المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

843-. حدَّثنا مُحَمَّدٌ بنُ أَبِي بكرٍ، قالَ: حدَّثنا مُعْتَمِرٌ [1] ، عن عُبَيدِ اللهِ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صالِحٍ:

عَن أَبِي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: جاءَ الفُقَراءُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوالِ بِالدَّرَجاتِ العُلى والنَّعِيمِ المُقِيمِ؛ يُصَلُّونَ كَما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَما نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ [2] أَمْوالٍ [3] ، يَحُجُّونَ بها وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ. قال [4] : «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ [5] إِنْ أَخَذْتُمْ [6] ، أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ [7] ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِ [8] ، إلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؟ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ». فاخْتَلَفْنا بَيْنَنا، فقالَ بَعْضُنا: نُسَبِّحُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، ونَحْمَدُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فقالَ: تَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ، واللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّىَ يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ [9] ثَلاثًا وَثَلاثِينَ.

الأطراف



[1] في رواية ابن عساكر: «المعتَمِرُ».
[2] لفظة: «من» ثابتة في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ.
[3] في رواية الأصيلي: «الأموالِ».
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي: «فقالَ».
[5] في رواية أبي ذر زيادة: «بِما»، وفي نسخةٍ له: «بأمرٍ».
[6] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويي زيادة: «به».
[7] قوله: «مَن سَبَقكم» ليس في رواية الأصيلي
[8] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «ظَهْرانَيهم».
[9] في (ن): «كُلُّهُنَّ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

843- ( بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ ) بفتح النون.

( تُسَبِّحُونَ وَتُحْمِّدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ) هذا من باب [/ج1ص227/] التنازع المتعدد، وهو تنازع ثلاثة أفعال في اثنين: ظرف ومصدر.

( حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ) بكسر اللام تأكيد للضمير المجرور.

وقوله: ( ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ) [1] كذا ثبت في أكثر الروايات، وروي: «ثلاث وثلاثون»، وهو الوجه.

[1] قال محب الدين البغدادي: كذا ثبت في أكثر الروايات، وتوجيه نصبه أن يكون ضميرًا يعود إلى القول المفهوم من قوله: يقول سبحان الله؛ أي: حتى يكون قولك منهن ثلاثًا وثلاثين.





لا تتوفر معاينة

843- قوله: (عَنْ عُبَيدِ اللهِ): هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، الفقيه [1] المدنيُّ الثَّبْت، تقدَّم.

قوله: (عَنْ سُمَيٍّ): تقدَّم أنَّه وزان (عُليٍّ) ؛ مُصغَّرًا، وأنَّه مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام، وتقدَّم بعض الكلام على ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ): تقدَّم أنَّه ذكوان، أبو صالح، الزَّيَّات السَّمَّان، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ): هو بضمِّ الدَّال المهملة، ثمَّ ثاء مُثلَّثة مضمومة أيضًا، وفي آخره راء، وهي الأموال الكثيرة، واحدها: دَثْر؛ بفتح الدَّال المهملة، ثمَّ ثاء مُثلَّثة ساكنة -قال شيخنا المؤلِّف: (وحكي التَّحريكُ) انتهى - ثمَّ راءٍ، يقال: مال دَثْرٌ [2] ومالان دَثْر، وأموال دَثْر، لا يُثنَّى ولا يُجمَع، و (الدُّثور) في غير هذا: الدُّروس، دثر الشيءُ؛ إذا درس، وجاء في رواية المروزيِّ: (أهل الدُّور [3] ) ، وهو تصحيف، قاله ابن قُرقُول.

قوله: (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ): تقدَّم أنَّه بفتح النُّون؛ أي: بَيْنَه.

قوله: (ثَلاثًا وثَلاثِينَ): كذا ثبت في أكثر الرِّوايات، ويروى: (ثلاث وثلاثون) ، وهو الوجْه.

