المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

79-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ أُسامَةَ، عن بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِي بُرْدَةَ:

عَنْ أَبِي مُوسَىَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ [1] مِنَ الهُدَىَ والْعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصابَ أَرْضًا، فَكانَ منها نَقِيَّةٌ [2] قَبِلَتِ الماءَ [3] _قالَ [4] إِسْحاقُ [5] : وَكانَ منها طائِفَةٌ قَبِلَتِ [6] الماءَ [7] _ فأَنْبَتَ [8] الكَلأَ والْعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكانَتْ منها أَجادِبُ [9] ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بها [10] النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وأَصابَتْ [11] منها طائِفَةً أُخْرَىَ، إِنَّما هِيَ قِيعانٌ، لا تُمْسِكُ ماءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ [12] فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ ما [13] بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».

[1] في رواية الأصيلي: «مَثَلُ ما بعثني بهِ اللهُ».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وكتب بالهامش: «ثَغبَةٌ» بكسر الغين وإسكانها، ولم تتحرر الرموز إلَّا في (ص) ونسخة الزاهدي، فعزاها إلى رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي، وعزاها في الفتح إلى حاشية أصل أبي ذر، بينما قرأ القسطلاني الرمز علامةَ تضبيب فقط، و(ثغبة) ضبطت بمثلثة مفتوحة وغين معجمة مكسورة وساكنة معًا بعدها موحدة خفيفة مفتوحة، وضبطت بضم المثلثة وتسكين الغين أيضًا. وفي (ن) نقلًا عن هامش اليونينية: قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ: فكان منها «ثغبة» كذا ذكره بعضُهم عن البخاري، ولم يروه عنه، وفسَّره بمستنقع الماء في الجبال، وهو تصحيف وقلب للتمثيل؛ لأنه إنما جعل هذا المثل فيما ينبت والثغاب لا ينبت [في الأصل: يثبت، في الموضعين، وهو تصحيف] والذي رُوِّيناه من طرق البخاري كلها: «فكان منها نقيةٌ» بالنون مثل قوله في مسلم: «طائفة طيبة قبلت الماء»، وذكر بعضهم: «فكان منها بقعة قبلت الماء» والصحيح كما رويناه.اهـ. وانظر المشارق.
[3] في ابن عساكر زيادة: «الصَّفْصَفُ المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ» (ن، و).
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «قال أبو عبد الله: قال».
[5] هو ابن راهويه كما في الفتح، وفي (ن): «بن إسحاق» وأشار إليها في (ق) وهو موافق لرواية كريمة، قال في الفتح: وكان شيخنا العراقي يرجحها، ولم أسمع ذلك منه، وقد وقع في نسخة الصغاني: «وقال إسحاق عن أبي أسامة» وهذا يرجح الأول.اهـ.
[6] بهامش اليونينية: «قَيَّلتِ الماء» بالياء أخت الواو مشدَّدة، قال: ومعنىَ قَيَّلت: أمسكت عند الأصيلي.اهـ. وأثبت في (ب، ص): «قَيَّلتِ» في متن اليونينية.
[7] قول إسحاق مؤخَّر في رواية ابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت إلىَ آخر الباب. وبهامش (ن): «يلي: قال ابن إسحاق: قاع يعلوه الماء والصَّفْصَفُ المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ». وقول إسحاق مع الزيادة مثبت في متن (ب، ص) آخر الحديث معزوًا إلىَ رواية المستملي.
[8] في (و، ب): «فأنبتت»، وهو موافق لما في (ق).
[9] في رواية أبي ذر: «إخاذات» بهمزة مكسورة وخاء خفيفة وذال معجمتين، آخره مثناة فوقية قبلها ألف جمع إخاذة. وفي (ب، ص) أنَّ رواية الأصيلي: «أَجَادِب». وبهامشهما: بالمهملة، قال الأصيلي: هو الصواب.اهـ.
[10] في رواية الأصيلي: «به».
[11] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت وابن عساكر و [ح] و [عط] : «وأصاب». وعزاها في (ب، ص) إلىَ رواية الأصيلي بدل ابن عساكر، وهو موافق لما في نسخة الزاهدي.
[12] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«فَقُهَ».
[13] في رواية ابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «بما».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

79- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ)؛ بالمُهمَلَة والمدِّ، المُكنَّى بأبي كُرَيْبٍ؛ بضمِّ الكاف، مُصغَّر «كربٍ»؛ بالمُوحَّدة، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ)؛ بضمِّ الهمزة، ابن زيدٍ [1] ، الهاشميُّ، القرشيُّ، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى ومئتين، وهو ابن ثمانين سنةً فيما قِيلَ، (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ المُوحَّدة، وفتح الرَّاء، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره دالٌ مُهملَةٌ، (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، وإسكان الرَّاء، ابن أبي موسى الأشعريِّ، (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ رضي الله عنه، ولم يَقُلْ: «عن أبيه» بدل قوله: «عن أبي موسى»؛ تفنُّنًا في العبارة، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ)، وللأَصيليِّ: ((ما بعثني به الله)) [2] (مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ)؛ بالجرِّ عطفًا على «الهدى»؛ من: عطف المدلول على الدَّليل؛ لأنَّ «الهدى»: هو الدَّلالة الموصلة للمقصد، و«العلم»: هو المدلول، وهو صفةٌ توجب تمييزًا لا يحتمل النَّقيض، والمُرَاد به هنا: الأدلَّة الشَّرعيَّة؛ (كَمَثَلِ) بفتح الميم والمُثلَّثة (الْغَيْثِ): المطر (الْكَثِيرِ أَصَابَ) [/ج1ص177/] الغيث (أَرْضًا)؛ الجملة من الفعل والفاعل والمفعول في موضع نصبٍ على الحال بتقدير: قد، (فَكَانَ مِنْهَا)؛ أي: من الأرضِ أرضٌ (نَقِيَّةٌ)؛ بنونٍ مفتوحة، وقاف مكسورةٍ، ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ؛ أي: طيِّبةٌ، (قَبِلَتِ الْمَاءَ) بفتح القاف، وكسر المُوحَّدة؛ مِنَ: القبول (فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ)؛ بفتح الكاف واللَّام آخره همزة [3] ، مقصورٌ؛ النَّبات يابسًا ورطبًا، (وَالْعُشْبَ) الرَّطب منه، وهو نصبٌ عطفًا على المفعول، (الْكَثِيرَ) صفةٌ لـ: «العشب»، فهو من ذكر الخاصِّ بعد العامِّ، وفي حاشية أصل أبي ذَرٍّ _وهو عند الخطَّابيِّ والحُميديِّ_: ((ثَغِبَة))؛ بمُثلَّثةٍ مفتوحةٍ، وغَيْنٍ مُعجَمَةٍ مكسورةٍ، وقد تُسكَّن، بعدها باءٌ مُوحَّدةٌ خفيفةٌ مفتوحةٌ، وفي هامش [4] «فرع اليونينيَّة» كـ: «أصلها» لغير الأربعة [5] : ((ثُغْبة))؛ مُضبَّبٌ عليها؛ وهي بضمِّ المُثلَّثة، وتسكين الغَيْن؛ وهو مُستنقَع الماء في الجبال والصُّخور، كما قاله الخطَّابيُّ، لكن ردَّه القاضي عياضٌ، وجزم بأنَّه تصحيفٌ وقلبٌ للتَّمثيل، قال: لأنَّه إنَّما جعل هذا المثل فيما ينبت، والثِّغاب لا تنبت، والذي رويناه من طرق البخاريِّ كلِّها بالنُّون، مثل قوله في «مسلمٍ»: «طائفةٌ طيِّبةٌ قبلت الماء»، (وَكَانَتْ) _وفي بعض النُّسخ: ((وكان))_ (مِنْهَا أَجَادِبُ)؛ بالجيم والدَّال المُهمَلَة، جمع جدَبٍ _بفتح الدَّال المُهمَلَة_ على غير قياسٍ، ولغير الأَصيليِّ: ((أجاذب))؛ بالمُعجَمَة، قال الأَصيليُّ: وبالمُهمَلَة هو الصواب؛ أي: لا تشرب ماءً، ولا تنبت، (أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا)؛ أي: بالأجادب، وللأَصيليِّ: ((به)) (النَّاسَ)، والضَّمير المذكَّر [6] للماء، (فَشَرِبُوا) من الماء (وَسَقَوْا) دوابَّهم؛ وهو بفتح السِّين، «وَزَرَعُوا» ما يصلح للزَّرع، ولمسلمٍ وكذا النَّسائيُّ: ((ورعَوا)) مِن: الرَّعيِ، وضبط المازريُّ «أجاذب»؛ بالذَّال المُعجَمَة، وَهَّمه فيه القاضي عياضٌ، ولأبي ذَرٍّ: ((إِخاذات))؛ بهمزةٍ مكسورةٍ، وخاءٍ خفيفةٍ وذالٍ مُعجَمَتين، آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، قبلها ألفٌ، جمع إخاذٍ؛ وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير، وعند الإسماعيليِّ: ((أحارب))؛ بحاءٍ وراءٍ مُهمَلَتين، آخره مُوحَّدَةٌ، (وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى)، وللأَصيليِّ وكريمة: ((وأصابت))؛ أي: أصابت طائفةً أخرى، ووقع كذلك صريحًا عند النَّسائيِّ، (إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ) _بكسر القاف_ جمع قاعٍ؛ وهو أرضٌ مستويةٌ ملساءُ، (لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً [7] ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة فيهما (فَذَلِكَ)؛ أي: ما ذكر من الأقسام الثَّلاثة (مَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَنْ فَقُهَ)؛ بضمِّ القاف، وقد تُكسَر؛ أي: صار فقيهًا (فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا [8] )، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: ((بما))؛ أي: بالذي (بَعَثَنِي الله) عزَّ وجلَّ (بِهِ، فَعَلِمَ) ما جئت به، (وَعَلَّمَ) غيره، وهذا يكون على قسمين: الأوَّل: العالِم العامل المعلِّم؛ وهو كالأرض الطَّيِّبة شربت، فانتفعت [9] في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، والثَّاني: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، المعلِّم غيره، لكنَّه [10] لم يعمل بنوافله أو لم يتفقَّه [11] فيما جمع، فهو كالأرض التي يستقرُّ فيها الماء، فينتفع النَّاس به، (وَمَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا)؛ أي: تكبَّر، ولم يلتفت إليه من غاية تكبُّره، وهو من دخل في الدِّين ولم يسمعِ العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلِّمه؛ فهو كالأرض السَّبخة [12] التي لا تقبل الماء، وتفسده على غيرها، وأشار بقوله: (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ): إلى من لم يدخل في الدِّين أصلًا، بل بلغه فكفر به؛ وهو كالأرض الصَّمَّاء الملساء المستوية التي يمرُّ عليها الماء فلا تنتفع به، قال في «المصابيح»: وتشبيه «الهدى» و«العلم» بـ: «الغيث» المذكور تشبيهُ مفرَدٍ بمُركَّبٍ؛ إذ «الهدى» مُفرَدٌ، وكذا «العلم»، والمشبَّه به وهو «غيثٌ كثيرٌ أصاب أرضًا»؛ منها: ما قبلت فأنبتت، ومنها: ما أمسكت خاصَّةً، ومنها: ما لم تنبت ولم تمسك، مُركَّبٌ من عدَّة أمورٍ كما تراه، وشبَّه منِ انتفع بالعلم ونفع به بأرضٍ قبلتِ الماءَ وأنبتتِ الكلأ والعشب؛ وهو تمثيلٌ؛ لأنَّ وجه الشَّبه [13] فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحلِّ لِمَا يرد عليه من الخير، مع ظهور أماراته [14] وانتشارها على وجهٍ عامِّ الثَّمرة، متعدِّي النَّفع، ولا يخفى أنَّ هذه الهيئة مُنتزَعةٌ من أمورٍ متعدِّدةٍ، ويجوز أن يُشبَّه انتفاعه بقبول الأرض الماء، ونفعه المتعدِّي بإنباتها الكلأ والعشب، والأوَّل أفحل وأجزل؛ لأنَّ لهيئة [15] المُركَّبات من الوقع [16] في النَّفس ما ليس في المفردات من [17] ذواتها، من غير نظرٍ إلى تضامِّها [18] ، ولا التفاتٍ إلى هيئتها الاجتماعيَّة، قال الشَّيخ عبد القاهر في قول القائل: [من الكامل] [/ج1ص178/]

