير: لا أدري أيُّ ذلك هو قالته أسماء، وأمَّا توجيه النَّصب؛ فبأن يكون مفعولًا لـ (لَا أَدْرِي) [2] إِنْ كانتْ موصولةً، أو مفعولَ (قَالَتْ) إِنْ كانتْ استفهاميَّةً أو موصولةً، أو يُقال: إنَّه [3] مِنْ شريطةِ التَّفسير بأنْ يشتغلَ (قَالَتْ) بضميرِه المحذوفِ، ويَحتمل أن تكون الدِّرايةُ بمعنى: المعرفةِ.

وقال الزَّركشيُّ: (بنصبِ «أَيَّ»).

(إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا): قال الكرمانيُّ: («إِنْ» هي المخفَّفةُ من الثَّقيلةِ؛ أي: إنَّ الشَّأن) انتهى.

وقد رأيتُ في «شرح الألفية» لابن عقيل: (اختُلفَ في هذه «اللَّام»: هل هي لامُ الابتداء دَخَلَتْ للفرق بين [«إِنْ»] النافيةِ و«إنْ» المخفَّفةِ من الثقيلة، أم هي لامٌ أخرى اجتُلبتْ للفرق؟ وكلامُ سيبويه يدُلُّ على أنَّها لامُ الابتداء دَخَلَتْ للفرق.

وتظهرُ فائدةُ الخلاف في مسألةٍ جَرَتْ بين ابنِ أبي العافية وابنِ الأخضر ؛ وهي في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا»؛ فمَنْ جعلَها لامَ الابتداء؛ أَوْجَبَ [4] كسرَ «إِنْ»، ومَنْ جعلَها أخرى اجتُلِبَت للفرق؛ فَتَحَ «أَنْ»، وجرى الخلافُ قبلَهما في هذه المسألة بين أبي الحسن الأخفش الصَّغير، وبين أبي عليٍّ الفارسي، فقال الفارسيُّ: «هي لامٌ غيرُ لامِ الابتداء اجتُلِبتْ للفرق»، وبه قال ابنُ أبي العافية، وقال الأخفشُ الصَّغير: «إنَّها لامُ الابتداء دَخَلَتْ للفرق»، وبه قال ابنُ الأخضر) انتهى.

وقال السَّفاقُسِيُّ: (بفتحِ الهمزةِ على جعْلِها مصدريَّةً؛ أي: عَلِمنا كونَكَ مُوقِنًا)، ورُدَّ بدخولِ اللَّام.

وقال ابنُ هشامٍ: (وإذا خُفِّفَتْ «إِنَّ»؛ نحو: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} [البقرة: 143] ، {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ؛ فاللَّامُ عند سيبويه والأكثرين لامُ الابتداء، أفادتْ ـ مع إفادتها توكيدَ النِّسبة وتخليصَ المضارع للحال ـ الفرقَ بين «إِنْ» المخفَّفة من الثَّقيلة و«إِنْ» النَّافية؛ ولهذا صارتْ لازمةً بعدَ أنْ كانتْ جائزةً، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يدُلَّ دليلٌ على قصدِ الإثبات؛ كقراءةِ أبي رجاءٍ: {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لمِا مَتَاعُ الحَيَوةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 35] ؛ بكسر اللَّامِ؛ أي: لِلَّذي، وكقوله: [من البسيط]

~ إِنْ كُنْتُ قَاضِيَ نَحْبِي يَوْمَ بَيْنِكُمُ لَوْ لَمْ تَمُنُّوا بَوْعَدٍ غَيْرِ تَوْدِيعِ

ويجبُ تركُها مع نفيِ الخبر؛ كقوله: [من الطويل]

~ إِنِ الْحَقُّ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ وَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْدَمْ خِلَافَ مُعَانِدِ

وزعم أبو عليٍّ، وأبو الفتحِ، وجماعةٌ: أنَّها لامٌ غيرُ لامِ الابتداء اجتُلِبَتْ للفرقِ.

قال أبو الفتح: قال لي أبو عليٍّ: ظننتُ أنَّ فلانًا نحويٌّ محسنٌ حتَّى سمعتُه يقول: إنَّ اللَّامَ الَّتي تصحبُ الخفيفةَ هي لامُ الابتداء، فقلتُ له: أكثرُ نَحْوِيِّي بغداد على هذا. انتهى.

وحجَّةُ أبي عليٍّ دخولُها على الماضي المتصرِّف؛ نحو: «إِنْ زَيْدٌ لَقَامَ»، وعلى منصوبِ الفعلِ المؤخَّرِ عنْ ناصبه في نحو: {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] ، وكلاهُما لا يجوزُ مع المشدَّدة.