[فائدةٌ: الذكر بعد الصَّلاة هو ثلاث وثلاثون، ثلاث وثلاثون تسبيحة، وتكبيرة، وتحميدة، وفي رواية: (التَّكبير أربع وثلاثون) ، وفي صفة أخرى: (خمس وعشرون تسبيحة، ومثلها تحميد [4] ، ومثلها تكبير [5] ، ومثلها لا إله إلَّا الله) ، وفي صفة أخرى: (إحدى عشرة، إحدى عشرة) ، كما في «مسلم»، وفي صفة أخرى: (عشرٌ عشرٌ عشرٌ؛ تسبيحات، وتحميدات، وتكبيرات) ، ورواية: (إحدى عشرة إحدى عشرة) ، تكلَّم فيها ابن قيِّم الجوزيَّة، وأنَّها من تصرُّف بعض الرُّواة وتفسيره، ذكر ذلك في «الهدي»؛ فانظره إن أردتَه.

[1] في (ب): (الحافظ) .
[2] (يقال مال دثر): سقط من (ب) و (ج) .
[3] في (ب): (القبور) .
[4] في (ب): (تحميدة) .
[5] في (ب): (تكبيرة) .





843- (مِنَ الْأَمْوَالِ): بيانٌ لـ (الدُّثُورِ)، وتأكيدٌ أو وصفٌ؛ لأنَّ (الدُّثُورَ) يجيءُ بمعنى: الكثرةِ.

قوله: (بِالدَّرَجَاتِ): سيأتي في (كتابِ الدَّعواتِ) إن شاءَ اللهُ تعالى [خ¦6329] .

(تُسَبِّحُونَ...) إلى آخرِه: فيه تنازعُ ثلاثةِ أفعالٍ في اثنين؛ ظرفٍ ومصدرٍ.

(أَرْبَعَةً): في بعضِها: (أَرْبَعًا) ؛ لأنَّ المميِّزَ إذا لم يُذكَرْ يجوزُ تذكيرُ العددِ وتأنيثُه.

(كُلِّهِنَّ): بكسرِ اللَّامِ، تأكيدٌ للضميرِ المجرورِ.

(ثَلَاثًا وَثَلَاثِيْنَ): هيَ أكثرُ الرِّواياتِ، ويُروى بالرَّفعِ على أنَّه اسمُ (كَانَ)، وهو أظهرُ، والأوَّلُ بتقديرِ أنَّه خبرُها؛ أي: حتَّى تكونَ الكلماتُ ثلاثًا وثلاثينَ.

إشارة: النصبُ روايةُ كريمةَ، والأصيليِّ، وأبي الوقت [1] .

[1] الإشارة ليست في (ب)، وانظر «فتح الباري» (2/383).





843- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن عليٍّ بن عطاء بن مُقدَّمٍ، المقدميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان بن طرخان البصريُّ، ولابن عساكر: ((المعتمر))، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، المدنيِّ، (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح الميم، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن، (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ) فيهم أبو ذَرٍّ؛ كما عند أبي داود، وأبو الدَّرداء؛ كما [1] عند النَّسائيِّ (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) بضمِّ الدَّال المُهمَلة والمُثلَّثة، جمع دَثْرٍ؛ بفتح الدَّال وسكون المُثلَّثة (مِنَ الأَمْوَالِ) بيانٌ للدُّثور [2] وتأكيدٌ [3] له؛ لأنَّ الدُّثور يجيء بمعنى المال الكثير، وبمعنى الكثير من كلِّ شيءٍ (بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا) في الجنَّة، أو المراد: علوُّ القدر [4] عنده تعالى (وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ) الدَّائم المُستَحَقِّ بالصَّدقة (يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ)، زاد في حديث أبي الدَّرداء عند النَّسائيِّ في «اليوم واللَّيلة»: ويذكرون كما نذكر، وللبزَّار من حديث ابن عمر: وصدَّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا، (وَلَهُمْ فَضْلُ الأَمْوَالٍ) بالإضافة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ولهم فضلٌ من أموالٍ))، وللأَصيليِّ: ((فضل الأموال)) (يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ) في رواية ابن عجلان عن سُمَيٍّ عند مسلمٍ: ويتصدقون ولا نتصدَّق، ويعتقون ولا نعتق.

(قَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((فقال)): (أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بما)؛ أي: بشيءٍ (إِنْ أَخَذْتُمْ؛ أَدْرَكْتُمْ) بذلك الشَّيء، وضُبِّب في «اليونينيَّة» على قوله: «أحدِّثكم»، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ والأَصيليِّ: ((ألا أحدِّثكم بأمرٍ إن أخذتم به؛ أدركتم)) (مَنْ سَبَقَكُمْ) من أهل الأموال في الدَّرجات العلا، والجملة في موضع نصبٍ مفعول «أدركتم»، وسقط قوله: «بما» في أكثر الرِّوايات. وكذا قوله: «به»، وقد فُسِّر السَّاقط في الرِّواية الأخرى، وسقط [/ج2ص138/] أيضًا قوله: «من سبقكم»، في رواية الأَصيليِّ، والسَّبقيَّة المذكورة رجَّح ابن دقيق العيد أن تكون معنويَّةً، وجوَّز غيره: أن تكون حسِّيَّةً، قال الحافظ: والأوَّل أَوْلى. انتهى. [5]

(وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ) لا من أصحاب الأموال ولا من غيرهم، (وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ) بفتح النُّون مع الإفراد، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((بين ظهرانيهم))؛ أي: من أنتم بينهم (إِلَّا مَنْ عَمِلَ) من الأغنياء (مِثْلَهُ) فلستم خيرًا منه [6] ، لأنَّ هذا هو نقيض الحكم الثَّابت للمُستثنَى منه، وانتفاء خيريَّة المخاطبين بالنَّسبة إلى من عمل مثل عملهم صادقٌ بمساواتهم لهم في الخيريَّة، وبهذا يُجاب عن استشكال ثبوت الأفضليَّة في خيرٍ مع التَّساوي في العمل المفهوم من قوله: «أدركتم»، وهو أحسن من التَّأويل بـ: «إلَّا من عمل مثله»، وزاد بغيره من فعل البرِّ، أشار إليه البدر الدَّمامينيُّ، لكن لا يمتنع [7] أن يفوق الذِّكرُ مع سهولته الأعمالَ الشَّاقَّة الصَّعبة من الجهاد ونحوه، وإن ورد: «أفضل العبادات أحمزها [8] »؛ لأنَّ في الإخلاص في الذِّكر من المشقَّة، ولا سيَّما الحمد في حال الفقر، ما يصير به أعظم الأعمال، وأيضًا فلا يلزم أن يكون الثَّواب على قدر المشقَّة في كلِّ حالٍ، فإنَّ ثواب كلمة الشَّهادتين مع سهولتها أكثر من العبادات الشَّاقَّة، وإذا قلنا: إنَّ الاستثناء يعود على كلٍّ من السَّابق والمدرك، كما هو قاعدة الشَّافعيِّ رحمه الله في أنَّ الاستثناء المتعقِّب للجمل عائدٌ على كلِّها، يلزم قطعًا أن يكون الأغنياء أفضل؛ إذ معناه: إن أخذتم؛ أدركتم إلَّا مَن عمل مثله، فإنَّكم لا تدركون.

(تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ)؛ أي: مكتوبةٍ، وعند المصنِّف في «الدَّعوات» [خ¦6329] : «دبر كل صلاةٍ» و [رواية «خلفَ»] [9] مفسِّرة [لرواية: «دبر»] [10] ، وللفريابيِّ من حديث أبي ذَرٍّ: «إثر كلِّ صلاةٍ»؛ أي: تقولون كلَّ واحدٍ من الثَّلاثة (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) فالمجموع لكلِّ فردٍ فردٍ، والأفعال الثَّلاثة تنازعت في الظَّرف؛ وهو «خلف»، وفي «ثلاثًا وثلاثين»، وهو مفعولٌ مُطلَقٌ، وقِيلَ: المراد المجموع للجميع، فإذا وُزِّع [11] ؛ كان لكلِّ واحدٍ من الثَّلاثة أحد عشر، وبدأ بالتَّسبيح؛ لأنَّه يتضمَّن نفي النَّقائص عنه تعالى، ثمَّ ثنَّى بالتَّحميد؛ لأنَّه يتضمَّن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من نفي النَّقائص إثبات الكمال، ثمَّ ثلَّث بالتَّكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النَّقائص وإثبات الكمال نفيُ أن يكون هناك كبيرٌ آخر، وقد وقع في رواية ابن عجلان تقديم التَّكبير على التَّحميد، ومثله لأبي داود من حديث أمِّ حكيمٍ، وله في حديث أبي هريرة: يكبِّر ويحمد ويسبِّح، وهذا الاختلاف يدلُّ على أنْ لا ترتيب فيه، ويُستأنِس له بقوله في حديث [12] : «الباقيات الصَّالحات لا يضرُّك بأيِّهن بدأت». ولكنَّ ترتيب حديث الباب الموافق لأكثر الأحاديث أَوْلى _لِمَا مرَّ_.