~ وكأنَّ أجرامَ النُّجومِ لوامعًا دُرَرٌ نُشِـرْنَ على بساطٍ أزرقِ

لو قال: كأنَّ النُّجوم دُرَرٌ، وكأنَّ السَّماء بساطٌ أزرقُ؛ كان التَّشبيه مقبولًا، لكن أين هو من التَّشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ النَّواظر عجبًا، وتستوقف العيون، وتستنطق القلوب بذكر الله؛ من طلوع النُّجوم مؤتلفةً متفرِّقة في أديم السَّماء وهي زرقاءُ، زرقتها بحسب الرُّؤية صافيةٌ، والنُّجوم تبرق وتتلألأ في أثناء تلك الزُّرقة؟ ومن لك بهذه الصُّورة إذا جعلت التَّشبيه مُفرَدًا؟ وقد وقع في الحديث أنَّه شبَّه منِ انتفع بالعلم في خاصَّة نفسه ولم ينفع به أحدًا بأرضٍ أمسكتِ الماء ولم تنبت شيئًا، أو شبَّه انتفاعه المُجرَّد بإمساك الأرض للماء مع عدم إنباتها، وشبَّه مَنْ عُدِمَ [19] فضيلتيِ النَّفع والانتفاع [20] جميعًا بأرضٍ لم تمسك ماءً أصلًا، أو شبَّه فوات ذلك له بعدم إمساكها الماء، وهذه الحالات الثَّلاث مستوفيةٌ لأقسام النَّاس، ففيه من البديع: التَّقسيمُ، فإن قلت: ليس في الحديث تعرُّضٌ إلى القسم الثَّاني، وذلك أنَّه قال: «فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعلَّم» وهذا القسم الأوَّل، ثمَّ قال: «ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلتُ به»، وهذا هو القسم الثَّالث، فأين الثَّاني؟ أُجِيب: باحتمال أن يكون ذَكَرَ من الأقسام أعلاها وأدناها، وطوى ذكر ما هو [21] بينهما لفهمه من أقسام المُشبَّه به المذكورة أوَّلًا، ويحتمل أن يكون قوله: «نفعه...» إلى آخره صلة موصولٍ محذوفٍ، معطوفٍ على الموصول الأوَّل؛ أي: فذلك مَثَله [22] مَثَلُ من فقه في دين الله، ومَثَلُ من [23] نفعه؛ كقول حسَّانَ رضي الله عنه:

~ أَمَنْ يهجو رسولَ الله منكمْ ويمدحُه وينصـرُه سواءُ؟

أي: ومَنْ يمدحه وينصره سواءٌ؟ وعلى هذا فتكون الأقسامُ الثَّلاثة مذكورةً، فـ: «من فقه في دين الله» هو الثَّاني، و«من نفعه الله من ذلك فَعَلِمَ وعَلَّم» هو الأوَّل، و«من لم يرفع بذلك رأسًا» هو الثَّالث، وفيه حينئذٍ لفٌّ ونشرٌ غيرُ مُرتَّبٍ، انتهى. وقال غيره: شبَّه عليه الصلاة والسلام ما جاء به من الدِّين بالغيث العامِّ الذي يأتي النَّاسَ في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال النَّاس قبل مبعثه، فكما أنَّ الغيث يحيي البلد الميت؛ فكذا علوم الدِّين تحيي القلب الميت، ثمَّ شبَّه السَّامعين له بالأراضي المختلفة التي ينزل بها الغيث.