وزعمَ الكوفيونَ: أنَّ اللَّامَ في ذلك كلِّه بمعنى: «إلَّا»، وأنَّ «إِنْ» قبلَها نافيةٌ، واستدلُّوا على مجيءِ اللَّام للاستثناء بقوله: [من البسيط]

~ أَمْسَى أَبَانُ ذَلِيْلًا بَعْدَ عِزَّتِهِ وَمَا أَبَانُ لَمِنْ أَعْلَاجِ سُودَانِ

وعلى قولهم يُقالُ: «قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا» ؛ بكسرِ الهمزةِ؛ لأنَّ النَّافيةَ مكسورةٌ دائمًا، وكذا على قولِ سيبويه؛ لأنَّ لامَ الابتداءِ تُعلِّقُ العاملَ عنِ العملِ.

وأمَّا على قولِ أبي عليٍّ وأبي الفتحِ؛ فتُفتَحُ) انتهى.

[1] في النسختين: (أنهما)، والصواب المثبت من «الكواكب الدراري» (2/69)، وانظر «اللامع الصبيح» (1/418).
[2] في (ب): (مفعولَ «لا أدري»).
[3] في النسختين و«الكواكب»: (إنَّ)، والمثبت موافق لما في «اللامع».
[4] في النسختين: (وَجَبَ)، والمثبت من مصدره.





86- قوله: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ): تقدَّم أعلاه أنَّه ابن خالد، وأنَّه ليس في «البخاريِّ»: وهيب راوٍ مصغَّر سواه.

قوله: (حَدَّثَنَا [1] هِشَامٌ): هذا هو ابن عروة، مشهور التَّرجمة، أخرج له الجماعة، ثقةٌ ثَبْتٌ حجَّة [2] ، له ترجمة في «الميزان»، تناقص حفظه ولم يختلط، وهو شيخ الإسلام، توفِّي سنة (145 هـ ) ، وقيل غير ذلك، وانظر ترجمة ابن إسحاق من «التذهيب»، فإنَّ فيها شيئًا يتعلَّق بهشام.

قوله: (عَنْ فَاطِمَةَ): فاطمة هذه هي بنت المنذر بن الزُّبير بن العوَّام، زوج هشام المشار إليه، روت عن جدَّتها أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما، وأمِّ سلمة، وعنها: زوجها، ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي»، وقد قامت على روايته عنها القيامة، ونُسِب إلى ما نُسِب إليه من الكذب، وهي تابعيَّة ثقة، [/ج1ص51/] أخرج لها الجماعة.

قوله: (عَنْ [3] أَسْمَاءَ): هذه هي بنت أبي بكر الصدِّيق، أمُّ عَبْد الله بن الزُّبير، مهاجريَّة جليلة، وهي ذات النطاقين، مناقبها كثيرة مشهورة؛ فلا نطوِّل بها، روى عنها: ابناها عَبْد الله وعروة، وفاطمة بنت المنذر بنت ابنها، وابن عبَّاس، وغيرهم، توفِّيت بمكَّة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد ابنها عَبْد الله بن الزُّبير بيسير، لم تلبث بعد إنزاله من الخشبة ودفنه إلَّا ليالي، وكانت قد ذهب بصرها، قيل: عاشت بعده عشرة أيام، وقيل: عشرين يومًا، وبلغت مئة سنة ولم يسقط لها سنٌّ ولم ينكر لها عقل، أخرج لها الجماعة رضي الله عنها، وهي آخر المهاجرات موتًا [4] .

قوله: (الغَشِيُّ): هو بفتح الغين، وكسر الشِّين المعجمتين، وشدِّ الياء، كذا قيَّده الأصيليُّ، ورواه بعضهم: بإسكان الشِّين، وهما بمعنًى واحد؛ تريد: الغشاوة؛ وهي الغطاء، قال في «المطالع»: (قد رويناه عنِ الفقيه أبي محمَّد عنِ الطَّبَرِيِّ: «العشيُّ»؛ مهملة، وليس بشيء) انتهى.

قوله: (أُرِيتُهُ): هو بضمِّ الهمزة، وكسر الرَّاء، وهذا ظاهر.

قوله: (حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ): يجوز فيهما ثلاثة أوجه: النصب، والرفع، والجرُّ، والله أعلم.

قوله: (فَأُوحِيَ [5] إِلَيَّ [6] ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا): وفي بعض النُّسخ: (أو قريبَ) ؛ بغير تنوين، قال القاضي: (الأحسن تنوين الثَّاني، وتركه في الأوَّل) ، ووجَّهه ابن مالك: بأنَّ أصله مثل فتنة الدجَّال، وقال أبو البقاء: («قريبًا»: منصوب نعتًا لمصدر محذوف؛ أي: افتتانًا قريبًا من فتنة الدجَّال، ولذلك قال: «أو مثل»؛ بإضافته إلى الفتنة) .

