المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

(10) بابٌ [1] : العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالَىَ [2] : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } [محمد: 19] فَبَدأَ بِالعِلْمِ.

وأَنَّ [3] العُلَماءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ، وَرَّثُوا [4] العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ، «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ [5] عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلى الجَنَّةِ».

وقالَ جَلَّ ذِكْرُهُ [6] : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } [فاطر: 28] وقالَ: { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } [العنكبوت: 43] { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [الملك: 10] وقالَ: { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9] .

وقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ [7] ». [/ج1ص24/] و«إِنَّما العِلْمُ بِالتَّعْلِيْمِ [8] ».

وَقالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصامَةَ عَلَىَ هَذِهِ _وأَشارَ إِلَىَ قَفاهُ_ ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ [9] كَلِمَةً سَمِعْتُها مِنَ النَّبِيِّ [10] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُها. [11]

وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: { كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ } [آل عمران: 79] : حُكماءَ فُقَهاءَ [12] . وَيُقالُ: الرَّبَّانِيُّ الذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية الأصيلي: «عَزَّ وَجلَّ».
[3] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«إنَّ».
[4] بتشديد الراء المفتوحة، أي: الأنبياء، وبهامش اليونينية بدون رقم: «ورِثوا».اهـ. بالكسر مع علامة التَّخفيف، أي: العلماء ورثوا.
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[6] لفظة: «جلَّ ذكره» ليست في رواية أبي ذر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وفي رواية [عط] : «جلَّ وعزَّ».
[7] صحَّح عليها في اليونينيَّة في وسطها وآخرها، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي ذر والمستملي و [ح] : «يفقهه في الدين».
[8] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بالتَّعلُّم»، وبهامش اليونينية كما في (ص، ب): «وهو الصواب» يعني: رواية الثلاثة.
[9] وضع علامة التَّخفيف على فاء «أُنْفِذُ» في اليونينيَّة.
[10] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «رسول الله».
[11] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «وقول النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ».
[12] في (ق، ص، ب): «حلماء فقهاء»، وفي رواية [عط] : «حكماء علماء».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

10- هذا (بابٌ)؛ بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ، (الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ)؛ لتقدُّمه بالذَّات عليهما؛ لأنَّه شرطٌ في صحَّتهما؛ إذ إنَّه مصحِّحٌ [1] للنِّيَّة المُصحِّحة للعمل، فنبَّه المؤلِّف على مكانة العلم؛ خوفًا من أن يسبق إلى الذِّهن _من قولهم: لا ينفع العلم إلَّا بالعمل_ توهينُ أمر العلم والتَّساهل في طلبه؛ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى)، وللأَصيليِّ: ((عزَّ وجلَّ)): ({فَاعْلَمْ})؛ أي: يا محمَّد، ({أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ}) [محمد: 19] ، (فَبَدَأَ) تعالى (بِالْعِلْمِ) أوَّلًا؛ حيث قال: {فاعلم}، ثمَّ قال: {واستغفرْ}؛ إشارةً إلى القول والعمل، وهذا وإن كان خطابًا له عليه الصلاة والسلام؛ فهو يتناول أمَّته، أوِ الأمر للدَّوام والثَّبات؛ كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ} [الأحزاب: 1] ؛ أي: دُمْ على التَّقوى، (وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ) بفتح همزة «أَنَّ» عطفًا على سابقه، أو _بكسرها_ على الحكاية، (وَرَّثُوا)؛ بتشديد الرَّاء المفتوحة؛ أي: الأنبياء، أو بالتَّخفيف مع الكسر، وهو في «اليونينيَّة» من غير رقمٍ [2] ؛ أي: العلماء وَرِثُوا (الْعِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ) من ميراث النُّبوَّة (بِحَظٍّ وَافِرٍ)؛ أي: بنصيبٍ كاملٍ، وهذا كلُّه قطعةٌ من حديثٍ عند أبي داودَ، والتِّرمذيِّ، وابن حبَّانَ، والحاكم، مُصحَّحًا من حديث أبي الدَّرداء، وضعَّفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكنْ له شواهدُ يتقوَّى بها، ومُناسَبَته للتَّرجمة؛ من جهة أنَّ الوارث قائمٌ مقام المُورِّث، فله حكمه فيما قام مقامه فيه، (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) حال كونه (يَطْلُبُ بِهِ)؛ أي: السَّالك (عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا)؛ أي: في الآخرة أو في الدُّنيا؛ بأن يوفِّقه للأعمال الصَّالحة الموصلة (إِلَى الْجَنَّةِ)، أو هو [3] بشارةٌ بتسهيل العلم على طالبه؛ لأنَّ طلبه من الطُّرق الموصلة إلى الجنَّة، ونكَّر «علمًا» كـ: «طريقًا»؛ ليندرج فيه القليل والكثير، وليتناول أنواع الطُّرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينيَّة، وهذه الجملة أخرجها مسلمٌ من حديث الأعمش عن أبي صالحٍ، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ، وإنَّما لم يَقُلْ: صحيحٌ؛ لتدليس الأعمش، لكنْ في رواية مسلمٍ عنِ الأعمش: حدَّثنا أبو صالحٍ، فانتفت تهمة تدليسه. وفي «مُسنَد الفردوس» بسنده إلى سعيد بن جبيرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارحموا طالب العلم؛ فإنَّه متعوب البدن، لولا أنَّه يأخذ بالعُجْب؛ لصافحته الملائكة مُعايَنةً، ولكنْ يأخذ بالعُجْب ويريد أن يقهر من هو أعلم منه» [4] ، (وَقَالَ) الله (جَلَّ ذِكْرُهُ)، وفي روايةٍ: ((جلَّ وعزَّ)) [5] : ({إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ})؛ أي: يخافه { من عباده العلماءُ} [فاطر: 28] الذين علموا قدرته وسلطانه، فمن كان أَعْلَمَ؛ كان أخشى لله؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له»، (وَقَالَ) تعالى: ({وَمَا يَعْقِلُهَا})؛ أي: الأمثال المضروبة، وحسنها، وفائدتها، ({إِلَّا الْعَالِمُونَ}) [العنكبوت: 43] الذين يعقلون عن الله، فيتدبَّرون الأشياء على ما ينبغي، وقال تعالى حكايةً عن قول الكفَّار حين دخولهمُ النَّار: ({وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ})؛ أي: كلامَ الرُّسلِ، فَنَقْبَلُه جملةً من غير بحثٍ وتفتيشٍ؛ اعتمادًا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات، ({أَوْ نَعْقِلُ})؛ فنفكِّر في حكمه ومعانيه تفكُّر المستبصرين؛ ({مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}) [الملك: 10] ؛ أي: في عدادهم وفي جملتهم، (وَقَالَ) تعالى: ({قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}) [الزمر: 9] ، قال القاضي ناصر الدِّين رحمه الله: [/ ج1ص166/] نفيٌ لاستواء الفريقين؛ باعتبار القوَّة العلميَّة بعد نفيها؛ باعتبار القوَّة العمليَّة على وجهٍ أبلغَ؛ لمزيد فضل العلم [6] ، وقِيلَ: تقرير الأوَّل على سبيل التَّشبيه؛ أي: كما لا يستوي العالِمون والجاهلون؛ لا يستوي القانتون والعاصُون.

(وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) فيما وصله المؤلف بعد بابين [خ¦71] : (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا؛ يُفَقِّهْهُ) في الدِّين، وللمستملي: ((يُفهِّمه))؛ بالهاء المُشدَّدة المكسورة؛ بعدَها ميمٌ، وأخرجه بهذا اللَّفظ ابن أبي عاصمٍ في كتاب «العلم» بإسنادٍ حسنٍ، والتَّفقُّه: هو التَّفهُّم، (وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ)؛ بضمِّ اللَّام المُشدَّدة على الصَّواب، وليس هو من كلام المؤلِّف، فقد رواه ابن أبي عاصمٍ، والطَّبرانيُّ من حديث معاويةَ مرفوعًا، وأبو نعيمٍ الأصفهانيُّ في «رياض المتعلِّمين» من حديث أبي الدَّرداء مرفوعًا: «إنَّما العلم بالتَّعلُّم، وإنَّما الحلم بالتَّحلُّم، ومن يتحرَّ [7] الخير؛ يعطه»، وفي بعض النُّسخ _وهو في «أصل فرع اليونينيَّة» كهي_ [8] : ((بالتَّعلِيم))؛ بكسر اللَّام، وبالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وفي «هامشها»: ((بالتَّعلُّم))؛ بضمِّ اللَّام، قال: وهو الصَّواب.

(وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة، فيما وصله الدَّارميُّ في «مُسنَده» وغيره من حديث أبي مرثدٍ، لمَّا قال له رجلٌ والنَّاس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟ _وكان الذي منعه عثمان؛ لاختلافٍ حصل بينه وبين معاوية بالشَّام في تأويل: {وَالَّذِيْنَ يَكْنِزُوْنَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ} [التوبة: 34] ، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصَّةً، وقال أبو ذَرٍّ: نزلت فينا وفيهم. وأدَّى ذلك إلى انتقال أبي ذرٍّ عن المدينة إلى الرَّبَذَة_ [قال: ] أرقيبٌ أنت عليَّ؟ [9] ، (لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ)؛ بالمُهمَلَتين؛ الأولى مفتوحةٌ؛ أي: السَّيف الصَّارم الذي لا ينثني، أو الذي له حدٌّ واحد، (عَلَى هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ) كذا في «فرع اليونينيَّة»، وفي غيره: ((إلى القفا)) [10] ، وهو مقصورٌ يُذكَّر ويُؤنَّث، (ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ)؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الفاء، آخره معجَمةٌ؛ أي: أُمْضِي (كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، وكسر الجيم، وبعد التَّحتيَّة زايٌ الصَّمْصَامَة (عَلَيَّ)؛ أي: على قفايَ؛ والمعنى: قبل أن تقطعوا رأسي؛ (لأَنْفَذْتُهَا)؛ بفتح الهمزة والفاء، وتسكين الذَّال المُعجَمَة، وإنَّما فعل أبو ذرٍّ هذا؛ حرصًا على تعليم العلم طلبًا للثَّواب، وهو يَعْظُم مع حصول المشقَّة، واستُشكِل الإتيانُ هنا بـ: «لو»؛ لأنَّها لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل، وحينئذٍ فيكون المعنى: انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه، وأُجِيب: بأنَّ «لو» هنا لِمُجرَّد الشَّرط كان، من غير أن يُلاحَظ الامتناع، أو المُرَاد: أنَّ الإنفاذ حاصلٌ على تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصولُه أَوْلى؛ فهو مثل قوله عليه السلام: «نِعْمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يَخَفِ الله؛ لم يَعْصِه»، ولأبي الوقت هنا زيادةٌ؛ وهي قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((ليُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ))، وتقدَّم قريبًا [خ¦67] .

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ فيما وصله ابن أبي عاصمٍ والخطيب بإسنادٍ حسنٍ: ({كُونُوا رَبَّانِيِّينَ})؛ أي: (حُلَمَاءَ): جمع حليمٍ _باللَّام_ (فُقَهَاءَ): جمع فقيهٍ، وفي روايةٍ: ((حكماء)) _بالكاف_: جمع حكيمٍ، ((علماء)): جمع عالِمٍ، وهذا تفسير ابن عبَّاسٍ، وقال البيضاويُّ: و«الرَّبانيُّ»: المنسوب إلى الرَّبِّ؛ بزيادة الألف والنُّون، كاللَّحيانيِّ والرَّقبانيِّ؛ وهو الكامل في العلم والعمل، وقال البخاريُّ حكايةً عن قول بعضهم: (وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ)؛ أي: بجزئيَّات العلم قبل كليَّاته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بوسائله قبل مقاصده، أو ما وَضُحَ من مسائله قبل ما دقَّ منها، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا موصولًا، ولعلَّه اكتفى بما ذكره، أو غير ذلك من الاحتمالات، والله أعلم.

[1] في (ص): «به تصحُّ».
[2] قوله: «وهو في «اليونينيَّة» من غير رقمٍ»، مثبتٌ من (م).
[3] في (س): «وهو».
[4] قوله: «وفي «مُسنَد الفردوس» بسنده إلى... ويريد أن يقهر من هو أعلم منه»»، سقط من (ص).
[5] قوله: «وفي روايةٍ: «جلَّ وعزَّ»»، سقط من (ص)
[6] في (م): «المعلِّم».
[7] في (ص): «يتخيَّل».
[8] «كهي»: سقط من (س).
[9] قوله: «وكان الذي منعه عثمان؛ لاختلافٍ... أرقيبٌ أنت عليَّ؟»، سقط من (ص).
[10] قوله: «وفي غيره: «إلى القفا»»، سقط من (ص).





(وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ): بفتح (أَنَّ)، ورُوي بكسرها، على تقدير: باب هذه الجملة، أو على سبيل الحكاية.

قوله [1] : (بِحَظٍّ وَافِرٍ): الباءُ في المفعول زائدةٌ للتَّوكيدِ.

(طَرِيقًا): نُكِّر؛ ليندرجَ فيه كلُّ نوعٍ من أنواعِ العلومِ الدِّينيَّةِ، ويتناولَ القليلَ منه والكثيرَ، والضَّميرُ في (بِهِ) عائدٌ إلى (مَنْ)، والباءُ للتَّعدية.

({إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}): الاسمُ الجليلُ منصوبٌ، و{العلماءُ} مرفوعٌ، هذه قراءةُ العامَّةِ، والعكسُ قرأ بها عمرُ بنُ عبدِ العزيز، وأبو حنيفةَ [2] ، وأبو حَيْوَةَ، و{يَخْشَى} بمعنى: يعظِّم.

قوله [3] : ({أو نعقل}): حُذف مفعولُ {نعقل}؛ لأنَّه جُعل كالفعل اللَّازم، فمعناه: لو كنَّا من أهل العلم؛ ما كنَّا من أهل النار.

(لَوْ وَضَعْتُمُ): إنْ قلتَ: (لو) لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل على المشهور، فمعناه: انتفى الإنفاذُ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه.

قلتُ: هو مثلُ: (لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِهِ) ؛ يعني: يكونُ الحكمُ ثابتًا على تقديرِ النَّقيض بالطَّريق الأولى، فالمرادُ أنَّ الإنفاذَ حاصلٌ على طريق الوضع، فعلى تقديرِ عدمِ الوضع حصولُه أَولى، أو أنَّ (لو) ههنا لمجرَّدِ الشَّرطيَّة؛ يعني: حكمُها حكمُ (إِنْ) من غير أَنْ [4] يُلاحَظ الامتناعُ.

فائدة: قال الشَّيخ شهاب الدِّين أحمد بن إدريس القرافي رحمه الله تعالى: (قاعدة: «لو» إذا دخلتْ على ثبوتين؛ كانا نفيين [5] ، وعلى نفيين؛ كانا [6] ثبوتين، أو نفي وثبوت؛ فالنَّفي ثبوت والثبوت نفي، تقول: «لو جاءني؛ لأكرمته»، فهما ثبوتان، فما جاءك ولا أكرمته، و«لو لم يَسْتَدِنْ؛ لم يُطالَب»، فهما نفيان، وقد استَدانَ وطُولِب، و«لو لم يُؤمِن؛ أُريقَ دمُه»، التَّقدير: أنَّه آمن ولم يُرَق دمُه، وبالعكس: «لو آمن؛ لم يُقتل».

وإذا تقرَّرتْ هذه القاعدة؛ فيلزم أن تكون {كلماتُ} في آيةِ {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَام [وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ] } [لقمان: 27] قد نَفِدَتْ، وليس كذلك؛ لأنَّ {لَوْ} دخلت على ثبوت أولًا ونفي آخرًا، فيكون الأوَّل نفيًا، وهو كذلك؛ فإن الشَّجرة ليست أقلامًا، ويلزم أن يكون النَّفي الأخير ثبوتًا، فتكون نَفِدَتْ، وليس كذلك، ونظيرُ هذه الآية قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: «نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِهِ»، يقتضي: أنَّه خاف وعصى مع الخوف، وهو أقبحُ، فيكونُ ذلك ذمًّا، لكنَّ الحديثَ سِيقَ للمدحِ، وعادةُ الفضلاءِ الولوعُ بالحديثِ كثيرًا، أمَّا الآيةُ؛ فقليلٌ مَنْ يفطنُ لها، وذَكَرَ الفضلاءُ في الحديث وجوهًا، أمَّا الآيةُ؛ فلم أرَ لأحدٍ فيها شيئًا، ويُمكنُ تخريجُها على ما قالوه في الحديثِ، غيرَ أنِّي ظهرَ لي جوابٌ عن الحديثِ والآيةِ جميعًا، سأذكرُه [بعدَ ذِكْري لأجوبةِ الناسِ؛ لأنَّ مَن سبقَ أَولى بالتقديم] :

قال ابن عُصفور: «لو» في الحديثِ بمعنى «إِنْ» لمُطلَقِ الرَّبطِ، و«إِنْ» لا يكون نفيُها ثبوتًا، ولا ثبوتُها نفيًا، فيندفِعُ الإشكالُ.

وقال الشَّيخ شمسُ الدِّين الخسرو [شاهي] : إنَّ «لو» في أصل اللُّغة لمُطلَقِ الرَّبط، وإنَّما اشتهرتْ في العُرْفِ في انقلابِ ثبوتِها نفيًا، وبالعكس، والحديثُ إنَّما وردَ بمعنى الرَّبْطِ [7] في اللُّغة.

وقال ابن عبد السَّلام [/ص23/] رحمه الله تعالى: الشَّيءُ الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه، وقد يكون له سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدمه؛ لأنَّ السَّبب الثَّاني يخلف الأوَّل؛ كقولنا في زوجٍ هو ابن عمٍّ: لو لم يكن زوجًا؛ لورث؛ أي: بالتَّعصيب، فإنَّهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر، وكذلك هنا النَّاس في الغالب إنَّما لم يعصوا لأجل الخوف، فإذا ذهب الخوف؛ عَصَوا؛ لاتِّحاد السَّبب في حقِّهم، فأخبر عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّ صهيبًا رضي الله عنه اجتمع له شيئان [8] يمنعانه من المعصية: [الخوفُ] والإجلالُ [9] ، [فلوِ انتفى الخوفُ في حقِّهِ؛ لانتفى العصيانُ للسبب الآخرِ؛ وهو الإجلالُ] [10] ، وهذا مدحٌ جميلٌ، وكلامٌ حسنٌ.

وأجابَ غيرُهم: بأنَّ الجوابَ محذوفٌ، تقديرُه: لو لم يَخَفِ اللهَ؛ عَصَمَهُ اللهُ، ودلَّ على ذلك قوله: «لم يَعْصِهِ»، وهذه الأجوبةُ تتأتَّى في الآيةِ غيرَ الثَّالث؛ فإنَّ عَدَمَ نفودِ كلماتِ الله وأنَّها غيرُ متناهيةٍ أمرٌ ثابتٌ لها لذاتِها، وما بالذَّاتِ لا يُعلَّلُ بالأسبابِ، فتأمَّل ذلك.

فهذا كلامُ الفضلاءِ الَّذي اتَّصل بي.

والَّذي ظهرَ لي: أنَّ «لو» أصلُها أَنْ تُستعملَ للرَّبط بين شيئين نحوَ ما تقدَّم، ثمَّ إنَّها أيضًا تُستعمل لقطعِ الرَّابطِ، فتكون جوابًا لسؤالٍ محقَّقٍ أو مُتَوَهَّمٍ [11] وَقَعَ فيه ربطٌ فتقطعه أنت؛ لاعتقادِكَ بُطلانَ ذلك الرَّبط؛ كما لو قال القائل: لو لم يكن زيدٌ [12] زوجًا؛ لم يَرِثْ، فتقول أنت: لو لم يكن زوجًا؛ لم يحرم؛ تريد: أنَّ ما ذَكَرَهُ [13] من الرَّبط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحقٍّ، فمقصودُك قطع ربط كلامه، لا ربط كلامك [14] ، وتقول: لو لم يكن زيدٌ عالمًا؛ لَأُكرِم؛ أي: لشجاعته، جوابًا لسؤالِ سائلٍ تتوهَّمُه أو سمعتَه [وهو] يقول: إنَّه إذا لم يكن [15] عالمًا؛ لم يُكرَم، فربطَ بين عدم العلم وعدم الإكرام، فتقطعُ أنت ذلك الرَّابط، وليس مقصودك أَنْ تربطَ بين عدم العلم والإكرام؛ لأنَّ ذلك ليس بمناسبٍ ولا من أغراض الفضلاءِ، ولا يتَّجِه كلامُك إلّا على عدم الرَّبط.

كذلك الحديثُ لمَّا كان الغالبُ على النَّاس أَنْ يرتبط عصيانهم بعدم خوف الله تعالى وأنَّ ذلك في الأوهام؛ فقطعَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هذا الرَّبط وقال: «لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِه».

وكذلك لمَّا كان الغالبُ على الأوهام أنَّ الأشجارَ كلَّها إذا صارت أقلامًا، والبحرَ المِلْحَ مع غيرِه [مِدادًا] يُكتبُ به [16] ، فيقول الوهمُ: ما يُكتب بهذا شيءٌ إلَّا نَفِدَ، وما عساهُ أن يكونَ؛ فقطعَ اللهُ هذا الرَّبط وقال: {مَا نَفِدَتْ}.

وهذا الجوابُ أصلحُ الأجوبةِ المتقدِّمةِ من وجهين:

أحدهما: شمولُه لهذين الموضعين، وبعضها [17] لم يَشمل كما تقدَّم [بيانُه] .

وثانيهما: أنَّ «لَوْ» بمعنى [«إِنْ» خلافُ الظاهر ومخالفٌ للعُرْف، وادعاءُ النقل خلافُ الأصل والظاهر، وحذفُ الجواب] [18] خلافُ الظَّاهر، وما ذكرتُه مِن الجوابِ ليس مخالفًا لعُرْف أهل اللغة؛ فإنَّ أهلَ العُرْف يستعملونَ ما ذكرتُه، ولا يفهمونَ غيرَه في تلك الموارد.

ونِعْمَ هذا الجوابُ الواجب لذاته ولصفات الله تعالى وكلماته، والممكن القابل للتعليل لطاعة صهيب رضي الله عنه!) انتهى كلامُ الشيخ شهاب الدين رحمه الله تعالى [19] . [/ص24/]

تنبيه: قولُه [20] : (قولُه عليه الصلاة والسلام: «نِعْمَ العبدُ صهيبٌ») اعلم أنَّ غيرَه قال: (قولُ عمرَ: نِعْمَ العبدُ صهيبٌ... إلى آخره)، قال بهاءُ الدين ابنُ السُّبْكِيِّ: (لم أرَ هذا الكلامَ في شيءٍ من كُتُبِ الحديث، لا مرفوعًا ولا موقوفًا، لا عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن عمر، مع شِدَّةِ الفحصِ) انتهى.

وقال السُّبْكِيُّ: (رأيتُ ابنَ العربيِّ نسبَهُ إلى عمرَ، إلَّا أنَّه لم يُبْدِ له إسنادًا).

وقال شيخُ والدي العِراقيُّ: (لا أصلَ لهذا الحديثِ عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم أقفْ له على إسنادٍ قطُّ في شيءٍ من كُتُبِ الحديث، وبعضُ النُّحاةِ ينسبونَهُ إلى عمرَ مِن قولِه، ولم أرَ له إسنادًا إلى عمرَ).

وقال ابنُ الدَّمامينيِّ: (وفي «الحلية» في ترجمةِ سالمٍ مولى أبي حذيفةَ رضي الله عنه حديثٌ رفعَهُ مِن طريق عمرَ بن الخطاب [21] قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنَّ سالمًا شديدُ الحُبِّ للهِ عزَّ وجلَّ، لو كانَ لا يخافُ اللهَ؛ ما عصاهُ»)، وكذا رأيتُهُ بخطِّ شيخِنا أبي الفَضْلِ أنَّه في «الحليةِ» مرفوعًا.

[1] (قوله): مثبت من (أ).
[2] زيد في (ب) وهامش (أ): (الدينوري)، وهو في كتب التفسير مطلق، ويحمل على الإمام أبي حنيفة النُّعْمان بن ثابت التيميِّ الكوفيِّ، مولى بني تيم، فقيه المِلَّة، وعالم العراق، الإمام، المجتهد، صاحب المذهب الحَنَفِيِّ، المولود سنة (80هـ)، أدرك بعض الصحابة، وعُني بطلب الآثار، وإليه يعود الرأي في الفقه، والتدقيق في غوامضه، حتى قيل: الناسُ عِيالٌ في الفقه على أبي حنيفة، توفِّي سنة (150هـ)، انظر «تهذيب الكمال» (29/417)، «سير أعلام النبلاء» (6/390)، «الوافي بالوفيات» (27/89)، «غاية النهاية» (2/342).
نعم؛ لأبي حنيفة الدينوري أحمد بن داود بن وَنَنْد النحويِّ المتوفَّى سنة (282هـ) تفسيرٌ كبير، إلَّا أنَّه لم يُذكر في القرَّاء، انظر «سير أعلام النبلاء» (13/422)، «الأعلام» للزركلي (1/123).
[3] (قوله): مثبت من (أ).
[4] أن: سقطت من (ب).
[5] في النسختين: (منفيين)، وفي «الفروق»: (عادا نفيين).
[6] في «الفروق»: (عادا).
[7] في النسختين و«الفروق»: (اللفظ)، وأشار في (أ) إلى تصحيحها في الهامش، وهو الصواب.
[8] في (ب): (سببان)، وكذا في «الفروق».
[9] قوله: (والإجلال) تصحَّف في النسختين إلى: (والإخلال).
[10] ما بين معقوفين سقط من النسختين، وهو مستدركٌ من مصدرهقوله: (والإجلال) تصحَّف في النسختين إلى: (والإخلال).
[11] في النسختين: (ومتوهم)، والمثبت من مصدره.
[12] في النسختين: (ذلك)، والمثبت من مصدره.
[13] في النسختين: (ذكرته)، ولا يصح، والمثبت من مصدره.
[14] في النسختين: (كلامه)، ولا يصح، وفي «الفروق»: (لا ارتباط كلامك).
[15] في النسختين: (أو سمعته يقول: إنه إذا كان)، ولا يصح، والمثبت من مصدره.
[16] زيد في النسختين: (الجميع)، ولا يستقيم، والمثبت من مصدره.
[17] في النسختين: (وبعضهما)، ولا يصح، والمثبت من مصدره.
[18] ما بين معقوفين سقط من النسختين، وهو مستدركٌ من مصدره.
[19] «الفروق» (1/160-63).
[20] أي: قول القرافي.
[21] (بن الخطاب): مثبت من (ب).





لا تتوفر معاينة

( باب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ )

قيل: ترجم على مكانة العلم؛ لئلا يسبق إلى الذهن من قولهم: ( العلم لا ينفعُ إلا بالعمل ) تهوين أمره؛ فأراد البخاري أن يبين أن العلم شرط في القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، وهو متقدم عليهما.

( وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ) بضم اللام هو الصواب. ويروى: «بالتعليم»، وهو حديث رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب «رياضة المتعلمين» عن أبي الدرداء مرفوعًا: «إنما العلم بالتعلُّم، وإنَّما الحلم بالتحلم، ومَن يتحرَّ الخير يعطه».

( الصَّمصَام ) بفتح الصادين المهملتين، والصَّمْصَامَةَ السيف الصارم.

( أُنْفِذ ) بهمزة مضمومة ثم نون ساكنة ثم فاء مكسورة ثم ذال معجمة، أي: أُمضِي.

( تُجِيزُوا ) بتاء مضمومة وجيم مكسورة وزاي، أي: تقتلوني وتنفذون فيَّ أمركم.


( وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ... إلى قوله: وَافِرٍ ): طرف من حديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ وابن حبَّان والحاكم من حديث أبي الدَّرداء.

( وَأَنَّ ): بالفتح، ويجوز بالكسر على الحكاية.

( وَرَّثوا ): بتشديد الرَّاء المفتوحة، أي: الأنبياء، وبكسرها مخففة، أي: العلماء. [/ج1ص237/]

( بِحَظٍّ ): نصيب.

( وَمَنْ سَلَكَ... ) إلى آخره: حديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.

( سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا ) أي: في الآخرة، أو في الدُّنيا بأن يوفِّقه للأعمال الصَّالحة.

( يُفَقِّهْهُ ) للمُسْتملي: «يفهِّمه»، وهو باللَّفظ الأوَّل موصول في الكتاب، وبالثَّاني في كتاب «العلم» لابن أبي عاصم من حديث ابن عمر عن عمر مرفوعًا بسند حسن.

( وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ): هو حديث أخرجه الطَّبرانيُّ من حديث معاوية، وأبو نعيم من حديث ابن مسعود وأبي الدَّرداء.

( وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ) وصله الدَّارميُّ في «مسنده» عن مَرْثَدٍ قال: «أتيت أبا ذرٍّ وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع عليه النَّاس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثمَّ قال: ألم تُنْهَ عن الفتيا ؟ فقال: لو وضعتم...» إلى آخره.

( الصَّمْصَامَةَ ) بمهملتين: الأولى مفتوحة: السَّيف الصَّارم الذي لا ينثنى، وقيل: الذي له حدٌّ واحد. [/ج1ص238/]

( أُنْفِذُ ) بضمِّ الهمزة وكسر وضمِّ الفاء وذاله معجمة، أي: أُمضي.

( تُجِيزُوا عَلَيَّ ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الجيم وبعد الياء زاي، أي: تُكمِلُوا قتلي.

( صِغَارِ الْعِلْمِ ): ما وَضَح من مسائله، وكبارُه: ما دقَّ منها.


هذا ((بابٌ)) بالتنوين، وهو ساقط في رواية، ((العلم قبل القول والعمل)) يعني: أنَّ الشيء يُعلم أولًا ثم يُقال ويُعمل به، فالعلم مقدَّم عليهما بالذات وبالشرف؛ لأنَّه عمل القلب، وهو أشرف أعضاء البدن، ((لقول الله تعالى)) ، وللأصيلي: (عزَّ وجلَّ) : (({فَاعْلَمْ})) ؛ أي: يا محمد، (({أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [محمد: 19] فبدأ)) الله تعالى ((بالعلم)) أولًا ثم قال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19] ، وهو قول وعمل، والخطاب وإن كان للنبي الأعظم عليه السلام، لكنَّه عامٌّ متناولٌ لأمَّته، والأمر للدوام، كما في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ} [الأحزاب: 1] ؛ أي: دُمْ على التقوى.

((وأنَّ العلماء)) يجوز في (أنَّ) فتح همزتها عطفًا على سابقه وكسرُها على الحكاية، ((هم ورثة الأنبياء)) عليهم السلام؛ أي: مسميين بذلك، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا [1] مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] ؛ أي: وهم العلماء ((وَرَّثوا)) ؛ بفتح الواو مع تشديد الراء المفتوحة؛ أي: الأنبياء، أو بفتح الواو مع كسر الراء المخففة؛ أي: العلماء، ويجوز ضم الواو وتشديد الراء المكسورة أيضًا؛ أي: العلماء، وما قاله ابن حجر فليس بصحيح، كما نبَّه عليه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((العلم، مَن أخذه أخذ)) من ميراث النبوة ((بحظ)) ؛ أي: نصيبٍ ((وافر)) ؛ أي: كثير كامل، وهذا قطعة من حديث أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي الدرداء: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن سلك طريقًا يطلب فيه علمًا؛ سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإنَّ الملائكة لتضعُ أجنحتَها رضًىلطالب العلم، وإنَّ العالم تستغفر له مَن في السماوات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنَّما ورثوا العلم، فمَن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» اهـ، وتُكُلِّم في سنده كما هو مبسوطٌ في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((ومن سلك طريقًا)) حال كونه ((يطلب به)) ؛ أي: السالك، على حدِّ {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ، ((علمًا)) نكَّره؛ ليتناول العلوم الدينية، وليشمل الكثير والقليل، ((سهَّل الله له طريقًا)) ؛ أي: في الآخرة أو في الدنيا بأن يوفِّقَه للأعمال الصالحة الموصلة (إلى الجنة) ، أو هو بشارة بتسهيل العلم على طالبه؛ لأنَّ طلبه موصل إلى الجنة.

وفي «مسند الفردوس» بسنده إلى سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارحموا طالب العلم؛ فإنَّه متعوب البدن، لولا أنَّه يأخذ بالعجب؛ لصافحته الملائكة معاينة، ولكن يأخذ بالعجب ويريد أن يقهر مَن هو أعلم منه) .

وهذه الجملة التي ساقها المؤلف أخرجها مسلم من حديث الأعمش، عن أبي صالح، والترمذي، وقال: حسن، ولم يقل: صحيح؛ لتدليس الأعمش، لكن في رواية مسلم عن الأعمش: (حدثنا أبو صالح) ، فانتفت تهَمة تدليسه، كما بسطه في «عمدة القاري».

((وقال)) الله ((جلَّ ذكره)) ، وفي رواية: (جلَّ وعزَّ) : (({إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ})) ؛ أي: يخافه، (({مِنْ عِبَادِهِ})) ؛ أي: من علم قدرته وسلطانه، (({العُلَمَاءُ} [فاطر: 28] )) ، قاله ابن عباس، وقرئ: برفع الجلالة ونصب {العُلَمَاءُ}، وهي قراءة الإمام الأعظم وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما؛لأنَّ الخشية فيها تكون استعارة، والمعنى: إنَّما يُجِلُّهم ويعظِّمُهم.

ومن لوازم الخشية التعظيم، فيكون من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم، فإن قلت: خشية الله مقصورة على العلماء بقضية كلام هذه الآية، وقد ذكر الله أيضًا: أنَّ الجنة لمن يخشى وهو: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8] ، فيلزم من ذلك ألَّا تكون الجنةُ إلَّا للعلماء خاصَّةً.

أجاب شيخ الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأنَّ المراد من العلماء الموحِّدون، وأنَّ الجنة ليست إلَّا للموحدين الذين يخشون الله تعالى؛ أي: يخافونه [2] ، ومَنِ ازداد علمًا؛ ازدادَ مِنَ الله خوفًا، وفي الحديث: «أعلمُكم بالله أشدُّكم له خشيةً»، وقال عليه السلام أيضًا: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له».

((وقال)) الله تعالى: (({وَمَا يَعْقِلُهَا})) ؛ أي: الأمثال المضروبة، (({إِلَّا العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] )) الذين يعقلون عن الله تعالى، وروى جابر: أنَّ النبي الأعظم قرأ هذه الآية قال: «العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه»، (({وَقَالُوا})) ؛ أي: الكفَّار حين دخولهم النار: (({لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ})) الإنذار سماع قبول للحق، وإنَّما حذف المفعول؛ لأنَّه كالفعل اللازم، (({أَوْ نَعْقِلُ})) كلامَ الرسل عقلَ متأملين، (({مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 11] )) ؛ أي: في جملتهم في النار، والمراد من (العقل) هنا: العلم؛ لأنَّهم تمنَّوا أن لو كان لهم عقل؛ لما دخلوا النار، وروى أبو سعيد الخدري مرفوعًا: «أنَّ لكل شيء دِعامة، ودِعامة المؤمن عقلُه، فبقدر ما يعقل يعبد ربَّه، ولقد ندم الفجار يوم القيامة فقالوا: {لَوْ كُنَّا...}؛ الآية».

وروى أنس مرفوعًا: «أنَّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنَّما يرتفع العباد غدًا في الدرجات وينالون الزلفى من ربِّهم على قدر عقولهم».

((وقال)) الله تعالى: {قُلْ} (({هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] )) نفى المساواة بين العلم والجهل، فيقتضي نفي المساواة أيضًا بين العالم والجاهل، وفيه مدح للعلم وذم الجهل.

((وقال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) فيما أخرجه ابن أبي عاصم بهذا اللفظ في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن أبيه مرفوعًا بإسناد حسن، ووصله المؤلف بعد بابين ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) ، وفي رواية: (يفهِّمه) ؛ بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم، فالفقه لغة: الفهم، قال تعالى: {يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 28] ؛ أي: يفهموا، ثم خص به علم الشريعة، والعالم به يسمى فقيهًا، ((«وإنما العلم بالتعَلُّم»)) ؛ بفتح العين وتشديد اللام المضمومة، وفي رواية: (بالتعلِيم) بكسر اللام وبالمثناة التحتية.

وليس هذا من كلام المؤلف، كما قاله الكرماني؛ بل هو حديث أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية، ولفظه: «يا أيها الناس؛ تعلموا العلم، إنَّما العلم بالتعلُّم، والفقه بالتفقه، ومَنْ يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين» إسناده حسن، ورواه أبو نعيم من حديث أبي الدرداء، ولفظه: «إنَّما العلم بالتعلُّم، وإنَّما الحلم بالتحلُّم، ومَن يتحرَّ الخير؛ يعطَه»؛ فافهم.

((وقال أبو ذر)) جندب بن جنادة الغفاري فيما وصله الدارمي في «مسنده» وغيره من حديث أبي مرثد، كما بسطه في «عمدة القاري»، وذلك لما قال له رجل والناس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تُنهَ عن الفُتيا؟ وكان الذي منعه عثمان؛ لاختلافٍ حصل بينه وبين معاوية بالشام في تأويل: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] ، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصَّةً، وقال أبو ذرٍّ: نزلت فينا وفيهم، فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذرٍّ، وحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذرٍّ عن المدينة إلى الرَّبَذَة؛ بفتح الراء المهملة، والباء الموحدة، والذال المعجمة، إلى أن مات: (أرقيبٌ أنت عليَّ؟) ((لو وضعتم الصمصامة)) ؛ بالمهملتين، الأولى مفتوحة؛ أي: السيف الصارم الذي لا ينثني، أو الذي له حدٌّ واحد، ((على هذه، وأشار)) بقوله: (هذه) ((إلى قفاه)) ، وفي رواية: (إلى القفا) وهو مقصور: مؤخَّرُ العنق، يُذَكَّر ويؤنَّث، ((ثم ظننت أنَّي أُنْفِذ)) ؛ بضم الهمزة، وكسر الفاء، آخره معجمة؛ أي: أقدر على إنفاذ، ((كلمة)) ؛ أي: تبليغها، ((سمعتها من النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم قبل أن تُجِيزوا)) ؛ بضم المثناة فوق، وكسر الجيم، وبعد التحتية زاي معجمة، الصمصامة ((عليَّ)) ؛ أي: على قفاي؛ أي: قبل أن تقطعوا رأسي، ((لأنفذتها)) ؛ بفتح الهمزة والفاء وإسكان الذال المعجمة، وإنَّما فعل أبو ذرٍّ هذا؛ حرصًا على تعليم العلم لطلب الثواب، ولأمر النبي عليه السلام بالتبليغ عنه، وللوعيد في حقِّ الكتمان.

وزاد في رواية: (وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليبلغ الشاهد الغائب») وتقدم قريبًا، وفيه دليل على أنَّ أبا ذرٍّ كان لا يرى بطاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا، و (لو) هنا لمجرَّد الشرط كـ (إن) من غير ملاحظة الامتناع، أو المراد: أنَّ الإنفاذ حاصل على تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصولُه أولى، كقوله: نِعْمَ العبد صهيب لو لم يخفِ الله؛ لم يعصه.

وفيه جواز الشِّدَّة وتحمُّل الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويباح له أن يسكت إذا خاف الأذى، كما قال أبو هريرة: (لو حدثتكم بكل ما في جوفي؛ لرميتموني بالبعر) ، قال الحسن: صدق، وأراد بذلك ما يتعلَّق بالفتن ممَّا لا يتعلَّق بذكره مصلحةٌ شرعية، وإلَّا لما كتمه، وسيأتي في محلِّه، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.

((وقال ابن عباس)) رضي الله عنهمافيما وصله ابن أبي عاصم والخطيب بإسناد حسن، (({كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 89] )) ؛ أي ((حلماء)) جمع حليم؛ باللام وضم الحاء المهملة؛ وهو الطمأنينة عند الغضب، (فقهاء) جمع فقيه؛ وهو العالم بالأحكام الشرعيَّة العلميَّة من أدلتها التفصيليَّة، وفي رواية: (حكماء) جمع حكيم، وهي الفقه في الدين، وقيل: صحة القول، والعقد، والفعل، (علماء) جمع عالم، وهذا تفسيره.

وقال في «عمدة القاري»: (الرباني[/ص46/] منسوب إلى الرب، وأصله: «ربي»، فزيدت فيه الألف والنون؛ للتأكيد والمبالغة في النسبة، العالي الدرجة في العلم بأن يكون عالمًا ومعلمًا، وإنَّما سمِّي العلماء ربانيين؛ لأنَّهم يربون العلم؛ أي: يقومون به) ، وتمامه فيه.

وقال المؤلف حكاية عن بعضهم: ((ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره)) ؛ أي: بجزئيات العلم قبل كلياته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بمقدماته قبل مقاصده، وإنَّما لم يذكرِ المؤلف حديثًا موصولًا في هذا الباب؛ إمَّا أنه لم يثبت عنده بشرطه أو اكتفى بما ذكره تعليقًا؛ لأنَّ المقصود من الباب بيان فضيلة العلم، ويُعلم ذلك من المذكور آية، وحديثًا، وإجماعًا سكوتيًا من الصحابةرضي الله عنه، وتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (اصطفيانهم) .
[2] في الأصل: ( يخافوه).