وهذا الحديث فيه: التَّحديث، والعنعنة، ورواته كلُّهم كوفيُّون، وأخرجه المؤلِّف هنا فقط، ومسلمٌ في «فضائله صلى الله عليه وسلم»، والنَّسائيُّ في «العلم».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريّ، وفي رواية غير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ [24] ، وابن عساكر: بحذف ذلك، (قَالَ إِسْحَاقُ) بن إبراهيم بن مَخْلَدٍ؛ بفتح الميم، وسكون الخاء، وفتح اللَّام، الحنظليُّ المروزيُّ، المشهور بابن راهويه، المُتوفَّى بنيسابور سنة ثمانٍ [25] وثلاثين ومئتين، وهذا هو الظَّاهر؛ لأنَّه إذا وقع في هذا الكتاب إسحاق غير منسوبٍ فهو _كما قاله الجيَّانيُّ عن ابن السَّكن_ يكون ابن راهويه في روايته عن أبي أسامة: (وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة بدل قوله: «قبلت»؛ بالمُوحَّدة، وجزم الأَصيليُّ بأنَّها تصحيفٌ من إسحاق، وصوَّبها غيره؛ والمعنى: شربت القَيٍل، وهو شرب نصف النَّهار، وزاد في رواية المستملي هنا: (قَاعٌ)؛ أي: أنَّ «قيعان» المذكورة في الحديث جمعُ قاعٍ، أرضٌ [26] (يَعْلُوهُ الْمَاءُ) ولا يستقرُّ فيه، (وَالصَّفْصَفُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ)، هذا وليس هو [27] في الحديث، وإنَّما ذكره جريًا على عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، وعند ابن عساكر بعد: «قيَّلت [28] الماء» ((والصَّفصف: المستوي من الأرض)) [29] .

[1] في (ب) و(س): «يزيد»، وهو تحريفٌ.
[2] قوله: «وللأصيليِّ: «ما بعثني به الله»»، مثبت من (م).
[3] في (ب) و(س): «مهموزٌ».
[4] «هامش»: مثبت من (م).
[5] «كأصلها لغير الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[6] في(ص) و(م): «المذكور».
[7] في(س): «كلأ».
[8] في (ص): «أولى».
[9] في (ص): «وأينعت».
[10] في (ص): «لكن».
[11] في (ص): «ولم ينفقه».
[12] في (ص): «المسبخة».
[13] في (م): «التَّشبيه».
[14] في (م): «آثاره».
[15] في (ب) و(س): «في الهيئات».
[16] في (ص): «الموقع».
[17] في (ب) و(س): «في».
[18] في (ص): «نظامها».
[19] في (ص): «حوى»، وليس بصحيحٍ.
[20] في(س): «الانتفاء»، وهو تحريفٌ.
[21] «هو»: سقط من (س).
[22] «مثله»: سقط من (س).
[23] في (م): «ما».
[24] «وأبي ذرٍّ»: سقط من (س).
[25] في (ص): «ثلاث»، وهو خطأٌ.
[26] «أرضٌ»: سقط من (م).
[27] «هو»: سقط من (ب) و(س) و(ص).
[28] في (ص): «أن قبلت».
[29] قوله: «وعند ابن عساكر بعد: قيَّلت الماء» والصَّفصف: المستوي من الأرض»»، سقط من (م).





لا تتوفر معاينة

79- قوله: (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ): هو بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء تقدَّم، هو حفيد أبي بردة الآتي.

قوله: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ): هذا قاضي الكوفة، اسمه: الحارث أو عامر، يروي عن أبيه أبي موسى الأشعريِّ، وعليٍّ، والزُّبير، وعنه: بنوه عبد الله، ويوسف، وسعيد، وبلال، وحفيده بريد المذكور قبله، وكان من نبلاء العلماء، توفِّي سنة (104 هـ ) ، أخرج له [1] الجماعة، وثَّقه غير واحد، وقد تقدَّم.

قوله: (عَنْ أَبِي مُوسَى): هوعبد الله بن قيس بن سُليم بن [2] حضَّار تقدَّم رضي الله عنه.

قوله: (فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ [3] ): هي بفتح النُّون، وكسر القاف، ثمَّ مثنَّاة تحت مشدَّدة، كذا في أصلنا، قال ابن قُرقُول في (الثَّاء المثلَّثة مع الغين المعجمة): («وكان منها ثَغْبة»: كذا ذكره بعضهم عنِ البخاريِّ، ولم يروه، وفسَّره بمستنقع الماء في الجبال، وهو تصحيف، وقلب للتمثيل؛ لأنَّه إذا جعل هذا المثل فيما ينبت، والثّغبة لا تنبت، والذي رُوِّيناه من طرق البخاريِّ كلِّها: «فكان منها نقيَّة» مثل قوله في «مسلم»: «طائفة طيِّبة قبلت الماء»، وذكر بعضهم: «فكان منها بقعة»، والصَّحيح: ما رُوِّيناه «نقيَّة» كما قيَّدته أوَّلًا) انتهى.

والثغَب؛ بفتح الغين المعجمة وتسكَّن: الغدير يكون في ظل جبل لا تصيبه الشَّمس، فيبرد ماؤه، والجمع: ثِغبان، فالمفرد (ثغْب) ؛ بالسكون ويحرك [4] ، والجمع: ثِغاب، وأثغاب، وثِغبان وثُغبان؛ بالكسر والضَّم.