قوله: (أَيَّ ذَلِكَ): هو بنصب (أيَّ) [7] .

قوله: (الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ): هو بفتح الميم، كما في المسيح ابن مريم مسيح الهدى، والدَّجَّال مسيح الضَّلالة، وفرَّق بينهما بعضهم، فقال في الدَّجَّال: المِسِّيح؛ بكسر الميم مع التشديد والتخفيف، بخلاف عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم، وقيل: إنَّ الدَّجَّال بالخاء المعجمة: الممسوخ العين، يقال: مسحه الله؛ إذا خلقه خلقًا حسنًا، بخلاف مسخه بالمعجمة؛ فإنَّه عكسه، وقيل: سمِّي بالمهملة؛ لمسح إحدى عينيه، فيكون بمعنى: ممسوح [8] ، وقيل: لمسحه الأرض، فيكون بمعنى فاعل، ومن أراد زيادة؛ فعليه بـ«التَّذكرة» للقرطبيِّ، فإنَّه أشبع الكلام فيه وفي ضبطه وما فيه، وسأذكر فيه اختلافًا في مكان خروجه في (باب الدَّجَّال) في (الفتن) إن شاء الله تَعَالَى.

و (الدَّجَّال): ينطلق على عشرة وجوه [9] ، ذكرها القرطبيُّ في «تذكرته»، فالدَّجَّال: الكذَّاب سمِّي بذلك؛ لتمويهه على الناس وتلبيسه عليهم، والدَّجْل: طلي البعير بالقطران، فهو يموِّه بالباطل وسحره الملبس به، وقيل: لأنَّه يغطِّي الأرض [10] بالجمع الكثير؛ مثل دجلة تغطِّي الأرض بمائها، وقيل: لضربه نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل الرجل -بالتخفيف والتشديد مع فتح الجيم-، ودجل أيضًا، وقال شيخنا مجد الدين في «القاموس»: (والدَّجَّال؛ لشؤمه) ؛ يعني: سمِّي مسيحًا، قال: (أو هو كسكِّير) انتهى.

وأمَّا عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلمسحه الأرض، وقيل: لأنَّه كان ممسوح الرِّجل لا أخمص له، وقيل: إنَّ زكريَّا عليه السَّلام مسحه، وقال شيخنا مجد الدين في «القاموس»: (والمسيح عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لبركته) ، قال: (وذكرت [11] في اشتقاقه خمسين قولًا في «شرحي لمشارق الأنوار» وغيره) .

قوله: (إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا): (إِن): بكسر الهمزة، وهي مخفَّفة من الثقيلة، ولزمت اللَّام؛ للفرق بينها وبين النافية، وعن السفاقسيِّ -وهو ابن التِّين-: فتح الهمزة على جعلها مصدريَّة؛ أي: علمنا كونك موقنًا، ورُدَّ بدخول اللَّام [12] .

قوله: (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ): جاء في الأحاديث أنَّ الكافر يفتن في قبره، ويسأل، ويهان، ويعذَّب [13] .

قال القرطبيُّ في «تذكرته»: وعن الحكيم الحافظ التِّرمذيِّ محمَّد بن عليٍّ صاحب «نوادر الأصول» وغيره -وهو رجل عالم حافظ مُتكلَّم فيه بسبب الاعتقاد، ذكره الذَّهبيُّ في «طبقات الحفَّاظ»، ونصَّ على ذلك الاعتقاد عافانا الله تَعَالَى، وقد رأيتُ ابنَ تيمية أبا العبَّاس الحافظ سُئل عنه، وذكر اعتقاده، وهو كلام منكر في «خاتم الولاية»- قال في «نوادره»: (وإنَّما سؤال الميت في هذه الأمَّة خاصَّة [14] ...) إلى آخر كلامه، وبعده [15] [قال القرطبيُّ: (قول أبي محمَّد عبد الحقِّ أصوب] [16] ، فإنَّ الأحاديث التِّي ذكرناها قبلُ تدلُّ على أنَّ الكافر يسأله الملكان، ويختبرانه بالسؤال، ويضرب بمطارق الحديد على ما تقدَّم، والله أعلم) انتهى [17]

[ (وقال ابن عبد البَرِّ في «التَّمهيد»: والآثار الدَّالة تدلُّ على أنَّ الفتنة لا تكون إلَّا [18] لمؤمن أو منافق، ممَّن [19] كان منسوبًا إلى القبلة ودين الإسلام، ممَّن حُقِن دمه بظاهر [20] الشَّهادة، وأمَّا الكافر الجاحد المبطل؛ فليس ممَّن يسأل عن ربِّه، ودينه [21] ، ونبيِّه، وإنَّما يسأل عن هذا أهلُ الإسلام) ، وقال أيضًا ابن عبد البَرِّ في حديث زيد بن ثابت عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم «إنَّ هذه الأمَّة تبتلى في قبورها»: (ومنهم من يرويه: «تسأل»، وعلى هذا اللفظ؛ يحتمل أنْ تكون هذه الأمَّة خُصَّت بذلك، وهذا أمر لا يُقطَع [22] عليه) ، والله أعلم] [23] .