قال سُمَيٌّ: (فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا)؛ أي: أنا وبعض أهلي، هل كلُّ واحدٍ [13] ثلاثًا وثلاثين أو المجموع؟ (فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ)، قال سُمَيٌّ: (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى أبي صالحٍ، والقائل: «أربعًا وثلاثين» بعضُ أهل سُمَيٍّ، أو القائل: «فاختلفنا» أبو هريرة، والضَّمير في: «فرجعت» له، وفي «إليه» للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والخلاف بين الصَّحابة؛ وهم القائلون: «أربعًا وثلاثين»؛ كما هو ظاهر الحديث، لكنَّ الأوَّل أقربُ؛ لوروده في «مسلمٍ»، ولفظه: قال سُمَيٌّ: فحدَّثت بعض أهلي هذا الحديث. فقال: وهمت... فذكر كلامه، قال: فرجعت [14] إلى أبي صالحٍ إلَّا أنَّ مسلمًا لم يوصل هذه الزِّيادة.

(فَقَالَ) النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو أبو صالحٍ: (تَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ) العدد (مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) وهل العدد للجميع أو المجموع؟ ورواية ابن عجلان ظاهرها: أنَّ العدد للجميع، ورجَّحه بعضهم؛ للإتيان فيه [15] بواو العطف، والمختار: أنَّ الإفراد أَوْلى؛ لتميِّزه باحتياجه إلى العدد، وله على كلِّ حركةٍ لذلك_ سواءٌ كان بأصابعه [16] أو بغيرها_ ثوابٌ لا يحصل لصاحب الجمع منه إلَّا الثُّلث، ثمَّ إنَّ الأفضل الإتيان بهذا الذِّكر متتابعًا في الوقت الَّذي عُيِّن فيه، وهل إذا زِيد على العدد المنصوص عليه من الشَّارع يحصل له ذلك الثَّواب المترتِّب عليه أم لا؟ قال بعضهم: لا يحصل؛ لأنَّ لتلك الأعداد حكمةً وخاصيَّةً، وإن خفيت علينا؛ لأنَّ كلام الشَّارع لا يخلو عن حِكَمٍ، فربَّما تفوت بمجاوزة ذلك العدد، [/ج2ص139/] والمعتمد الحصول،؛ لأنَّه قد أتى بالمقدار الَّذي رُتِّب على الإتيان به ذلك الثَّوابُ، فلا تكون الزِّيادة مزيلةً له بعد حصوله بذلك العدد، وأشار إليه الحافظ زين الدِّين العراقيُّ، وقد اختلفت الرِّوايات في عدد هذه الأذكار [17] الثَّلاثة، ففي حديث أبي هريرة [18] : ثلاثًا وثلاثين، كما مرَّ، وعند النَّسائيِّ من حديث زيد بن ثابتٍ: خمسًا وعشرين، ويزيدون فيها: لا إله إلَّا الله خمسًا وعشرين، وعند البزَّار من حديث ابن عمر: إحدى عشرة، وعند التَّرمذيِّ والنَّسائيِّ من حديث أنسٍ: عشرًا، وفي حديث أنسٍ في بعض طرقه: ستًّا، وفي بعض طرقه أيضًا: مرَّةً واحدةً، وعند الطَّبرانيِّ في «الكبير» من حديث زُمَيْلٍ الجهنيِّ [19] قال: كان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا صلَّى الصُّبح؛ قال وهو ثانٍ رجله [20] : «سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، إنَّه كان توَّابًا» سبعين مرَّةً، ثمَّ يقول: «سبعين بسبع مئةٍ...» الحديث، وعند النَّسائيِّ في «اليوم واللَّيلة» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من سبَّح دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ مئةً، وكبَّر مئةً، وحَمِدَ مئةً؛ غُفِرت له ذنوبُه وإن كانت أكثر من زبد البحر»، وهذا الاختلاف يحتمل أن يكون صدر في أوقاتٍ متعدِّدةٍ، أو هو واردٌ على سبيل التَّخيير، أو يختلف باختلاف الأحوال، وقد زاد مسلمٌ في رواية ابن عجلان عن سُمَيٍّ: قال أبو صالحٍ: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، فقالوا مثله، فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}. [المائدة: 54] ، قال المُهلَّب: في حديث أبي هريرة فضلُ الغنيِّ نصًّا [21] لا تأويلًا إذا استوت أعمالهم المفروضة، فللغنيِّ حينئذٍ من فضل عمل البرِّ ما لا سبيل للفقير إليه، وتعقَّبه ابن المُنَيِّر: بأنَّ الفضل المذكور فيه خارجٌ عن محلِّ الخلاف؛ إذ لا يختلفون في أنَّ الفقير لم يبلغ فضل الصَّدقة، وكيف يختلفون فيه وهو لم يفعل الصَّدقة، وإنَّما الخلاف إذا قابلنا مزيَّة الفقير بثواب الصَّبر على مصيبة شظف العيش، ورضاه بذلك؛ بمزيَّة الغنيِّ بثواب الصَّدقات، أيُّهما أكثر ثوابًا؟ انتهى. ويأتي_ إن شاء الله تعالى_ مباحث هذه المسألة في كتاب «الأطعمة».

