المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

8-. حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ مُوسَىَ قالَ: أخبَرَنا [1] حَنْظَلَةُ بنُ أَبِي سُفْيانَ، عن عِكْرِمَةَ بنِ خالِدٍ: عن ابْنِ عُمَرَ [2] قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَىَ خَمْسٍ: شَهادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإِقامِ الصَّلاةِ، وإِيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضانَ».

[1] في رواية أبي ذر: «حدَّثنا».
[2] في رواية أبي ذر زيادة: «رضي الله عنهما» (و)، وهو المثبت في متن (ب، ص) دون ذكر اختلاف.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

8- ( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ ) بالجر على البدل مما قبله، ويجوز الرفع، أي: أحدها شهادة.


8# (عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ) قال الزركشي: بالجرِّ على البدل مما قبله، ويجوز الرفع؛ أي: أحدُها شهادةُ.

قلتُ: أما وجهُ الرفع، فواضحٌ [1] ، وأما وجهُ الجر، فقد يقال فيه: إن البدل من خمس هو مجموع المجرورات المتعاطفة، لا كل واحد منها.

فإن قلتَ: يكون كل منها بدلَ بعض؟

قلتُ: يحتاج حينئذٍ إلى تقدير رابط.

[1] في (د): ((فظاهر)).





لا تتوفر معاينة

8- (خَمْسٍ) [1] أي: دعائم أو قواعد، ويَحتملُ أنَّ المرادَ: خمسة أشياءَ، وإنَّما حُذفتِ الهاءُ؛ لكون الأشياءِ لم تُذكَر؛ كقولِه تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] ، والمعنى: عشرة أشياء، وكقولِه عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ...»، واللُّغةُ الفُصحى إذا حُذِفَ المعدودُ تُحْذَفُ الهاءُ، وقد اختُلفَ في حذفِها من الآيةِ على أوجهٍ، فانظر ذلك من المطوَّلات.

(شَهَادَة وَإِقَام وَإِيتَاء وَالْحَجّ وَصَوْم رَمَضَانَ): (شَهَادَةِ): مجرورٌ وما عُطِفَ عليه، مجرورٌ بأنَّه بدلٌ من (خمسٍ) بدلَ الكلِّ مِنَ الكلِّ، ومرفوعٌ بأنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ وهو: (هي).

(وَإِقَام): أصلُه: (إقامة) بالتَّاء حذفتْ.

وقال البِرْماويُّ: (أصلُه: «إقوام»، فنُقِلت فتحةُ الواو إلى السَّاكن قبلها، فحُذِفتِ الواو، ويجبُ حينئذٍ أن يعوَّض عنها، فيقال: إقامة، أو ذِكْرُ المضاف إليه؛ كما في قوله تعالى: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} [النور: 37] ).

وقال ابن عَقيلٍ: (إقامة واستقامة، وأصله: إقوامٌ واسْتِقْوامٌ، فنُقِلتْ حركةُ العين إلى الفاء، وقُلبتِ الواوُ ألفًا؛ لمجانسةِ الفتحةِ قبلَها، فالتقى ألفانِ، فحُذفتِ الثانيةُ منهما، ثمَّ عُوِّضَ منها تاءُ التأنيثِ، فصارَ «إقامة» و«استقامة»، وقد تُحذف هذه التاءُ؛ كقولهم: أجابَ إجابًا، ومنه قوله تعالى: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} [النور: 37] ) [2] .

و (إِيتَاءِ): يتعدَّى إلى مفعولين، الثاني محذوفٌ؛ أي: مُستَحِقِّها. [/ص13/]

[[الهوامش:]]/
[1] في (ب): (على خمسٍ).
[2] «شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (2/574)، وقول ابن عقيل سقط من (ب).





8- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ)؛ بالتَّصغير، وفي «الفرع» خلافًا لـ: «أصله»: ((وحدَّثنا محمَّد بن إسماعيل _يعني: البخاريَّ_ حدَّثنا عبيد الله)) (ابْنُ مُوسَى) بن باذام؛ بالمُوحَّدة والذَّال المُعجمَة، آخره ميمٌ، العَبْسيُّ؛ بفتح المُهمَلة، وتسكين المُوحَّدة، الشِّيعيُّ الغير داعيةٍ، المُتوفَّى بالإسكندريَّة سنة ثلاثَ عشْرةَ أو أربعَ عشْرَة أو خَمْسَ عَشْرةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وفي رواية الهرويِّ: ((حدَّثنا)) (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) ابن عبد الرَّحمن الجمحيُّ المكيُّ القرشيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ، (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ)؛ يعني: ابن العاصي المخزوميِّ القرشيِّ، المُتوفَّى بمكَّة بعد عطاءٍ، وهو تُوفِّي سنة [/ج1ص89/]