وأمَّا ابن القيِّم؛ فإنَّه نُقِل عنه كقول ابن عبد البَرِّ، نقل ذلك في كتاب «الروح»، قال ابن القيِّم بعد حكاية ذلك: (وتوقَّف فيه آخرون؛ منهم: ابن عبد البَرِّ) ، قال ابن القيِّم: (والظَّاهر -والله أعلم-: أنَّ كلَّ نبيِّ أُرسِل مع أمَّته كذلك، وأنَّهم معذَّبون بعد السؤال لهم) ، (ثمَّ رأيته كذلك [24] في «التَّذكرة») [25] .

مسألة: الأطفال هل يمتحنون في قبورهم؛ ذكر فيها ابن القيِّم قولين قال: (وهما وجهان لأصحاب أحمد، وقال القرطبيُّ في «التَّذكرة»: إنَّهم يُسأَلون، وإنَّ ظواهر الأحاديث تقتضيه، ذكر ذلك في حديث في باب ذكر حديث البراء عقبه في الردِّ على الملحدة؛ فانظره في أوائل «التَّذكرة») انتهى، والمسألة لا أعرف فيها كلامًا لأحد من الشَّافعيَّة، لكنَّهم قالوا: إنَّ الصَّغير لا يلقَّن، فمن لازمه أنَّه لا يُسأَل، والله أعلم.

[وقال ابن قيِّم الجوزية: (وفي سؤال كذا -فذكر من هو في أرفع المقامات- قولان، وهما وجهان لأصحاب [26] أحمد وغيره)] [27] ، ذكر ذلك في كتاب «الروح» في أوَّل الكرَّاسيَّة التَّاسعة، انتهى.

وسيأتي الكلام على الملكين السَّائلين في (الجنائز) إن شاء الله تعالى وقدَّره.

[فائدة: فيما ينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته

وذلك خمسة أشياء: الرباط في سبيل الله، وفي «التِّرمذيِّ» [28] من حديث فضالة بن عبيد، وكذا في حديث أبي هريرة في «ابن ماجه» الموت في حالة الرباط، وهو قيد في المسألة، والقتل في سبيله، و (قراءة سورة تبارك كلَّ ليلة) كما في «التِّرمذيِّ»، وروي أنَّها (المجادلة) ، تجادل عن صاحبها؛ يعني: قارئها في القبر، وروي: أنَّ من قرأها كلَّ ليلة؛ لم يضرَّه الفتَّان، والموت بمرض، لكن قد جاء مقيَّدًا بمن يقتله بطنه، وفيه قولان؛ أحدهما: الذي يصيبه الإسهال، والثَّاني: الاستسقاء، وهو أظهر القولين، والخامس: موت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، وقد ذكر ذلك القرطبيٌّ بأدلَّته في «تذكرته»، فإن أردت ذلك؛ فانظره منها، وظاهر كلامه: أنَّ هؤلاء لا يسألانهم الملكان، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله قبيل باب حديث البراء المشهور الجامع لأحوال الموتى ما لفظه: (وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما، ولا يأتيه واحد منهما على ما يأتي بيانه) انتهى.

وذكر أيضًا في الكلام على هذه الخمسة أنَّها تحصر وتبيِّن من لا يسأل في قبره، ولا يفتن [29] فيه، فأشار إلى ما ذكرته عنه، والله أعلم] [30] .

