حاشية على مختصر ابن أبي جمرة

حديث: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه

29- قولُه: (إنَّ المَلَائِكَةَ) [خ¦445] وفي رِوايةٍ بدون (إنَّ)، والجمْعُ المحلَّى ﺑ (ال) يُفيدُ الاستغراقَ، والمرادُ ﺑ (المَلَائِكَةَ): الحفَظَةُ، أوِ السَّيَّارةُ، أو أعَمُّ مِن ذلك(1).
          وقوله: (تُصَلِّي على أَحَدِكُمْ) أيْ: تدْعو لَه، وضمن (تُصَلِّي) معنى العَطْف فعدَّاهُ ﺑ (على)، أوْ أنَّ (على) بمعنى اللَّام.
          قوله: (مَا دَامَ في مُصَلَّاهُ) أي: مدَّة دوامِه فيه، والمرادُ ﺑ (مُصَلَّاهُ) عند الجُمهور: محلُّ سُجُودِه ورُكوعِه فقطْ دون بقيَّة المسجدِ، فإنْ تحوَّل يَميناً أو شِمالاً فاتَه هذا الخيرُ وهو صلاة الملائكة عَلَيه.
          وقالَ القاضِي عِياضٌ(2): المرادُ ﺑ (مُصَلَّاهُ)(3): المسجِدُ بتمامِه.
          وإنْ تحوَّلَ مِن مَكانِه إلى مكَانٍ آخَر؛ وإلَّا فاتَ الإمامَ الملْتفتَ خَيرٌ كَثيرٌ، وظاهرُه الصَّلاةُ مُطْلقاً فَرْضاً أو نَفْلاً، والحقُّ ما ذهبَ إليه عِياضٌ.
          قوله: (مَا لَمْ يُحْدِثْ) فإنْ أَحْدَثَ حُرِمَ استغفارَهم ولوِ استمرَّ جالِساً مُعاقبةً له لإيذائِه لهم برائحتِه الخبِيثةِ.
          ويفهم منْه: إنَّ المرادَ بالحدَثِ ما لَهُ رِيْحٌ، لا النَّاقض مُطلقاً حتَّى يشملَ نحو مسِّ الذَّكَر، خلافاً لمن زعَمَ أنَّ المرادَ به النَّاقضُ مُطْلقاً.
          وفي الحديثِ _أَيضاً_(4): «مَنْ تَوَضَّأَ فأحْسَنَ الوُضوءَ وخَرَجَ إلى المسْجِدِ، لا يخرجُهُ إلَّا الصَّلاة، لا يخطو خطْوةً إلَّا رفعت له درجةً وحطَّ عنْه بها خطيئةً، فإذا صلَّى لم تَزَلِ الملائكةُ تُصلِّي عليه ما دَامَ في الصَّلاةِ تقول: اللَّهمَّ صَلِّ عَلَيه، اللَّهمَّ ارْحَمْهُ.
          ولا يزال في صلاةٍ ما انتظرَ الصَّلاة».
          قوله: (تَقُوْلُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) هذا بَيانٌ لقولِه: (تُصَلِّي)، يُؤخذ منْه أنَّ صلاةَ الملائكةِ لا تَتقيَّد بالاستغفارِ، بلْ تشمل مُطْلقَ الدُّعاءِ.
          وهذا الحدِيث ذكَرهُ البخاريُّ في باب: الحدَثُ في المسْجِد.


[1] قوله: «السيارة، أو أعم من ذلك» زيادة من الأصل و«ز1»، وفي «م» (ص: 68): السفرة.
[2] لكن قاله ابن عبد البر في الاستذكار 2/298.
[3] إكمال المعلم 3/339 كما يفهم من العبارة.
[4] متفق عليه [خ¦477] [خ¦647] [خ¦2119] [م272، 649].