كشف الالتباس عما أورده الإمام البخاري على بعض الناس

المقدمة

          ♫
          [قال أستاذنا العلامة المحقق والنحرير المدقق محرز قصبات السبق في ميدان المعارف ومبرز رقائق النكت في محافل الآداب واللطائف الفاضل عبد الغني الميداني بُلِّغ الأماني:](1)
          الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
          أما بعد:
          فيقول المرتجي من فضل الله نيلَ الأماني، الفقيرُ إليه عبد الغني الغُنَيمي المَيْدَاني:
          هذه رسالة أذكُرُ فيها ما ذَكَره الإمامُ البخاريُّ في ((صحيحه)) من الفروع، معبِّرًا عنها بقوله: (قَالَ بَعْضُ النَّاسِ)، واعتَرَضها غايةَ الاعتراض، حتى نَسَبَ قائلَها إلى التساهل والإدْحَاض(2)، وفي بعضها خالفوا الكتابَ والسنةَ وأكثرَ الأئمة.
          وقد اعترضه كثير من الأئمة بممانعات قوية، وأجابوا عن اعتراضاته بأجوبة سديدة مَرْضِيَّة، فأحببتُ أن أذكر ما قالوه بعد ذكر ما قال، ليرتفع الشكُّ ويتبيَّن الحال، لما اشتَهَر عند الكثير والجمِّ الغفير، أنَّ المراد بقول البخاري: «قَالَ بَعْضُ النَّاسِ» هو المجتهِدُ المقدَّم، الإمامُ الأعظم.
          وبسماع مثلِ ذلك عن هذا الإمام، ربما يُوقع بعضَ المقلِّدين في الشك والإِيهام، مع أنَّ نسبةَ بعضِها إليه غيرُ صحيح؛ لأنَّ قولَه بخلافها صريح، والباقي وإنْ كان من مذهبه، لكنه لم ينفرد به، بل وافقه عليه غيرُه من المجتهدين، والأئمة السابقين، ولذا قال العيني عند قول / البخاري: «قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: المَعْدِنُ رِكازٌ». قال ابنُ التِّين: المرادُ أبو حنيفة.
          قال: قلتُ: جَزْمُ ابنُ التين بأنَّ المراد أبو حنيفة. من أين أخَذَه ؟ فلمَ لا يجوزُ أن يكون مرادُه هو سفيانَ الثوريَّ من أهلِ الكوفة، والأوزاعيَّ من أهل الشام، فإنَّهما قالا مثلَ ما قال أبو حنيفة: إنَّ المَعْدِنَ كالرِّكاز، وفيه الخُمُس في قليلِه وكثيرِهِ، على ظاهر قوله صلعم : «وفي الرِّكاز الخُمُس».
          ولكنَّ الظاهر أنَّ ابنَ التِّيْن لما وَقَف على ما قاله البخاري في ((تاريخه)) في حق أبي حنيفة، مما لا ينبغي أن يُذكر في حقِّ أحدٍ من أَطْرافِ الناس، فضلًا من أن يقال في حق إمامٍ هو أحَدُ أركان الدين، صَرَّح بأنَّ المرادُ ببعض الناس أبو حنيفة، ولكن لا يُرمَى إلَّا شجرٌ فيه ثَمَر. اهـ.
          وقال البِرْمَاويُّ عند قول البخاري: ((قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لا بدَّ / للحاكم من مُتَرجِمِين)): قال مُغُلْطَاي المِصريُّ: كأنَّه يُريد ببعض الناس الشافعيَّ. قال: وهو ردٌّ لقول من قال: إنَّ البخاريَّ إذا قال: قَالَ بَعْضُ النَّاسِ، أراد به أبا حنيفة. انتهى.
          وأنا أقول: إنَّ الإمام البخاري هو الإمام الكبير، والحافظ الشهير، وهو من أهل الصدر الأول، وصاحبُ المقام الذي لا يُجهَل، ومن المجتهدين كغيره من الحفاظ المتقدِّمين، لكنهم غيرُ متبوعين ولا مقلَّدين، وانقطعت مذاهبُهم بموتهم، فلا يُقلَّدون باجتهادهم، بخلاف الأئمة الأربعة المجتهدين، الذين قلَّدَتهمْ(3) جميعُ المسلمين، وصاروا أركان الدين، فاجتهادُهم باقٍ إلى يوم الدين، ولا يُقَلَّد غيرُهم كما اتَّفَق عليه أكثَرُ المتأخرين.
          والبخاري وأمثالُه من المجتهدين، مكلَّفون بما أدَّى / إليه اجتهادُهم، وبذلوا فيه وسعَهم، وليس لهم أن يُقلِّدوا غيرَهم؛ لأنَّ المجتهِدَ ليس له أن يقلِّد مجتهدًا، [و](4) إنْ كان عنده إمامًا معتَمدًا، فقد رُوِيَ أن الإمام الليث بنَ سعد سأل الإمامَ مالكًا عن مسألة توقَّف فيها، وطَلَب منه أنْ يُبيِّنَ له حكمَ الله فيها حتى يَعمل به، فأجابه بأنَّك إمام هُدى، ولك قوة الاجتهاد، وحكمُ الله فيها ما أدَّى إليه اجتهادُك.
          وإذا كان الأمرُ كذلك، فلا يُستبعَدُ على المجتهد أن يَحكم على قولِ / مخالِفِهِ بالفساد؛ لأنَّه إذا بَذَل وسعه في الاجتهاد، وتبيَّن له أو غلَبَ على ظنِّه أنَّه المراد، فبالضرورة يَحكمُ على قول مخالفِهِ بالفساد، ولذا لا يجوز له أن يَعملَ به لمخالفتِهِ لاعتقاده.
          وكلُّهم مع الحق دائرون، وبسيفِه يُناضلون، وهم باجتهادهم أصابوا أو أخطؤوا مأجورون، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وجزاهم الله خيرًا عن جميع المسلمين. وسمَّيتُها:
          (كشف الالتباس عمَّا أورده الإمام البخاري على بعض الناس).
          وهذا أوانُ الشروع في المقصود، بعون الملكِ المعبود، فأقول:


[1] زيادة من (ب).
[2] بهامش الأصلين: الإدحاض: الانزلاق، كما في الصحاح، وهذا في المتعدي له، واللازم، والدَّحْضُ أي: الزلق. يقال: حجة داحضة أي: باطلة. اهـ. منه.
[3] هكذا في الأصلين، وأصلحها أبو غدة ☼ إلى: «قلَّدهم».
[4] زيادة من (ب) و(ط).