[1] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] زيد في (ج): (ليس) .
[3] (عن): ليس في (ب) .
[4] زيد في هامش (ج): (بلغ سماعًا الشيخ شمس الدين السلامي مع غيره كتبه إبراهيم مؤلفه) .
[5] كذا في «اليونينيَّة»، وفي النسخ: (أُوحي) .
[6] (إليَّ): مثبت من (ج) .
[7] زيد في (ج): (ويجوز في لغةٍ ضمها) ، وضرب عليها في (أ) .
[8] في (ب): (الممسوح) .
[9] في (ب): (أوجه) .
[10] زيد في (ب): (فإنها) .
[11] في (ج): (لبركته وذكر) .
[12] زيد في (أ): (تقرأ الفرجة فإنها مفيدة، والله أعلم) .
[13] كتب في هامش (أ): (انظر الحكيم التِّرمذي تُكلِّم فيه من جهة الاعتقاد مع أنَّه من كبار الأولياء) .
[14] في (ج): (هذه الأحاديث) ، وليس فيها: (خاصة) ، وكذا كانت في (أ) قبل الإصلاح.
[15] في (ج): (وفيه) .
[16] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[17] زيد في (ج): (كذا نقله عنه القرطبي في «تذكرته») ، وضرب عليها في (أ) .
[18] (إلَّا): ليس في (ب) .
[19] في (أ) و (ب): (من) .
[20] في (ج): (لظاهر) .
[21] في (ج): (عن دينه، وربه) .
[22] في (ج): (يطلع) .
[23] ما بين معقوفين جاء في (ب): (وقال القرطبي في «تذكرته») ، وفي (ج) بعد قوله: (فمن لازمه أنه لا يسأل والله أعلم) .
[24] في (ب): (في ذلك) .
[25] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[26] في (ب): (عند أصحاب) .
[27] ما بين معقوفين جاء في (ب): (بمطارق الحديد...انتهى) .
[28] (التِّرمذي): ليس في (ب) .
[29] في (ب): (يفنى) .
[30] ما بين معقوفين سقط من (ج) .





86- ( الْغَشِيُّ ) بكسر الشين وتشديد الياء، وروي بإسكان الشين، وهما بمعنى، يريد الغشاوة وهي الغطاء، وروي بعين مهملة، قال القاضي: وليس بشي.

( حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ) يجوز فيهما الفتح والرفع والجر. [/ج1ص65/]

( مثل أو قريب ) هو بغير تنوين في المشهور في البخاري، ولبعضهم «مثلًا أو قريبًا» بتنوينهما، وقال القاضي: الأحسن تنوين الثاني وتركه في الأول، ووجَّهه ابن مالك بأن أصله: مثل فتنة الدجال أو قريبًا منها، فحذف ما أضيف إلى ( مثل ) وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعده.

وقال أبو البقاء: «قريبًا» منصوب نعتًا لمصدر محذوف، أي: إتيانًا قريبًا من فتنة الدجال، ولذلك قال: «أو مثل»، فأضافه إلى الفتنة.

( قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ ) هي بكسر ( إن ) مخففة من الثقيلة، ولزمت اللام للفرق بينها وبين النافية، وحكى السَّفاقُسِي فتح ( أن ) على جعلها مصدرية، أي: علمنا كونك موقنًا، وردَّه بدخول اللام.

ثم قيل: المعنى: إنك موقن كقوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [ آل عمران: 110 ] أي: أنتم، قال القاضي: والأظهر أنَّها على بابها، والمعنى أنك كنت موقنًا.

( لاَ أَدْرِي أَيَّ ) بنصب ( أيَّ ).


86- ( هِشَامٌ ): ابن عروة.

( فَاطِمَةَ ) زوجته بنت عمه المنذر.

( أَسْمَاءَ ): بنت أبي بكر، جدَّة هشام وفاطمة معًا.

( فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ ) أي: عائشة.

( آيَةٌ ): خبر محذوف، وكذا الهمزة، أي: أهذه.

( عَلَانِي ): لكريمة: «تجلَّاني» أي: غطَّاني.

( الْغَشْيُ ): بفتح الغين وإسكان الشِّين المعجمتين وبتخفيف الياء، وبكسر الشِّين وتشديد الياء: طرف من الإغماء.

( أُرِيتُهُ ): بضمِّ الهمزة.

( حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ) بالحركات الثَّلاث فيهما.

( مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا ) بترك التَّنوين في الأوَّل على حذف المضاف إليه وإبقاء حكمه؛ أي: مثل فتنة الدَّجَّال وإثباته في الثَّاني، وروي بحذفه منه أيضًا على إضافته إلى فتنة، وزيادة «من» بين المتضايفين ونصبهما صفة مصدر محذوف.

( إِنْ ) مخفَّفة من الثَّقيلة واللَّام فارقة.

( أيَّ ) بالنَّصب مفعول قالت. [/ج1ص252/]


86- وبه قال: ((حدثنا موسى بن إسماعيل)) التبوذكي، ((قال: حدثنا وُهيب)) هو ابن خالد الباهلي، ((قال: حدثنا هشام)) هو ابن عروة بن الزبير بن العوَّام، ((عن فاطمة)) بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي زوجة هشام بن عروة وبنت عمِّه.

((عن أسماء)) بنت أبي بكر الصديق زوجة الزبير، وكان عبد الله بن أبي بكر شقيقها، وعائشة وعبد الرحمن أخواها لأبيها، وهي ذات النطاقين، المتوفاة في مكة في جماد الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير، وقد بلغت المئة ولم يسقط لها سِنٌّ ولم يتغيَّر لها عقل، أنَّها ((قال: أتيت عائشة)) بالنصب مفعول، ومنع التنوين منه؛ لأنَّه غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، أم المؤمنين رضي الله عنها.

((وهي تصلي)) جملة اسمية وقعت حالًا من عائشة، ((فقلتُ)) لها: ((ما شأن الناس)) قائمين فزعين، ((فأشارت)) عائشة ((إلى السماء)) تعني: انكسفت الشمس، ((فإذا الناس)) ؛ أي: بعضهم، ((قيام)) لصلاة الكسوف، و (إذا) للمفاجأة، وما بعده مبتدأ وخبر، ((فقالت)) ؛ أي: عائشة: ((سبحان الله)) مفعول مطلق التُزِمَ إضمارُ فعله، تقديره: أُسَبِّحُ الله سبحان؛ أي: تسبيحًا، معناه: أنزِّهُه.

((قلت: آية؟)) بهمزة الاستفهام وحذفها، خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: أهي آية؛ أي: علامة لعذاب الناس كأنَّها مقدمة له، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] ، أو علامة لقرب زمان القيامة، ((فأشارت)) عائشة ((برأسها؛ أي: نعم)) تفسير لقوله: (إشارة) .

وقال أهل الهيئة: إنَّ الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض، فلا يرى حينئذٍ إلَّا لون القمر، وهو كَمِدٌ لا نورَ له، وذاك لا يكون إلَّا في آخر الشهر عند كون النيِّرين في إحدى عقدتي الرأس والذنب، وله آثار في الأرض، وهذا إن كان غرضهم أنَّ الله تعالى أجرى سُنَنَه بذلك كما أَجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار، فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنَّه واجب عقلًا وله تأثيرٌ بحسب ذاته؛ فهو باطل؛ لما عُلم أنَّ جميع الحوادث مسندَةٌ إلى إرادة الله ولا مؤثِّر في الوجود إلَّا الله تعالى.

قالت أسماء: ((فقمت)) في الصلاة، ((حتى)) إلى أن ((علاني)) ؛ بالعين المهملة وتخفيف اللام، من علوت الرجل غلبتُه، وفي رواية: (تجلَّاني) ؛ بالفوقية والجيم وتشديد اللام؛ أي: علاني؛ أي: غلبني، ((الغَشي)) ؛ بفتح المعجمة الأولى وسكون الثانية، آخره مثناة خفيفة، وبكسر الشين المعجمة وتشديد الياء أيضًا، بمعنى: الغشاوة، وهي الغطاء.

وفي الأصل: تحرك الخلط الصفراوي يصعد بخاره للدماغ بسبب الحركة، وهنا بطول القيام، والمراد به هنا الحالة الغريبة القريبة منه، فأطلقت (الغشي) عليها مجازًا، ولهذا قالت: ((فجعلتُ)) من الأفعال الناقصة، و (التاء) اسمه، وقوله: (أصبُّ على رأسي الماء) جملة من الفعل والفاعل المستتر والمفعول: محلُّها النصب خبر (جعل) ، وإنَّما صبَّتْ في تلك الحالة الماء البارد؛ لأنَّه يُطفئ حرارة البخار، ويُسكِن تهيُّج الصفراء، ويجلو البصر.

((فحمِد الله)) عزَّ وجلَّ ((النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: قال: الحمد لله، ((وأثنى عليه)) بأن شكره وذكره بصفات الكمال، فهو من عطف العام على الخاص، ((ثم قال)) عليه السلام، ((ما)) نافية، ((مِن)) زائدة للتأكيد، ((شيء)) اسم (ما) ، ((لم أكن)) جملةٌ محلُّها رفع صفة لـ (شيء) ، ((أُريته)) ؛ بضم الهمزة، جملةٌ محلُّها النصب خبر (لم أكن) ، ولا يصحُّ جعلها حالًا خلافًا لمن زعمه.

((إلَّا رأيتُه)) استثناء مفرَّغ، فتُلغى فيه (إلَّا) من حيث العمل لا من حيث المعنى؛ أي: رؤيته عين حقيقة؛ بأنْ كُشف له وأُزيلت الحجب عنه، فرأى ربَّه عزَّ وجلَّ بلا كيف ولا كيفيَّة؛ لأنَّه ممَّا لم يمنعه العقل، وكذا كلُّ شيء يصحُّ شرعًا رؤيته، حال كوني، ((في مَقامي)) ؛ بفتح الميم الأولى وكسر الثانية؛ أي: مكاني، زاد في رواية: (هذا) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو هذا، ويؤوَّل بالمشار إليه.

((حتى الجنة والنار)) يجوزُ فيهما الرفع، والنصب، والجرُّ، أمَّا الرفع؛ فعلى أنَّ (حتى) ابتدائية، و (الجنة) مبتدأ محذوف الخبر، و (النار) عطفٌ عليه؛ أي: حتى الجنة مرئية، وأمَّا النصب؛ فعلى أن تكون (حتى) عاطفة عطفت (الجنة) على الضمير المنصوب في (رأيته) ، وأمَّا الجر؛ فعلى أن تكون (حتى) جارَّة فرآهما حقيقةً أو صُوِّرتا له في الحائط كما يتمثَّل المرئيات في المرآة، ويدلُّ له ما في المؤلف في (الكسوف) : فقال عليه السلام: «الجنة والنار ممثلين في قبلة هذا الجدار»، وفي «مسلم»: «إنِّي صُوِّرتْ لي الجنة والنار، فرأيتُهما دون [1] هذا الحائط»، وتمامه في «عمدةالقاري».

[/ص55/] ((فأُوحي)) ؛ بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول ((إليَّ: أنَّكم)) ؛ بفتح الهمزة: مفعول (أوحي) نائب عن الفاعل ((تُفتنون)) جملة محلُّها الرفع خبر (أنَّ) ؛ أي: تُمتحنون وتُختبرون ((في قبوركم)) وهو دليل على ثبوت عذاب القبر، ((مثلَ أو قريبًا)) ؛ بحذف التنوين في الأول وإثباته في الثاني، وفي رواية: بحذفه فيهما مع حذف الألف، وفي أخرى: بإثباته فيهما مع ثبوت الألف.

((لا أدري أيُّ ذلك)) لفظ (مثل أو قريبًا) ، ((قالت أسماء؟)) ، و (أيُّ) مرفوع على الابتداء، خبرُه قوله: (قالت أسماء) ، وضميرُ المفعول محذوف؛ أي: قالته، ويجوز أن تكون (أي) استفهاميَّة وموصولة، فإن كانت استفهاميَّة؛ يكون فعل الدراية معلقًا بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب، ويجوز أن تكون (أي) مبنيَّة على الضم مبتدأ حذف صدر صلتها؛ تقديره: لا أدري أي ذلك هو قالته، وإن كانت موصولة؛ تكون (أي) منصوبة إمَّا مفعول لـ (أدري) أو بـ (قالت) سواء كانت موصولة أو استفهاميَّة، وتمامه في «عمدة القاري».

((من فتنة المسيح)) ؛ بالحاء المهملة، إنَّما سُمِّي مسيحًا؛ لأنَّه يمسح الأرض، أو لأنَّه ممسوح إحدى العينين، وفرَّق بعضهم بينه وبين عيسى ابن مريم بأن يقال فيه: المسِّيح كـ (سكِّيت) ؛ بتشديد السين المهملة؛ لأنَّه مُسح خلقه؛ أي: شوِّه، ويقال لعيسى: مسيح؛ بالتخفيف، وقال آخرون: يقال له: بالخاء المعجمة؛ لأنَّه خلق خلقًا ملعونًا، وبالمهملة لعيسى؛ لأنَّه خلق خلقًا حسنًا.

((الدَّجَّال)) ؛ بتشديد المعجمة، (فَعَّال) من الدَّجَل؛ وهو الكذب وخلط الحقِّ بالباطل، وتقدير الرواية الأولى: مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، فحذف ما كان (مثل) مضافًا إليه وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف؛ لدلالة ما بعدَه.

وأمَّا وجه الثانية: فهو أن يكون (مثل) أو (قريب) كلاهما مضافان إلى (فتنة المسيح) ، ويكون قوله: (لا أدري أيُّ ذلك قالت أسماء؟) معترضة بين المضاف والمضاف إليه، مؤكِّدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة (أو) .

وأمَّا وجه الثالثة: فهو أن يكون (مِثلًا) منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف، و (أو قريبًا) عطفًا عليه، والتقدير: تُفتنون في قبوركم فتنةً مِثلًا -أي: مماثلًا- من فتنة المسيح الدجَّال أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح الدجال، وتمامه في «عمدة القاري».

((يقال)) للمفتون: ((ما علمك)) مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، وإنَّما عُدِل عن خطاب الجمع إلى المفرد؛ لأنَّ السؤال عن العلم يكون لكلِّ واحد بانفراده واستقلاله، وتمامه في «عمدة القاري».

((بهذا الرجل)) عليه السلام، ولم يقل: بي؛ لأنَّه حكاية عن قول الملكين السائلين المسمِّيَيْن بمنكر ونكير، ولم يقولا [2] له: رسول الله؛ لئلَّا يلقَّنَ منهما إكرامَ الرسول، فيُعظِّمُه تقليدًا لهما لا اعتقادًا، ((فأمَّا)) للتفصيل وفيه معنى الشرط فلذا دخلت الفاء في جوابها، ((المؤمن أو الموقن)) ؛ أي: المصدِّق بنبوة النبي الأعظم عليه السلام، ((لا أدري بأيهما)) ، وفي رواية: (أيُّهما المؤمن أو الموقن) ، ((قالت أسماء)) الشك من فاطمة بنت المنذر، ((فيقول)) جواب (أمَّا) ؛ أي: المقبور المفتون: (هو محمَّد) مبتدأٌ وخبر، ((هو رسول الله)) مبتدأٌ وخبر، هو ((جاءنا)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو جاءنا ((بالبينات)) ؛ أي: المعجزات الدالة على نبوته ((والهدى)) ؛ أي: الدلالة الموصلة إلى البغية، ((فأجبنا)) ؛ أي: قبلنا نبوَّته معتقدين حقيتها معترفين بها، ((واتَّبعنا)) فيما جاء به إلينا، أو الإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل، وفي رواية: زيادة الهاء في آخرهما، وحذف ضمير المفعول من الأولى للعلم به، ((هو محمد)) ، وفي رواية: (وهو محمد صلى الله عليه وسلم) .

((ثلاثًا)) منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يقول المؤمن: هو محمَّد قولًا ثلاثًا؛ أي: ثلاث مرات، ولفظ (ثلاثًا) ذُكر للتأكيد، فلا يكون المقول إلَّا ثلاث مرات، فاندفع أن يقال: يلزم أن يكون (هو محمد) مقولًا تسع مرَّات؛ فافهم.

((فيقال)) له: ((نَمْ)) فعل أمر، حال كونك، ((صالحًا)) ؛ أي: منتفِعًا بإيمانك وعملك، ((قد علمنا إنْ)) ؛ بكسر الهمزة؛ أي: الشأن، ((كنت لموقنًا به)) ؛ أي: إنَّك موقنٌ به، و (اللام) هي الفارقة بين المخففة والنافية عند البصريين، وقال الكوفيُّون: (إنْ) بمعنى (ما) ، و (اللام) بمعنى (إلَّا) ، كقوله تعالى: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ؛ أي: ما كل نفس إلَّا عليها حافظ، ويكون التقدير هنا: ما كنت إلَّا موقنًا، وحكى السفاقسي بفتح الهمزة على جعلها مصدريَّة؛ أي: علمنا كونك موقنًا به، بناءً على أنَّ (اللام) اجتُلبتْ للفرق، لا للابتداء.

((وأمَّا المنافق)) ؛ أي: غير المصدق بقلبه لنبوَّته، ((أو المرتاب)) ؛ أي: الشاكُّ، وأصله: مرتيب؛ بفتح المثناة التحتية في المفعول وكسرها في الفاعل من الريب، قالت فاطمة: ((لا أدري أيُّ ذلك قالت أسماء)) رضي الله عنها، ((فيقول)) (الفاء) في جواب (أمَّا) ؛ أي: المفتون: ((لا أدري، سمعتُ الناسَ)) حالَ كونهم ((يقولون شيئًا فقلتُه)) ؛ أي: قلت ما كان الناس يقولونه، وفي رواية: وذكر الحديث بتمامه؛ وهو أنَّه يقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين، نسأل الله العافية.

وفي الحديث دليل على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان، وسأل اليهود عمر عن قوله تعالى [3] : {جَنَّةٍ عَرْضُهَا} الآية [آل عمران: 133] : وأين تكون النار، فقال لهم عمر: أرأيتُم إذا جاء الليل فأين يكون النهار، فقالوا له: لقد نزعت ممَّا في التوراة، وفيه سؤال منكر ونكير، وخروج الدجَّال، وسُنِّيَّة صلاة الكسوف، وحضور النساء الجماعات، وجواز السؤال من المصلي.

وفيه دليل على امتناع الكلام في الصلاة ولو كلمة، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم وأتباعهرضي الله عنه، وفيه جواز الإشارة ولا كراهة فيها إذا كانت لحاجة، وهو مذهبنا أيضًا، وجواز العمل اليسير في الصلاة وأنَّه لا يبطلها، وهو مذهبنا، وأنَّ الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل والفهم باقيًا، وهو مذهبنا، وأمَّا صبُّ الماء؛ فالمراد به بعمل قليل؛ بحيث لا يعدُّه الناظر كثيرًا، وإلَّا لفسدت الصلاة، والله أعلم.

[1] في الأصل: (بدور) تبعًا لـ«عمدة القاري».
[2] في الأصل: (يقولان) .
[3] زيد في الأصل: (في) .