قوله: (قَبِلَتِ الْمَاءَ): هو بفتح القاف، ثمَّ موحَّدة مكسورة، قال ابن قُرقُول: (كذا في «البخاريِّ» في أوَّل الحديث، ثمَّ قال في آخره: «وقال إسحاق: قيَّلت» كذا قيده الأصيليُّ هنا، قال الأصيليُّ: (و«قيَّلت» تصحيف من إسحاق، وإنَّما هو «قبلت») ، قال غيره [5] : ومعنى (قيَّلت): شربت، والقيل: شرب نصف النهار، يقال: قيَّلت الإبل؛ إذا شربت نصف النهار، وهو القائلة، وقيل: معنى (قيَّلت): جمعت وحبست، قال القاضي: (وقرأت بخطِّ أبي عبيد البكريِّ، قال أبو بكر: تقيَّل الماء في المكان المنخفض: اجتمع فيه) ، قال القاضي: (ليس المراد عندي جمع الماء فقط للانتفاع به؛ فإنَّه قد ذكر هذا في الطَّائفة الثَّانية، وإنَّما معناه هنا: أنَّها جمعته ورويت مِنْهُ، كما قال بإثر كلامه هذا: «فأنبتت الكلأ والعشب»، وإذا تقرَّر هذا؛ فقد روى سائر الرُّواة غير الأصيليِّ «قبلت» في الموضعين؛ أوَّل الحديث وقول إسحاق، وكذا رواه النسفيُّ) انتهى.

وهذا الأخير ليس بظاهر، وإذا كان كما قال في الأصول؛ فإنَّه لا بدَّ لإسحاق أنْ يكون مخالفًا للرواية التِّي ساقها البخاريُّ أوَّلًا، ورأيت [6] في حاشية عنِ الدِّمياطيِّ: (قول إسحاق «قيَّلت» تصحيف، وقيل: معنى «قيَّلت»: جمعت وحبست) انتهى.

وعن شيخنا العراقيِّ: (والصَّواب: أنَّها «قبلت»؛ بالموحَّدة، وأمَّا «قيَّلت» -بالمثنَّاة المشددة-؛ فانفرد بها الأصيليُّ، وقيل: معناها: أمسكت) انتهى.

وسيأتي هل هو إسحاق أو ابن إسحاق بُعَيدَ هذا، والله أعلم.

قوله: (الْكَلأَ): هو مقصور مهموز، يقع على الرطب واليابس من النبات، والخَلَى -بالفتح وفتح الخاء، مقصور- على الرطب، وقال بعضهم: يقع على اليابس، وهو ضعيف.

قوله: (أَجَادِبُ): هو بالجيم والدَّال المهملة، جمع جدب، على غير قياس، وقياسه أن يكون جمع أجدب، وفيه رواية ثانية: بالمعجمة، حكاها في «المطالع» والخطَّابيُّ، وقال: (هي صلاب الأرض التي تمسك الماء) ، قال القاضي: (لَمْ يُرْوَ هذا الحرفُ في «مسلم» وغيره إلَّا بالدَّال المهملة من الجدب الذي هو ضدُّ الخِصب، وصحَّفه بعضهم، فقال: أحارب؛ بالحاء والرَّاء المهملتين، وليس بشيء كما قاله الخطَّابيُّ) ، وقال بعضهم: (أجارد): بالجيم، والرَّاء، والدَّال، وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرِّواية، قال الأصمعيُّ: (الأجارد من الأرض: التِّي لا تُنْبِت الكلأَ؛ معناه: أنَّها جرداء بارزة لا يسترها النبات) ، وقال بعضهم: إنَّما هي (إخاذات) ؛ بالخاء والذَّال المعجمتين، سقط منها الألف، جمع إخاذة؛ وهي المساكات التِّي تمسك الماء؛ كالغدران، انتهى [/ج1ص49/] ما قاله شيخنا الشَّارح.

قوله: (وَزَرَعُوا): كذا في أصلنا، قال في «المطالع»: (وفي «الفضائل»: «فسقوا ورعوا»، كذا لكافَّتهم، وفي (كتاب العلم) من «البخاريِّ»: «وزرعوا»، والأوَّل أوجه، وفي رواية بعضهم: «ووعوا»؛ بالواو، وهو تصحيف) انتهى.

قوله: (قِيعَانٌ): بكسر القاف، واحدها: قاع؛ وهو المستوى الواسع من الأرض، وقد يجتمع [7] فيه الماء، وقيل: هي أرض فيها رمل، وقيل غير ذلك.

قوله: (كَلأً): تقدَّم قريبًا أنَّه مهموز مقصور، وتقدَّم ما هو.

قوله: (مَنْ فَقُهَ): هو بضمِّ القاف أشهر من كسرها.

قوله: (قَالَ ابنُ [8] إِسْحَاق [9] ): كذا في أصلنا: (ابن إسحاق) ، و (ابن) مخرَّجة في الهامش، وعليها (صح) ، وفي نسخة الحافظ الدِّمياطيِّ: (قال إسحاق) ، فإسحاق غير منسوب؛ كما وقع في نسخة الدِّمياطيِّ، قيل: ابن راهويه، وقال شيخنا الشَّارح: («قال إسحاق»: كذا وقع غير منسوب في غير ما موضع، وهو من المواضع المشكلة في «البخاريِّ»، وهو يروي عن إسحاق جماعة، وقيل: إنَّه ابن راهويه، قال أَبُو عليٍّ الجيَّانيُّ: «روى البخاريُّ عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليِّ، وإسحاق بن إبراهيم السعديِّ، وإسحاق بن منصور الكوسج عن حماد بن أسامة، ورَوى مسلم أيضًا عن إسحاق بن منصور الكوسج عن حمَّاد أيضًا». هذا كلامه، وإسحاق هذا لا يخرج عن أحد هؤلاء، ويظهر أن يكون ابن راهويه) انتهى.

ووقع في بعض النُّسخ: (ابن إسحاق) ، كما وقع في أصلنا، فعن شيخنا العراقيِّ: الصَّواب: ما في أكثر الأصول، يعني: إثبات (ابن) ، قال: (فإنَّ ابن إسحاق قد [10] علَّق عنه البخاريُّ في عدَّة مواضع) انتهى.

فائدة: معنى الحديث: أنَّ الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس؛ فالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتًا، ويُنبِتُ الكلأَ، فينتفع به الناس والدَّوابُّ بالشَّرب والرعي والزرع وغيرها، وكذا النوع الأوَّل من الناس: يبلغه الهدى والعلم، فيحفظه فيحيا قلبه به، ويعمل به ويعلِّمه غيره، فينتفع وينفع.

والنوع الثَّاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهو إمساك الماء لغيرها، فينتفع بها الناس والدَّوابُّ، وكذا النوع الثَّاني من الناس: لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون [11] به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه حتَّى يأتي طالب محتاج متعطِّش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم.

والنوع الثَّالث: الأرض السباخ التِّي لا تنبت ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تمسكه؛ لينتفع به غيرها، وكذا النوع الثَّالث من الناس: ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم؛ لا ينتفعون به ولا يحفظونه؛ لينتفع غيرهم، والله أعلم، قاله النَّوويُّ في «شرحه لمسلم».

[1] (له) سقطت من (ج) .
[2] (بن) سقطت من (ب) .
[3] في هامش (ق): (قال أبو ذر: صوابه: بقعة) .
[4] في (ج): (وتحرك) .
[5] في (ج): (عروة) .
[6] في (ب): (ورأيته) .
[7] في (ب): (يجمع) .
[8] (ابن): ليس في «اليونينيَّة».
[9] في هامش (ق): (قال شيخنا: الصواب ما في أكثر الأصول: (قال ابن إسحاق) [فقد علق] عنه البخاري في [عدة مواضع] ، والصواب: [«قبلت»] بالموحدة، وأمَّا [«قيَّلت» بالمثناة تحت] المشددة؛ فانفرد بها [...] ، وقال: معناها [...] ) .
[10] (قد): ليس في (ج) .
[11] في (ب): (فيستنبطون) .





79- ( بُرَيْدِ ) بموحدة مضمومة.

( مَثَلُ ) بفتحتين.

( نَقِيَّةٌ ) بنون مفتوحة ثم قاف مكسورة وهي معنى رواية مسلم: «طيِّبة»، [/ج1ص62/] ويروي: «بقعة» [1] ، وحكى السَّفاقُسِي عن الخطابي: «ثُغْبَة» بالمثلثة والغين المعجمة، وزن بقعة، وهي مستنقع الماء في الجبال والصخور.

( قَبِلَتِ الْمَاءَ ) بالموحدة من القبول.

( أَجَادِبُ ) بجيم ودال مهملة: جمع جَدَب على غير لفظه، والأرض الجدبة: التي لم تمطر، وهي هنا الأرض التي لا تشرب ولا تنبت لصلابتها، ورُوي بذال معجمة، وهي صلاب الأرض التي تمسك الماء.

وروي: «أجارد»، أي: جرداء بارزة لا يسترها النبات.

وروي: «أخاذات» بخاء وذال معجمتين جمع [ب:12] إخاذة، وهي الغُدران التي تمسك الماء، وقال أبو الحسين عبد الغافر الفارسي: إنه الصواب.

( قِيعَانٌ ) جمع قاع، وهو المستوي الواسع في وطأة من الأرض، وأتى به في صفة القلوب التي لا تعي ولا تفهم، وهذا الحديث بديع في التقسيم؛ لاستيفائه أحوال الناس وأنها لا تخرج عن ثلاثة، فشبَّه من تحمَّل العلم وتفقه فيه بالأرض الطيبة أصابها المطر فنبتت وانتفع بها الناس، وشبَّه من حمله ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت، ولكنها تمسك فيأخذه الناس وينتفعون به، وشبَّه من لم يحمل ولم يفهم [/ج1ص63/] بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك، وهذه أمثلة ضُربت، فالأول: لمن ينتفع بالعلم وينفع. والثاني: لمن ينفع ولا ينتفع. والثالث: لمن لا ينتفع ولا ينفع.

( وَزَرَعُوا ) كذا للبخاري، وقال مسلم: «ورعوا» من الرعي، قال القاضي: وهو الوجه، وروي: «ووعوا»، وهو تصحيف.

( مَنْ فَقُهَ ) بضم القاف في الأجود.

( قال إسحاق: وَكَانَت [2] مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ ) أي: بالياء المثناة تحت المشدَّدة، فقيل: هو تصحيف من إسحاق، وقال بعضهم: بل هو صحيح، ومعناه: شربت، والقَيل: شرب نصف النهار، وقال في «الجمهرة»: قيَّل الماء في المكان المنخفض إذا اجتمع فيه.

( وقال ربيعة: لا ينبغي لمن عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه ) معناه: يهينها، أي: لا يأتي بعلمه أهل الدنيا ويتواضع لهم، ويحتمل أن يريد إهمال نفسه بتضييع ما عنده من علم حتى لا ينتفع به فيه.

[1] قال ابن حجر في «الفتح»: هو بمعنى طائفة، لكن ليس ذلك في شيء من روايات الصحيحين.
[2] جاء في هامش [ب] : نسخة وكان.





79- ( بُرَيْدِ ): بضمِّ الموحَّدة و فتح الرَّاء.

( مَثَلُ ): بفتحتين، أي: صفة.

( نَقِيَّةٌ ): بالنُّون المفتوحة وكسر القاف وتشديد التَّحتيَّة من النَّقاء، وروي خارج «الصَّحيح»: «بقعة»، و«ثَغِبَة» بمثلَّثة وغين معجمة مكسورة وموحَّدة خفيفة مفتوحة: مستنقع الماء في الجبال، وفي مسلم: «طائفة طيِّبة».

( قَبِلَتْ ): من القبول.

( الْكَلأَ ): بالهمز بلا مدٍّ، يطلق على الرَّطب واليابس.

( وَالْعَشْبَ ) خاصٌّ بالرَّطب.

( أَجَادِبُ ): بالجيم والدَّال المهملة والموحَّدة، جمع جَدَب بفتح الجيم والدَّال: الأرض الصَّلبة التي لا ينصبُّ منها الماء.

وضبطه المازريُّ بالذَّال المعجمة، وغلَّطه عياض.

ولأبي ذرٍّ: « [إخاذات] [1] » بكسر الهمزة وإعجام الخاء والذَّال آخره فوقيَّة، جمع إخاذة: وهي الأرض التي تمسك الماء، وعند الإسماعيليِّ: «أحارب» بحاء وراء مهملتين، وغُلِّطَتْ.

وروي: «أجارد» بجيم وراء ودال مهملة، جمع جرداء: وهي البارزة التي لا تنبت.

( فَنَفَعَ اللهُ بِهَا ) أي: بالأجادب، وللأَصِيلي: «به» أي: بالماء.

( وَزَرَعُوا ) من الزَّرع، وفي مسلم: «ورعوا» من الرَّعي، قال النَّوويُّ: كلاهما صحيح، وروي: «ووعوا» بواوين من الوعي، وهو تصحيف.

( وَأَصَابَ ) أي: بالماء، وللأَصِيلي وكريمة: «أصابت»، والفاعل ( طَائِفَة ) أي: قطعة. [/ج1ص247/]

( قِيعَانٌ ): بكسر القاف، جمع قاع، الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت.

( فَقُهَ ): بالضَّمِّ، أي: صار فقيهًا.

( قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ ) أي: خالف ابن راهويه في هذا الحرف، حيث رواه عن أبي أسامة بالتَّحتيَّة، فقيل: هو تصحيف منه، وقيل: صوابٌ، / ومعناه: شربت. و«القيل» الشُّرب في القائلة نصف النَّهار، وقال ابن دريد: تقيَّل الماءُ في المكان المنخفض: اجتمع فيه..

( قَاعٌ يَعْلُوْهُ الْمَاءُ وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ ) ثبت هذا للمُسْتملي وحده، وفي بعض النُّسخ: «والمصطفُّ» وهو تصحيف.

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (إخاذان) والمثبت من غيرها





79- وبه قال: ((حدثنا محمد بن العلاء)) ؛ بالمهملة والمدِّ، المكنى بأبي كُريب؛ بضم الكاف، مصغَّر ((كرب)) بالموحدة، الهمداني؛ بسكون الميم والدال المهملة، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومئتين، ((قال: حدثنا حماد بن أُسامة)) ؛ بضم الهمزة: ابن يزيد الهاشمي القرشي الكوفي، المتوفى سنة إحدى ومئتين عن ثمانين سنة، ((عن بُرَيد بن عبد الله)) ؛ بضم الموحدة، وفتح الراء، وسكون المثناة التحتية، آخره دال مهملة، ابن أبي بُرْدة ابن أبي موسى الأشعري.

((عن أبي بُرْدة)) ؛ بضمِّ الموحدة وإسكان الراء، ابن أبي موسى الأشعري، ((عن أبي موسى)) عبد الله بن قيس الأشعري، وإنَّما لم يقل: عن أبيه؛ لأجل التفنن في الإسناد، ((عنِ النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم قال: مَثَل)) ؛ بفتح الميم والثاء المثلثة؛ أي: الصفة العجيبة، ((ما بعثني الله به من الهدى)) الرشاد والدلالة يذكَّر ويؤنَّث، وهو لغة: المعرفة، واصطلاحًا: الدلالة الموصلة إلى البُغية، ((والعلم)) ؛ بالجر عطفًا على (الهدى) ، وهو صفة توجب تمييزًا لا يَحتمل النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعيَّة، ((كمَثَل)) ؛ بفتح الميم والمثلثة: خبر للمبتدأ الذي هو لفظ (مَثَل) ، ((الغيث)) ؛ المطر، ((الكثير أصاب)) الغيث، ((أرضًا)) ، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها نصب على الحال بتقدير (قد) ، ((فكان منها)) ؛ أي: من الأرض أرض ((نَقِيَّة)) ؛ بفتح النون، وكسر القاف، وبالمثناة التحتية المشددة؛ أي: طيبة، كما في رواية في «مسلم».

((قَبِلت الماء)) ؛ بفتح القاف وكسر الموحدة، من القبول، ولا خلاف في هذا، خلافًا لمن وهم، ((فأنبتت الكَلَأ)) ؛ بفتح الكاف واللام آخره مهموز مقصور: النبات يابسًا ورطبًا، ((والعشب)) النبات الرطب، وهو بالنصب عطفًا على المفعول، ((الكثير)) بالنصب صفة للعشب، وهو من ذكر الخاصِّ بعد العام، ((وكانت)) ، وفي رواية: (وكان) عطف على (فكان) ، وقوله: ((منها)) خبر (كان) مقدَّمًا، وقوله: ((أجادب)) بالرفع اسم (كان) مؤخرًا، وهو بالدال المهملة جمع جدب؛ بفتح الدال المهملة على غير قياس، وفي رواية (أجاذب) ؛ بالذال المعجمة، قال الأصيلي: والصواب: بالمهملة، وفي رواية: (إخاذات) ؛ بكسر الهمزة، ومعجمة مخففة، ومعجمة، وفي أخرى: (أحارب) ؛ بحاء مهملة وراء مهملة، والمراد بها الأرض التي لا تشرب لصلابتها فلا تُنبت شيئًا.