أربع عشرة أو خمس عشرة ومئة، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله (رضي الله عنهما) هاجر به أبوه، واستُصغِر يومَ أحدٍ، وشهد الخندق وبيعة الرِّضوان والمشاهد، وكان واسعَ العلم، متينَ الدِّين، وافرَ الصَّلاح، وتُوفِّي سنة ثلاثٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» مئتان وسبعون حديثًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: بُنِيَ الإِسْلَامُ) الذي هو الانقياد (عَلَى خَمْسٍ)؛ أي: خمسِ دعائمَ، وقال بعضهم: «على» بمعنى: «مِن»؛ أي: بني الإسلام من خمسٍ، وبهذا يحصل الجواب عمَّا يُقَال: إنَّ هذه الخمس هي الإسلام، فكيف يكون الإسلام مبنيًّا عليها؟! والمبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، ولا حاجة إلى جواب الكرمانيِّ: بأنَّ الإسلام عبارةٌ عن المجموع، والمجموع غير كلِّ واحدٍ من أركانه: (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَ) شهادةِ (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ)؛ أي: المُداوَمة عليها، والمُرَاد: الإتيان بها بشروطها وأركانها، (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ)؛ أي: إعطائها مستحقِّيها بإخراج جزءٍ من المال على وجهٍ مخصوصٍ، كما سيأتي البحث فيه _إن شاء الله تعالى_ في محلِّه بعون الله تعالى، (وَالْحَجِّ) إلى بيت الله الحرام، (وَصَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ)؛ بخفض «شهادة» على البدل من «خمسٍ»، وكذا ما بعدها، ويجوز الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وهي، والنَّصب بتقدير: أعني، قال البدر الدَّمامينيُّ: أمَّا وجه الرَّفع؛ فواضحٌ، وأمَّا وجه الجرِّ؛ فقد يُقال فيه: إنَّ البدل من «خمسٍ» هو مجموع [1] المجرورات المتعاطفة، لا كلُّ واحدٍ منها، فإن قلت: يكون كلٌّ منها بدلَ بعضٍ؛ قلت: حينئذٍ: يحتاج إلى تقدير رابطٍ ا ه، و«لا» في قوله: «لا إله إلَّا الله» هي النَّافية للجنس، و«إله» اسمها مُركَّبٌ معها تركيبَ مَزْجٍ كأحدَ عَشَرَ، وفَتْحَتُه فتحةُ بناءٍ، وعند الزَّجَّاج: فتحةُ إعرابٍ؛ لأنَّه عنده منصوبٌ بها لفظًا، وخبرُها محذوفٌ اتِّفاقًا، تقديره: موجودٌ، و«إلَّا» حرف استثناءٍ، و«الاسم الكريم» مرفوعٌ على البدليَّة من الضَّمير المستتر في الخبر، وقِيل: مرفوعٌ على الخبريَّة لقوله: «لا»، وعليه جماعةٌ، وفي هذه المسألة مباحثُ ضربتُ عليها [2] بعد أن أَثْبَتُّها خوفَ الإطالة، ثمَّ إنَّ مثل هذا التَّركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصِّفة على الموصوف، لا العكس، فإنَّ «إلهَ» في معنى الوصف، فإن قلت: لِمَ قُدِّمَ النَّفيُ على الإثبات؟ فقِيلَ: لا إله إلَّا الله، ولم يُقَلْ: الله لا إله [3] إلَّا هو؛ بتقديم الإثبات على النَّفي؟ أُجِيب: بأنَّه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إلهٌ غير الله؛ فقد فرَّغ قلبه ممَّا سوى الله تعالى بلسانه؛ ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيءٍ سوى الله تعالى، فيكون نفي الشَّريك عن الله تعالى بالجوارح الظَّاهرة والباطنة، ووجه الحصر في الخمسة: أنَّ العبادة؛ إمَّا قوليَّةٌ أو غيرها، الأولى: الشَّهادتان، والثَّانية: إمَّا تَرْكيَّةٌ أو فعليَّةٌ؛ الأولى: الصَّوم، والثَّانية: إمَّا بدنيَّةٌ أو ماليَّةٌ؛ الأولى: الصَّلاة، والثَّانية: الزَّكاة، أو مُركَّبةٌ منهما؛ وهي الحجُّ، وقد وقع ذكره مقدَّمًا على الصَّوم، وعليه بنى المصنِّف ترتيب [4] جامعه هذا، لكن عند مسلمٍ من رواية سعد [5] بن عبيدة عن ابن عمر تأخير الصَّوم عن الحجِّ، فقال رجلٌ _وهو يزيد بن بشرٍ السَّكسكيُّ_: والحجُّ وصوم رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحجُّ»، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن يكون حنظلة رواه هنا بالمعنى؛ لكونه لم يسمع رد ابن عمر على يزيد، أو سمعه ونسيه. نعم؛ رواه ابن عمر في «مسلم» من أربع طرقٍ، تارةً بالتَّقديم، وتارةً بالتَّأخير، فإن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وأسقط الجهاد؟ أُجِيب: بأنَّ الجهاد فرضُ كفايةٍ، ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال، وإنَّما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ لأنَّ المُرَادُ بالشَّهادة تصديقُ الرَّسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكِرَ من المعتقدات [6] .

وفي قوله: «بُنِيَ... إلى آخره» استعارةٌ؛ بأن يقدِّر الاستعارة في «بُنِيَ»، والقرينة في «الإسلام»؛ شبَّه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء الخباء على هذه الأعمدة الخمسة، ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنيَّةً بأن تكون الاستعارة [7] في الإسلام، والقرينةُ «بُنِيَ» على التَّخييل؛ بأن شبَّه الإسلام بالبيت، ثمَّ خُيِّل كأنَّه بيتٌ على المُبالغَة، ثمَّ أطلق الإسلام على ذلك المُخيَّل، ثمَّ خُيِّل له ما يلازم الخباء المُشبَّه به من البناء، ثمَّ أثبت له ما هو لازمُ البيتِ من البناء على الاستعارة التَّخييليَّة، ثمَّ نسبه إليه؛ ليكون قرينةً مانعةً من إرادة الحقيقة، [/ج1ص90/]

ويجوز أن تكون استعارةٌ بالكناية؛ لأنَّه شبَّه الإسلام بمبنىً له دعائمُ، فَذَكَرَ المُشبَّه، وطوى ذِكْرَ المُشبَّه به، وذكر ما هو من خواصِّ المشبَّه به، وهو البناء، ويُسمَّى هذا استعارةً ترشيحيَّةً، ويجوز أن تكون استعارةٌ تمثيليَّةٌ؛ فإنَّه مثَّل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباءٍ أُقِيمَ على خمسة أعمدةٍ، وقطبُها التي تدور عليه هو شهادة أنْ لا إله إلَّا لله، وبقيَّةُ شعب الإيمان كالأوتاد للخباء [8] ، وقال في «الفتح»: فإن قلت: الأربعة المذكورة بعد الشَّهادة مبنيَّةٌ على الشَّهادة؛ إذ لا يصحُّ شيءٌ منها إلَّا بعد وجودها، فكيف يُضمُّ مبنيٌّ إلى مبنيٍّ عليه في مسمًّى واحدٍ؟ أُجِيب: بجواز ابتناء أمرٍ على أمرٍ، يُبتَنى على الأمرين أمرٌ آخرُ، فإن قلت: المبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، فالجواب: أنَّ المجموع غيرٌ من حيث الانفراد، عينٌ من حيث الجمع، ومثاله: البيت من الشَّعر، يُجعل على خمسة أعمدةٍ، أحدها أوسطُ، والبقيَّة أركانٌ، فما دام الأوسط قائمًا؛ فمُسمَّى البيت موجودٌ، ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط؛ سقط مُسمَّى البيت، فالبيت بالنَّظر إلى مجموعه شيءٌ واحدٌ، وبالنَّظر إلى أفراده أشياءُ، وأيضًا: فبالنَّظر إلى أسِّه وأركانه: الأسُّ أصلٌ، والأركان تَبَعٌ وتكملةٌ له، والله سبحانه الموفِّق.