ورواة حديث الباب ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

[1] «كما»: ليس في (ص) و(م).
[2] في (د) و(م): «للمذكور».
[3] في (د): «أو تأكيدٌ».
[4] في (ص): «قدره».
[5] «قال الحافظ: والأوَّل أَوْلى»: ليس في (ص) و(م).
[6] في (ص): «منهم».
[7] في (م): «يمنع».
[8] في هامش (ص): «قوله: «أحمزها»، قال الحافظ السَّخاويُّ في «المقاصد الحسنة»: حديث: «أفضل العبادات»، قال المزِّيُّ: هو من غرائب الأحاديث، ولم يرد في شيءٍ من الكتب السِّتَّة، انتهى، وهو منسوبٌ في «النِّهاية» لابن الأثير لابن عبَّاسٍ بلفظ: «سُئِل رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: أحمزها»، وهو بالمُهمَلة والزَّاي؛ أي: أقواها وأشدُّها، وفي «الفردوس» ممَّا عزاه لعثمان بن عفَّان مرفوعًا: «أفضل العبادات أخفَّها»، فيُجمَع بينهما على تقدير ثبوتهما؛ بأنَّ القوَّة والشِّدَّة بالنَّظر لتمكُّن شروط الصِّحَّة وغيرها فيها، والخفَّة بالنَّظر لعدم الإكثار بحيث يملُّ، ولكنَّ الظَّاهر أنَّ لفظ الثَّاني: «العيادة»؛ بالتَّحتانيَّة لا بالمُوحَّدة، انتهى كلام السَّخاويِّ، وما استظهره هو ما يدلُّ عليه سياق الحديث في عيادة المريض؛ كما في «تسديد القوس» للحافظ ابن حجرٍ، وقد رُوِي بالمُوحَّدة أيضًا، والله أعلم. انتهى. عجمي».
[9] في (م): «هي».
[10] في (م): «بهذا».
[11] في (ص): «فرِّع».
[12] في (م): «الحديث».
[13] في (د): «واحدة».
[14] في (م): «فرجعنا».
[15] في (م): «به».
[16] في (ص): «بأصابعها».
[17] في (ص): «الألفاظ».
[18] في (م): «داوود»، وليس بصحيحٍ.
[19] في هامش (ص): «قوله: «من حديث زُمَيْلٍ الجهنيِّ»، تبع في ذلك العينيُّ، والَّذي في «المَجْمَع» في التَّعبير والدَّعوات من رواية الطَّبرانيِّ في «الكبير»: عن ابن زملٍ، انتهى، ثمَّ إنَّه في «المَجْمَع» في الموضعين بلفظ: ابن زُمَيْلٍ؛ بصورة المُصغَّر، حديثًا مُطوَّلًا، وفيه: سليمان بن عطاء القرشيُّ ضعيفٌ، انتهى، وصوابه: ابن زِمْلٍ؛ بكسر الزَّاي وسكون الميم؛ كما ضبطه القسطلانيُّ في آخر «التَّعبير»، وقد ذكره الحافظ ابن حجرٍ في القسم الأوَّل من «الإصابة»، فقال: عبد الله بن زِمْلٍ، وأطال في ترجمته، وذكر أنَّ الطَّبرانيَّ أخرج له هذا الحديث، في «المعجم الكبير»، والله أعلم، وفي «القاموس»: عبد الله بن زِمْلٍ بالكسر، تابعيٌّ، مجهولٌ، غير ثقةٍ، وقولُ الصَّغانيِّ «صحابيٌّ» غلطٌ، انتهى، وفيه نظرٌ؛ لِمَا تقدَّم عن «الإصابة»، انتهى».
[20] في (ب) و(س): «رجليه»، والمثبت موافقٌ لما في كتب الحديث.
[21] في (م): «فضلًا»، وليس بصحيحٍ.