((أمسكت الماء)) جملة محلُّها الرفع صفة (أجادب) ، ((فنفع الله بها)) ؛ أي: بالأجادب، وللأصيلي: (به) ، ((الناس)) فيكون الضمير المذكور للماء، ((فشربوا)) من الماء، ((وسَقَوا)) دوابَّهم؛ بفتح السين والقاف وسكون الواو، ((وزرعوا)) ما يصلح للزرع، وعند مسلم والنسائي: (ورعَوا من الرعي) .

((وأصاب منها)) ؛ أي: الغيث، ((طائفةً)) بالنصب مفعوله، ((أخرى)) صفة (طائفة) ؛ أي: قطعة أخرى من الأرض، وفي رواية: (وأصابت) ؛ أي: أصابت طائفة أخرى، كما صرح به النسائي، ((إنَّما هي قِيعان)) ؛ أي: ما هي إلَّا قِيعان؛ بكسر القاف، جمع قاع: وهو الأرض المتسعة، وقيل: اللمساء، وقيل: التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في الحديث، وأصل قِيعان: قوعان، قلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار[/ص52/] ما قبلها.

((لا تُمسك ماء)) في محل رفع صفة (قِيعان) ، ((ولا تُنبت كلأ)) صفة أيضًا؛ بضم المثناة الفوقية فيهما، ((فذلك)) ؛ أي ما ذكر من الأقسام الثلاثة محله رفع مبتدأ، ((مَثَل)) خبره؛ بفتح الميم والمثلثة، ((مَن)) موصولة محلُّها [1] الجرُّ بالإضافة، ((فقُه)) ؛ بضم القاف وقد تكسر؛ أي صار فقيهًا، ((في دين الله)) تعالى، ((ونفعه ما)) ، وفي رواية: (بما) ؛ أي: بالذي، ((بعثني الله)) سبحانه، ((به، فعلِم)) ما جئتُ به، ((وعلَّم)) غيرَه.

وهذا على قسمين؛ الأول: العالم العامل المعلِّم، كالأرض الطيبة شربت فانتفعت بنفسها وأنبتت فنفعت غيرها.

والثاني: الجامع للعلم، المستغرق لأوقاته فيه، المعلِّم غيرَه، لكنه لم يعمل بنوافله، كالأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وتمام تحقيقه في «عمدة القاري».

((ومَثَل)) ؛ بفتح الميم والمثلثة، ((مَن)) موصولة، ((لم يرفع بذلك رأسًا)) يعني: تكبر ولم يلتفت إليه من غاية تكبره؛ بأن دخل الدين ولم يسمع العلم، أو سمعه ولم يعمل به ولم يعلِّمه، كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء وتفسده على غيرها.

((ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) ؛ أي: مَن لم يدخل في الدين أصلًا؛ بل بلغه فكفر به، كالأرض الصمَّاء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به، شبَّه عليه السلام ما جاء به من الدين بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم، وكذا حال الناس قبل مبعثه عليه السلام، فكما أنَّ الغيث يحيي البلد الميت كذلك علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبَّه السامعين له بالأراضي المختلفة التي ينزل بها الغيث، وتمامه في «عمدة القاري».

((قال أبو عبد الله)) ؛ أي: المؤلِّف، وهو ساقط في رواية، ((قال إسحاق)) بن إبراهيم بن مَخْلَد، بفتح الميم، وإسكان الخاء المعجمة، وفتح اللام: أبو يعقوب الحنظلي المِروزي المشهور بابن راهَوَيه؛ بالهاء والواو المفتوحتين آخره تحتية ساكنة، وقيل: بضم الهاء وفتح التحتية، المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومئتين، أو هو إسحاق ابن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري نزيل المدينة، المتوفى سنة اثنين وثلاثين ومئتين، أو هو إسحاق بن منصور بن بَهْرام الكوسج المِروزي، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئتين، والظاهر الأول؛ لأنَّه أطلق، فالمراد هو كذا قيل.

((وكان منها طائفة)) ؛ أي: قطعة من الأرض، ((قيَّلت الماء)) ؛ بالمثناة التحتية المشدَّدة، بدل قوله: (قبلت) ؛ بالموحدة، وجزم الأصيلي أنَّها تصحيف من إسحاق، وصوَّبها غيرُه، و (قيلت) من القيلولة؛ أي: شربت نصف النهار، وزاد في رواية هنا: ((قاع)) ؛ أي: قِيعان المذكور في الحديث، جمع قاع؛ أرض ((يعلوه الماء)) ولا يستقرُّ فيه.

((والصفصف المستوي من الأرض)) هذا ليس في الحديث، وإنَّما ذكره جريًا على عادته في الاعتناء في تفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن العظيم، ووقع فيه: {قاعًا صفصفًا} [طه: 106] ، وما فسَّره المؤلف هو قول أكثر أهل اللغة، وتمامه في «عمدة القاري».

[1] في الأصل: (محله)، وليس بصحيح.