ومن لطائف إسناد هذا الحديث: جمعه للتَّحديث والإخبار والعنعنة، وكلُّ رجاله مَكِّيُّون إلَّا عبيد الله، فإنَّه كوفيٌّ، وهو من الرُّباعيَّات، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦4514] ، ومسلمٌ في «الإيمان» خماسيَّ الإسناد ا ه.

[1] في (م): «جميع».
[2] في (م): «أضربت عنها».
[3] في (ص): «واحد».
[4] في (ص): «تركيب».
[5] في (ص): «سعيد»، وهو تحريفٌ.
[6] في (ب) و(س): «الاعتقادات».
[7] قوله: «ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنيَّةً بأن تكون الاستعارة»، سقط من (ص) و(م).
[8] قوله: «وفي قوله: «بُنِيَ... إلى آخره» استعارةٌ؛... وبقيَّةُ شعب الإيمان كالأوتاد للخباء»، ليس في (م).





8- ( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ ) أي: دعائم، كما صرَّح به عبد الرَّزاق في روايته.

( شَهَادَةِ ) بالجرِّ على البدل، والرَّفع أي: أحدها أو منها شهادة.

( وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ) أي: المداومة عليها.

( وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) أخرجه مسلم من طريق حنظلة هذه بتأخير الحجِّ عن الصَّوم، وأخرجه من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر كذلك، قال: «فقال رجل: والحجُّ وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحجُّ، هكذا سمعت من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم». [/ج1ص155/]

قال ابن حجر: ففي هذا إشعار بأنَّ رواية حنظلة التي في البخاريِّ مرويَّة بالمعنى، إمَّا لأنَّه لم يسمع ردَّ ابن عمر على الرَّجل لتعدُّد المجلس، أو حضر ذلك ثمَّ نسيه.

قال: جوَّز بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الوجهين ونسي أحدهما عند ردِّه على الرَّجل، قال: وهو بعيد، فإنَّ تطرُّق النِّسيان إلى الرَّاوي عن الصَّحابيِّ أولى من تطرُّقه إلى الصَّحابيِّ، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة تقديم الصَّوم على الحجِّ، وذلك دالٌّ على أنَّه روي بالمعنى، ويؤيِّده ما وقع عند البخاريِّ في التَّفسير بتقديم الصِّيام على الزَّكاة، [خ:4514] أفيُقال: إنَّ الصَّحابيَّ سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد. انتهى. [/ج1ص156/]


لا تتوفر معاينة

8- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ [1]))

الشرح:

اعلم أنَّ البخاريَّ رحمه الله ورضي عنه كان - مع ما تقدم وصفه به من الجلالة والديانة [2]، والإتقان، والحفظ، والعناية، وغيرها - متمسكًا أحسن تمسك [3] بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف

#%ص87%

الأمة رضي الله عنهم، معتنيًا بالتنقيب عن ظواهر الكتاب والسنة وبواطنهما، متأدبًا [4]بها، ومن دلائل ذلك ترتيبه كتابه على هذا الترتيب الذي لم يُسْبَقْ إليه، فبدأ بعد مقدمة الكتاب في بيان ابتداء الوحي بذكر كتاب الإيمان، ثم كتاب الصلاة بمقدماته التي هي كتاب الطهارة من الوضوء والغسل والتيمم وأحكام الحيض، ثم بكتاب الزكاة وما يتعلق بها، ثم بكتاب الحج ومتعلقاته، ثم كتاب الصوم.

وقصد رحمه الله تعالى ورضي عنه الاعتناء بالترتيب الذي رتبه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا الحديث الذي هو من أعظم قواعد الدين، كما ستراه في شرحه [5] إن شاء الله تعالى.

وقد وقع في روايات في الصحيح تقديم الحج على الصوم، وفي روايات تقديم الصوم، فقدم البخاري رحمه الله تعالى رواية [6] تقديم الحج، وسلك في كتابه أيضًا رحمه الله مسلكًا آخر حسنًا، وهو أنه يبتدئ كل كتاب من كتبه بذكر [7] (بسم الله الرحمن الرحيم) عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ [8]بِالِحَمْدُ للهِ فَهُو أَجْذَمٌ)). وفي رواية: ((بِبِسْمِ [9] اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيْمِ)). [10] وفي رواية: [11] ((بِذْكِرِ اللهِ)). وقد سبق بيانه في شرح حديث [12] قصة هرقل، وهذا وإن كان يغني عنه البسملة في أول الكتاب فهو احتياط، وزيادة اعتناء ومحافظة على التمسك بالسنة.

فصل: اعلم أنَّ كتابَ الإيمانِ هو أهمُّ الكتب بلا شك، والاعتناء [13] بتحقيقه أهم من غيره، وقد جمع البخاري رحمه الله تعالى فيه [14] هنا [15] جملة صالحة، وهي مع ذلك مشتملة على ما تركه من أحاديث كتاب الإيمان، كما ستراه إن شاء الله تعالى في شرحه، ونحن نرى تأخير كل قاعدة إلى الباب اللائق بها [16] من تراجم البخاري، لكن نقدم ما تدعو الحاجة إلى تأصيله وتمهيده ليتقرر [17] الأصول، ثم نحيل عليها ما احتجنا فيه إلى حوالة، ونقدم على ذلك بيان الأسماء واللغات المذكورة في الباب مختصرًا على عادتنا، وبالله التوفيق.

فصل: في بيان الرواة:

أما

#%ص88%

(ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه) فهو أبو عبد الرحمن عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ الخطاب، القرشي العدوي المكي، وتقدم تمام نسبه في ترجمة أبيه، أمه وأم أخته حفصة رضيَ الله عنهما زينبُ بنتُ مظعون [18]، أخت عثمان بن مظعون رضي الله عنه.

أسلم ابن عمر رضي الله عنهما بمكة قديمًا مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه، واسْتُصْغِرَ عن أحد، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ألفا [19]حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين، وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهما، روى عنه: أولاده سالم وعبد الله وحمزة وبلال، وخلائق لا يحصون من كبار التابعين.

ومناقب ابن عمر رضي الله عنهما أكثر من أن تحصر، بل قلَّ نظيره في المتابعة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في كل شيء، وإعراضه عن الدنيا ومقاصدها والتطلع إلى رياسة أو غيرها [20]، وأدَلُّ دليل على عظم [21]مرتبته شهادة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم له بقوله في الحديث الصحيح: (( إنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ )). ثم عاش بعد هذا زيادة [22]على ستين سنة يترقى في الخيرات.

روينا عن الزهري قال: لا يُعْدَل برأي ابن عمر؛ فإنه أقام بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ستين سنة، فلم يَخْفَ عنه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه [23]رضي الله عنهم، توفي ابن عمر رضي الله عنهما بمكة سنة ثلاث وسبعين، بعد قتل ابن الزبير رضيَ اللهُ عنهما بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر, وهو ابن أربع وثمانين سنة.

قال يحيى بنُ بُكَيْرٍ: توفي ابن عمر رضيَ اللهُ عنهما بمكة بعد الحج، ودُفِنَ بالْمُحَصَّبِ، وبعض الناس يقول: بِفَخٍّ، قلت: فَخٌّ - بفتح الفاء وتشديد الخاء المعجمة - موضع بقرب مكة، فاحفظه، فإنه مما يُغْلَطُ فيه، والله أعلم.

فصل: قد قدمنا أن ابن عمر رضيَ اللهُ عنهما أحد [24]الستة الذين هم أكثر الصحابة

#%ص89%

رواية، وأنه أحد العبادلة [25]رضيَ اللهُ عنهم.

فصل: مذهبُ البخاريِّ رحمه الله تعالى أنَّ أصحَّ الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر رضيَ اللهُ عنهم، ويُسَمَّى هذا الإسناد مشبك الذهب [26].

قال الإمام أبو منصور عبد القاهر التميمي: فعلى هذا أصحها الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضيَ اللهُ عنهم.

قال غيره: فعلى هذا أصحها أحمدُ بنُ حنبل [27] عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضيَ اللهُ عنهم، وفي أصل هذه المسألة خلاف [28] مذكور في علوم الحديث [29] وبالله التوفيق.

فصل: وأما الراوي عن ابن عمر رضي الله عنهما فهو (عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ) بنِ العاص [30] بنِ هشامِ بنِ الْمُغَيرة بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ بنِ مَخْزُوم، القرشي المخزومي المكي، الثقة الجليل.

روى عنه جماعة [31] من التابعين منهم: عمرو بن دينار، وقتادة، توفي بعد عطاء، وتوفي عطاء سنة أربع عشرة - أو خمس [32] عشرة - ومائة.

وأما الراوي عن عكرمة فهو (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بنِ عبد الرحمنِ بنِ صفوانَ بنِ أميةَ، القرشي الْجُمَحِي [33] المكي، سمع جماعات من كبار [34] التابعين منهم: طاوسٌ، وعطاءُ بنُ أبي رباح، ومجاهدٌ، وسالمٌ، والقاسمُ بنُ محمد، ونافع، وغيرهم، روى عنه الأعلام منهم: الثوريُّ، ووكيعٌ، وابنُ المباركِ، وابنُ وهب، والوليدُ بنُ مسلمٍ، وأبو عاصم، وآخرون.

قال وكيع: هو ثقة ثقة، [35] وقال ابن معين: هو ثقة حجة، توفي سنة إحدى وخمسين ومائة.

وأما الراوي عن حنظلة فهو السيد الجليل أبو محمد (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن باذام [36]- بالموحدة والذال [37] المعجمة - العَبْسي [38] - بالموحدة - مولاهم، الكوفي.

سمع جماعة من التابعين منهم: هشامُ بنُ عروةَ، وإسماعيلُ بنُ أبي خالد، والأعمش، وسمع جماعات من الأئمة والأعلام: كالثوري، والأوزاعي، وابن جريج، وشعبة، وإسرائيل، وخلائق.

روى عنه خلائق من الأئمة منهم: أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ، وأبو بكر [39] بن أبي شيبة، والذُّهْليُّ، والبخاري، وآخرون، وكان [40] عالمًا بالقرآن رأسًا [41]فيه.

قال أحمدُ بنُ عُبَيْدِ [42] الله العِجْلِيُّ: ما رأيت

#%ص90%

عبيد الله رافعًا رأسه، وما رُئي ضاحكًا قط.

توفي بالإسكندرية سنة ثلاث عشرة ومائتين، في ذي القعدة، وقيل: سنة أربع عشرة.

فصل: [43]هذا الإسناد كله مكيون إلا عبيد الله، وهذا من الطُّرف، وبالله التوفيق.

فصل: في مختصر ألفاظ الباب.

وقع هنا: (بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ). وفي روايتين في «صحيح مسلم»: ((عَلَى خَمْسَةٍ)) وكلاهما صحيح، فخمسة معناه خمسة أشياء، أو خمسة أركان، أو خمسة أصول، و(خَمْسٌ): يحتمل وجهين، أحدهما: خمسُ دعائمَ أو قواعدَ، والثاني: أن يكون [44]خمسة [45]أشياء، وإنما حذف الهاء لكون الأشياء لم تُذْكَر، كقول الله سبحانه وتعالى: { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } [البقرة: 234] والمعنى: عشرة أيام، وكقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا [46] )). ونظائره، والله أعلم.

وقوله [47]: (كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ) هو السيد الجليل أبو فَرْوةَ، عديُّ بنُ عدي بن عَريرة [48] - بفتح العين - ابن زرارة بن الأرقم [49] بن عمرو [50] بن وهب، الكندي الجزري التابعي.

روى عن أبيه وعمه العُرْسِ بنِ عَميرةَ، وهما صحابيان رضي الله عنهما.

روى عنه جماعات من التابعين وغيرهم، فمن التابعين: أيوب، وأبو الزبير، والحكم.

قال البخاري: عدي بن عدي سيد أهل الجزيرة.

وقال مَسْلَمَةُ بنُ عبدِ الملك: في كِنْدَةَ ثلاثةٌ إن الله عز وجل لَيُنزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: رجاءُ بنُ حَيْوةَ، وعُبادةُ بن نُسيّ، وعَدِيُّ بنُ عَدِي.

وقال أحمد بن حنبل: عدي بن عدي لا يُسْأل عن مثله.

قال [51]ابن أبي حاتم: كان عدي عاملُ عمرَ بن عبد العزيز على الموصل.

وقال محمد بن سعد: كان عدي ناسكًا، فقيهًا، وولي الجزيرة وأرمينية وأذربيجان لسليمان بن عبد الملك.

توفي سنة عشرين ومائة رضي الله عنه.

قوله: (فَإِنْ [52]أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ) أي: أوضحها إيضاحًا يفهمه كلُّ أحد، فإن قيل: كيف أخر بيانها؟ فجوابه أنه لم يعلم أنهم يجهلون مقاصدها، ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم، ونبههم على المقصود، وعرفهم أقسام الإيمان، وأنه سيذكرها إذا تفرغ لها، فقد كان مشغولًا بأهم من ذلك، والله أعلم.

قوله: (اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً) معناه: نتذاكرُ الخيرَ

#%ص91%

وأحكام الآخرة وأمور الدين [53]، فإن ذلك إيمان.

قوله: (حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ) [54] -بتخفيف الكاف- وهو ما يقع في القلب ولا ينشرح له صدره، وخاف الإثم فيه، يقال فيه: حاك يحيك، وحَكَّ يَحِكّ, وأحاك يُحيك.

قوله: (وَقَالَ [55] مُجَاهِدٌ: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا) أي [56]: هذا [57] الذي [58] تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة - من زيادة الإيمان ونقصه - هو شرع الأنبياء قبل نبينا صلَّى الله عليه وعليهم وسلم كما هو شرع نبينا صلَّى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى قال: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى }.

قوله: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما:{ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا }: سَبِيلًا وَسُنَّةً.{ دُعَاؤُكُمْ }: إيمانكم).

يعني أن ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما فسر قوله تعالى [59]: { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } بسبيل وسنة، وفسر قوله تعالى [60]: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ } قال: المراد بالدعاء الإيمان، فمعنى دعاؤكم إيمانكم.

قال ابن بطال: معنى قول ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما: لولا دعاؤكم الذي هو زيادة في إيمانكم [61]، وهذا الذي قاله حسن [62].

واعلم أنَّه يقع في كثير من نسخ البخاري هنا باب دعاؤكم إيمانكم.. إلى آخر الحديث الذي بعده، وهذا غلط فاحش، وإنما صوابه ما ذكرناه أولًا، ولا يصح إدخال باب هنا لوجوه منها أنه ليس له تعلق بما نحن فيه. ومنها أنه ترجم أولًا لقول [63] النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: (بُنِيَ الإِسْلَامُ [64]) ولم يذكره قبل هذا، إنما ذكره بعده.

ومنها أنه ذكر الحديث بعده، وليس هو مطابقًا للترجمة، والله أعلم.

فصل: وأما مقصود الباب فهو بيان أن [65] الإيمان هل يزيد وينقص أم لا؟ وهل يطلق على الأعمال كالصلاة والصيام والذكر وغيرها أم لا؟

واعلم أنَّ مذهب السلف والمحدثين [66] وجماعات من المتكلمين أن الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص. ومعنى هذا أنه يطلق على التصديق بالقلب، ويطلق على النطق باللسان، وعلى الأعمال بالجوارح كالصلاة وغيرها، ويزيد [67] بزيادة هذه وينقص بنقصها، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصه، وقالوا: متى

#%ص92%

قبل الزيادة والنقص كان شكًا وكفرًا.

قال [68] المحققون من المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته ونقصانها، وهي الأعمال، وفي هذا جمع بين ظواهر النصوص الواردة بالزيادة مع أقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون، وهذا الذي قاله هؤلاء - وإن كان ظاهرًا حسنًا - فالأظهر المختار خلافه وهو أن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر وتظاهر الأدلة وانشراح الصدر واستنارة القلب، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبه [69] ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال.

وأما غيرهم من المؤلفة وما [70] قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، [71]مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك [72]عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا ذكر البخاري - كما سيأتي - في بابه: عن [73]ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كلهم [74] يخاف النفاق على نفسه، ما منهم [75]أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل، ويدل له ظواهر نصوص الكتاب والسنة، فمن الكتاب الآيات التي ذكرهن البخاري وغيرهن [76]، ومن السنة أحاديث كثيرة في الصحيح، كحديث: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيْرَةٍ مِنْ إِيْمَانٍ، وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ، وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ). وفي الصحيح أحاديث كثيرة سننبه عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى، فهذا الذي اخترناه هو [77] الصحيح الموافق لظواهر [78] النصوص القطعية، ولما قاله سلف الأمة، ولما يقضي به الحس [79]، وبالله التوفيق.

وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر [80]، قال الله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } [البقرة: 143] أجمعوا [81] أن المراد صلاتكم، ومثله الآيات التي ذكرها البخاري في الباب،

#%ص93%

وأما الأحاديث فخارجة عن الإحصاء [82], وستمر [83]بها في مواضعها، وهذا المعنى أراد البخاري [84] في صحيحه بالأبواب [85] الآتية بعد هذا، كقوله: باب: أمور الإيمان، باب: الصلاة من الإيمان, باب: الزكاة من الإيمان، باب: الجهاد من الإيمان، وسائر أبوابه.

وأراد الرد على المرجئة في قولهم الفاسد إن الإيمان قول بلا عمل، وبَيَّن [86] غلطهم وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.

قال الإمام أبو الحسن بن بطال: مذهب جميع أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والمعنى الذي يستحق به العبد [87] المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة [88]: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح؛ وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل بلا اعتقاد، أو اعتقد وعمل وجحد بلسانه، لا يكون مؤمنًا، فكذا إذا أقر واعتقد، ولم يعمل الفرائض [89]، لا يسمى مؤمنًا [90]بالإطلاق لقول الله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } [الأنفال: 2 - 4] فأخبر سبحانه وتعالى أن المؤمن لا يكون إلا مَنْ هذه صِفَتُه، ولهذا قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ [91] )). فالحاصل أن الذي عليه أهل السنة أو جمهورهم أنَّ من صدق بقلبه ونطق بلسانه بالتوحيد، ولكنه قصر في الأعمال الواجبة - كترك الصلاة, وشرب الخمر - [92]لا يكون كافرًا خارجًا من ملة الإسلام، بل هو عاصٍ فاسقٌ يستحقُ العذابَ، وقد يُعْفَى عنه وقد يُعَذب، فإنْ عُذِّبَ خُتِمَ له بالجنة، وسيأتي بيان هذا في بابه إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

فصل: اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا [93] يخلد في النار لا [94]يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق مع ذلك بالشهادتين، فإن اقتصر

#%ص94%

على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا، بل يخلد في النار، إلا أن يعجز عن النطق لِخَلَلٍ في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعالجة [95]المنية، أو لغير ذلك، فإنه حينئذ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ.

وإذا نطق بالشهادتين لم يشترط معهما [96] أن يقول: وأنا بريءٌ منْ كلِّ دين خالف [97]الإسلام، إلا إذا كان من كفارٍ يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب، فلا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ.

ومن أصحابنا من شرط التبرؤ [98] مطلقًا، وليس بشيء، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)). أما إذا اقتصر الكافر على قول [99] لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور من مذهبنا ومذهب جماهير العلماء أنه لا يكون مسلمًا، ومن أصحابنا من قال: يصير [100] مسلمًا، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإنْ أَبَى جُعِلَ مرتدًا، واحتج له [101] بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في روايات: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُوْلُوا لَا إِلَه إِلَّا اللهُ)). وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: ((حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)). وأما الرواية المقتصرة على: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) فالجواب عنها من وجهين، أحدهما: أنها مختصرة، والزيادة من الثقة مقبولة، ثم ليس فيها نفي اشتراط الشهادة الثانية، ورواية الجمهور مُصَرِّحَةٌ باشتراطها، والثاني: أن الاقتصار على إحدى الشهادتين تنبيه [102] على الأخرى، واقتصار من القرينين [103] المتلازمين [104] على أحدهما؛ ولأنَّ غالب المقائلين [105] في ذلك العصر لم يكونوا يفرقون بين الشهادتين، بل من أقر منهم بأحدهما [106] أقر بالأخرى، والله أعلم.

قال [107] القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري من أئمة أصحابنا: يُشْتَرط في صحة الإسلام بالشهادتين أن يقدم قول [108] لا إله إلا الله، وقد ذكرت ذلك في باب صفة الوضوء من «شرح المهذب» في فصل ترتيب الوضوء، والله أعلم.

أما إذا أقرَّ بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام، وهو

#%ص95%

على خلاف ملته [109] التي كان عليها, فهل يُجْعَلُ بذلك مسلمًا؟ فيه وجهان لأصحابنا, الصحيح أنه لا يكون مسلمًا؛ لظاهر الحديث، ومن جعله مسلمًا قال: كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلمًا.

فصل: إذا أقرَّ بالشهادتين بالعجمية، فإن كان لا يحسن العربية صار مسلمًا بلا خلاف، وإن كان يحسنها فهل يصير مسلمًا؟ فيه وجهان، الصحيح أنه يصير لوجود الإقرار والاعتقاد، وهذا هو الصواب، والوجه الآخر ضعيف جدًا، وقد أوضحت بطلانه بدلائله وما يتعلق به في «شرح المهذب».

فصل: اختلف السلف والخلف في إطلاق الإنسان أنا مؤمن [110]، فقالت طائفة: لا يقول أنا مؤمن، مقتصرًا عليه، بل يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وحُكِي هذا عن أكثر المتكلمين، وذهب آخرون إلى جواز إطلاق أنا مؤمن، وأنه لا يقول إن شاء الله تعالى، وهذا هو المختار، وهو قول أهل التحقيق، وذهب الأوزاعي وغيره إلى جواز الأمرين، والأقوال الثلاثة صحيحة باعتبارات مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال، فإنَّ أحكامَ الإيمانِ جاريةٌ عليه في الحال، ومن قال إن شاء الله، قالوا [111]: هو للتبرك أو لاعتبار العاقبة، ومن قال: بالتخيير نظر إلى مأخذ القولين ورفع الاختلاف، والقول بالتخيير حسن، ولكن [112] المختار الجواز من غير قول إن شاء الله، وبالله التوفيق.

وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم من يقول: هو كافر، ولا يقول إن شاء الله، ومنهم من يقول: هو في التقييد كالمسلم، فيقال على قول [113] التقييد هو كافر إن شاء الله تعالى، نظرًا إلى الخاتمة، فإنها مجهولة، والمختار الإطلاق.

فصل: مذهب أهل الحق أنه لا يُكَفَّرُ أحدٌ من أهل [114] القبلة بذنب، ولا يُكَفَّرُ أهل البدع والأهواء.

واعلم أنَّ من جَحَدَ ما يُعْلَمُ من دين الإسلام ضرورة - كوجوب الصلاة والزكاة والصوم ونحوها - حكم بكفره، إلا أن يكون قريب عهدٍ بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه مما يخفى عليه ذلك، فيعرف ذلك، فإن استمر على جحده حُكِمَ بكفره، وكذا [115] منِ اسْتَحَلَّ الزنا والخمر [116]

#%ص96%

أو القتل ونحوها من المحرمات، التي يعلم تحريمها ضرورة، والله أعلم، ومن يُنَّقِص [117] نبيًا بنقص [118] ما حُكِم بكفره بالإجماع [119].

قال أصحابنا وغيرهم: الكفر ثلاثة أقسام، أحدها: بالاعتقاد، بأن يعتقد شيئًا يكفر، أو ينكر بقلبه شيئًا مما ذكرناه.

والثاني [120]: باللفظ، بأن يتكلم كلام [121] الكفار ولا يقصد معناه، فهذا كفر.

والثالث: بالفعل، بأنْ يَسْجُدَ لصنم [122] أو نحوه، أو يلقي المصحف في القاذورات، أو يُضَمِّخَ الكعبة بالعُذْرَة، والعياذ بالله تعالى، فكل [123] فِعْلٍ من هذه وأشباهها كفر بلا خلاف، وحكم فاعله حكم سائر المرتدين، عافانا الله تعالى وسائر المسلمين [124]، وبالله التوفيق [125].

فصل: قد ذكرت هذه المسائل المتعلقة بالإيمان مختصرة، وقد أوضحتها بأدلتها وأقوال السلف فيها في أول كتاب الإيمان من شرح «صحيح مسلم»، وذكرتها أوضح من ذلك في «شرح المهذب»، مع زيادات وفروع حسنة تتعلق بها لا يُسْتَغْنَى عن معرفتها.

فصل: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث الباب: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ..) إلى آخره.. هو [126] حديث عظيم، من قواعد الإسلام وجوامع الأحكام، وقد أدخلته في كتاب «الأربعين في مباني الإسلام وقواعد الأحكام» وهو حقيق بذلك، وسيأتي بسط شرحه في موضعه اللائق به، وإنما أدخله البخاري في هذا الباب ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى، وسيأتي القول في أن الإسلام والإيمان معناهما واحد، أم بينهما عموم وخصوص، ومذاهب السلف فيهما، حيث ذكره البخاري قريبًا والله أعلم، وله الحمد والمنة، وبه [127] التوفيق والعصمة.

[1] في (ص): ((وصوم رمضان والحج)).
[2]في (ت) و(ك) و(ع): ((في الديانة)).
[3] في (ت): ((تمسكًا)).
[4] في الأصل (ز) و(ت): تحتمل ((مناديًا)).
[5] قوله: ((في شرحه)) ليس في (ص).
[6] في (ك): ((روايات)).
[7] في (ك): ((بذكره فيه))، وفي (ص): (( كل كتاب ببسم الله الرحمن الرحيم )).
[8] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((فيه)).
[9] في (ت): ((بسم)).
[10] قوله: ((عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ بِالِحَمْدُ للهِ فَهُو أَجْذَمٌ)). وفي رواية: ((بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيْمِ)). )) ليس في (ص).
[11] قوله: ((بالحمد لله فهو أجذم، وفي رواية: ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي رواية)) ليس في (ك).
[12] قوله: ((حديث)) ليس في (ك).
[13] في (ك): ((فالاعتناء)).
[14] قوله: ((فيه)) ليس في (ع).
[15] قوله: ((فيه هنا)) ليس في (ك).
[16] قوله: ((بها)) ليس في (ص).
[17] في (ص): ((لتتقرر)).
[18] قوله: ((بنت مظعون)) ليس في (ص).
[19] في (ص): ((ألف)).
[20] في (ت): (( وغيرها)).
[21] في (ك) و(ص): ((عظيم)).
[22] قوله: ((زيادة)) ليس في (ع).
[23] في (ص) و(ع): ((الصحابة)).
[24] في (ص): ((إحدى)).
[25] زاد في (ك): ((الأربعة)).
[26] جاء في حاشية (ك): ((أي ويسمى أيضًا سلسلة الذهب)).
[27] قوله: ((بن حنبل)) ليس في (ص).
[28] زاد في (ك) و(ص) و(ع): ((معروف)).
[29] زاد في (ك): ((والله أعلم)).
[30] في (ص) و(ع): ((العاصي)).
[31] في (ك): ((جماعات)).
[32] في (ع): ((خمسة)).
[33] في (ت): ((اللخمي)).
[34] قوله: ((كبار)) ليس في (ص).
[35] زاد في (ت) و(ك) و(ص) و(ع): ((وقال أحمد: هو ثقة ثقة)) لكن في (ك): ((ثقة)) بدون تكرار.
[36] في (ت): ((بادام))، وجاء في حاشية (ك): ((أي وهو اسم أعجمي)).
[37]في (ت): ((بالدال)).
[38] جاء في حاشية (ك): ((أي وهي قبيلة)).
[39] قوله: ((أبو بكر)) ليس في (ص).
[40] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((كان)).
[41] في (ص): ((راسخًا)).
[42] في (ك): ((عبد)).
[43] زاد في (ك): ((في)).
[44] في (ع): ((تكون)).
[45] في (ص): ((خمس)).
[46] زاد في (ك): ((من شوال))، وجاء في حاشية (ك): ((أي فتقديره ستة أيام)).
[47] في (ت): ((قوله)).
[48] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((عَميرة)).
[49] في (ص): ((نزارة بن الأزلم)).
[50] في (ت) و(ك) و(ص): ((عمر)).
[51]في (ك): ((وقال)).
[52] في (ك): ((وإن)).
[53] في (ص): ((الدنيا)).
[54] كذا في الأصل(ز)، وزاد في النسخ الأربع الأخرى: ((هو)).
[55] في (ع): ((فقال)).
[56] في (ص) و(ع): ((أن)).
[57] قوله: ((هذا)) ليس في (ع).
[58] في (ك): ((معناه أن هذا الدين)).
[59] في (ص) و(ع): ((قول الله تعالى)).
[60] في (ت) و(ص): ((قول الله تعالى)).
[61] جاء في حاشية (ع): ((أي أن يكون مراده بتلك الزيادة الصلاة إذ هي معنى الصلاة في الأصل)).
[62] زاد في (ك): ((والله أعلم)).
[63] في (ص): ((بقول)).
[64] زاد في (ص): ((على خمس)).
[65] قوله: ((أن)) ليس في (ع).
[66] في (ك) و(ص): ((من المحدثين)).
[67] في (ص): ((يزيد)).
[68] في (ك): ((وقال)).
[69] في (ت) و(ع): ((لا يعتريهم التشبه))، وفي (ص): ((لا يعتريهم التشبيه)).
[70] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((ومن)).
[71] زاد في (ك) و(ص) و(ع): ((فهذا)).
[72] في (ك): ((لا يشك))، وفي (ص): ((ولا يشك)).
[73] قوله: ((عن)) ليس في الأصل (ز).
[74] في (ص): ((كل منهم)).
[75] زاد في (ع): ((من)).
[76] في (ع): ((وغيره)).
[77] في (ص): ((فهو)).
[78] في (ك): ((لظاهر)).
[79] في (ص): ((الحسن))، وفي (ع): ((يفضي إليه الحسن)).
[80] في (ت) و(ص) و(ع): ((تذكر)).
[81] زاد في (ك) و(ع): ((على)).
[82] في (ت): ((الإحصار)).
[83] في (ك): ((ستمر)).
[84] زاد في (ت): ((إثباته)).
[85]في (ص): ((فالأبواب)).
[86] في (ك): ((فبين)).
[87] قوله: ((العبد)) ليس في (ص)، وقوله: ((به العبد)) ليس في (ع).
[88] في (ع): ((الثلاث)).
[89] في (ت): ((للفرائض)).
[90] قوله: ((ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمنًا)) ليس في (ع).
[91] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ )).
[92] زاد في (ك): ((لا يسمى مؤمناُ عند الإطلاق ولكنه)).
[93] في (ت) و(ع): ((فلا))، وفي حاشية (ع): ((هو أنه لا يخلد)).
[94] في (ت): ((فلا)).
[95] في (ك) و(ع): ((لمعاجلة)).
[96] في (ع): ((معها)).
[97] في (ص): ((يخالف)).
[98] في (ك) و(ص) و(ع): ((التبري)).
[99] في (ص): ((قوله)).
[100] قوله: ((يصير)) ليس في (ع).
[101] قوله: ((له)) ليس في (ع).
[102] في (ت): ((تنبه)).
[103] في (ك) و(ص): ((القرينتين)).
[104] في (ك) و(ص): ((المتلازمتين))، وفي (ع): ((الملازمين)).
[105] في (ت) و(ك) و(ص): ((القائلين))، وفي (ع): ((المقاتَلين)).
[106] في (ت) و(ع): ((بإحداهما)).
[107] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((الإمام)).
[108] في (ص) و(ع): ((قوله)).
[109] في (ع): ((ملة الإسلام)).
[110] زاد في (ص): ((إن شاء الله)).
[111] قوله: ((قالوا)) ليس في (ص).
[112] في (ك): ((وليكن)).
[113] قوله: ((قول)) ليس في (ك).
[114] قوله: ((أهل)) ليس في (ك).
[115] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((حكم)).
[116] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((أو الخمر)).
[117] في (ت): ((ينتقص))، وفي (ك): ((تَنَقَّصَ)).
[118] في (ك): ((تَنَقُصًا)).
[119] قوله: ((ومن ينقص نبيًا بنقص ما حكم بكفره بالإجماع)) ليس في (ص).
[120] في (ع): ((الثاني)).
[121] في (ص): ((بكلام)).
[122] في (ع): ((للصنم)).
[123] في (ك) و(ع): ((فكل منْ فعل)).
[124] زاد في (ع): ((من ذلك)).
[125] جاء في حاشية الأصل (ز): (( الكفر الأكبر خمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق، فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل عليهم الصلاة والسلام وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيد رسله عليهم الصلاة والسلام وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة، قال تعالى عن قوم فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا }، وقال لرسوله صلى اللهُ عليه وسلم: { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }.
وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس فإنه لم يجحد أمر الله تعالى ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول صلَّى الله عليه وسلم وأنه جاء بالحق من عند الله تعالى ولم يَنْقَد له إباءً واستكبارًا وهو الغلب على كفر أعداء الرسل كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه: { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} وقول الأمم لرسلهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا } وقول: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} وهو كفر اليهود، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} وقال: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} وهو كفر أبي طالب أيضًا فإنه صدقه ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحميَّة وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم ويشهد عليهم بالكفر .
وأما كفر الإعراض: فأن يعرض بسمعه وقلبه ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي صلَّى الله عليه وسلم: والله لا أقول لك كلمة، إن كنت صادقًا فأنت أجلُّ في عيني من أن أردَّ عليك، وإن كنت كاذبًا فأنت أحقر من أن أكلمك.
وأما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدقه جملةً فلا يسمعها ولا يلتفت إليها فأما مع التفاته إليها ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك؛ لأنها مستلزمة للصدق ولا سيما لمجموعها، فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار.
وأما كفر النفاق: بأن يظهر بلسانه الإيمان وينطق قلبه على التكذيب فهذا هو النفاق الأكبر )).
وقال أيضًا: ((وكفر الجحود والتكذيب نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.
فالمطلق: كمن يجحد جملة ما أنزل الله تعالى ورسالة الرسول صلَّى الله عليه وسلم.
والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام، أو يجحد تحريم محرم من محرماته، أو يجحد صفة وصف الله تعالى بها نفسه، أو خبرًا أخبر الله تعالى به عمدًا أو تقديمًا لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض، وأما جحد ذلك جهلًا أو تأويلًا يُعْذَر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه))
[126] في (ت): ((وهو)).
[127] في (ك) و(ص): ((وبالله)).
#%ص97%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

8- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبيد الله)) بالتصغير، وفي رواية: (وحدثنا) محمد بن إسماعيل؛ يعني: البخاري، حدثنا عبيد الله ((بن موسى)) بن باذام بالموحدة، وبالذال المعجمة، آخره ميم، العَبْسي بفتح العين وتسكين الموحدة، وكان شيعيًّا؛ وهو مقبول الرواية في غير الداعي إلى بدعتهم، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين بالإسكندرية.

((قال: أخبرنا)) وفي رواية: (حدثنا) ((حنظلة بن أبي سفيان)) بن عبد الرحمن الجمحي المكي، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، ((عن عكرمة بن خالد)) بن العاص، المخزومي، القرشي، المتوفى بمكة بعد عطاء؛ وهو توفي سنة أربع عشرة ومئة، ((عن ابن عمر)) عبد الله بن الخطابرضي الله عنهم، وكان واسع العلم، توفي سنة ثلاث وسبعين، ((قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام)) الذي تقدم أنَّه الانقياد ((على خمس)) ؛ أي: خمس دعائم، وقيل: (على) بمعنى (من) ؛ أي: بني الإسلام من خمس؛ فتأمل.

((شهادة أن لا إله إلا الله)) بخفض (شهادة) بدل من (خمس) ، وكذا ما بعدها، ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهي، والنصب بتقدير: أعني، و (لا) هي النافية للجنس، و (إله) اسمها مركب معها تركيب مزج كـ (أحد عشر) ، وفتحته فتحة بناء، وعند الزجاج: فتحة إعراب؛ لأنَّه عنده منصوب بها لفظًا وخبرها محذوف اتفاقًا تقديره: موجود، و (إلا) حرف استثناء، والاسم الكريم مرفوع على البدلية من الضمير المستكن في الخبر، وقيل: مرفوع على الخبرية لقوله: (لا) ، وعليه جماعة، وهذا التركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصفة على الموصوف، لا العكس؛ لأنَّ (إله) في معنى الوصف.

وإنما قدم النفي على الإثبات فقيل: لا إله، ولم يقل: الله لا إله إلا هو، بتقديم الإثبات على النفي؛ لأنَّه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إله غيره؛ فقد فرَّغ قلبه مما سوى الله بلسانه ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشريك عن الله بالجوارح الظاهرة والباطنة.

((و)) شهادة ((أن محمدًا رسول الله)) وإنما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ لأنَّ المراد بـ (الشهادة) : تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من الاعتقادات، ((وإقام الصلاة)) ؛ أي: الإتيان بها على وجهها المعلوم عند الفقهاء، ((وإيتاء الزكاة)) ؛ أي: إعطائها مستحقيها بإخراج جزء من المال على الوجه المخصوص؛ كما يأتي، ((والحج)) إلى بيت الله الحرام، ((وصوم)) شهر ((رمضان)) .

وإنما لم يذكر الجهاد؛ لأنَّه فرض كفاية، ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال، ووجه الحصر في الخمسة؛ أن العبادة: إما قوليَّة أو غيرها، الأولى الشهادتان، والثانية: إما تَركيَّة أو فعليَّة، الأولى الصوم، والثانية إما بدنيَّة أو ماليَّة، الأولى الصلاة، والثانية الزكاة، أو مركَّبة منهما؛ وهي الحج، وفي رواية تأخير الحج عن صوم رمضان، وفي قوله: (بني... إلى آخره) ؛ استعارة تبعية وبالكناية وتمثيلية، كما لا يخفى.