843- ( جَاءَ الْفُقَرَاءُ ): سُمِّيَ منهم أبو ذرٍّ عند أبي داود، وأبو الدَّرداء عند النَّسائيِّ.

( الدُّثُورِ ): بضمِّ المهملة والمثلَّثة، جمع دَثْر، بالفتح ثمَّ السُّكون: المال الكثير، وصحَّف من رواه الدُّور جمع دار.

( الْعُلى ): بضمِّ العين، جمع العليا، تأنيث أعلى.

( وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ ): للنَّسائيِّ: «ويذكرون كما نذكر».

( فَضْل أَمْوَالٍ ): للكُشْمِيهنيِّ: «من أموال»، وللأصيليِّ: «فضل الأموال».

( وَيَتَصَدَّقُونَ ): زاد مسلم: «ويعتقون».

( بِما إِنْ ): للأصيليِّ: «بأمر من».

( أَدْرَكْتُمْ ): زاد الأصيليِّ: «من سبقكم».

( ظَهْرَانَيْهِم ): لكريمة وأبي الوقت: «ظهرانيه».

( تُسَبِّحُونَ.. ) إلى آخره: اختلفت الأحاديث في المقدَّم من التَّسبيح وغيره، و / لا يضرُّ لقوله في حديث الباقيات الصَّالحات: «لا يضرُّك بأيِّهن بدأت».

( ثَلاَثًا ): تنازع فيه الأفعال الثَّلاثة.

( فَاخْتَلَفْنَا ): قائله سُمَيٌّ، والمخالف له بعضُ أهله، والمرجوع إليه أبو صالح، كذا عند مسلم.

( سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ): ظاهره: أنَّه يقول ذلك مجموعًا هكذا، والثَّابت في سائر الرِّوايات بالإفراد، وهو أولى.

( مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ): بكسر اللَّام تأكيدًا للضَّمير.

( ثَلاَثةٌ وَثَلاَثُون ): بالرَّفع: اسم كان، والنَّصب: خبر، والاسم ضمير العدد. [/ج2ص802/]

فوائد:

الأولى: زاد مسلم وأبو داود في آخر الحديث: «وتختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له».

الثَّانية: وقع في الدَّعوات: «تسبِّحون عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبِّرون عشرًا»، وله شواهد.

وجمع البغوي باحتمال أن يكون ذلك صدر في أوقات متعدِّدة، وللنَّسائي وغيره عن زيد بن ثابت: «أُمرنا أن نسبِّح في دبر كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبِّر أربعًا وثلاثين، فأُتي رجل في منامه فقال: كم أُمرتم أن تسبِّحوا؟ فذكره، قال: نعم، اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التَّهليل».

وفي لفظ: «فقيل له: سبِّح خمسًا وعشرين، واحمد خمسًا وعشرين، وكبِّر خمسًا وعشرين، وهلِّل خمسًا وعشرين، فلمَّا أصبح أتى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره، فقال: فافعلوه».

الثَّالثة: ذكر جماعة من [الأئمَّة] [1] أنَّ الأعداد الواردة في الأذكار إذا زيد عليها لا يحصل الثَّواب المرتَّب عليها؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصِّيَّة تفوت لمجاوزة ذلك العدد. [/ج2ص803/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (العلماء)





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة